← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

قال ابن كثير: " وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فَلْيحذَرْ منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد" (١). الفوائد: ١ - الوعيد الشديد لقاتل النفس عدواناً وظلماً بالإصلاء بالنار. ٢ - إن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمداً ولكن بحق كقتل من قتل والده وابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد. القرآن ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١] التفسير: إن تبتعدوا -أيها المؤمنون- عن كبائر الذنوب كالإشراك بالله وعقوق الوالدين وقَتْلِ النفس بغير الحق وغير ذلك، نكفِّر عنكم ما دونها من الصغائر، وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، " أي: إِن تتركوا أيها المؤمنون الذنوب الكبائر التي نهاكم الله عنها" (٢). قال الزجاج: " تتركوا نهائيا، والكبائر حقيقتها أنها كل ما وعد الله عليه النار، نحو القتل والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم ... والكبائر ما كبر وعظم من الذنوب" (٣). قال أبو السعود: " أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها مما ذكر ههنا ومالم يذكر" (٤). قال أنس بن مالك: " ما لكم وللكبائر وقد وعدتم المغفرة، أحسبه قال: وقد وعدكم المغفرة، فيما دون الكبائر " (٥). وعن مجاهد، في قول : " ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ قال: الموجبات " (٦). قال قتادة: " إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر " (٧). قال السمعاني: " وقيل: باجتناب الكبائر، تقع الصغائر مكفرة، ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة؛ فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر" (٨). وذكر أهل التفسير في معنى "الكبائر" وجوها: أحدها: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها، وهذا قول عبدالله بن مسعود (٩)، وإبراهيم (١٠)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه (١١). والثاني: أن كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وهذا قول ابن عباس (١٢)، وابو العالية (١٣)، وعبيدة في روياة ابن سيرين (١٤). قال طاوس: "ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع. قال: هي أكثر من سبع وَسبع! قال سليمان: فلا أدري كم قالها من مرّة" (١٥). في رواية أخرى: " قال: هي إلى السبعين أقرب" (١٦)، وفي رواية أخرى: " إلى سبع مائة أقرب، إنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار " (١٧).

стр. 2802

والثالث: أن الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وهذا قول عليّ (١)، وعمرو بن عبيد (٢)، وعبيدة (٣). وقال عطاء: ": الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف" (٤). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: الكبائر سبع: "أولهما الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" (٥). وضمن هذا السياق روي عن عبيد الله بن عمير أنه قال: "الكبائر سبع، يتلو بكل واحدة آية: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (٦)، الآية، و ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٧) الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ (٨) الآية، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٩) الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ (١٠) الآية كلها" (١١)، وزاد في روياة أخرى: " التعرب بعد الهجرة، ثم قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ (١٢) " (١٣). وروي عن صهيب مولى العُتْواريّ: "أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يومًا فقال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم أكبَّ، فأكبَّ كل رجل، منا يبكي، لا يدري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه وفي وجهه البِشر، فكان أحبَّ إلينا من حُمْر النَّعم، فقال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رَمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل: ادخل بسلام" (١٤). والرابع: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام، وهذا قول ابن عمر (١٥). أخرج ابن أبي حاتم عبيد بن عمير الليثي، أنه حدثه أبوه وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: "إجتنب الكبائر التي نهى الله عنها، ثم أن رجلا من أصحابه سأله فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: هن تسع أعظمهن الشرك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، والسحر وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" (١٦). والخامس: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله، وهذا قول ابن مسعود في رواية أبي الطفيل عنه (١٧). والسادس: أنها ثلاث: اليأسُ من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وهذا قول ابن مسعود في رواية مجاهد عنه (١٨).

стр. 2803

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، "أن رسول الله ﷺ كان متكئا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: «الشرك بالله والإياس من روح الله والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر» " (١). والسابع: أنها كل ما أوعد الله عليه النار، وهذا ابن عباس في إحدى الروايات (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والحسن (٤)، ومجاهد (٥)، والضحاك (٦)، وسهل التستري (٧). والثامن: السبعة المذكورة في المقالة الثانية وزادوا عليها: الزنى (٨)، والعقوق (٩)، والسرقة (١٠)، و"سب أبي بكر وعمر" (١١)، والجمع بين الصلاتين من غير عذر (١٢)، والإضرار بالوصية (١٣)، والنهبة (١٤)، البيعة وفراق الجماعة (١٥)، ومنع ماء السيول والعيون والأودية وطروق الفحل (١٦)، وشرب الخمر (١٧)، ويمين الغموس (١٨)،

стр. 2804

و"الغلول ومنع الزكاة المفروضة، وكتمان الشهادة، وترك الصلاة معتمدا في شيء مما افترضه الله عليه، ونقض العهد وقطيعة الرحم" (١) والتاسع: أنها كل ما لا تصح معه الأعمال، وهذا قول زيد بن أسلم (٢). والعاشر: ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله تعالى: ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾ [النساء -٢]، ﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ [الإسراء -٣١]، ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان -١٣]، ﴿إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف -٢٨]، ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور -١٦] ﴿إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾ [الأحزاب -٥٣]. وهذا قول الحسن بن الفضل (٣). والحادي عشر: أن "الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يعفو. وهذا قول سفيان الثوري (٤)، واحتج بما روي عن أنس بن مالك من طريق الحسين بن داؤد البلخي، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمة محمد إن الله قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات، تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي" (٥). الثاني عشر: أن الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة. قاله مالك بن مغول (٦). والثالث عشر: أن الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة (٧). والرابع عشر: أن الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم ﵇ (٨). والخامس عشر: أن " الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات مقدماتها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. وهذا قول السدي (٩)، واحتج بقول النبي ﷺ : "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" (١٠). والسادس عشر: أن الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته، ذكره البوغي عن عبد الواحد (١١).

стр. 2805

روي عن أنس قال: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات" (١). والسابع عشر: أن الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو السيئات، قال الله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء -٤٨، ١١٦] (٢). قال الطبري: ": وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة، ما صحَّ به الخبر، عن رسول الله ﷺ ، دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور وقد يدخل في قول الزور، شهادة الزور وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر ويدخل في قتل النفس المحرَّم قتلها، قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار، وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ كل خبر رُوي عن رسول الله ﷺ في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا. وذلك أن الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: هي سبع يكون معنى قوله حينئذ: هي سبع على التفصيل ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور على الإجمال، إذ كان قوله: وقول الزور يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور " (٣). قال أبو السعود: " واختلف في الكبائر والأقرب أن الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد وقيل ما علم حرمته بقاطع وعن النبي ﷺ أنها سبع الإشراك بالله تعالى وقتل النفس التي حرمها الله تعالى وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين" (٤). قوله تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، أي: " نمح عنكم صغائر الذنوب" (٥). قال أبو السعود: " أي: صغائركم ونمحها عنكم قال المفسرون الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر" (٦). قال الماوردي: " يعني: من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر، فأما مع ارتكاب الكبائر، فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر" (٧). وروى أبو زيد سعيد بن أوس عن المفضل عن عاصم ﴿يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم﴾ بالياء جميعا وقرأ الباقون بالنون (٨). عن السدي قوله: ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾، قال: الصغار" (٩). قال البغوي: " أي: من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر» (١٠) " (١١). قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، أي: " وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة" (١٢).

стр. 2806

قال البغوي: " أي: حسنا وهو الجنة" (١). قال أبو السعود: أي حسنا مرضيا وهو الجنة" (٢). قال السدي: " فالكريم: هو الحسن في الجنة" (٣). وقال قتادة: " المدخل الكريم: هو الجنة" (٤). قال الزجاج: " يعني به ههنا الجنة" (٥). وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا﴾، مفتوحة الميم، وقرأ الباقون: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مدْخَلًا﴾، مضمومة الميم، بمعنى: فتدخلون مدخلا كريما (٦)، كما روي عن عاصم: ﴿ويدخلكم﴾ بالياء، في حين الباقون: ﴿وندخلكم﴾ بالنون (٧). قال السمعاني: " ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾ وتقرأ: ﴿مدخلا﴾ - بفتح الميم-، فالمدخل: الجنة والمدخل بضم الميم: الإدخال، يعني: إدخالا كريما" (٨). الفوائد: ١ - وجوب الابتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت. ٢ - الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر. ولذا وجب العلم بها لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ٣. ٣ - الجنة لا يدخلها إلا ذوو النفوس الزكية الطاهرة باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش. القرآن ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢] التفسير: ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض، في المواهب والأرزاق وغير ذلك، فقد جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن، واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله بدلا من التمني. إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج أحمد وغيره (٩)، عن مجاهد، قال: "قالت أم سلمة: يارسول الله يغزو الرجال ولانغزو، ولنا نصف الميراث، فانزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ " (١٠). قال مجاهد: " ونزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٥] (١١) " (١٢). وروى عن مقاتل ابن حيان (١٣)، وخصيف (١٤)، نحو ذلك.

стр. 2807

وفي هذا السياق أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس، قال: " أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ولا تتمنوا﴾: فإنه عدل مني وأنا صنعته" (١). والثاني: قال مقاتل: " لما نزلت: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢)، قالت النساء: لم هذا؟ نحن أحق أن يكون لنا سهمان ولهم سهم لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى على التجارة والطلب والمعيشة منا، فإذا لم يفعل الله ذلك بنا فإنا نرجو أن يكون الوزر على نحو ذلك علينا وعليهم فأنزل الله في قولهم كنا نحن أحوج إلى سهمين، قول- سبحانه-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ " (٣). ونحو هذ السياق أخرج الطبري عن عبد الرزاق قال: "أخبرنا معمر، عن شيخ من أهل مكة قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال: كان النساء يقلن: ليتنا رجال فنجاهد كما يجاهد الرجال، ونغزو في سبيل الله! فقال الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ " (٤). وأخرج الواحدي من طريق خصيف عن عكرمة: " أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ " (٥). والثالث: أخرج الطبري عن قتادة: " كان أهل الجاهلية لا يورَّثون المرأة شيئًا ولا الصبيَّ شيئًا، وإنما يجعلون الميراث لمن يَحْترف وينفع ويدفع، فلما نَجَزَ للمرأة نصيبها وللصبيّ نصيبه، وجَعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، قال النساء: لو كان جعل أنصباءَنا في الميراث كأنصباء الرجال! وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث! فأنزل الله: ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾، يقول: المرأة تُجزى بحسنتها عشر أمثالها، كما يُجْزى الرجل، قال الله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ " (٦). وروي عن أبي حريز نحو ذلك (٧). ونحو هذا السايق أخرج الطبري وابن ابي حاتم (٨)، من طريق السدي في هذه الآية: " فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعفُ على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران. وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجرٌ مثل أجر الرجال، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا! فأنزل الله تعالى الآية، وقال لهم: سلوا الله من فضله، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم" (٩). والرابع: وفي سياق نزول الآية أخرج عبدالرزاق عن معمر , عن الكلبي: "لا تتمنى زوجة أخيك , ولا مال أخيك , واسأل الله أنت من فضله" (١٠). والظاهر أن قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ... ﴾ تخاطب الرجال لا النساء، واستفسار أم سلمة عن النساء يقتضي أن يكون الخطاب لهن، وهذا ما يقال في الروايات الأخرى المذكورة هنا ما عدا رواية عبد بن حميد وما بعدها، ثم إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وهي الآية: (٢٩): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ... ﴾ فالنهي عن التمني متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم (١١). ولعل الأرجح نزول آية الأحزاب جوابا لأم سلمة، يقويه نص وسياق الآية. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، أي: " ولا تتمنوا أيها المؤمنون ما خصّ الله به بعضكم على بعض" (١٢).

стр. 2808

قال ابن عباس: " يقول: لا يتمنى الرجل، فيقول: ليت لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله" (١). وروي عن محمد بن سيرين والحسن وعطاء والضحاك نحو ذلك (٢). قال الزمخشري: أي: " ولا تتمنوا نهوا عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه" (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، قولان: أحدهما: أن ذلك نزل في نساءٍ تمنين منازلَ الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأمانيّ تورِث أهلها الحسد والبغي بغير الحق. وهذا قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، والحسن (٦)، وعكرمة (٧)، وعطاء (٨). والثاني: أن المعنى: لا يتمنَّ بعضكم ما خصّ الله بعضًا من منازل الفضل. وهذا قول السدي (٩)، ومحمد (١٠)، وروي عن قتادة (١١)، وأبي حريز (١٢)، ومقاتل (١٣) نحو ذلك. والقول الأول هو الأشهر. والله أعلم. قال الماوردي: "والنهي تحريم عند أكثر العلماء، لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وإنما يقول ليت مثله لي، ومن قال بهذا اختلفوا في النهي هل هو تحريم أم أدب، فقال الفراء هو أدب (١٤)، وقال غيره هو تحريم" (١٥). قال الفراء: " ليس هذا بنهي محرم إنما هو من الله أدب. وإنما قالت أم سلمة وغيرها: ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر الرجال، فأنزل الله ﵎: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله﴾، وقد جاء: «لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني» (١٦) " (١٧). قال الراغب: " التمني: تشهي الإنسان أن يمنى له شيء، أي يقدر، وذلك مذموم، فإن تمنيه إن كان لشيء قدره أن لا يبلغ إلا بالطلب فيجب أن يطلبه لا أن يتشهاه، وإن كان لشيء يأتيه بغير طلب فتشهيه محال، وإن كان الشيء لم يقدر ففي تشهيه معارضة حكمة الله فيما قدر، ولذلك قيل: من تمنى فقد أساء الظن بالله، ولكون ذلك غير مغن، قال الشاعر (١٨): [ليتَ شعري وأين مني ليت] ... إن ليتا وإن لوا عناء

стр. 2809

وقال (١): [ألا يا ليتني والمرء ميت] ... وما يغني عن الحدثان ليت وهو مع ذلك ذريعة إلى التحاسد والبخل والظلم" (٢). قال الشوكاني: " التمني: نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف: نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة، وفيه أيضا نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير. وقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي: أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال صاحبه، من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه. فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٣)، وقد بوب عليه البخاري: «باب الاغتباط في العلم والحكم». وعموم لفظ الآية يقتضي: تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصا لهذا العموم، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" (٤). قال السمعاني: "وفي هذا دليل على أن الحسد حرام؛ والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها" (٥). قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، أي: " جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن" (٦). قال الزمخشري: أي: " جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له " (٧). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، وجهان: أحدهما: أن المراد: من الثواب على طاعة الله والعقاب على معصيته، وللنساء نصيب مثل ذلك، ليعني أن للمرأة بالحسنة عشر أمثالها كالرجل، وهو قول قتادة (٨)، وأبي حريز (٩)، ومقاتل بن حيان (١٠). والثاني: أن معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منه، لأن أهل الجاهلية لم يكونوا يورثون النساء، وهذا قول ابن عباس (١١)، وعكرمة (١٢). والراجح-والله أعلم-، أن معناه" للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسب. وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميّته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل، والمكتسب: المحترف" (١٣).

стр. 2810

قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، أي: " واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله" (١). قال الطبري: أي: " واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته" (٢). قال الزمخشري: أي: " ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد" (٣). وفي المراد بالفضل في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ثلاثة أقوال: أحدها: أن الفضل: الطاعة. قاله سعيد بن جبير (٤)، ومجاهد (٥)، والسدي (٦). وقد روي عن رسول الله ﷺ : " سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفَرَج" (٧). والثاني: أنه الرزق، قاله ابن السائب (٨). ونسبه السمعاني إلى ابن عباس (٩)، فيكون المعنى: سلوا الله ما تتمنونه من النعم، ولا تتمنوا مال غيركم (١٠). والثالث: أنه سؤال التوفيق على الطاعة. قاله الإمام الطبري (١١). قرأ ابن كثير والكسائي: ﴿وسلوا الله﴾، و ﴿فسل الذين﴾ [يونس: ٩٤] و ﴿فسل بني إسرائيل﴾ ا [لإسراء: ١٠١]، و [سل من أرسلنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، وما كان مثله من الأمر المواجه به وقبله "واو" أو "فاء" فهو غير مهموز في قولهما، وروى الكسائي عن إسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة أنهما لم يهمزا: ﴿وسل﴾ ولا: ﴿فسل﴾، مثل قراءة الكسائي، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالهمز في ذلك كله (١٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢]، أي: " إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير" (١٣). قال سعيد بن جبير: "يعني: عالما" (١٤). قال السمرقندي: أي: " فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام، وبمن يصلح للجهاد" (١٥). قال ابن كثير: " أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه" (١٦). الفوائد: ١ - قبح التمني وترك العمل. ٢ - حرمة الحسد. ٣ - فضل الدعاء وأنه من الأسباب التي يحصل بها المراد. ٤ - ومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١٧).

стр. 2811

قال الخطابي: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] " (١). القرآن ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣] التفسير: ولكل واحد منكم جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، والذين تحالفتم معهم بالأيمان المؤكدة على النصرة وإعطائهم شيئًا من الميراث فأعطوهم ما قُدِّر لهم. والميراث بالتحالف كان في أول الإسلام، ثم رُفع حكمه بنزول آيات المواريث. إن الله كان مُطَّلِعًا على كل شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على ذلك. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج عبدالرزاق عن قتادة: " كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك , وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بدمي وأطلب بدمك , فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس , فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس , ثم نسخ ذلك بالميراث بعد " , فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب: ٦] " (٢). وفي هذا السياق أخرج ابن أبي حاتم عن السدي، عن أبي مالك في قوله: " ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾، الآية. قال: كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم، فيعقدون له أنه رجل منهم إن كان ضرا أو نفعا أو دما، فإنه فيهم مثلهم، ويأخذوا له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه، قال: فكانوا إذا كان قتال قالوا: يا فلان: أنت منا فانصرنا، قالوا: وإن كانت منفعة قالوا: أعطنا أنت منا، ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضا إن استنصروه، وإن نزل به أمر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم، ولم يعطوه مثل الذي يأخذون منه، قال: فأتوا النبي ﷺ فسألوه وتحرجوا من ذلك، وقالوا: قد عاقدناهم في الجاهلية، فأنزل الله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، قال: أعطوهم مثل الذي تأخذون منهم" (٣). وأخرجه الطبري عن السدي بنحوه (٤). وقال مقاتل: " كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده. فلما نزلت هذه الآية آية المواريث ولم يذكر أهل العقد فأنزل الله- : ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث" (٥). والثاني: أخرج البخاري (٦)، وأبو داود (٧)، والنسائي (٨)، والطبري (٩)، وابن أبي حاتم (١٠)، وآخرون (١١)، عن ابن عباس: " كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصارى دون ذوى رحمه للأخوة التى آخى النبى ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالى﴾ نسخت، ثم قال ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾، إلا النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له".

стр. 2812

والثالث: أخرج أبو داود عن داود بن الحصين، قال: "كنت أقرأ على أم سعد (١) بنت الربيع - وكانت يتيمة في حجر أبي بكر - فقرأت: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]، فقالت: لا تقرأ: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]، إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر ألا يورثه، فلما أسلم أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يؤتيه نصيبه" (٢). ونقل الثعلبي عن أبي روق: " نزل قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، الآية، في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال" (٣). والراجح-والله أعلم- انها نزلت " في أهل العقد بالحلف، إذ أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث" (٤). قال ابن كثير: "والصحيح أن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمرُوا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (٥)، وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل (٦)، ﵀. والصحيحُ قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد -في المشهور عنه-" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، أي: " ولكل إِنسانٍ جعلنا عصبةً يرثون ماله ممّا تركه الوالدان والأقارب من الميراث" (٨). قال الطبري: أي: " ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم" (٩). قال السمعاني: أي: " ولكل من الرجال والنساء جعلنا ورثة" (١٠). قال ابن كثير: " أي: ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١١)، أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العَصَبة" (١٢). وفي الموالي ثلاثة اقوال: أحدهما: أنهم العصبة، وهو قول قتادة (١٣)، ومجاهد (١٤)، وابن زيد (١٥). والثاني: هم الورثة، وهو قول السدي (١٦)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير (١٧). والثالث: ويجوز أن يكون المولى هاهنا بمعنى الأولى بالشيء، والمعنى: أن لكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون وارثا هو أولى به. من غيره، ومنه قيل لمالك: العبد مولاه؛ لأنه أولى به. قاله أبو هلال العسكري (١٨). قال أبي عبيدة: " ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ قال: أولياء ورثة، المولى ابن العم، والمولى: الحليف وهو العقيد والمولى: المنعم عليه، والمولى: الأسفل، والمولى: الولي: اللهم من كنت مولاه، والمولى: المنعم على المعتق "، وقال الشاعر (١٩): ومولى كداء البطن لو كان قادرا ... على الموت أفنى الموت أهلي وماليا يعني: ابن العم" (٢٠). قال الماوردي: " وهو أشبه بقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ (٢١). قال الطبري: " والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر (٢٢): وَمَوْلًى رَمَيْنَا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ ... بِأَعْرَاضِنَا وَالْمُنْدِيَاتِ سَرُوعُ يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله، ومنه قول الفضل بن العباس (٢٣): مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنشبوا بيننا ما كان مَدْفوناً" (٢٤) قال الراغب: " المولى من الولاء، وهو تتابع الشيء من غير حائل، وجعل المولى لمن تولى حفظ الشيء، وتعورف في المعتق، والمعتق، وابن العم، والحليف، وولي الأمر، والعصبة" (٢٥). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، "أي: والذين حالفتموهم في الجاهلية على النصرة والإِرث فأعطوهم حظهم من الميراث" (٢٦). قال الماوردي: أي: " والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم" (٢٧). قال ابن كثير: " أي: قبل نزول هذه الآية ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، أي: من الميراث، فأيما حلف عُقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الماضي أيضا، فلا توارث به" (٢٨). وفي المراد بهذه المعاقدة وبالنصيب المستحق خمسة أقاويل: أحدها: أن حلفهم في الجاهلية كانوا يتوارثون به في الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وهذا قول ابن عباس (٢٩)، وعكرمة (٣٠)، والحسن البصري (٣١)، وقتادة (٣٢)، والضحاك (٣٣). والثاني: أنها نزلت في الذين آخى بينهم النبي- ﷺ ، من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضاً بتلك المؤاخاة بهذه الآية، ثم نسخها ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ

стр. 2813

الوَالِدَانَ والأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه (١)، وابن زيد (٢). والثالث: أنها نزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث، وهذا قول ابن عباس في رواية أخرى (٣)، ومجاهد (٤)، وعطاء (٥)، والسدي (٦)، وسعيد (٧)، وعكرمة في رواية أخرى (٨). وقد قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة» (٩). والرابع: أنها نزلت في الذين كانوا يتبنون أبناءَ غيرهم في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أنْ يوصوا لهم عند الموت وصيةً، وهذا قول سعيد بن المسيب (١٠). والخامس: أنها نزلت في قوم جعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا فذهب نصيبهم بهلاكهم، فَأُمِرُوا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم، وهذا قول الحسن البصري (١١). والراجح-والله أعلم- أن المراد: "والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها، أنّ عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق، وأما قوله: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، فإن الجميع مجمعون على أن حكمه ثابت، وذلك إيتاءُ أهل الحلف الذي كان في الجاهلية دون الإسلام، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم من النصرة والنصيحة والرأي، دون الميراث" (١٢). قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿عقدت﴾ بألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿عقدت﴾ بغير ألف (١٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]، أي: " إن الله كان مُطَّلِعًا على كل شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على ذلك" (١٤). قال البيضاوي: " تهديد على منع نصيبهم" (١٥). قال النسفي: " أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد" (١٦). قال القرطبي: أي: " أي قد شهد معاقدتكم إياهم، وهو يحب الوفاء" (١٧). الفوائد: ١ - تقرير مبدأ التوارث في الإسلام. ٢ - من عاقد أحداً على حلف أو آخى أحداً وجب عليه أن يعطيه حق النصرة والمساعدة وله أن يوصي له بما دون الثلث، أما الإرث فلا حق له لنسخ ذلك. ٣ - وجوب مراقبة الله تعالى؛ لأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد. ٤ - وصف الله بأنه «شهيد»، وهو اسم من أسمائه تعالى: قال الخطابي: والشهيد: " هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء. وقد قال -سبحانه-: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي: من حضر منكم في الشهر فليصمه، ويكون الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨] قيل: معناه: علم الله. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى معناه: بين الله أنه لا إله إلا هو، وهو أيضا الشاهد للمظلوم الذي لا شاهد له ولا ناصر على الظالم المتعدي الذي لا مانع له في الدنيا؛ لينتصف له منه" (١٨). قال السعدي: " الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه" (١٩). جاء في الحديث: " اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب" (٢٠). القرآن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤] التفسير: الرجال قوَّامون على توجيه النساء ورعايتهن، بما خصهم الله به من خصائص القِوامَة والتفضيل، وبما أعطوهن من المهور والنفقات. فالصالحات المستقيمات على شرع الله منهن، مطيعات لله تعالى ولأزواجهن، حافظات لكل ما غاب عن علم أزواجهن بما اؤتمنَّ عليه بحفظ الله وتوفيقه، واللاتي تخشون منهن ترفُّعهن عن طاعتكم، فانصحوهن بالكلمة الطيبة، فإن لم تثمر معهن الكلمة الطيبة، فاهجروهن في الفراش، ولا تقربوهن، فإن لم يؤثر فعل الهِجْران فيهن، فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه، فإن أطعنكم فاحذروا ظلمهن، فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن، وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج ابن أبي حاتم وغيره (٢١)، عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله ﷺ : القصاص فأنزل الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فرجعت بغير قصاص" (٢٢). وأخرج الطبري عن ابن جريج نحو ذلك (٢٣). وفي رواية ابن المنذر عن الحسن: " أن رجلا لطم امرأته، فقال رسول الله ﷺ : " بينكما القصاص، ونزل القرآن: ﴿ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ فسكت رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : أردنا أمرا وأراد الله غيره " (٢٤). وأخرج الطبري عن الحسن نحوه (٢٥). والثاني: ونقل الثعلبي عن الكلبي: "نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم" (٢٦). والثالث: وقال مقاتل: " نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وهما من الأنصار من بني الحارث بن الخزرج، وذلك أنه لطم امرأته فأتت أهلها فانطلق أبوها معها إلى النبي- ﷺ فقال: أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها. فقال النبي- ﷺ : لتقتص من زوجها فأتت مع زوجها لتقتص منه. ثم قال النبي- ﷺ : ارجعوا هذا جبريل- ﵇ قد أتاني وقد أنزل الله- :

стр. 2814

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ " (١). والرابع: وقال أبو روق: "نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي ﷺ تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ " (٢). والخامس: أخرج الطبري عن قتادة: " صكّ رجل امرأته، فأتت النبي ﷺ ، فأراد أن يُقِيدَها منه، فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، " أي: الرجال قائمون على النساء بالأمر والنهي، والإِنفاق والتوجيه" (٤). قال الماوردي: " يعني أهل قيام على نساءهم، في تأديبهن، والأخذ على أيديهن، فيما أوجب الله لهم عليهن" (٥). قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، "أي: بسبب ما منحهم الله من العقل والتدبير، وخصهم به من الكسب والإِنفاق" (٦). قال الماوردي: " يعني في العقل والرأي، والصداق والقيام بالكفاية" (٧). قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: " فالصالحات المستقيمات على شرع الله منهن، مطيعات لله تعالى ولأزواجهن، حافظات لكل ما غاب عن علم أزواجهن بما اؤتمنَّ عليه بحفظ الله وتوفيقه" (٨). قال الطبري: " معناه: صالحاتٌ في أديانهن، مطيعاتٌ لأزواجهن، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم" (٩). قال الماوردي: " ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ [النساء: ٣٤]، يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن، ولما أوجبه الله من حقه عليهن" (١٠). وقوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ قال السدي: " يقول: تحفظ على زوجها مالَه وفرجَها حتى يرجع، كما أمرَها الله" (١١). وعن قتادة: " ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾، يقول: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن" (١٢). قال ابن جريج: " قلت لعطاء ما قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾، قال: حافظات للزوج" (١٣). وقال سفيان: "، حافظات لأزواجهن، لما غاب من شأنهن" (١٤). وقال الزجاج: ": ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ يعني: بالشيء الذي يحفظ أمر الله ودين الله، ويحتمل أن يكون على معنى بحفظ الله، أي بأن يحفظن الله، وهو راجع إلى أمر الله" (١٥). وقد روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ النساء امرأةٌ إذا نظرتَ إليها سرَّتك، وإذا أمرَتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك. قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، الآية" (١٦).

стр. 2815

وقرأ ذلك أبو جعفر يَزيد بن القَعْقاع المدني ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّه﴾ بفتح لفظ الجلالة، يعني: بحفظهنّ الله في طاعته وأداء حقه بما أمرهن من حفظ غَيب أزواجهن، كقول الرجل للرجل: " ما حَفِظتَ اللهَ في كذا وكذا "، بمعنى: ما راقبته ولا حِفْتَهُ (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: " واللاتي تخشون منهن ترفُّعهن عن طاعتكم" (٢). وفي معنى"الخوف" في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، قولان (٣): أحدهما: أنه العلم، فعبر عنه بالخوف، كما قال أبو محجن الثقفي (٤): وَلا تَدْفِنَنَّي فِي الْفَلاةِ فَإِنَّني ... أَخَافُ إذَا مَا مِتّ أَنْ لا أَذُوقُهَا معناه: فإنني أعلم. وحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: " «﴿إلا أن يخافا﴾ إلا أن يوقنا» (٥)، وذلك أن في الخوف طرفا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرف من العلم جاز أن يكون علما (٦). وقال النحاس: "وقول من قال: يخافا، بمعنى يوقنا، لا يعرف. ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة" (٧). والقول الثاني: أنه الظن، وهو أن يستر على نشوزها بما تبديه من سوء فعلها. والعرب قد تضع"الظن" موضع"الخوف"، "والخوف" موضع"الظن" في كلامها، لتقارب معنييهما، وحكى الفراء: أن العرب تقول للرجل: قد خرج غلامك بغير إذنك، فيقول له: قد خفت ذاك، يريد: قد ظننته وتوهمته (٨)، كما قال أبو الغول الطهوي (٩): أَتَانِي كَلامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُوُلُهُ ... وَمَا خِفْتُ، يَا سَلامُ أَنَّكَ عَائِبي بمعنى: وما ظننتُ. قال الزجاج: " النشوز كراهة أحدهما صاحبه، يقال نشزت المرأة تنشز وتنشز جميعا" (١٠). قال الماوردي: "والنشوز: هو معصية الزوج والامتناع من طاعته بغضاً وكراهة - وأصل النشوز: الارتفاع، ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نُشز، فسميت الممتنعة عن زوجها ناشزاً لبعدها منه وارتفاعها عنه" (١١). قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: " فانصحوهن بالكلمة الطيبة، فإن لم تثمر معهن الكلمة الطيبة، فاهجروهن في الفراش، ولا تقربوهن، فإن لم يؤثر فعل الهِجْران فيهن، فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه" (١٢). قال الماوردي: " أما وعظها فهو أن يأمرها بتقوى الله وطاعته، ويخوفها استحقاق الوعيد في معصيته وما أباحه الله تعالى من ضربها عند مخالفته" (١٣). قال الزجاج: " فأمر الله في النساء أن يبدأن بالموعظة أولا، ثم بالهجران بعد، وإن لم ينجعا فيهن فالضرب، ولكن لا يكون ضربا مبرحا" (١٤).

стр. 2816

وفي قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، خمسة أقاويل: أحدها: ألا يجامعها، وهو قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢). والثاني: أن لا يكلمها ويوليها ظهره في المضجع، وهو قول الضحاك (٣)، والسدي (٤)، وروي عن عكرمة نحوه (٥). والثالث: أن يهجر فراشها ومضاجعتها وهو مجاهد (٦)، والحسن (٧)، وقتادة (٨)، والشعبي (٩)، وعامر (١٠)، وإبراهيم (١١)، ومقسم (١٢)، ومحمد بن كعب القرظي (١٣)، وبه قال الزجاج (١٤). قال الزجاج: " أي [واهجروهن] في النوم معهن، والقرب منهن فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع وإن كن مبغضات وافقهن ذلك فكان دليلا على النشوز منهن" (١٥). والرابع: يعني وقولوا لهن في المضاجع هُجراً، وهو الإغلاظ في القول، وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح عنه (١٦)، والحسن في إحدى الروايات (١٧)، وسفيان (١٨)، وأبي الضحى (١٩). والخامس: هو أن يربطها بالهجار وهو حبل يربط به البعير ليقرها على الجماع، وهو قول أبي جعفر الطبري (٢٠). واستدل براوية ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: "قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: يا رسول الله، نساؤنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: حرثُك، فأت حرثك أنَّى شئت، غير أن لا تضرب الوجهَ، ولا تقبِّح، ولا تَهجر إلا في البيت، وأطعم إذا طَعِمت، واكْس إذا اكتسيتَ، كيفَ وقد أفضى بعضكم إلا بعض؟ إلا بما حَلّ عليها" (٢١). قال الماوردي: " وليس في هذا الخبر دليل على تأويله دون غيره" (٢٢). وقال ابن عطية: " ورجح الطبري منزعه هذا وقدح في سائر الأقوال، وفي كلامه في هذا الموضع نظر" (٢٣). وقال الزمخشري في قول الطبري: " وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار، وهذا من تفسير الثقلاء" (٢٤). والأقرب-والله أعلم- أن المراد: اهجروهن في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون كناية عن الجمع (٢٥).

стр. 2817

قال الشوكاني: " والمضاجع: جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع، أي: تباعدوا عن مضاجعتهن، ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب" (١). وأصل الهجر: "الترك على قلى، والهُجر: القبيح من القول لأنه مهجور " (٢). قال أهل العلم "فجعل الله تعالى معاقبتها على النشوز ثلاثة أشياء: وَعْظُها وهَجْرُها وضَرْبُها. وفي ترتبيها إذا نشزت قولان (٣): أحدهما: أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها، فإن أقامت عليه ضربها. والثاني: أنه إذا خاف نشوزها وعظها، فإذا أبدت المشوز هجرها، فإن أقامت عليه ضربها، وهو الأظهر من قول الشافعي. والذي أبيح له من الضرب ما كان تأديباً يزجرها به عن النشوز غير مبرح ولا منهك (٤)، روى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ : " اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرّح" (٥). وقرئ: ﴿في المضجع﴾ (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، "أي: فإِن أطعن أمركم فلا تلتمسوا طريقاً لإِيذائهن" (٧). قال ابن عباس: "إذا أطاعتك فلا تتجنَّ عليها العلل" (٨)، وروي عن قتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، وسفيان (١١)، وابن جريج (١٢) نحو ذلك. وعن مقاتل بن حيان: " قوله: ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾، فحرم الله ضربهن عند الطاعة" (١٣). قال الزجاج: أي: " فإن أطعن فيما يلتمس منهن، فلا يبغي عليهن سبيلا، أي لا يطلب عليهن طريق عنت" (١٤). قال البغوي: " أي: لا تجنوا عليهن الذنوب" (١٥). قال الماوردي: " يعني: [فإن] أطعنكم في المضجع والمباشرة" (١٦). وقال ابن عيينة: "لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن" (١٧). قال الزمخشري: أي: " فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز" (١٨). قال الطبري: أي: " فإن أطعنكم، أيها الناس، نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن، فلا تهجروهن في المضاجع. فإن لم يطعنكم، فاهجروهن في المضاجع واضربوهن. فإن راجعنَ طاعتكم عند ذلك وفِئْنَ إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقًا إلى أذاهن ومكروههن، ولا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل. وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة: " إنك لست تحبّيني، وأنت

стр. 2818

لي مبغضة "، فيضربها على ذلك أو يُؤذيها. فقال الله تعالى للرجال: " فإن أطعنكم " أي: على بغضهنّ لكم فلا تجنَّوا عليهن، ولا تكلفوهن محبتكم، فإنّ ذلك ليس بأيديهن، فتضربوهن أو تؤذوهن عليه" (١). ومعنى قوله: ﴿فلا تبغوا﴾، لا تلتمسوا ولا تطلبوا، من قول القائل: " بغَيتُ الضالة "، إذا التمستها، ومنه قول سحيم عبد بني الحسحاس في صفة الموت (٢): بَغَاكَ وَمَا تَبْغِيِهِ، حَتَّى وَجَدْتَهُ ... كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدَا بمعنى: طلبك وما تطلبه (٣). وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، وجهان (٤): أحدهما: لا تطلبوا لهن الأذى. والثاني: هو أن يقول لها لست تحبينني وأنت تعصيني، فيصيّرها على ذلك وإن كانت مطيعة. قال السمعاني: قوله: ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ " يعني: بالتعلل، والتجني، وقيل: فلا تكلفوهن محبتكم؛ فإن القلب ليس بأيديهن" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]، أي: " فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن، وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن" (٦). قال الزجاج: " أي هو متعال أن يكلف إلا بالحق ومقدار الطاقة" (٧). قال السمعاني: " أي: متعاليا عن أن يكلف العباد ما لا يطيقونه" (٨). قال الزمخشري: أي: " فاحذروه واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم" (٩). قال الطبري: أي: " إن الله ذو علوّ على كل شيء، فلا تبغوا، أيها الناس، على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلوِّ أيديكم على أيديهن، فإنّ الله أعلى منكم ومن كل شيء عليكم، منكم عليهن وأكبر منكم ومن كل شيء، وأنتم في يده وقبضته، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا. وهن لكم مطيعات، فينتصر لهن منكم ربُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء، وأكبر منكم ومن كل شيء" (١٠). قال الصابوني: " انظر كيف يعلمنا سبحانه أن نؤدب نساءنا وانظر إِلى ترتيب العقوبات ودقتها حيث أمرنا بالوعظ ثم بالهجران ثم بالضرب ضرباً غير مبرح ثم ختم الآية بصفة العلو والكبر لينبه العبد على أن قدرة الله فوق قدرة الزوج عليها وأنه تعالى عون الضعفاء وملاذ المظلومين! " (١١). عن سعيد بن جبي، عن ابن عباس قال: "أتاه رجل فقال: يا أبا عباس: سمعت الله يقول: ﴿وكان الله﴾ كأنه شيء كان، قال: أما قوله: ﴿وكان الله﴾، فإنه لم يزل، ولا يزال وهو الأول والآخر والظاهر والباطن" (١٢). الفوائد: ١ - تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته. ٢ - إن تفضيل الرجال على النساء يكون من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع. وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله. وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء. ٣ - وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن.

стр. 2819

٤ - بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولاً ثم هجرانها في الفراش ثانياً. ٥ - لا يحل اختلاف الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره. ٦ - ومن أسمائه تعالى «العلي» «الكبير»: فإن معنى «الكبير»؛ أي: العظيم الذي كل شيء دونه، وهو أعظم من كل شيء. وأما «العلي»، فإن العلو ثلاثة أقسام: أحدها- علو شأن. انظر صفة: «العظمة»، و «الجلال». والثاني: - علو قهر. انظر صفة: «القهر». والثالث- علو فوقية: «علو ذات». فاسم «العلي» دالّ على أن جميع معاني العلوّ ثابتة للَّه من كل وجه. - فله علوّ الذات؛ فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى: أي علا، وارتفع. - وله علوّ القدر: وهو علوّ صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق، بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وبذلك يُعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته. - وله علوّ القهر؛ فإنه الواحد القهّار الذي قهر بعزّته وعلوه الخلق كلهم، فنواصيهم بيده، وما شاء كان لا يمانعه فيه ممانع، وما لم يشأ لم يكنْ، فلو اجتمع الخلق على إيجاد ما لم يشأهُ اللَّه لم يقدروا، ولو اجتمعوا على منع ما حكمت به مشيئته لم يمنعوه، وذلك لكمال اقتداره، ونفوذ مشيئته، وشدة افتقار المخلوقات كلها إليه من كل وجه (١). وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله فوق جميع مخلوقاته، مستو على عرشه، في سمائه، عاليا على خلقه، بائنا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه خافية. قال تعالى: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩]، وقوله: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦]. والأدلة من السنة أيضا كثيرة جدا منها: حديث: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ! " (٢)، وحديث: "أين الله؟ ". قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ "، قالت: أنت رسول الله ﷺ . قال: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة" (٣). وللصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم آثار كثيرة عن علو الله وفوقيته، جمعها الذهبي في "العلو"، وحققه واختصره: الألباني ﵀، وابن قدامة في "اثبات صفة العلو". القرآن ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٥] التفسير: وإن علمتم -يا أولياء الزوجين- شقاقًا بينهما يؤدي إلى الفراق، فأرسلوا إليهما حكمًا عدلا من أهل الزوج، وحكمًا عدلا من أهل الزوجة; لينظرا ويحكما بما فيه المصلحة لهما، وبسبب رغبة الحكمين في الإصلاح، واستعمالهما الأسلوب الطيب يوفق الله بين الزوجين. إن الله تعالى عليم، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده، خبير بما تنطوي عليه نفوسهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]، "أي: وإِن خشيتم أيها الحكام مخالفةً وعداوة بين الزوجين" (٤). قال ابن عباس: " فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما" (٥).

стр. 2820

ونقل الواحدي عن ابن عباس: "يريد علمتم" (١). وعن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، قال: التشاجر" (٢). وقال أبو عبية: " ﴿شقاق بينهما﴾، أي: تباعد " (٣). قال مقاتل: " يعني: علمتم خلاف بينهما، بين سعد وامرأته، ولم يتفقا، ولم يدر من قبل من منهما النشوز من قبل الرجل أو من قبل المرأة؟ " (٤). قال الزجاج: " قال بعضهم. . ﴿خفتم﴾، ههنا في معنى: أيقنتم، وهذا خطأ، لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يجنح إلى الحكمين. وإنما يخاف الشقاق والشقاق العداوة، واشتقاقه من - المتشاقين - كل صنف منهن في شق، أي في ناحية" (٥). قال الواحدي: " وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين. فقول أبي إسحاق: «لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يحتج إلى الحكمين» وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المشاق بين الزوجين من هو لم يحتج إلى الحكمين، ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (٦) المنكر وأهم" (٧). قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، "أي: فوجهوا حكماً عدلاً من أهل الزوج وحكماً عدلاً من أهل الزوجة يجتمعان فينظران في أمرهما ويفعلان ما فيه المصلحة" (٨). قال الزجاج: " أمر الله تعالى – ﴿إن خفتم﴾ وقوع العداوة بين المرء وزوجه – أن يبعثوا حكمين، حكم من أهل المرأة وحكما من أهل الرجل، والحكم: القيم بما يسند إليه " (٩). قال مقاتل: " فينظرون في أمرهما في النصيحة لهما، إن كان من قبل النفقة أو إضرار وعظا الرجل. وإن كان من قبلها وعظاها" (١٠). قال ابن عباس: " فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ورجلا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يتفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين، وكره ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي" (١١). قال السدي: " تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجع رجعت وإن فرقت تفرقنا، وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقته أو كرهت شيئا من الأشياء وتأمره أن يرفع عنها ذلك، ويرجع، وتخبره أنها لا تريد الطلاق، ويبعث الرجل حكما من أهله يوليه أمره ويخبره ويقول له حاجته إن كان يريدها ولا يريد أن يطلقها أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له: خذ لي منها ما لها علي وطلقها، فيوليه أمره فإن شاء طلق وإن شاء أمسك، ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلقا وإن أمسكا، فهو قول الله تعالى: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يعني بذلك الحكمان، فإن بعثت المرأة حكما وأبى الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها أبدا حتى يبعث حكما" (١٢).

стр. 2821

وقال قتادة: " وإنما يبعث الحكمان ليصلحا، وليس بأيديهما التفرقة ولا يملكان ذلك" (١). وروي عن الحسن نحو ذلك (٢). قال الطبري: " معنى «الحكم»، النظرُ العدلُ" (٣). وفي المأمور بإيفاد الحكمين ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه السلطان إذا تراجع إليه الزوجان، وهو قول سعيد بن جبير (٤)، والضحاك (٥). والثاني: أن المأمور بذلك هما الزوجان، وهذا قول السدي (٦). والثالث: أحد الزوجين وإن لم يجتمعا (٧). قال الطبري: " ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله ﷺ ، والأمة فيه مختلفة، وإذْ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يكون مخصوصًا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها، وإذْ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية" (٨). واختلف أهل العلم فيما يُبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وفيه أقوال: أحدها: أن الزوجان يبعثان الحكمين بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما. وليس لهما أن يعملا شيئًا في أمرهما إلا ما وكَّلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به مَن وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وُكل منهما في ذلك. وهذا معنى قول علي-﵁ (٩)، والسدي (١٠). والثاني: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه، لا التفريق بينهما. وعلى هذا القول: الحكمان يحكمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق. وهذا قول ابن عباس في إحدى الروايات (١١)، والحسن (١٢)، وقتادة (١٣)، وابن زيد (١٤)، وقيس بن سعد (١٥)، وبه قال أحمد بن حنبل (١٦)، وأبو ثور (١٧)، وداود (١٨). قال ابن كثير: "ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه يُنَفَّذُ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف" (١٩). والثالث: إنما يبعث الحكمين السلطانُ، على أن حكمهما ماضٍ على الزوجين في الجمع والتفريق. وهذا قول عثمان بن عفان (٢٠)، وابن عباس في رواية أخرى (٢١)، وسعيد بن جبير (٢٢)، وعامر (٢٣)، وإبراهيم (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، وابن سيرين (٢٦)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (٢٧).

стр. 2822

قال ابن كثير: "وهذا مذهب جمهور العلماء: إن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة" (١). قال إبراهيم النخعي: " ما صنع الحكمان من شيء فهو جائز عليهما. إن طلقا ثلاثا فهو جائز عليهما. وإن طلقا واحدة وطلقاها على جُعْل، فهو جائز، وما صنعا من شيء فهو جائز" (٢). قال عبيدة: " شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحكمين: تدريان، ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن أن تجمعا بينهما جمعتما، وإن رأيتما تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله، لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك" (٣). قال الطبري: " لم يكن لأحدٍ الفرقةُ بين رجل وامرأة بغير رضى الزوج، ولا أخذُ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس، وإن بعث الحكمين السلطانُ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة ... وإنما يبعث السلطانُ الحكمين إذا بعثهما، إذا ارتفع إليه الزوجان، فشكا كل واحد منهما صاحبه، وأشكلَ عليه المحقّ منهما من المبطل. لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه" (٤). وقد اختلف الأئمة في الحكمين، على قولين (٥): أحدهما: أن الحكمين منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، وهو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديدُ من مذهب الشافعي (٦)، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٧). والثاني: أنهما وكيلان من جهة الزوجين، أخذا بقول علي- ﵁ -للزوج - حين قال: "أما الفرقة فلا - قال: كذبت، حتى تقر بما أقرت به" (٨)، قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج. قال الزجاج: " وحقيقة أمر الحكمين أنهما يقصدان للإصلاح، وليس لهما طلاق وإنما عليهما أن يعرفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه، فإن رأى الإمام أن يفرق فرق، أو أن يجمع جمع، وإن وكلهما بتفريق أو بجمع فهما بمنزلة، وما فعل عليّ- ﵁ فهو فعل للإمام أن يفعله، وحسبنا بعلي ﵇ إماما، فلما قال لهما: «إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما»، كان قد ولاهما ذلك ووكلهما فيه" (٩). قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: "وأجمع العلماء على أن الحكمين - إذا اختلف قولهما - فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا: هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضا" (١٠). قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، "أي: إِن قصدا إِصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما وأوقع الله بين الزوجين" (١١). قال ابن عباس: " وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب" (١٢). وفي رواية اخرى: " وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب" (١٣).

стр. 2823

قال مجاهد: " أمَا إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان" (١). قال سعيد بن جبير: " هما الحكمان، إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما" (٢). وروي عن السدي (٣)، والضحاك (٤) نحو ذلك. قال مقاتل: " يعنى الحكمين، يوفق الله بينهما للصلح فإن لم يتفقا وظنا أن الفرقة خير لهما في دينهما فرق الحكمان بينهما برضاهما" (٥). قال الطبري: أي: " إن يرد الحكمان إصلاحًا بين الرجل والمرأة أعني: بين الزوجين المخوف شقاقُ بينهما يقول: " يوفق الله " بين الحكمين فيتفقا على الإصلاح بينهما. وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه: مَنْ بُعِثَ للنظر في أمر الزوجين" (٦). وقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، يحتمل وجهين (٧): أحدهما: ليس ذلك إليها لأن الطلاق إلى الزوج. والثاني: لهما ذلك لأن الحَكَم مشتق من الحُكم فصار كالحاكم بما يراه صلاحاً. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]، أي: إن الله كان"عليماً بأحوال العباد حكيماً في تشريعه لهم" (٨). قال مقاتل: " ﴿عليما﴾، بحكمهما، ﴿خبيرا﴾، بنصيحتهما في دينهما" (٩). عن أبي العالية في "قوله: ﴿خبيرا﴾: بمكانهما" (١٠). قال الزجاج: " أي: ﴿عليما﴾ بما فيه الصلاح للخلق، ﴿خبيرا﴾ بذلك" (١١). قال الطبري: أي: ﴿عليما﴾ " بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره " خبيرًا "، بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا" (١٢). الفوائد: ١ - مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك. ٢ - من أسماءه تعالى «العليم» و «الخبير»: فـ «العليم»: هو المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١٣). قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] " (١٤).

стр. 2824

و «الخبير»: "هو العالم بكنه الشىء، المطلع على حقيقته، كقوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]. يقال فلان بهذا الأمر خبير؛ وله به خبر، وهو أخبر به من فلان؛ أي: أعلم. إلا أن الخبر في صفة المخلوقين إنما يستعمل في نوع العلم الذي يدخلة الاختبار، ويتوصل إليه بالامتحان، والاجتهاد، دون النوع المعلوم ببدائه العقول. وعلم الله -سبحانه- سواء فيما غمض من الأشياء وفيما لطف، وفيما تجلى به منه وظهر. وإنما تختلف مدارك علوم الآدميين الذين يتوصلون إليها بمقدمات من حس، وبمعاناة من نظر، وفكر؛ ولذلك قيل لهم: ليس الخبر كالمعاينة، وتعالى الله عن هذه الصفات علوا كبيرا" (١). والفرق بين العلم والخبر: "أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم" (٢). القرآن ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦] التفسير: واعبدوا الله وانقادوا له وحده، ولا تجعلوا له شريكًا في الربوبية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما، وحقوق الأقربين، والأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمحتاجين الذين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم، والجار القريب منكم والبعيد، والرفيق في السفر وفي الحضر، والمسافر المحتاج، والمماليك من فتيانكم وفتياتكم. إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس. قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، "أي: وحّدوا الله وعظموه ولا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً أو غيره" (٣). قال الزجاج: " أي: لا تعبدوا معه غيره، فإن ذلك يفسد عبادته" (٤). قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، أي: " وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما" (٥). قال الزجاج: " المعنى: وأوصاكم بالوالدين إحسانا، لأن معنى قضى ههنا أمر ووصى" (٦). قوله تعالى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، " أي: وأحسنوا إِلى الأقارب عامة" (٧). قال الزجاج: " أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين" (٨). قوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣٦]، " أي: وأحسنوا إلى الأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ " (٩). قال الماوردي: " ﴿الْيَتَامَى﴾، جمع يتيم وهو من مات أبوه لم يبلغ الحلم، و ﴿الْمَسَاكِينِ﴾، جمع مسكين وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة فيتمسكن لذلك" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦]، " أي: وأحسنوا إلى المحتاجين الذين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم" (١١). قال الطبري: " وهو جمع «مسكين»، وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك، يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم" (١٢).

стр. 2825

قال السعدي: " ﴿الْمَسَاكِينِ﴾: وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، فلم يحصلوا على كفايتهم، ولا كفاية من يمونون" (١). قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، " أي: وأحسنوا إلى الجار القريب منكم" (٢). قال الزجاج: " أي: الجار الذي يقاربك وتعرفه ويعرفك" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، ثلاثة أقوال: أحدها: بمعنى والجار ذي القرابة والرحم، وهم الذين بينك وبينهم قرابة نسب، وهذا قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وعكرمة (٦)، وقتادة (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩). والثاني: أنه جارُ ذي قرابتك. قاله ميمون بن مهران (١٠). قال الطبري: " وهذا القول قولٌ مخالفٌ المعروفَ من كلام العرب. وذلك أن الموصوف بأنه " ذو القرابة " في قوله: ﴿والجار ذي القربى﴾، ﴿الجار﴾ دون غيره، فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة، ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل: وجار ذي القربى، ولم يُقَل: ﴿والجار ذي القربى﴾ " (١١). والثالث: أنه يعني: الجار ذي القربى بالإسلام. قاله نوف الشامي (١٢). قال الطبري: " وهذا مما لا معنى له، وذلك أن تأويل كتاب الله ﵎، غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نزل بلسانهم القرآن، المعروفِ فيهم، دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك وكان معلومًا أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل: " فلان ذو قرابة "، إنما يعني به: إنه قريب الرحم منه، دون القرب بالدين كان صرفه إلى القرابة بالرحم، أولى من صرفه إلى القرب بالدين" (١٣). والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة عنه، ويشمل الجوار الجار في العمل وفي السفر ونحو ذلك, روى البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (١٤). وعن أبي شريح أنّ النبي- ﷺ قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه" (١٥). وهذا عام في كل جار، وقد أكّد ﵊ ترك أذيته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى الجار بغير حق، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضَا عليه، وهذا العموم في الإحسان إلى الجار هو ما فهمه صحابة رسول الله ﷺ وطبقوه مع غير المسلمين (١٦). قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: "وأحسنوا إلى الجارب البعيد" (١٧). قال الزجاج: " والجار القريب المتباعد" (١٨).

стр. 2826

وفي قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وجهان: أحدهما: الجار البعيد في نسبه الذي ليس بينك وبينه قرابة، وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، والسدي (٣)، وقتادة (٤)، وعكرمة (٥)، وابن زيد (٦)، والضحاك (٧). والثاني: أنه المشرك البعيد في دينه. وهو قول نوف الشامي (٨). والراجح –والله أعلم- أن "معنى، الجنب، في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا "، لما بينا قبل من أن " الجار ذي القربى "، هو الجار ذو القرابة والرحم. والواجب أن يكون " الجار ذو الجنابة "، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم" (٩). قال أبو عبيدة: " ﴿والجار الجنب﴾، الغريب، يقال: ما يأتينا إلا عن جنابة، أي: من بعيد "، قال علقمة بن عبدة (١٠): فلا تَحْرِمَنِّي نائلاً عن جَنابَةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ وإنما هي من الاجتناب، وقال الأعشى (١١): أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ... وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا " (١٢) يعني بقوله: ن جنابة: " عن بعد وغُربة. ومنه، قيل: " اجتنب فلان فلانًا "، إذا بعد منه " وتجنّبه "، و " جنَّبه خيره "، إذا منعه إياه، ومنه قيل للجنب: جُنُب، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل. فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة" (١٣). قال أبو حفص الدمشقي: " ومنه ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام] [إبراهيم: ٣٥] " (١٤). قال السمين الحلبي: " والجنب: مشتق من الجنابة وهي البعد، وسمي الرجل جنبا لبعده عن الطهارة، أو لأنه ضاجع بجنبه ومس به" (١٥). وقرئ: ﴿والجار الجنب﴾، بفتح الجيم وسكون النون (١٦). قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: " وأحسنوا إلى الرفيق في السفر وفي الحضر" (١٧). قال الزجاج: " قيل: هو الصاحب في السفر" (١٨). قال الزمخشري: " هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك، إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت

стр. 2827

بينك وبينه. فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل: الصاحب بالجنب: المرأة" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الرفيق في السفر، وهو قول علي في إحدى الروايات (٢)، وعبدالله بن مسعود في إحدى الروايات (٣)، وابن عباس (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧)، وقتادة (٨)، وعكرمة (٩)، والضحاك (١٠). والثاني: أنها زوجة الرجل التي تكون في جنبه، وهو قول علي (١١)، وعبدالله بن مسعود (١٢)، وابن عباس في إحدى الروايات (١٣)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (١٤)، وإبراهيم (١٥). والثالث: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك، وهو قول ابن زيد (١٦). قال الطبري: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: ﴿الصاحب بالجنب﴾، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَب الخيل، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب" (١٧). وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كُلُّ صَاحبٍ يَصْحَبُ صَاحِباً مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ سَاعةً مِن نَّهَارٍ" (١٨). وروى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "خَيرُ الأَصْحَابِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيرُ الجيرانِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِجَارِهِ" (١٩). قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: وأحسنوا إلى"المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله" (٢٠). قال الزجاج: " الضيف يجب قراه، وأن يبلغ حيث يريد" (٢١). قال الزمخشري: " المسافر المنقطع به. وقيل: الضيف" (٢٢). قال السعدي: " وهو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة أو لم يحتج، فله حق على المسلمين لشدة حاجته وكونه في غير وطنه بتبليغه إلى مقصوده أو بعض مقصوده وبإكرامه وتأنيسه" (٢٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]، ثلاثة اقاويل:

стр. 2828

أحدها: أنه المسافر المجتاز مَارّاً، وهذا قول مجاهد (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣). والثاني: هو الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة، وهذا قول الشافعي (٤). والثالث: أنه الضعيف، وهو قول الضحاك (٥)، ومجاهد في رواية اخرى (٦)، وقتادة في إحدى الروايات (٧). والراجح-والله أعلم- " أن ﴿ابن السبيل﴾، هو صاحب الطريق و ﴿السبيل﴾: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه، فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان" (٨). قال الطبري: " وإنما قيل للمسافر"ابن السبيل"، لملازمته الطريق -والطريق هو"السبيل"- فقيل لملازمته إياه في سفره: "ابنه"، كما يقال لطير الماء"ابن الماء" لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور"ابن الأيام والليالي والأزمنة"، ومنه قول ذي الرمة (٩): وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّق " (١٠) فسماه ابن الماء لملازمته للماء (١١). وقالت طائفة من علماء العربية: إنه إنما قيل له (ابن السبيل) لأن السبيل وهي الطريق كأنها تمخضت لنا عنه ورمتنا به كما ترمي النفساء الناس بولدها، كان غائبا في بطن الطريق فرمتنا به، كما تكون النفساء ولدها غائب في بطنها فترمينا به. وهذا المعنى يوجد في كلامهم، وقد أوضحه مسلم بن الوليد الأنصاري - وإن كان كلامه إنما يذكر مثالا لا استدلالا، لأنه في زمن الدولة العباسية، ولكنه أوضح هذا المعنى - بقوله حيث يقول يذكر رجلا سافر في فلاة من الأرض شهرين إلى أمير ليمدحه قال له (١٢): تمخضت عنه تما بعد محمله ... شهرين بيداء لم تضرب ولم تلد ألقته كالنصل معطوفا على همم ... يعمدن منتجعات خير معتمد فصرح بأن هذه الفلاة تخمضت عن هذا وولدته وأنتجته، فكذلك الطريق كأنها تتمخض عنه وترميهم به (١٣). قال الشنقيطي: " وأكثر العلماء يقولون: سمي «ابن السبيل»، لملازمته للطريق" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: وأحسنوا إلى" المماليك من العبيد والإِماء" (١٥). قال الزجاج: " أي: وأحسنوا بملك أيمانكم، وكانت وصية النبي ﷺ عند وفاته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (١٦) " (١٧). قال السعدي: " أي: من الآدميين والبهائم بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم ما يشق عليهم وإعانتهم على ما يتحملون، وتأديبهم لما فيه مصلحتهم" (١٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]، أي: " إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس" (١٩).

стр. 2829

قال الصابوني: أي: إن الله لايحب من كان "متكبراً في نفسه يأنف عن أقاربه وجيرانه فخوراً على الناس مترفعاً عليهم يرى أنه خير منهم، وهذه آية جامعة جاءت حثاً على الإِحسان واستطراداً لمكارم الأخلاق، ومن تدبرها حق التدبر أغنتْه عن كثير من مواعظ البلغاء، ونصائح الحكماء" (١). قال الزجاج: " المختال: الصلف التياه الجهول. وإنما ذكر الاختيال في هذه القصة، لأن المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يحسن عشرتهم" (٢). قال الزمخشري: " والمختال: التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يتحفى (٣) بهم ولا يلتفت إليهم" (٤). قال ابو عبيدة: " المختال: ذو الخيلاء، والخال، وهما واحد" (٥). قال الطبري: " و «المختال»: المفتعل، من قولك: خال الرجل فهو يخول خَوْلا وخَالا، ومنه قول الشاعر (٦): فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا ... وإنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ ومنه قول العجاج (٧): وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجُهَّالْ وأما «الفخور»، فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه، وبسط له من فضله، ولا يحمده على ما أتاه من طَوْله، ولكنه به مختال مستكبر، وعلى غيره به مُسْتطيل مفتخر" (٨). قال السعدي: " فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لربه، المتواضع لعباد الله، المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل، ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، غير منقاد لأوامره، ولا متواضع للخلق، بل هو متكبر على عباد الله معجب بنفسه فخور بقوله، ولهذا قال: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا﴾ أي: معجبا بنفسه متكبرا على الخلق ﴿فخورا﴾ يثني على نفسه ويمدحها على وجه الفخر والبطر على عباد الله، فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر يمنعهم من القيام بالحقوق" (٩). الفوائد: ١ - إن أعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبودية، . وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعاء غير الله تعالى معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾. ٢ - أن الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد. ٣ - أن الله تعالى لم يجعل لأحد حقًّا يلي حقه وحق وسوله إلا للوالدين، فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ٤ - الإحسان غلى الاقارب سواء قربوا أو بعدوا، وذلك بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله. ٥ - أن للأيتام حق على المسلمين، سواء كانوا أقارب أو غيرهم بكفالتهم وبرهم وجبر خواطرهم وتأديبهم، وتربيتهم أحسن تربية في مصالح دينهم ودنياهم. ٦ - أمر الله تعالى بالإحسان إلى المساكين، بسد خلتهم وبدفع فاقتهم، والحض على ذلك، والقيام بما يمكن منه. ٥ - اعتناء الشرع الحنيف بالجار، فوصى الله تعالى وأمر بالإحسان إليه فقال : ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.

стр. 2830

قال القرطبي: "الوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلماً كان أو كافراً وهو الصحيح" (١). وللعلم فالجيران ثلاثة: الاول: جار له حق واحد؛ وهو غير المسلم؛ له حق الجوار. والثاني: جار له حقان وهو الجار المسلم؛ له حق الجوار وحق الإسلام. والثالث: وجار له ثلاثة حقوق؛ وهو الجار المسلم ذو القرابة والرحم؛ له حق الجوار وحق الإسلام. ٧ - صحبة الصاحب بالحسنى في السفر والعمل. ٨ - الإحسان إلى الغريب وإلى الأرقاء العبيد فتيان وفتيات، قال تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. ٨ - أن منع الإحسان الذي هو كف الأذى وبذل المعروف ناتج عن خلق البخل والكبر وهما من شر الأخلاق هذا ما دلت عليه الآية الأولى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾. القرآن ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ [النساء: ٣٧] التفسير: الذين يمتنعون عن الإنفاق والعطاء مما رزقهم الله، ويأمرون غيرهم بالبخل، ويجحدون نِعَمَ الله عليهم، ويخفون فضله وعطاءه. وأعددنا للجاحدين عذابًا مخزيًا. في سبب نزول الآية ثلاثة وجوه: أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "كان كَرْدَم بن زيد (٢)، حليفُ كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبَحْريّ بن عمرو، وحُيَيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار، وكانوا يخالطونهم، ينتصحون لهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون! فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: من النبوة، التي فيها تصديق ما جاء به محمد ﷺ ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، إلى قوله: " ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٣) " (٤). والثاني: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: "كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا فعيرهم الله بذلك فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، الآية" (٥). وفي هذا السياق أخرج الطبري عن الحضرمي: " ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال: هم اليهود، بخلوا بما عندهم من العلم وكَتَموا ذلك" (٦). وروي عن قتادة (٧)، ومجاهد (٨)، والسدي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، وابن زيد (١١) ومقاتل بن سليمان (١٢) نحو ذلك.

стр. 2831

والثالث: أخرج الطبري عن وابن زيد، ، قال: هؤلاء يهود. وقرأ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال: يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب. إذا سئلوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه. وقرأ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [سورة النساء: ٥٣] من بخلهم." (١). قال الواحدي: " وأجمعوا على أن الآية نازلة في اليهود" (٢). والحق أن دعوى الإجماع غير مسلمة، إذ اختلف في نزولها-كما سبق بيانه- أما كونها أنها نزلت في اليهود، فهو قول الأكثرين. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]، "أي: الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم من الإِنفاق في سبيل الله ويأمرون غيرهم بترك الإِنفاق" (٣). قال ابن عباس: " ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يعني: أهل الكتاب، يقول: يكتمون" (٤)، "قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، يقول: ويأمرون الناس بالكتمان" (٥). وفي رواية عطاء عن ابن عباس: " ثم ذكر اليهود فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، يريد يبخلون بأموالهم عمن هو دونهم من المؤمنين في المال، وهو أكرم على الله منهم" (٦). قال الزجاج: " يعنى به إليهود. لأنهم يبخلون بعلم ما كان عندهم من مبعث النبي ﷺ –" (٧). وفي معنى "البخل" في الآية الكريمة وجوه من التفسير: أحدها: أنه البخل في العلم وليس للدنيا منه شيء، إذ كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا. وهذا قول سعيد بن جبير (٨)، والحضرمي (٩)، وقتادة (١٠)، ومجاهد (١١)، والسدي (١٢)، ومقاتل بن سليمان (١٣). الثاني: أن البخل في المال. وهذا معنى قول ابن عباس (١٤). الثاني: ان البخل: أن يبخل الرجل بما في يديه. وهذا قول طاوس (١٥). والثالث: إن البخيل الذي لا يؤدي حق الله من ماله. وهذا قول زيد بن أسلم (١٦). والرابع: أن البخل: إذا منع الفضل. وهذا قول ابن عيينة (١٧). والخامس: أن البخيل في الآية: الذي يبخل بما آتاه الله من الرزق، ويكتم ما آتاه الله من العلم، وهم اليهود. وهذا قول ابن زيد (١٨)، والحسن (١٩). قال الواحدي: " ومعنى البُخل في كلام العرب منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب" (٢٠). قال الماوردي: والبخل" أن يبخل بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس يحب أن يكون له" (٢١).

стр. 2832

قال الراغب: " البخل: أعظم المعايب، لقوله ﷺ : «وأي داء أدوى من البخل؟ » (١)، وأعظم منه حث الغير عليه، وكأن الشاعر بهذه الآية ألم في قوله (٢): وإن امرءاً ضنَّتْ يداهُ على امرئٍ ... بنيلِ يدٍ من غيرهِ لبخيلُ وقالوا: فلان يمنع دره ودر غيره، والحر يعطي والعبد يألم قلبه، ولم يرد تعالى بالبخل: البخل بالمال فقط، بل بجميع ما منه نفع الغير، من نصرة وعلم، ودخل في عموم الأمر بالبخل: من ترك شكر من أحسن إليه، أو أخل بقضاء دين فيصير سببا لمنع الإسداء إلى الغير، ولهذا قيل: لعن الله قاطعي المعروف" (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، أي: " ويجحدون نِعَمَ الله عليهم، ويخفون فضله وعطاءه" (٤). قال الزجاج: " أي: ما أعطاهم من العلم برسالة النبي ﷺ " (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، وجوه: أحدها: أنهم أهل الكتاب كتموا محمدا وما أنزل عليه. قاله الضحاك (٦)، وروي عن السدي (٧) نحو ذلك. والثاني: أنهم كتموا الإسلام ومحمدا ﷺ . وهم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. قاله قتادة (٨). والثالث: أن المراد: النبوة التي فيها تصديق ما جاء به محمد ﷺ . وهذا قول عكرمة (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠). قال الواحدي: " الفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي ﷺ ، وهذا قول عامة المفسرين" (١١). قال الراغب: " يدخل فيه (١٢) من يستحقر ما آتاه الله من نعمته مالا كان أو عافية، ومن خول علما ولم يفده مقتبسه منه، ومن ينسى كثير ما أنعم الله عليه ويتذكر قليل ما يناله من نائبة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، قيل في تفسيره: ينسى النعم ويذكر المحن" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧]، أي: " وأعددنا للجاحدين عذابًا مخزيًا" (١٤). قال مجاهد: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، نزلت في اليهود" (١٥). قال الزجاج: " أي جعلنا ذلك عتادا لهم، أو مثبتا لهم. فجائز أن يكون موضع الذين نصبا على البدل، والمعنى: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، أي لا يحب الذين يبخلون، وجائز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون الخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، ويكون: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨]، عطفا على: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، في النصب والرفع، وهؤلاء يعنى بهم المنافقون، كانوا يظهرون الإيمان ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر" (١٦). قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾، أن من فعل ذلك فهوكافر للنعمة، ومن كفر نعمة الله فقد أعد له عذابا" (١٧).

стр. 2833

الفوائد: ١ - حرمة الاختيال والفخر والبخل والأمر بالبخل. ٢ - بيان إفضال الله وإنعامه على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد بما فيه منافع للناس وبأس شديد. القرآن ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨] التفسير: وأعتدنا هذا العذاب كذلك للذين ينفقون أموالهم رياءً وسمعةً، ولا يصدقون بالله اعتقادًا وعملا ولا بيوم القيامة. وهذه الأعمال السيئة مما يدعو إليها الشيطان. ومن يكن الشيطان له ملازمًا فبئس الملازم والقرين. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨]، أي: والذين ينفقون أموالهم "للفخار والشهرة لا ابتغاء وجه الله" (١). قال الطبري: " يعني: ينفقه مُراءاة الناس، في غير طاعة الله أو غير سبيله، ولكن في سبيل الشيطان" (٢). قال الزمخشري: " رئاء الناس للفخار، وليقال: ما أسخاهم وما أجودهم، لا ابتغاء وجه الله" (٣). وفي المعنيين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨]، أربعة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، وهو قول مجاهد (٤)، ومقاتل (٥). ضعّفه الطبري، لأنه نفى عن هذه الصفة الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليسوا كذلك (٦). والثاني: هم المنافقون، وهو قول السدي (٧)، واختيار الزجاج (٨)، والواحدي (٩). ويقويه: " ذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق" (١٠). والثالث: أنهم اليهود والنصارى. قاله إبراهيم النخعي (١١). والرابع: وقيل: في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله ﷺ (١٢). قال ابن عطية: " وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام، إذا إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان، من حيث لا ينفعهم، وقال الجمهور: نزلت في المنافقين، وهذا هو الصحيح، وإنفاقهم: هو ما كانوا يعطون من زكاة، وينفقون في السفر مع رسول الله ﷺ ، «رياء» ودفعا عن أنفسهم، لا إيمانا بالله، ولا حبا في دينه" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨]، أي: " ولا يصدقون بالله اعتقادًا وعملا ولا بيوم القيامة" (١٤). قال مقاتل: " يقول: لا يصدقون بالله أنه واحد لا شريك له، ولا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، بأنه كائن" (١٥).

стр. 2834

قال الطبري: أي: " ولا يصدقون بوحدانية الله، ولا بالمَعَاد إليه يوم القيامة - الذي فيه جزاء الأعمال - أنه كائن" (١). قال الزجاج: " وهؤلا يعنى بهم المنافقون، كانوا يظهرون الإيمان ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]، " أي: ومن كان الشيطان صاحباً له وخليلاً يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب" (٣). قال الزجاج: " أي: من يكن عمله بما يسول له الشيطان فبئس العمل عمله" (٤). قال الطبري: أي: " ومن يكن الشيطان له خليلا وصاحبًا، يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ويترك أمرَ الله في إنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات " فساء قرينًا "، يقول: فساء الشيطان قرينًا" (٥). قال الثعلبي: " قال المفسرون: ﴿فساء قرينا﴾، أي: يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين" (٦). قال الراغب: " ولم يعن بالشيطان إبليس فقط، بل عناه والهوى، وكل ما دعاه إلى باطل، وصرفه عن حق" (٧). قال الماوردي: " القرين: هو الصاحب الموافق، كما قال عدي بن زيد (٨): عنِ الْمَرْءِ لا تَسْأَلْ، وأبْصِرْ قَرِينَهُ ... فَإنَّ الْقَرِينَ بِالمُقَارِنِ مُقْتَدِ وأصل القرين من الأقران، والقِرن بالكسر المماثل لأقرانه في الصفة، والقَرْن بالفتح: أهل العصر لاقترانهم في الزمان، ومنه قَرْن البهيمة لاقترانه بمثله " (٩). وفي المراد يكون قريناً للشيطان قولان: أحدهما: أنه مصاحبِهُ في أفعاله، والمعنى: ومن يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله. وهذا قول الزجاج (١٠). والثاني: أن الشيطان يقترن به في النار، أيي: في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار. وهذا قول الكلبي (١١). قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار" (١٢). قال ابن عطية: " و «القرين»: فعيل، بمعنى فاعل، من المقارنة وهي الملازمة والاصطحاب، وهي هاهنا مقارنة مع خلطة وتواد، والإنسان كله يقارنه الشيطان، لكن الموفق عاص له، ومنه قيل لما يلزمان الإبل والبقر قرينان، وقيل للحبل الذي يشدان به: قرن، قال الشاعر (١٣): كمدخل رأسه لم يدنه أحد ... بين القرينين حتى لزّه القرن فالمعنى: ومن يكن الشيطان له مصاحبا وملازما، أو شك أن يطيعه فتسوء عاقبته" (١٤). قال الراغب: " ذم في هذه الآية السرف، كما ذم في الأولى البخل، فمن السرف أن يتشبع الإنسان بإنفاقه، فلا ينفقه على ما يجب، وكما يجب فصار الإتيان كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وليس يعني بقوله: ﴿ولا يؤمنون بالله﴾ جحود ذلك باللسان فقط، بل

стр. 2835

عنى معه ترك ما تقتضيه هذه المعرفة، تنبيها أن المنفق رياء لو كان له حقيقة إيمان لتذكر في تناول ما يتناوله، ولأداه ذلك إلى أن يتفكر أين يضعه" (١). الفوائد: ١ - تضمنت الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين ينفقون رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر بسب فتنة الشيطان لهم وملازمته إياهم. ٢ - فكما أن من بخل بما آتاه الله، وكتم ما من به الله عليه عاص آثم مخالف لربه، فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله فإنه آثم عاص لربه مستوجب للعقوبة، لأن الله إنما أمر بطاعته وامتثال أمره على وجه الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ فهذا العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح والثواب (٢). ٣ - أن الإيمان بالله وباليوم الآخر هو الذي يمنع المرء من الرياء (٣). القرآن ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء: ٣٩] التفسير: وأيُّ ضرر يلحقهم لو صدَّقوا بالله واليوم الآخر اعتقادًا وعملا وأنفقوا مما أعطاهم الله باحتساب وإخلاص، والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٩]، "أي: ماذا يضيرهم وأي تبعةٍ وبالٍ عليهم في الإِيمان بالله والإِنفاق في سبيله؟ " (٤). نقل الواحدي عن ابن عباس في قوله ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال: " يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب" (٥). قال الشوكاني: " أي: وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك" (٦). قال ابن أبي زمنين: " ﴿وأنفقوا مما رزقهم الله﴾ يعني: الزكاة الواجبة، قوله ﴿وماذا عليهم﴾ المعنى: أي شيء عليهم؟ " (٧). قال الزجاج: "المعنى: وما الذي عليهم ﴿لوآمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله﴾، هذا يدل على أن الذين يبخلون ﴿يبخلون﴾ بما علموا" (٨). قال النسفي: " المراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة فى ذلك وهذا كما يقال للعاق وما فرك لو كنت باراً وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ" (٩). قال ابن كثير: " أي: وأيّ شيء يَكرثُهم لو سلكوا الطريق الحميدة، وعَدَلُوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله، ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملا وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها" (١٠). قال الزمخشري: "أي: وأى تبعة ووبال عليهم في الايمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك. وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت. وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت بارا، وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر. ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة" (١١). قال البيضاوي: " أي: وما الذي عليهم، أو أي تبعة تحيق بهم بسبب الإيمان والإنفاق في سبيل الله، وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريض على الفكر لطلب الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة، والعوائد الجميلة. وتنبيه على أن المدعو

стр. 2836

إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى لأن القصد بذكره إلى التخصيص هاهنا والتعليل" (١). قال الواحدي: " هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه، ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار" (٢). قال البغوي: " أي: لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، وزن ذرة، والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذر أجزاء الهباء في الكوة وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن، وهذا مثل، يريد: إن الله لا يظلم شيئا، كما قال في آية أخرى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ [يونس ٤٤] " (٣). قال القشيري: " ليس فى إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عزّ الدنيا والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩]، أي: " والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك" (٥). قال ابن أبي زمنين: " أي: عليما بأنهم مشركون" (٦). قال مقاتل: "أنهم لن يؤمنوا" (٧). قال الواحدي: " لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير" (٨). قال البيضاوي: " وعيد لهم" (٩). قال ابن كثير: " أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي مَنْ طُرِدَ عن بابه فقد خاب وخَسِرَ في الدنيا والآخرة، عياذا بالله من ذلك بلطفه الجزيل" (١٠). الفوائد: ١ - تضمنت الآية الكريمة: الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ٢ - إهتمام القرآن الكريم بالدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر غاية الاهتمام، وجمع بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. ٣ - فضيلة الإنفاق في سبيل الله. ٤ - لما كان الإخلاص سرا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: ﴿وكان الله بهم عليما﴾. ٥ - وفي الخطاب في الآية دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله، فلذا لم يذكر تعالى وعيداً لهم، وإنما قال: ﴿وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾، وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستوجب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا. القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] التفسير:

стр. 2837

إن الله تعالى لا ينقص أحدًا من جزاء عمله مقدار ذرة، وإن تكن زنة الذرة حسنة فإنه سبحانه يزيدها ويكثرها لصاحبها، ويتفضل عليه بالمزيد، فيعطيه من عنده ثوابًا كبيرًا هو الجنة. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري وسعيد بن منصور (١)، وابن المنذر (٢)، وابن أبي حاتم (٣)، والطبراني (٤)، عن عبد الله بن عمير قال: "نزلت هذه الآية، في الأعراب: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ٦٠] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال، ما هو أعظم من ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإذا قال الله لشيء: «عظيم»، فهو عظيم" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، أي: إن الله " لا يبخس أحداً من عمله شيئاً ولو كان وزن ذرة" (٦). قال قتادة: " لأنْ تفضُل حسناتي في سيئاتي بمثقال ذرّة، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها" (٧)، وفي رواية أخرى: " كان بعض أهل العلم يقول: لأنْ تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذَرّة أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا" (٨). قال ابن عباس: " ﴿مثقال ذرة﴾، قال: رأس نَملة حَمراء" (٩). وفي رواية اخرى: " أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة" (١٠). قال الزمخشري: " الذرة: النملة الصغيرة ... وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاده في العقاب لكان ظلما، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرةوفي قراءة عبد الله: مثقال نملة" (١١). " (١٢). قال السدي: " وزن ذرة " (١٣). قال أبو عبيدة: " عبيدة: " ﴿مثقال ذرة﴾، أي: زنة ذرة " (١٤). قال يزيد بن هارون: "زعموا أن هذه الذرّة الحمراء، ليس لها وزن" (١٥). وقيل: "كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة" (١٦). عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة"، قال: "وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا" (١٧). يؤخذ بيد العبد والأمة يومَ القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: " هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه "، فتفرح المرأة أنْ يَذُوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠١]، فيغفر الله ﵎ من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصبُ للناس فيقول: " ائتوا إلى الناس حقوقهم "! فيقول: " رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: " خذوا من أعماله

стр. 2838

الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مَظْلمته ". فإن كان وليًّا لله، ففضل له مثقال ذرّة، ضاعفها له حتى يُدخله بها الجنة ثمّ قرأ علينا: ﴿إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، وإن كان عبدًا شقيًّا، قال الملك: " رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير "! فيقول: " خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار" (١). وبذلك فإن في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وجهان (٢): أحدهما: معناه: فَإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه، من ثواب نفقته في الدنيا، ولا من أجرها يوم القيامة ما يزن مثقال ذرة ويكون على قدر ثِقَلها في الوزن.، ولكنه يجازيه به ويُثيبه عليه. وهذا معنى قول قتادة" (٣). والثاني: ان معناه: " إن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذَرّة قِبَل عبد له آخر في مَعاده ويوم لقائه فما فوقه، فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَله. وهذا معنى قول ابن مسعود (٤). واختار الطبري القول الأول وهو قول قتادة، ثم قال: " ولكلا التأويلين وجه مفهوم، وإنما اخترنا التأويل الأول، لموافقته الأثرَ عن رسول الله ﷺ ، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذمِّ النفقة في طاعة الشيطان. ثم وَصَل ذلك بما وعدَ المنافقين في طاعته بقوله: " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، "أي: وإِن كانت تلك الذرة حسنة ينمّها ويجعلها أضعافاً كثيرة" (٦). قال الضحاك: " إذا لم يجد له إلا حسنة أدخله بها الجنة" (٧). قال سعيد بن جبير: " ﴿وإن تك حسنة﴾، وزن ذرة زادت على سيئاته تضاعفها" (٨)، وفي رواية أخرى: "فأما المشرك يخفف به عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدا" (٩). قال أبو عبيدة: " ﴿يضاعفها﴾، أضعافا، ويضعفها ضعفين " (١٠). قال الزمخشري: أي: " يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية" (١١). قرأ ابن كثير ونافع ﴿وإن تك حسنة﴾ رفعا، وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي حسنة نصبا، وقرأ ابن كثير وابن عامر: ﴿يضعفها﴾، مشددة، وقرأ الباقون ﴿يضاعفها﴾ بألف خفيفة (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، "أي: ويعط من عنده تفضلاً وزيادة على ثواب العمل أجراً عظيماً" (١٣). قال ابن مسعود: "أي: الجنة يعطيها" (١٤). قال سعيد بن جبير: "جزاء وافرا في الجنة" (١٥). وفي رواية أخرى عن ابن جبير: " الأجرُ العظيم، الجنة" (١٦)، وروي عن أبي هريرة (١٧)، والحسن (١٨)، وعكرمة (١٩)، والضحاك (٢٠)، وقتادة (٢١)، والسدي (٢٢)، وابن زيد (٢٣) نحو ذلك.

стр. 2839

قال الزمخشري: أي: " ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيما وسماه (أجرا) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته" (١). قال ابن عمر: "نزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، بعد الأضعاف، وإذا قال لشيء: عظيم، فهو عظيم" (٢). واختلف أهل التفسير في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها، على قولين: أحدهما: أنهم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد ﷺ . قال أبو عثمان النهدي: "لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتُضَاعف ألفَ ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته يعني النبي ﷺ يقول: إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة! " (٣). والثاني: ان ذلك خاص بالمهاجرون، دون أهل البوادي والأعراب. وهذا قول عبدالله بن عمير (٤). واختار الطبري القول الثاني: وقال: ": وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: " عُنى بهذه الآية المهاجرون دون الأعراب "، وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسوله ﷺ شيء يدفع بعضه بعضًا. فإذْ كان صحيحًا وعْدُ الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشرَ أمثالها، وَمنْ جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له وكان الخبرَان اللذان ذكرناهما عنه ﷺ صحيحين كان غيرَ جائز إلا أن يكون أحدُهما مجملا والآخر مفسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ﷺ يصدِّق بعضها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك، صحّ أن خبرَ أبي هريرة معناهُ أنّ الحسنة لَتُضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألفُ حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبي ﷺ وأن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يُضاعف له ويؤته الله من لدنه أجرًا يعني يعطه من عنده ﴿أجرًا عظيمًا﴾، يعني: عِوَضًا من حسنته عظيمًا، وذلك " العوض العظيم " (٥). الفوائد: ١ - بيان عدالة الله تعالى، إذ يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل والكثير فقال: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾. ٢ - تنزه الله جل وعلا عن الظلم، ويعتقد السلف أن الله عزوجل له القدرة المطلقة والسيادة المطلقة، وأنه جل وعلا منزه عن الظلم، فقد حرم الظلم على نفسه مع قدرته جل وعلا على كل شيء (٦). ٣ - بيان رحمته تعالى ومزيد فضله. القرآن ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] التفسير: فكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت، وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، أي: " فكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت" (٧).

стр. 2840

قال مقاتل: " ثم خوفهم، فقال- تعالى-: فكيف بهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيهم وهو شاهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم من ربهم" (١). قال الزجاج: " أي: فكيف تكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف " تكون حالهم "، لأن في الكلام دليلا على ما حذف، و ﴿كيف﴾ لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها معنى التوبيخ" (٢). قال البغوي: " أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبي، يشهد عليهم بما عملوا" (٣). قال الزمخشري: أي: " فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] " (٤). قال الضحاك: " كل أمة بنبيها" (٥). قال قتادة: " وشاهدها نبوتها من كل أمة" (٦). قال ابن جريج: " رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم " (٧). قال ابن عباس: " الشاهد نبي الله، قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ " (٨). قال السمعاني: " معناه: فكيف الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟ وأراد بالشهيد من كل أمة نبيها، وشهيد هذه الأمة: نبينا، وأختلفوا على أن شهادتهم على ماذا؟ منهم من قال: يشهدون على تبليغ الرسالة، ومنهم من قال: يشهدون على الأمة بالأعمال" (٩). قال الفراء: " إن كل نبي يأتي يوم القيامة فيقول: بلغت، فتقول أمته: لا، فيكذبون الأنبياء، ثم يجاء بأمة محمد ﷺ فيصدقون الأنبياء ونبيهم، ثم يأتي النبي ﷺ فيصدق أمته، فذلك قوله ﵎: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، ومنه قول الله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد [وجئنا بك على هؤلاء شهيدا]﴾ " (١٠). قال سهل التستري: " إن الله تعالى وكل بكل عبد مسلم ثلاثمائة وستين ملكا بعدد عروقه، إن أراد خيرا أعانوه، وإن أراد شرا عاتبوه عليه، فإن عمل شيئا من ذلك حفظوه عليه، حتى إذا كان يوم القيامة عرضوه عليه ووافقوه على ذلك، حتى إذا صاروا إلى الله تعالى شهدوا عليه بوفاء الطاعة واقتراف الخطيئة، قال الله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١] " (١١). قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أي: " وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟ " (١٢). قال مقاتل: " يعني كفار أمة محمد- ﷺ بتبليغ الرسالة" (١٣). قال الزجاج: " أي: نأتي بكل نبي أمة يشهد عليها ولها" (١٤). قال ابن جريج: " ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: كان النبي ﷺ إذا أتَى عليها فاضت عيناه" (١٥).
следующие страницы →