← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر: ٣]، وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، إلى قوله: " ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١) " (٢). وروي عن قتادة (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وعكرمة (٦)، نحو ذلك. وفي السياق نفسه اخرج الطبري عن ابن عباس أيضا: ": كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار، ووَحْوَح بن عامر، وهوذة بن قيس فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوَل، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنزل الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، إلى قوله: ﴿وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾ " (٧). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١]، أي: " ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم" (٨). قال الشوكاني: " قوله: ﴿ألم تر﴾، هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول، وهم اليهود" (٩). قال القاسمي: أي: أعطوا: "علما بالتوراة الداعية إلى التوحيد وترجيح أهله. والكفر بالجبت والطاغوت. ووصفهم بما ذكر، من إيتاء النصيب، لما مر من منافاته لما صدر عنهم من القبائح" (١٠). قال الإمام الشافعي: " أهل كتاب، بدَّلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر ﵎ لنبيه ﷺ من كفرهم - نماذج منها -: وقال اللَّه ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] " (١١). قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، أي: "يصدّقون بكل ما يُعبد من دون الله من الأصنام وشياطين الإنس والجن تصديقا يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، أقوال: أحدها: أنهما صنمان كان المشركون يعبدونهما، وهذا قول عكرمة (١٣). والثاني: أن الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام، وهذا قول ابن عباس (١٤). والثالث: أن الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، وهذا قول عمر (١٥)، ومجاهد (١٦)، والشعبي (١٧). والرابع: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان. قاله ابن زيد (١٨). والخامس: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول سعيد بن جبير (١٩)، ورفيع (٢٠)، وأبو العالية (٢١). والسادس: أن الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول قتادة (٢٢)، والسدي (٢٣). والسابع: ان الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر. وهذا قول محمد بن سيرين (٢٤)، وسعيد بن جبير في رواية أخرى (٢٥). والثامن: أن الجبت: حُيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، وهو قول الضحاك (٢٦)، وابن عباس في رواية أخرى (٢٧). والتاسع: ان الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان. وهذا قول مجاهد في رواية أخرى (٢٨). والعاشر: أن الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت: الشيطان. قاله صاحب الكشاف (٢٩). والحادي عشر: أن ﴿الجبت﴾ و ﴿الطاغوت﴾: اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وهذا قول الطبري (٣٠). قال الطبري: " والصواب من القول في تأويل: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن ﴿الجبت﴾ و ﴿الطاغوت﴾: اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين" (٣١). قال ابن عطية: "فمجموع هذا يقتضي أن بالجبت والطاغوت هو كل ما عبد وأطيع من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك ﵀: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت: هو من لغة الحبشة، وقال قطرب: بالجبت أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما الطاغوت فهو من طغى، أصله طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو وفتح ما قبلها فانقلبت ألفا" (٣٢). قال السعدي: " وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي ﷺ والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله، فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعبادة غير الله، وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت" (٣٣). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]، أي: " ويقولون للذين كفروا بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ : هؤلاء الكافرون أقْومُ، وأعدلُ طريقًا من أولئك الذين آمنوا؟ " (٣٤).

стр. 2872

قال مجاهد: " يهود تقول ذلك، يقولون: قريش أهدى من محمد وأصحابه" (١). قال مقاتل: " ﴿سَبِيلًا﴾، يعنى: طريقا" (٢). قال الشوكاني: " أي: يقول اليهود لكفار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد ﴿سبيلا﴾، أي: أقوم دينا، وأرشد طريقا" (٣). قال الزجاج: " وهذا برهان ودليل على معاندة إليهود لأنهم زعموا إن الذين لم يصدقوا بشيء من الكتب وعبادة الأصنام، أهدى طريقا من الذين يجامعونهم على كثير مما يصدقون به، وهذا عناد بين" (٤). قال الطبري: أي: " ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد ﷺ : هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر أقوم وأعدل من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ طريقًا، وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلام: أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك" (٥). قال السعدي: " حملهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله -عبدة الأصنام- على طريق المؤمنين فقال: ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ أي: لأجلهم تملقا لهم ومداهنة، وبغضا للإيمان: ﴿هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟ . هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء، أو يدخل عقل أحد من الجهلاء، فهل يفضل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع" (٦). الفوائد: ١ - من صفات اليهود: الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين. ٢ - إيمان اليهود ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله. ٣ - أن التصديق بالتكهن من الإيمان بالجبت والطاغوت. ٤ - أن صناعة التنجيم، التي مضمونها الإحكام والتأثير، -وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمزيج بين القرى الفلكية والغوائل الأرضية -: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، قال تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [طه: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ [النساء: ٥١] (٧). القرآن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥٢] التفسير: أولئك الذين كَثُرَ فسادهم وعمَّ ضلالهم، طردهم الله تعالى من رحمته، ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب. سبب نزول الآية: أخرج ابن ابي حاتم عن قتادة: " قتادة قال: ذكر لنا هذه الآية، نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير، لقيا قريشا بالموسم، فقال لهم المشركون: نحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ " (٨). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢]، أي: "أولئك طردهم الله وأبعدهم عن رحمته" (٩). قال الزجاج: " أي الذين باعدهم من رحمته" (١٠). قال السعدي: " أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته" (١١). قال السمرقندي: " أي خذلهم وطردهم الله من رحمته، ويقال: عذبهم الله بالجزية" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢]، أي: " ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب" (١٣). قال البيضاوي: " ﴿نَصِيرًا﴾، يمنع العذاب منه بشفاعة أو غيرها" (١٤). قال السعدي: " أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان" (١٥). قال القاسمي: " أي: ومن يبعده الله عن رحمته، فلن تجد له نصيرا يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويالا بشفاعة ولا بغيرها" (١٦). قال الزجاج: " أي من يباعد الله من رحمته فهو مخذول في دعواه وحجته ومغلوب، واليهود خاصة أبين خذلانا في أنهم غلبوا من بين جميع سائر أهل الأديان، لأنهم كانوا أكثر عنادا، وأنهم كتموا الحق وهم يعلمونه" (١٧). قال الرازي: " فبين أن عليهم اللعن من الله، وهو الخذلان والإبعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى، وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول ﷺ بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]. واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد ﷺ يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال" (١٨). الفوائد: ١ - أن غلبة الهوى على اليهود وتعصبهم الأعمى أدت إلى أن يحالفوا الكفار ويمالئوهم في القول والعمل، فيسجدوا لأصنامهم، ويزكوا أفعالهم، ويقولوا إن طريقهم هو طريق الهداية، وطريق أهل التوحيد لَا هداية فيه! بسبب هذا لعنهم الله تعالى بأن طردهم من رحمته، فكتب عليهم بُغض الناس في الدنيا، والذل والمقت فيها، وعذاب الله تعالى في الآخرة. ٢ - أن الحكم الذي أصدروه اليهود، حكم مبنىّ على الزور والبهتان، فأشار الله إليهم، بهذا الحكم القائم على العدل والردع، لهذا الجرم الذي اقترفوه، وهذا الضلال الذي غرقوا فيه، وأغرقوا غيرهم معه، فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾، واللعنة دائما حيث كانت، فهى لليهود، وعلى اليهود. القرآن

стр. 2873

﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣] التفسير: بل ألهم حظ من الملك، ولو أوتوه لما أعطوا أحدًا منه شيئًا، ولو كان مقدار النقرة التي تكون في ظهر النَّواة؟ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]، "أي: أم لهم حظٌ من الملك؟ " (١). قال ابن جريج: " فليس لهم نصيب من الملك" (٢). قال الطبري: أي: " أم لهم حظ من الملك، يقول: ليس لهم حظ من الملك" (٣). قال الثعلبي: " وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء" (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرً﴾ [النساء: ٥٣]، " أي: لو كان لهم نصيب من الملك، فإِذا لا يؤتون أحداً مقدار نقير، لفرط بخلهم" (٥). قال مقاتل: " يعني لا يعطون الناس من بخلهم وحسدهم وقلة خيرهم نقيرا يعني بالنقير النقرة التي في ظهر النواة التي ينبت منها النخلة" (٦). قال الثعلبي: أي: " ولو كان لهم من الملك فإذا لا يؤتون الناس محمدا وأصحابه نقيرا من حسدهم وبخلهم وبغضهم" (٧). قال السمعاني: " وصفهم بشدة البخل، وهذا على طريق ضرب المثل؛ إذ من اليهود من يؤتي المال، والنقير: اسم تلك النقطة على ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة" (٨). قال الزجاج: " قال بعضهم: إنما معناه أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيرا، وذكر «النقير» ههنا تمثيل، المعنى لضنوا بالقليل" (٩). قال مجاهد: " ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرا" (١٠). قال ابن جريج: " ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرًا، من بُخْلهم" (١١). قال السدي: " يقول: لو كان لهم نصيب من الملك، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا" (١٢). وفي النقير ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الذي يكون في ظهر النواة، وهذا قول ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤)، وعطاء (١٥)، والضحاك (١٦)، وأبي مالك (١٧). والثاني: أنه الذي يكون في وسط النواة، وهو قول مجاهد (١٨)، والضحاك في قوله الآخر (١٩). والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرفِ إبهامه، وهو رواية أبي العالية عن ابن عباس (٢٠). والراجح-والله أعلم- أن "الله وصف هؤلاء الفرْقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكًا وأهلَ قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى

стр. 2874

بمعنى " النقير "، أن يكون أصغرَ ما يكون من النُّقر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النُّقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شَاكلها من النُّقر" (١). وفي الآية ثلاثة اقوال (٢): أحدها: أنه: استفهام بمعنى الإنكار والنفي، يعنى: ليس لهم نصيب من الملك؛ إذ لو كان الملك لهم، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، من بخلهم، وقلة خيرهم. والثاني: أن المعنى: ليس لهم نصيب من الملك فكيف يؤتون الناس شيئا؟ ! إنما الملك لله هو الذي يؤتى الملك من يشاء؛ كقوله - تعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. والثالث: إنه بمعنى الإثبات، يعني: لهم نصيب من الملك من الشرف والأموال والرياسة فيما بينهم، لكن ألا يأتون الناس، نقيرا، فكيف يتبعونهم؟ ! . وفي قراءة عبد الله: ﴿فإذا لا يؤتوا الناس﴾، بالنصب (٣). الفوائد: ١ - أن الله وحده هو المالك للملك الذي يهب ما يشاء لمن يشاء. ٢ - أنكر الله على اليهود دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحداً أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نواة. ٣ - ذم اليهود بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل، وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد. القرآن ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤] التفسير: بل أيحسدون محمدًا ﷺ على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ فقد أعطينا ذرية إبراهيم ﵇ -من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا. سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قوله أعطي نبي الله ﷺ بضع سبعين شابا، فحسدته اليهود، فقال الله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" (٤). وفي السياق نفسه أخرج الطبري (٥)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: " وذلك أن أهل الكتاب قالوا: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في س همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا؟ ! فقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ " (٦). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن عطية والضحاك (٧)، وسعيد بن جبير والسدي (٨) نحو ذلك" (٩). قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] أي: " بل أيحسدون محمدًا ﷺ على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ " (١٠). قال أبو عبيدة، وابن قتيبة: " ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾، معناها: أيحسدون الناس" (١١). قال الزمخشري: أي: " بل أيحسدون رسول الله ﷺ والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه. وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم" (١٢). وفي الناس الذين عناهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم العرب، وهو قول قتادة (١٣). والثاني: أنه النبي محمد ﷺ خاصة، وهو قول ابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والضحاك (١٦)، والسدي (١٧)، وأبي مالك (١٨)، وعكرمة (١٩)، ومقاتل (٢٠). والثالث: أنهم النبي ﷺ وأصحابه، قاله عكرمة في رواية اخرى (٢١)، وهو قول بعض المتأخرين (٢٢). والتفسير الأشبه بالصواب-والله اعلم-، أن يقال: " أتحسدون محمدًا وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله، وذلك لأن ما قبل قوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا: ﴿هؤلاء أهدىَ من الذين آمنوا سبيلا﴾، فإلحاق قوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾، بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبهُ وأولى، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك" (٢٣). قال الفراء: " هذه اليهود حسدت النبي ﷺ كثرة النساء، فقالوا: هذا يزعم أنه نبى وليس له هم إلا النساء، فأنزل الله ﵎: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾، وفي آل إبراهيم سليمان بن داود، وكان له تسعمائة امرأة، ولداود مائة امرأة " (٢٤). قال أبو هلال العسكري: " أصل الناس: أناس أسكنت الهمزة منه فأدغمت اللام، كما قيل: لكنا، وقيل: الناس لغة مفردة، والأناس لغة أخرى، ولو كان أصله أناسا لقيل في التصغير أنيس، وإنما يقال: نويس وتجمع أناس على أناسي، وقيل: أناسي جمع، إنسي واشتقاقه من الأنس، خلاف الوحشية، لأن بعضهم يأنس ببعض، والناس جماعة لا واحد لها من لفظها، وواحدها إنسان على المعنى" (٢٥). وفي الفضل المحسود عليه قولان: أحدهما: أنه النبوة، إذ حسدوا العرب على أن كانت فيهم، وهو قول الحسن (٢٦)، وقتادة (٢٧)، وابن جريج (٢٨). والثاني: أنه إباحته للنبي ﷺ نكاح من شاء من النساء من غير عدد، وهو قول ابن عباس (٢٩)، والضحاك (٣٠)، والسدي (٣١)، وعطية (٣٢)، وسعيد بن جبير (٣٣).

стр. 2875

والراجح-والله أعلم- أن «الفضل» في هذا الموضع هو " النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي ﷺ وأصحابه رحمة الله عليهم، (٢) على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح" (١). قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، أي: " فقد أعطينا ذرية إبراهيم ﵇ -من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا" (٢). قال الزمخشري: قوله" ﴿فقد آتينا﴾، إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد ﷺ ، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه" (٣). وفي ﴿الْكِتَابَ﴾ [النساء: ٥٤]، وجهان: أحدها: أنه الخط والقلم. قاله ابن عباس (٤)، وروي عن عطاء (٥)، ويحيى بن أبي كثير (٦)، ومقاتل بن حيان (٧) نحو ذلك. والثاني: أنه القرآن. وهذا قول الحسن (٨)، وأبي مالك (٩). وفي ﴿َالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤]، وجوه: أحدها: انها السنة. قاله الحسن (١٠)، وأبو مالك (١١)، وقتادة (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣)، ويحيى بن ابي كثير (١٤). والثاني: انها النبوة. قاله السدي (١٥). والثالث: أن الحكمة: العقل في الدين. قاله زيد بن أسلم عن أبيه (١٦). وفي قوله: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، أربعة أقاويل: أحدها: أنه ملك سليمان بن داود، وهو قول ابن عباس (١٧)، وعطية (١٨). والثاني: النبوة، وهو قول مجاهد (١٩). والثالث: ما أُيِّدُوا به من الملائكة والجنود، وهو قول همام بن الحارث (٢٠). والرابع: من أباحه الله لداود وسليمان من النساء من غير عدد، حتى نكح داود تسعاً وتسعين امرأة، ونكح سليمان مائة امرأة، وهذا قول السدي (٢١). والراجح-والله أعلم- أنه يعني بالملك العظيم: " ملك سليمان، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال إنه ملك النبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن، لأن كلام الله الذي خوطب به العرب، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك، يجبُ التسليم لها" (٢٢). قال السمعاني: " أراد بـ ﴿آل إبراهيم﴾: داود، وسليمان، و ﴿الكتاب﴾: هو الكتاب الذي أنزل عليهم، وأما ﴿الحكمة﴾: قيل: هي النبوة، وقيل هي السنة، ومعنى الآية: أنهم إن حسدوا الرسول بما أوتى من الفضل، فليحسدوا آل إبراهيم؛ فإنهم قد أوتوا الكتاب والحكمة ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾، واختلفوا في الملك العظيم: فمن فسر الفضل بتحليل الزوجات، فسر الملك العظيم به أيضا، وقد كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة، وقيل: كان لسليمان سبعمائة امرأة، وثلثمائة سرية، وقيل: أعطى نبينا صلوات الله عليه قوة سبعين شابا في المباضعة " (٢٣). الفوائد: ١ - ذم اليهود على حسدهم المسلمين، وأن الحسد من صفاتهم وأخلاقهم. ٢ - أن الإيمانُ بالقدَر يقضي على كثيرٍ من الأمراض التي تعصفُ بالمجتمعات، وتزرعُ الأحقادَ بين المؤمنين، وذلك مثلُ رذيلةِ الحسَدِ، فالمؤمنُ لا يحسدُ الناس على ما آتاهم اللهُ من فضله؛ لأنه هو الذي رزقَهم وقدَّر لهم ذلك، وهو يعلم أنه حين يحسدُ غيره إنما يعترضُ على المقدورِ، قال تعالى عن اليهود: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ .. ﴾. ٣ - أن الحسد مذموم، والحاسد غير الغائظ، لأن الحاسد من لا يحب الخير لغيره، ويتمنى زواله عنه. والغائظ من يتمنى أن يكون له من الخير مثل ما لغيره. ولهذا جاز أن يقال في الدعاء للنبي ﷺ : "اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون" (٢٤)، فإن المعنى: ابعثه مقامًا يتمنى كل واحد من الأولين والآخرين إن كان له مثله. ولو كان ذلك كالحسد ما جاز بهذا القول ولا حسن، وإنما كان الحسد مذمومًا، لأن الحسد يعد إحسان الله تعالى إلى أخيه المسلم إساءة إليه، وهذا جهل منه. لأن الإحسان الواقع لمكان أخيه لا يضره شيئًا. فإنما عند الله تعالى ليس بنقص من ذلك فيخشى أن لا يناله منه بعد ما نال غيره نصيب، لكن ما عند الله واسع. وذا كان ذلك كذلك، فالأولى به أن يفرح بما يراه من آثار نعمة الله عند أخيه المسلم، ويشكره ويحمد عليه ويسأله أن يؤتيه مثله. فأما الاعتماد بما أكرم أخاه فليس له في المعتقد وجه (٢٥). القرآن ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٥] التفسير: فمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد ﷺ ، وعمل بشرعه، ومنهم مَن أعرض ولم يستجب لدعوته، ومنع الناس من اتباعه. وحسبكم -أيها المكذبون- نار جهنم تسعَّر بكم. قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: ٥٥]، أي: " فمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد ﷺ ، وعمل بشرعه " (٢٦). قال مقاتل: " يقول: صدق بالكتاب الذي جاء به" (٢٧). قال ابن كثير: " أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام" (٢٨). وفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: ٥٥]، وجهان: أحدهما: أي: من اليهود، منهم من آمن بما أنزل على النبي محمد- ﷺ . وهذا قول مجاهد (٢٩).

стр. 2876

والثاني: أن معنى قوله: ﴿فمنهم من آمن به﴾، كان الناس يأتون إبراهيم الخليل ﵇، فيسألونه يعني: الحنطة، فيقول: من قال: لا إله إلا الله، فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال: وأخذ. وهذا قول السدي (١). قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥]، أي: "ومنهم مَن أعرض ولم يستجب لدعوته" (٢). قال مقاتل: " يعني: أعرض عن الإيمان بالكتاب ولم يصدق به" (٣). قال ابن كثير: " أي: كفر به وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ " (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥]، وجهان: أحدهما: معناه: تركه فلم يتبعه. قاله الحسن (٥). والثاني: أنهم الذين أبوا قول لا إله إلا الله، وذلك عند سؤالهم إبراهيم-﵇ الحنطة، فيرجعون. وهذا قول السدي (٦). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥]، أي: "وكفى بالنار المسعّرة عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم" (٧). قال مقاتل: " يقول: وكفى بوقودها وعذابها وقودا لمن كفر بكتاب إبراهيم فلا وقود أحر من جهنم لأهل الكفر" (٨). قال ابن كثير: " أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله" (٩). قال أبو مالك: " ﴿سعيرا﴾، يعني: وقودا" (١٠). وقال سعيد بن جبير: " السعير: وادي من فيح في جهنم" (١١). الفوائد: ١ - بيان تكذيب اليهود للنبي- ﷺ ، على الرغم من أنهم أهل كتاب، ويزعمون أنهم أهل دين وتوحيد. ٢ - أن كفر اليهود بالنبي محمد- ﷺ كان بغيا وحسدا، لأنهم كانوا قبل مبعثه عالمين بقرب مبعثه مجمعين على نبوته، مما عرفوه عنه في كتبهم من البشارة به وبيان أحواله وصفاته، فلما بعث اختلفوا: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾. ٣ - أن اليهود آثروا اتباع الباطل والعمل بما يزينه لهم على اتباع الحق، ولا يزال ذلك دأبهم حتى يرديهم فى دار الشقاء والنكال وهى جهنم وبئس القرار. ٤ - أن النار فهي دار أعدها الله لمن عصاه من الكفرة والمعرضين والمجانبين للصراط المستقيم، وجعل لهم فيها النكال والأغلال والويل والثبور، حتى ينالوا بذلك جزاء كفرهم وإعراضهم (١٢). يقول ابن سعدي في وصف النار وأهلها المستحقين لدخولها: " ..... فهي دار من طغى وبغى وتجبر على الخلق وآثر الحياة الدنيا، دار الشقاء الأبدي والعذاب الشديد السرمدي، دار جمع الله فيها للطاغين أصناف العذاب، وأحل على أهلها السخط والسعير والحجاب، دار اشتد غيظها وزفيرها، وتفاقمت فظاعتها وحمى سعيرها قعرها بعيد وعذابها شديد ولباس أهلها القطران والحديد وطعامهم الغسلين وشرابهم الصديد، ويتجرعه المجرم ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت فيستريح من التنكيد، يتردد أهلها بين الزمهرير والمفرط برده وبين السعير ويلاقون فيها العنا والشقا فيا

стр. 2877

بئس المثوى ويا بئس المصير ويلقى عليهم الجوع الشديد المفظع والعطش العظيم الموجع، فيستغيثون للطعام والشراب، فيغاثون من هذا العذاب بأفظع عذاب، يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب، خبيث الطعم منتن الريح، حره قد تناها، إذا قرب من وجوههم أسقط جلدها ولحمها وشواها، وإذا وقع في بطونهم صهرها وقطع معاها، يغلي طعام الزقوم في بطونهم كغلي الحميم، فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرب الإبل العطاش الهيم، هذا نزلهم فبئس النزل غير الكريم" (١). وقال أيضاً في تعداد صنوف العذاب وألوانه وأنواعه في جهنم: " فتارة يعذبون بالسعير المحرق لظواهرهم وبواطنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها، وتارة بالزمهرير الذي قد بلغ برده أن يهرى اللحوم ويكسر العظام، وتارة بالجوع المفرط والعطش المفظع، وإذا استغاثوا لذلك أغيثوا بعذاب آخر، ولون من الشقاء ينسى ما سبقه فيغاثون بطعام ذي غصة، بشجرة الزقوم التي تخرج في الذي يوقد عليه النار، وإن يستغيثوا للشراب يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، إذا قرب إليها فلا يدعهم العطش مع ذلك أن يتناولها، فإذا وصلت إلى بطونهم قطعت أمعاءهم ولا يزالون في عذاب شديد لا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا يرجون رحمة ولا فرجا ... " (٢). القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦] التفسير: إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه، سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها، كلما احترقت جلودهم بدَّلْناهم جلودًا أخرى; ليستمر عذابهم وألمهم. إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النساء: ٥٦]، أي: " إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه" (٣). قال مقاتل: " يعني: اليهود، ﴿بآياتنا﴾، يعني القرآن" (٤). قال ابن كثير: " يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله" (٥). قال الطبري: أي: " إن الذين جحدوا ما أنزلتُ على رسولي محمد ﷺ ، من آياتي يعني: من آيات تنزيله، ووَحي كتابه، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد ﷺ فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به، [و] هذا وعيد من الله جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار، وبرسوله" (٦). قوله تعالى: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦]، أي: " سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها" (٧). قال ابن كثير: " أي: ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم" (٨). قال الطبري: أي: " سوف ننضجهم في نارٍ يُصلون فيها أي يشوون فيها" (٩). قال الحسن: "قوله: ﴿سَوْفَ﴾، وعيد" (١٠). قال أبو عبيدة: " ﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾، نشويهم بالنار وننضجهم، يقال: أتانا بالحمل مصلي، أي: مشوي، وذكر أن يهودية أهدت إلى النبي ﷺ شاة مصلية: أي: مشوية " (١١). قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦]، " أي: كلما انشوت جلودهم واحترقت احتراقاً تاماً" (١٢).

стр. 2878

قال ابن عمر: " إذا احترقت جلودهم" (١). قال الطبري: أي: " كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت" (٢). قال الواحدي: " يعني: أنَّ جلودهم إذا نضجت" (٣). قال الراغب: " الجلد: قشر البدن، وجمعه جلود، والجلود عبارة عن الأبدان، والقلوب عن النفوس" (٤). قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، " أي: بدلناهم جلوداً غيرها ليدوم لهم ألم العذاب" (٥). قال الواحدي: " يعني: جُدِّدت بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة، ليقاسوا العذاب وينالوه" (٦). قال الطبري: "يعني: غير الجلود التي قد نضجت فانشوت" (٧). وقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾، أي: سرابيلهم، ، قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [سورة إبراهيم: ٥٠]، وذلك لما صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم، فجعلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق، بدلوا سرابيل من قطران آخر. حكاه ابن جرير (٨). قال ابن كثير: "وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر" (٩). قال البيضاوي: أي: " أعدنا تلك الجلود غير محترقة فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق، ﴿لِيَذُوقُوا العذاب﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله أي أدامك على عزك" (١٠). قال مقاتل: " وذلك أن النار إذا أكلت جلودهم بدلت كل يوم سبع مرات على مقدار كل يوم من أيام الدنياـ ﴿ليذوقوا العذاب﴾، عذاب النار جديدا " (١١). قال ابن عمر: " إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودا بيضاء أمثال القراطيس" (١٢). وروي عن ابن عمر قال: "قرأ رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، فقال عمر: أعدها عليّ، فأعادها عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ " (١٣). قال الربيع بن انس: " سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعين ذراعا وسنه تسعين ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها" (١٤). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حسين الجعفي، عن الحسن: " تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، وفي رواية أخرى: " كلما أنضجتهم وأكلت لحومهم، قيل لهم: عودوا، فعادوا" (١٥). وقال يحيى بن يزيد الحضرمي: " يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب" (١٦). وعن زر عبد الله، قال: " إنه تسمع للهوام جلبة بين أطباق جلد الكافر كما تسمع جلبة الوحش في البر " (١٧).

стр. 2879

وعن أبي هريرة، قال: " قال لي عبد الله: أتدري كم عرض جلد الكافر؟ فقلت: لا، قال: هو أربعون ذراعا بذراع الخباز" (١). وقال الضحاك: " تأخذ النار فتأكل جلودهم حتى تكشطها عن اللحم، حتى تفضي النار إلى العظام، ويبدلون جلودا غيرها، فيذيقهم الله شديد العذاب، فذلك دائم لهم أبدا، بتكذيبهم رسول الله ﷺ ، وكفرهم بآيات الله " (٢). وقال ابن أبي زمنين: " قال يحيى: بلغنا أنها تأكل كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد؛ فيصيح الفؤاد فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم؛ فإذا لم تجد شيئا تتعلق به منهم، خبت - أي: سكنت - ثم يعادون خلقا جديدا؛ فتأكلهم كلما أعيد خلقهم" (٣). فإن قيل وكيف يجوز أن يُبدّلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا فيعذبوا فيها؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يُبدَّلوا أجساماً، وأرواحاً، غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت في الدنيا، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غير الذين وعدهم الله في الدنيا على كفرهم بالعذاب بالنار. وقد أجاب أهل العلمِ عنه بثلاثة أجوبة (٤): أحدها: أن ألم العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، فأما الجلد واللحم فلا يألمان فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان عليه وجلدٌ غَيْرُهُ. والجواب الثاني: أنه تُعَادُ تلك الجلود الأولى جديدة غير محترقة. والجواب الثالث: أن الجلود المُعادَةَ إنما هي سرابيلهم من قبل أن جعلت لهم لباساً، فسماها الله جلوداً، وأنكر قائل هذا القول أن تكون الجلود تحترق وتعاد غير محترقة، لأن في حال احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها، وفي فنائها راحتها، وقد أخبر الله تعالى: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، أي: " إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه" (٥). قال الواحدي: أي"قوياً لا يغلبه شيء ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّر" (٦). قال الزمخشري: " ﴿عَزِيزًا﴾، لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، ﴿حَكِيمًا﴾، لا يعذب إلا بعدل من يستحقه" (٧). قال البيضاوي: أي: " غالباً بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، ﴿حَكِيماً﴾ فيما يفعل بالكافرين" (٨). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: " ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، يقول: عزيزا في نقمته إذا انتقم" (٩). وروي عن قتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (١٠). قال محمد بن إسحاق: "العزيز في نصرته ممن كفر إذا شاء" (١١). الفوائد: ١ - أن الآية تناولت صفة النار والترهيب منها وصفة أهلها. ٢ - أن الشرك بالله عبادة غير الله معه، وهو أعظمُ ذنب عُصي الله به، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهو الذنب الذي يُخلَّد صاحبُه في النار أبد الآباد، ولا سبيل له للخروج منها، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.

стр. 2880

القرآن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٧] التفسير: والذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان بالله تعالى والتصديق برسالة رسوله محمد ﷺ ، واستقاموا على الطاعة، سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ينعمون فيها أبدًا ولا يخرجون منها، ولهم فيها أزواج طهرها الله مِن كل أذى، وندخلهم ظلا كثيفًا ممتدًا في الجنة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ٥٧]، أي: و"الذين آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات" (١). قال ابن عباس: "يقول: أدوا فرائضي" (٢). وعنه أيضا: "الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (٣). قال زيد بن أسلم: " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: رسول الله ﷺ وأصحابه" (٤). قوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ٥٧]، "أي: أي: سيدخلهم الله -بفضله- جنات تمر الأنهار من تحت أشجارها" (٥). قال السعدي: " وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة" (٦). قال ابن عثيمين: " وظاهر كلمة ﴿أنهار﴾ أن الماء عذب، وجمع ﴿الأنهار﴾ باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذاً يعتبر هذا البستان كاملاً من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضاً جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك " (٧). قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها" (٨). قال مقاتل: " يعني: البساتين تجري من تحتها الأنهار" (٩). قال الزجاج: " المعنى: تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الجاري على الحقيقة الماء" (١٠). قال مسروق: " أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وثمرتها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، العنقود اثنا عشر ذراعا" (١١). قال ابن كثير: " هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن، التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا وأين أرادوا" (١٢). قال عبد الله: "الجنة سجسج لا حر فيها ولا برد" (١٣). وعنه أيضا: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك" (١٤). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧]، أي: " مقيمين في الجنة لا يموتون" (١٥). قال سعيد بن جبير، ومقاتل: "يعني: لا يموتون" (١٦). وعن ابن عباس: " ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، قال: لا انقطاع" (١٧).

стр. 2881

قال ابن كثير: أي: " وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا" (١). قال سعيد بن جبير: " طول الرجل من أهل الجنة سبعون ميلا، وطول المرأة ثلاثون ميلا، مقعدتها جريب أرض، وإن شهوته لتجري في جسدها مقدار سبعين عاما، يجد اللذة ولو انقلب الرجل من أهل النار كسلسلة لزالت الجبال " (٢). قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [النساء: ٥٧]، " أي: لهم في الجنة زوجات مطهرات من الأقدار والأذى" (٣). قال ابن كثير: " أي: من الحيض والنفاس والأذى. والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة" (٤). قال ابن عباس: " يقول: مطهرة من القذر والأذى" (٥). وقال قتادة: " قيل: مطهرة من الأذى والمآثم" (٦)، وفي رواية اخرى: " لا حيض ولا كلف" (٧). عن مجاهد، في قوله " ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾، من الحيض، والغائط، والبول، والمخاط، والنخام، والبزاق، والمني، والولد " (٨). قال مقاتل: " يعني: النساء، ﴿مطهرة﴾، يعني: المطهرات من الحيض والغائط والبول والقذر كله" (٩). قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، "أي ظلاً دائماً لا تنسخه الشمس ولا حر فيه ولا برد" (١٠). قال ابن كثير: " أي: ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا" (١١). قال مقاتل: " يعني أكنان القصور، ﴿ظليلا﴾، يعني: لا خلل فيها" (١٢). قال الربيع: " وهو ظل العرش الذي لا يزول" (١٣). قال الزجاج: " معنى «ظليل»: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك، أعلم الله أن ظل أهل الجنة ظليل لا حر معه ولا برد، وكذلك قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، لأن ليس كل ظل ممدودا" (١٤). الفوائد: ١ - أخبر الله تعالى عما يؤول إليه أمر الموحدين بأنه سيدخلهم الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم ولا يخلدون في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة والقدرية. وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة. ٢ - إن الله لم يعلق وعد الجنة إلا باسم الإيمان، لم يعلقه باسم الإسلام مع إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل ديناً غيره، ومع هذا فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا .. ﴾ (١٥). ٣ - الإيمان بأن الجنة والنار لا يفنيان. القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]

стр. 2882

التفسير: إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات، التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم، ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه. إن الله تعالى كان سميعًا لأقوالكم، مُطَّلعًا على سائر أعمالكم، بصيرًا بها. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: اخرج الطبري وابن المنذر (١)، عن ابن جريج: " نزلت في عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قَبض منه النبي ﷺ مفاتيح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ وهو يتلو هذه الآية: فداهُ أبي وأمي! ما سمعته يَتلوها قبل ذلك! " (٢). وفي هذا السياق قال الثعلبي: أنها " نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان، فطلب منه علي ﵁ فأجاب: لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى علي بن أبي طالب ﵁ يده، فأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله ﷺ وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله ﷺ عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان، فأوعز إليه ففعل ذلك علي ﵁. فقال له عثمان: يا علي كرهت، وآذيت ثم جئت ترفق، فقال له: بما أنزل الله تعالى في شأنك؟ وقرأ عليه هذه الآية. فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأسلم، فجاء جبرائيل رسول الله ﷺ إنه مادام هذا البيت أول لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وهو اليوم في أيديهم" (٣). والثاني: أخرج الطبري، وابن المنذر (٤)، وابن ابي حاتم (٥)، عن زيد بن أسلم، قال: " نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، في ولاة الأمر" (٦). وروي عن محمد بن كعب (٧)، وشهر بن حوشب (٨)، نحو ذلك. قال الواحدي: " أجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، أي: " يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إِلى أربابها" (١٠). قال الزمخشري: " الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة" (١١). قال الشوكاني: " هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات" (١٢). قال الزجاج: " هذا أمر عام للنبي ﷺ وجميع أمته، ويروى في التفسير أن العباس عم النبي ﷺ سأل النبي ﷺ أن يجعل له السقاية والسدانة وهي الحجبة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال يا رسول الله اردد علي ما أخذت مني يعني مفتاح الكعبة، فرده ﷺ على شيبة" (١٣).

стр. 2883

قال أبو السعود: " في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه وهو خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذمهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية إو اعتقادية وإن ورد في شأن عثمان بن طلحة ابن عبد الدار سادن الكعبة المعظمة" (١). قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٢) وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله، ، على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله، ، بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء" (٣) " (٤). قال السعدي: " الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها؛ فوجب ذلك. وفي قوله: ﴿إلى أهلها﴾ دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن، ووكيله بمنزلته؛ فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها" (٥). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، على اربعة أقاويل: أحدها: أنه عَنَى وُلاةَ أمور المسلمين، وهذا قول شهر بن حَوْشَبٍ (٦)، ومكحول (٧)، وزيد بن أسلم (٨). والثاني: أنه أمر السلطان أن يعظ النساء، وهذا قول ابن عباس (٩). والثالث: أنه خُوْطِبَ بذلك النبي ﷺ في عثمان بن أبي طلحة، أن يرد عليه مفاتيح الكعبة، وهذا قول ابن جريج (١٠). والرابع: أنه في كل مَؤْتَمنٍ على شيء، وهذا قول أُبَيّ بن كعب (١١). والراجح-والله أعلم- أنه " خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على

стр. 2884

ذلك ما وَعظ به الرعية في: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة" (١). وقرئ: ﴿الأمانة﴾، على التوحيد (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، أي: "ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم" (٣). قال السعدي: " وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو، والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهذا يستلزم معرفة العدل ليحكم به" (٤). قال الشوكاني: " أي: وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ ، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله. قوله: نعما ما موصوفة أو موصولة، وقد قدمنا البحث في مثل ذلك" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، أي: " ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه" (٦). قال ابن كثير: " أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة" (٧). قال السعدي: " وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون" (٨). وقرئ: ﴿نعما﴾، بفتح النون (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، أي: إن الله "سميع لأقوالكم بصير بأفعالكم" (١٠). قال ابن كثير: " أي: سميعا لأقوالكم، بصيرا بأفعالكم " (١١). قال محمد بن إسحاق: " ﴿سميعا﴾، أي: سميع ما يقولون" (١٢). قال عقبة بن عامر: "رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرئ هذه الآية: ﴿سميعا بصيرا﴾، يقول: بكل شيء بصير" (١٣). قال مقاتل: " فلا أحد أسمع منه، «بصيرا» فلا أحد أبصر منه، فكان من العدل أن دفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب والحجابة إلى عثمان بن طلحة لأنهما كانا أهلها فى الجاهلية" (١٤). الفوائد: ١ - أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أيا كانت تلك الأمانة، فعم سبحانه بأمره كل مكلف وكل أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحا أم غير صحيح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 2885

٢ - أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومة أو الفصل بين الناس في أمر ما أن يحكم بينهم بالعدل سواء كان: محكما، أو ولي أمر عام، أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ؛ فذلك الهدى، والنور، والصراط المستقيم. ٣ - أثنى على ما أسداه إلى عباده من الموعظة؛ إغراء لهم بالقيام بحقها، والوقوف عند حدودها. ٤ - إن الآية مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون. ٥ - الدلالة على فضل العقل والحياة وشرفهما، وأمانة الإنسان إنما صار صالحا للتكليف بسببهما (١). ٦ - ختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله؛ من كمال السمع والبصر، ترغيبا في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيرا من مخالفة شرعه خوف عقابه. ٧ - إثبات البصر لله تعالى المحيط بجميع المبصرات, وإثبات السمع له المحيط بجميع المسموعات, وهاتان الصفتان من صفات ذاته تعالى وهما متضمن اسميه «السميع البصير». القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول ﷺ فيما جاء به من الحق، وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله، فإن اختلفتم في شيء بينكم، فأرجعوا الحكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ ، إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب. ذلك الردُّ إلى الكتاب والسنة خير لكم من التنازع والقول بالرأي، وأحسن عاقبة ومآلا. في سبب نزول الآية قولان: أحدها: أخرج أحمد (٢)، والبخاري (٣)، ومسلم (٤)، والثلاثة (٥)، والطبري (٦)، وابن أبي حاتم (٧)، والواحدي (٨)، من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قال: "نزلت فى عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى (٩)، بعثه رسول الله , ﷺ , فى سرية". وفي السياق نفسه أخرج أحمد (١٠)، والبخاري (١١)، ومسلم (١٢)، وأبو داود (١٣)، والنسائي (١٤)، من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي-﵁ قال: " بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، قال: فلما خرجوا - قال -: وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهم القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي ﷺ ، فإن

стр. 2886

أمركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا إلى النبي ﷺ ، فأخبروه بذلك، فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف» (١) ". والثاني: أخرج الطبري، وابن ابي حاتم (٢)، وغيرهما (٣)، عن السدي، قال: " قال: بعث رسول الله ﷺ سريَّة عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قِبَل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرَّسوا، وأتاهم ذو العُيَيْنَتين فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا، غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإنّ قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدًا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم. فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله. فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا، فقال: خلِّ عن الرجل، فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ (٤) فاستبَّا وارتفعا إلى النبي ﷺ : فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبَّا عند رسول الله ﷺ ، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله ﷺ : يا خالد، لا تسبَّ عمارًا، فإنه من سب عمارًا سبه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله، ومن لعن عمارًا لعنه الله. فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٥٩]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٦). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٧). وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٨). ويجدر القول بأن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٩). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١٠).

стр. 2887

قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: " استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول ﷺ فيما جاء به من الحق" (١). قال الطبري: أي: " أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا ﷺ ، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته" (٢). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني" (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وجهان: أحدهما: أن: ذلك أمرٌ من الله باتباع سنته. وهذا قول عطاء (٤). والثاني: أن ذلك أمرٌ من الله بطاعة الرّسول في حياته. وهذا قول ابن زيد (٥). والراجح-والله أعلم- أنه "أمرٌ من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمرَ ونهى، وبعد وفاته باتباع سنته. وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته، ولم يخصص بذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجبُ التسليم له" (٦). قوله تعاىى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: " وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله" (٧). قال البيضاوي: " يريد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول ﷺ وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. أمر الناس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل تنبيها على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق" (٨). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الأمراء، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة (٩)، وابن عباس (١٠)، والسدي (١١)، وابن زيد (١٢)، وميمون بن مهران (١٣). واختلف قائلو هذا القول في سبب نزولها في الأمراء على قولين: الأول: قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه رسول الله ﷺ في سرية (١٤). والثاني: وقال السدي: نزلت في عمار بن ياسر، وخالد بن الوليد حين بعثهما رسول الله ﷺ في سرية (١٥). قال الماوردي: " وطاعة وَلاةِ الأمر تلزم في طاعة الله دون معصيته، وهي طاعة يجوز أن تزول، لجواز معصيتهم، ولا يجوز أن تزول طاعة رسول الله ﷺ ، لامتناع معصيته" (١٦). والقول الثاني: أنهم أهل العلم والفقه، وهو قول جابر بن عبد الله (١٧)، والحسن (١٨)، وعطاء (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، ومجاهد في إحدى الروايت (٢١)، وابن أبي نجيح (٢٢)، وابن عباس في إحدى الروايات (٢٣).

стр. 2888

والثالث: أنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو قول مجاهد (١). والرابع: أنهم أبو بكر وعمر –رضي الله تعالى عنهما-، وهو قول عكرمة (٢). والخامس: أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وهذا قول عطاء (٣). والصواب-والله أعلم- ان المعنيين هم " الأمراء والولاة، [وذلك] لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان [لله] طاعةً، وللمسلمين مصلحة" (٤). روي عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "على المرء المسلم، الطاعةُ فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية؛ فمن أمر بمعصية فلا طاعة" (٥). وروي، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البَرُّ ببِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم. فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم" (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، "أي: فإِن اختلفتم في أمرٍ من الأمور فاحتكموا فيه إِلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ َ" (٧). قال قتادة: " يقول: ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله " (٨). وعن السدي: " ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، إن كان الرسول حيًا، و ﴿إلى الله﴾، قال: إلى كتابه" (٩). قال الزمخشري: أي: " فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولى الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة" (١٠). عن ليث: قال مجاهد: " فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله والرسول. قال يقول: فردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله" (١١). وفي رواية أخرى: " كتاب، الله وسنة نبيه ﷺ " (١٢). قال مهران: " الرد إلى الله، الردّ إلى كتابه والرد إلى رسوله إن كان حيًا، فإن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة" (١٣). والتنازع: "هو التشاجر، سمى تنازعا؛ لأن كل واحد من الخصمين ينزع بحجة وآية" (١٤).

стр. 2889

قال السمعاني: " والرد إلى الكتاب والسنة واجب، ما دام في الحادثة شئ من الكتاب والسنة، فإن لم يكن فالسبيل فيه الاجتهاد، وروى أن مسلمة بن عبد الملك قال لرجل: إنكم أمرتم أن تطيعونا، فقال الرجل: قد نزعها الله منكم؛ حيث قال: ﴿فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ وقد تنازعتم، فقال مسلمة: أين الله؟ فقال: الكتاب، وقال: أين الرسول؟ فقال: السنة، وقيل: الرد إلى الله والرسول: أن يقول الرجل فيما لا يدرى: الله ورسوله أعلم، وهذا قول حسن" (١). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: " إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب" (٢). قال البيضاوي: أي: " فإن الإيمان يوجب ذلك" (٣). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، أي: " ذلك الرجوع إلى الكتاب والسنة خير لكم وأصلح، وأحسن عاقبة ومآلا " (٤). قال البيضاوي: أي: " ذلك الرد، ﴿خير لكم﴾، وأحسن عاقبة، أو أحسن تأويلا من تأويلكم بلا رد" (٥). قال الطبري: أي: " ﴿خير﴾ لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة، ﴿وأحسن تأويلا﴾، يعني: وأحمد مَوْئلا ومغبّة، وأجمل عاقبة" (٦). قال ابن كثير: " أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلا" (٧). قال ابن زيد: " التأويل "، التصديق" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وجوه: أحدها: أحسن عَاقِبَةً، وهذا قول قتادة (٩)، والسدي (١٠)، وابن زيد (١١). واختاره الزجاج (١٢) .. والثاني: أحسن جزاءا، وهو معنى قول مجاهد (١٣). قال ابن كثير: "وهو قريب من القول الأول (١٤). والثالث: أحسن من تاويلكم انتم. دون ردكم إياه إلى الكتاب والسثة. أجازه الزجاج (١٥). قال ابن عطية: " ﴿تَأْوِيلًا﴾، معناه: مآلا على قول جماعة" (١٦). الفوائد: ١ - وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾. ٢ - تحريم رد المسائل المتنازع فيها إلى القوانين الوضعية، أو تحكيم أهل الكفر والإلحاد، لقوله: ﴿﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾﴾. ٣ ـ تحريم التقليد مع وضوح الدليل، لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل؛ لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولم يأمر سبحانه بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن هناك فائدة من سؤال أهل الذكر. ٤ - أن الرد إلى الله والرسول من مقتضيات الإيمان، لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ﴾.

стр. 2890

٥ - أن من ادعى الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه لا يرد مسائل النزاع إلى الله ورسوله فإنه كاذب؛ لأن قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بمنزلة التحدي، فيكون كاذباً فيما يدعي، وقد قال الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك، وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل، وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل؟ ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الطبري، وابن المنذر (١)، والواحدي (٢)، عن عامر، قال: "كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، حتى بلغ ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) " (٤). وفي السياق نفسه أخرج الطبري وابن ابي حاتم (٥)، عن اسباط عن السدي (٦)، قال: " كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم. وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم. فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر. فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي ﷺ ، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة: لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام! فأنزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: ٥٤]، فعيَّرهم، ثم ذكر قول النضيري: " كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا، ونقتل منهم ولا يقتلونا "، فقال ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٠]. وأخذ النضيري فقتله بصاحبه، فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم! وقالت قريظة: نحن أكرم منكم! ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة، الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا! " (٧). وفي المعنى نفسه، أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس: " كان أبو بردة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافروا إليه أناس من أسلم من اليهود فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ " (٨). والثاني: أخرج الطبري عن عطية العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، قال: " و ﴿الطَّاغُوتِ﴾: رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا، بل نحاكمكم إلى كعب! فذلك قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، الآية" (٩). وروي عن مجاهد (١٠)، والربيع بن انس (١١)، والضحاك (١٢) نحو ذلك.

стр. 2891

والثالث: ونقل الثعلبي والواحدي (١)، والحافظ (٢)، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر (٣)، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال: انطلق بنا إلى محمد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ فلما رأى المنافق ذلك أتى معه رسول الله ﷺ فاختصما إليه، فقضى رسول الله ﷺ لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر ﵁ فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليكم وأنه تعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: رويد كما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال. هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسول الله ﷺ ، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية" (٤). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠]، " ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك" (٥). قال مقاتل: " يعني: صدقوا بما أنزل إليك من القرآن وصدقوا بما أنزل من قبلك من الكتاب على الأنبياء" (٦). قال الزجاج: " يعنى به المنافقون، وقوله: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ إلى الكاهن والشيطان" (٧). قال ابن كثير: " هذا إنكار من الله، ، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله" (٨). وقرئ: ﴿بما أنزل .... بما أنزل﴾، على البناء للفاعل (٩). قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، أي: "وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل" (١٠). قال مقاتل: " يعني كعب بن الأشرف وكان يتكهن" (١١). وقال عطاء: "يعني: حيي بن أخطب" (١٢). قال الشعبي: " يعني به: الكاهن، كان بين رجل ممن زعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود خصومة، فاتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة" (١٣). وقد ذكر أهل التفسير في ﴿ِالطَّاغُوتِ﴾، سبعة أقوال: أحدها: أنه الشيطان (١٤)، وهو قول عمر بن الخطاب (١٥)، ومجاهد (١٦)، والشعبي (١٧)، والضحاك (١٨)، وقتادة (١٩)، والسدي (٢٠)، وعكرمة (٢١)، واختاره ابن كثير (٢٢)، والقاسمي (٢٣) وآخرون.

стр. 2892

والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية (١)، ومحمد ابن سيرين (٢) والشعبي (٣). والثالث: الكاهن، وهو قول جابر (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والرفيع (٦)، وابن جريج (٧). والرابع: الأصنام والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه تعالى (٨). روي ذلك عن مالك (٩). والخامس: مَرَدَة الإنس والجن (١٠). والسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً، روي ذلك عن الإمام مالك (١١)، وابن القيم (١٢)، وهذا قول أبي جعفر الطبري (١٣). والسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ذكره الماوردي (١٤). والراجح-والله أعلم- أن الطاغوت عبارة عن كل مُعتدٍ وكل معبود من دون الله (١٥)، وهو اختيار الإمام الطبري وأبي حيان (١٦) وغيرهم. وبه قال أكثر أهل العلم. واختلفوا في أصل كلمة ﴿الطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، على وجهين (١٧): أحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب، ومن ثم اختلف هؤلاء في اشتقاقه على أقوال (١٨): أ- قال الشوكاني: "الطاغوت: فعلوت، من طغى يطغي ويطغو، إذا جاوز الحد" (١٩).

стр. 2893

ب-قال سيبويه: "هو اسم مذكَّر" (١) مفرد، أي اسم جنس، يشمل القليل والكثير. ج- وقال أبو على الفارسي: "إنه مصدر: كرهبوت، وجبروت، يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام" (٢)، كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفًا؛ لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت. واختار هذا القول النحاس (٣). وقيل: "أصل الطاغوت في اللغة: مأخوذ من الطغيان، يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ، من اللؤلؤ" (٤). ثم اختلف في لفظ الطاغوت أمفرد هو أم جمع على قولين: الأول: أنه جمع، قاله المبرد ورده عليه جماعة كالفارسي وابن عطية وآخرون (٥). الثاني: أنه مفرد، واختلفوا على قولين: أ-أنه مصدر على وزن فَعَلُوت، أي: طَغَيُوِت، فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصار على وزن فَلَعُوت، أي: طَيَغُوت، ثم قلبت لامه (الياء) ألفا فصار طاغوت. وهو مصدر يوصف به الواحد والجمع، نظير قولهم: رجل عدل وقوم عدل، إذ في الكلام دليل على الواحد أو الجماعة، وهو قولهم: رجل أو قوم، وقد وجد هنا ما يرجح كون المراد به الجماعة وهو قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وذلك ما جعله الزجاج (٦) شرطاً للجواز، وذلك ظاهر قول الكسائي وأبي حاتم والطبري وأبي علي الفارسي والواحدي والزبيدي وآخرين (٧). ب-أنه اسم جنس مفرد لطائفة جاوزت الحد في الطغيان، وقد اختار هذا القول أبو حيان (٨)، وحُمِل عليه قول سيبويه بأن: الطاغوت اسم مفرد (٩). والثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر (١٠). قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، أي: " وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل" (١١). قال مقاتل: " يعنى أن يتبرأوا من الكهنة" (١٢). قال السدي: " وهو أبو الأسلمي الكاهن" (١٣). وقرأ عباس بن الفضل: ﴿أن يكفروا بها﴾، ذهابا بالطاغوت إلى الجمع، كقوله: ﴿أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم﴾ (١٤). قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، أي: " ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا" (١٥). قال الواحدي: " أي: ضلالا لا يرجعون عنه إلى دين الله أبدا" (١٦).

стр. 2894

قال عكرمة: " إنما سمي الشيطان لأنه تشيطن" (١). الفوائد: ١ - من أقبح صفات المنافقين: رفض التحاكم إلى شريعة الله، والتحاكم إلى الطواغيت التي تحقق رغباتهم. ٢ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت، لقوله: ﴿﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. ٣ - ومن الفوائد أن الإيمان الصادق، يقتضي الانقياد لشرع الله، والحكم به في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في زعمه. ٤ - بيان تمرد المنافقين على الوحي وهروبهم من الحق وصعرهم إلى الباطل، فلما أوْجَبَ الله تعالى الطَّاعَة على جميع المُكَلَّفين في قوله جلت عظمته: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... ﴾، ذكر في هذه الآيةِ أن المُنَافقين والذين في قُلُوبهم مَرَضٌ لا يُطيعُون الرَّسولَ، ولا يَرْضُونَ بحُكْمِهِ، وإنما يُريدُون حُكْمَ غيره. ٥ - اتضاح اشتمال لفظ الطاغوت على كل ما يعبد من دون الله ويصد عن سبيله ويعترض على حكمه وشريعته، وفي ذلك السرداب وخلال تلك السبل يرتع أهل النفاق منذ أقدم العهود. ٦ - كشف كراهية المنافقين للحكم بما أنزل الله تعالى وتعصبهم ضده، ووقوفهم مع أي نظام طاغوتي بديل عنه، وبغضهم للحق وحملته، وبعدهم عن الاستماتة في سبيله، وضيقهم ذرعاً بشعائره، فيمقتون لذلك كل الطاعات من صلاة وزكاة وحج .. ، وإن تستروا حال خوفهم على ذلك المقت وغطوه، لكن بواطنهم تنفضح وسرائرهم تنكشف إذا أعلنت شعيرة الجهاد في سبيل الله أو رفعت راية الحكم بما أنزل الله، فعند هذين الأمرين لابد أن يتبدى الوجه الكالح للنفاق ويصدح أهله بخسيس مكنوناتهم. ٧ - أظهرت الآيات بما لا مجال للشك فيه من خلال التعبير القرآني ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أن الإيمان والتحاكم إلى غير شرع الله لا يجتمعان في قلب واحد، ذلك أن الإيمان لا يكون إلا بالكفر بالطاغوت ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لا انفِصَامَ﴾، والرضا بالتحاكم إلى القوانين الوضعية يناقض الكفر بها، كما أنه ينافي الرضا بتحكيم شرع الله، فكل من حكم بغير ما جاء به النبي- ﷺ ، أو حاكم إليه فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك مناف للإيمان. القرآن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١] وإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد ﷺ ، وهديه، أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١]، أي: " وإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد ﷺ ، وهديه" (٢). قال الماتريدي: " أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول ﷺ – وسنته" (٣). قال ابن جريج: " دعا المسلم المنافق إلى رسول الله ﷺ ليحكم " (٤). قال ابن عباس: " كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم، قالوا: بل نتحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا" (٥). وقرأ الحسن: ﴿تعالوا﴾، بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفا (٦). قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، أي: " أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا" (٧). قال السمرقندي: " أي يعرضون عنك إعراضا" (٨).

стр. 2895

قال الصابوني" أي: رأيتهم لنفاقهم يعرضون عنك إِعراضاً" (١). قال الزجاج والنحاس: " أي يصدون عن، حكمك" (٢). قال الواحدي: أي: " يُعرضون عنك إعراضاً إلى غيرك عداوةً للدِّين" (٣). قال ابن كثير: " أي: يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] " (٤). قال السمعاني: أي: " أن المنافقين دعوا إلى التحاكم إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت" (٥). قال عطاء: " الصدود: الإعراض" (٦). قال الماتريدي: " الصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف" (٧). قال الراغب: " الصد: كالسد: إلا أن السد بحائل محسوس. والصد بحائل في النفس من إرادة أو كراهة، ونحو ذلك من الحوايل" (٨). قال الشعراوي: " أي يُعرضون عنك يا رسول الله لأنهم منافقون، وكل منافق عنده قضيتان: قضية لسانية وقضية قلبية؛ فهو باللسان يعلن إيمانه بالله وبرسول الله، وفي القلب تتعارض ملكاته عكس المؤمن أو الكافر، فالمؤمن ملكاته متساندة؛ لأن قلبه انعقد على الإيمان ويقود انسجام الملكات إلى الهدى، والكافر أيضاً ملكاته متساندة؛ لأنه قال: إنه لم يؤمن ويقوده انسجام ملكاته إلى الضلال، لكن المنافق يبعثر ملكاته! ! ملكة هنا وملكة هناك، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار، الكافر منطقي مع نفسه، فلم يعلن الإيمان؛ لأن قلبه لم يقنع، وكان من الممكن أن يقول كلمة الإيمان لكن لسانه لا يرضي أن ينطق عكس ما في القلب، وعداوته للإسلام واضحة. أما المنافق فيقول: يا لساني. . أعلن كلمة الإيمان ظاهراً؛ كي أنفذ من هذا الإعلان إلى أغراضي وأن تطبّق عليّ أحكام الإسلام فانتفع بأحكام الإسلام، وأنا من صميم نفسي إن وجدت فرصة ضد الإسلام فسأنتهزها" (٩). قال الكسائي: يقرأ: ﴿يصدون﴾، بكسر الصاد، و ﴿يصدون﴾، بضم الصاد، وهي قراءة علي والنخعي ومعناه يعرضون (١٠). الفوائد: ١ - بيَّن تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البُعد من الإيمان. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا دليل على أن من دُعي إلى تحكيم الكتاب والسنَّة، فأبى أنَّه من المنافقين» (١١). قال شيخ الإسلام: " ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول في كل ما شَجَرَ بين الناس، في أمر دينهم ودنياهم، في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء، ألا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم، ويسلموا تسليماً" (١٢).

стр. 2896

٢ - أن "الدعاء إلى ما أنزل الله يستلزم الدعاء إلى الرسول، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله الله، وهذا مثل طاعة الله والرسول، فإنهما متلازمان، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول" (١). ٣ - وصف سبحانه من دعي إلى الكتاب والسنة فأعرض عن ذلك بالنفاق، وإن زعم أنه يريد التوفيق بذلك بين الدلائل النقلية والعقلية، أو نحو ذلك، وأنه يريد إحسان العلم أو العمل (٢). القرآن ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢] التفسير: فكيف يكون حال أولئك المناففين، إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم، ثم جاؤوك -أيها الرسول- يعتذرون، ويؤكدون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق بين الخصوم؟ في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أن عمر قتل منافقاً لم يرض بحكم رسول الله ﷺ ، فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه، وحلفوا بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحساناً إلى النساء، وما يوافق الحق في أمرنا (٣). والثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله ﷺ في محاكمتهم إلى غيره بان قالوا ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق، فنزلت هذه الآية (٤). والثالث: وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله : ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] (٥). قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢]، أي: " فكيف يكون حال أولئك المناففين، إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم" (٦). قال الزجاج: " أي: فكيف تكون حالهم إذا قتل صاحبهم بما أظهر من الخيانة ورد حكم النبي ﷺ –" (٧). قال الطبري: أي: " فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، إذا نزلت بهم نقمة من الله بذنوبهم التي سلفت منهم" (٨). قال ابن كثير: " أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم واحتاجوا إليك في ذلك" (٩). قال الواحدي: أي: " عقوبة من الله مجازاة على ما صنعوا، وهو قوله: ﴿بما قدمت أيديهم﴾ [النساء: ٦٢] أي: من التكذيب والكفر بالقرآن والرسول؟ " (١٠). قال الزمخشري: أي: " من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم" (١١). قال الحسن: " عقوبة لهم بنفاقهم وكرهوا حكم الله، ﴿ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا﴾ " (١٢).

стр. 2897

وعن مجاهد: " ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة﴾ في أنفسهم، وبين ذلك ما بينهما من القرآن هذا من تقديم القرآن " (١). قال الثعلبي: " يعني: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم يعني عقوبة صدودهم، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام" (٢). وقيل: " أراد بالمصيبة قتل صاحبهم" (٣). قال السمعاني: " قيل: هو قتل عمر ﵁ ذلك المنافق؛ فإنهم جاءوا يطلبون دمه، وقيل: هو في جميع المنافقين، والمصيبة: كل مصيبة تصيبهم في الدنيا والعقبى" (٤). والمصيبة هنا "تشمل المصيبة الشرعية والدنيوية لعدم تضاد المعنيين، فالدنيوية مثل: الفقر، والجدب، وما أشبه ذلك" (٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]، أي: " ثم جاؤوك -أيها الرسول- يعتذرون، ويؤكدون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق بين الخصوم؟ " (٦). قال الزجاج: " أي: ما أردنا بمطالبتنا بدم صاحبنا إلا إحسانا وطلبا لما يوافق الحق" (٧). قال الطبري: " وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العِبر والنِّقم، وأنهم إن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت لم ينيبوا ولم يتوبوا، ولكنهم يحلفون بالله كذبًا وجرأة على الله: ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصوابَ فيما احتكمنا فيه إليه" (٨). قال الثعلبي: " وذلك أن عمر ﵁ لما قتل المنافق جاءوا قومه يطلبون الدية ويحلفون: ما أردنا بالترافع إلى عمر. إلا إحسانا وتوفيقا" (٩). قال ابن كثير: " أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] " (١٠). قال الواحدي: " ثم عاد الكلام إلى ما سبق من القصة فقال: ﴿ثم جاءوك يحلفون بالله﴾ [النساء: ٦٢]، وذلك أن المنافقين أتوا نبي الله ﷺ : وحلفوا أنهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة، ﴿إلا إحسانا وتوفيقا﴾ [النساء: ٦٢] أي: إلا توفيقا بين الخصوم أي: جمعا وتأليفا، وإحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق. وكل ذلك كذب منهم" (١١). قال الزمخشري: أي: " حين يصابون فيعتذرون إليك يحلفون ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحسانا لا إساءة وتوفيقا بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغنى عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله، وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به" (١٢). قال الكلبي: " إلا إحسانا في القول، وتوفيقا صوابا" (١٣). قال ابن كيسان: أي: " حقا وعدلا، نظيرها: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] " (١٤).

стр. 2898

قال السمعاني: " قيل: هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل أرادوا بالإحسان: تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على مر الحكم" (١). وقد ذكر الماتريدي في هذه الآية وجوها (٢): أحدها: يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر ﵁ لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول ﷺ يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا ﴿إحسانا﴾، أي: تخفيفا وتيسيرا عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، ﴿وتوفيقا﴾ إلى الخير والصواب. والثاني: أنها نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرا. والثالث: في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله ﷺ فيعتذرون كما ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٤]، لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعا منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت النكبة والدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، هذا كان دأبهم وعادتهم أبدا. الفوائد: ١ - وجوب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرضا بذلك والتسليم له. ٢ - إن الآية تناولت غباوة المنافقين وقُبْح سجيّتهم، فالاعتذار أخسّ من الفعل، لأنهم يدّعون أن تحكيم غير كتاب الله إحسان وتوفيق، فهذا عذرٌ أقبح من فعل، لأن الإحسان والتوفيق هو بإتّباع كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ . ٣ - التحذير من كيد الشيطان وصدّه الإنسان عن الحق. ٤ - أن دعوى قصد الإصلاح ليست بعذر في الحكم بغير ما أنزل الله. القرآن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء: ٦٣] التفسير: أولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق، فتولَّ عنهم، وحذِّرهم من سوء ما هم عليه، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: " أولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق" (٣). قال مقاتل: " من النفاق" (٤). قال الماوردي: " يعني من النفاق الذي يضمرونه" (٥). قال ابن كثير: أي" هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم" (٦). قال الزجاج: " ههنا الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، والفائدة لنا هي: اعلموا أنهم منافقون" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، وجوه من التفسير:

стр. 2899

احدها: معناه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق. وهذا قول الحسن (١)، ومقاتل (٢). والثاني: معناه: كذبهم الله تعالى بهذه الآية. يريد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وهذا قول عطاء (٣)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك المعنى (٤). والثالث: أن المعنى: أي لا يُغني عنهم كتمان ما يضمرونه، ولا يدفع عنهم شيئًا من العقاب؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم (٥). والرابع: أن المعنى: الله يعلم ما في قلوب أولئك وقلوب غيرهم، إلا أن تخصيصهم بالذكر هنا يفيد أن المعنى أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، فكأنه قيل لنا: اعلموا أنهم منافقون. وهذا قول الزجاج (٦). قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: " فتولَّ عنهم" (٧). قال الصابوني: أي: " فأعرض عن معاقبتهم للمصلحة ولا تُظهر لهم علمك بما في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى يبقوا على وجلٍ وحذر" (٨). قال ابن عباس: "يريد: فاصفح عنهم. قال: وهذا منسوخ يعني بآية السيف" (٩). وقال بعض أصحاب المعاني: معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم (١٠). وقال مقاتل: "معنى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقبهم" (١١). قوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: " وحذِّرهم من سوء ما هم عليه" (١٢). قال ابن كثير: " أي: وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر" (١٣). قال الصابوني: " أي ازجرهم عن الكيد والنفاق بقوارع الآيات" (١٤). قال ابن عباس: "يريد ذكرهم" (١٥). وقال مقاتل: "وعظهم بلسانك" (١٦). وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه (١٧): أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم. والثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم. والثالث: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم. قال ابن الجوزي: " قال المفسرون في هذه الآية تقديم وتأخير. تقديره: فعظهم فإن امتنعوا عن الإجابة فأعرض. وهذا كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية السيف" (١٨). وقد ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم (١٩)، وابن سلامة (٢٠)، وابن هلال (٢١)، ولم يتعرض له النحاس أو مكي بن أبي طالب أصلا.

стр. 2900

قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، أي: "، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم" (١). قال الطبري: أي: " مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده" (٢). قال ابن كثير: " أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم" (٣). قال الزجاج: " أي: أعلمهم أنهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم، يقال قول بليغ إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، ويقال أحمق بلغ وبلغ. وفيه قولان: إنه أحمق يبلغ حيث يريد، ويكون " أحمق بلغ وبلغ " قد بلغ في الحماقة. والقول الأول قول من يوثق بعلمه، والثاني وجه جيد" (٤). قال مقاتل: "نسختها آية السيف" (٥). قال الزمخشري: " أى قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وأن الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفى عليه فلا يغنى عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم- خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل- قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، وجوه من التفسير: أحدها: أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلكم، فإنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، وهذا قول الحسن (٧). والثاني: يريد: خوفهم بالله. قاله ابن عباس (٨). والثالث: أن يزجرهم عما هم عليه بأبلغ الزواجر (٩). والرابع: معناه: مبلغا بلسانك كنه ما في قلبك بأحسن العبارة عني. وهذا قول التستري (١٠). والخامس: معناه: أعلمهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم. وهذا قول الزجاج (١١). والسادس: أي: قل لهم في أنفسهم من الغيب بما أطلعك الله عليه من غشهم قولًا بليغًا، شديدًا باللسان، يعني: فازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر، كي لا يستمروا الكفر، وعظهم كي لا يغتروا بطول الإمهال (١٢). قال الواحدي: " والأظهر أن قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حقه التأخير؛ لأن المعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم" (١٣). الفوائد: ١ - فدلت الآية على أن المعول على النية دون اللسان، وقال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» الحديث (١٤)، فربط الأعمال بالنيات، ومفهوم هذا أن الانتفاع بالأعمال والاعتداد بها يكون بالنية، وأن النية هي عماد الأعمال ومعلولها القرآن ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]

стр. 2901

التفسير: وما بعَثْنَا من رسول من رسلنا، إلا ليستجاب له، بأمر الله تعالى وقضائه. ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باقتراف السيئات، جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك تائبين سائلين الله أن يغفر لهم ذنوبهم، واستغفرت لهم، لوجدوا الله توابًا رحيمًا. سبب نزول الآية: أخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)، قال: إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف" (٢). قال ابن الجوزي: "قال المفسرون: اختصم يهودي ومنافق، وقيل: بل مؤمن ومنافق، فأراد اليهودي، وقيل: المؤمن، أن تكون الحكومة بين يدي الرسول ﷺ فأبى المنافق. فنزل قوله تعالى: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ [النساء: ٦٠]، إلى هذه الآية" (٣). قلت: هذا السبب الذي أورده ابن الجوزي في نزول الآية هو مكون من أسباب رويت من طرق محتلفة، أشرنا إليها في تفسير الآية: (٦٠)، من السورة. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، أي: " وما بعَثْنَا من رسول من رسلنا إِلا ليطاع بأمر الله تعالى" (٤). قال الزجاج: " إي، أذن في ذلك" (٥). قال ابو جعفر الترمذي: " لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله" (٦). قال مجاهد: " أوجب الله لهم أن يطيعهم من شاء الله من الناس، ثم أخبر أنه لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله" (٧). قال مقاتل: " يعني: إلا لكي يطاع، ﴿بإذن الله﴾، يقول: لا يطيعه أحد حتى يأذن الله- له في طاعة رسوله- ﷺ " (٨). قال البغوي: " أي: بأمر الله، لأن طاعة الرسول وجبت بأمر الله" (٩). قال الواحدي: أي: " فيما يأمرُ به ويحكم لا ليُعصى ويُطلب الحكم من غيره وقوله: ﴿بإذن الله﴾ أَيْ: لأنَّ الله أذن في ذلك وأمر بطاعته" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وما أرسلنا رسولا قط إلا ليطاع بإذن الله بسبب إذن الله في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله من يطع الرسول فقد أطاع الله ويجوز أن يراد بتيسير الله وتوفيقه في طاعته" (١١). قال البيضاوي: ﴿بإذن الله﴾، أي: "بسبب إذنه في طاعته وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه، وكأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافرا مستوجب القتل، وتقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته ومن كان كذلك كان كافرا مستوجب القتل" (١٢). يحتمل قوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾ [النساء: ٦٤]، وجوها (١٣):

стр. 2902

أحدها: بمشيئة الله، ؛ أي: من أطاع الرسول ﷺ إنما يطيعه بمشيئته، وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئته، من أطاعه أو عصاه فإنما ذلك كله بمشيئة الله. والثاني: بأمر الله. وذلك أنه أمر أن يطاع. والثالث: بعلم الله، إنه يعلم من يطيعه ومن يعصيه، أي: كل ذلك إنما يكون بعلمه، لا عن غفلة منه وسهو، كصنيع ملوك الأرض أن ما يستقبلهم من العصيان والخلاف إنما يستقبلهم الغفلة، منهم وسهو بالعواقب، فأما الله إذا بعث رسلا بعث على علم منه بالطاعة لهم وبالمعصية، لكنه عثهم لما لا ينفعه طاعة أحد؛ ولا يضره معصية أحد، فإنما ضر ذلك عليهم، ونفعه لهم (١). قال ابن عطية: " ﴿بإذن الله﴾، معناه بأمر الله، وحسنت العبارة بالإذن، إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك" (٢). قال ابن عطية: " تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤]، " أي: ولو أن هؤلاء المنافقين حين ظلموا أنفسهم بعدم قبول حكمك جاءوك تائبين من النفاق مستغفرين الله من ذنوبهم معترفين بخطئهم" (٤). قال مقاتل: " يعني: حين لم يرضوا بقضائك جاءوك فاستغفروا الله من ذنوبهم" (٥). قال الزجاج: أي: " لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم ﴿لوجدوا الله توابا رحيما" (٦). قال الزمخشري: أي: " جاؤك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص" (٧). قال البيضاوي: أي: " ﴿إذ ظلموا أنفسهم﴾، بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت. ﴿جاؤك﴾، تائبين من ذلك ﴿فاستغفروا الله﴾، بالتوبة والإخلاص" (٨). قال الطبري: أي: " ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدّوا صدودًا، ﴿إذ ظلموا أنفسهم﴾، باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها ﴿جاؤوك﴾، يا محمد، حين فعلو ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم" (٩). قال سعيد بن جبير: " الاستغفار على نحوين، أحدهما: في القول، والآخر في العمل، فأما استغفار القول: فإن الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول﴾ وأما استغفار العمل، فإن الله : يقول: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ فعنى بذلك: أن يعملوا عمل الغفران، وقد علمت أن أناسا سيدخلون النار وهم يستغفرون الله بألسنتهم ممن يدعي الإسلام، ومن سائر الملل " (١٠).

стр. 2903

أخرج ابن المنذر عن عبد الله بن مسعود، قال: " إن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، قوله جل وعز: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾، وذكر بقية الحديث " (١). قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤]، " أي: "وسألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم" (٢). قال الطبري: أي: " وسأل لهم اللهَ رسولهُ ﷺ مثل ذلك [من الاستغفار] " (٣). قال الزمخشري: أي: " وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك، حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله ومستغفرا" (٤). ولم يقل: «واستغفرت لهم»، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول الله ﷺ وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان (٥). قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، " أي: لعلموا كثرة توبة الله على عباده وسعة رحمته لهم" (٦). قال الطبري: أي: " راجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون، ﴿رحيمًا﴾ بهم، في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه" (٧). قال الزمخشري: أي: " لعلموه توابا، أى لتاب عليهم" (٨). قال مجاهد: " عُنِي بذلك اليهوديُّ والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف" (٩). قال ابن الجوزي: " زعم بعض منتحلي التفسير أن هذه الآية نسخت بقوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. وهذا قول مرذول، لأنه إنما قيل ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لإصرارهم على النفاق، فأما إذا جاءوا فاستغفروا واستغفر لهم الرسول، فقد ارتفع الإصرار فلا وجه للنسخ" (١٠). ويجدر القول بانه لم يتعرض لدعوى النسخ في هذه الآية أصحاب أمهات كتب النسخ ولا المفسرون لضعف ذلك، وإنما ذكره ابن سلامة بدون نسبته إلى أحد (١١). الفوائد: ١ - أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾. ٢ - أن طاعة الأنبياء هداية ومعصيتهم ضلالة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقال تعالى بعد ذكره لبعض المرسلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ٣ - وفي الآية إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا. ٤ - أن «التَّوَّاب» من أسمائه تعالى، والكثير التَّوْب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة، وتوبته سبحانه على عبده نوعان (١٢): أحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها بعمل الصالحات.

стр. 2904

والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإنَّ التوبة النصوح تجب ما قبلها. واسم «الرحيم» من أسمائه تعالى، يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣]. القرآن ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] التفسير: أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكمًا فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تاماً، فالحكم بما جاء به رسول الله ﷺ من الكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة من صميم الإيمان مع الرضا والتسليم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: تقدم قبل هذا النقل عمن قال: إنها نزلت في تحاكم إلى الكاهن، وهو ظاهر السياق، فإن الآيات المذكورة متعاطفة بعضها على بعض، وأولها قصة المتحاكمين، على الاختلاف في ذلك (١). عن مجاهد " ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم﴾، إلى ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، حتى قوله: ﴿ويسلموا تسليما﴾ هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم، اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف " (٢). والثاني: أخرج أحمد (٣)، والبخاري (٤)، ومسلم (٥)، وغيرهم (٦)، عن عروة بن الزبير: " أن الزبير كان يحدث؛ أنه خاصم رجلا من الأنصار، قد شهد بدرا، إلى رسول الله ﷺ ، في شراج من الحرة، كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، آن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اسق، ثم احبس، حتى يبلغ الجدر، فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك، أشار على الزبير برأي، سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ ، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم. قال عروة: قال الزبير: والله، ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية". والثالث: أخرج ابن ابي حاتم، وابن مردوية (٧)، عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: "اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : نعم، انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك. قال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما، مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي ولو ما أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ : ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين، فأنزل الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما

стр. 2905

قضيت ويسلموا تسليما﴾، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ إلى قوله: ﴿وأشد تثبيتا﴾ " (١). قال ابن حجر: " وفيه تقوية لقول من قال: إن الآيات كلها أنزلت في حق المتخاصمين إلى الكاهن كما تقدم، وبهذا جزم الطبري (٢) وقواه بأن الزبير لم يجزم بأن الآية نزلت في قصته بل أورده ظنا (٣). قلت [ابن حجر]: لكن تقدم في حديث أم سلمة الجزم بذلك، ويحتمل أن تكون قصة الزبير وقعت في أثناء ذلك، فتناولها عموم الآية والله أعلم، وقد تقدم أن القصة المذكورة نزل فيها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ " (٤). والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة قال: " نزلت في اليهود" (٥). قال ابن عطية: " والصحيح في سبب قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي" (٦). قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، " أي: فوربك يا محمد لا يكونون مؤمنين حتى يجعلوك حكماً بينهم ويرضوا بحكمك فيما تنازعوا فيه واختلفوا من الأمور" (٧). قال مقاتل: " يقول لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شيء" (٨). قال الزجاج: " أي فيما وقع من الاختلاف بينهم" (٩). قال ابن كثير: " يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا" (١٠). عن أبي عبيدة: " ﴿فيما شجر بينهم﴾، أي: اختلط " (١١). قال السمعاني: أي: " لا يكمل إيمانهم حتى يرضوا بحكمك، وينقادوا لك، قيل: هذه أبلغ آية في كتاب الله - تعالى - في الوعيد" (١٢). قال السعدي: " قسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة" (١٣). والاشتجار: "الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها على بعض، قال الشاعر (١٤): هم الحكام أرباب الندي ... وسراة الناس إذ الأمر شجر أي: اختلف" (١٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، "أي: ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً من حكمك وينقادوا انقياداً تاماً كاملاً لقضائك" (١٦). قال مقاتل: " يقول: لا يجدون في قلوبهم شكا مما قضيت أنه الحق ويسلموا لقضائك لهم وعليهم تسليما" (١٧).

стр. 2906

قال الواحدي: " الأمر إلى الله وإلى رسوله من غير معارضةٍ بشيءٍ" (١). قال الزجاج: " أي: لا تضيق صدورهم من قضيتيك، [و] يسلمون لما يأتي به من حكمك، لا يعارضونه بشيء" (٢). قال ابن كثير: " أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (٣) " (٤). قال السعدي: " ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين" (٥). قال السمعاني: " ﴿حرجا﴾، أي: ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر ﵁ قال لبعض العرب: ما الحرجة عندكم؟ قال: هي شجرة ملتفة، لا يصل الماء إليها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ أي: يضيق مسلكه بحيث لا تصل إليه الهداية" (٦). عن مجاهد في قوله: " ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، قال: شكا" (٧). وعن الضحاك، في قوله : " ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا﴾، قال: إثما " (٨). وعن أبي عبيدة: " ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، أي: ضيقا " (٩). قال الزمخشري: " ﴿حرجا﴾: ضيقا، أى: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ويسلموا وينقادوا ويذعنوا لما تأتى به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة" (١٠). الفوائد: ١ - أن الآية توبيخ لمن لم يحكم الرسول ﷺ في موارد الشجار. ٢ - أن التحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها (١١). القرآن ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النساء: ٦٦] التفسير ولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم. في سبب نزول الآية:

стр. 2907

أخرج الطبري (١) وابن أبي حاتم (٢) عن أسباط، عن السدي (٣)، قال: "افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا! فقال ثابت: والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا! أنزل الله في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، "أي: لو فرضنا على هؤلاء المنافقين ما فرضنا على ما قبلهم من المشقات وشدّدنا التكليف عليهم فأمرناهم بقتل النفس والخروج من الأوطان كما فرض ذلك على بني إِسرائيل" (٥). قال الطبري: أي: "ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها" (٦). قال مجاهد: " كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم" (٧). قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، "أي: ما استجاب ولا انقاد إِلا قليل منهم" (٨). وقرأ ابن عامر: ﴿ما فعلوه إلا قليلا منهم﴾، نصبا (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]، أي: "ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم" (١٠). عن السدي: ﴿لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا﴾، قال: تصديقًا" (١١). قال الطبري: أي: " ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدُّون عنك صدودًا، [فعلوا] ما يذكّرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجل دنياهم، وآجل معادهم، وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها، وذلك أن المنافق يعمل على شك، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناءٍ وضعف، ولو عمل على بصيرة، لاكتسب بعمله أجرًا، ولكان له عند الله ذخرًا، وكان على عمله الذي يعمل أقوى، ولنفسه أشدَّ تثبيتًا، لإيمانه بوعد الله على طاعته، وعمله الذي يعمله " (١٢). قال أبو إسحاق السبيعي: " لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي» " (١٣). وعن شريح بن عبيد قال: لما تلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل- يعني ابن رواحة" (١٤). وعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت. قال: «صدقت يا أبا بكر» " (١٥).

стр. 2908

سئل سفيان عن قوله: " ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال النبي ﷺ : «لو نزلت كان ابن أم عبد منهم» " (١). الفوائد: ١ - أخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها (٢). ٢ - أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدا وشكرا لربه (٣). ٣ - أنه ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط (٤). ٤ - أن الله جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل، فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾، فضرب المثل بمفارقة الدار كما ضربه بمفارقة الحياة (٥). القرآن ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [النساء: ٦٧] التفسير: ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ [النساء: ٦٧]، أي: " ولأعطيناهم من عندنا ثمرة الطاعة" (٦). قال البيضاوي: " جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وما يكون لهم بعد التثبيت فقال وإذا لو تثبتوا لآتيناهم، لأن إذا جواب وجزاء" (٧). قال الطبري: أي: " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعِظُوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا" (٨). قال المراغي: " أي: ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل" (٩). قال ابن كثير: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾، " أي: من عندنا " (١٠). قال الراغب: "وإنما قال: ﴿من لدنا﴾، لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلها قدرا وأعظمها خطرا، نحو: وروحنا" (١١). قوله تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧]، أي: " ثواباً كثيرا" (١٢). قال الطبري: أي: " جزاء وثوابًا عظيمًا" (١٣). قال البغوي: أي: " ثوابا وافرا" (١٤). قال ابن كثير: " يعني: الجنة" (١٥). قال السمعاني: "هو الجنة" (١٦).

стр. 2909

قال القرطبي: " أي: ثوابا في الآخرة" (١). قال الخازن: " يعني: ثوابا وافرا جزيل" (٢). قال الزمخشري: " المراد: العطاء المتفضل به من عنده، وتسميته أجرا، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته" (٣). عن سعيد بن جبير قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: الجنة" (٤). وروي عن أبي هريرة وعكرمة وأنس، والضحاك وقتادة نحو ذلك (٥). قال الراغب: " بيّن أنهم لو قبلوا الموعظة، لجمع لهم بين خير الدنيا والآخرة، وذلك هو المعني بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] " (٦). الفوائد: ١ - أنه مما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به هو الثواب العظيم في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ٢ أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال ﵊: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (٧) (٨). القرآن ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٨] التفسير: ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم. قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [النساء: ٦٨]، أي: " ولأرشدناهم ووفقناهم" (٩). قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات" (١١). قوله تعالى: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨]، أي: " إلى طريق الله القويم" (١٢). قال البغوي: " أي: إلى الصراط المستقيم" (١٣). قال البيضاوي: أي: " يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي ﷺ «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» (١٤) " (١٥). وفي «الصراط المستقيم»، وجوه من التفسير: أحدها: أنه «كتاب الله». رواه أبو نواس الانصاري عن رسول الله- ﷺ (١٦). والثاني: أنه «الإسلام». رواه أبو نواس الانصاري أيضا عن رسول الله- ﷺ (١٧). والثالث: أن الصراط المستقيم: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قاله أبو العالية (١٨). قال عاصم: "فذكرناه ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح" (١٩). والرابع: أن الصراط المستقيم هو: الحق. وهذا قول مجاهد (٢٠). قال الراغب: "و «الصراط المستقيم» الذي وعدهم، هو الذي حرض على سؤاله في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " (٢١). قال ابن عطية: " و «الصراط المستقيم»: الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر" (٢٢). الفوائد: ١ - أن الهداية تكون من ثمرة تحكيم الشريعة والانقياد التام للرسول ﷺ . ٢ - أن الهداية من الله تعالى، وَقَالَ اهل السّنة ان الْهِدَايَة من الله تَعَالَى على وَجْهَيْن (٢٣): احدهما: من جِهَة ابانة الْحق وَالدُّعَاء اليه وَنصب الادلة عَلَيْهِ وعَلى هَذَا الْوَجْه يَصح اضافة الْهِدَايَة الى الرُّسُل والى كل دَاع الى دين الله لانهم يرشدون اهل التَّكْلِيف الى الله تَعَالَى وَهَذَا تَأْوِيل قَول الله فِي رَسُوله ﷺ ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ اى تَدْعُو اليه. وَالْوَجْه الثانى: من هِدَايَة الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ خلق الاهتداء فِي قُلُوبهم كَمَا ذكره فِي قَوْله ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾، وَهَذَا النَّوْع من الْهِدَايَة لَا يقدر عَلَيْهِ الا الله تَعَالَى. وَالْهِدَايَة الاولى من الله تَعَالَى شَامِلَة لجَمِيع الْمُكَلّفين وَالْهِدَايَة الثَّانِيَة من خاصته للمهتدين وفى تَحْقِيق ذَلِك نزل قَول الله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ القرآن ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩] التفسير: ومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد ﷺ فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا والشهداء في سبيل الله وصالح المؤمنين، وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: "جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ : يا فلان، مالي أراك محزونًا؟ قال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه! فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك! فلم يردّ النبي ﷺ شيئًا. فأتاه جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال: فبعث إليه النبي ﷺ فبشره" (٢٤). وفي السياق نفسه أخرج الطبري (٢٥) وابن أبي حاتم (٢٦)، والواحدي (٢٧)، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: "قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا

стр. 2910

، فإنك لو قَدْ مِتَّ رُفِعت فوقنا فلم نرك! فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، الآية" (١). وروي عن قتادة (٢)، والربيع (٣) نحوذلك. وقال السدي: " قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ " (٤). وأخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة قال: "أتى فتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله: إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك، لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل : ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، فقال له رسول الله ﷺ : «أنت معي في الجنة إن شاء الله» " (٥). وأخرج الطبراني عن الأسود، عن عائشة-﵂ قالت: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ..... ﴾، الآية" (٦). وقال مقاتل: " نزلت في رجل من الأنصار يسمى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، قال للنبي- ﷺ -وهو الذي رأى الأذان في المنام مع عمر بن الخطاب- ﵄: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فلم ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، فذكرت درجاتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة «٢». فأنزل الله- ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ " (٧). قال ابن عطية: " وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي ﵇، قال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي" (٨). وقال مقاتل: " فلما توفي النبي- ﷺ أتاه ابنه وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي- ﷺ فقال عند ذلك: اللهم اعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي أبدا. فعمي مكانه وكان يحب النبي- ﷺ حبا شديدا فجعله الله- مع النبي- ﷺ فى الجنة" (٩). وذكر الثعلبي - بغير إسناد- (١٠)، والواحدي (١١) عن الكلبي، قال: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله ﷺ وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله: «يا ثوبان ما غير لونك؟ » فقال: يا رسول الله ما بي من ضر ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك
следующие страницы →