← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى لأن القصد بذكره إلى التخصيص هاهنا والتعليل" (١). قال الواحدي: " هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه، ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار" (٢). قال البغوي: " أي: لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، وزن ذرة، والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذر أجزاء الهباء في الكوة وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن، وهذا مثل، يريد: إن الله لا يظلم شيئا، كما قال في آية أخرى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ [يونس ٤٤] " (٣). قال القشيري: " ليس فى إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عزّ الدنيا والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩]، أي: " والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك" (٥). قال ابن أبي زمنين: " أي: عليما بأنهم مشركون" (٦). قال مقاتل: "أنهم لن يؤمنوا" (٧). قال الواحدي: " لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير" (٨). قال البيضاوي: " وعيد لهم" (٩). قال ابن كثير: " أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي مَنْ طُرِدَ عن بابه فقد خاب وخَسِرَ في الدنيا والآخرة، عياذا بالله من ذلك بلطفه الجزيل" (١٠). الفوائد: ١ - تضمنت الآية الكريمة: الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ٢ - إهتمام القرآن الكريم بالدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر غاية الاهتمام، وجمع بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. ٣ - فضيلة الإنفاق في سبيل الله. ٤ - لما كان الإخلاص سرا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: ﴿وكان الله بهم عليما﴾. ٥ - وفي الخطاب في الآية دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله، فلذا لم يذكر تعالى وعيداً لهم، وإنما قال: ﴿وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾، وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستوجب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا. القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] التفسير:

стр. 2837

إن الله تعالى لا ينقص أحدًا من جزاء عمله مقدار ذرة، وإن تكن زنة الذرة حسنة فإنه سبحانه يزيدها ويكثرها لصاحبها، ويتفضل عليه بالمزيد، فيعطيه من عنده ثوابًا كبيرًا هو الجنة. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري وسعيد بن منصور (١)، وابن المنذر (٢)، وابن أبي حاتم (٣)، والطبراني (٤)، عن عبد الله بن عمير قال: "نزلت هذه الآية، في الأعراب: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ٦٠] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال، ما هو أعظم من ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإذا قال الله لشيء: «عظيم»، فهو عظيم" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، أي: إن الله " لا يبخس أحداً من عمله شيئاً ولو كان وزن ذرة" (٦). قال قتادة: " لأنْ تفضُل حسناتي في سيئاتي بمثقال ذرّة، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها" (٧)، وفي رواية أخرى: " كان بعض أهل العلم يقول: لأنْ تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذَرّة أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا" (٨). قال ابن عباس: " ﴿مثقال ذرة﴾، قال: رأس نَملة حَمراء" (٩). وفي رواية اخرى: " أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة" (١٠). قال الزمخشري: " الذرة: النملة الصغيرة ... وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاده في العقاب لكان ظلما، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرةوفي قراءة عبد الله: مثقال نملة" (١١). " (١٢). قال السدي: " وزن ذرة " (١٣). قال أبو عبيدة: " عبيدة: " ﴿مثقال ذرة﴾، أي: زنة ذرة " (١٤). قال يزيد بن هارون: "زعموا أن هذه الذرّة الحمراء، ليس لها وزن" (١٥). وقيل: "كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة" (١٦). عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة"، قال: "وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا" (١٧). يؤخذ بيد العبد والأمة يومَ القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: " هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه "، فتفرح المرأة أنْ يَذُوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠١]، فيغفر الله ﵎ من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصبُ للناس فيقول: " ائتوا إلى الناس حقوقهم "! فيقول: " رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: " خذوا من أعماله

стр. 2838

الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مَظْلمته ". فإن كان وليًّا لله، ففضل له مثقال ذرّة، ضاعفها له حتى يُدخله بها الجنة ثمّ قرأ علينا: ﴿إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، وإن كان عبدًا شقيًّا، قال الملك: " رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير "! فيقول: " خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار" (١). وبذلك فإن في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وجهان (٢): أحدهما: معناه: فَإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه، من ثواب نفقته في الدنيا، ولا من أجرها يوم القيامة ما يزن مثقال ذرة ويكون على قدر ثِقَلها في الوزن.، ولكنه يجازيه به ويُثيبه عليه. وهذا معنى قول قتادة" (٣). والثاني: ان معناه: " إن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذَرّة قِبَل عبد له آخر في مَعاده ويوم لقائه فما فوقه، فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَله. وهذا معنى قول ابن مسعود (٤). واختار الطبري القول الأول وهو قول قتادة، ثم قال: " ولكلا التأويلين وجه مفهوم، وإنما اخترنا التأويل الأول، لموافقته الأثرَ عن رسول الله ﷺ ، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذمِّ النفقة في طاعة الشيطان. ثم وَصَل ذلك بما وعدَ المنافقين في طاعته بقوله: " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، "أي: وإِن كانت تلك الذرة حسنة ينمّها ويجعلها أضعافاً كثيرة" (٦). قال الضحاك: " إذا لم يجد له إلا حسنة أدخله بها الجنة" (٧). قال سعيد بن جبير: " ﴿وإن تك حسنة﴾، وزن ذرة زادت على سيئاته تضاعفها" (٨)، وفي رواية أخرى: "فأما المشرك يخفف به عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدا" (٩). قال أبو عبيدة: " ﴿يضاعفها﴾، أضعافا، ويضعفها ضعفين " (١٠). قال الزمخشري: أي: " يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية" (١١). قرأ ابن كثير ونافع ﴿وإن تك حسنة﴾ رفعا، وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي حسنة نصبا، وقرأ ابن كثير وابن عامر: ﴿يضعفها﴾، مشددة، وقرأ الباقون ﴿يضاعفها﴾ بألف خفيفة (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، "أي: ويعط من عنده تفضلاً وزيادة على ثواب العمل أجراً عظيماً" (١٣). قال ابن مسعود: "أي: الجنة يعطيها" (١٤). قال سعيد بن جبير: "جزاء وافرا في الجنة" (١٥). وفي رواية أخرى عن ابن جبير: " الأجرُ العظيم، الجنة" (١٦)، وروي عن أبي هريرة (١٧)، والحسن (١٨)، وعكرمة (١٩)، والضحاك (٢٠)، وقتادة (٢١)، والسدي (٢٢)، وابن زيد (٢٣) نحو ذلك.

стр. 2839

قال الزمخشري: أي: " ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيما وسماه (أجرا) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته" (١). قال ابن عمر: "نزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، بعد الأضعاف، وإذا قال لشيء: عظيم، فهو عظيم" (٢). واختلف أهل التفسير في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها، على قولين: أحدهما: أنهم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد ﷺ . قال أبو عثمان النهدي: "لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتُضَاعف ألفَ ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته يعني النبي ﷺ يقول: إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة! " (٣). والثاني: ان ذلك خاص بالمهاجرون، دون أهل البوادي والأعراب. وهذا قول عبدالله بن عمير (٤). واختار الطبري القول الثاني: وقال: ": وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: " عُنى بهذه الآية المهاجرون دون الأعراب "، وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسوله ﷺ شيء يدفع بعضه بعضًا. فإذْ كان صحيحًا وعْدُ الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشرَ أمثالها، وَمنْ جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له وكان الخبرَان اللذان ذكرناهما عنه ﷺ صحيحين كان غيرَ جائز إلا أن يكون أحدُهما مجملا والآخر مفسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ﷺ يصدِّق بعضها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك، صحّ أن خبرَ أبي هريرة معناهُ أنّ الحسنة لَتُضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألفُ حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبي ﷺ وأن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يُضاعف له ويؤته الله من لدنه أجرًا يعني يعطه من عنده ﴿أجرًا عظيمًا﴾، يعني: عِوَضًا من حسنته عظيمًا، وذلك " العوض العظيم " (٥). الفوائد: ١ - بيان عدالة الله تعالى، إذ يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل والكثير فقال: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾. ٢ - تنزه الله جل وعلا عن الظلم، ويعتقد السلف أن الله عزوجل له القدرة المطلقة والسيادة المطلقة، وأنه جل وعلا منزه عن الظلم، فقد حرم الظلم على نفسه مع قدرته جل وعلا على كل شيء (٦). ٣ - بيان رحمته تعالى ومزيد فضله. القرآن ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] التفسير: فكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت، وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، أي: " فكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت" (٧).

стр. 2840

قال مقاتل: " ثم خوفهم، فقال- تعالى-: فكيف بهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيهم وهو شاهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم من ربهم" (١). قال الزجاج: " أي: فكيف تكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف " تكون حالهم "، لأن في الكلام دليلا على ما حذف، و ﴿كيف﴾ لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها معنى التوبيخ" (٢). قال البغوي: " أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبي، يشهد عليهم بما عملوا" (٣). قال الزمخشري: أي: " فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] " (٤). قال الضحاك: " كل أمة بنبيها" (٥). قال قتادة: " وشاهدها نبوتها من كل أمة" (٦). قال ابن جريج: " رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم " (٧). قال ابن عباس: " الشاهد نبي الله، قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ " (٨). قال السمعاني: " معناه: فكيف الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟ وأراد بالشهيد من كل أمة نبيها، وشهيد هذه الأمة: نبينا، وأختلفوا على أن شهادتهم على ماذا؟ منهم من قال: يشهدون على تبليغ الرسالة، ومنهم من قال: يشهدون على الأمة بالأعمال" (٩). قال الفراء: " إن كل نبي يأتي يوم القيامة فيقول: بلغت، فتقول أمته: لا، فيكذبون الأنبياء، ثم يجاء بأمة محمد ﷺ فيصدقون الأنبياء ونبيهم، ثم يأتي النبي ﷺ فيصدق أمته، فذلك قوله ﵎: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، ومنه قول الله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد [وجئنا بك على هؤلاء شهيدا]﴾ " (١٠). قال سهل التستري: " إن الله تعالى وكل بكل عبد مسلم ثلاثمائة وستين ملكا بعدد عروقه، إن أراد خيرا أعانوه، وإن أراد شرا عاتبوه عليه، فإن عمل شيئا من ذلك حفظوه عليه، حتى إذا كان يوم القيامة عرضوه عليه ووافقوه على ذلك، حتى إذا صاروا إلى الله تعالى شهدوا عليه بوفاء الطاعة واقتراف الخطيئة، قال الله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١] " (١١). قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أي: " وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟ " (١٢). قال مقاتل: " يعني كفار أمة محمد- ﷺ بتبليغ الرسالة" (١٣). قال الزجاج: " أي: نأتي بكل نبي أمة يشهد عليها ولها" (١٤). قال ابن جريج: " ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: كان النبي ﷺ إذا أتَى عليها فاضت عيناه" (١٥).

стр. 2841

وعن عكرمة: " في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [سورة البروج: ٣]، قال: الشاهد محمد، والمشهود يوم الجمعة. فذلك قوله: " ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ " (١). عن المسعودي، عن القاسم: "أنّ النبي ﷺ قال لابن مسعود: اقرأ علي. قال، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأ ابن مسعود «النساء» حتى بلغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: استعبر النبي ﷺ ، وكفّ ابن مسعود، قال المسعودي، فحدثني جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: «شهيدًا عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم، وأنتَ على كل شيء شهيد» " (٢). واخرج ابن أبي حاتم عن زر، قال: "قال عبد الله: قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ، فافتتحت «النساء» حتى إذا انتهيت إلى قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: فدمعت عيناه وقال: «حسبنا» " (٣). وروي عن يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه قال: "وكان أبي ممن صحب رسول الله ﷺ أتاه في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر رسول الله ﷺ قارئا فقرأ، فأتى على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، فبكى رسول الله ﷺ حتى ضرب لحياه وجنباه فقال: «يا رب هذا، شهدت على من بين ظهري، فكيف بمن لم أره» " (٤). قال السدي: " إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحدُ والاثنان والعَشَرة، وأقلُّ وأكثر من ذلك، حتى يُؤتى بقوم لوط ﷺ ، لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلَّغتم ما أرسلتُمْ به؟ فيقولون: نعم. فيقال: من يشهد، فيقولون: أمة محمد ﷺ ! فيقال لهم: اشهدوا، إنّ الرسل أودعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نَشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد ﷺ . فيدعى محمد ﵇، فيشهدُ أن أمته قد صدَّقوا، وأنّ الرسل قد بلَّغوا، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] " (٥). قال السمعاني: " واختلفوا في أن النبي هل يشهد على من لم يره؟ منهم من قال: إنما يشهد على من رآه، والصحيح: أنه يشهد على الكل، على من رأى، وعلى من لم ير" (٦). قال البغوي: " شاهدا يشهد على جميع الأمة، على من رآه ومن لم يره" (٧).

стр. 2842

الفوائد: ١ - أن الرسل تشهد على الأمم في تبليغ الرسالة وإقامة الحجة عليها. ٢ - أن الكفار في ذلك اليوم يقرون لله تعالى بما عملوا وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة (١). القرآن ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢] التفسير: يوم يكون ذلك، يتمنى الذين كفروا بالله تعالى وخالفوا الرسول ولم يطيعوه، لو يجعلهم الله والأرض سواء، فيصيرون ترابًا، حتى لا يبعثوا وهم لا يستطيعون أن يُخفوا عن الله شيئًا مما في أنفسهم، إذ ختم الله على أفواههم، وشَهِدَتْ عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢]، "أي: في ذلك اليوم العصيب يتمنى الفجار الذين جحدوا وجدانية الله وعصوا رسوله" (٢). قال السعدي: " أي: الذين جمعوا بين الكفر بالله وبرسوله ومعصية الرسول" (٣). قوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]، " أي: لو يدفنوا في الأرض ثم تُسوّى بهم" (٤). قال مسلم البطين: " قوله: ﴿لو تسوى بهم الأرض﴾، قال: الذين كفروا" (٥). قال السعدي: "أي: تبتلعهم ويكونون ترابا" (٦). قال ابن عباس: " يعني: أن تسوى الأرض بالجبال والأرض عليهم" (٧). قال قتادة: " يقول: ودوا لو انخرقت الأرض فساخوا فيها" (٨). قال مقاتل: " وذلك بأنهم قالوا في الآخرة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٩)، فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت ألسنتهم من الشرك، فودوا عند ذلك أن الأرض انشقت فدخلوا فيها فاستوت عليهم" (١٠). قال الكلبي: " يقول الله للبهائم والوحش والطير والسباع: كن ترابا فتسوى بها الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافرون لو كانوا ترابا يمشي عليهم أهل الجمع، بيانه قوله : ﴿يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا﴾ " (١١). قال الزجاج: " أي: يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا والأرض سواء، وقد جاء في التفسير أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا. فيودون أنهم يصيرون ترابا" (١٢). قال الزمخشري: أي: " لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى" (١٣). قال ابن كثير: " أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ " (١٤). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]، ثلاثة اقوال:

стр. 2843

أحدها: أن الذين تمنوه من تسوية الأرض بهم، أن يجعلهم مثلها، كما قال تعالى في موضع أخر: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]. وهذا قول الكلبي (١)، والفراء (٢). قال الفراء: " و ﴿تسوى﴾ معناه: لو يسوون بالتراب، وإنما تمنوا ذلك لأن الوحوش وسائر الدواب يوم القيامة يقال لها: كوني ترابا" (٣). والثاني: أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فصاروا في بطنها. وهذا قول ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، ومقاتل (٦). والثالث: أن المعنى: يعدل بهم ما على الأرض من شيء فدية، بيانه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١]. قال الثعلبي: سمعه أستاذنا أبو القاسم الحسين (٧). قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿لو تسوى﴾ مضمومة التاء مفتوحة السين، وقرأ نافع وابن عامر ﴿لو تسوى﴾ مفتوحة التاء والواو مشددة السين، وقرأ حمزة والكسائي ﴿لو تسوى﴾ مفتوحة التاء خفيفة السين ممالة (٨). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، " أي: ولا يستطيعون أن يكتموا الله حديثاً" (٩). قال ابن عباس: " بجوارحهم" (١٠). قال مقاتل: " يعنى: الجوارح حين شهدت عليهم" (١١). قال الأخفش: " أي: لا تكتمه الجوارح او يقول: لا يخفى عليه وإن كتموه" (١٢). قال الزمخشري: أي: " ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال، أى يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثا" (١٣). قال ابن كثير: " أخبرعنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا" (١٤). قال الفراء: "ثم يحيا أهل الجنة، فإذا رأى ذلك الكافرون قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنقل إذا سئلنا: والله ما كنا مشركين، فإذا سئلوا فقالوها، ختم على أفواههم وأذن لجوارحهم فشهدت عليهم. فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا. فكتمان الحديث هاهنا في التمني" (١٥). قال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياءُ تختلفُ علي في القرآن؟ فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس بالشك، ولكنه اختلاف! قال: فهات ما اختلف عليك. قال: أسمع الله يقول: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [سورة الأنعام: ٢٣]، وقال: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾، وقد كتموا! فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب، ولا يغفر شركًا، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره جحد المشركون فقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾، رجاءَ أن يغفر لهم، فختم على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: ﴿يَودّ الذين كفروا وَعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرضُ ولا يكتمون الله حديثًا﴾ " (١٦).

стр. 2844

ونقل الثعلبي عن عطاء: "ودوا لو تسوى بهم الأرض، وإنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد ﷺ ولا نعته" (١). كما نقل الثعلبي عن الكلبي وجماعة: لا يكتمون الله حديثا، لأن خزنة جهنم تشهد عليهم" (٢). قال السعدي: "أي بل يقرون له بما عملوا وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله جزاءهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين، فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة" (٣). الفوائد: ١ - دلَّت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم ﷺ . ٢ - تمني الكفار يوم القيامة أن يهلكهم الله، ويجعلهم ترابا، وذلك عندما أيقنوا أن ذنبهم غير مغفور، وعذرهم غير مقبول. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تقربوا الصلاة ولا تقوموا إليها حال السكر حتى تميزوا وتعلموا ما تقولون -وقد كان هذا قبل التحريم القاطع للخمر في كل حال-، ولا تقربوا الصلاة إن أصابكم الحدث الأكبر، ولا تقربوا كذلك مواضعها وهي المساجد، إلا من كان منكم مجتازًا من باب إلى باب، حتى تتطهروا بالاغتسال. وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء، أو حال سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو جامعتم النساء، فلم تجدوا ماء للطهارة فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. إن الله تعالى كان كثير العفو يتجاوز عن سيئاتكم، ويسترها عليكم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: اخرج الطبري وغيره (٤)، عن أبي عبد الرحمن، عن علي: "أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فخلط فيها، فنزلت: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ " (٥). وفي هذا السياق روي عن عطاء هو ابن أبي رباح قال: "أول ما نزل في الخمر ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٦)، فقال بعض المنافقين: نشربها لمنافعها وقال آخرون: لا خير في شيء فيه إثم، ثم نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىْ﴾ فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٧)، فنهاهم فانتهوا" (٨). والثاني: أخرج الطبري عن يزيد بن أبي حبيب عن "قول الله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله ﵎: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ " (٩).

стр. 2845

والثالث: أخرج الطبري والإام احمد (١)، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أنها قالت: "سقطت قلادة لي بالبَيداء، ونحن داخلون إلى المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل. فبينا رسول الله ﷺ في حِجْري راقد، أقبل أبي فلكزني لَكْزة ثم قال: حبست الناس! ثم إن رسول الله ﷺ استيقظ وحَضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، ونزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية. قال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة! " (٢). وفي رواي أخرى: عن آلقاسم، عن عائشة. أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء (أو بذات آلجيش) آنقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على آلتماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى آلناس إلى أبي بكر. فقالوا: ألا ترى الى ماصنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس معه، وليسوآ على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام. فقال: حبست رسول الله ﷺ وآلناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال ماشاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من آلتحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل آية التيمم، فتيمموا، فقال: أسيد بن الحضير - (وهو أحد آلنقباء) -: ماهي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! فقالت عائشة: فبعثنا البعير آلذي كنت عليه، فوجدنا آلعقد تحته " (٣). والرابع: أخرج الطبري وغيره (٤)، عن الأسلع بن شريك قال: "كنت أخدم النبي ﷺ وأرحَلُ له، فقال لي ذات ليلة: يا أسلع، قم فارحلْ لي. قلت: يا رسول الله، أصابتني جنابة! فسكت ساعة، ثم دعاني وأتاه جبريل ﵇ بآية الصعيد، ووصف لنا ضربتين" (٥). والخامس: أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: " قوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فينا له، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٦). والسادس: أخرج الطبري عن إبراهيم قال: "أصاب أصحاب رسول الله ﷺ جراحة ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، الآية كلها" (٧). والسابع: قال مقاتل: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح فشق عليه الغسل وخاف منه شرا أو يكون به قرح أو جدري فهو بهذه المنزلة، فذاك قوله سبحانه: ﴿وإن كنتم مرضى﴾، يعني به جرحا فوجدتم الماء فعليكم التيمم، ﴿وإن كنتم على سفر﴾، وأنتم أصحاء، نزلت في عائشة أم المؤمنين ﵂" (٨). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه" (٩). قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " لا تقربوا الصلاة ولا تقوموا إليها حال السكر حتى تميزوا وتعلموا ما تقولون" (١٠). قال الماوردي: "أصل السُكر: السَكْر، وهو سد مجرى الماء، فالسُّكر من الشراب يسد طريق المعرفة (١١). وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وجهان من التفسير: أحدهما: سكارى من الخمر، وهو قول ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، وابي رزين (١٥)، وإبراهيم (١٦). والثاني: وأنتم سكارى من النوم، وهو قول الضحاك (١٧). والراجح-والله أعلم- أن "ذلك نهيٌ من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك كذلك، نهيٌ من الله وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه" (١٨) كما سبق الإشارة إليه في سبب نزول الآية. قال ابن حجر: " قال المفسرون: هذه الآية اقتضت إباحة السكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فاجتنبوه﴾ (١٩) " (٢٠) .. قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " ولا تقربوا الصلاة إن أصابكم الحدث الأكبر، ولا تقربوا كذلك مواضعها وهي المساجد، إلا من كان منكم مجتازًا من باب إلى باب، حتى تتطهروا بالاغتسال" (٢١). قال الطبري: أي: "ولا تقربوها أيضًا جنبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل" (٢٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وجهان: أحدهما: أراد سبيل المسافر إذا كان جنباً لا يصلي حتى يتيمم، وهذا قول علي (٢٣)، وابن عباس في رواية أبي مجلز عنه (٢٤)، ومجاهد (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦)، والحكم (٢٧)، والحسن بن مسلم (٢٨)، وعبد الله بن كثير (٢٩)، وابن زيد (٣٠). والثاني: لا يقرب الجنب مواضع الصلاة من المساجد إلا مارّاً مجتازاً، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك وابن يسار عنه (٣١)، وهو قول الحسن (٣٢)، والزهري (٣٣)، وإبراهيم النخعي (٣٤)، وأبي

стр. 2846

عبيدة (١)، وعكرمة (٢)، وأبي الضحى (٣)، ويزيد بن أبي حبيب (٤)، وسعيد بن جبير في رواية اخرى عنه (٥)، واختاره الطبري (٦) وهو قول الجمهور (٧). قال ابن كثير: "وهذا الذي نصره [الطبري] هو قولُ الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا " (٨). والراجح-والله اعلم- أن معنى قوله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾: "إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عَدِم الماء وهو جنب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان معلومًا بذلك أن قوله ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، لو كان معنيًّا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك" (٩). وقد سبق الإشارة في سبب نزول الآية "أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله ﵎: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ " (١٠). وقد ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: "سُدُّوا كل خَوخة في المسجد إلا خَوخةَ أبي بكر" (١١). قال ابن كثير: " ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا في معناه؛ إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث. ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، ﵂ قالت: «قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخُمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك» (١٢). ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله أعلم" (١٣). وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجدِ حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة (١٤). وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجدِ، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، أخرج سعيد بن منصور عن عطاء بن يَسَار قال: "رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة" (١٥) (١٦).

стр. 2847

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء" (١). قال الطبري: أي: " إن كنتم جرحى أو مُجَدَّرين وأنتم جنب" (٢). قال ابن مسعود: " المريض الذي قد أُرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها" (٣). قال أبو مالك: " هي للمريض الذي به الجراحةُ التي يخاف منها أن يغتسل، فلا يغتسل. فرُخِّص له في التيمم" (٤). قال مجاهد: " والمرض: أن يصيب الرجل الجرح والقرح والجدريّ، فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء" (٥). قال السدي: " والمرض: هو الجراح. والجراحة التي يتخوّف عليه من الماء، إن أصابه ضرَّ صاحبه، فذلك يتيمم صعيدًا طيبًا" (٦). قال سعيد بن جبير: " إذا كان به جروح أو قُروح يتيمم" (٧). وقال إبراهيم: " من القروح تكون في الذراعين" (٨). قال الضحاك: " صاحب الجراحة التي يتخوّف عليه منها، يتيمم" (٩). وروي عن عاصم يعني الأحول عن الشعبي: "أنه سئل عن [قوله]: المجدور تُصيبه الجنابة؟ قال: ذهب فرسان هذه الآية" (١٠). وقال ابن زيد: " المريضُ الذي لا يجد أحدًا يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، فإذا لم يستطع أن يتناول الماء، وليس عنده من يأتيه به، ولا يحبو إليه، تيمم وصلَّى إذا حلَّت الصلاة قال: هذا كله قولُ أبي إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به، لا يترك الصلاة، وهو أعذَرُ من المسافر" (١١). فتفسير الآية إذن: " وإن كنتم جَرْحى أو بكم قروحٌ، أو كسر، أو علّة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة، وأنتم مقيمون غيرُ مسافرين" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] ثلاثة أقاويل (١٣): أحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ، وهذا قول داود بن علي. الثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي. والثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ، وهو القول الثاني من قولي الشافعي. قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " وإن كنتم في حال سفر " (١٤).

стр. 2848

قال الطبري: أي: " أو إن كنتم مسافرين وأنتم أصحّاء جنب" (١). وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، ثلاثة أقاويل (٢): أحدها: ما انطلق عليه اسم السفر من قليل وكثير، وهو قول داود. والثاني: مسافة يوم وليلة فصاعداً، وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله. والثالث: مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة. قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " أو أحدثتم ببولٍ أو غائطٍ ونحوهما حدثاً أصغر ولم تجدوا الماء" (٣). قال الطبري: أي: " أو جاء أحدٌ منكم من الغائط، قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح" (٤). قال ابن كثير: " الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر" (٥). قال مجاهد: " الغائط، الوادي" (٦). قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " أو جامعتم النساء" (٧). قال الطبري: أي: " أو باشرتم النساءَ بأيديكم" (٨). وفي هذه الملامسة قولان: أحدهما: أنها كناية عن الجماع، لقوله ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وهو قول عليّ (٩)، وابن عباس (١٠)، والحسن (١١) وقتادة (١٢)، ومجاهد (١٣). والثاني: أن الملامسة باليد والإفضاء ببعض الجسد، وهو قول ابن مسعود (١٤)، وابن عمر (١٥)، وعبيدة (١٦)، والنخعي (١٧)، والشعبي (١٨)، وعطاء (١٩)، وابن سيرين (٢٠)، والحكم (٢١)، وحماد (٢٢)، وبه قال الشافعي (٢٣). والراجح أن أنّ " اللمس " في هذا الموضع، لمس الجماع، لا جميع معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله- ﷺ أنه قَبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ (٢٤)، وكما قال الشاعر (٢٥):

стр. 2849

وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا يعني بذلك: ننك لماسًا (١) (٢). أخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ" (٣). وفي رواية أخرى: " أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (٤). وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، قراءتان (٥): إحداهما: ﴿لَمَسْتُمُ﴾، بغير ألف، قرأ بها حمزة والكسائي. والأخرى: ﴿لامَسْتُمُ﴾، وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر. وفي اختلاف القراءتين في ﴿لَمَسْتُمْ﴾ أو ﴿لامَسْتُمُ﴾، قولان (٦): أحدهما: أن ﴿لامَسْتُمُ﴾ ـ أبلغ من ﴿لَمِسْتُمُ﴾. والثاني: أن ﴿لامَسْتُمُ﴾ يقتضي وجوب الوضوء على اللامس والملموس، ﴿وَلَمَسْتُمُ﴾، يقتضي وجوبه على اللامس دون الملموس. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، "أي: فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به" (٧). قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" (٨). قال سفيان: " تحرَّوا وتعمَّدوا صعيدًا طيبًا" (٩). وفي رواية أخرى: " "قوله: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾، قال: حلال لكم" (١٠).

стр. 2850

فالتيمم في اللغة هو: "القصد. تقول العرب: تيممك الله بحفظه، أي: قصدك. ومنه قول امرئ القيس (١): وَلَمَّا رَأتْ أنَّ المَنِية ورِدُها ... وأن الحصَى من تحت أقدامها دَامِ تيممت العين التي عند ضارج (٢) ... يفيء عليها الفيء عَرْمَضها طام (٣) قال الزجاج: " معنى تيمموا أقصدوا، والصعيد وجه الأرض، فعلى الإنسان في التيمم أن يضرب بيديه ضربة واحدة فيمسح بهما جميعا وجهه، وكذلك يضرب ضربة واحدة، فيمسح بهما يديه، و «الطيب» هو النظيف الطاهر، ولا يبالي أكان في الموضع تراب أم لا، لأن الصعيد ليس هو التراب، إنما هو وجه الأرض، ترابا كان أو غيره. ولو أن أرضا كانت كلها صخرا لا تراب عليها ثم ضرب المتيمم يده على ذلك الصخر لكان ذلك طهورا إذا مسح به وجهه، قال الله : ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (٤)، فأعلمك أن الصعيد يكون زلقا، والصعدات الطرقات، وإنما سمي صعيدا، لأنها نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض، لا أعلم بين أهل اللغة اختلافا في أن الصعيد وجه الأرض" (٥). وفي الصعيد أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غِراس، وهو قول قتادة (٦). والثاني: أنها الأرض المستوية، وهو قول ابن زيد (٧). والثالث: هو التراب، وهو قول عليّ، وابن مسعود، وعمرو بن قيس الملائي (٨)، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما (٩). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» (١٠)، وفي لفظ: "وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء". قالوا: فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه (١١). والرابع: أنه وجه الأرض ذات التراب والغبار (١٢)، وهذا قول أبي عبيدة (١٣)، ومنه قول ذي الرُّمة (١٤): كَأنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ يعني: تضرب به وجه الأرض (١٥). وفي قراءة عبدالله: ﴿فَأُمُّوا صَعِيدًا﴾ (١٦). وفي قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، أربعة أقاويل:

стр. 2851

أحدها: حلالاً، وهو قول سفيان (١)، واختاره ابن كثير (٢). والثاني: أن الطيب: ما أتت عليه الأمطار وطهرته، و ﴿طيبا﴾، أي: طاهرا. وهذا قول سعيد بن بشر (٣)، والطبري (٤)، والزجاج (٥). عن أبي ذر قال: "قال رسول الله ﷺ : «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده، فليمسه بَشرته، فإن ذلك خير له» " (٦). والثالث: تراب الحرث، وهو قول ابن عباس (٧). والرابع: أنه مكان حَدِرٌ غير بَطِحٍ، وهو قول ابن جريج (٨). قال ابن كثير: " استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد تطلبه، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين، من حديث عِمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (٩) " (١٠). وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم" (١١). قال الماوردي" فالوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في غسل الوضوء" (١٢). قال الطبري: والمسح منه بالوجه: أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر، أو ما قام مقامه، فيمسَح بما علق من الغُبار وجهه" (١٣). فأما مسح اليدين ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الكفان إلى الزندين دون الذراعين، وهو قول عمار بن ياسر (١٤)، ومكحول (١٥)، والشعبي في أحد قوليه (١٦)، وبه قال مالك في أحد قوليه (١٧)، والشافعي في القديم (١٨). والثاني: الذراعان مع المرفقين، وهو قول ابن عمر (١٩)، والحسن (٢٠)، وعمر الشعبي (٢١)، وسالم بن عبد الله (٢٢)، والشافعي في الجديد (٢٣). وقالوا: " لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] قالوا: وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية" (٢٤).

стр. 2852

وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (١). وروى أبو داود عن ابن عمر - في حديث – "أن رسول الله ﷺ ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه" (٢). والثالث: إلى المنكبين والإبطين، وهو قول الزهري (٣)، وحكي نحوه عن أبي بكر (٤). قال الطبري: والصواب: " أن الحدّ الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصِّر عنه في مسحه بالتراب من يديه: الكفان إلى الزّندين، لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز. ثم هو فيما جاوز ذلك مخيّر، إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرًا فيما جاوز الكفين: أن الله لم يحدَّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدًّا لا يجوز التقصير عنه. فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أُجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه. وقد أجمع الجميعُ على أن التقصير عن الكفين غير مجزئ، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه. وإذا كان مختلفًا فيه، وكان الماسح بكفيه داخلا في عموم الآية كان خارجًا مما لزمه من فرض ذلك" (٥). قال ابن كثير: " التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع" (٦). واختلفوا في جواز التيمم في الجنابة على قولين: أحدهما: يجوز، وهو قول الجمهور (٧). والثاني: لا يجوز وهو قول عمر (٨)، وابن مسعود (٩)، وإبراهيم النخعي (١٠). والراجح-والله أعلم- هو قول الجمهور، أي: " أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء، والصلاةِ بقوله: ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ " (١١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: " إن الله تعالى كان كثير العفو يتجاوز عن سيئاتكم، ويسترها عليكم" (١٢). قال الزجاج: " أي يقبل منكم العفو ويغفر لكم، لأن قبوله التيمم تسهيل عليكم" (١٣). قال الطبري: أي: " إن الله لم يزل عفوا، عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به، كما عفا لكم، أيها المؤمنون، عن قيامكم إلى الصلاة التي فرضها عليكم في مساجدكم وأنتم سكارى " غفورًا "، يقول: فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم بتركه معاجلتهم العذابَ على خطاياهم، كما ستر عليكم، أيها المؤمنون، بتركه معاجلتكم على صلاتكم في مساجدكم سكارى. يقول: فلا تعودوا لمثلها، فينالكم بعودكم لما قد نهيتكم عنه من ذلك، مُنَكِّلَة" (١٤). قال سلمة بن وهرام صاحب طاوس: " أن الله ﵎ إنما سمى نفسه «العفو»، ليعفو، و «الغفور»، ليغفر" (١٥). قال سعيد بن المسيب: " ليس شيء أحب إلي من عفو" (١٦).

стр. 2853

قال الشيخ السعدي: " وهذه الآية الكريمة منسوخة بتحريم الخمر مطلقا، فإن الخمر -في أول الأمر- كان غير محرم، ثم إن الله تعالى عرض لعباده بتحريمه بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. ثم إنه تعالى نهاهم عن الخمر عند حضور الصلاة كما في هذه الآية، ثم إنه تعالى حرمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. ومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة لتضمنه هذه المفسدة العظيمة، بعد حصول مقصود الصلاة الذي هو روحها ولبها وهو الخشوع وحضور القلب، فإن الخمر يسكر القلب، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة" (١). الفوائد: ١ - ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، حتى يعلموا ما يقولون، وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة، كالمسجد، فإنه لا يمكن السكران من دخوله. وشامل لنفس الصلاة، فإنه لا يجوز للسكران صلاة ولا عبادة، لاختلاط عقله وعدم علمه بما يقول، ولهذا حدد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم بما يقول السكران (٢). ٢ - منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح (٣). ٣ - أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء، وهذا مطلقا في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه. ٤ - وفي الآية وجوب تعميم مسح الوجه واليدين، وأنه يجوز التيمم ولو لم يضق الوقت، وأنه لا يخاطب بطلب الماء إلا بعد وجود سبب الوجوب- والله أعلم-. ٥ - من أسماءه تعالى «العفو» و «الغفور»، والعفوّ هو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولا سيما إذا أتوا لما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ومن أسمائه: «الغفور»، "من أبنية المبالغة؛ فالله غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل" (٤). القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ [النساء: ٤٤] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- أمر اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم مما جاءهم من التوراة، يستبدلون الضلالة بالهدى، ويتركون ما لديهم من الحجج والبراهين، الدالة على صدق رسالة الرسول محمد ﷺ ، ويتمنون لكم -أيها المؤمنون المهتدون- أن تنحرفوا عن الطريق المستقيم; لتكونوا ضالين مثلهم. في سبب نزول الآيات [٤٤ - ٤٦]: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن ابن عباس قال: "كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم - يعني من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله ﷺ لوى لسانه وقال: راعنا سمعَك، يا محمد حتى نفهمك! ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٦) " (٧).

стр. 2854

وفي السياق نفسه: أخرج الطبري عن عكرمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، إلى قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١)، قال: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي" (٢). وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله : " ﴿من الذين هادوا﴾ الآية، قال: كان رجلان من اليهود، يقال لأحدهما: مالك بن الضيف والآخر: رفاعة بن زيد، إذا لقيا النبي ﷺ ، قالا له، وهما يكلمانه: راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، كقولك: اسمع غير صاغر، فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم قال أصحاب النبي ﷺ للنبي مثل ذلك، فنهوا عن ذلك، فأنزل الله جل وعز: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ " (٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "وكان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب، ورافع بن أبي رافع، وبحر بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحون لهم من أصحاب محمد، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: ﴿ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا﴾ (٤) " (٥). وقال مقاتل: " ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا﴾ ... وهم اليهود، منهم: إصبع، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود، ﴿ويريدون أن تضلوا السبيل﴾، يعني: أن تخطئوا قصد طريق الهدى كما أخطأوا الهدى، نزلت في عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم حين دعوهما إلى دين اليهودية وعيروهما بالإسلام وزهدوهما فيه وفيهما نزلت" (٦). وأخرج الطبري عن عبيد بن سليمان قال: "سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿راعنا ليًّا بألسنتهم﴾، كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك! يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرِّف معناه" (٧). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٤٤]، أي: " ألم تعلم -أيها الرسول- أمر اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم مما جاءهم من التوراة" (٨). قال مقاتل: " ألم تر إلى فعل الذين أعطوا ﴿نصيبا﴾، يعني حظا ﴿من الكتاب﴾، يعني: التوراة" (٩). قال أبو عبيدة: " ﴿نصيبا من الكتاب﴾ قال: طرفا وخطا" (١٠). قال أبو مالك: " ﴿نصيبا﴾، يعني: حظا" (١١)، " ﴿من الكتاب﴾، قال: من التوراة" (١٢). قال الزمخشري: " ﴿ألم تر﴾، من رؤية القلب، وعدى بـ ﴿إلى﴾، على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ أو بمعنى: ألم تنظر إليهم؟ ﴿أوتوا نصيبا من الكتاب﴾، حظا من علم التوراة، وهم أحبار اليهود" (١٣). قال أبو هلال العسكري: " وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، معناه: ألم تخبر بذلك، وهذا أيضا يرجع إلى معنى العلم، لأنه إذا أخبر به فقد علمه، ويجوز أن يكون تعجيبا منهم كما تقول لصاحبك: ألم تر إلى فلان كيف أُحسن إليه ويجفو بي ونحو ذلك" (١٤). قوله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]، أي: " ويستبدلون الضلالة بالهدى" (١٥). قال أبو العالية: " اختاروا الضلالة" (١٦).

стр. 2855

قال قتادة: " هم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة، يقول: استحبوها" (١). قال ابن عباس: " الضلالة أي: الكفر" (٢). قال مقاتل: " يعني باعوا إيمانا بمحمد- ﷺ قبل أن يبعث، بتكذيب بمحمد- ﷺ بعد بعثته، وهم اليهود منهم إصبع، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود" (٣). قال الزمخشري: أي: " يستبدلونها بالهدى، وهو البقاء على اليهودية، بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله ﵌، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل" (٤). قال الراغب: " واشتراء الضلالة بالهدى: استبدالها به بغد حصوله، والرغبة في الضلالة بعد التمكن من الهدى، وقد أعاد تعالى هذا المعنى في مواضع تحذيرا منهم، وتخويفا من الاغترار بهم، وعلى ذلك قوله من قبل: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، ونحوه قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] " (٥). قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤]، "أي: ويريدون لكم يا معشر المؤمنين أن تضلوا طريق الحق لتكونوا مثلهم" (٦). قال مقاتل: " يعني: أن تخطئوا قصد طريق الهدى كما أخطأوا الهدى" (٧). قال الزمخشري: أي: " أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن يضل معهم غيرهم" (٨). وقرئ: ﴿أن يضلوا﴾، بالياء بفتح الضاد وكسرها (٩). الفوائد: ١ - الآية ذم لليهود وفي ضمنه تحذير عباده عن الاغترار بهم، والوقوع في أشراكهم. ٢ - بيان مكر اليهود بالمؤمنين بالعمل على إضلالهم في عهد النبوة وإلى اليوم. القرآن ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾ [النساء: ٤٥] التفسير: والله أعلم منكم -أيها المؤمنون- بعداوة هؤلاء اليهود لكم، وكفى بالله وليًّا يتولاكم، وكفى به نصيرًا ينصركم على أعدائكم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥]، أي: "والله أعلم بعداوة هؤلاء اليهود الضَّالين منكم" (١٠). قال مقاتل: " يعني: بعداوتهم إياكم، يعني: اليهود" (١١). قال الزجاج: " أي هو أعرف بهم فهو يعلمكم ما هم عليه" (١٢). قال ابن كثير: " أي: هو يعلم بهم ويحذركم منهم" (١٣). قال الثعلبي: أي: " فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم، ويجوز أن يكون أعلم بمعنى عليم [كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ﴾ (١٤) عليه" (١٥).

стр. 2856

قال الزمخشري: " وقد أخبركم بعداوة هؤلاء، وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ولا تستشيروهم" (١). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، أي: " وكفى بالله وليًّا يتولاكم، وكفى به نصيرًا ينصركم على أعدائكم" (٢). قال مقاتل: " فلا ولي أفضل من الله- ، فلا ناصر أفضل من الله- جل ذكره-" (٣). قال ابن كثير: " أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه، ونصيرا لمن استنصره" (٤). قال الطبري: " يقول: وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العَوَج" (٥). قال السعدي: " أي: يتولى أحوال عباده ويلطف بهم في جميع أمورهم، وييسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم، ﴿وكفى بالله نصيرا﴾ ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر" (٦). قال الصابوني: أي: " أي: حسبكم أن يكون الله ولياً وناصراً لكم فثقوا به واعتمدوا عليه وحده فهو تعالى يكفيكم مكرهم" (٧). قال الزمخشري: أي: " فثقوا بولايته ونصرته دونهم. أو لا تبالوا بهم، فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم" (٨). قال الزجاج: " أي: الله ناصركم عليهم. ومعنى «الباء» التوكيد، المعنى: وكفى الله وليا وكفى الله نصيرا، إلا أن «الباء» دخلت في اسم الفاعل، لأن معنى الكلام الأمر، المعنى: اكتفوا بالله" (٩). قال عثمان بن زائدة: "سمعت وهيب بن ورد يقول: قال الله : ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي فإن نصري لك خير من نصرتك لنفسك" (١٠). الفوائد: ١ - حرص اليهود على إضلال المسلمين غاية الحرص، فهم باذلون جهدهم في ذلك. ٢ - في كفاية الله للمؤمنين ونصرته ما يغنيهم أن يطلبوا ذلك من أحد غير ربهم . ٣ - إثبات اسمين من أسماءه تعالى، وهما: «المولى» «والنصير»: يوصف الله بأنه ولي الذين آمنوا ومولاهم، و «الولي» و «المولى»: اسمان لله تعالى، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: "نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه" (١١). جاء في الحديث: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (١٢). ويوصف الله بأنه «الناصر» و «النصير»، واللَّه هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم. و«النصير»: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصراً، إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (١٣)، واللَّه النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١٤).

стр. 2857

جاء في الحديث: " "اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل" (١). قال أهل العلم: «الناصر»: ليس من أسماء الله تعالى، وعليه؛ فلا يصح التعبد به؛ مثل: عبد الناصر" (٢). القرآن ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦] التفسير: من اليهود فريق دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله، ويقولون للرسول ﷺ : سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع منَّا لا سمعت، ويقولون: راعنا سمعك أي: افهم عنا وأفهمنا، يلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرعونة حسب لغتهم، والطعن في دين الإسلام. ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، بدل و «عصينا»، واسمع دون «غير مسمع»، وانظرنا بدل «راعنا» لكان ذلك خيرًا لهم عند الله وأعدل قولا ولكن الله طردهم من رحمته; بسبب كفرهم وجحودهم نبوة محمد ﷺ ، فلا يصدقون بالحق إلا تصديقًا قليلا لا ينفعهم. قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، أي: " من اليهود فريق دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله" (٣). قال أبو عبيدة: " ﴿من الذين هادوا﴾، في هذا الموضع: اليهود " (٤)، " ﴿يحرفون﴾: يقلبون، ويغيرون، و ﴿الكلم﴾: جماعة كلمة " (٥). عن مجاهد، في قوله " ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾: تبديل اليهود التوراة " (٦). وقال إبراهيم: " كان ينزل عليهم يا بني رسلي، يا بني أحباري، قال: فحرفوه وجعلوه يا بني أبكاري" (٧). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: " ويقولون للرسول ﷺ : سمعنا قولك وعصينا أمرك" (٨). قال البغوي: " أي: ﴿ويقولون سمعنا﴾ قولك، ﴿وعصينا﴾ أمرك" (٩). عن مجاهد، في قوله : " ﴿سمعنا وعصينا﴾ ما تقول، ولا نطيعك " (١٠). قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦]، أي: واسمع ما نقول لا سمعت" (١١). قال البغوي: " أي: اسمع منا ولا نسمع منك" (١٢). قال الطبري: " وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله ﷺ في عصره: أنهم كانوا يسبّون رسول الله ﷺ ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يَسُبُّه: اسمع، لا أسمعَك الله " (١٣). قال الزجاج: " كانت إليهود - لعنت - تقول للنبي ﷺ : اسمع، وتقول في أنفسها لا أسمعت.

стр. 2858

وقيل غير مسمع، غير مجاب إلى ما تدعو إليه" (١). عن مجاهد: " ﴿واسمع غير مسمع﴾: غير مقبول ما تقول " (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦]، قولان: إحداهما: معناه: اسمع لا سمعت، وهو قول ابن عباس (٣)، وابن زيد (٤). والثاني: أنه غير مقبول منك، وهو قول الحسن (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧). قوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]، أي: " ويقولون: راعنا سمعك، يلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرعونة، والطعن في دين الإسلام" (٨). قال البغوي: " أي: ويقولون راعنا، يريدون به النسبة إلى الرعونة، تحريفا بالسنتهم، وقدحا ﴿في الدين﴾، لأن قوله: ﴿وراعنا﴾، من المراعاة، وهم يحرفونه، يريدون به الرعونة " (٩). قال الطبري: أي: " أي: راعنا سمعك، افهم عنّا وأفهمنا، تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، واستخفافًا منهم بحق النبي ﷺ ، وطعنًا في الدين" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " أي: أرعنا سمعك " (١١). قال الحسن: " الراعن من القول: السخري منه" (١٢). قال ابن عباس: " ﴿ليا بألسنتهم﴾: تحريفا بالكذب" (١٣). قال ابن قتيبة: " ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾، أي: قلبا للكلام بها" (١٤). قال مجاهد: " ﴿ليا بألسنتهم﴾، : يلوون ألسنتهم" (١٥)، وفي رواية اخرى: " ﴿ليا﴾: خلافا يكون بألسنتهم" (١٦). قال عطاء: " يلوي بذلك لسانه ويطعن في الدين" (١٧). قال قتادة: "كانت اليهود يقولون للنبي ﷺ : " راعنا سمعك "! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة أن يقال: راعنا سمعك، ﴿ليًّا بألسنتهم﴾، والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك، وطعنًا في الدين " (١٨). قال السدي: " قوله " ﴿ليا بألسنتهم﴾ قال: الكلام شبه الاستهزاء ﴿وطعنا في الدين﴾، قال: في دين محمد ﵇ " (١٩). قال الزجاج: " ﴿ليا بألسنتهم﴾، أي: يفعلون ذلك معاندة للحق وطغيانا في الدين، وأصل ﴿ليا﴾، لويا، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون" (٢٠). قال الراغب: " اللي: أصله الفتل فاستعير لصرف الإنسان عما يريده، وصرف الكلام من وجه إلى وجه استعارة الجدل في الجدال، ومنه لي الغريم، ولواء الجيش لكونه في الأصل خيطا ملويا. واللوى: الملوئ من الرمل؛ لا يصنعه البشر" (٢١).

стр. 2859

وفي قوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]، ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذه الكلمة كانت سَبّاً في لغتهم، كانوا يسبون النبي ﷺ بهذه الكلمة، فأطلع الله نبيّه عليها فنهاهم عنها. حكاه الزجاج عن بعضهم (١). والثاني: أنها كانت تجري مجرى الهُزْءِ والسخري. وهذا قول ابن عباس (٢)، وقتادة (٣)، والسدي (٤)، واختيار الزجاج (٥). والثالث: إنها كانت تخرج مخرج الكِبْر، " كأنهم يقولون: ارعنا سمعك أي اجعل كلامك لسمعنا مرعى. حكاه الزجاج عن بعضهم (٦). قال الزجاج: " وهذا مما لا تخاطب به الأنبياء - صلوات الله عليهم –، إنما يخاطبون بالإجلال والإعظام" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: " ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا عوضا عن قوله سمعنا وعصينا" (٨). قال مقاتل بن حيان: " سمعنا للقرآن الذي جاد من الله، وأطعنا: أقروا لله أن يطيعوه في أمره ونهيه" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: " واسمع وانظرنا، عوضاً عن قولهم غير مسمع وراعنا" (١٠). قال مجاهد: " ﴿انظرنا﴾: أفهمنا" (١١)، وفي رواية: "أفهمنا وبين لنا يا محمد " (١٢)، وفي رواية أخرى: "يقولون: أفهمنا لا تعجل علينا سوف نتبعك إن شاء الله" (١٣). قوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]، "أي: لكان ذلك القول خيراً لهم عند الله وأعدل وأصوب" (١٤). قال الزمخشري: أي: " لكان قولهم ذلك خيرا لهم وأقوم وأعدل وأسد" (١٥). قال ابن عطية: " ﴿أقوم﴾، معناه: أعدل وأصوب" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦]، " أي: ولكن أبعدهم الله عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق " (١٧). قال الزمخشري: أي: " ولكن لعنهم الله بكفرهم أى خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه" (١٨). قال ابن عطية: " «واللعنة»: الإبعاد، فمعناه: أبعدهم من المهدي" (١٩). قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، " أي: فلا يصدقون بالحق إلا تصديقًا قليلا" (٢٠). قال قتادة: " لا يؤمنون هم إلا قليلا" (٢١).

стр. 2860

وقال الكلبي: "لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم " (١). قال الزجاج: " أي: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، لا يجب به أن يسموا المؤمنين، وقيل: أي: إلا قليلا منهم، فإنهم آمنوا" (٢). قال البغوي: أي: " إلا نفرا قليلا منهم، وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم" (٣). قال الزمخشري: أي: " فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله (٤): قَلِيلُ التَّشَكِّي للمُهِمِّ يُصِيبُهُ ... [كَثيرُ الهَوَى شَتَّى النَّوَى والمَسَالِك] أى عديم التشكي، أو إلا قليلا منهم قد آمنوا" (٥). قال ابن عطية: " ﴿قليلا﴾: نعت، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم، والمعنى مختلف، فمن عبر بالقلة عن الإيمان قال: إما هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا، وهي لا تنبته جملة، وإما قلل الإيمان لما قلت الأشياء التي آمنوا بها فلم ينفعهم ذلك، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع أوامر شريعته ونواهيها، ومن عبر بالقلة عن النفر قال: لا يؤمن منهم إلا قليل، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما، وإذا قدرت الكلام نفرا قليلا، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر" (٦). الفوائد: ١ - أن من صفات اليهود: تحريف الكلم عن مواضعه، إذ بين الله تعالى كيفية ضلال علماء اليهود وعنادهم وإيثارهم الباطل على الحق فقال: ﴿من الذين هادوا حرفون الكلم عن مواضعه﴾. ٢ - أن تحريف اليهود يكمن في تغيير اللفظ أو المعنى، أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد ﷺ على أنه غير مراد بها، ولا مقصود بها بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك، فهذا حالهم في العلم أشر حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق، وأما حالهم في العمل والانقياد فإنهم ﴿يقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين﴾. ٣ - أن الله تعالى طرد اليهود من رحمته بسبب كفرهم وعنادهم، فقال: ﴿ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. ٤ - إن التحريف من دأب اليهود، قال الشيخ ابن عثيمين: " فكل من حرف نصوص الكتاب والسنة، ففيه شبه من اليهود، فأحذر هذا، ولا تتشبه بالمغضوب عليهم الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، لا تحرف، بل فسر الكلام على ما أراد الله ورسوله" (٧). ٥ - أن الإيمان القليل لا يجدي صاحبه ولا ينفعه بحال.

стр. 2861

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء: ٤٧] التفسير: يا أهل الكتاب، صدِّقوا واعملوا بما نزَّلنا من القرآن، مصدقًا لما معكم من الكتب من قبل أن نأخذكم بسوء صنيعكم، فنمحو الوجوه ونحولها قِبَلَ الظهور، أو نلعن هؤلاء المفسدين بمسخهم قردة وخنازير، كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت، الذين نُهوا عن الصيد فيه فلم ينتهوا، فغضب الله عليهم، وطردهم من رحمته، وكان أمر الله نافذًا في كل حال. في سبب نزول الآية وجهان: أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (١)، عن السدي: " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾، قال: نزلت في مالك بن الصَّيِّف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع" (٢). والثاني: أخرج الطبري ابن عباس قال: "كلَّم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار يهود: منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: «يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحقٌّ! فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر» (٣)، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا﴾، الآية" (٤). وروي عن عكرمة نحو ذلك (٥). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء: ٤٧]، أي: " يا أهل الكتاب" (٦). قال الطبري: يعني: " اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا حوالَيْ مهاجَر رسول الله ﷺ ، قال الله لهم: يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به" (٧). قال الماوردي: " يعني اليهود والنصارى" (٨). قال ابو السعود: " تلوين للخطاب وتوجيه له إما إلى من حكيت أحوالهم وأقوالهم خاصة بطريق الالتفات ووصفهم تارة بإيتاء الكتاب أي التوراة وأخرى بإيتاء نصيب منها لتوفية كل من المقامين حقه فإن المقصود فيما سبق بيان أخذهم الضلالة وإزالة ما أوتوه بمقابلتها بالتحريف وليس ما أزالوه بذلك كلها حتى يوصفوا بإيتائه بل هو بعضها فوصفوا بإيتائه وأما ههنا فالمقصود تأكيد إيجاب الامتثال بالأمر الذي يعقبه والتحذير عن مخالفته من حيث أن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه والكفر بالثاني مقتض للكفر بالأول قطعا ولا ريب في أن المحذور عندهم إنما هو لزوم الكفر بالتوراة نفسها لا ببعضها وذلك إنما يتحقق بجعل القرآن مصدقا لكلها وإن كان مناط التصديق بعضا منها ضرورة أن مصدق البعض مصدق للكل المتضمن له حتما وإما إليهم وإلى غيرهم قاطبة وهو الأظهر وأياما كان فتفصيل ما فصل لما كان من مظان إقلاع كل من الفريقين عما كانوا عليه من الضلالة" (٩). قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧]، أي: " صدِّقوا واعملوا بما نزَّلنا من القرآن، مصدقًا لما معكم من الكتب" (١٠). قال الطبري: أي: " صدِّقوا بما نزلنا إلى محمد من الفرقان، محقِّقًا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران" (١١). قال ابن كثير: " يقول تعالى - آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات" (١٢).

стр. 2862

قال أبو السعود: " عبّر عنه [أي القرآن] بالموصول، تشريفا له بما في حيز الصلة وتحقيقا لكونه من عنده ، وقوله: ﴿مصدقا لما معكم﴾، أي: من التوراة، فعبر عنها بذلك للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال فإن المعية المستدعية لدوام تلاوتها وتكرير المراجعة إليها من موجبات العثور على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكون القرآن مصدقا لها ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار فليست بمخالفة في الحقيقة بل هي عين الموافقة من حيث إن كلا منها حق بالإضافة إلى عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال ﷺ : «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]، أي: " من قبل أن نأخذكم بسوء صنيعكم، فنمحو الوجوه ونحولها قِبَلَ الظهور" (٣). قال القاسمي: " أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم" (٤). قال ابن عباس: " طمسها: أن تعمى" (٥). قال أبو عبيدة: " أي: نسوها حتى تكون كأقفائهم، يقال للريح: طمست آثارنا، أي: محتها، وطمس الكتاب " (٦). قال أبو دريس عائذ الله الخولاني: "كان أبو مسلم معلم كعب، وكان يلومه على إبطائه عن رسول الله ﷺ ، قال: بعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال: حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها﴾، فبادرت الماء اغتسل وأني لأمس وجهي مخافة أن يطمس ثم أسلمت" (٧). وقال سهل: " أي: يحول الله عن الهدى والبصيرة إلى طبع الجهالة (٨). قال المراغي: " أي آمنوا قبل أن يحل بكم العقاب من طمس الوجوه والرد على الأدبار: أي من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم بها من كيد الإسلام، ونردها خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وقد كان لهم عند نزول الآية شىء من المكانة والقوة والعلم والمعرفة" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]، اقوال: أحدهما: أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى، وهو قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، وعطية العوفي (١٢)، وأبي عبيدة (١٣). قال ابن كثير: " وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٨، ٩] إن هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى" (١٤).

стр. 2863

والثاني: أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً، وهذا قول الحسن (١)، والضحاك (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، وسهل التستري (٥). قال الزجاج: " المعنى: قبل أن نضلهم مجازاة لما هم عليه من المعاندة، فنضلهم ضلالا لا يؤمنون معه أبدا" (٦). والثالث: معناه: : من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها، وناحيتهم التي هم بها، ﴿فنردها على أدبارها﴾، من حيث جاءوا منه بَديًّا من الشام. وهذا قول ابن زيد (٧). والرابع: معناه: ﴿من قبل أن نطمس وجوهًا﴾، فنمحو أثارها ونسوِّيها، ﴿فنردها على أدبارها﴾، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردَّها على أدبارها، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. حكاه الطبري عن البعض (٨). والراجح-والله أعلم- ان المعنى: " من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء، ﴿فنردها على أدبارها﴾، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا، فيمشون القهقرى، كما قال ابن عباس وعطية، لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة﴾، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ الآية، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم، إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به. ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا" (٩). قال أبو هلال السكري المعتزلي: " «الطمس»: أصله ذهاب الأثر؛ طريق طامس: لا علم فيه، كتاب مطموس: ممحو، وجبل طامس: لا طريق إليه؛ قال جميل (١٠): ألا تلكمُ أعلامُ بثنةَ قد بدتْ ... كأنَّ ذَرَاها في السَّراب سَبيبُ طوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌ ... ولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ بعيدٌ على من ليسَ يطلبُ حاجةً ... وأمَّا على ذي حاجة فقريبُ وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى القلب؛ قال اللَّه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، أي: نقلبها فنجعلها إلى ما يلي أدبارها، وقوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ تفسير لطمسها، وصديق هذا قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠]، لأن الوجوه إذا قلبت أقفاء كان أصحابها يعطون الكتب وراء ظهورهم. الثاني: ذهاب البركات؛ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، أي: اذهب ببركتها ونفعتها وخذهم بالقحط، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: حبب إليهم أوطانهم حتى لا يغار قومها لطلب الأرزاق فيموتوا هزلا وجوعا هكذا قِيل. والصواب أن يقال: أراد أن صبرهم على البلاء والإقامة في البلد المطموس فيه على أموالهم حتى لا يجزعوا فيخرجوا منه. وذلك أن الشد على القلب والربط عليه هو تصبيره بما هو فيه. وقوله: ﴿فَلا يُؤمنُوا﴾ موصول بقوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ومعنى ذلك كله على العاقبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. الثالث: ذهاب النور؛ قال اللَّه: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ " (١١).

стр. 2864

قوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، أي: " أو نلعن هؤلاء المفسدين بمسخهم قردة وخنازير، كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت" (١). قال الحسن: " يقول: أو نجعلهم قردة" (٢). وروي عن السدي (٣)، وقتادة (٤) نحو ذلك. قال ابن زيد: " هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت" (٥). قال ابن كثير: " يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير" (٦). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، أي: " وكان أمر الله نافذًا في كل حال" (٧). قال مقاتل: " يقول أمره كائن لا بد" (٨). قال ابن ابي زمنين: " أي: إذا أراد الله أمرا فإنما يقول له: كن فيكون" (٩). قال ابن كثير: " أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع" (١٠). قال الطبري: يعني: " وكان جميع ما أمر الله أن يكون، كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه. و «الأمر» في هذا الموضع: المأمور، سمي ﴿أمر الله﴾، لأنه عن أمره كان وبأمره. والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولا" (١١). الفوائد: ١ - يأمر تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يؤمنوا بالرسول محمد ﷺ وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم، المهيمن على غيره من الكتب السابقة التي قد صدقها، فإنها أخبرت به فلما وقع المخبر به كان تصديقا لذلك الخبر (١٢). ٢ - أن أهل الكتاب إن لم يؤمنوا بهذا القرآن فإنهم لم يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، ويوافق بعضها بعضا. فدعوى الإيمان ببعضها دون بعض دعوى باطلة لا يمكن صدقها (١٣). ٤ - في الآية حثّ لأهل الكتاب وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من العلم، والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم أعظم من غيرهم، ولهذا توعدهم على عدم الإيمان فقال: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقا والحق باطلا جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق (١٤). القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨] التفسير: إن الله تعالى لا يغفر ولا يتجاوز عمَّن أشرك به أحدًا من مخلوقاته، أو كفر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر، ويتجاوز ويعفو عمَّا دون الشرك من الذنوب، لمن يشاء من عباده، ومن يشرك بالله غيره فقد اختلق ذنبًا عظيمًا. سبب نزول الآية:

стр. 2865

قال أبو أيوب الأنصاري: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله. قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتاعه منه، فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: وجدته شحيحا على دينه، قال: ونزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، أي: إن الله تعالى لا يغفر ولا يتجاوز عمَّن أشرك به أحدًا من مخلوقاته، أو كفر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر" (٢). قال مقاتل: " هذا وعيد ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، فيموت عليه، يعني: اليهود" (٣). قال ابن عباس: " فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجاها أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة" (٤). قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله ﷺ : ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا إلا حلت له المغفرة إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه قال: إن الله استثنى، فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أي: " ويتجاوز ويعفو عمَّا دون الشرك من الذنوب، لمن يشاء من عباده" (٦). قال مقاتل: أي: " لمن مات موحدا فمشيئته- ﵎ لأهل التوحيد" (٧). قال عبدالله بن عمر: " كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في كتاب الله حتى نزلت علينا هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله" (٨). وفي رواية أخرى عن ابن عمر: " كنا أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن وآكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وشهادة الزور حتى نزلت هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة" (٩). وأخرج ابن ابي حاتم عن عبدالله بن عمر، قال: " لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١٠)، فقام رجل، فقال: والشرك يا نبي الله، فكره ذلك النبي ﷺ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " (١١). قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله ﷺ : ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلا حلت لها المغفرة إن شاء الله عذبها، وإن شاء الله غفر لها، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ " (١٢). وعن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، الإشراك بالله، ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ " (١٣). قال السمعاني: " فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وقال في موضع آخر: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ فكيف وجه الجمع؟ قيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك" (١٤).

стр. 2866

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، " أي من أشرك بالله فقد اختلق إِثماً عظيماً" (١). قال مقاتل: " يقول: فقد قال ذنبا عظيما" (٢). قال أبو هلال العسكري: " أصل الشرك: إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به، والشرك في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الإشراك بالله في العبادة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣]. الثاني: قالوا: الشرك بمعنى الطاعة، قال اللَّه: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أي: أطعتموني. الثالث: الربا علي ما جاء في التفسير، قال اللَّه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، أي: لا يرائي فيما نفعل من العبادة" (٣). الفوائد: ١ - أنه ليس في الأعمال أخبث من الشرك بالله- ، وانه أعظم وزر. ٢ - إن سائر الذنوب كبائرها وصغائرها قد يغفرها الله تعالى لمن شاء إلا الشرك، فلا يغفر لصاحبه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسّحر، وقَتْل النفسِ التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنة" (٤). القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين يُثنون على أنفسهم وأعمالهم، ويصفونها بالطهر والبعد عن السوء؟ بل الله تعالى وحده هو الذي يثني على مَن يشاء مِن عباده، لعلمه بحقيقة أعمالهم، ولا يُنقَصون من أعمالهم شيئًا مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة. في سبب نزول الآية والتي بعدها وجوه: أحدها: أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس: " كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا قال الله إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ " (٥). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن مجاهد (٦)، وأبي مالك، والسدي، وعكرمة والضحاك نحو ذلك" (٧). والثاني: وقال الضحاك: " أما قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، فإن اليهود قالوا: ليس لنا ذنوب كما أنه ليس لآبائنا ذنوب، فأنزل الله تعالى ذلك فيهم" (٨). والثالث: نقل الواحدي عن الكلبي، قال: "نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله ﷺ بأطفالهم وقالوا: يا محمد. هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، فقالوا: والذي نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فهذا الذين زكوا به أنفسهم" (٩). وذكر مقاتل مثل ذلك (١٠).

стр. 2867

والرابع: أخرج الطبري عن الحسن، قال: "هم اليهود والنصارى، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (١)، وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٢) " (٣). وفي السياق نفسه أخرج الطبري عن قتادة، قال: " وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٤)، وقالوا: لا ذنوب لنا " (٥). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، "أي: ألم يبلغك خبر هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم ويصفونها بالطاعة والتقوى؟ " (٦). قال مجاهد: " هم اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك التزكية (٧). قال الزمخشري: " ﴿لذين يزكون أنفسهم﴾: اليهود والنصارى، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ... ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله. فإن قلت: أما قال رسول الله ﷺ : «والله إنى لأمين في السماء أمين في الأرض» (٨)؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة، إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه. وشتان من شهد الله له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم " (٩). قال الزجاج: " ﴿ألم تر﴾: ألم تخبر في قول بعضهم، وقال أهل اللغة ألم تعلم وتأويله سؤال فيه معنى الإعلام، تأويله: أعلم قصتهم، وعلى مجرى اللغة ألم ينته علمك إلى هؤلاء، ومعنى يزكون انفسهم أي تزعمون أنهم أزكياء، وتأويل قولنا: زكاء الشيء: في اللغة نماؤه في الصلاح. وهذا أيضا يعني به إليهود" (١٠). قال السعدي: " هذا تعجيب من الله لعباده، وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى، ومن نحا نحوهم من كل من زكى نفسه بأمر ليس فيه. وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ ويقولون: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، وإنما البرهان ما أخبر به في القرآن في قوله: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ فهؤلاء هم الذين زكاهم الله" (١١). قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩]، أي: " بل الله تعالى وحده هو الذي يثني على مَن يشاء مِن عباده، لعلمه بحقيقة أعمالهم" (١٢). قال الزجاج: " أي: يجعل من يشاء زاكيا" (١٣). قال الزمخشري: " إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها، لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى يزكى من يشاء: يزكى المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به ولا يظلمون فتيلا أى الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم. أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم. ونحوه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] " (١٤).

стр. 2868

قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، "أي: ولا ينقصون من أعمالهم بقدر الفتيل، وهو الخليط الذي في شق النواة" (١). قال الزجاج: " ولا يظلمون مقدار فتيل" (٢). قال الواحدي: " يريد لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة" (٣). قال السمعاني: " أي: لا ينقص من أجورهم شئ إن أسلموا، ولا من أوزارهم إن لم يسلموا. والفتيل والقطمير والنقير: ثلاثة أسامي مذكورة في القرآن فالفتيل: اسم لما يكون في شق النواة، والقطمير: اسم للقشرة التي تكون على النواة، والنقير: اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، هذا قول ابن عباس" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وجهان: أحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة، وهو قول عطاء (٥)، وقتادة (٦)، ومجاهد (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩)، وعطية العوفي (١٠)، وخصيف (١١)، وأبو عبيدة (١٢)، والحسن (١٣)، وأحد قولي ابن عباس (١٤). والثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، وهذا قول السدي (١٥)، وأبي مالك (١٦)، وأحد قولي ابن عباس (١٧). قال الطبري: " إنما قصد بقوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له، ولا قيمة، فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى «الفتيل»، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له، مما دل عليه ظاهر التنزيل" (١٨). قال ابن السكيت: "القطمير: القشرة الرقيقة على النواة، والفتيل: ما كان في شق النواة، والنقير: النكتة في ظهر النواة" (١٩). قال الأزهري: "وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير القدر، أي: لا يظلمون قدرها، قال النابغة (٢٠): يَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوفِ وَيَغْزُو ... ثُمَّ يَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا" (٢١) الفوائد: ١ - التحذير من تزكية النفس بأمر ليس فيه. ٢ - أن هؤلاء اليهود وإن زكوا أنفسهم بزعمهم أنهم على شيء، وأن الثواب لهم وحدهم- فإنهم كذبة في ذلك، ليس لهم من خصال الزاكين نصيب، بسبب ظلمهم وكفرهم لا بظلم من الله لهم.

стр. 2869

القرآن ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٥٠] التفسير: انظر إليهم -أيها الرسول- متعجبًا من أمرهم، كيف يختلقون على الله الكذب، وهو المنزَّه عن كل ما لا يليق به؟ وكفى بهذا الاختلاق ذنبًا كبيرًا كاشفًا عن فساد معتقدهم. قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، " أي: انظر يا محمد، كيف اختلقوا على الله الكذب" (١). قال ابن عباس: " ﴿يفترون﴾: يكذبون" (٢). وقال قتادة: " ﴿يفترون﴾، أي: يشركون" (٣). قال مقاتل: " لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه" (٤). قال أبو عبيدة: " ﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب﴾ مثل: ﴿ألم تر إلى الذين﴾ " (٥). قال الزمخشري: أي: " كيف يفترون على الله الكذب في زعمهم أنهم عند الله أزكياء " (٦). قال الزجاج: " أي: يفعلونه ويختلقونه، ويقال: قد فرى الرجل يفري إذا عمل، وإذا قطع زمن هذا: فريت جلده. فتأويله أن هذا القول أعني تزكيتهم أنفسهم فرية منهم" (٧). قال ابن عطية: " يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل والكذب، ويقوي أن التزكية كانت بقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: ١٨] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن" (٨). قال ابن كثير: " أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا، في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] " (٩). قال الطبري: أي: " انظر، يا محمد، كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب القائلون: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم الكذبَ والزور من القول، فيختلقونه على الله" (١٠). أخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة: "قال النضر -وهو من بني عبد الدار-: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى فأنزل الله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ " (١١). قوله تعلى: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠]، " أي: وكفى بهذا الافتراء وزراً بيناً وجرماً عظيماً" (١٢). قال ابن كثير: " أي: وكفى بصنعهم هذا كذبا وافتراء ظاهرا" (١٣). قال الزمخشري: " وكفى بزعمهم هذا إثما مبينا من بين سائر آثامهم" (١٤). قال الزجاج: " أي كفى هو إثما. منصوب على التمييز، أي كفى به في الآثام" (١٥).

стр. 2870

قال ابن عطية: " والخبر في قوله: يفترون وكفى به إثما مبينا خبر في مضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب، وأن يكتفى لهم بهذا الكذب إثما ولا يطلب لهم غيره، إذ هو موبق ومهلك" (١). الفوائد: ١ - أن القرآن يحذر من تزكية النفس، بمعنى مدحها والثناء عليها، ولا يظنّ أنه كامل، وأنّه من الأخيار، بل دائماً الإنسان يتّهم نفسَه بالتقصير في حقّ الله تعالى. ٢ - أن تزكية النفس لا تتفق مع أدب المؤمن الذي ينبغي أن يكون دوما في مقام بين الخوف والرجاء، الخوف من أن لا يقبل عمله أو لا يختم له بالصالحات، والرجاء في القبول وحسن الخاتمة (٢). ٣ - أن هناك نوعان من التزكيةٌ (٣): أحدهما: التزكية المنهيّ عنها، وهي: الإعجاب والمدح للنفس. والآخر: التزكية المأمور بها، وهي: الإصلاح والتوبة والعمل الصالح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ ٤ - لقد تعمّقت خصلة الكذب في اليهود وباءوا بأدنى مراتبها، وأبعدها فساداً وهو الكذب على الله الذي لا يخفى عليه خافية. ٥ - أن تزكية النفس لدى أهل الكتاب من أعظم الافتراء على الله، لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقا وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا. وهذا أعظم الكذب (٤). ٦ - جعل تزكيتهم لأنفسهم إثماً مبيناً لأن حقيقة النفس وما فيها من خير وما يختم لها به لا يعلمه إلا الله، فلما تجرءوا وزكوا أنفسهم جعل الله ذلك من الكذب عليه سبحانه، وهكذا هنا الذي يدعي بأن العمل الفلاني جزاءه الجنة أو مغفرة الذنوب، أو أن العمل الفلاني فيه كذا أو كذا من الأجر من دون علم به عن طريق الوحي، فهو من المفترين على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً! (٥). ٧ - إن في قوله: ﴿وكفى به إثماً مبيناً﴾ من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى، أي: كفى بالافتراء وحده وبالأولى إذا انضم إلى التزكية، والتنكير في إثماً للتشديد (٦). ٨ - أن الآية جاءت بعد التنديد باليهود لتزكيتهم أنفسهم بليغة المدى حيث انطوى فيها تكذيب لزعمهم أنهم أحباء الله وأصفياؤه والحظوة لديه وتزكيتهم لأنفسهم نتيجة لهذا الزعم. وتقرير لكون ذلك منهم افتراء على الله تعالى. ٩ - أن الكذب مطلقاً هو إثم، والكذب المبين: هو الكذب على الله. القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم يصدقون بكل ما يُعبد من دون الله من الأصنام وشياطين الإنس والجن تصديقا يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله، ويقولون للذين كفروا بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ : هؤلاء الكافرون أقْومُ، وأعدلُ طريقًا من أولئك الذين آمنوا؟ في سبب نزول الآيات [٥١ - ٥٢]: أخرج الطبري وابن ابي حاتم (٧)، وغيرهما (٨)، عن ابن عباس قال: "لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصُّنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة وأهل السِّقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال:

стр. 2871

فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر: ٣]، وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، إلى قوله: " ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١) " (٢). وروي عن قتادة (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وعكرمة (٦)، نحو ذلك. وفي السياق نفسه اخرج الطبري عن ابن عباس أيضا: ": كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار، ووَحْوَح بن عامر، وهوذة بن قيس فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوَل، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنزل الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، إلى قوله: ﴿وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾ " (٧). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١]، أي: " ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم" (٨). قال الشوكاني: " قوله: ﴿ألم تر﴾، هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول، وهم اليهود" (٩). قال القاسمي: أي: أعطوا: "علما بالتوراة الداعية إلى التوحيد وترجيح أهله. والكفر بالجبت والطاغوت. ووصفهم بما ذكر، من إيتاء النصيب، لما مر من منافاته لما صدر عنهم من القبائح" (١٠). قال الإمام الشافعي: " أهل كتاب، بدَّلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر ﵎ لنبيه ﷺ من كفرهم - نماذج منها -: وقال اللَّه ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] " (١١). قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، أي: "يصدّقون بكل ما يُعبد من دون الله من الأصنام وشياطين الإنس والجن تصديقا يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، أقوال: أحدها: أنهما صنمان كان المشركون يعبدونهما، وهذا قول عكرمة (١٣). والثاني: أن الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام، وهذا قول ابن عباس (١٤). والثالث: أن الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، وهذا قول عمر (١٥)، ومجاهد (١٦)، والشعبي (١٧). والرابع: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان. قاله ابن زيد (١٨). والخامس: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول سعيد بن جبير (١٩)، ورفيع (٢٠)، وأبو العالية (٢١). والسادس: أن الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول قتادة (٢٢)، والسدي (٢٣). والسابع: ان الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر. وهذا قول محمد بن سيرين (٢٤)، وسعيد بن جبير في رواية أخرى (٢٥). والثامن: أن الجبت: حُيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، وهو قول الضحاك (٢٦)، وابن عباس في رواية أخرى (٢٧). والتاسع: ان الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان. وهذا قول مجاهد في رواية أخرى (٢٨). والعاشر: أن الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت: الشيطان. قاله صاحب الكشاف (٢٩). والحادي عشر: أن ﴿الجبت﴾ و ﴿الطاغوت﴾: اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وهذا قول الطبري (٣٠). قال الطبري: " والصواب من القول في تأويل: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن ﴿الجبت﴾ و ﴿الطاغوت﴾: اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين" (٣١). قال ابن عطية: "فمجموع هذا يقتضي أن بالجبت والطاغوت هو كل ما عبد وأطيع من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك ﵀: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت: هو من لغة الحبشة، وقال قطرب: بالجبت أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما الطاغوت فهو من طغى، أصله طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو وفتح ما قبلها فانقلبت ألفا" (٣٢). قال السعدي: " وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي ﷺ والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله، فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعبادة غير الله، وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت" (٣٣). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]، أي: " ويقولون للذين كفروا بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ : هؤلاء الكافرون أقْومُ، وأعدلُ طريقًا من أولئك الذين آمنوا؟ " (٣٤).

стр. 2872

قال مجاهد: " يهود تقول ذلك، يقولون: قريش أهدى من محمد وأصحابه" (١). قال مقاتل: " ﴿سَبِيلًا﴾، يعنى: طريقا" (٢). قال الشوكاني: " أي: يقول اليهود لكفار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد ﴿سبيلا﴾، أي: أقوم دينا، وأرشد طريقا" (٣). قال الزجاج: " وهذا برهان ودليل على معاندة إليهود لأنهم زعموا إن الذين لم يصدقوا بشيء من الكتب وعبادة الأصنام، أهدى طريقا من الذين يجامعونهم على كثير مما يصدقون به، وهذا عناد بين" (٤). قال الطبري: أي: " ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد ﷺ : هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر أقوم وأعدل من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ طريقًا، وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلام: أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك" (٥). قال السعدي: " حملهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله -عبدة الأصنام- على طريق المؤمنين فقال: ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ أي: لأجلهم تملقا لهم ومداهنة، وبغضا للإيمان: ﴿هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟ . هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء، أو يدخل عقل أحد من الجهلاء، فهل يفضل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع" (٦). الفوائد: ١ - من صفات اليهود: الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين. ٢ - إيمان اليهود ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله. ٣ - أن التصديق بالتكهن من الإيمان بالجبت والطاغوت. ٤ - أن صناعة التنجيم، التي مضمونها الإحكام والتأثير، -وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمزيج بين القرى الفلكية والغوائل الأرضية -: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، قال تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [طه: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ [النساء: ٥١] (٧). القرآن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥٢] التفسير: أولئك الذين كَثُرَ فسادهم وعمَّ ضلالهم، طردهم الله تعالى من رحمته، ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب. سبب نزول الآية: أخرج ابن ابي حاتم عن قتادة: " قتادة قال: ذكر لنا هذه الآية، نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير، لقيا قريشا بالموسم، فقال لهم المشركون: نحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ " (٨). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢]، أي: "أولئك طردهم الله وأبعدهم عن رحمته" (٩). قال الزجاج: " أي الذين باعدهم من رحمته" (١٠). قال السعدي: " أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته" (١١). قال السمرقندي: " أي خذلهم وطردهم الله من رحمته، ويقال: عذبهم الله بالجزية" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢]، أي: " ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب" (١٣). قال البيضاوي: " ﴿نَصِيرًا﴾، يمنع العذاب منه بشفاعة أو غيرها" (١٤). قال السعدي: " أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان" (١٥). قال القاسمي: " أي: ومن يبعده الله عن رحمته، فلن تجد له نصيرا يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويالا بشفاعة ولا بغيرها" (١٦). قال الزجاج: " أي من يباعد الله من رحمته فهو مخذول في دعواه وحجته ومغلوب، واليهود خاصة أبين خذلانا في أنهم غلبوا من بين جميع سائر أهل الأديان، لأنهم كانوا أكثر عنادا، وأنهم كتموا الحق وهم يعلمونه" (١٧). قال الرازي: " فبين أن عليهم اللعن من الله، وهو الخذلان والإبعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى، وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول ﷺ بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]. واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد ﷺ يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال" (١٨). الفوائد: ١ - أن غلبة الهوى على اليهود وتعصبهم الأعمى أدت إلى أن يحالفوا الكفار ويمالئوهم في القول والعمل، فيسجدوا لأصنامهم، ويزكوا أفعالهم، ويقولوا إن طريقهم هو طريق الهداية، وطريق أهل التوحيد لَا هداية فيه! بسبب هذا لعنهم الله تعالى بأن طردهم من رحمته، فكتب عليهم بُغض الناس في الدنيا، والذل والمقت فيها، وعذاب الله تعالى في الآخرة. ٢ - أن الحكم الذي أصدروه اليهود، حكم مبنىّ على الزور والبهتان، فأشار الله إليهم، بهذا الحكم القائم على العدل والردع، لهذا الجرم الذي اقترفوه، وهذا الضلال الذي غرقوا فيه، وأغرقوا غيرهم معه، فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾، واللعنة دائما حيث كانت، فهى لليهود، وعلى اليهود. القرآن

стр. 2873

﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣] التفسير: بل ألهم حظ من الملك، ولو أوتوه لما أعطوا أحدًا منه شيئًا، ولو كان مقدار النقرة التي تكون في ظهر النَّواة؟ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]، "أي: أم لهم حظٌ من الملك؟ " (١). قال ابن جريج: " فليس لهم نصيب من الملك" (٢). قال الطبري: أي: " أم لهم حظ من الملك، يقول: ليس لهم حظ من الملك" (٣). قال الثعلبي: " وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء" (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرً﴾ [النساء: ٥٣]، " أي: لو كان لهم نصيب من الملك، فإِذا لا يؤتون أحداً مقدار نقير، لفرط بخلهم" (٥). قال مقاتل: " يعني لا يعطون الناس من بخلهم وحسدهم وقلة خيرهم نقيرا يعني بالنقير النقرة التي في ظهر النواة التي ينبت منها النخلة" (٦). قال الثعلبي: أي: " ولو كان لهم من الملك فإذا لا يؤتون الناس محمدا وأصحابه نقيرا من حسدهم وبخلهم وبغضهم" (٧). قال السمعاني: " وصفهم بشدة البخل، وهذا على طريق ضرب المثل؛ إذ من اليهود من يؤتي المال، والنقير: اسم تلك النقطة على ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة" (٨). قال الزجاج: " قال بعضهم: إنما معناه أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيرا، وذكر «النقير» ههنا تمثيل، المعنى لضنوا بالقليل" (٩). قال مجاهد: " ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرا" (١٠). قال ابن جريج: " ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرًا، من بُخْلهم" (١١). قال السدي: " يقول: لو كان لهم نصيب من الملك، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا" (١٢). وفي النقير ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الذي يكون في ظهر النواة، وهذا قول ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤)، وعطاء (١٥)، والضحاك (١٦)، وأبي مالك (١٧). والثاني: أنه الذي يكون في وسط النواة، وهو قول مجاهد (١٨)، والضحاك في قوله الآخر (١٩). والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرفِ إبهامه، وهو رواية أبي العالية عن ابن عباس (٢٠). والراجح-والله أعلم- أن "الله وصف هؤلاء الفرْقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكًا وأهلَ قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى

стр. 2874

بمعنى " النقير "، أن يكون أصغرَ ما يكون من النُّقر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النُّقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شَاكلها من النُّقر" (١). وفي الآية ثلاثة اقوال (٢): أحدها: أنه: استفهام بمعنى الإنكار والنفي، يعنى: ليس لهم نصيب من الملك؛ إذ لو كان الملك لهم، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، من بخلهم، وقلة خيرهم. والثاني: أن المعنى: ليس لهم نصيب من الملك فكيف يؤتون الناس شيئا؟ ! إنما الملك لله هو الذي يؤتى الملك من يشاء؛ كقوله - تعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. والثالث: إنه بمعنى الإثبات، يعني: لهم نصيب من الملك من الشرف والأموال والرياسة فيما بينهم، لكن ألا يأتون الناس، نقيرا، فكيف يتبعونهم؟ ! . وفي قراءة عبد الله: ﴿فإذا لا يؤتوا الناس﴾، بالنصب (٣). الفوائد: ١ - أن الله وحده هو المالك للملك الذي يهب ما يشاء لمن يشاء. ٢ - أنكر الله على اليهود دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحداً أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نواة. ٣ - ذم اليهود بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل، وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد. القرآن ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤] التفسير: بل أيحسدون محمدًا ﷺ على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ فقد أعطينا ذرية إبراهيم ﵇ -من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا. سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قوله أعطي نبي الله ﷺ بضع سبعين شابا، فحسدته اليهود، فقال الله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" (٤). وفي السياق نفسه أخرج الطبري (٥)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: " وذلك أن أهل الكتاب قالوا: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في س همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا؟ ! فقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ " (٦). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن عطية والضحاك (٧)، وسعيد بن جبير والسدي (٨) نحو ذلك" (٩). قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] أي: " بل أيحسدون محمدًا ﷺ على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ " (١٠). قال أبو عبيدة، وابن قتيبة: " ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾، معناها: أيحسدون الناس" (١١). قال الزمخشري: أي: " بل أيحسدون رسول الله ﷺ والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه. وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم" (١٢). وفي الناس الذين عناهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم العرب، وهو قول قتادة (١٣). والثاني: أنه النبي محمد ﷺ خاصة، وهو قول ابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والضحاك (١٦)، والسدي (١٧)، وأبي مالك (١٨)، وعكرمة (١٩)، ومقاتل (٢٠). والثالث: أنهم النبي ﷺ وأصحابه، قاله عكرمة في رواية اخرى (٢١)، وهو قول بعض المتأخرين (٢٢). والتفسير الأشبه بالصواب-والله اعلم-، أن يقال: " أتحسدون محمدًا وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله، وذلك لأن ما قبل قوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا: ﴿هؤلاء أهدىَ من الذين آمنوا سبيلا﴾، فإلحاق قوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾، بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبهُ وأولى، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك" (٢٣). قال الفراء: " هذه اليهود حسدت النبي ﷺ كثرة النساء، فقالوا: هذا يزعم أنه نبى وليس له هم إلا النساء، فأنزل الله ﵎: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾، وفي آل إبراهيم سليمان بن داود، وكان له تسعمائة امرأة، ولداود مائة امرأة " (٢٤). قال أبو هلال العسكري: " أصل الناس: أناس أسكنت الهمزة منه فأدغمت اللام، كما قيل: لكنا، وقيل: الناس لغة مفردة، والأناس لغة أخرى، ولو كان أصله أناسا لقيل في التصغير أنيس، وإنما يقال: نويس وتجمع أناس على أناسي، وقيل: أناسي جمع، إنسي واشتقاقه من الأنس، خلاف الوحشية، لأن بعضهم يأنس ببعض، والناس جماعة لا واحد لها من لفظها، وواحدها إنسان على المعنى" (٢٥). وفي الفضل المحسود عليه قولان: أحدهما: أنه النبوة، إذ حسدوا العرب على أن كانت فيهم، وهو قول الحسن (٢٦)، وقتادة (٢٧)، وابن جريج (٢٨). والثاني: أنه إباحته للنبي ﷺ نكاح من شاء من النساء من غير عدد، وهو قول ابن عباس (٢٩)، والضحاك (٣٠)، والسدي (٣١)، وعطية (٣٢)، وسعيد بن جبير (٣٣).

стр. 2875

والراجح-والله أعلم- أن «الفضل» في هذا الموضع هو " النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي ﷺ وأصحابه رحمة الله عليهم، (٢) على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح" (١). قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، أي: " فقد أعطينا ذرية إبراهيم ﵇ -من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا" (٢). قال الزمخشري: قوله" ﴿فقد آتينا﴾، إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد ﷺ ، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه" (٣). وفي ﴿الْكِتَابَ﴾ [النساء: ٥٤]، وجهان: أحدها: أنه الخط والقلم. قاله ابن عباس (٤)، وروي عن عطاء (٥)، ويحيى بن أبي كثير (٦)، ومقاتل بن حيان (٧) نحو ذلك. والثاني: أنه القرآن. وهذا قول الحسن (٨)، وأبي مالك (٩). وفي ﴿َالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤]، وجوه: أحدها: انها السنة. قاله الحسن (١٠)، وأبو مالك (١١)، وقتادة (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣)، ويحيى بن ابي كثير (١٤). والثاني: انها النبوة. قاله السدي (١٥). والثالث: أن الحكمة: العقل في الدين. قاله زيد بن أسلم عن أبيه (١٦). وفي قوله: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، أربعة أقاويل: أحدها: أنه ملك سليمان بن داود، وهو قول ابن عباس (١٧)، وعطية (١٨). والثاني: النبوة، وهو قول مجاهد (١٩). والثالث: ما أُيِّدُوا به من الملائكة والجنود، وهو قول همام بن الحارث (٢٠). والرابع: من أباحه الله لداود وسليمان من النساء من غير عدد، حتى نكح داود تسعاً وتسعين امرأة، ونكح سليمان مائة امرأة، وهذا قول السدي (٢١). والراجح-والله أعلم- أنه يعني بالملك العظيم: " ملك سليمان، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال إنه ملك النبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن، لأن كلام الله الذي خوطب به العرب، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك، يجبُ التسليم لها" (٢٢). قال السمعاني: " أراد بـ ﴿آل إبراهيم﴾: داود، وسليمان، و ﴿الكتاب﴾: هو الكتاب الذي أنزل عليهم، وأما ﴿الحكمة﴾: قيل: هي النبوة، وقيل هي السنة، ومعنى الآية: أنهم إن حسدوا الرسول بما أوتى من الفضل، فليحسدوا آل إبراهيم؛ فإنهم قد أوتوا الكتاب والحكمة ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾، واختلفوا في الملك العظيم: فمن فسر الفضل بتحليل الزوجات، فسر الملك العظيم به أيضا، وقد كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة، وقيل: كان لسليمان سبعمائة امرأة، وثلثمائة سرية، وقيل: أعطى نبينا صلوات الله عليه قوة سبعين شابا في المباضعة " (٢٣). الفوائد: ١ - ذم اليهود على حسدهم المسلمين، وأن الحسد من صفاتهم وأخلاقهم. ٢ - أن الإيمانُ بالقدَر يقضي على كثيرٍ من الأمراض التي تعصفُ بالمجتمعات، وتزرعُ الأحقادَ بين المؤمنين، وذلك مثلُ رذيلةِ الحسَدِ، فالمؤمنُ لا يحسدُ الناس على ما آتاهم اللهُ من فضله؛ لأنه هو الذي رزقَهم وقدَّر لهم ذلك، وهو يعلم أنه حين يحسدُ غيره إنما يعترضُ على المقدورِ، قال تعالى عن اليهود: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ .. ﴾. ٣ - أن الحسد مذموم، والحاسد غير الغائظ، لأن الحاسد من لا يحب الخير لغيره، ويتمنى زواله عنه. والغائظ من يتمنى أن يكون له من الخير مثل ما لغيره. ولهذا جاز أن يقال في الدعاء للنبي ﷺ : "اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون" (٢٤)، فإن المعنى: ابعثه مقامًا يتمنى كل واحد من الأولين والآخرين إن كان له مثله. ولو كان ذلك كالحسد ما جاز بهذا القول ولا حسن، وإنما كان الحسد مذمومًا، لأن الحسد يعد إحسان الله تعالى إلى أخيه المسلم إساءة إليه، وهذا جهل منه. لأن الإحسان الواقع لمكان أخيه لا يضره شيئًا. فإنما عند الله تعالى ليس بنقص من ذلك فيخشى أن لا يناله منه بعد ما نال غيره نصيب، لكن ما عند الله واسع. وذا كان ذلك كذلك، فالأولى به أن يفرح بما يراه من آثار نعمة الله عند أخيه المسلم، ويشكره ويحمد عليه ويسأله أن يؤتيه مثله. فأما الاعتماد بما أكرم أخاه فليس له في المعتقد وجه (٢٥). القرآن ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٥] التفسير: فمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد ﷺ ، وعمل بشرعه، ومنهم مَن أعرض ولم يستجب لدعوته، ومنع الناس من اتباعه. وحسبكم -أيها المكذبون- نار جهنم تسعَّر بكم. قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: ٥٥]، أي: " فمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد ﷺ ، وعمل بشرعه " (٢٦). قال مقاتل: " يقول: صدق بالكتاب الذي جاء به" (٢٧). قال ابن كثير: " أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام" (٢٨). وفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: ٥٥]، وجهان: أحدهما: أي: من اليهود، منهم من آمن بما أنزل على النبي محمد- ﷺ . وهذا قول مجاهد (٢٩).
следующие страницы →