← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

قال الشافعي: " فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معاً" (١). ٢ - ومنها: أن هذا النكاح فعل في غاية من القبح، لذا سماه العرب نكاح المقت: وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. ويقال للولد إذا ولدته: المقتي. وأصل المقت: البغض (٢). القرآن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣] التفسير: حرَّم الله عليكم نكاح أمهاتكم، ويدخل في ذلك الجدَّات مِن جهة الأب أو الأم، وبناتكم: ويشمل بنات الأولاد وإن نزلن، وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم، وعماتكم: أخوات آبائكم وأجدادكم، وخالاتكم: أخوات أمهاتكم وجداتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت: ويدخل في ذلك أولادهن، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة -وقد حرَّم رسول الله ﷺ من الرضاع ما يحرم من النسب- وأمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن، وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن، فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن، كما حرَّم الله عليكم أن تنكحوا زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم، ومن أُلحق بهم مِن أبنائكم من الرضاع، وهذا التحريم يكون بالعقد عليها، دخل الابن بها أم لم يدخل، وحرَّم عليكم كذلك الجمع في وقت واحد بين الأختين بنسب أو رضاع إلا ما قد سلف ومضى منكم في الجاهلية. ولا يجوز كذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها كما جاء في السنة. إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون. في سبب نزول الآية: قال ابن جُرَيْج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ قال: كنا نُحَدِّث، والله أعلم، أن رسول الله ﷺ لما نكح امرأة زيد، قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله : ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] " (٣). قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، " أي: حُرّم عليكم نكاح الأمهات" (٤). قال الصابوني: "وشمل اللفظ الجدات من قبل الأب أو الأم" (٥). قال الشافعي: " والأمهات: أم الرجل (الوالدة)، وأمَّهاتها، وأمّضهات آبائه، وإن بَعُدت الجدات، لأنهن يلزمهن اسم الأمهات" (٦). قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: وكذلك حرّم عليكم "بناتكم" (٧). قال الصابوني: " وشمل بنات الأولاد وإِن نزلن" (٨). قال الشافعي: " والبنات: بناتُ الرجل لصلبه، وبنات بنيه، وبناتهن، وإن سفلن، فكلُّهن يلزمهن اسم البنات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم" (١٠).

стр. 2767

قال الشافعي: " والأخوات: من ولد أبيه لصلبه، أو أمه نفسها" (١). قوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وأخوات آبائكم وأجدادكم" (٢). قال الشافعي: " وعماته: من ولد جده الأدنى أو الأقصى، ومن فوقهما من أجداده" (٣). قوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وأخوات أمهاتكم وجداتكم" (٤). قال الشافعي: " وخالاته: من ولدته أم أمه، وأمها، ومن فوقهما من جداته من قِبَلها" (٥). قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]، " أي: بنت الأخ وبنت الأخ" (٦). قال الصابوني: "ويدخل فيهن أولادهن، وهؤلاء المحرمات بالنسب وهنَّ كما تقدم «الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت» " (٧). قال الشافعي: " وبنات الأخ: كل ما ولد الأخ لأبيه، أو لأمه، أو لهما، من ولدٍ ولدته والدته فكلهم بنو أخيه، وإن تسفلوا، وهكذا بنات الأخت" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " كذلك حرّم عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وكذلك أخواتكم من الرضاع" (٩). قال الشافعي: " والرضاع: اسم جامع، يقع على المصَّة، وأكثر منها، إلى كمال رضاع الحولين، ويقع: على كل رضاع، وإن كان بعد الحولين ... ولو شرب غلام وجارية لبن بهيمه من (شاة، أو بقرة، أو ناقة)، لم يكن هذا رضاع، إنما هذا كالطعام والشراب، ولا يكون محرِّماً بين من شربه، إنما يحرم لبن الآدميات لا البهائم" (١٠). ثم قال ﵀: " حرَّم اللَّه تعالى الأخت من الرضاعة فاحتمل تحريمها معنيين: أحدهما: إذ ذكر اللَّه تحريم الأم والأخت من الرضاعة، فأقامهما في التحريم مقام الأم والأخت من النسب، أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام النسب، فما حَرُم بالنسب، حَرُم بالرضاع مثله، وبهذا نقول، بدلالة سنة رسول الله ﷺ والقياس على القرآن. الآخر: أن يحرم من الرضاع الأم والأخت، ولا يحرم سواهما" (١١). ولم تذكر الآية من المحرمات بالرضاع سوى «الأمهات والأخوات» وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب لقوله ﷺ : "ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" (١٢). عن سعيد بن جبير: "قال ابن عباس: حرم عليكم سبع نسبا وسبع صهرا، وقرأ: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، الآية" (١٣). عن عطاء قال: "قال الله تعالى: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾، قال: وهي أختك من الرضاعة" (١٤). قال ابن كثير: "وقد قال بعض الفقهاء: كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور. وقال بعضهم: ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة، ولله الحمد.

стр. 2768

ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية. وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المُسَيَّب، وعُرْوَة بن الزبير، والزُّهْرِي (١). وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم، من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحرِّم المصةُ والمصتان" (٢). وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُحرم الرَّضْعَة ولا الرضعتان، والمصَّة ولا المصتان"، وفي لفظ آخر: "لا تحرم الإمْلاجَة ولا الإملاجتان" رواه مسلم (٣). وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور. ويحكى عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ﵏ (٤). وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة عن عائشة، ﵂، قالت: «كان فيما أنزل [الله] من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن» (٥). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحو ذلك (٦). وفي حديث سَهْلة بنت سهيل: «أن رسول الله ﷺ أمرها أن تُرضِع مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يُرْضع خمس رضعات» (٧). وبهذا قال الشافعي، رحمه الله تعالى وأصحابه. ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: وكذلك حرّم عليكم" أمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن" (٩). عن خلاس بن عمرو: " أن عليا قال في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل يحل له أمها؟ قال علي: هي بمنزلة الربيبة، يعني قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ " (١٠). أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت، لم تحل له أمها، أنه قال: مبهمة، فكرهها" (١١). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، ومسروق، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وابن سيرين، وقتادة، والزهري نحو ذلك (١٢). أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ " (١٣)، ثم قال: "وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك" (١٤). قال ابن كثير: " معنى «مبهمات»: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه. فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة، كما هو قول الجمهور، ومن

стр. 2769

الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله ﷺ : «يَحْرُم من الرّضاع ما يحرم من النسب» (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن" (٣). أخرج ابن المنذر عن داود، أنه قرأ في مصحف عبد الله: " وربائبكم اللاتي دخلتم بأمهاتهن " (٤). قال أبو عبيدة: " ﴿وربائبكم﴾ من نسائكم بنات المرأة من غيره، وربية الرجل: بنت امرأته، ويقال لها: المربوبة، وهي بمنزلة قتيلة، ومقتولة " (٥). وقال أيضا: " " ﴿اللاتي في حجوركم﴾ في بيوتكم " (٦). قال مالك بن أوس ابن الحدثان: "كانت عندي امرأة، فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال علي: لها ابنة قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾، قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك" (٧). قال ابن كثير: "هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدا وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك، ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عَرَض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية، ﵀، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم" (٨). وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سُئلَ عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا" (٩). قال ابن كثير: "يريد أن أطَأهُمَا جميعا بملك يميني. وهذا منقطع" (١٠). وروي عن قيس قال: " قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله" (١١). قال الشيخ أبو عُمَر بن عبد البر، ﵀: "لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين هم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عُمَر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم" (١٢). وروى هشام عن قتادة: " بنت الربيبة، وبنت ابنتها لا تصلح، وإن كان أسفل ببطون كثيرة " (١٣). وعن أبي العالية، قال: " وإن كان أسفل بسبعين بطنها فإنها لا تصلح " (١٤). قال ابن عباس: " والدخول: النكاح" (١٥)، وروي عن طاوس قال: "الدخول: الجماع" (١٦).

стр. 2770

وقال ابن جريج: " قلت لعطاء ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ ما الدخول بهن؟ قال: أن تهدى إليك فتكشف وتفتش، وتجلس بين رجليها، قلت: إن فعل ذلك بها، في بيت أهلها، قال: حسبة قد حرم ذلك عليه بناتها، قلت له: فغمز ولم يكشف، قال: لا يحرم عليه الربيبة ذلك بأمها " (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: "فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن" (٢). قال ابن عباس: " قوله: ﴿فلا جناح عليكم﴾، قال: فلا حرج" (٣). قال سفيان بن دينار: "سألت سعيد بن جبير عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، ولها بنت أيتزوج بنتها؟ فتلا علي: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾، قال: لا جناح عليه أن يتزوجها" (٤). قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، "أي وحُرِم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم" (٥). قال ابن كثير: " أي: وحُرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يَتَبَنَونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] (٣)﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧] " (٦). قال سعيد: "وكان قتادة يكره إذا تزوج الرجل المرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها أن يتزوجها أبوه، ويتأول: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ " (٧). قال ابن جريج: " سألت عطاء عن: وحلائل أبنائكم قال: كنا (نتحدث) (٨) والله أعلم أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد، فقال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله تعالى: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، "أي: وحُرّم عليكم الجمع بين الأختين معاً في النكاح إِلا ما كان منكم في الجاهلية فقد عفا الله عنه" (١٠). قال ابن كثير: " أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة" (١١). أخرج ابن أبي حاتم عن قبيصة بن ذؤيب: " أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك فخرج من عنده، فلقي رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان إلي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا- قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام نحو ذلك" (١٢). وعن عبد الله بن أبي عتبة، عن ابن مسعود: " أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه فقال: يقول الله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾، فقال له ابن مسعود: بعيرك أيضا مما ملكت يمينك" (١٣).

стр. 2771

وعن حماد بن سلمة، قال: زعم عمرو بن دينار، عن ابن عباس، " أنه كان لا يرى بأسا أن يجمع بين الأختين المملوكتين " (١). وعن عبد الله بن مسعود، قال: " يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر، إلا العدد " (٢). ون الشعبي، وابن سيرين، قالا: " يحرم من جمع الإماء، ما يحرم من جمع الحرائر، إلا العدد " (٣). وعن موسى بن أيوب، عن عمه، عن علي، قال: " سألته عن رجل له أمتان أختان وطأ إحداهما، ثم أراد أن يطأ الأخرى، قال: لا، حتى يخرجها من ملكه، قلت: فإنه زوجها عبده، قال: لا، حتى يخرجها من ملكه " (٤). وعن القاسم بن محمد، " أن حيا من أحياء العرب سألوا معاوية عن الأختين، مما ملكت اليمين، تكونان عند الرجل، يطؤهما؟ قال: ليس بذلك بأس، فسمع بذلك النعمان بن بشير، قال: أفتيت بكذا وكذا؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عند رجل أخته مملوكة يجوز له أن يطأها؟ قال: أما والله لربما رددتني، أدرك القوم فقل لهم: اجتنبوا ذلك، فإنه لا ينبغي لهم قال: قلت: إنما هي الرحم من العتاقة، وغيرها " (٥). عن الحكم وحماد، قالا: " إذا كانت عند الرجل أختان، فلا يقربن واحدة منهما " (٦). عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ قال: "في جاهليتهم" (٧). أنبأ معمرعن قتادة: " في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها قبل أن يراها، قال: لا تحل لأبيه ولا لابنه. قلت: ما قوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾، قال: كان في الجاهلية ينكح امرأة أبيه" (٨). وعن الحارث، عن علي، قال: " في القرآن آيتان تحرم واحدة، وتحل أخرى، وما كنت لأفعل واحدا منهما، لا أنا ولا أحد من أهل بيتي، ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾، ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ " (٩). وعن عبد العزيز بن رفيع، قال: " سألت ابن الحنفية عن رجل عنده أمتان أختان، أيطأهما؟ قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ثم أتيت ابن المسيب، فقال مثل قول محمد، ثم سألت ابن منبة، فقال: أشهد أنه فيما أنزل الله جل ثناؤه على موسى ﷺ أنه ملعون من جمع بين الأختين، قال: فما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين قال: فرجعت إلى ابن المسيب، فأخبرته، فقال: الله أكبر " (١٠). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، أي: " إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون" (١١). قال سعيد بن جبير: " قوله: ﴿غفورا رحيما﴾، قال: غفور لما كان منهم من الشرك" (١٢)، "قوله: ﴿رحيما﴾، قال: بعباده" (١٣). وعن قتادة: " قوله: ﴿غفورا﴾، قال: للذنوب الكثيرة أو الكبيرة" (١٤). الفوائد: ١ - بيان المحرمات من النسب وهن سبع: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. ٢ - بيان المحرمات من الرضاع وهن: المحرمات من النسب؛ فالرضيع يحرم عليه ٣ أمه المرضع له وبناته، وأخواتها، وعماته وخالاته، وبنات أخيه، وبنات أخته.

стр. 2772

٣ - بيان المحرمات من المصاهرة، وهن سبع أيضاً: زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بابنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهي الربيبة إذا دخل بأمها، وامرأة الولد من الصلب ٤ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغفور» و «الرحيم»: و«الغفور»، "من أبنية المبالغة؛ فالله غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل" (١). واسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب آية ٤٣]. وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] (٢). \ القرآن ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤] التفسير: ويحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا مَنْ سَبَيْتُم منهن في الجهاد، فإنه يحل لكم نكاحهن، بعد استبراء أرحامهن بحيضة، كتب الله عليكم تحريم نكاح هؤلاء، وأجاز لكم نكاح مَن سواهن، ممَّا أحله الله لكم أن تطلبوا بأموالكم العفة عن اقتراف الحرام. فما استمتعتم به منهن بالنكاح الصحيح، فأعطوهن مهورهن، التي فرض الله لهن عليكم، ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم، من الزيادة أو النقصان في المهر، بعد ثبوت الفريضة. إن الله تعالى كان عليمًا بأمور عباده، حكيما في أحكامه وتدبيره. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج مسلم وغيره (٣)، عن أبي سعيد الخدري: " أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهر عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن" (٤). وقد روى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس: "أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد" (٥). قال ابن كثير: "وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها، أخذا بعموم هذه الآية" (٦). والثاني: روى ابن أبي خيثمة، وعبد بن حميد في التفسير، وأبو مسلم الكجّي، كلّهم من طريق العباس بن خليس عن عكرمة، قال: "إن هذه الآية التي في النساء: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء ٢٤] نزلت في امرأة يقال لها: معاذة، كانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له شجاع بن الحارس، وكان معه ضرّة لها ولدت

стр. 2773

لشجاع أولادا، وأن شجاعا انطلق يمير أهله من هجر فمرّ بمعاذة ابن عمّ لها فقالت له: احملني إلى أهلي، فرجع الشيخ فلم يجدها، فانطلق إلى النّبي ﷺ فشكا إليه وأنشده: يا مالك النّاس وديّان العرب [الرجز] الأبيات. فقال: «انطلقوا فإن وجدتم الرّجل كشف لها ثوبا فارجموها، وإلّا فردّوا إلى الشّيخ امرأته»، قال: فانطلق ابن ضرتها مالك بن شجاع بن الحارث، فجاء بها، فلما أشرف على الحيّ استقبلته أمّ مالك ترميها بالحجارة وتقول لابنها: يا ضار أمه. قال: فلما نزلت معاذة، واطمأنت جعل شجاع يقول: لعمري ما حبّي معاذة بالّذي ... يغيّره الواشي ولا قدم العهد" (١) قال ابن حجر: " وقصتها شبيهة بقصة معاذة زوج الأعشى المازني (٢) وهي عند أحمد في "المسند" (٣)، وما أدري أهما واحدة أو اتفق الاسم والقصة؟ " (٤). والثالث: أن هذه الآية نزلت في نساءٍ كُنَّ هَاجَرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج، فتزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن، وهذا قول أبي سعيد الخدري (٥). والرابع: أخرج أحمد وغيره (٦)، عن قيس، عن عبد الله، قال: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ، وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ " فنهانا عنه، ثم رخص لنا بعد في أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل "، ثم قرأ عبد الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [المائدة: ٨٧] " (٧). والخامس: أخرج الطبري عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: "زعم حضرميٌّ: أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تُدرك أحدهم العسرة، فقال الله: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ " (٨). قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، "أي: وحرّم عليكم نكاح المتزوجات من النساء إِلا ما ملكتموهن بالسبي فيحل لكم وطؤهنَّ بعد الاستبراء" (٩). قال ابن كثير: " أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهي المزوجات إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك" (١٠). قال الصابوني: " لأن بالسبي تنقطع عصمة الكافر، قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] " (١١). عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، "أنه قال: هذه الآية ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] قال: «كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت» " (١٢). وعن ابن عباس أيضا في قوله : ﴿والمحصنات﴾، قال: "العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب" (١٣).

стр. 2774

قال عبدالله: " كل ذات زوج عليك حرام، إلا أن تشتريها، أو ما ملكت يمينك" (١). قال إبراهيم: " إلا السبايا من أهل الحرب" (٢). وعن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، "أنه كان يقرأ هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ " (٣). قال الشعبي: " إحصان الأمة: دخولها في الإسلام وإقرارها به، إذا دخلت في الإسلام وأقرت به، ثم زنت، فعليها جلد خمسين" (٤). وفي رواية أخرى له: " إحصانها: أن تحصن فرجها من الفجور، وأن تغتسل من الجنابة" (٥). واختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، على وجوه: أحدها: والمحصنات من النساء يعني ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، وهذا قول علي، وابن عباس (٦)، وأبي قلابة (٧)، ومكحول (٨)، وابن زيد (٩). واستندوا على الأخبار التي رويت أن هذه الآية نزلت فيمن سُبي من أَوْطاس (١٠). والثاني: أن المحصنات ذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء، إذا اشتراها مشترٍ بطل نكاحها وحلت لمشتريها ويكون بيعها طلاقها، وهذا قول ابن مسعود (١١)، وأُبي بن كعب (١٢)، وجابر بن عبد الله (١٣)، وأنسٍ ابن مالك (١٤)، وابن عباس (١٥)، وسعيد بن المسيب (١٦)، والحسن (١٧). عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "طلاق الأمة ستٌّ: بيعها طلاقُها، وعتْقُها طلاقها، وهبتُها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طَلاقُها" (١٨). الثالث: أن المحصنات من النساء العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بعقد النكاح، أو ملك اليمين، وهذا قول سعيد بن جبير (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، وعبيدة السلماني (٢١)، وعطاء (٢٢)، والسدي (٢٣). والرابع: أنه عنى بالمحصنات في هذا الموضع، العفائفَ من المسلمين وأهل الكتاب. وهذا قوول ابن عباس أيضا (٢٤)، ومجاهد (٢٥). والخامس: أن المحصنات هن نساء أهل الكتاب. قاله أبو مجلز (٢٦). والسادس: أن المحصنات هن الحرائر. قاله عزرة (٢٧). والسابع: أن المحصنات في هذا الموضع، ذوات الأزواج، غير أن الذي حرَّم الله منهن في هذه الآية، الزنا بهنّ، وأباحهن بقوله: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾، بالنكاح أو الملك. وهذا قول ابن عباس في إحدى الروايات (٢٨)، وعبدالله في رواية أخرى (٢٩)، ومجاهد في إحدى الروايات (٣٠)، وسعيد بن المسيب في رواية الزهري عنه (٣١)، ومكحول في إحدى الروايات (٣٢). والثامن: أن: المحصنات هن العفائف وذوات الأزواج، وحرام كُلُّ من الصنفين إلا بنكاحٍ أو ملك يمين. وهذا قول ابن شهاب (٣٣). والتاسع: أن هذه الآية في نساء كنَّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج، فيتزوّجُهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجُهن مهاجرين، فنهى المسلمون عن نكاحهن. وهذا قول أبي سعيد الخدري (٣٤). قال الطبري: " وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبسًا عليهم تأويل ذلك" (٣٥). قال رجل لسعيد بن جبير: "أما رأيت ابن عباس حين سُئِل عن هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾، فلم يقل فيها شيئًا؟ قال فقال: كان لا يعلمها" (٣٦). وقال عبد الرحمن بن يحيى عن مجاهد: "لو أعلم من يفسّر لي هذه الآية، لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم إلى قوله: فما استمتعتم به منهن، إلى آخر الآية" (٣٧). قال الماوردي: " وأصل الإِحصان المنع، ومنه حصن البلد، لأنه يمنع من العدو، ودرع حصينة أي منيعة، وفرس حَصان، لأن صاحبه يمتنع به من الهلكة، وامرأة حصان، وهي العفيفة لأنها تمتنع من الفاحشة، ومنه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] " (٣٨). قال الطبري: " فأما المحصنات، فإنَّهن جمع مُحْصَنة، وهي التي قد مُنع فرجها بزوج. يقال منه: أحْصَن الرجلُ امرأته فهو يُحْصنها إحصانًا، وحَصُنت هي فهي تَحْصُن حَصَانة، إذا عفَّت وهي حاصِنٌ من النساء، عفيفة، كما قال العجاج (٣٩): وَحَاصِنٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسٍ ... عَنِ الأذَى وَعَنْ قِرَافِ الْوَقْسِ ويقال أيضًا، إذا هي عَفَّت وحفِظت فرجها من الفجور: قد أحصَنَتْ فرجها فهي مُحْصِنة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [سورة التحريم: ١٢]، بمعنى: حفظته من الريبة، ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى: حُصُون، لمنعها من أرادَها وأهلَها، وحفظِها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها. ولذلك قيل للدرع: درع حَصِينة. فإذا كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبيِّنٌ أنّ معنى قوله: والمحصنات من النساء، والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم، وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرّية، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥] ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النساء: ٢٥] ويكون بالعفة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [سورة النور: ٤] ويكون بالزوج ولم يكن ﵎ خصّ محصَنة دون محصنة في قوله:

стр. 2775

والمحصنات من النساء، فواجبٌ أن تكون كلُّ مُحْصنة بأيّ معاني الإحصان كان إحصانها، حرامًا علينا سفاحًا أو نكاحًا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتابُ الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله" (١). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة ﴿والمحصنت﴾، في كل القرآن بفتح الصاد، وقرأ الكسائي ﴿والمحصنت من النسآء إلا ما ملكت أيمنكم﴾، بفتح الصاد في هذه وحدها وسائر القرآن ﴿المحصنت﴾ [النساء: ٢٥]، و [المائدة ٥]، و [النور: ٤، ٢٣]، و ﴿محصنت﴾ [النساء: ٢٥]، بكسر الصاد ولم يختلف القراء في ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ فإنها مفتوحة، وروي عن مجاهد وعبد الله بن كثير مثل قراءة الكسائي ﴿والمحصنت من النسآء﴾ مفتوحة وسائر القرآن بالكسر (٢). قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، "أي: هذا فرض الله عليكم" (٣). قال الطبري: أي: " كَتب الله تحريم ما حرَّم من ذلك وتحليلَ ما حلل من ذلك عليكم، كتابًا" (٤). عن إبراهيم قال: " ﴿كتاب الله عليكم﴾، قال: ما حرَّم عليكم" (٥). عن ابن عباس في قوله: " ﴿كتاب الله عليكم﴾، قال: هذا النسب" (٦). قال ابن جريج: " سألت عطاء عنها فقال: كتابَ الله عليكم، قال: هو الذي كتب عليكم الأربعَ، أن لا تزيدوا" (٧). عن محمد بن سيرين قال: "قلت لعبيدة: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم، وأشار ابن عون بأصابعه الأربع" (٨). عن السدي: " ﴿كتاب الله عليكم﴾: الأربع" (٩). قال ابن وهب: " قال ابن زيد في قوله: ﴿كتاب الله عليكم﴾، قال: هذا أمرُ الله عليكم. قال: يريد ما حرَّم عليهم من هؤلاء وما أحلَّ لهم. وقرأ: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾، إلى أخر الآية. قال: كتاب الله عليكم، الذي كتَبه، وأمره الذي أمركم به. كتاب الله عليكم، أمرَ الله" (١٠) وفي قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ثلاثة أقوال (١١): أحدها: أن معناه: حرم ذلك عليكم كتاباً من الله. والثاني: معناه: ألزموا كتاب الله. وضعّفه الطبري فقال: " والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب. وذلك أنها لا تكاد تَنصب بالحرف الذي تغرِي به، إذا أخَّرت الإغراء، وقدمت المغرَى به لا تكاد تقول: أخاك عليك، وأباك دونك، وإن كان جائزًا، والذي هو أولى بكتاب الله: أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه" (١٢). والثالث: أن كتاب الله قيم عليكم فيما تستحلِّونه وتحرمونه. قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، " أي: وأُحل لكم نكاح ما سواهنّ" (١٣). عن خصيف في قوله: " ﴿وأحل لكم﴾، يقول: التزويج" (١٤). عن أبي مالك: " قوله : ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، يعني: سواء ذلك" (١٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ثلاثة وجوه: أحدها: أن معناه ما دون الأربع، وهو قول السدي (١٦)، وعبيدة السلماني (١٧).

стр. 2776

والثاني: ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم، وهو قول عطاء (١). والثالث: ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، وهو قول قتادة (٢). قال الطبري: والصواب" أن الله جل ثناؤه بيَّن لعباده المحرَّمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيَّنات في هاتين الآيتين، أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا" (٣). قال ابن الجوزي: " قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ هذا عند عموم العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبي- ﷺ «أن تنكح المرأة على عمتها أو أعلى خالتها» (٤)، وليس هذا على سبيل النسخ. وقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث (٥)، وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ" (٦). قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، "أي: إِرادة أن تطلبوا النساء بطريق شرعي فتدفعوا لهن المهور حال كونكم متزوجين غير زانين" (٧). قال الماوردي: " يعني أن تلتمسوا بأموالكم إما شراء بثمن، أو نكاحاً بصداق، يعني متناكحين غير زانين " (٨). قال السدي: "، يقول: محصنين غير زُنَاة" (٩). عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في "قوله: ﴿محصنين﴾، قال: متناكحين، غير مسافحين، قال: زانين بكل زانية" (١٠). وفي رواية أخرى عن مجاهد: " ﴿محصنين﴾: متناكحين غير مسافحين، السفاحُ الزِّنا" (١١). قال سليمان بن المغيرة: "سئل الحسن وأنا أسمع، ما المسافحة؟ قال: هي التي لا يزني إليها رجل بعينه إلا تبعته" (١٢). وأصل السفاح: " صب الماء، ومنه سَفَح الدمع إذا صبَّه، وسَفْح الجبل أسفله لأنه مصب الماء فيه، وسِفَاح الزنى لصب مائه حراماً" (١٣). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿وأحل لكم﴾ [النساء: ٢٤] بفتح الألف والحاء و ﴿أحصن﴾ [النساء: ٢٥] مضمومة الألف، وقرأ الكسائي وحمزة ﴿وأحل لكم﴾ مضمومة الألف و ﴿أحصن﴾ مفتوحة الألف. واختلف عن عاصم فروى عنه حفص ﴿وأحل﴾ و ﴿أحصن﴾ مضمومتين، وروى عنه المفضل وأبو بكر ﴿وأحل لكم﴾ و ﴿أحصن﴾ بالفتح جميعا، وروي عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ ﴿وأحل لكم﴾ بفتح الألف، ووروي عن شيبان عن عاصم ﴿وأحل﴾ بالفتح ﴿فإذا أحصن﴾ بضم الألف (١٤). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، "أي: فما تلذذتم به من النساء بالنكاح فآتوهنَّ مهورهن فريضةً فرضها الله عليكم" (١٥).

стр. 2777

قال ابن عباس: " كانت متعة النساء في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة، ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يصلح بحفظ متاعه، فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته، وكان يقول: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾، نسختها ﴿محصنين غير مسافحين﴾، وكان الإحصان بيد الرجل، يمسك متى شاء ويطلق متى شاء" (١). وقال ابن عباس أيضا: " والاستمتاع: هو النكاح" (٢). وروي عن الحسن، ومجاهد والزهري نحو ذلك (٣). وقال عبدالله بن مسعود: " المتعة منسوخة، نسخها الطلاق، والصدقة، والعدة، والميراث" (٤). قال عبد الرزاق: " سمعت رجلا يحدث معمرا، قال: أخبرني الأشعث، والحجاج بن أرطاة، أنهما سمعا أبا إسحاق، يحدث عن الحارث، عن علي، قال: " نسخ المتعة الطلاق، والعدة، والميراث " قال: وسمعت غير الحجاج، يحدث عن محمد بن علي، عن علي، ونسخت الضحية كل ذبح " (٥). وقال سعيد بن المسيب: " " نسخت آية الميراث المتعة " (٦). قال سفيان في قوله: " ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾، قال: هذا في المتعة كانوا قد أمروا بها قبل أن ينهوا عنها" (٧). قال أبو نضرة: " قرأت على ابن عباس ﵄، ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء: ٢٤]، قال ابن عباس: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» قال أبو نضرة: فقلت: ما نقرؤها كذلك. فقال ابن عباس: «والله لأنزلها الله كذلك» " (٨). وكان ابن عباس كذلك يقرأ (٩)، وسعيد بن جبير (١٠). وقال عبد الله بن أبي مليكة: "سئلت عائشة ﵂، عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله قال: وقرأت هذه الآية ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء﴾ [المؤمنون: ٥] ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا" (١١). والراجح من التفسير أن يقال: " فما نكحتموه منهن فجامعتموه، فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله ﷺ ، المتعة على غير النكاح الصحيح حرام" (١٢). قال ابن الجوزي: " وقد روي عن ابن عباس أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك، وقد تكلف قوم من مفسري القراء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ أنه: نهى عن متعة النساء (١٣)، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي ﷺ أجاز المتعة، ثم

стр. 2778

منع منها، فكان قوله منسوخا بقوله، وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾، فدل ذلك على النكاح الصحيح" (١). روي الرَّبيع بن سبرة الجهني، عن أبيه: "أن النبي ﷺ قال: «استمتعوا من هذه النساء»، والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج" (٢). وأما ما روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأت به الخبرُ القاطعُ العذرَ عمن لا يجوز خلافه (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، وجهان: أحدهما: أنه في التزوج والمهر. قاله ابن عباس (٤)، والحسن (٥). عن ابن عباس: "قوله: ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾، قال: إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله" (٦). والثاني: أنه في زواج المتعة، وقد نسخ آية الميراث المتعة. وهذا قول سعيد بن المسيب (٧). وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، قولان: أحدهما: أي آتوهن صدقاتهن معلومة، أراد الاستمتاع في النكاح بالمهور، وهذا قول مجاهد (٨)، والحسن (٩)، وابن زيد (١٠)، وأحد قولي ابن عباس (١١). وهو قول الجمهور (١٢). والثاني: أنه المتعة التي كانت في أول الإسلام، كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل. وهذا قول السدي (١٣)، ومجاهد في إحدى الروايات (١٤)، واستندوا فيه على قراءة أبي بن كعب: " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى" (١٥). ثم اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة، على قولين: أحدهما: أنها محكمة. روي شعبة، عن الحكم قال: "سألته عن هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾، إلى هذا الموضع: ﴿فما استمْتَعتم به منهن﴾، أمنسوخة هي؟ قال: لا قال الحكم: وقال علي ﵁: لولا أن عمر ﵁ نهى عن المتعة ما زنى إلا شَقِيٌّ" (١٦). والقول الثاني: أنها منسوخة، واختلفوا بماذا نسخت على قولين: أحدهما: بإيجاب العدة. عن عطاء عن ابن عباس ﵄: " ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ فنسختها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] " (١٧).

стр. 2779

والثاني: أنها نسخت بنهي رسول الله ﷺ عن المتعة (١). قال ابن الجوزي: " وهذا القول ليس بشيء لوجهين: أحدهما: أن الآية سيقت لبيان عقدة النكاح بقوله: ﴿محصنين﴾ أي: متزوجين، عاقدين النكاح، فكان معنى الآية ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ على وجه النكاح الموصوف فآتوهن مهورهن، وليس في الآية ما يدل على أن المراد نكاح المتعة الذي نهى عنه، ولا حاجة إلى التكلف، وإنما أجاز المتعة رسول الله ﷺ ثم منع منها. والثاني: أنه لو كان ذلك لم يجز. نسخه بحديث واحد" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: " ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم، من الزيادة أو النقصان في المهر، بعد ثبوت الفريضة" (٣). قال ابن عباس: " والتراضي: أن يوفيها صداقها ثم يخيرها" (٤). وقال ربيعة: " يقول الله تعالى: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به إن أعطت زوجها من بعد الفريضة أو صنعت إليه، فذلك الذي قال" (٥). عن مقاتل بن حيان: " قوله: ﴿من بعد الفريضة﴾، يعني: ما بعد تسمية الأول" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، أربعة أوجه: أحدها: معناه لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أعسرتم بعد أن فرضتم لِنِسَائكم مهراً عن تراض أن ينقصنكم منه ويتركنكم، وهذا قول سليمان بن المعتمر (٧). والثاني: لا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضتيم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل بينكم أن يزدنكم في الأجل وتزيدوهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهذا قول السدي (٨). ضعّفه الطبري وقال: بأنه " قولٌ لا معنى له، لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين" (٩). والثالث: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به ودفعتموه أن يعود إليكم عن تراض، وهذا قول ابن عباس (١٠). والرابع: ولا جناح عليكم فيما وضَعتْ عنكم نساؤكم من صَدُقاتهن من بعد الفريضة. قاله ابن زيد (١١). والراجح من التفسير أن يقال: " ولا حرج عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن، من حطِّ ما وجب لهنَّ عليكم، أو إبراء، أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [سورة النساء: ٤] " (١٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]، أي: " إن الله تعالى كان عليمًا بأمور عباده، حكيما في أحكامه وتدبيره" (١٣).

стр. 2780

قال النحاس: " أي: هو عليم بما فرض حكيم في النكاح" (١). قال الطبري: أي: " إن الله كان ذا علم بما يُصلحكم، أيها الناس، في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه، حكيما فيما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم، لا يدخل حكمته خلل ولا زلل" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]، ثلاثة وجوه: أحدها: كان عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً في تقديره وتدبيره لها، وهذا قول الحسن (٣). والثاني: أن القوم شاهدوا عِلماً وحكمة فقيل لهم إن كان كذلك لم يزل، وهذا قول سيبويه (٤). والثالث: أن الخبر عن الماضي يقوم مقام الخبر عن المستقبل، لأن الأشياء عند الله في حال واحدة، ما مضى وما يكون وما هو كائن. وهذا مذهب الكوفيين (٥). قال الزجاج: " والقولان الأولان هما الصحيحان، لأن العرب خوطبت بما تعقل، ونزل القرآن بلغتها فما أشبه من التفسير كلامها فهو أصح، إذ كان القرآن بلغتها نزل" (٦). الفوائد: ١ - تحريم المرأة المتزوجة حتى يفارقها زوجها بطلاق أو موت وحتى تنقضي عدتها. ٢ - جواز نكاح المملوكة باليمين وإن كان زوجها حياً في دار الحرب إذا أسلمت؛ لأن الإسلام فصل بينهما. ٣ - وجوب المهور، وجواز إعطاء المرأة مهرها لزوجها شيئاً. ٤ - دخل في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ كلُّ ما لم يذكر في هذه الآية، فإنه حلال طيب. فالحرام محصور والحلال ليس له حد ولا حصر لطفًا من الله ورحمة وتيسيرًا للعباد. ٥ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و «الحكيم»: فمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٧). و«الحكيم»: "هو المحكم لخلق الأشياء. قال تعالى: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١]. فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (٨). القرآن ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥] التفسير: ومن لا قدرة له على مهور الحرائر المؤمنات، فله أن ينكح غيرهن، من فتياتكم المؤمنات المملوكات. والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم، بعضكم من بعض، فتزوجوهن بموافقة أهلهن، وأعطوهن مهورهن على ما تراضيتم به عن طيب نفس منكم، متعففات عن الحرام، غير مجاهرات بالزنى، ولا مسرات به باتخاذ أخلاء، فإذا تزوجن وأتين بفاحشة الزنى فعليهن من الحدِّ -وهو الجَلْدُ لا الرَّجْمُ- نصف ما على الحرائر. ذلك الذي أبيح مِن نكاح الإماء بالصفة المتقدمة إنما أبيح لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، وشق عليه

стр. 2781

الصبر عن الجماع، والصبر عن نكاح الإماء مع العفة أولى وأفضل. والله تعالى غفور لكم، رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند العجز عن نكاح الحرائر. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، " أي: من لم يكن منكم ذا سعة وقدرة أن يتزوج الحرائر والمؤمنات" (١). قال الطبري: أي: " ومن لم يجد منكم سعة من مالٍ لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم" (٢). وفي تفسير: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، قولان: أحدهما: أنهن الحرائر. وهذا قول ابن عباس (٣)، وروي عن عطية ومجاهد ومقاتل بن حيان وقتادة نحو ذلك (٤). والثاني: أنّ المحصنات العفائف. قاله السدي (٥). وفي معنى "الطوْل" ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغنى والسعة الموصل إلى نكاح الحرّة، وهذا قول ابن عباس (٦)، وقتادة (٧)، ومجاهد (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والسدي (١٠)، وابن زيد (١١)، والشافعي (١٢)، ومالك (١٣). والثاني: هو أن تكون تحته حرة، وهو قول أبي حنيفة (١٤). والثالث: هو الهوى وهو أن يهوى أَمَةً فيجوز أن يتزوجها، إن كان ذا يسار وكان تحته حرة، وهذا قول جابر (١٥)، وربيعة (١٦)، والشعبي (١٧)، وعطاء (١٨). والراجح –والله أعلم-أن " معنى الطَّوْل في هذا الموضع، السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله ﵎ لم يحرِّم شيئًا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة فأحلَّ ما حرم من ذلك عند غلبة المحرَّم عليه له، لقضاء لذة. فإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يُحَلُّ له من أجل غلبة هوًى عنده فيها، لأن ذلك مع وجوده الطولَ إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة ترفع برخصة، كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه، فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسَه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاكَ منه، ما حرم عليهم منها في غيرها من الأحوال. ولم يرخص الله ﵎ لعبدٍ في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبَه هوى امرأة حرّة أو أمة، أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضّح فساد قول من قال: معنى الطول، في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاحَ الإماء" (١٩). قال الماوردي: "وأصل الطَوْل: الفضل والسعة، لأن المعنى كالطول في أنه ينال به معالي الأمور، ومنه قولهم ليس فيه طائل أي لا ينال به شيء من الفوائد، فكان هو الأصح من تأويلاته" (٢٠).

стр. 2782

قال الزمخشري: " الطول: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول أى زيادة وفضل. وقد طاله طولا فهو طائل. قال (١): لقد زادنى حبا لنفسى أننى ... بغيض إلى كل امرىء غير طائل ومنه قولهم: ما حلا منه بطائل، أى بشيء يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان. والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة «٢» يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة." (٢). واختلف في إيمان الأمَةِ هل هو شرط في نكاحها عند عدم الطَوْل على قولين: أحدهما: أنه شرط لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، وهذا قول مجاهد (٣)، وسعيد (٤)، والحسن (٥)، ومذهب مالك (٦)، والشافعي (٧). والثاني: أنه ندب وليس بشرط، فإن تزوج غير المؤمنة جاز، وهذا قول أبي حنيفة (٨)، ومذهب أهل العراق (٩). قال الواحدي: " والآية حجة عليهم" (١٠). قال الواحدي: " وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعا عن نكاح الأمة، وإنما يمنع إذا وجد طول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا (١١). ومنهم من يقول: إذا قدر على طول حرة كتابية منع من نكاح الأمة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة (١٢). ثم قال الواحدي: ويحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأن الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يخالف المنظوم، كقوله: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ [النساء: ١٠١]، ثم لم يكن الخوف مشروطا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر" (١٣). قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، "أي: فله أن ينكح من الإِماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون" (١٤). عن خصيف قال: "كتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى الشعبي، يسأله عن تزويج الأمة، فقال: إذا وجد الرجل طول الحرة، فتزويج الأمة عليه بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير" (١٥). قال مجاهد: " لا ينبغي للحر المسلم أن يتزوج المملوكة من أهل الكتاب" (١٦). وروي عن الحسن ومكحول وقتادة نحو ذلك (١٧).

стр. 2783

قال ابن عباس: "قوله: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، فلينكح من إماء المؤمنين" (١). وروي عن السدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢). وعن ابن عباس، "قوله: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم﴾، فكانوا في حلال ما ملكت أيمانهم من الإماء كلهن، ثم أنزل الله سبحانه بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها، ونكاح ما نكح الآباء والأبناء، وأن يجمع بين الأختين، والأخت من الرضاعة، والأم من الرضاعة، والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حرمن حرة أو أمة" (٣). قال الواحدي: " ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جارية نفسه بالإجماع، ومعنى قوله: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم﴾ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس" (٤). وقوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾. الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقولن أحدكم: عبدي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي» (٥). وقال ابن السكيت: يقال: (تفتت) (١) الجارية، إذا راهقت فخدرت (٦) ومنعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتية. ويقال للجارية الحدثة: فتاة، وللغلام: فتى (٧). أبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفتي في السن. وأنشد (٨): إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء (٩) فالفتاة الشابة، والفتاة الأمة، عجوزا كانت أو شابة؛ لأنها كالشابة في أنه لا توقر توقير الكبير (١٠). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: " والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم" (١١). قال مقاتل بن حيان، "ثم قال في التقديم: والله أعلم بإيمانكم" (١٢)، قال الطبري: " أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله منكم" (١٣). قال الزجاج: " أي اعملوا على ظاهركم في الإيمان" (١٤). قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: " فلينكح بعضكم من بعض" (١٥). قال مقانل بن حيان: " قوله: ﴿بعضكم من بعض﴾ يقول: بعضكم من بعض " (١٦). قال الطبري: " هذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وتأويل ذلك: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فلينكح بعضكم من بعض بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا" (١٧). وذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وجهين: أحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من تزوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله: ﴿بعضكم من بعض﴾ أي: في النسب (١٨).

стр. 2784

والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضا، ويلابس بعضا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي (١): فقلت ما أنا ممن لا يواصلني ... ولا ثوائي إلا ريث أحتمل أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزوج الأمة (٢). قال الزجاج: ويقوي هذا الوجه، " لأنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد" (٣). والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: "المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض " (٤). قال الزجاج: " وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب وتعير بالهجنة، كانوا يسمون ابن الأمة الهجين، فأعلم الله أن أمر العبيد وغيرهم مستوفى الإيمان (٥). وإنما حرم التزوج بالأمة إذا وجد إلى الحرة سبيل لسببين (٦): أحدهما: أن ولد الحر من المملوكة مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيا. والثاني: أن الأمة مستخدمة في الحاجات، ممتهنة بكثرة عشرة الرجال وذلك شاق على الزوج. قال الزجاج: " فلذلك كره تزوج الحر بالأمة، فأما المفاخرة بالأحساب والتعيير بالأنساب فمن أمر الجاهلية" (٧). وفي هذا السياق يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «أربع في أمتي من الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ودرع من جرب» (٨). قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، "أي: فتزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن" (٩). قال السدي: " فلتنكح الأمة بإذن أهلها" (١٠). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (١١). وقال مقاتل بن حيان: " يعني: بإذن أربابهن" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥]، " أي: ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفسٍ ولا تبخسوهن منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إِماء" (١٣). قال ابن زيد: " ﴿وآتوهن أجورهن﴾، قال: الصداق" (١٤). قال مقاتل بن حيان: " يعني: مهورهن بالمعروف" (١٥). قال الطبري: " ويعني بقوله: ﴿بالمعروف﴾: على ما تراضيتم به، مما أحلَّ الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورًا لهن" (١٦).

стр. 2785

قال الواحدي: " ﴿بالمعروف﴾: من غير مطل وضرار، والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها" (١). قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، "أي: عفيفات غير مجاهرات بالزنى" (٢). قال ابن عباس: " يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية" (٣). وفي رواية أخرى: "، المسافحات المعالنات بالزنا" (٤). قال السدي: " أما المحصنات فالعفائف، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة والمحصنات العفائف غير مسافحة، والمسافحة، المعالنة بالزنا" (٥). قال قتادة: " المسافحة: البغيّ التي تؤاجر نفسها من عَرَض لها" (٦). قال الضحاك: " أما المحصنات، فهن الحرائر، يقول: تزوج حرة. وأما المسافحات، فهن المعالنات بغير مهر" (٧). قال ابن زيد: "المسافح الذي يَلقى المرأة فيفجر بها ثم يذهب وتذهب " (٨). قال الواحدي: " ﴿غير مسافحات﴾ أي: غير زواني، وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، "أي: ولا متسترات بالزنى مع أخدانهن" (١٠). قال السدي: " ولا متخذة صديقًا" (١١). عن مجاهد في قوله: " ﴿ولا متخذات أخدان﴾، قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل" (١٢). قال قتادة: " وذات الخدن: ذات الخليل الواحد. فنهاهم الله عن نكاحهما جميعًا" (١٣). قال الضحاك: " وأما متخذات أخدان، فذات الخليل الواحد المستسرَّة به، نهى الله عن ذلك" (١٤). قال ابن زيد: " المخادن، الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه، فذاك الأخدان " (١٥). قال ابن عباس: " ﴿ولا متخذات أخدان﴾، ذات الخليل الواحد قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأنعام: ٥١] " (١٦). قال عامر: " الزنا زناءان: تزني بالخدن ولا تزني بغيره، وتكون المرأة سَوْمًا، ثم قرأ: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ " (١٧). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، "أي: فإِذا أُحصنَّ بالزواج ثم زنين فعليهن نصف ما على الحرائر من عقوبة الزنى" (١٨). قال ابن عباس: " يعني: إذا تزوجت حرا ثم زنت" (١٩). وروي عن الشعبي، وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقتادة نحو ذلك (٢٠).

стр. 2786

قال سعيد بن جبير: " ﴿فإن أتين بفاحشة﴾، يقول: فإن جئن بالزنا" (١). " فعلى الولاية نصف ما على الحرة من الجلد وهي خمسون جلدة" (٢). وروي عن السدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٣). عن ابن عباس: " قوله: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، قال: من الجلد" (٤). وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك (٥). قال الزجاج: " أي: عليهن نصف الحد، والحد مائة جلدة على الحر والحرة غير المحصنين، وعلى المحصنين الرجم، إلا أن الرجم قتل، والقتل لا نصف له، فإنما عليهن نصف الشيء الذي له نصف وهوالجلد" (٦). وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، قرأ بفتح الألف حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم (٧)، ومعنى ذلك أسلمن، فيكون إحصانها ها هنا إسلامها (٨). وهذا قول ابن مسعود (٩)، وإبراهيم (١٠)، والشعبي (١١)، والزهري (١٢)، والسدي (١٣)، وسالم (١٤)، والقاسم (١٥). وقرأ الباقون بضم الألف (١٦)، ومعنى ذلك تزوجن، فيكون إحصانها ها هنا تزويجها (١٧). وهذا قول ابن عباس (١٨)، ومجاهد (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، والحسن (٢١)، وقتادة (٢٢). قال الطبري: " أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ، فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل، وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدُهما صاحبه. لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله ﷺ ، الحدّ، فقال ﷺ : «إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها، كتابَ الله، ولا يُثَرِّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّب عليها. ثم إن زَنت الرابعة فليضربها، كتابَ الله، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ» (٢٣)، وقال ﷺ : «أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم» (٢٤)، فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج. فالحدود واجبةٌ على مَوالي الإماء إقامتها عليهن، إذا فجرن، بكتاب الله وأمرِ رسول الله ﷺ " (٢٥).

стр. 2787

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، "أي: إِنما يباح نكاح الإِماء لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى" (١). قال الشافعي: " ولا في نكاح الأمة إلا كما وصفتُ في أصل نكاحهن، إلا بأن لا يجد الرجل الحرّ بصداق أمة طولاً لحرّة، وبأن يخاف العنت، والعنت: الزنا" (٢). قال ابن عباس: " ﴿العنت﴾: الزنا وهو الفجور، فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا ألا يقدر على حرة وهو يخشى العنت" (٣). قال الزجاج: " أي: تزوج الإماء جائز لمن خاف العنت، والعنت في اللغة المشقة الشديدة. يقال من ذلك: أكمة عنوت إذا كانت شاقة" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، أربعة أوجه: أحدها: الزنى، وهو قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وعطية (٨)، والضحاك (٩)، وعمرو بن دينار (١٠)، ومقاتل بن حيان (١١)، وبه قال الشافعي (١٢). والثاني: أن العنت الإثم (١٣). والثالث: أنه العقوبة التي تُعْنِته، وهي الحدّ (١٤). والرابع: هو الضرر الشديد في دين أو دنيا. وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وهذا قول الإمام الطبري (١٥). والراجح-والله أعلم- أنه تعالى "عمّ بقوله: ﴿لمن خشي العنت منكم﴾، جميعَ معاني العنت. ويجمع جميعَ ذلك الزّنا، لأنه يوجب العقوبةَ على صاحبه في الدنيا بما يُعنت بدنه، ويكتسب به إثمًا ومضرّة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهلُ التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذةً وقضاءَ شهوة، فإنه بأدائه إلى العنت، منسوبٌ إليه موصوف به، إن كان للعنت سببًا" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، "أي: وإن صبركم وتعففكم عن نكاحهن أفضل، لكمً" (١٧). قال الطبري: " وأنْ تصبروا، أيها الناس، عن نكاح الإماء خير لكم" (١٨). قال الزجاج: " أي: الصبر خير لكم لما وصفنا من أن الولد يصيرون عبيدا" (١٩). قال الماوردي: " يعني الصبر عن نكاح الأمَةِ لئلا يكون ولده عبداً" (٢٠). عن عن ابن عباس: " ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾، قال: وأن تصبروا عن الأمة، خير لكم" (٢١)، وروي عن سعيد بن جبير (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، وقتادة (٢٤)، وعطية (٢٥)، وطاوس (٢٦)، والحسن (٢٧)، والسدي (٢٨)، وجابر بن زيد (٢٩)، ومقاتل بن حيان (٣٠) نحو ذلك.

стр. 2788

قال السدي: "، يقول: وأن تصبرَ ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خيرٌ لك" (١). قال الواحدي: " أباح الله تعالى نكاح الأمة بشرطين: أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطول. والثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك: ﴿وأن تصبروا﴾ يريد: عن تزوج الإماء، ﴿خير لكم﴾ ألا يصير الولد عبدا" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: والله "واسع المغفرة عظيم الرحمة" (٣). قال محمد بن إسحاق: " ﴿والله غفور رحيم﴾، أي: غفر الذنب" (٤)، " قوله: رحيم قال: يرحم العباد على ما فيهم" (٥). الفوائد: ١ - جواز التزوج من المملوكات لمن خاف العنت وهو عادم للقدرة على الزواج من الحرائر. ٢ - وجوب إقامة الحد على من زنت من الإماء إن أحصن بالزواج والإسلام. ٣ - الصبر على العزوبة خير من ١ الزواج بالإماء لإرشاد الله تعالى إلى ذلك. ٤ - لعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما. ٥ - ويستفاد من قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أنّ الولد من أمه , فمن أخذ ذات دين فولده منها يكون إن شاء الله ذا دين. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٦). القرآن ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦] التفسير: يريد الله تعالى بهذه التشريعات، أن يوضح لكم معالم دينه القويم، وشرعه الحكيم، ويدلكم على طرق الأنبياء والصالحين من قبلكم في الحلال والحرام، ويتوب عليكم بالرجوع بكم إلى الطاعات، وهو سبحانه عليم بما يصلح شأن عباده، حكيم فيما شرعه لكم. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، " أي: يريد الله أن يفصّل لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم" (٧). قال مقاتل بن حيان: " من تحريم الأمهات والبنات" (٨). قال عطاء: "يبين لكم ما يقربكم منه" (٩).

стр. 2789

وقال الكلبي: "يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم" (١). قال الثعلبي: أي: " يريد الله أن يبين شرائع دينكم ومصالح أمركم" (٢). قال مقاتل: " يعني أن يبين لكم" (٣). قال الزمخشري: " أصله: يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في: لا أبالك، لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم" (٤). قال الأخفش: " معناه: يريد هذا ليبين لكم، قال الشاعر (٥): أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل فمعناه: أريد هذا الشيء لأنسى ذكرها" (٦). قال الفراء: " العرب تجعل اللام في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيرا من ذلك قول الله ﵎: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ (٧)، و ﴿يريدون ليطفؤا﴾ (٨)، وقال في الأمر في غير موضع من التنزيل، ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ (٩)، وهي في قراءة عبد الله، ﴿وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين﴾ " (١٠). قال الزجاج: " قال الكوفيون معنى اللام معنى أن، وأردت، وأمرت، تطلبان المستقبل، لا يجوز أن تقول: أردت أن قصت، ولا أمرت أن قمت، ولم يقولوا لم لا يجوز ذلك. وهذا غلط أن تكون لام الجر تقوم مقام " أن " وتؤدي معناها، لأن ما كان في معنى أن دخلت عليه اللام. تقول: جئتك لكي تفعل كذا وكذا، وجئت لكي تفعل كذا وكذا. وكذلك اللام في قوله: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾، كاللام في «كي»، المعنى: أراده الله للتبيين لكم. أنشد أهل اللغة (١١): أردت لكيما لا ترى لي عبرة ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل وأنشدنا محمد بن يزيد المبرد (١٢): أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيسر والوفود شهود فأدخل هذه اللام على " كي "، ولو كانت بمعنى أن لم تدخل اللام عليها، وكذلك أردت لأن تقوم، وأمرت لأن أكون مطيعا، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون﴾ [يوسف: ٤٣]، أي: إن كنتم عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله أيضا: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، أي: الذين هم رهبتهم لربهم" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، "أي: يرشدكم إِلى طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم" (١٤). قال مقاتل بن حيان: " كذلك كان سنة الذين من قبلكم" (١٥). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: شرائع هدى من كان قبلكم من المؤمنين من تحريم النسب والصهر" (١٦).

стр. 2790

قال الزجاج: " أي يدلكم على طاعته كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم، ومعنى ﴿سنن الذين من قبلكم﴾، أي طرق الذين من قبلكم" (١). قال الزمخشري: أي: " وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم" (٢). قال ابن أبي زمنين: " يعني: شرائع من كان قبلكم من المؤمنين فيما حرم عليكم من الأمهات والبنات والأخوات" (٣). قال الطبري: أي: " وليسددكم سُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بَيَّن فيهما ما حرّم من النساء" (٤). قال السمعاني: أي: ويرشدكم طرائق الذين من قبلكم من النبين، والصالحين، وقيل: من قوم موسى، وعيسى، الذين هدوا بالحق؛ وذلك أنه حرم عليهم ما حرم على المسلمين من المحارم المذكورات، وقيل: معناه: ويهديكم إلى الملة الحنيفية، ملة إبراهيم" (٥). قال الراغب: " السنن: جمع السنة أي الطريقة المستقيمة، وأصلها من سن الماء، وعنه استعير من سن السيف لما كان يشبه عند صقله بالماء، واستعير منه سن الفرس، كما يقال: صقل الفرس" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، "أي: ويقبل توبتكم فيما اقترفتموه من الإِثم والمحارم" (٧). قال مقاتل: " يعنى: ويتجاوز عنكم من نكاحكم، يعنى: من تزويجكم إياهن من قبل التحريم" (٨). قال ابن أبي زمنين: " أي: يتجاوز عما كان من نكاحكم إياهن قبل التحريم" (٩). قال الواحدي: أي: " يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته" (١٠). قال الزمخشري: أي: " ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيئاتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم" (١١). قال الطبري: أي: " يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبلَ الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحىَ إلى نبيه من ذلك عليكم، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم" (١٢). قال البغوي: أي: " ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم، وقيل: يرجع بكم من المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل: يوفقكم التوبة" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، "أي: والله عليم بأحوال العباد حكيم في تشريعه لهم" (١٤). قال الطبري: أي: " والله ذو علم بما يصلح عباده في أدْيانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذَرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم حكيم بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرّفهم فيه" (١٥). قال البغوي: أي: " ﴿والله عليم﴾ بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، ﴿حكيم﴾، فيما دبر من أمورهم" (١٦). الفوائد:

стр. 2791

١ - منة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر. ٢ - منة الله على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم. ٣ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و «الحكيم»: فمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١). و«الحكيم»: "هو المحكم لخلق الأشياء، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (٢). القرآن ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٧] التفسير: والله يريد أن يتوب عليكم، ويتجاوز عن خطاياكم، ويريد الذين ينقادون لشهواتهم وملذاتهم أن تنحرفوا عن الدين انحرافًا كبيرًا. في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، والميل العظيم: أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله" (٣). زاد ابن الحجر: " فأنزل الله هذه الآية" (٤). والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن السدي: " ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، قال: هم اليهود والنصارى" (٦). والثالث: قال الزمخشري: "وقيل: المجوس: كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت" (٧). قال الطبري: " هم اليهودُ خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتّباعَ شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب. وذلك أنهم يحلون نكاحَهنّ، فقال الله ﵎ للمؤمنين: ويريدُ الذين يحلِّلون نكاح الأخوات من الأب، أن تميلوا عن الحق فتستحلّوهن كما استحلوا" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، أي: " والله يريد أن يتوب عليكم، ويتجاوز عن خطاياكم" (٩). قال الصابوني: "أي يحب بما شرع من الأحكام أن يطهركم من الذنوب والآثام، ويريد توبة العبد ليتوب عليه" (١٠). قال الزجاج: " أي يدلكم بطاعته على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم" (١١). عن ابن عباس قال: "مبدأ التوبة من الله" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، أي: " ويريد الذين ينقادون لشهواتهم وملذاتهم أن تنحرفوا عن الدين انحرافًا كبيرًا" (١٣).

стр. 2792

قال الزجاج: " ي أن تعدلوا عن القصد" (١). قال السدي: " هم اليهود والنصارى" (٢). قال مجاهد: "قوله: ﴿يتبعون الشهوات﴾ قال: الزنا" (٣). وروي عن ابن عيينة نحو ذلك (٤). قال مقاتل بن حيان: " والميل العظيم: أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله" (٥). قال السمعاني: " الميل العظيم: هو أن يفعل فعلا لا يخاف الله فيه، ولا يرقب الناس، وقيل: الميل العظيم باتباع الشهوات" (٦). قال الراغب: " الميل وإن كان عاما في الميل إلى الخير والشر، فالمقصود به ههنا الجور عن قصد السبيل، ولما كان جميع عبادة الله بالقول المجمل ضربين، صقل العقل، وقمع الشهوة، وكل أمر ونهي فذريعة إليهما، صار اتباع الشهوة سبب كل مذمة، فلذلك عبر بمتبع الشهوات عن الفاسق والكافر، وعلى هذا قوله: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. فإن قيل: فليس اتباع الشهوات مذموما في كل حال. بل منها ما هو محمود؟ قيل: قد قال بعض المتكلمين وبعض المفسرين: عنى بذلك بعض الشهوات. وقال بعضهم: عنى من يتبع الشهوات كلها. والصحيح أن اتباع الشهوة في كل حال مذموم، لأن ذلك هو الائتمار لها من حيث ما دعت، وما سوغ من تعاطي ذلك، فليس جواز تعاطيه من حيث دعت الشهوة إليه، بل من حيث سوغ العقل أو الشرع، فذلك هو اتباع لهما، ويؤكد ذلك قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وقيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرق" (٧). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الزناة، وهو قول ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، وعكرمة (١٠)، وابن عيينة (١١). والثاني: أنهم اليهود والنصارى، وهو قول السدي (١٢). والثالث: كل متبع شهوةً في دينه لغير الذي أبيح له، وهو قول ابن زيد (١٣). والراجح –والله أعلم- أن معنى ذلك "ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاب الزنا ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله أن تميلوا عن الحق، وعما أذن الله لكم فيه، فتجورُوا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرم الله، وترك طاعته ميلا عظيمًا، لأن الله عمّ بقوله: ويريد الذين يتبعون الشهوات، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك، من غير وصفهم باتّباع بعض الشهوات المذمومة" (١٤). وقرئ: ﴿أن يميلوا﴾، بالياء (١٥). الفوائد: ١ - منته تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات.

стр. 2793

٢ - الكشف عن نفسية الإنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناة، والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر يود أن يطهر ويصلح كل الناس. القرآن ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨] التفسير: يريد الله تعالى بما شرعه لكم التيسير، وعدم التشديد عليكم; لأنكم خلقتم ضعفاء. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، " أي يريد تعالى بما يسَّر أن يسهّل عليكم أحكام الشرع" (١). قال الطبري: أي: " يريد الله أن يُيسر عليكم، بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولا لحرة" (٢). قال الماوردي: أي: " عن احتمال الصبر عن جماع النساء" (٣). قال الزمخشري: أي: " إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص" (٤). قال السمعاني: " أي: يسهل عليكم، وقد سهل هذا الدين" (٥). قال- ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (٦)، وقال الله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال مجاهد: "قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، يقول: في نكاح الأمة وفي كل شيء فيه يسر" (٧). قال ابن زيد: ": رخّص لكم في نكاح هؤلاء الإماء، حين اضطُرّوا إليهن" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وجهان: أحدهما: أن المراد به نكاح الأمة عند الضرورة. وهو قول مجاهد (٩)، ومقاتل (١٠). والثاني: أن هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا إحسانا منه إلينا، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل بفضله ولطفه. وهذا قول وأبي جعفر الترمذي (١١)، والزمخشري (١٢)، ونسب الواحدي معناه إلى ابن عباس (١٣). قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، " أي: وخلق الإنسان عاجزاً عن مخالفة هواه لا يصبر عن إِتباع الشهوات" (١٤). قال الزمخشري: أي: " لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات" (١٥). قال الطبري: أي: "يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مستطيعي الطوْل للحرائر، لأنكم خُلِقتم ضعفاء عجزةً عن ترك جماع النساء، قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات عند خوفكم العَنَت على أنفسكم، ولم تجدُوا طولا لحرة، لئلا تزنوا، لقلّة صبركم على ترك جماع النساء" (١٦). قال الحجازي: أي: " وخلق الإنسان ضعيفا عن مقاومة الشهوات والوقوف أمام تيارات النساء فإنهن حبائل الشيطان. ولهذا نهانا عن الجلوس مع غير المحارم والحديث معهن لغير ضرورة، ونهى النساء عن كشف عوراتهن وتبرجهن وعن إبداء زينتهن" (١٧).

стр. 2794

قال طاوس: " ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، قال: في شأن النساء أي: لا يصبر عنهن" (١). قال وكيع: "يذهب عقله عندهن" (٢). وقال الزجاج: " ي يستميله هواه" (٣). قال ابن عباس: " يضعف عن الصبر عن الجماع" (٤). وفي رواية أخرى عن طاوس: " وخلق الإنسان ضعيفًا، قال: في أمر الجماع" (٥). وفي رواية أخرى: " وخلق الإنسان ضعيفًا، قال: في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النساء" (٦). قال الحسن: "هو أن خلقه من ماء مهين، بيانه قول الله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٧) " (٨). قال ابن كيسان: ﴿خلق الإنسان ضعيفا﴾، يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه" (٩). قال الثعلبي: " قال طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء" (١٠). قال سعيد بن المسيب: "ما آيس الشيطان من بني آدم إلا أتاه من قبل النساء، وقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف علي فتنة النساء" (١١). وقال مالك بن شرحبيل: "قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلا رفدا ولا آكل إلا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه علي أنه لا سمع له ولا بصر" (١٢). أخرج الطبري عن عباس: " عن ابن عباس قال: ثمانِ آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة النساء: ٢٦]، والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا) [سورة النساء: ٢٧]، والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: ٢٨] " (١٣). وقرأ ابن عباس: ﴿وخلق الإنسان﴾، على البناء للفاعل ونصب الإنسان (١٤). وفي سياق ضعف وعجز الإنسان قال موسى الكليم ﵊ لنبينا صلوات الله وسلامه عليه ليلة الإسراء حِينَ مر عليه راجعا من عند سدْرة المنتهى، فقال له: " ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة، في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، ، فقلت: أي رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحط عني خمسا خمسا، حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها، كتبت حسنة، فإن عملها، كتبت عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب شيئا، فإن عملها، كتبت

стр. 2795

سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذاك، فقال رسول الله ﷺ : لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحييت" (١). الفوائد: ١ - من رحمة الله تعالى وإحسانه بعباده، تخفيفه عما يضعف عنه الإنسان وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته. ٢ - ضعف الإنسان أمام غرائزه لا سيما غريزة الجنس. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، إلا أن يكون وَفْقَ الشرع والكسب الحلال عن تراض منكم، ولا يقتل بعضكم بعضًا فتهلكوا أنفسكم بارتكاب محارم الله ومعاصيه. إن الله كان بكم رحيمًا في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٢٩]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٢). قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، أي: " لا يأكل بعضكم أموال بعض بغير حق" (٣). قال الطبري: أي: ": لا يأكل بعضكم أموالَ بعض بما حرّمَ عليه، من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها" (٤). قال ابن كثير: " نهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا" (٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا تِأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الزنى، والقمار، والبخس، والظلم، وهو قول السدي (٦). والثاني: العقود الفاسدة، وهو قول ابن عباس (٧). قال ابن عباس: " الرجل يشتري السلعة فيردّها ويردّ معها درهمًا" (٨). وفي رواية أخرى: "عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوبَ فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهمًا، قال: هو الذي قال الله: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" (٩). والثالث: أنه نهى أن يأكل الرجل طعام قِرى وأَمَر أن يأكله شِرى ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلى قوله: ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾، وهو قول الحسن البصري (١٠)، وعكرمة (١١). والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، " وذلك أن الله تعالى ذكره حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أنّ أكل ذلك حرامٌ علينا، فإنّ الله لم يحلَّ قط أكلَ الأموال بالباطل، وأما قرَى الضيف وإطعام الطعام فقد كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حَمِدَ الله أهلها عليها وَندبهم إليها، وأن الله

стр. 2796

لم يحرّم ذلك في عصر من العصور، بل نَدَب الله عباده وحثهم عليه، وإذ كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل. لأن النسخَ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة" (١). قال الطبري: " في هذه الآية إبانةٌ من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوِّفة المنكرين طلبَ الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، اكتسابًا منا ذلك بها" (٢). قال قتادة: " التجارةُ رزقٌ من رزق الله، وحلالٌ من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرِّها. وقد كنا نحدَّث (٣): أن التاجرَ الأمين الصدوقَ مع السبعة في ظلّ العرش يوم القيامة" (٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، "أي إِلا ما كان بطريق شرعي كالتجارة عن تراض منكم" (٥). قال ابن كثير: " وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكقوله ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] " (٦). وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، قولان: أحدهما: أن التراضي هو أن يكون العقد ناجزاً بغير خيار، وهو قول مالك بن أنس، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد (٧). والثاني: هو أن يخير أحدهما صاحبه بَعد العقد وقبل الافتراق، وهو قول شريح (٨)، وابن سيرين (٩)، والشعبي (١٠). والراجح-والله أعلم- إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين، ما تفرّق المتبايعان عن المجلس الذي تواجبَا فيه بينهما عُقدة البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ : " كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يَتَفَرقا» (١١)، وفي لفظ البخاري: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» (١٢)، فإذ كان ذلك عن رسول الله ﷺ صحيحًا، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه: اختر، من أن يكون قبل عقد البيع، أو معه، أو بعده (١٣). قال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي ﵀ على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نَصا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف الجمهورَ في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقَّرات، وفيما يعده الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم (١٤).

стр. 2797

قال رسول الله ﷺ : "البَيْعُ عن تَراض والخِيارُ بعد الصَّفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلمًا" (١). قال ابن كثير: "ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس ... وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما، وجمهورُ السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، كما هو متفق عليه بين العلماء إلى ما هو أزيد من ثلاثة أيام، بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك، ﵀. وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب" (٢). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: ﴿تجارة﴾، بالرفع (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أي: " ولا يقتل بعضكم بعضًا فتهلكوا أنفسكم بارتكاب محارم الله ومعاصيه" (٤). قال الطبري: أي: " ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قَتله نفسه، إذ كان القاتلُ والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهُما" (٥). قال الثعلبي: " يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ثلاثة اوجه: أحدها: يعني لا يقتل بعضكم بعضاً، وهذا قول عطاء (٧)، والسدي (٨)، وإنما كان كذلك لأنهم أهل دين واحد فصاروا كنفس واحدة، ومنه قوله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. والثاني: نهى أن يقتل الرجل نفسه في حال الغضب والضجر (٩). والثالث: أن يعني: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. وهذا قول الفضل بن عياض (١٠). وقرأ الحسن: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ مشددا على التكثير (١١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، أي: " إن الله كان بكم رحيمًا في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه" (١٢). قال الطبري: أي: " إن الله ﵎ لم يزل رحيمًا بخلقه، ومن رحمته بكم كفُّ بعضكم عن قتل بعض، أيها المؤمنون، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها، وحظْرِ أكل مال بعضكم على بعض بالباطل، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه، لولا ذلك هلكتمْ وأهلك بعضكم بعضًا قتلا وسلبًا وغصبًا" (١٣). أخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص، ﵁، أنه قال لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل قال: "احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ! » قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد،

стр. 2798

فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا" (١). وروي عن ابن عباس: "أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جُنُب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفْتُ أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]﴾ (٤) قال: فسكت عنه رسولُ الله ﷺ " (٢). وروي "أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولن بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات، فقال ربكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» " (٣). ونقل الثعلبي عن سماك عن جابر بن سمرة: "أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ " (٤). وعن حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: "ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم﴾، الآية، ثم انساب في الناس فذهب" (٥). الفوائد: ١ - حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا. ٢ - إباحة التجارة والترغيب فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل. ٣ - تقرير مبدأ " إنما البيع عن تراض" (٦)، و"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٧). ٤ - حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين؛ لأنهم أمة واحدة. القرآن ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٣٠] التفسير: ومن يرتكب ما نهى الله عنه من أخذ المال الحرام كالسرقة والغصب والغش معتديًا متجاوزًا حد الشرع، فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها، وكان ذلك على الله يسيرًا. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠]، "أي ومن يرتكب ما نهى الله عنه معتدياً ظالماً لا سهواً ولا خطأً" (٨). قال ابن كثير: " أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه" (٩). قال الزجاج: " أي: ومن يأكلها ويقتل النفس - لأن قوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، أي لا يقتل بعضكم بعضا، فمن فعل ذلك عدوانا وظلما: معنى العدوان أن يعدوا ما أمر به، والظلم أن يضع الشيء في غير موضعه" (١٠).

стр. 2799

قال البيضاوي: " ﴿ومن يفعل ذلك﴾، إشارة إلى القتل، أو ما سبق من المحرمات. عدوانا وظلما إفراطا في التجاوز عن الحق وإتيانا بما لا يستحقه. وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب" (١). قال الجصاص: " قيد الوعيد بقوله: ﴿عدوانا وظلما﴾ ليخرج منه فعل السهو والغلط وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام إلى حد التعمد والعصيان" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٣٠]، أربعة أقوال: أحدها: أنه أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حق. وهذا معنى قول سعيد بن جبير (٣)، ومقاتل بن حيان (٤)، وبه قال الزجاج (٥). والثاني: أنه متوجه إلى قتل النفس بغير الحق، وهذا قول عطاء (٦). والثالث: أنه متوجه إلى كل ما نهى عنه من أول سورة النساء، من نكاح من حَرّمت نكاحه، وتعدِّي حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلمًا، وقتل النفس المحرّم قتلها ظلمًا بغير حق (٧). نسب هذا القول إلى ابن عباس (٨)، واختاره الطبري (٩). قال الجصاص: " والأظهر عوده إلى ما يليه من أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة" (١٠). والرابع: أنه متوجه إلى قوله تعالى: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ [النساء: ١٩]، لأن ما قبله مقرون بالوعيد (١١). والخامس: أن هذه الآية فيمن يؤدي الميراث. وهذا قول جرير (١٢). والراجح-والله أعلم- أنه متوجه إلى كل ما نعى عنه من اول السورة من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾، من نكاح المحرمات، وعضل المحرَّم عضلُها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرّم قتله من المؤمنين لأنّ كلّ ذلك مما وعد الله عليه أهلَه العقوبة" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠]، قولان (١٤): أحدهما: يعني تعدياً واستحلالاً. والثاني: أنهما لفظتان متقاربتا المعنى فحسن الجمع بينهما مع اختلاف اللفظ تأكيداً. ذكره الجصاص (١٥)، وأبو هلال العسكري (١٦). قال الجصاص: " وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما; لأنه يحسن مع اختلاف اللفظ, كقول عدي بن زيد (١٧): وقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا والكذب هو المين; وحسن العطف لاختلاف اللفظين. وكقول بشر بن حازم (١٨):

стр. 2800

فَمَا وَطِئَ الْحَصَى مثلُ ابْنِ سُعْدى ... وَلَا لَبس النِّعالَ ولا احْتَذاها والاحتذاء هو لبس النعل. وكما تقول: بعدا وسحقا, ومعناهما واحد, وحسن لاختلاف اللفظ. والله أعلم" (١). قال الطبري: " قوله: ﴿عدْوانًا﴾، فإنه يعني به تجاوزًا لما أباح الله له، إلى ما حرمه عليه، ﴿وظلمًا﴾، يعني: فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوبًا منه ما قد نهاه الله عنه" (٢). قال سعيد بن جبير: " ﴿عدوانا﴾ يعني: اعتداء بغير حق" (٣)، " ﴿وظلما﴾، يعني: ظلما بغير حق فيمت على ذلك" (٤). وقرئ: ﴿عدوانا﴾ بالكسر (٥). قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠]، أي: " فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها" (٦). قال البغوي: أي: " ندخله في الآخرة، نارا، يصلى فيها" (٧). قال الزمخشري: " أى: نارا مخصوصة شديدة العذاب" (٨). قال ابن عمر: " لما نزلت الموجبات التي أوجب الله عليها النار لمن عمل بها نحو هذه الآية: ﴿فسوف نصليه نارا﴾، ونحوها، كنا نشهد على من فعل شيئا من هذا أنه من أهل النار، حتى نزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فلما نزلت كففنا عن الشهادة، ولم نشهد أنهم في النار، وخفنا عليهم بما أوجب الله لهم" (٩). و﴿نصليه﴾، بتخفيف اللام وتشديدها. و ﴿نصليه﴾ بفتح النون من صلاه يصليه. ومنه شاة مصلية، ويصليه بالياء والضمير لله تعالى، أو لذلك، لكونه سببا للصلى نارا (١٠). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]، أي: وكان ذلك على الله هيناً يسيراً لا عسر فيه" (١١). قال سعيد بن جبير: " يقول: كان عذابه على الله هينا" (١٢). قال الواحدي: " معناه: أنه قادر على المتوعد لا يتهيأ له الامتناع منه ولا الهرب عنه فيتعذر الإيقاع به" (١٣). قال النسفي: ﴿يَسِيرًا﴾ أي: " سهلاً، وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته" (١٤). قال الزمخشري: " لأن الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه" (١٥). قال الطبري: أي: " وكان إصلاءُ فاعل ذلك النارَ وإحراقه بها، على الله سَهْلا يسيرًا، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء. وإنما يصعب الوفاءُ بالوعيد لمن توعده، على من كان إذا حاول الوفاءَ به قَدَر المتوعَّد من الامتناع منه. فأما من كان في قبضة مُوعِده، فيسيرٌ عليه إمضاءُ حكمه فيه، والوفاءُ له بوعيده، غيرُ عسير عليه أمرٌ أراده به" (١٦).

стр. 2801

قال ابن كثير: " وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فَلْيحذَرْ منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد" (١). الفوائد: ١ - الوعيد الشديد لقاتل النفس عدواناً وظلماً بالإصلاء بالنار. ٢ - إن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمداً ولكن بحق كقتل من قتل والده وابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد. القرآن ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١] التفسير: إن تبتعدوا -أيها المؤمنون- عن كبائر الذنوب كالإشراك بالله وعقوق الوالدين وقَتْلِ النفس بغير الحق وغير ذلك، نكفِّر عنكم ما دونها من الصغائر، وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، " أي: إِن تتركوا أيها المؤمنون الذنوب الكبائر التي نهاكم الله عنها" (٢). قال الزجاج: " تتركوا نهائيا، والكبائر حقيقتها أنها كل ما وعد الله عليه النار، نحو القتل والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم ... والكبائر ما كبر وعظم من الذنوب" (٣). قال أبو السعود: " أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها مما ذكر ههنا ومالم يذكر" (٤). قال أنس بن مالك: " ما لكم وللكبائر وقد وعدتم المغفرة، أحسبه قال: وقد وعدكم المغفرة، فيما دون الكبائر " (٥). وعن مجاهد، في قول : " ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ قال: الموجبات " (٦). قال قتادة: " إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر " (٧). قال السمعاني: " وقيل: باجتناب الكبائر، تقع الصغائر مكفرة، ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة؛ فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر" (٨). وذكر أهل التفسير في معنى "الكبائر" وجوها: أحدها: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها، وهذا قول عبدالله بن مسعود (٩)، وإبراهيم (١٠)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه (١١). والثاني: أن كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وهذا قول ابن عباس (١٢)، وابو العالية (١٣)، وعبيدة في روياة ابن سيرين (١٤). قال طاوس: "ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع. قال: هي أكثر من سبع وَسبع! قال سليمان: فلا أدري كم قالها من مرّة" (١٥). في رواية أخرى: " قال: هي إلى السبعين أقرب" (١٦)، وفي رواية أخرى: " إلى سبع مائة أقرب، إنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار " (١٧).

стр. 2802

والثالث: أن الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وهذا قول عليّ (١)، وعمرو بن عبيد (٢)، وعبيدة (٣). وقال عطاء: ": الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف" (٤). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: الكبائر سبع: "أولهما الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" (٥). وضمن هذا السياق روي عن عبيد الله بن عمير أنه قال: "الكبائر سبع، يتلو بكل واحدة آية: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (٦)، الآية، و ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٧) الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ (٨) الآية، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٩) الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ (١٠) الآية كلها" (١١)، وزاد في روياة أخرى: " التعرب بعد الهجرة، ثم قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ (١٢) " (١٣). وروي عن صهيب مولى العُتْواريّ: "أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يومًا فقال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم أكبَّ، فأكبَّ كل رجل، منا يبكي، لا يدري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه وفي وجهه البِشر، فكان أحبَّ إلينا من حُمْر النَّعم، فقال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رَمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل: ادخل بسلام" (١٤). والرابع: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام، وهذا قول ابن عمر (١٥). أخرج ابن أبي حاتم عبيد بن عمير الليثي، أنه حدثه أبوه وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: "إجتنب الكبائر التي نهى الله عنها، ثم أن رجلا من أصحابه سأله فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: هن تسع أعظمهن الشرك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، والسحر وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" (١٦). والخامس: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله، وهذا قول ابن مسعود في رواية أبي الطفيل عنه (١٧). والسادس: أنها ثلاث: اليأسُ من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وهذا قول ابن مسعود في رواية مجاهد عنه (١٨).

стр. 2803

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، "أن رسول الله ﷺ كان متكئا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: «الشرك بالله والإياس من روح الله والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر» " (١). والسابع: أنها كل ما أوعد الله عليه النار، وهذا ابن عباس في إحدى الروايات (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والحسن (٤)، ومجاهد (٥)، والضحاك (٦)، وسهل التستري (٧). والثامن: السبعة المذكورة في المقالة الثانية وزادوا عليها: الزنى (٨)، والعقوق (٩)، والسرقة (١٠)، و"سب أبي بكر وعمر" (١١)، والجمع بين الصلاتين من غير عذر (١٢)، والإضرار بالوصية (١٣)، والنهبة (١٤)، البيعة وفراق الجماعة (١٥)، ومنع ماء السيول والعيون والأودية وطروق الفحل (١٦)، وشرب الخمر (١٧)، ويمين الغموس (١٨)،

стр. 2804

و"الغلول ومنع الزكاة المفروضة، وكتمان الشهادة، وترك الصلاة معتمدا في شيء مما افترضه الله عليه، ونقض العهد وقطيعة الرحم" (١) والتاسع: أنها كل ما لا تصح معه الأعمال، وهذا قول زيد بن أسلم (٢). والعاشر: ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله تعالى: ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾ [النساء -٢]، ﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ [الإسراء -٣١]، ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان -١٣]، ﴿إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف -٢٨]، ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور -١٦] ﴿إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾ [الأحزاب -٥٣]. وهذا قول الحسن بن الفضل (٣). والحادي عشر: أن "الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يعفو. وهذا قول سفيان الثوري (٤)، واحتج بما روي عن أنس بن مالك من طريق الحسين بن داؤد البلخي، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمة محمد إن الله قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات، تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي" (٥). الثاني عشر: أن الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة. قاله مالك بن مغول (٦). والثالث عشر: أن الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة (٧). والرابع عشر: أن الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم ﵇ (٨). والخامس عشر: أن " الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات مقدماتها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. وهذا قول السدي (٩)، واحتج بقول النبي ﷺ : "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" (١٠). والسادس عشر: أن الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته، ذكره البوغي عن عبد الواحد (١١).

стр. 2805

روي عن أنس قال: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات" (١). والسابع عشر: أن الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو السيئات، قال الله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء -٤٨، ١١٦] (٢). قال الطبري: ": وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة، ما صحَّ به الخبر، عن رسول الله ﷺ ، دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور وقد يدخل في قول الزور، شهادة الزور وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر ويدخل في قتل النفس المحرَّم قتلها، قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار، وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ كل خبر رُوي عن رسول الله ﷺ في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا. وذلك أن الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: هي سبع يكون معنى قوله حينئذ: هي سبع على التفصيل ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور على الإجمال، إذ كان قوله: وقول الزور يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور " (٣). قال أبو السعود: " واختلف في الكبائر والأقرب أن الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد وقيل ما علم حرمته بقاطع وعن النبي ﷺ أنها سبع الإشراك بالله تعالى وقتل النفس التي حرمها الله تعالى وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين" (٤). قوله تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، أي: " نمح عنكم صغائر الذنوب" (٥). قال أبو السعود: " أي: صغائركم ونمحها عنكم قال المفسرون الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر" (٦). قال الماوردي: " يعني: من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر، فأما مع ارتكاب الكبائر، فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر" (٧). وروى أبو زيد سعيد بن أوس عن المفضل عن عاصم ﴿يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم﴾ بالياء جميعا وقرأ الباقون بالنون (٨). عن السدي قوله: ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾، قال: الصغار" (٩). قال البغوي: " أي: من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر» (١٠) " (١١). قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، أي: " وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة" (١٢).
следующие страницы →