← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن الأبوين إذا ورثاه: أن للأب الثلثين وللأم الثلث" (١). واختلف اختلف أهل العلم في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره، على قولين: أحدهما: أنه عنى الله جل ثناؤه به: اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى. وهذا قول الجمهور (٢). والثاني: أن المراد: جماعة أقلها ثلاثة. وهذا الرأي ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد. وهذا قول ابن عباس (٣). روي عن ابن عباس: "أنه دخل على عثمان ﵁ فقال، لم صار الأخوان يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: فإن كان له إخوة، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان- ﵀ هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ " (٤). قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندي، أن المعنيَّ بقوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾، اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسول الله ﷺ ، دون ما قاله ابن عباس ﵄، لنقل الأمة وراثةً صحةَ ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك" (٥). وقد اشتهر عند العرب "إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا لا ثاني له، فأخرج اثناهما بلفظ اثنى العضوين اللذين وصفت، فقيل إخوة في معنى الأخوين، كما قيل ظهور في معنى الظهرين، وأفواه في معنى فموين، وقلوب في معنى قلبين، ومنه قول الفرزدق (٦): بِمَا فِي فُؤَادَيْنَا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَى ... فَيَبْرَأُ مُنْهَاضُ الفُؤَادِ الْمُشَعَّفُ وقد قال بعض النحويين: إنما قيل إخوة، لأن أقل الجمع اثنان. وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع (٧). وأخرج الطبري بسنده عن طاوس عن ابن عباس: "السدس الذي حجبتْه الإخوة الأمَّ لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم" (٨). كما روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، إذ قال: " الكلالة من لا ولد له ولا والِد" (٩). قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن الأخوة لا يرثون مع الأب شيئا، وانفرد ابن عباس فقال: السدس الذي حجبه الأخوة للأُم عنده" (١٠)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١١). وقال قتادة: " أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث، لأن أباهم يلي نكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم" (١٢). قال ابن كثير: "وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم، وهذا قول شاذ، رواه ابن جرير (١٣) في تفسيره" (١٤).

стр. 2732

والصواب أن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك. وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا (١). قال الطبري: " وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده. فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده" (٢). قوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، أي: " بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ديونه" (٣). قال مقاتل: " يعني: إلى الثلث أو دين عليه فإنه يبدأ بالدين من ميراث الميت بعد الكفن ثم الوصية بعد ذلك ثم الميراث" (٤). قال ابن كثير: " أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أن الدَّيْن مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فَحْوَى الآية الكريمة" (٥). قال الماتريدي: " ذكر الله - تعالى - الوصية قبل الدين، وأجمع أهل العلم أن الدين يبدأ به قبل الوصية والميراث" (٦). وقد روى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الإخوة للأب والأم، دون الإخوة للأم" (٧). وقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يوصي بها﴾ بفتح الصاد في الحرفين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿يوصي بها﴾ بكسر الصاد فيهما، وقال حفص عن عاصم الأولى بالكسر ﴿يوصي بها﴾ والثانية ﴿يوصي بها﴾ بفتح الصاد (٨). قوله تعالى ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]، أي: " آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر" (٩). عن السدي قوله: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا﴾، قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا" (١٠). قال ابن عباس: " يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض" (١١). قال مقاتل: " يعني: في الآخرة، فيكون معه في درجته، وذلك أن الرجل يكون عمله دون عمل ولده أو يكون عمله دون عمل والده، فيرفعه الله- في درجته لتقر أعينهم" (١٢).

стр. 2733

وعن ابن زيد: قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخلِ عليكم غيرهم، فرَضَ لهم المواريث، لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم" (١). قال الطبري: " يقول: أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم" (٢). وقال مجاهد: " ﴿أيهم أقرب لكم نفعًا﴾، في الدنيا" (٣). قال ابن كثير: " أي: إنما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللوالدين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم؛ لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي - أو الأخروي أو هما - من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس؛ فلهذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر؛ فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث" (٤). قال الراغب: " قيل: القصد بذلك أن المنفعة بهما متفاوتة، فإن المنفعة بالآباء في الصغر، وبالأبناء في الكبر. وقيل: معناه تحروا ما أمرتم، ولا تعتبروا نفع الولد والوالد، فإن ذلك يختلف عند اعتبار الآحاد. وقيل: معناه لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة، فينتفع ولده بماله، أم الولد أقرب وفاة فينتفع الوالدان بماله، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر (٥): ما علم ذي ولد أيثـ ... كله أم الولد اليتيم؟ وهذا الذكر في الآية كالاستطراد، والقصد به يجب أن يتحرى في ماله الوجه الذي جعل له المال، فلا يمنع ذا حق من حقه، شفقة على ورثته، ولا يضعه في غير حقه "تفاديا من انتقال ماله إلى ورثته، بل يجب أن يتحرى القصد في ذلك، فليس يدري عواقب الأمور، وجملة ذلك أن في الآية حثا على تفويض الأمر إلى الله، والرضا بحكمه" (٦). قوله تعالى ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، أي: " هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله" (٧). قال مقاتل: " قال في التقديم لهذه القسمة: فريضة ثابتة من الله" (٨). قال الطبري: أي: " سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم" (٩). قال ابن كثير: " أي: من هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض - هو فرض من الله حكم به وقضاه" (١٠). قوله تعالى ﴿ِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، أي: " إِنه تعالى عليم بما يصلح لخلقه حكيم فيما شرع وفرض" (١١). قال ابن كثير: أي: " والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه" (١٢). قال الطبري: أي: " إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. حكيما، يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض،

стр. 2734

وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة" (١). الفوائد: ١ - أن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغر منها شيئاً. ٢ - الاثنان يعتبران جمعاً. ٣ - ولد الولد حكمه حكم الولد نفسه في الحجب. ٤ - الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أصحاب الفرائض وما بقي يرثه بالتعصيب لقوله ﷺ : «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢). ٥ - في الآية دليل جواز القياس، والفكر فيها، والاعتبار؛ لأن ميراث الابنتين مستدل عليهما، غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير منصوص، وما يحرز الأب من الميراث بحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوص عليه، وهكذا كل من يستحق شيئا بحق الفريضة فهو منصوص عليه؛ فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد، والتفكر فيه، والاعتبار. ٦ - ومن الفوائد: أنه يجوز ألا يطلع الله عباده على الأشياء بقوله - تعالى -: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، إذ لم يبين أيهم أقرب نفعا. ٧ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و «الحكيم»: فمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٣). قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم" (٤). و«الحكيم»: "هو المحكم لخلق الأشياء. صرف عن مفعل إلى فعيل، كقولهم: أليم بمعنى: مؤلم، وسميع بمعنى: مسمع؛ كقوله -جل وعز-: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١]. فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ [السجدة: ٧] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ [الفرقان: ٢] " (٥). القرآن ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢] التفسير:

стр. 2735

ولكم -أيها الرجال- نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن إن لم يكن لهن ولد ذكرًا كان أو أنثى، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، ترثونه من بعد إنفاذ وصيتهن الجائزة، أو ما يكون عليهن من دَيْن لمستحقيه. ولأزواجكم -أيها الرجال- الربع مما تركتم، إن لم يكن لكم ابن أو ابنة منهن أو من غيرهن، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم، يقسم الربع أو الثمن بينهن، فإن كانت زوجة واحدة كان هذا ميراثًا لها، من بعد إنفاذ ما كنتم أوصيتم به من الوصايا الجائزة، أو قضاء ما يكون عليكم من دَيْن. وإن مات رجل أو امراة وليس له أو لها ولد ولا والد، وله أو لها أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس. فإن كان الإخوة أو الأخوات لأم أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث يقسم بينهم بالسوية لا فرق بين الذكر والأنثى، وهذا الذي فرضه الله للإخوة والأخوات لأم يأخذونه ميراثًا لهم من بعد إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه على الورثة. بهذا أوصاكم ربكم وصية نافعة لكم. والله عليم بما يصلح خلقه، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إِن لم يكن لزوجاتكم أولاد منكم أو من غيركم" (١). عن سعيد بن جبير قوله: ولكم يقول: للرجل" (٢)، " قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ يقول: للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت" (٣)، "قوله: ﴿إن لم يكن لهن ولد﴾: إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره" (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢]، أي: "، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم" (٥). عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿فإن كان لهن ولد﴾: فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى" (٦)، قوله: ﴿فلكم الربع﴾، يعني: للزوج" (٧)، "قوله: ﴿مما تركن﴾، يعني: مما تركت من المال" (٨). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: من بعد الوصية وقضاء الدين" (٩). عن سعيد بن جبير قوله: ﴿من بعد وصية يوصين بها﴾: النساء" (١٠)، "قوله: ﴿أو دين﴾: دين عليهن، قال: فالدين قبل الوصية فيها تقديم" (١١). عن علي، قال: شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين، ولفظ العدني، قال: " قضى رسول الله ﷺ أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون: ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وإن أعيان بني الأم يتوارثون، دون بني العلات الإخوة للأب والأم دون الإخوة للأب، ولفظ العدني الإخوة للأب والأم أقرب من الإخوة للأب يتوارثون دون الإخوة للأب " (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إِن لم يكن لكم ولد منهن أو من غيرهن" (١٣). عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿ولهنّ﴾ يعني: النساء" (١٤)، " قوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾، يعني: للمرأة الربع" (١٥)، " قوله: ﴿مما تركتم﴾ يعني: مما ترك زوجها من الميراث" (١٦)، "قوله: ﴿إن لم يكن لكم﴾، يعني: لزوجها الذي مات عنها" (١٧)، " قوله: ﴿إن لم يكن لكم ولد﴾، قال: ولد منها ولا من غيرها" (١٨).

стр. 2736

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: فإِن كان لكم ولد منهن أو من غيرهن فلزوجاتكم الثمن مما تركتم من المال" (١). عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿فإن كان لكم ولد﴾، قال: ولد ذكر أو أنثى" (٢)، "قوله: ﴿فلهن الثمن مما تركتم﴾ يعني: مما ترك الزوج من المال" (٣). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، ]، " أي: من بعد الوصية وقضاء الدين" (٤). قال سعيد بن جبير: " والدين قبل الوصية ثم يقسم الميراث" (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً] ﴿النساء: ١٢]، " أي: وإن كان الميت يورث كلالة أي لا والد له ولا ولد وورثة أقاربه البعيدون لعدم وجود الأصل أو الفرع" (٦). قال الشافعي: " المعنى: إن مات رجل في حال كلالة، أي: لم يخلف والداً ولا ولداً" (٧). قال الواحدي: " الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات" (٨). واختلفوا في الكلالة على أقوال: أحدها: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب (٩)، وهو قول طاوس (١٠). والثاني: أن الكلالة ما عدا الوالد، وهو قول الحكم بن عيينة في أحد قوليه (١١). والثالث: أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، وهو قول أبي بكر (١٢)، وعمر (١٣)، والمشهور عن ابن عباس (١٤)، وسليم بن عبد (١٥)، وقتادة (١٦)، والحكم (١٧)، وابن زيد (١٨)، والزهيري (١٩)، وأبي إسحاق (٢٠)، والضحاك (٢١)، والحسن (٢٢)، وسعيد بن جبير (٢٣)، واختيار الفراء (٢٤)، والزجاج (٢٥). والرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي (٢٦). والخامس: أنهم الأخوة للأم. قاله عطية (٢٧). والسادس: أنهم الأخوة للأب. قاله عبيد بن عمير (٢٨).

стр. 2737

والسابع: وقيل: هم الأخوة والأخوات (١). قال الواحدي: " والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد" (٢). قال ابن كثير: "الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه" (٣). قال الزجاج: " زعم أهل اللغة أن الكلالة من قولك: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أباه. والكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر (٤): فإنّ أَبَا الْمَرْء أحْمَى لَهُ ... ومَوْلَى الكَلالَة لَا يَغضَبُ وإنما هو كالإكليل الذي على الرأس" (٥). ويجدر القول بأن الوارث يسمى "كلالة". قاله سعيد بن جبير (٦)، وكما جاء في حديث جابر أنه قال: "ليس يرثني إلا كلالة" (٧). وكذلك أن الموروث أي: الميت، يسمى "كلالة"، قاله الضحاك والسدي (٨)، ومنه قول الفرزدق (٩): ورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم وقال الطرماح (١٠): يهز سلاحا لم يرثه كلالة ... يشك به منها جلود المغابن يصف ثورا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث (١١). وقال النضر بن شميل: أن الكلالة "هو المال" (١٢). نستنتج بأن كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (١٣). قال الشافعي: " والكلالة في هاتين الآيتين (١٤): الميت لا الوارث، وقد قيل للورثة الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد: كلالة أيضاً، ألا ترى أن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مرضت فأتيت النبي ﷺ فقلت: "إني رجل لا يرثنى إلا كلالة" (١٥) الحديث، فجعل الكلالة: ورثته، فأما الآيتان: فالكلالة فيهما - الميت - الموروث لا الوارث" (١٦).

стр. 2738

وروى أنس عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فرد عليه السائل فقال ﷺ : «لست بزائدك حتى أزاد» (١). عن ابن عمر، قال: "سمعت عمر، يقول على منبر المدينة: «وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا ننتهي إليه، الجد والكلالة، وأبواب من أبواب الربا» " (٢). قوله تعالى: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢]، أي: " أو امرأةٌ تورث كلالة" (٣). قال الشافعي: أي: " أو ماتت امرأة كذلك" (٤). قال السمعاني: " يعنى: أو امرأة تورث كلالة" (٥). وعن عمر، أنه قال لابن عباس، وسعيد بن زيد، وابن عمر حين طعن: " اعلموا أن من أدرك وفاتي من سبي العرب من مال الله، فهو حر، واعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا، واعلموا أني لم أستخلف أحدا " (٦). وعن عاصم بن سليمان، عن الشعبي، قال: كان عمر يقول: " الكلالة: من لا ولد له "، فلما طعن عمر، قال: " إني لأستحي الله أن أخالف أبا بكر، أرى الكلالة: ما عدا الولد والوالد " (٧). وأخرج عبدالرزاق عن معمر , عن أيوب عن ابن سيرين , قال: " نزلت ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] والنبي ﷺ في مسير له , وإلى جنبه حذيفة بن اليمان , فبلغها النبي ﷺ حذيفة " , وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلف حذيفة , فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده تفسيرها , فقال له حذيفة: والله إنك لأحمق إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذ , فقال: عمر: لم أرد هذا رحمك الله، قال معمر: فأخبرني أيوب , عن ابن سيرين أن عمر كان إذا قرأ ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]، قال: «اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي» (٨). وروي عن سفيان عن عمرو عن طاوس، قال: "أمر عمر حفصة أن تسأل النبي ﷺ ، عن الكلالة، فأمهلته حتى إذا لبس ثيابه، سألته عنها، فأملاها عليها، وقال: «من أمرك بهذا، أعمر؟ ما أظن أن يفهمهما، أو لم تكفه آية الصيف؟ » قال سفيان: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾، فلم يفهمها، وقال: اللهم من فهمها فإني لم أفهمها" (٩). وروي عن الأثرم، عن أبي عبيدة " ﴿كلالة﴾ قال: "كل من لم يرثه أب، أو ابن، أو أخ، فهو عند العرب: كلالة ﴿يورث كلالة﴾، كلالة: مصدر، من تكلله النسب أي: تعطف النسب عليه، ومن قال: ﴿يورث كلالة﴾، فهم الرجال الورثة، أي: تعطف النسب عليه " (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢]، "أي: وللمورّث أخ أو أخت من أمّ" (١١). عن الحسن: "في قول الله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت﴾، قال: من أمه" (١٢). وروي عن سعد بن مالك مثله (١٣). قال السمعاني: " أجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هاهنا أولاد الأم، وفرض لكل واحد منهم السدس ذكرا كان أو أنثى" (١٤). قوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: فللأخ من الأم السدس وللأخت السدس أيضاً" (١٥).

стр. 2739

وقرأ الحسن: ﴿يورث﴾ بفتح الواو، وكسر الراء مع التشديد، فمن قرأ ﴿يورث﴾ - بالكسر – فكلالة، مفعول، ومن قرأ ﴿يورث﴾، فكلالة منصوب على الحال (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، "أي: فإِن كان الإِخوة والأخوات من الأم أكثر من واحد فإِنهم يقتسمون الثلث بالسوية ذكورهم وإِناثهم في الميراث سواء" (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: أكثر من واحد، وكانوا اثنين إلى عشرة فصاعدا" (٣). عن ابن شهاب قال: "قضى عمر بن الخطاب أن- ميراث الأخوة من الأم بينهم للذكر فيه مثل الأنثى، قال: ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله ﷺ ، ولهذه الآية التي قال الله تعالى: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ " (٤). وروي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة نحو ذلك (٥). قال السمعاني: " وفيه إجماع، أن فرضهم الثلث إذا تعددوا، وإن كثروا" (٦). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، " من بعد إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه على الورثة" (٧). قال السمعاني: " يعني: الموصي لا يضر بالورثة بمجاوزة الثلث، ونحوه ا" (٨). قال عكرمة: "قال ابن عباس: " الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ هذه الآية: ﴿غير مضار﴾ إلي ﴿مهين﴾ " (٩). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "الإضرار في الوصية من الكبائر" (١٠). قال مجاهد: " قوله " ﴿مضار﴾ قال: في الميراث لأهله " (١١). قال سعيد بن جبير: " يعني، عليه من غير ضرار يكون به، ولا يقر بحق عليه ولا يوصي بأكثر من الثلث مضارة لهم، فذلك قوله: غير مضار يعني: غير مضار للورثة بتلك القسمة ﴿وصية من الله﴾ " (١٢). قال قتادة: "إن الله كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، "أي: أوصاكم الله بذلك وصية" (١٤). قال السمعاني: " أي: فريضة من الله" (١٥). قال ابن أبي زمنين: أي: " تلك القسمة" (١٦). وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة (١٧). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: وعالم بما شرع حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره" (١٨).

стр. 2740

قال محمد بن إسحاق: " ﴿والله عليم﴾ أي: عليم بما يخفون" (١). قال سعيد بن جبير: " ﴿عليم﴾ يعني: عالما بها" (٢). الفوائد: ١ - بيان ميراث الزوج من زوجته، والزوجة والزوجات من زوجهن. ٢ - بيان ميراث الكلالة وهو من لا يترك والداً ولا ولداً فيرثه إخوته فقط يحوطون به إحاطة الإكليل بالرأس فلذا سُميت الكلالة. ٣ - إهمال الوصية أو الدين إن علم إن الغرض منها الإضرار بالورثة فقط. ٤ - عظم شأن المواريث فيجب معرفة ذلك وتنفيذه كما وصى الله تعالى. ٥ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و «الحليم»: فمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٣). قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم" (٤). و«الحليم» هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم؛ إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة. والمتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض الشعراء بيان هذا المعنى في قوله (٥): لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا ... حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام ويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ، ... لا عَفْوَ ذُلَّ، ولكن عَفْوَ أحلام ويقال: لم يصف الله -سبحانه- أحدا من خلقه بصفة أعز من الحلم، وذلك حين وصف إسماعيل به. ويقال: إن أحدا لا يستحق اسم الصلاح حتى يكون موصوفا بالحلم، وذلك أن إبراهيم -صلوات الله عليه- دعا ربه فقال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ [الصافات: ١٠٠]، فأجيب بقوله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١] فدل على أن الحلم أعلى مآئر الصلاح -والله أعلم- (٦). القرآن ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣] التفسير: تلك الأحكام الإلهية التي شرعها الله في اليتامى والنساء والمواريث، شرائعه الدالة على أنها مِن عند الله العليم الحكيم. ومَن يطع الله ورسوله فيما شرع لعباده من هذه الأحكام وغيرها، يدخله جنات كثيرة الأشجار والقصور، تجري من تحتها الأنهار بمياهها العذبة، وهم باقون في هذا النعيم، لا يخرجون منه، وذلك الثواب هو الفلاح العظيم. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣]، " أي: تلك الأحكام المذكور شرائع الله التي حدّها لعباد" (٧). قال مقاتل: " يعني هذه القسمة فريضة من الله" (٨). قال الزجاج: " أي الأمكنة التي لا ينبغي أن تتجاوز" (٩).

стр. 2741

قال السمعاني: " يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة" (١). قال البغوي: " يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة" (٢). قال ابن كثير: " أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قُربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها" (٣). قال السعدي: " فالوصية للوارث بزيادة [ص: ١٧١] على حقه يدخل في هذا التعدي، مع قوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٤) " (٥) ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣]، وجوه: أحدها: يعني: طاعة الله، في المواريث التي سمى. قاله ابن عباس (٦). والثاني: يعني: سنة الله وأمره في قسمة المواريث. قاله سعيد (٧). والثالث: أن حدود الله، يعني: فشروط الله. قاله السدي (٨). والرابع: فرائض الله التي حدها لعباده (٩). والخامس: تفصيلات الله لفرائضه (١٠). قال الزمخشري: " ﴿تلك﴾، إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث. وسماها حدودا، لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين، لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق" (١١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، " أي: ومن يطع أمر الله فيما حكم وأمر رسوله فيما بيّن" (١٢). قال سعيد بن جبير: " في قسم الميراث كما أمره الله" (١٣). قال مقاتل: " فى قسمة المواريث" (١٤). قال الزجاج: " أي يقيم حدوده على ما حد" (١٥). قال ابن كثير: " أي: فيها، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته" (١٦). قال السعدي: " بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها واجتناب نهيهما الذي أعظمه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها" (١٧). وفي قوله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، وجهان: أحدهما: في عدم الإضرار في الوصية. وهذا قول ابن عباس (١٨)، والحسن (١٩). والثاني: معناه: فيما اقتص من المواريث. قاله مجاهد (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١)، وابن جريج (٢٢).

стр. 2742

قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ على وجوب مراعاة ما بينه تعالى في الكتاب من أحكام المواريث، وما بينه ﷺ من نحو قوله: «لا وصية لوارث» (١)، وقوله: «لك الثلث والثلث. . .» (٢) " (٣). قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٣]، أي: " يدخله جنات النعيم التي تجري من تحت أشجارها وأبنيتها الأنهار" (٤). قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها" (٥). قال سعيد بن جبير: " يعني: تحتها الأنهار: تحت الشجر البساتين" (٦). قال عبدالله: " أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك" (٧). قال السعدي: " من أدى الأوامر واجتنب النواهي فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار" (٨). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣]، " أي: وهم ماكثين فيها أبداً" (٩). قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون" (١٠). قال مقاتل: " لا يموتون" (١١). قرأ نافع وابن عامر: ﴿ندخله جنات﴾، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿يدخله جنات﴾، بالياء (١٢). قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣]، أي: " وذلك الثواب هو الفلاح العظيم" (١٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: ذلك الثواب الفوز العظيم" (١٤). قال السمعاني: " ذكر ثواب من أطاعه، ولم يجاوز حدوده" (١٥). قال الراغب: " ووصف الفوز بالعظيم اعتبارا بفوز الدنيا" (١٦). قال السعدي: " الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون" (١٧). عن شهربن حوشب أبي هريرة، قال: "قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة». قال: ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿تلك حدود الله﴾ إلى قوله: ﴿فله عذاب مهين﴾ " (١٨). الفوائد: ١ - بيان حرمة تعدي حدود الله تعالى.

стр. 2743

٢ - بيان ثواب طاعة الله ورسوله وهو الخلود في الجنة. القرآن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤] التفسير: ومَن يَعْصِ الله ورسوله، بإنكاره لأحكام الله، وتجاوزه ما شرعه الله لعباده بتغييرها، أو تعطيل العمل بها، يدخله نارًا ماكثًا فيها، وله عذاب يخزيه ويهينه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، " أي: ومن يعص أمر الله وأمر الرسول" (١). قال الزجاج: " أي: يجاوز ما حده الله وأمر به" (٢). قال ابن أبي زمنين: أي: " في قسمة المواريث" (٣). عن عكرمة: قال ابن عباس: " الضرر في الوصية من الكبائر ثم قرأ: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ " (٤). ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، وجوه: أحدها: معناه: ومن يعص الله ورسوله في الوصية. قاله ابن عباس (٥). والثاني: أن المعنى: ومن يكفر بقسمة المواريث وهم المنافقون، كانوا لا يعدون بأن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيبا. وهذا قول سعيد بن جبير (٦). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٧). والثال: أن معناه: من لا يؤمن بالله. قاله ابن جريج (٨). وهو معنى قريب من القول الثاني. قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤]، " أي: يتجاوز ما حدّه الله تعالى في الطاعات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤]، " أي: ومن يعص أمر الله وأمر الرسول يتجاوز ما حدّه الله تعالى في الطاعات" (١٠). قال ابن عباس: " يعني: من لم يرض بقسم الله وتعدى ما قال" (١١). قال سعيد بن جبير: " يعني: يخالف أمره في قسمة المواريث" (١٢). قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]، " أي: يجعله مخلداً في نار جهنم لا يخُرج منها أبداً" (١٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: يخلد فيها بكفره بقسمة المواريث" (١٤). قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿يدخله نارا﴾ بالياء، وقرأ نافع وابن عامر: ﴿ندخله نارا﴾، بالنون (١٥). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، " أي وله عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال" (١٦). قال السمعاني: " ذكر عقاب من عصاه، وجاوز حدوده" (١٧). قال مقاتل بن حيان: " يعني: المهين: الهوان" (١٨).

стр. 2744

قال ابن كثير: " أي: لكونه غيَّر ما حكم الله به وضاد الله في حكمه. وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم" (١). قال السعدي: " ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب، ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها" (٢). الفوائد: ١ - بيان جزاء معصية الله ورسوله وهو الخلود في النار والعذاب المهين فيها. ٢ - ويستفاد أيضا: أن اسم المعصية يدخل فيه الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب. ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها (٣). القرآن ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥] التفسير: واللاتي يزنين من نسائكم، فاستشهدوا -أيها الولاة والقضاة- عليهن أربعة رجال عدول من المسلمين، فإن شهدوا عليهن بذلك فاحبسوهن في البيوت حتى تنتهي حياتهن بالموت، أو يجعل الله لهن طريقًا للخلاص من ذلك. قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، "أي: اللواتي يزنين من أزواجكم" (٤). قال مجاهد: " يعني: الزنا" (٥)، كذا قاله عطاء بن أبي رباح (٦)، وعبد الله بن كثير (٧)، والحسن (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والسدي (١٠). قال ابن الجوزي: " والفاحشة: الزنى في قول الجماعة" (١١). قال سعيد بن جبير: " ﴿من نسائكم﴾ يعني: المرأة الثيب من المسلمين" (١٢). قال الطبري: أي: " والنساء اللاتي يأتين بالزنا، أي يزنين من نسائكم، وهن محصنات ذوات أزواج أو غير ذوات أزواج" (١٣). قال الراغب: "قوله: ﴿من نسائكم﴾ تنبيه على الحرائر. وقيل: تنبيه على المحصنات دون الأبكار.

стр. 2745

وقيل: على المزوجات أبكارا كن أو ثيبات" (١). قال الواحدي: " وخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢]. وقدم اسم الرجل في آية السرقة في قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة" (٢). وفي مصحف عبد الله: ﴿الفاحشة من نسائكم﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، أي: " فاطلبوا أن يشهد على اقترافهن الزنا أربعة رجال من المسلمين الأحرار" (٤). قال الطبري: أي: " فاستشهدوا عليهن بما أتين به من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني: من المسلمين" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وجهان (٦): أحدهما: أنه خطاب للأزواج. والثاني: خطاب للحكام. قال السمعاني: " هو خطاب للحكام، يعني: فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود، وهذه الآية هي الحجة على أن شهود الزنا أربعة" (٧). قال عمر بن الخطاب: "إنما جعل الله الشهود أربعة سترا ستركم به دون فواحشكم" (٨). قال القرطبي: " ولا بد أن يكون الشهود ذكورا، لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، ولا خلاف فيه بين الأمة. وأن يكونوا عدولا، لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل، على ما هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة، وإن كان الحكم على ذمية" (٩). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، "أي: فإِن ثبتت بالشهود جريمتهن فاحبسوهن في البيوت إِلى الموت أو يجعل الله لهنَّ مخلصاً بما يشرعه من الأحكام " (١٠). قال ابن عباس: " فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور: ٢]، فإن كانا محصنين رجُما. فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما" (١١). وقال قتادة: " كان هذا من قبل الحدود، فكانا يؤذّيان بالقول جميعًا، وبحبْس المرأة. ثم جعل الله لهن سبيلا فكان سبيل من أحصن جلدُ مئة ثم رميٌ بالحجارة، وسبيل من لم يحصن جلد مئة ونفي سنة" (١٢). قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير: "السبيل الحدّ، الرجم والجلد" (١٣). قال الطبري: أي: " أو يجعل الله لهن مخرجًا وطريقًا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة" (١٤). قال مجاهد: " أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن" (١٥). وفي روياة أخرى: " كان أمر بحبسهن حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن" (١٦).

стр. 2746

قال السمعاني: " وكان هذا هو الحكم في ابتداء الإسلام، وأن المرأة إذا زنت حبست في البيت إلى أن تموت. ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم، وهو بيان السبيل المذكور في الآية، والحجة عليه: حديث عبادة: " خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة (١). ثم نسخ الجلد في حق الثيب، واستقر أمرها على الرجم" (٢). واختلفوا في إمساكهن في البيوت هل هو حد أو مُوعد بالحد على قولين: أحدهما: يعني بالسبيل الحد، وهذا قول مجاهد (٣)، والحكم (٤)، وسفيان (٥)، وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير (٦). والثاني: أنه مُوعد بالحد. (٧). واختلفوا في نسخ الجَلْدِ من حد الثيِّب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه منسوخ، وهو قول الجمهور من التابعين والفقهاء، إذ يروا بأن الثيب الزاني إنما يُرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رَجَمَ ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم (٨). والثاني: أنه ثابت الحكم، يعني الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وبه قال قتادة (٩)، وداود بن علي (١٠)، وهو مذهب الإمام احمد (١١). واستدل الإمام أحمد على رأيه بما ورد عن ابن عباس: "لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ : «لا حبس بعد سورة النساء» (١٢) " (١٣). والثالث: وذهب طائفة إلى أنه يجمع بينهما. إذ نقل البغوي عن علي ﵁: "أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة، وقال: «جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ "» (١٤). قال السمعاني: " والأول أصح" (١٥). قال الطبري: " السبيلُ التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصَنَيْن، الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مئة ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رَجم ولم يجلد" (١٦). قال الماوردي: "وهذه الآية عامة في البكر والثيب، واخْتُلِفَ في نسخها على حسب اختلافهم فيها هل هو حد أو موعد بالحد، فمن قال: هي حد، جعلها منسوخة بآية النور (١٧)، ومن قال: هي مُوعد بالحد، جعلها ثابتة" (١٨). قال ابن كثير: " كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت، فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك" (١٩).

стр. 2747

قال البغوي: " وعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما. وعند أبي حنيفة ﵁: التغريب أيضا منسوخ في حق البكر. وأكثر أهل العلم على أنه ثابت، روى نافع عن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ﵁ ضرب وغرب، وأن عمر ﵁ ضرب وغرب» (١) " (٢). الفوائد: ١ - عظم قبح فاحشة الزنى. ٢ - بيان حد الزنى قبل نسخه بآية سورة النور، وحكم الرسول ﷺ في رجم المحصن والمحصنة. القرآن ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦] التفسير واللذان يقعان في فاحشة الزنى، فآذُوهما بالضرب والهجر والتوبيخ، فإن تابا عمَّا وقع منهما وأصلحا بما يقدِّمان من الأعمال الصالحة فاصفحوا عن أذاهما. قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، "أي واللذان يفعلان فاحشة الزنى منكم" (٣). قال السدي: " ثم ذكر الجواري والفتيان الذين لم ينكحوا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ " (٤). قال سعيد بن جبير: " وذكر البكرين اللذين لم يحصنا فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾، يعني: الفاحشة وهو الزنا" (٥)، " ﴿منكم﴾، يعني من المسلمين" (٦). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما الرجل والمرأة، إلا أنه لم يُقصَد به بكر دون ثيِّب. وهو قول الحسن (٧)، وعطاء (٨)، وعكرمة (٩)، وعبدالله بن كثير (١٠). والثاني: أنهما البكران من الرجال والنساء غير المحصنين، وهما غير اللاتي عُنين بالآية قبلها، في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، معنيٌّ به الثيِّبات المحصنات بالأزواج. وهذا قول السدي (١١). والثالث: أنهما الرجلان الزانيان. قاله مجاهد (١٢). والراجح –والله أعلم- أنه "عُني به البكران غير المحصنين إذا زنيا، وكان أحدهما رجلا والآخر امرأة، لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم، أو قيل: والذي يأتيها منكم، كما قيل في التي قبلها: واللاتي يأتين الفاحشة، فأخرج ذكرهن على الجميع، ولم يقل: واللتان يأتيان الفاحشة " (١٣).

стр. 2748

وقرأ ابن كثير: ﴿اللذان﴾، ﴿هذان﴾، ﴿هاتين﴾، ﴿فذانك﴾ مشددة النون في جميعها، ووافقه أبو عمرو في: ﴿فذانك﴾، وإنما شدد نون التثنية لأنه جعل التشديد عوضا من الحذف الذي لحق الكلمة (١). قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، أي: " فآذُوهما بالضرب والهجر والتوبيخ" (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: باللسان بالتعيير والكلام القبيح لهما بما عملا، وليس عليهما حبس لأنهما بكران، ولكن يعيرا ليتوبا ويندما" (٣). قال أبو السعود: " أي بالتوبيخ والتقريع وقيل بالضرب بالنعال أيضا وظاهر أن إجراء هذا الحكم أيضا إنما يكون بعد الثبوت لكن ترك ذكره تعويلا على ما ذكر آنفا" (٤). وفي الأذى المامور به في قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ثلاثة اوجه: أحدها: التعيير والتوبيخ باللسان، وهو قول قتادة (٥)، والسدي (٦)، وسعيد بن جبير (٧). والثاني: كان ذلك الأذى، أذًى اللسان، غير أنه كان سبًّا. قاله مجاهد (٨)، واختاره النحاس (٩). والثالث: أنه الأذى باللسان واليد، فكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس (١٠). والرابع: أنه مجمل أخذ تفسيره في البكر من آية النور، وفي الثيِّب من السُّنّة. أفاده الماوردي (١١). والصواب –والله أعلم- أن يقال: ": إنّ الله تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين، إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروه نال الإنسان، من قول سيئ باللسان أو فعل، وليس في الآية بيان أيّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد، وجائز أن يكون كان أذى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة، إذْ كان الله جل ثناؤه قد نسخ ذلك من مُحكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزواني سبيلا بالحدود التي حكم بها فيهم" (١٢). وإن قيل كيف جاء ترتيب الأذى بعد الحبس؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن هذه الآية نزلت قبل الأولى، ثم أمر أن توضع في التلاوة بعدها، فكان الأذى أولاً، ثم الحبس، ثم الجلد أو الرجم، وهذا قول الحسن (١٣). والثاني: أن الأذى في البكرين خاصة، والحبس في الثَّيِّبين، وهذا قول السدي (١٤). ثم اختلف في نسخها على حسب الاختلاف في إجمالها وتفسيرها (١٥)، فقال قوم أن الله سبحانه نسخ بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور: ٢]، قوله: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾. وهذا قول ابن عباس (١٦)، والحسن (١٧)، ومجاهد (١٨)، والسدي (١٩)، وقتادة (٢٠)، وعكرمة (٢١)، والضحاك (٢٢)، وابن زيد (٢٣).

стр. 2749

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، " أي: فإِن تابا عن الفاحشة وأصلحا سيرتهما فكفّوا عن الإِيذاء لهما" (١). قال سعيد بن جبير: " ﴿فإن تابا﴾ يعني: من الفاحشة" (٢)، " ﴿وأصلحا﴾ يعني: العمل" (٣)، "فأعرضوا عنهما يعني: لا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إن الله كان توابا رحيما فكان هذا يفعل بالبكر والثيب في أول الإسلام، ثم نزل حد الزاني، فصار الحبس والأذى منسوخا نسخته هذه الآية التي في السورة التي يذكر فيها النور: الزانية والزاني الآية" (٤). قال الماوردي: " يعني تابا من الفاحشة وأصلحا دينهما، ﴿فأعرضوا عنهما﴾ بالصفح والكف عن الأذى" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]، أي: إن الله كان" مبالغاً في قبول التوبة واسع الرحمة" (٦). قال الطبري: أي: "إن الله لم يزل راجعًا لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته ﴿رحيما﴾ بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة" (٧). قال سعيد بن جبير: " قوله: ﴿رحيما﴾ بهم بعد التوب" (٨). قال قتادة: "قوله: ﴿رحيما﴾، بعياده" (٩). قال الواحدي: " معنى: ﴿التواب﴾، أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه" (١٠). وكان أبو عبيدة يتأول في ﴿كان﴾، في مثل هذا السياق، معنيين: فيما مضى والساعة (١١). وقال في موضع آخر: " «كان» من الأضداد؛ يقال: كان للماضي، وكان للمستقبل، فأما كونها للماضي فلا يحتاج لها إلى شاهد، وأما كونها للمستقبل، فقول الشاعر (١٢): فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع ... لمن كان بعدي في القصائد مصنعا أرادَ لمن يكون بعدي، قال: وتكون كان زائدة، كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، معناه: والله غفور رحيم" (١٣). قال ابن الانباري: " وقول أبي عبيدة «كان» زائدة في قوله ﵎: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، ليس بصحيح، لأنها لا تلغى مبتدأة ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء: وكائن الله غفورا رحيما، فصلح الماضي في موضع الدائم لأن أفعال الله جل وعز تخالف أفعال العباد، فأفعال العباد تنقطع، ورحمة الله لا تنقطع وكذلك مغفرته وعلمه وحكمته (١٤).

стр. 2750

وقال غير الفراء: كأن القوم شاهدوا لله مغفرة ورحمة وعلما وحكمة، فقال الله : وكان الله غفورا رحيما، أي لم يزل الله على ما شاهدتم" (١). وذهب سيبويه (٢)، والمبرد (٣)، وابن قتيبة (٤)، إلى أن "كان" في مثل هذا صلة في جميع القرآن، وأنشد المبرد للفرزدق (٥): فَكيف إذَا رَأَيْتُ دِيارَ قَوْمٍ ... وجِيْرَانٍ لَنا كانُوا كِرامِ فألغى كان، وزادت تبيينا لمعنى المضي (٦). واعترض ابن الأنباري على هذا القول لأنه لا يلغى "الكون" وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل (٧). روي عن أبي زرعة قال: "إن أول شيء كتب: أنا التواب أتوب على من تاب" (٨). الفوائد: ١ - ويستفاد من هذه الآية والتي قبلها أن الرجال إذا فعلوا الفاحشة يُؤْذَوْن، والنساء يُحْبَسْنَ ويُؤذَيْنَ، فالحبس غايتة الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والصلاح. وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ بما شرع الله ورسوله، وهو الرجم للمحصن والمحصنة، وهما الحران البالغان العاقلان، اللذان جامعا في نكاح صحيح، والجلدُ مائة جلدة، وتغريب عام لغيرهما. إن الله كان توابا على عباده التائبين، رحيمًا بهم. ٢ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾؛ وما تضمناه من صفة، وفعل. يقول ابن القيم (٩): " وكذلك التواب من أوصافه ... والتوب في أوصافه نوعان إذن بتوبة عبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المنان قال الشيخ الهراس في شرح هذين البيتين: "وأما التواب؛ فهو الكثير التوب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة ... وتوبته سبحانه على عبده نوعان: أحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها عمل الصالحات. والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإن التوبة النصوح تجب ما قبلها" (١٠). واسم «الرحيم» من أسمائه تعالى، يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣]. القرآن ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧] التفسير:

стр. 2751

إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها، وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمِّدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار، وإن كان عالمًا بالتحريم- ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت، فأولئك يقبل الله توبتهم. وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، أي: " إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها" (١). قال مجاهد: " ما أتى من خطأ أو عمد فهو جهالة" (٢). وفي رواية أخرى: " من عمل ذنبا سواء من شيخ أو شاب فهو بجهالة" (٣). وقال الربيع: " هم أهل الإيمان" (٤). قال الراغب: " تعني: أن قبول التوبة قد أخذ الله على نفسه تفضلا لمن تاب من قريب إذا بدر منه سوء" (٥). قال الزجاج: في معنى قوله: ﴿بجهالة﴾: " ليس معناه أنهم يعملون السوء وهم جهال، غير مميزين فإن من لا عقل له ولا تمييز لا حد عليه، وإنما معنى بجهالة أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال. فليس ذلك الجهل مسقطا عنهم العذاب. لو كان كذلك لم يعذب أحد ولكنه جهل في الاختيار" (٦). قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله" (٧)، فتكون ﴿على﴾ بمعنى "عند"، أقامه مقام صفة (٨). وقال أبو بكر بن عياش: ﴿على﴾ هاهنا بمعنى «من» يقول: إنما التوبة من الله للذين يعملون السوء بجهالة" (٩). واختلف في المراد بالجهالة على أقوال: أحدها: أن كل ذنب أصابه الإِنسان فهو بجهالة، وكل عاص عصى فهو جاهل، وهو قول ابن عباس (١٠)، وأبي العالية (١١)، وقتادة (١٢)، والسدي (١٣)، وابن زيد (١٤)، ومجاهد- في أحد قوليه- (١٥)، واختاره الشافعي (١٦). قال الثعلبي: " وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته" (١٧). والثاني: يريد يعملون ذلك عمداً، والجهالة العمد، وهو قول مجاهد (١٨)، وعطاء (١٩)، والضحاك (٢٠). والثالث: الجهالة عمل السوء في الدنيا، وهو قول عكرمة (٢١). والرابع: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. قاله أبو موسى الأشعري (٢٢). والراجح-والله أعلم- أن المعنى: أنهم " يعملون السوء بجهالة وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من

стр. 2752

جَهِل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالم: أتاه بجهالة، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به، لا أنه كان جاهلا" (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، أي: " ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت" (٢). قال السمعاني: " يعني: قبل الموت" (٣). قال الزجاج: أي: " يتوقفون قبل الموت، لأن ما بين الإنسان وبين الموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت" (٤). قال السيوطي: " الآيتين (٥)، فيه بيان الوقت الذي تقبل فيه التوبة وهو ما لم يصل الإنسان إلى الغرغرة ومشاهدة ملائكة الموت والعذاب فإذا وصل إلى ذلك لم تقبل له توبة ولا يصح منه إيمان" (٦). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، ثلاثة أقوال: أحدها: ثم يتوبون في صحتهم قبل موتهم، وقبل مرضهم، وهذا قول ابن عباس (٧)، والسدي (٨)، وروي عن قتادة نحوه (٩). والثاني: قبل معاينة مَلَكِ الموت، وهو قول الضحاك (١٠)، وأبي مجلز (١١)، ومحمد بن قيس (١٢)، الحسن (١٣)، وابن عباس في رواية أخرى عنه (١٤). والثالث: معناه: ثم يتوبون قبل الموت، وهو قول ابن زيد (١٥)، والضحاك في رواية أخرى (١٦)، وعكرمة الذي روي عنه: "الدنيا كلها قريب" (١٧)، ومقاتل (١٨)، واختاره الزجاج (١٩). والراجح أن يقال في التفسير: أنهم" ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيَه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا" (٢٠). روي عن أبي قلابة قال: "ذُكر لنا أن إبليس لما لُعن وأُنظر، قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال ﵎: وعزتي لا أمنعه التَّوبة ما دام فيه الروح" (٢١). وروي، عن الحسن قال: "بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن إبليس لما رأى آدم أجْوفَ قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح! فقال الله ﵎: وعزتي لا أحُول بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح" (٢٢).

стр. 2753

وعن أبي أيوب بُشَيْر بن كعب: أن نبيّ الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر" (١). قال إبراهيم بن ميمون، أخبرني رجل من بلحارث يقال له أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمرو: "من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه، فقلت له: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾، فقال: إنما أحدثك بما سمعت من رسول الله ﷺ " (٢). وقال محمد بن عبد الجبار: "يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت" (٣). قال الراغب: " وقال بعضهم: نبه بقوله: (ثم يتوبون من قريب) على لطيفة، وهي أن الإنسان إذا ارتكب ذنبا صدأ قلبه، فإن أقلع زال صدأه، وإن استمر رين على قلبه، وإن لم ينزع طبع عليه وأقفل، ثم يتعذر عليه الرجوع، وعلى ذلك نبه بقوله في قصة المنافقين ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فإذا كان كذلك فحق لمن بدرت منه بادرة أن يتداركها قبل أن تصير الشهوة مستولية عليه، فتأبى الطباع على الناقل" (٤). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]، أي: "فأولئك يتقبل الله توبتهم" (٥). قال الواحدي: أي: " يعود عليهم بالرحمة" (٦). قال الطبري: أي: " فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب يتوب الله عليهم، دون من لم يتب حتى غُلب على عقله، وغمرته حشرجة ميتته، فقال وهو لا يفقه ما يقول: إني تبت الآن، خداعًا لربه، ونفاقًا في دينه، ومعنى قوله: يتوب الله عليهم، يرزقهم إنابة إلى طاعته، ويتقبل منهم أوبتهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم" (٧). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]، أي: " وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره" (٨). قال الطبري: أي: " ولم يزل الله جل ثناؤه عليما بالناس من عباده المنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المقبلين إليه بعد التولية، وبغير ذلك من أمور خلقه حكيمًا، في توبته على من تاب منهم من معصيته، وفي غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخل أفعاله خلل، ولا يُخالطه خطأ ولا زلل" (٩). قال الواحدي: " علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فُواق ناقة" (١٠). عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أتاه رجل فقال: يا أبا عباس: سمعت الله يقول: وكان الله كأنه شيء كان، فقال ابن عباس: أما قوله: وكان الله فإنه لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن" (١١). وعن أبي مالك قوله: ﴿وكان الله﴾، فهو كذلك" (١٢). قال محمد بن إسحاق: " ﴿عليما﴾، أي: عليم بما تخفون، ﴿الحكيم﴾، في عذره وحجته إلى عباده" (١٣). قال التستري: " التائب يتقي المعصية ويلزم الطاعة، والمطيع يتقي الرياء ويلزم الذكر، والذاكر يتقي العجب ويلزم نفسه التقصير، وحكي: «أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇ أن أنين المذنبين أحب إلي من صراخ الصديقين» (١٤) " (١٥). وفي نسخ قوله تعالى: : ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، قولان: أحدهما: أنها عامة محكمة، وقد احتج من قال إنها محكمة عامة غير منسوخة بما روي عن النبي ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (١٦)، قال مكي: "فالغرغرة عند حضور الموت ومعاينة الرسل لقبض الروح فعند ذلك لا تقبل التوبة" (١٧). والثاني: أنها منسوخة، وفيه وجهان: أحدهما: أن هذه الآية منسوخة بالتي بعدها، وهي قوله : ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. قالوا: فقد احتجز التوبة في هذه الآية على أهل المعصية، فقال : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]. قالوا ثم نسخت في أهل الشرك، أي: نسختها هذه الآية، وبقيت محكمة في أهل الإيمان. والقول الثاني: أنه نسخت هذه الآية، وهي قوله : ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات﴾ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فحرم الله تعالى مغفرته على من مات وهو مشرك، - ورد أهل التوحيد إلى مشيئته -. روي عن ابن عباس: " ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ [النساء: ١٨] الآية، ثم أنزل بعد ذلك: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] «فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة» (١٨). وروي عن ابن عباس أيضا "في قول الله : ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨] قال: «هم أهل الشرك» (١٩). وذكر النسخ هبة الله في ناسخه (٢٠)، ومكي بن أبي طالب في ناسخه، ثم قال: " "وهذا قول ينسب إلى ابن عباس" (٢١). قال السخاوي: "وهذا كله تخليط من قائله، ولا نسخ في هذه الآيات؛ لأنها أخبار جاءت تبين بعضها" (٢٢). قال ابن الجوزي: "إنه من أسلم عن كفر قبل معاينة ملك الموت قَبِل إسلامه، وهذا أمر ثابت محكم، وقد زعم بعض من لا فهم له: أن هذا الأمر أقر على هذا في حق أرباب المعاصي من المسلمين ونسخ حكمه في حق الكفار بقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، وهذا ليس بشيء، فإن حكم الفريقين واحد" (٢٣). والراجح أنها محكمة عامة، وهذا الذي استدلوا به على إحكام الآية صحيح رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم، قال الهيثمي عن هذا الحديث: "رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن وهو ثقة" (٢٤).

стр. 2754

الفوائد: ١ - التوبة التي تفضل الله بها هي ما كان صاحبها أتى ما أتى من الذنوب بجهالة لا بعلم وإصرار ثم تاب من قريب زمن. ٢ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و «الحكيم»: فمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١). قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم" (٢). وأما «الحكيم»، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء. وحكيم بمعنى مُحْكِم، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النحل آية ٨٨]. فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، "الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ [السجدة: ٧] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ [الفرقان: ٢] " (٣). القرآن ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨] التفسير: وليس قَبول التوبة للذين يُصِرُّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، فيقول أحدهم: إني تبت الآن، كما لا تُقبل توبة الذين يموتون وهم جاحدون، منكرون لوحدانية الله ورسالة رسوله محمد ﷺ . أولئك المصرُّون على المعاصي إلى أن ماتوا، والجاحدون الذين يموتون وهم كفار، أعتدنا لهم عذابًا موجعًا. قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، " أي: وليس قبول التوبة ممن ارتكب المعاصي واستمر عليها حتى إِذا فاجأه الموت فيقول: إني تبت الآن" (٤). قال الواحدي: " أَي: المشركين والمنافقين" (٥). قال مقاتل: " فلا توبة له عند الموت" (٦). قال أبو العالية: " هذا في أهل النفاق" (٧). وقال إسماعيل بن محمد بن جحادة: "سألت سفيان الثوري عن قوله: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات قال: الشرك" (٨)، قوله: " ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾، قال: إذا عاين" (٩).

стр. 2755

وقال ابن عمر: " التوبة مبسوطة للعبد ما لم يسق، ثم قرأ ابن عمر: ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾، قال: ثم يقول: وهل الحضور إلا السوق" (١). عن عبد الله حتى: " ﴿إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾، قال: لا يقبل ذاك منه" (٢). قال ابن كثير: " فأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحَشْرَجَتِ الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وَغَرْغَرَتِ النفس صاعدة في الغَلاصِم - فلا توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص؛ ولهذا قال تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] (٦)﴾ الآيتين، [غافر: ٨٤، ٨٥] وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] " (٣). قال الثعلبي: " ﴿السيئات﴾، يعني: المعاصي، ووقت النزع لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته" (٤). قال الراغب: " و ﴿السيئات﴾ ههنا، عبارة عن الشرك والكبائر. و «حضور الموت»: معاينة ملك الموت. بين تعالى أن التوبة تفوت إذا أخرت إلى ذلك، ولذلك لم ينفع إيمان من آمن عند رؤية العذاب، حيث قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)، وقال: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت) الآية، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] الآية" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، أي: ولا الذين " يموتون على الكفر فلا يُقبل إِيمانهم عند الاحتضار" (٦). قال أبو العالية: " هذا في أهل الشرك" (٧). وروي عن ابن عباس (٨)، والربيع بن أنس نحو ذلك (٩). قال الواحدي: " يعني: ولا توبة لهؤلاء إذا ماتوا على كفرهم لأنَّ التَّوبة لَا تُقبل فِي الآخرة" (١٠). قال ابن كثير: " يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض ذهبا" (١١). عن ابي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل تَوْبَةَ عَبْدِه - أو يغفر لعبده - ما لم يَقَعِ الحِجَاب". قيل: وما وُقُوع الحجاب؟ قال: "أن تَخرجَ النَّفْسُ وهي مُشْرِكة" (١٢). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]، أي: أولئك "هيأنا لهم عذاباً موجعًا" (١٣). عن ابن عباس في قوله: ﴿عذابا﴾، يقول: نكالا" (١٤)، " ﴿أليما﴾ قال: كل شيء وجع" (١٥). قال أبو العالية: " الأليم: الموجع في القرآن كله" (١٦). وروي عن سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبي مالك وأبي عمران الجوني ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٧).

стр. 2756

قال الواحدي: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ " أَيْ: هيَّأنا وأعددنا" (١). قال ابن كثير: ﴿أَلِيمًا﴾ " أي: موجعا شديدا مقيما" (٢). قال الراغب: " أعتدنا. قيل: أصله: أعددنا، فأبدل من إحدى الدالين تاء. وقيل: هو أفعلنا من العتاد أي العدة، وهو ادخار الشيء قبل الحاجة إليه، والله تعالى غني عن الإعداد، وإنما القصد أنه لا يعجزه عذابهم حيث شاء" (٣). الفوائد: ١ - أن الذين يسوفون التوبة ويؤخرونها يخشى عليهم أن لا يتوبوا حتى يدركهم الموت وهم على ذلك فيكونون من أهل النار، وقد يتوب أحدهما، لكن بندرة وقلة وتقبل توبته إذا لم يعاين أمارات الموت. ٢ - لا تقبل توبة من حشرجت نفسه وظهرت عليه علامات الموت، وكذا الكافر من باب أولى لا تقبل له توبة بالإيمان إذا عاين علامات الموت كما لم تقبل توبة فرعون. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩] التفسير: يا أيها الذين آمنوا لا يجوز لكم أن تجعلوا نساء آبائكم من جملة تَرِكتهم، تتصرفون فيهن بالزواج منهن، أو المنع لهن، أو تزويجهن للآخرين، وهن كارهات لذلك كله، ولا يجوز لكم أن تضارُّوا أزواجكم وأنتم كارهون لهن; ليتنازلن عن بعض ما آتيتموهن من مهر ونحوه، إلا أن يرتكبن أمرا فاحشا كالزنى، فلكم حيننذ إمساكهن حتى تأخذوا ما أعطيتموهن. ولتكن مصاحبتكم لنسائكم مبنية على التكريم والمحبة، وأداء ما لهن من حقوق. فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب الدنيوية فاصبروا; فعسى أن تكرهوا أمرًا من الأمور ويكون فيه خير كثير. في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٤)، عن ابن عباس قال: "كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس. فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها" (٥). وعن ابن عباس أيضا: " وذلك أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ " (٦). وفي السياق نفسه أخرج البخاري، وأبو داود (٧)، والستائي (٨)، عن ابن عباس: " «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك» (٩). وقال مقسم: " كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحق الناس بها، فنزلت هذه الآية: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ " (١٠). وقال مجاهد: "كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته» يقول فنزلت: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ " (١١).

стр. 2757

وقال الزهري: " نزلت في ناس من الأنصار، كانوا إذا مات الرجل منهم، فأمْلَكُ الناس بامرأته وليُّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم" (١). والثاني: أخرجج أبو داود عن ابن عباس: " وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك ونهى عن ذلك" (٢). والثالث: أخرج الطبري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: "لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ " (٣). قال عكرمة: " نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم، من الأوس، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تُركت فأنكح! فنزلت هذه الآية" (٤). وقال مقاتل: " نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج، وفي امرأته هند بنت صبرة، وفي الأسود ابن خلف الجزاعى، وفي امرأته حبيبة بنت أبي طلحة، وفي منظور بن يسار الفزاري وفى امرأته ملكة بنت خارجة بن يسار المري، تزوجوا نساء آبائهم بعد الموت وكان الرجل من الأنصار إذا مات له حميم عمد الذي يرث الميت وألقى على امرأة الميت ثوبا فيرث تزويجها رضيت أو كرهت على مثل مهر الميت فأن ذهب المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبا فهي أحق بنفسها فأتين النبي- ﷺ فقلن: يا رسول الله، ما يدخل بنا، ولا ينفق علينا، لا نترك أن نتزوج. فأنزل الله- في هؤلاء النفر: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٩]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٦). قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه" (٧). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٨). وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٩). كما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (١٠). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١١). قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، "أي: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء كالمتاع ينتقل بالإِرث من إِنسان إِلى آخر وترثوهن بعد موت أزواجهن كرهاً عنهن" (١٢). قال زيد بن أسلم: " كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك" (١٣). قال ابن قتيبة: " كان الرجل إذا مات عن امرأته وله ولد من غيرها، ألقى ثوبه عليها فيتزوجها بغير مهر إلا المهر الأول. ثم أضر بها ليرثها ما ورثت من أبيه. وكذلك كان يفعل الوارث أيضا غير الولد.

стр. 2758

و «الكره» هاهنا بمعنى: الإكراه والقهر. فأما الكره بالضم فبمعنى المشقة. يقول الناس: لتفعلن ذلك طوعا أو كرها. أي طائعا أو مكرها. ولا يقال: طوعا أو كرها بالضم" (١). قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿كرها﴾ بفتح الكاف، وقرأ حمزة والكسائي ﴿كرها﴾ بضم الكاف، وقرأ في الأحقاف ﴿كرها﴾ و (كرها) مضمومتين (٢). قال ابن ذكوان وفي حفظي ﴿كرها﴾ بفتح الكاف في الحرفين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، أي: " ولا يجوز لكم أن تضارُّوا أزواجكم وأنتم كارهون لهن; ليتنازلن عن بعض ما آتيتموهن من مهر ونحوه" (٣). قال الطبري: " أي ولا تحبسوا، يا معشر ورثة من مات من الرجال، أزواجَهم عن نكاح من أردنَ نكاحه من الرجال، كيما يمتن، فتأخذوا من أموالهن إذا مِتن ما كان موتاكم الذين ورثتموهم ساقوا إليهن من صدقاتهن" (٤). قال الصابوني: "أي: ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج أو تضفوا عليهن لتذهبوا ببعض ما دفعتموه لهن من الصَّداق" (٥). قال ابن كثير: " أي: لا تُضارّوهن في العِشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، أربعة أقوال: أحدها: أنه خطاب لورثة الأزواج أن لا يمنعوهن من التزويج كما ذكرنا، وهذا قول ابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وعكرمة (٩). والثاني: أنه خطاب للأزواج أن لا يعضلوا نساءهم بعد الطلاق، كما كانت قريش تفعل في الجاهلية، ، فنهوا عنه في الإسلام. وهو قول ابن زيد (١٠). والثالث: أنه خطاب للأزواج أن لا يحبسوا النساء كرهاً ليفتدين نفوسهن أو يَمُتْنَ فيرثهن الزوج، وهذا قول قتادة (١١)، والضحاك (١٢)، والسدي (١٣)، وابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (١٤). والرابع: أنه خطاب للأولياء وهذا قول مجاهد (١٥). قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، " أي: إِلا في حال إِتيانهن بفاحشة الزنا" (١٦). وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، ثلاثة وجوه: أحدها: أنها الزنا، وهو قول الحسن (١٧)، وعطاء الخراساني (١٨)، وأبي قلابة (١٩)، والسدي (٢٠)، قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب والشعبي وعكرمة في إحدى الروايات، والضحاك في

стр. 2759

إحدى الروايات، وسعيد بن جبير ومجاهد، ومحمد بن سيرين، وأبي صالح، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال نحو ذلك" (١). والثاني: أنها النشوز وسوء الخلق، وهو قول ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)، ومقسم (٤)، والضحاك (٥)، وقتادة (٦)، وعطاء بن ابي رباح (٧)، ومقاتل بن حيان (٨). والثالث: أن الفاحشة المبينة: أن تفحش المرأة على أهل الرجل وتؤذيهم. قاله ابن عباس في إحدى الروايات (٩)، وروي عن أبي بن كعب، وأحد قولي عكرمة نحو ذلك (١٠). والراجح-والله أعلم- " أنه معنىٌّ به كل فاحشة: من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها. وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة" (١١). قال الشافعي: " حرّم على الأزواج، أن يعضلوا النساء ليذهبوا ببعض ما أوتين، واستثنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وإذا أتين بفاحشة مبينة وهي: الزنا، فأعطين ببعض ما أوتين ليفارقن، حلَّ ذلك إن شاء اللَّه تعالى، ولم تكن معصيتهن الزوجَ فيما يجب له بغير فاحشة، أولى أن نحل ما أعطين، من أن يعصين اللَّه والزوج بالزنا" (١٢). وقرا ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ﴿بفحشة مبينة﴾، بفتح الياء، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والمفضل عن عاصم ﴿بفحشة مبينة﴾، كسرا (١٣). قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، "أي: صاحبوهن بما أمركم الله به من طيب القول والمعاملة بالإِحسان" (١٤). قال السدي: " فيقول: خالطوهن" (١٥). قال مقاتل بن حيان: " يعني: صحبتهن بالمعروف" (١٦). قال ابن قتيبة: " أي: صاحبوهن مصاحبة جميلة" (١٧). قال ابن كثير: " أي: طيِّبُوا أقوالكم لهن، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال رسول الله ﷺ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي» (١٨)، وكان من أخلاقه ﷺ أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك. قالت: سَابَقَنِي رسولُ الله ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وذلك قبل

стр. 2760

أن أحملَ اللحم، ثم سابقته بعد ما حملتُ اللحمَ فسبقني، فقال: «هذِهِ بتلْك» (١)، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كَتِفَيْه الرِّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يَسْمُر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يُؤانسهم بذلك ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] " (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، أي: " فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب الدنيوية فاصبروا; فعسى أن تكرهوا أمرًا من الأمور ويكون فيه خير كثير" (٣). قال الطبري: أي: " وإن كرهتموهن، فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن، فيجعل الله لكم في إمساككم إياهن على كُره منكم لهن خيرًا كثيرًا، من ولد يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن" (٤). قال مجاهد: "، يقول، فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرًا كثيرًا" (٥). وعن السدي في قوله: " ﴿ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا﴾، قال: الولد" (٦). وقال مقاتل بن حيان: " فيطلقها فتتزوج من بعده رجلا، فيجعل الله له منها ولدا" (٧). وقال ابن عباس: " والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا" (٨). وقال ابن عباس: " عسى من الله واجب" (٩). وفي عود الضمير"الهاء" في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، ثلاثة اوجه: أحدها: أنه راجع للولد، والمعنى: ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وهذا قول ابن عباس (١٠). والثاني: أنه راجع إلى "الكراهة"، والمعنى: فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرا. وهذا قول مجاهد (١١). والثالث: أنه راجع إلى التزويج، والمعنى: ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا. موهذا قول مقاتل بن حيان (١٢). الفوائد: ١ - إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه. ٢ - جواز أخذ الفدية من الزوجة بالمهر أو أكثر أو أقل إن هي أتت بفاحشة ظاهرة لا شك فيها؛ كالزنى أو النشوز. ٣ - الترغيب في الصبر. القرآن ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠] التفسير: وإن أردتم استبدال زوجة مكان أخرى، وكنتم قد أعطيتم مَن تريدون طلاقها مالا كثيرًا مهرًا لها، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا، أتأخذونه كذبًا وافتراءً واضحًا؟

стр. 2761

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]، "أي: وإِن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة طلقتموها" (١). قال ابن عباس: " إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها، فطلقت هذه وتزوجت تلك" (٢). وروي عن مجاهد ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٣). قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، "أي: والحال أنكم كنتم قد دفعتم مهراً كبيراً يبلغ قنطاراً" (٤). قال ابن عباس: " فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا" (٥). وفي "القنطار" أقوال: أحدها: «القنطار مثل التل العظيم» (٦). قاله الرسول- ﷺ . والثاني: «يعني: ألفا دينار» (٧).قاله الرسول- ﷺ في رواية أنس. والثالث: «القنطار ألف دينار» (٨).قاله الرسول- ﷺ في رواية أخرى. والرابع: أن القنطار: ألف ومائتا أوقية. قاله معاذ (٩)، وروي عن أبي الدرداء وأبى هريرة نحو ذلك (١٠). والخامس: أن القنطار: ثمانون ألفا. قاله سعيد بن المسيب (١١). والسادس: أن القنطار ملء مسك ثور ذهبا- (١٢). والسابع: أن القنطار سبعون ألفا. قاله ابن عمر (١٣).وروي عن سعيد بن المسيب في إحدى قوليه، ومجاهد وطاوس مثل ذلك (١٤). والثامن: أن القنطار: ألف ومائتا دينار. قاله الحسن (١٥). والتاسع: أن القنطار مائة رطل، وهذا قول أبي صالح (١٦)، وروي عن عمرو الشعبي والسدي، وقتادة نحو ذلك (١٧). والعاشر: أن من العرب من يقول: القنطار: ألف دينار، ومنهم من يقول، اثنا عشر ألفا. قاله الضحاك (١٨)، قال ابن أبي حاتم: "وروي عن الحسن في إحدى الروايات أنه قال: اثنا عشر ألفا" (١٩). الحادي عشر: أن القنطار: خمسة عشر ألفا مثقال، والمثقال: أربعة وعشرون قيراطا، أصغرها مثل أحد، وأكبرها ما بين السماء إلى الأرض. وهذا قول أبي جعفر (٢٠). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، "أي: فلا تأخذوا ولو قليلاً من ذلك المهر" (٢١). قال مجاهد: " فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر" (٢٢). قال الماوردي: " يعني: أنهن قد ملكن الصداق، وليس مِلْكُهُنَّ للصداق موقوفاً على التمسك بهن، بل ذلك لهن مع إمساكهن، وفراقهن" (٢٣). قوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]، أي: " أتأخذونه كذبًا وافتراءً واضحًا؟ " (٢٤). قال مجاهد: " ﴿بُهْتَانًا﴾: إثما " (٢٥). قال سعيد بن جبير: " ﴿مُبِينًا﴾: يعني: البيّن " (٢٦). قال الصابوني: "أي: أتأخذونه باطلاً وظلماً؟ " (٢٧). قال الماوردي: " وإنما منع من ذلك مع الاستبدال بهن وإن كان ممنوعاً منه وإن لم يستبدل بهن أيضاً لِئَلا يتوهم متوهم أنه يجور مع استبدال غيرها بها أن يأخذ ما دفعه إليها ليدفعه إلى من استبدل بها منه وإن كان ذلك عموماً" (٢٨). الفوائد: ١ - تحريم أخذ شيء من مهر المرأة إذا طلقها الزوج لا لإتيانها بفاحشة ولا لنشوزها، ولكن لرغبة منه في طلاقها ليتزوج غيرها في هذه الحال لا يحل له أن يضارها لتفتدي منه بشيء ولو قل، ولو كان قد أمهرها قنطاراً فلا يحل أن يأخذ منه فلساً فضلاً عن دينار أو درهم (٢٩). ٢ - جواز غلاء المهر فقد يبلغ القنطار غير أن التيسير فيه أكثر بركة. قال الشيخ السعدي: " في هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداء بالنبي ﷺ في تخفيف المهر. ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه، لكن قد ينهي عن كثرة الصداق إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم" (٣٠). القرآن ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢١] التفسير: وكيف يحلُّ لكم أن تأخذوا ما أعطيتموهن من مهر، وقد استمتع كل منكما بالآخر بالجماع، وأخَذْنَ منكم ميثاقًا غليظًا من إمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان؟ قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، " أي: كيف يباح لكم أخذه وقد استمعتم بهن بالمعاشرة الزوجية؟ " (٣١). قال الطبري: أي: " وعلى أي وجه تأخذون من نسائكم ما آتيتموهن من صدقاتهن، إذا أردتم طلاقهن واستبدال غيرهن بهن أزواجًا وقد تباشرتم وتلامستم" (٣٢). قال القاسمي: " قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: إنكار لأخذه إثر إنكار، وتنفير عنه غب تنفير، على سبيل التعجب. أي: بأي وجه تستحلون المهر وقد أفضى أي وصل بعضكم إلى بعض فأخذ عوضه " (٣٣). قال ابن عباس: " الإفضاء المباشرة، ولكنّ الله كريم يَكْني عما يشاء" (٣٤).

стр. 2762

عن مجاهد: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾، قال: مجامعة النساء" (١). وروي عن السدي مثله (٢). قال الزجاج: " الإفضاء أصله الغشيان، وقال بعضهم إذا خلا فقد أفضى، غشي أو لم" (٣). والإفضاء إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، قال الشاعر (٤): بَلِينَ بِلًى أَفْضَى إلَى كُلِّ كُتْبَةٍ ... بَدَا سَيْرُهَا مِنْ بَاطِنٍ بَعْدَ ظَاهِرِ يعني بذلك: أن الفساد والبلى وصل إلى الخُرَز. والذي عُني به الإفضاء في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج (٥). قال الشَّافِعِي ﵀: "يقول اللَّه تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية، حَظْرٌ لأِخذِه - أي: المهر أو شيء مما أعطي للمرأة- إلا من جهة الطلاق قبل الإفضاء، وهو: الدخول، فيأخذ نصفه بما جُعل له، ولأنه لم يوجب عليه أن يدفع إلا نصف المهر في تلك الحال، وليس بَحَظْر منه إن دخل أن يأخذه إذا كان ذلك من قِبَلِهَا، وذلك لأنَّه إنما حَظَرَ أخذه إذا كان من قبل الرجل، فأما إذا كان من قِبَلِها، وهي طيبة النفس به فقد أذن به في قول اللَّه ﵎: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية" (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، " أي: وأخذن منكم عهداً وثيقاً مؤكداً هو» عقد النكاح" (٧). قال الطبري: " أيْ: ما وثَّقتم به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقررتم به على أنفسكم، من إمساكهن بمعروف، أو تسريحهنّ بإحسان" (٨). قال القاسمي: "أي: عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد، يعسر معه نقضه. كالثوب الغليظ يعسر شقه" (٩). قال قتادة: " والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم: آلله عليك لتمسكنَّ بمعروف أو لتسرحن بإحسان" (١٠). قال السدي: " ﴿غليظا﴾ يعني: شديدا" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عقد النكاح الذي استحل به الفرج، وهو قول مجاهد (١٢)، ومحمد بن كعب القرظي (١٣)، وابن زيد (١٤). والثاني: أنه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وهو قول الضحاك (١٥)، والسدي (١٦)، والحسن (١٧)، وابن سيرين (١٨)، وقتادة (١٩). والثالث: أنه عنى قول النبي ﷺ : «أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (٢٠). وهذا قول جابر (٢١)، وعكرمة (٢٢)، والربيع (٢٣).

стр. 2763

قال الزمخشري: " والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقا غليظا، أى بإفضاء بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ " (١). واختلف في ثبوت حكمها أو نسخه على قولين: أحدهما: أنها محكمة، لا يجوز له أن يْأخذ منها شيئاً مما أعطاها سواء كانت هي المريدة للطلاق أو هو، وهو قول بكر بن عبد الله المزني (٢). والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا قول ابن زيد (٣). والراجح: أنها " محكمة غير منسوخة، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها، وذلك أن الناسخ من الأحكام، ما نَفَى خلافه من الأحكام، وليس في قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾، نَفْي حكمِ قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها. وأما الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كاره، وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها منسوخة، إلا بحجة يجبُ التسليم لها، وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني: من أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها، إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ، وهو الكاره فليس بصواب، لصحة الخبَرِ عن رسول الله ﷺ بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس (٤) بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها" (٥). الفوائد: ١ - وجوب مراعاة العهود والوفاء بها. ٢ - أن عقد النكاح هو عهد مؤكد، ولايجوز للرجل مضايقة الزوجة حتى تتنازل عن مهرها أو عن شيء منه. القرآن ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢] التفسير: ولا تتزوجوا مَن تزوجه آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف منكم ومضى في الجاهلية فلا مؤاخذة فيه. إن زواج الأبناء من زوجات آبائهم أمر قبيح يفحش ويعظم قبحه، وبغيض يمقت الله فاعله، وبئس طريقًا ومنهجًا ما كنتم تفعلونه في جاهليتكم. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: أخرج الطبري عن عكرمة، قال: "نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلفَ على أمِّ عبيد بنت صخر، كانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف، وكان خَلَف على بنت أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف وفي فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسَد، وكانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية وفي منظور بن زبّان، وكان خلف على مُليكةِ ابنة خارجة، وكانت عند أبيه زَبَّان بن سيّار" (٦).

стр. 2764

والثاني: أخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر (١)، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار قال: توفي أبو قيس وكان من صالح الأنصار فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي رسول الله ﷺ فأستأمره، فأتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا قيس توفي. -فقال: خيرا- إن ابنه قيس خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدا، فما ترى؟ قال لها: ارجعي إلى بيتك. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ " (٢). قال مقاتل: " نزلت في محصن بن أبي قيس ابن الأسلت بن الأفلح الأنصاري. وفي امرأته كبشة بنت معن بن معبد ابن عدي بن عاصم الأنصاري من الأوس من بنى خطمة ابن الأوس" (٣). وزاد الثعلبي: "وفي أبي مكيل العدوي، تزوج امرأة أبيه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، "أي: لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم من النساء لكن ما سبق فقد عفا الله عنه" (٥). قال مقاتل: " لأن العرب كانت تفعل ذلك قبل التحريم، وذلك أن محصن مات أبوه فشد على امرأته فتزوجها، وهو محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج وكبشة بنت معن بن معبد، وفي شريك وفى امرأته كحة" (٦). قال أبو عبيدة: " نهاهم أن ينكحوا نساء آبائهم، ولم يحلّ لهم ما سلف، أي ما مضى، ولكنه يقول: إلّا ما فعلتم" (٧). قال الأخفش: " معناه: فانكم تؤخذون به. فلذلك قال: ﴿إلا ما قد سلف﴾، أي: فليس عليكم جناح" (٨). قال الزجاج: " المعنى: لا تنكحوا كما كان من قبلكم ينكح ما نكح أبوه، فهذا معنى ﴿إلا ما قد سلف﴾ " (٩). قال الواحدي: " كان الرَّجل من العرب يتزوَّج امرأة أبيه من بعده وكان ذلك نكاحاً جائزاً في العرب فحرَّمه الله تعالى ونهى عنه وقوله: ﴿إلاَّ ما قد سلف﴾ يعني: لكن ما قَدْ سلف فَإِن اللَّه تجاوز عَنْهُ" (١٠). أخرج سفيان الثوري عن بن عباس قال: " يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ثم قرأ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [الآية ٢٣] " (١١). وفي روياة أخرى لابن عباس: " كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل بها، فهي عليك حرام" (١٢). وروي عن الحسن في قوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، قال: "هو أن تملك عقدة النكاح وليس بالدخول" (١٣). وعن أبي بكر بن أبي مريم، عن مشيخة قال: "لا ينكح رجل امرأة جد أبي أمه لأنه من الآباء يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ " (١٤). وعن أبي بن كعب: " أنه كان يقرؤها: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إلا من مات" (١٥). وعن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾، يقول: في جاهليتكم" (١٦).

стр. 2765

واختلفوا في النكاح ههنا، على قولين (١): الأول: حمله أصحاب أبي حنيفة على الجماع، وقال: هو حقيقة فيه، فحرموا كل امرأة باضعها الأب حلالا أو حراما على الابن. والثاني: وحمله الشافعي على العقد، وقال: هو حقيقة فيه، ولم يحرم من النساء على الابن إلا ما تزوج بها أبوه دون من زنى بها. قال الراغب: "والصحيح أنه للعقد، لأن أسماء الجماع والفرج والغائط في لسانهم كنايات، وذلك أنهم لما عنوا بإخفاء هذه الأشياء أخفوا أيضا أسماءها، فعدلوا عن التصريح إلى الكنايات. حتى إنهم متى عرف فيما بينهم كناية في شيء من ذلك عدلوا إلى كناية أخرى، ومن تتبع كلامهم عرف ما قلته، فكيف يستعيرون لفظ الجماع لما هو أحسن عندهم منه، ثم لا خلاف أن العقدية مراد، ولا خلاف أيضا أن الوطء بملك اليمين يجري مجرى العقد في العقد بها" (٢). قال الإمام الشافعي: " فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معاً، كان [في الجاهلية] أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه، وكان الرجل يجمع بين الأختين، فنهى أن يكون منهم أحد يجمع في عمره بين أختين، أو ينكح ما نكح أبوه إلا ما قد سلف في الجاهلية قبل علمهم بتحريمه " (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء: ٢٢]، أي: " إن زواج الأبناء من زوجات آبائهم أمر قبيح يفحش ويعظم قبحه، وبغيض يمقت الله فاعله" (٤). قال عطاء بن أبي رباح: " يمقت الله عليه" (٥). قال الواحدي: أي: "أن ذلك النكاح زنا عند الله و ﴿ومقتاً﴾ بغضاً شديدا" (٦). قال الزجاج: " المعنى: إلا ما قد سلف فإنه كان فاحشة، أي زنا، ﴿ومقتا﴾، و «المقت»: أشد البغض، فالمعنى: أنهم أعلموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له مقت، وكان المولود عليه يقال له المقتي. فأعلموا أن هذا الذي حرم عليهم لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم" (٧). قوله تعالى: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، " أي: بئس ذلك النكاح القبيح الخبيث طريقاً" (٨). قال الزمخشري: " ومن ثم قيل ﴿ومقتا﴾، كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين" (٩). قال الواحدي: أي: "وقَبُحَ ذلك الفعل طريقاً" (١٠). عن عطاء بن أبي رباح: ﴿وساء سبيلا﴾، قال: طريقا لمن عمل به" (١١). قال مقاتل: " يعني وبئس المسلك" (١٢). قال أبو عبيدة: " أي: سوء طريقة ومسلكا، ومن كان يتزوج امرأة أبيه فولد له منها، يقال له: مقتي ومقتوي، من قتوت، وهذا من مقت " (١٣). الفوائد: ١ - تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإسلام منها، وخاصة أزواج الآباء، فزوجة الأب محرمة على الابن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو مات عنها.

стр. 2766

قال الشافعي: " فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معاً" (١). ٢ - ومنها: أن هذا النكاح فعل في غاية من القبح، لذا سماه العرب نكاح المقت: وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. ويقال للولد إذا ولدته: المقتي. وأصل المقت: البغض (٢). القرآن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣] التفسير: حرَّم الله عليكم نكاح أمهاتكم، ويدخل في ذلك الجدَّات مِن جهة الأب أو الأم، وبناتكم: ويشمل بنات الأولاد وإن نزلن، وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم، وعماتكم: أخوات آبائكم وأجدادكم، وخالاتكم: أخوات أمهاتكم وجداتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت: ويدخل في ذلك أولادهن، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة -وقد حرَّم رسول الله ﷺ من الرضاع ما يحرم من النسب- وأمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن، وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن، فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن، كما حرَّم الله عليكم أن تنكحوا زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم، ومن أُلحق بهم مِن أبنائكم من الرضاع، وهذا التحريم يكون بالعقد عليها، دخل الابن بها أم لم يدخل، وحرَّم عليكم كذلك الجمع في وقت واحد بين الأختين بنسب أو رضاع إلا ما قد سلف ومضى منكم في الجاهلية. ولا يجوز كذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها كما جاء في السنة. إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون. في سبب نزول الآية: قال ابن جُرَيْج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ قال: كنا نُحَدِّث، والله أعلم، أن رسول الله ﷺ لما نكح امرأة زيد، قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] " (٣). قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، " أي: حُرّم عليكم نكاح الأمهات" (٤). قال الصابوني: "وشمل اللفظ الجدات من قبل الأب أو الأم" (٥). قال الشافعي: " والأمهات: أم الرجل (الوالدة)، وأمَّهاتها، وأمّضهات آبائه، وإن بَعُدت الجدات، لأنهن يلزمهن اسم الأمهات" (٦). قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: وكذلك حرّم عليكم "بناتكم" (٧). قال الصابوني: " وشمل بنات الأولاد وإِن نزلن" (٨). قال الشافعي: " والبنات: بناتُ الرجل لصلبه، وبنات بنيه، وبناتهن، وإن سفلن، فكلُّهن يلزمهن اسم البنات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم" (١٠).

стр. 2767

قال الشافعي: " والأخوات: من ولد أبيه لصلبه، أو أمه نفسها" (١). قوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وأخوات آبائكم وأجدادكم" (٢). قال الشافعي: " وعماته: من ولد جده الأدنى أو الأقصى، ومن فوقهما من أجداده" (٣). قوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وأخوات أمهاتكم وجداتكم" (٤). قال الشافعي: " وخالاته: من ولدته أم أمه، وأمها، ومن فوقهما من جداته من قِبَلها" (٥). قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]، " أي: بنت الأخ وبنت الأخ" (٦). قال الصابوني: "ويدخل فيهن أولادهن، وهؤلاء المحرمات بالنسب وهنَّ كما تقدم «الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت» " (٧). قال الشافعي: " وبنات الأخ: كل ما ولد الأخ لأبيه، أو لأمه، أو لهما، من ولدٍ ولدته والدته فكلهم بنو أخيه، وإن تسفلوا، وهكذا بنات الأخت" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " كذلك حرّم عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وكذلك أخواتكم من الرضاع" (٩). قال الشافعي: " والرضاع: اسم جامع، يقع على المصَّة، وأكثر منها، إلى كمال رضاع الحولين، ويقع: على كل رضاع، وإن كان بعد الحولين ... ولو شرب غلام وجارية لبن بهيمه من (شاة، أو بقرة، أو ناقة)، لم يكن هذا رضاع، إنما هذا كالطعام والشراب، ولا يكون محرِّماً بين من شربه، إنما يحرم لبن الآدميات لا البهائم" (١٠). ثم قال ﵀: " حرَّم اللَّه تعالى الأخت من الرضاعة فاحتمل تحريمها معنيين: أحدهما: إذ ذكر اللَّه تحريم الأم والأخت من الرضاعة، فأقامهما في التحريم مقام الأم والأخت من النسب، أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام النسب، فما حَرُم بالنسب، حَرُم بالرضاع مثله، وبهذا نقول، بدلالة سنة رسول الله ﷺ والقياس على القرآن. الآخر: أن يحرم من الرضاع الأم والأخت، ولا يحرم سواهما" (١١). ولم تذكر الآية من المحرمات بالرضاع سوى «الأمهات والأخوات» وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب لقوله ﷺ : "ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" (١٢). عن سعيد بن جبير: "قال ابن عباس: حرم عليكم سبع نسبا وسبع صهرا، وقرأ: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، الآية" (١٣). عن عطاء قال: "قال الله تعالى: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾، قال: وهي أختك من الرضاعة" (١٤). قال ابن كثير: "وقد قال بعض الفقهاء: كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور. وقال بعضهم: ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة، ولله الحمد.

стр. 2768

ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية. وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المُسَيَّب، وعُرْوَة بن الزبير، والزُّهْرِي (١). وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم، من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحرِّم المصةُ والمصتان" (٢). وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُحرم الرَّضْعَة ولا الرضعتان، والمصَّة ولا المصتان"، وفي لفظ آخر: "لا تحرم الإمْلاجَة ولا الإملاجتان" رواه مسلم (٣). وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور. ويحكى عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ﵏ (٤). وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة عن عائشة، ﵂، قالت: «كان فيما أنزل [الله] من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن» (٥). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحو ذلك (٦). وفي حديث سَهْلة بنت سهيل: «أن رسول الله ﷺ أمرها أن تُرضِع مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يُرْضع خمس رضعات» (٧). وبهذا قال الشافعي، رحمه الله تعالى وأصحابه. ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: وكذلك حرّم عليكم" أمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن" (٩). عن خلاس بن عمرو: " أن عليا قال في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل يحل له أمها؟ قال علي: هي بمنزلة الربيبة، يعني قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ " (١٠). أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت، لم تحل له أمها، أنه قال: مبهمة، فكرهها" (١١). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، ومسروق، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وابن سيرين، وقتادة، والزهري نحو ذلك (١٢). أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ " (١٣)، ثم قال: "وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك" (١٤). قال ابن كثير: " معنى «مبهمات»: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه. فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة، كما هو قول الجمهور، ومن

стр. 2769

الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله ﷺ : «يَحْرُم من الرّضاع ما يحرم من النسب» (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن" (٣). أخرج ابن المنذر عن داود، أنه قرأ في مصحف عبد الله: " وربائبكم اللاتي دخلتم بأمهاتهن " (٤). قال أبو عبيدة: " ﴿وربائبكم﴾ من نسائكم بنات المرأة من غيره، وربية الرجل: بنت امرأته، ويقال لها: المربوبة، وهي بمنزلة قتيلة، ومقتولة " (٥). وقال أيضا: " " ﴿اللاتي في حجوركم﴾ في بيوتكم " (٦). قال مالك بن أوس ابن الحدثان: "كانت عندي امرأة، فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال علي: لها ابنة قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾، قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك" (٧). قال ابن كثير: "هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدا وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك، ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عَرَض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية، ﵀، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم" (٨). وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سُئلَ عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا" (٩). قال ابن كثير: "يريد أن أطَأهُمَا جميعا بملك يميني. وهذا منقطع" (١٠). وروي عن قيس قال: " قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله" (١١). قال الشيخ أبو عُمَر بن عبد البر، ﵀: "لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين هم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عُمَر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم" (١٢). وروى هشام عن قتادة: " بنت الربيبة، وبنت ابنتها لا تصلح، وإن كان أسفل ببطون كثيرة " (١٣). وعن أبي العالية، قال: " وإن كان أسفل بسبعين بطنها فإنها لا تصلح " (١٤). قال ابن عباس: " والدخول: النكاح" (١٥)، وروي عن طاوس قال: "الدخول: الجماع" (١٦).

стр. 2770

وقال ابن جريج: " قلت لعطاء ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ ما الدخول بهن؟ قال: أن تهدى إليك فتكشف وتفتش، وتجلس بين رجليها، قلت: إن فعل ذلك بها، في بيت أهلها، قال: حسبة قد حرم ذلك عليه بناتها، قلت له: فغمز ولم يكشف، قال: لا يحرم عليه الربيبة ذلك بأمها " (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: "فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن" (٢). قال ابن عباس: " قوله: ﴿فلا جناح عليكم﴾، قال: فلا حرج" (٣). قال سفيان بن دينار: "سألت سعيد بن جبير عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، ولها بنت أيتزوج بنتها؟ فتلا علي: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾، قال: لا جناح عليه أن يتزوجها" (٤). قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، "أي وحُرِم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم" (٥). قال ابن كثير: " أي: وحُرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يَتَبَنَونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] (٣)﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧] " (٦). قال سعيد: "وكان قتادة يكره إذا تزوج الرجل المرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها أن يتزوجها أبوه، ويتأول: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ " (٧). قال ابن جريج: " سألت عطاء عن: وحلائل أبنائكم قال: كنا (نتحدث) (٨) والله أعلم أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد، فقال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله تعالى: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، "أي: وحُرّم عليكم الجمع بين الأختين معاً في النكاح إِلا ما كان منكم في الجاهلية فقد عفا الله عنه" (١٠). قال ابن كثير: " أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة" (١١). أخرج ابن أبي حاتم عن قبيصة بن ذؤيب: " أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك فخرج من عنده، فلقي رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان إلي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا- قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام نحو ذلك" (١٢). وعن عبد الله بن أبي عتبة، عن ابن مسعود: " أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه فقال: يقول الله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾، فقال له ابن مسعود: بعيرك أيضا مما ملكت يمينك" (١٣).
следующие страницы →