← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال ابن عباس: أي يصدقونك بما"جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءوهم به من ربهم" (١). وقال قتادة: " فآمنوا بالفرقان وبالكتب التي قد خلت قبله من التوراة والزبور والإنجيل" (٢). قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، "أي وبالبعث والنشر هم عالمون" (٣). قال الثعلبي: أي: "يعلمون ويتيقنون أنها كائنة" (٤). قال الصابوني: " أي ويعتقدون اعتقاداً جازماً لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التي تتلو الدنيا، بما فيها من بعثٍ وجزاءٍ، وجنةٍ، ونار، وحساب، وميزان" (٥). قال ابن عباس: " أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان" (٦). وقال أهل العلم: " ودخل (هُمْ) تأكيدا، يسمّيه الكوفيون عمادا والبصريون فصلا" (٧). وذكروا في تفسير قوله تعالى ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، وجهين (٨): أحدهما: يعني الدار الآخرة. والثاني: يعني النشأة الآخرة. قال الماوردي: وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، أي يعلمون، فسمي العلم يقيناً لوقوعه عن دليل صار به يقيناً" (٩). و(اليقين): هو العِلم وإزاحة الشكِّ، وتحقيق الأمر (١٠). وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شي عليه، قال الشاعر (١١): تحسب هواس وأيقن أنني ... بها مفتد من واحد لا أغامره يقول: تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته (١٢). وعرفه الأصفهاني بقوله: "هو سكون الفهم مع ثبات الحكم" (١٣). وقال ابن الجوزي: "اليقين ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر وهو أبلغ علم مكتسب" (١٤). قال الجرجاني في تعريف اليقين: هو" طُمأنينة القَلْب، على حقيقة الشيءِ وتحقيق التصديق بالغَيْب، بإزالة كلِّ شكٍّ ورَيْب" (١٥). وفي اليقين لابن أبي الدُّنيا من طِريق العلاء بن عُتْبة: أنَّ النبي ﷺ قال: "اللهمَّ إني أسألك إيمانًا تباشِر به قلْبي، ويَقينًا حتى أعلمَ أنه لا يمنعني رِزقًا قسمتَه لي، ورِضًا من المعيشة بما قسمتَ لي" (١٦).

стр. 317

وقد وردتْ مادة (يَقِنَ) في القرآن الكريم في عِشرين آية باشتقاقات مختلِفة، موزَّعة على أرْبعَ عشرةَ سورة (١). قال ابن عثيمين: " وإنما نص على الإيقان بالآخرة مع دخوله في الإيمان بالغيب لأهميته؛ لأن الإيمان بها يحمل على فعل المأمور، وترك المحظور؛ و "الإيقان" هو الإيمان الذي لا يتطرق إليه شك" (٢). وقوله تعالى: ﴿اليوم الآخر﴾، هو يوم القيامة، و"الآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، والموجب للعمل" (٣). وفي تسميتها بـ (اليوم الآخر)، أقوال: أحدها: لأنه اليوم الذي لا يوم بعده (٤)، قال الطبري: قال أبو جعفرٍ: أمّا الآخرة، فإنّها صفةٌ للدّار، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وإنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ وإنّما وصفت بذلك لمصيرها آخرةً لأولى كانت قبلها كما تقول للرّجل: أنعمت عليك مرّةً بعد أخرى فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة. وإنّما صارت الآخرة آخرةً للأولى، لتقدّم الأولى أمامها، فكذلك الدّار الآخرة سمّيت آخرةً لتقدّم الدّار الأولى أمامها، فصارت التّالية لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سمّيت آخرةً لتأخّرها عن الخلق، كما سمّيت الدّنيا دنيا لدنوّها من الخلق" (٥). والثاني: وقيل لتأخرها من الناس، قَالَ النحَّاسُ (ت: ٣٣٨ هـ: ("ثم قال تعالى: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ سميت "آخرة" لأنها بعد "أولى"، وقيل: لتأخرها من الناس، وجمعها (أواخر) " (٦). والثالث: وقيل لأنها بعد الدنيا، قالَ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ: ("وإنّما سمّيت الآخرة لأنّها بعد الدّنيا" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بما أنزل على الرسول ﷺ وما أنزل من قبله. ٢ - ومنها: أن من أوصاف المتقين الإيقان بالآخرة على ما سبق بيانه في التفسير. ٣ - ومنها: أهمية الإيمان بالآخرة؛ لأن الإيمان بها هو الذي يبعث على العمل؛ ولهذا يقرن الله تعالى دائماً الإيمان به ، وباليوم الآخر؛ أما من لم يؤمن بالآخرة فليس لديه باعث على العمل؛ إنما يعمل لدنياه فقط: يعتدي ما دام يرى أن ذلك مصلحة في دنياه: يسرق مثلاً؛ يتمتع بشهوته؛ يكذب؛ يغش .. ؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة؛ فالإيمان بالآخرة حقيقة هو الباعث على العمل. ٤ - قال أهل العلم: و"اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب وعمل القلب، فإن العبد قد يعلم علما جازما بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك، إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم يكن ضدا لأصل العلم، وأما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك" (٨). وهذا اليقين يحصل بثلاثة أشياء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: أحدها: تدبر القرآن الكريم.

стр. 318

والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق. والثالث العمل بموجب العلم قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] (١). القرآن ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] التفسير: أولئك المتقون وهم "المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الاخرة وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٥]، أي: "المشار إليه ما تقدم ممن اتصفوا بالصفات الخمس؛ وأشار إليهم بصيغة البعد لعلوّ مرتبتهم" (٢). قال الثعلبي: " ﴿أُولئِكَ﴾: أهل هذه الصفة، و (أولاء): اسم مبني على الكسر، ولا واحد له من لفظه، والكاف خطاب" (٣). قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤]، أي: على" نور وبيان وبصيرة من الله تعالى" (٤). قال ابن عباس: " أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم" (٥). وقال سعيد بن جبير: أي: " على بينة من ربهم" (٦). وعن قتادة: " ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾، قال: قوم استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه الله لهم، وهذا نعت أهل الإيمان" (٧). قال الطبري: أي" أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم" (٨). وقال الثعلبي: أي: على: رشد وبيان وصواب" (٩). قال ابن عثيمين: " أي على علم، وتوفيق من خالقهم المدبر لأمورهم" (١٠). وقوله تعالى: ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي: "أوتوه من عنده" (١١). قال الزمخشري: " والنون في: (من ربهم) أدغمت بغنة وبغير غنة. فالكسائى، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو، فقد روى عنه فيها روايتان" (١٢). قال النسفي: " ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله ﷺ وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله، ومعنى الاستعلاء في " على هدى " مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه نحوه " هو على الحق وعلى الباطل وقد صرحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى" (١٣).

стр. 319

وقوله تعالى: " ﴿على﴾ للاستعلاء؛ وتفيد علوهم على هذا الهدى، وسيرهم عليه، كأنهم يسيرون على طريق واضح بيّن؛ فليس عندهم شك؛ تجدهم يُقبلون على الأعمال الصالحة وكأن سراجاً أمامهم يهتدون به: تجدهم مثلاً ينظرون في أسرار شريعة الله، وحِكَمها، فيعلمون منها ما يخفى على كثير من الناس؛ وتجدهم أيضاً عندما ينظرون إلى القضاء والقدر كأنما يشاهدون الأمر في مصلحتهم حتى وإن أصيبوا بما يضرهم أو يسوءهم، يرون أن ذلك من مصلحتهم؛ لأن الله قد أنار لهم الطريق؛ فهم على هدًى من ربهم وكأن الهدى مركب ينجون به من الهلاك، أو سفينة ينجون بها من الغرق؛ فهم متمكنون غاية التمكن من الهدى؛ لأنهم عليه، والربوبية هنا خاصة متضمنة للتربية الخاصة التي فيها سعادة الدنيا، والآخرة" (١). قوله تعالى: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: ٤]، "أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية في جنات النعيم" (٢). قال ابن عباس: " أي الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا" (٣). قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة" (٤). قال الثعلبي: " وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار" (٥). قال البغوي: أي: فهم الناجون والفائزون، فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم (٦). قال الطبري: " أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله ﵎ لأعدائه من العقاب" (٧). قال الزمخشري: " وفي تكرير أولئك تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها" (٨). وقال ابن عثيمين: " وأعيد اسم الإشارة تأكيداً لما يفيده اسم الإشارة الأول من علوّ المرتبة، والعناية التامة بهم كأنهم حضروا بين يدي المتكلم؛ وفيه الفصل بين الغاية، والوسيلة؛ فالغاية: الفلاح؛ ووسيلته: ما سبق، و "الفلاح" هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب؛ فهي كلمة جامعة لانتفاء جميع الشرور، وحصول جميع الخير" (٩). والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وحصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك (١٠). وأصل الفلاح: القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض، وقيل لأهل الجنة مفلحون لفوزهم ببقاء الأبد، وفلاح الدهر: بقاؤه، يقال: لا أفعل ذلك فلاح الدهر (١١). واختلف في تفسير (الفلاح) في قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، على ثلاثة أقوال (١٢): أحدها: أن (الفلاح): هو الظفر بالبغية وإدراك الأمل، ومنه قول لبيد (١٣): اعْقِلِي, إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ

стр. 320

يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا. ومنه قول الراجز (١): عَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَا ... جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا تَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا! ... أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَا يعني: "خيرًا وقربًا من حاجتها. والفلاحُ مصدر من قولك: أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا" (٢)، قال الزمخشري: " والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. والمفلج - بالجيم - مثله. ومنه قولهم المطلقة: استفلحى بأمرك بالحاء والجيم" (٣). والثاني: وقيل: الفلاح: هو البقاء، وقد ورد ذلك في كلام العرب أشعار، ومن ذلك قول لبيد (٤): نَحُلُّ بِلادًا، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا ... وَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ يريد البقاء، ومنه أيضًا قول عَبيد (٥): أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ ... ـعْفِ، وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ يريد: عش وابقَ بما شئت، وكذلك قول نابغة بني ذبيان (٦): وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ ... وَإِنْ أَثْرَى، وَإِنْ لاقَى فَلاحًا أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً (٧). ومنه قول الأضبط (٨): لكلّ همّ من الهموم سعه ... والصّبح والمسى لا فلاح معه قال ابن عطية: "والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه، وحكى الخليل (الفلاح) (٩) على المعنيين" (١٠). الثالث: وقيل: المفلح: هو المقطوع له بالخير (١١)، لأن الفلح في كلامهم القطع (١٢)، وكذلك قيل للأكار فلاح، لأنه يشق الأرض، وقد قال الشاعر (١٣): لَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمِّ صحصحْ ... أن الحديدَ بالحديدِ يُفلحْ أَي: "يُشَقُّ ويُقطع" (١٤).

стр. 321

وتجدر الإشارة بأن الفلاح مرتب على الاتصاف بهذه الصفات، فإن اختلت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات، لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص (١)، ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات. واختلف فيمن أُرِيدَ بهم، على أربعة أوجه (٢): أحدها: المؤمنون بالغيب من العرب، والمؤمنون بما أنزل على محمد، وعلى من قبله من سائر الأنبياء هم مؤمنوا أهل الكتاب. قاله ابن مسعود (٣). والثاني: هم مؤمنو العرب وحدهم (٤). والثالث: جميع المؤمنين. قاله أبو العالية (٥). والرابع: وقيل: "هم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد ﷺ وبما جاء به، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب" (٦). والراجح هو قول ابن مسعود: " لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود، ثم أثنى عليهم، فلم يكن ليخص أحد الفريقين بالثناء، مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات. كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال، فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر، ويحرم الآخر جزاء عمله. فكذلك سبيل الثناء بالأعمال، لأن الثناء أحد أقسام الجزاء" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: سلامة هؤلاء في منهجهم؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك على هدًى من ربهم﴾. ٢ - ومنها: أن ربوبية الله تكون خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون﴾ ﴿الأعراف: ١٢١، ١٢٢﴾. ٣ - ومنها: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾. ٤ - ومنها: أن الفلاح مرتب على الاتصاف بما ذُكر؛ فإن اختلَّت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات؛ لأن الصحيح من قول أهل السنة والجماعة، والذي دلّ عليه العقل والنقل، أن الإيمان يزيد، وينقص، ويتجزأ؛ ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات: هناك رتب كما جاء في الحديث: "إن أهل الجنة ليتراءون أصحاب الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال ﷺ لا؛ والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين" (٨)، أي ليست خاصة بالأنبياء القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦]. التفسير:

стр. 322

إن الذين جحدوا ما أُنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا، لن يقع منهم الإيمان، سواء أخوَّفتهم وحذرتهم من عذاب الله، أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم. اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على أقوال (١): أحدها: أنها "نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته". قاله الضحاك (٢). والثاني: وقيل نزلت في اليهود. قاله ابن عباس (٣)، والكلبي (٤)، واختاره الطبري (٥). والثالث: وقيل: "نزلت في أهل القليب (٦) قليب بدر. منهم أبو جهل، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة" (٧)، حكي ذلك عن الربيع (٨). قال ابن حجر: "وكذا حكاه أبو حيان ولم ينسبه لقائل (٩)، وأقره، وفيه خطأ لأن الوليد بن المغيرة مات بمكة قبل الهجرة (١٠)، وعقبة بن أبي معيط إنما قتل بعد رحيل المسلمين من بدر راجعين إلى المدينة قتل بأمر النبي ﷺ بالصفراء باتفاق أهل العلم بالمغازي" (١١). الرابع: وقال أبو العالية: "نزلت في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار﴾ " (١٢). والخامس: وقيل: أنها "أنزلت في مشركي العرب من قريش وغيرهم" (١٣). السادس: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا مَنْ سبقت له السعادة في الذّكْر الأول، ولا

стр. 323

يضل إلا من سبق له من الله الشقاءُ في الذكر الأول" (١). قال ابن حجر: "وحاصله أنها خاصة بمن قدر الله تعالى أنه لا يؤمن" (٢). واختار القول الأخير القرطبي (٣)، وإليه مال ابن عطية، فقد حكاه أولًا ثم قال: "والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحدًا فإنما مثل بمن كشف الغيب -بموته على الكفر- أنه في ضمن الآية " (٤)، وهذا يعني أن الآية هي عامة، ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره، أراد الله أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحداً. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦]، " أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد ﷺ " (٥). قال ابن عباس: " أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك" (٦). وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٧): فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ وقال لبيدُ بن ربيعة (٨): يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا يعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩]، وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٩). قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، "أي: سواءٌ أَحذرتهم يا محمد بن عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم، لا يصدقون بما جئتهم به" (١٠). قال ابن عباس: " أي: أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك" (١١).

стр. 324

قال القرطبي: أي: "معتدلٌ عندهم: الإنذار وتركه (١). قال الصابوني: "أي يتساوى عندهم، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك تذهب نفسك عليهم حسرات، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ َ عن تكذيب قوله له" (٢). قال الطبري: "أيّ الأمرين كان منك إليهم [سواء]، الإنذار أم ترك الإنذار (٣)، ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات (٤): تُغِذُّ بيَ الشّهبَاءُ نَحْوَ ابن جَعْفٍر ... سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا يعني بذلك: معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ، لأنه لا فُتُورَ فيه. ومنه قول الآخر (٥): وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِه ... سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته. قال أبو حيان: " فإن قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إشارة إلى أن السواء الذي أضيف إليهم وباله ونكاله عليهم ومستعل فوقهم، لأنه لو أراد بيان أن ذلك من وصفهم فحسب لقال: سواء عندهم، فلما قال: سواء عليهم، نبه على أنه مستعل عليهم" (٦). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، على وجوه (٧): أحدها: قرأ الزهري، وابن محيصن: ﴿أنذرتهم﴾، بهمزة واحدة، حذف الهمزة الأولى لدلالة المعنى عليها، ولأجل ثبوت ما عادلها وهو ﴿أم﴾، وقرأ أبي أيضا بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم. والثاني: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بهمزتين، وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بالمد وتليين الهمزة الثانية. والثالث: وقرأ ابن عامر بألف بين همزتين. قال الثعلبي: " وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، وظاهرها إنشاء ومعناها إخبار" (٨). قال أبو العالية: " آيتان في قادة الأحزاب: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾، قال: هم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ " (٩). وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : "قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نأيس. فقال: ألا أخبركم؟ ثم قال: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا منهم يا رسول الله؟ قال: أجل" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تسلية الرسول ﷺ حين يردُّه الكفار، ولا يَقبلون دعوته. ٢ - ومنها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد. قد ختم الله على قلبه.، كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا

стр. 325

العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وقال تعالى: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار﴾ [الزمر: ١٩] يعني هؤلاء لهم النار؛ انتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم. ٣ - ومنها: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله تعالى فإن فيه شبهاً من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ، ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله. القرآن ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٧]. التفسير: طبع الله على قلوب هؤلاء وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غطاء؛ بسبب كفرهم وجحودهم وعنادهم مِن بعد ما تبيَّن لهم الحق، فلم يوفقهم للهدى، ولهم عذاب شديد في نار جهنم. قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، " أي: طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور، ولا يشرق فيها إيمان" (١). قال ابن عباس: " أي: عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به وإن آمنوا بكل ما كان قبلك، ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم. فهذا في الأحبار من يهود فيما كذبوا به من الحق بعد معرفته" (٢). قال الثعلبي: أي: " طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبرا ولا تفهمه. يدل عليه قوله: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] " (٣). قال الماوردي: " الختم الطبع، ومنه ختم الكتاب" (٤). قال ابن عثيمين: أي: " قلوبهم مختوم عليها لا يصدر منها خير، ولا يصل إليها خير" (٥). قال سعيد المقبري: "ختم الله على قلوبهم بالكفر" (٦). وروي "عن السدي: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، يقول: فلا يسمعون ولا يعقلون" (٧). وقال أبو مالك: " ﴿ختم الله﴾، يعني: طبع الله" (٨). وعن مجاهد: " ﴿ختم الله على قلوبهم﴾، قال: الطبع ثبتت الذنوب على القلب تحف به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه. فالتقاؤها عليه الطبع. والطبع الختم" (٩). وعن مجاهد أيضا: "الرّانُ أيسَرُ من الطَّبْع، والطَّبع أيسر من الأقْفَال، والأقفال أشدُّ ذلك كله" (١٠). وسُمِّي القلب قلباً لتقلُّبِهِ بالخواطر (١١)، وقد قيل (١٢): ما سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ ... وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ، بالإنْسَانُ أَطْوَارا واختلف في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، على أقوال (١٣):

стр. 326

أحدها: أن القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبْدُ ذنباً ضُمَّ منه كالإصبع، فإذا أذنب ثانياً ضم منه كالإصبع الثانية، حتى يضمَّ جميعه ثم يطبع عليه بطابع. وهو قول مجاهد (١). والثاني: أنها سمة تكون علامة فيهم، تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين. والثالث: أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعوا إليه من الحق، تشبيهاً بما قد انسدَّ وختم عليه، فلا يدخله خير. والرابع: أنها شهادة من الله تعالى على قلوبهم، بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحقَّ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إليه، والغشاوة: تعاميهم عن الحق. والصحيح هو القول الأول، وذلك لما صحّ بنظيره عن رسول الله- ﷺ ، أنه قال: " إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب وَنزع واستغفر، صَقَلت قلبه، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك " الرَّانُ " الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٤] " (٢). فيتبيّن لنا من الحديث: " أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك، ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع. والختم الذي ذكره الله ﵎ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها" (٣). وأصلُ الختم: الطَّبْع، والخاتَم هو الطَّابع. يقال منه: ختمتُ الكتابَ، إذا طبَعْتَه" (٤). قال أبو حيان: " وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾: وسمها سمة تدل على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع، قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع لى قلبه (٥)، وهذا باطل, لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته" (٦). وقد خص القلب بالختم لأنه محل الفهم والعلم، كما أنه ذكر الاعضاء (السمع والبصر القلب)، لأنها طرق العلم، فالقلب محل العلم وطريقه السماع أو الرؤية. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، " أي: وختم على سمعهم" (٧). قال الثعلبي: " فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به" (٨). قال ابن عثيمين: " والختم على الأذن: أن لا تسمع خيراً تنتفع به" (٩). قال الواحدي: " وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (١٠)، وقال ابن الأنباري: أراد: وعلى مواضع سمعهم، فحذف

стр. 327

المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (١)، وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (٢)، كما قال الراعي (٣): بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب وقال الله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وهو كثير جدًّا. وقال سيبويه (٤): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] " (٥). وقوله تعالى ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، فيه قراءتان (٦): أحدهما: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾، وهي قراءة الجمهور. والثاني: ﴿وعلى أسماعهم﴾، قرأ بها ابن أبي عبلة. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، أي: "وعلى أبصارهم غطاء، فلا يبصرون هدى" (٧). قال الثعلبي: " أي غطاء وحجاب، فلا يرون الحق" (٨). قال ابن عباس: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم" (٩). وقال السدي: "جعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فهم لا يبصرون" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي: غطاء يحول بينها وبين النظر إلى الحق؛ ولو نظرت لم تنتفع" (١١). روي "عن قتادة قال: "استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، ف ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون، ولا يعقلون" (١٢). قال أبو حيان: " شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية بالوعاء المختوم عليه المسدود منافذة المغشي بغشاء يمنع أن يصل إليه ما يصلحه، لما كانت مع صحتها وقوة إدراكها ممنوعة عن قبول الخير وسماعه وتلمح نوره" (١٣). والأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (١٤)، ومنه قول زهير (١٥): تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحملن بالعليا من فوق جرثم (١٦)

стр. 328

والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، والغشاوة في كلام العرب: الغطاءُ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص (١): تَبِعْتُكَ إذْ عَيْني عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا ومنه يقال: تغشَّاه الهم: إذا تجلَّله وركبه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (٢): هَلا سَأَلْتِ بَنِي ذُبيَان مَا حَسَبي ... إذَا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشمَط البَرَمَا يعني بذلك: تجلّله وَخالطه. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، على وجوه (٣): أحدها: قرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي (٤) عنه: ﴿غشاوة﴾، بالنصب (٥)، وله وجهان (٦): الأول: أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك تحمل على (ختم). والوجه الثاني: ما قاله الفراء، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] (٧). والثاني: وقرأ الباقون ﴿غشاوة﴾، بالرفع. قال أبو علي: والرفع أحسن والقراءة به أولى، لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه خَتَمَ تقديره وجعل على أبصارهم، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة (٨). والثالث: وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين. قال ابن عطية: " وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة والعصابة والربابة وغير ذلك" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، " أي ولهم في الآخِرة عذاب شديدٌ لا ينقطع، بسبب كفرهم وإجرامهم وتكذيبهم بآيات الله" (١٠).

стр. 329

وروي " عن ابن عباس في قوله: ﴿عذاب﴾، يقول: نكال" (١). وعن مقاتل بن حيان، "قوله: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، يعني عذاب وافر" (٢). قال ابن عطية: " معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك" (٣). قال ابن عثيمين: " وعظمه الله تعالى؛ لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار" (٤). قال أبو حيان: " فإنه لو اقتصر على قوله عذاب ولم يقل عظيم لاحتمل القليل والكثير، فلما وصفه بالعظيم تمم المعنى وعلم أن العذاب الذي وعدوا به عظيم، إما في المقدار وإما في الإيلام والدوام" (٥). قال ابن عباس: "ولهم بما هُمْ عليه من خلافك ﴿عذابٌ عظيم﴾، قال: فهذا في الأحبار من يهود، فيما كذَّبوكِ به من الحق الذي جاءك من رّبك بعد معرفتهم" (٦). قال الزجاج في هذه الآية: "إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر" (٧). قال الواحدي: "ومعنى العذاب الأليم: الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم" (٨). وأصل (العذاب) في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (٩)، فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب غيره من أرتكاب مثله (١٠). وقوله تعالى: ﴿أَلِيمٌ﴾: ، الأليم: بمعنى المؤلم (١١)، كالسميع: بمعنى المسمع، وقال ذو الرمة (١٢): وترفع من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ أليمُ وقال عمرو بن معد يكرب (١٣): أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع ... يُؤْرِقُني وأَصْحابي هَجوع أي: المسمع (١٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن محل الوعي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ يعني لا يصل إليها الخير. ٢ - ومنها: أن طرق الهدى إما بالسمع؛ وإما بالبصر: لأن الهدى قد يكون بالسمع، وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال؛ وبالبصر فيما يشاهد؛ وهكذا آيات الله تكون مقروءة مسموعة؛ وتكون بيّنة مشهودة. ٣ - ومنها: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم.

стр. 330

مسألة: إذا قال قائل: هل هذا الختم له سبب من عند أنفسهم، أو مجرد ابتلاء وامتحان من الله ؟ فالجواب: أن له سبباً؛ كما قال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقال تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣]. القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨] التفسير: ومن الناس فريق يتردد متحيِّرًا بين المؤمنين والكافرين، وهم المنافقون الذين يقولون بألسنتهم: صدَّقْنَا بالله وباليوم الآخر، وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا. في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال (١): أحدها: أنها نزلت في قوم معينين، لأن الله تعالى حكى عنهم أقوالا معينة، قالوها، فلايكون صادرا إلا من معين. قاله أبو حيان (٢)، والطبري (٣). والثاني: أنها نزلت في منافقي الأوس والخزرج ومن كان على صفتهم، قاله ابن عباس (٤). والثالث: أنها عامة في المنافقين، قاله مجاهد (٥)، الربيع (٦)، وابن جريج (٧)، وروي عن أبي العالية (٨) والحسن البصري، وقتادة والسدي مثل ذلك (٩). لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات (١٠)، ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧]، شرع تعالى في بيان حال المنافقين في ثلاثة عشرة آية، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور، تعريفا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا (١١). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٨]، "أي: ومن الناس فريق" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي: وبعض الناس، ولم يصفهم الله تعالى بوصف. لا بإيمان، ولا بكفر.؛ لأنهم كما وصفهم الله تعالى في سورة النساء: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ [النساء: ١٤٣] " (١٣). واختلف العلماء في أصل كلمة ﴿الناس﴾، وفيه وجهان (١٤):

стр. 331

أحدهما: أن يكون جمعًا لا واحدَ له من لَفْظِه، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و (نويس). فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (١)، دل على أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك. ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: "أناس من حلي أذني" (٢). قال الأزهري: " وسمي الناس ناسًا، لأن من شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه" (٣). والثاني: أن يكون أصله (أُناس) (٤)، أسقِطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان، فأدغِمت اللام - التي دخلت مع الألف فيها للتعريف - في النون، كما قيل في ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [سورة الكهف: ٣٨]، وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال (٥): إن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا قال الأزهري: "وهذا قول حذاق النحويين" (٦). قال الأزهري: "وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون" (٧)، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنساناً" (٨)، قال الواحدي: "وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة" (٩)، ومنه قول الشاعر (١٠): لا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناسي وقال الآخر (١١):

стр. 332

فإن نسيت عهودا منك سالفة ... فاغفر فأوّل ناس أوّل الناس قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]، أي: " يقولون بألسنتهم صدَّقنا بالله" (١). قال الثعلبي: أي: صدّقنا" (٢). قال ابن عثيمين: "أي: يقول بلسانه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨]، "أي وصدَّقنا بالبعث والنشور" (٤). قال الثعلبي: أي: يوم القيامة" (٥). وذكروا في سبب تسميته باليوم الآخر وجهان (٦): أحدهما: قيل: لأنه بعد أيام الدنيا. الثاني: وقيل: لأنه آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة. قال الطبري: "وإنما سُمّى يومُ القيامة ﴿اليومَ الآخر﴾، لأنه آخر يوم، لا يومَ بعده سواه، فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء، ولا زوال؟ قيل: إن اليومَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا. فيوم القيامة يوم لا ليلَ بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام. ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه " اليوم الآخر "، ونعتَه بالعَقِيم. ووصفه بأنه يوم عَقيم، لأنه لا ليل بعده" (٧). قال الواحدي: و" (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت" (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] " أي: وما هم "بمصدِّقين، فيما يزعمون أنهم به مُصَدِّقون" (٩). روي عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾، قال: مصدقين" (١٠). قال الصابوني: "أي: وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين" (١١). قال البيضاوي: "هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلاً للتقسيم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاءً، ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المُصِّرِّينَ" (١٢). واختلف أهل اللغة في أصل (النفاق) على قولين: أحدها: فقيل: مأخوذ من النفق، وهو السّرب في الأرض الذي يُستَتَر فيه، سمّي النفاق بذلك لأنّ المنافق يستر كفرَه. وبهذا قال أبو عبيد (١٣).

стр. 333

والثاني: وقيل: إنه مأخوذ من نافقاء، والنافقاء موضع يرقِّقه اليربوع من جحره، فإذا أتى من قِبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، ومنه اشتقاق النفاق؛ لأنّ صاحبه يكتم خلافَ ما يُظهر، فكأنَّ الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء. ويمكن أنَّ الأصل في الباب واحد، وهو الخروج، والنفق المسلك النافذ الذي يمكن الخروج منه (١)، قال ابن رجب: "والذي فسّره به أهل العلم المعتبرون أنّ النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه" (٢)، قال تعالى: ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿الأنعام ٣٥]. والنفاق في الاصطلاح الشرعي: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وهو بهذا المعنى لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. ولكن الصلة قائمة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي، فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهراً، وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان، ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك نافقاً عليه، لكن النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول ﷺ ، فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس لغيرها، وهو خطاب مقيِّد خاص لمطلق يحتمل أنواعا (٣). ويعرف ابن كثير النفاق قائلا: "النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، وهو أنواع: اعتقاديٌّ، وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعمليٌّ وهو أكبر من الذنوب، قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه" (٤). وعن حذيفة قال: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ . قال: فقلنا يا أبا عبد الله وكيف ذلك؟ قال: إن أولائك كانوا يسرون نفاقهم وإن هؤلاء يعلنون (٥)، وسئل حذيفة عن النفاق فقال: " أن تتكلم باللسان ولا تعمل به" (٦). والنفاق يطلق على النفاق الأكبر؛ الذي هو إضمار الكفر، وعلى النفاق الأصغر؛ الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات، وفي المحرمات ومثله أن النفاق الأكبر هو اختلاف السر والعلانية في الكفريات والشركيات (٧)، وقد أطلق النفاق على إبطان الكفر وإبطان المعصية (٨). والنفاق على دروب؛ نفاق كفر ونفاق قلب ولسان وأفعال وما هو دون ذلك (٩)، ورُوِي عن الحسن البصري وقتادة ﵄: أن صاحب الكبيرة منافق (١٠)، وروى الترمذي عن الحسن البصري شيئاً من هذا أنه قال: النفاق نفاقان؛ نفاق عمل ونفاق التكذيب (١١)، وإن النفاق قسمان: قسماً لمن يُظهر الكفر ويبطن الإيمان، وقسم لمن يظهر غير ما يسر فيما سوى الدين وهو بذلك كافراً، وقد قيل لابن عمر: "إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال كنا نعدها نفاقا" (١٢). وعند ابن القيم: "النفاق نفاقان؛ نفاق اعتقاد ونفاق عمل" (١٣)، و"النفاق نوعان: أكبر وأصغر" (١٤): أولاً: النفاق الأكبر:

стр. 334

وهو أن يُظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلّه أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار (١). قال ابن القيم: الحامل لهم على النفاق طلب العزّ والجاه بين الطائفتين، فيرضوا المؤمنين ليعزّوهم، ويرضوا الكفار ليعزّوهم أيضاً. ومن ها هنا دخل عليهم البلاء؛ فإنهم أرادوا العزّتين من الطائفتين، ولم يكن لهم غرض في الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم وصَغْوُهم ووجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذّل وهو أن جُعِلَ مستقرّهم في أسفل السافلين تحت الكفار. (٢) ثانيا: - النفاق الأكبر: وهو كل ما جاء في النصوص تسمية فاعلها منافقاً مع إخراجه من الملة وتكفيره بذلك سواء كان قولاً أو عملاً أو اعتقاداً، فالنفاق: هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار (٣)، وهذا النوع من النفاق يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به لا يؤمن بأن الله أنزله على بشر وجعله رسولاً للناس يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه. وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلي لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن؛ بل فصاحة القرآن في التقسيم؛ لأن الله ابتدأ هذه السورة بالمؤمنين الخلَّص، ثم الكفار الخلَّص، ثم بالمنافقين؛ وذلك؛ لأن التقسيم مما يزيد الإنسان معرفة، وفهماً. ٢ - ومنها: أن القول باللسان لا ينفع الإنسان؛ لقوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) ٣ - ومنها: أن المنافقين ليسوا بمؤمنين. وإن قالوا: إنهم مؤمنون.؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾؛ ولكن هل هم مسلمون؟ إن أريد بالإسلام الاستسلام الظاهر فهم مسلمون؛ وإن أريد بالإسلام إسلام القلب والبدن فليسوا بمسلمين. ٤ - ومنها: أن الإيمان لا بد أن يتطابق عليه القلب، واللسان. ووجه الدلالة: أن هؤلاء قالوا: "آمنا" بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم؛ فصح نفي الإيمان عنهم؛ لأن الإيمان باللسان ليس بشيء. القرآن ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩]. التفسير: يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر، وما يخدعون إلا أنفسهم؛ لأن عاقبة خداعهم تعود عليهم، ومِن فرط جهلهم لا يُحِسُّون بذلك؛ لفساد قلوبهم. فإن المنافقين "من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها. يخدعونها حين

стр. 335

يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق، وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة. وينتهون بها إلى شر مصير! " (١). قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ الله﴾ [البقرة: ٩]، "أي يخالفون الله" (٢). قال ابن عثيمين: "أي: بإظهار إسلامهم الذي يعصمون به دماءهم، وأموالهم" (٣). قال ابن جُرَيْج: يظهرون "لا إله إلا الله" يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك" (٤). وقال قتادة: " نعت المنافق: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعلمه، ويصبح على حال ويسمى على غيره، ويسمى على حال ويصبح على غيره، يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هب معها" (٥). قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، أي: "ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا" (٦). قال ابن عثيمين: " ويخدعون الذين آمنوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر، فيظن المؤمنون أنهم صادقون" (٧). قال ابن زيد: " هؤلاء المنافِقُون، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظهروا" (٨). قال الزجاج: " يظهرون غير ما في نفوسهم، والتقية تسمى أيضا خداعا، فكأنهم لما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعا" (٩). قال الطبري: " وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ، إظهارُه من القول والتصديق، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسه، بما أظهر بلسانه، حكمَ الله اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء. فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله" (١٠). وقال أبو حيان: " والله تعالى هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء. فمخادعة المنافقين الله هو من حيث الصورة لا من حيث المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر، قاله جماعة، أو من حيث عدم عرفانهم بالله وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه" (١١). وقال القاشاني: "المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: ٨٠]. فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان لكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليهم. بحقن الدماء وحصن الأمول وغير ذلك، وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين: أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال- بازدياد الظلمة، والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها- وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [آل عمران: ٥٤]، وهم- من غاية تعمقهم في جهلهم- لا يحسون بذلك الأمر الظاهر" (١٢).

стр. 336

قال الزمخشري: "فان قلت: عم كانوا يخادعون؟ قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار. ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على إذاعتها إلى منابذيهم. فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها" (١). والخداع في اللغة فهو: "الإخفاء، جاء في معجم الأفعال: "أخدعت الشيء: أخفيته، ومنه المخدع: وهي الخزانة، والأخدعان: العرقان في العنق لخفائهما" (٢). وقال صاحب اللسان: " الخدع: إظهار خلاف ما تخفيه .. ، وخديعة وخدعة أي: أراد به المكروه وختله من حيث لا يعلم" (٣). وفي الاصطلاح ": الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه" (٤). وذكر الخداع في القرآن الكريم في خمسة مواضع، في ثلاث سور، في ثلاث آيات، ومن الملاحظ أن هذه السور كلها مدنية، وفي هذا إشارة إلى ظهور النفاق وفشوه بعد الهجرة إلى المدينة المنور ة؛ لتحذير المسلمين من هذا الداء الخطير؛ ولتو هين كيد هؤلاء المنافقين، والتأكيد على أن مكرهم وخداعهم إلى البوار (٥). والخداع يلتقي مع المكر في إضمار الشر والمكروه إذا كان من البشر، باستثناء الخداع في الحرب، فهو من باب: التخطيط والتدبير الجائز؛ لقوله ﵇ في الحديث الذي رواه جابر بن عبد االله رضي االله عنهما: "الحرب خدْعة" (٦)، وهو من باب المقابلة والتدبير والجزاء، إذا كان من الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، قال الشوكاني: ومعنى كون الله خادعهم: أنه صنع بهم صنع من يخادِع من خادعه، وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من التظاهر بالإسلام في الدنيا فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخَّر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعِهم بالدرك الأسفل من النار" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ [البقرة: ٩]، "أي: وما يخدعون في الحقيقة إِلا أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم" (٨). قال ابن عثيمين: " أي ما يخدع هؤلاء المنافقون إلا أنفسهم، حيث منَّوها الأماني الكاذبة" (٩). وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (وما يخادعون) بالألف (١٠). قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: "وما يَدْرُون" (١١).

стр. 337

قال البغوي: " أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم" (١). قال الصابوني: أي: "ولا يُحسّون بذلك ولا يفطنون إِليه، لتمادي غفلتهم، وتكامل حماقتهم" (٢). قال ابن عثيمن: "أي ما يشعر هؤلاء أن خداعهم على أنفسهم مع أنهم يباشرونه؛ ولكن لا يُحِسُّون به، كما تقول: "مَرَّ بي فلان ولم أشعر به" (٣). يقال: ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر، وهو لا يشعر به - إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم - شِعرًا وشعورًا. ومنه قول الشاعر (٤): عَقَّوْا بِسَهمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ ... ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا: حَبَّذَا الوَضَحُ يعني بقوله: لم يَشعر به، لم يدر به أحد ولم يعلم (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر، وخديعة؛ لقوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: ٤]؛ فحصر العداوة فيهم؛ لأنهم مخادعون. ٢ - ومنها: التحفظ من المنافقين؛ لأنه إذا قيل لك: "فلان يخدع" فإنك تزداد تحفظاً منها؛ وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون يقظاً حذراً، فلا ينخدع بمثل هؤلاء. فإن قال قائل: كيف نعرف المنافق حتى نكون حذرين منه؟ فالجواب: نعرفه بأن نتتبع أقواله، وأفعاله: هل هي متطابقة، أو متناقضة؟ فإذا علمنا أن هذا الرجل يتملق لنا، ويظهر أنه يحب الإسلام، ويحب الدين، لكن إذا غاب عنا نسمع عنه بتأكد أنه يحارب الدين عرفنا أنه منافق؛ فيجب علينا أن نحذر منه. ٣ - ومن فوائد الآية: أن المكر السيئ لا يحيق إلّا بأهله؛ فهم يخادعون الله، ويظنون أنهم قد نجحوا، أو غلبوا؛ ولكن في الحقيقة أن الخداع عائد عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾: فالحصر هنا يدل على أن خداعهم هذا لا يضر الله تعالى شيئاً، ولا رسوله، ولا المؤمنين. ٤ - ومنها: أن العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنسان بالأمور الظاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿وما يشعرون﴾ أي ما يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم؛ و "الشعور" أخص من العلم؛ فهو العلم بأمور دقيقة خفية؛ ولهذا قيل: إنه مأخوذ من الشَّعر؛ والشعر دقيق؛ فهؤلاء الذين يخادعون الله، والرسول، والمؤمنين لو أنهم تأملوا حق التأمل لعرفوا أنهم يخدعون أنفسهم، لكن لا شعور عندهم في ذلك؛ لأن الله تعالى قد أعمى بصائرهم. والعياذ بالله.، فلا يشعرون بهذا الأمر. القرآن ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠] التفسير: في قلوبهم شكٌّ وفساد فابْتُلوا بالمعاصي الموجبة لعقوبتهم، فزادهم الله شكًا، ولهم عقوبة موجعة بسبب كذبهم ونفاقهم. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: في قلوبهم: "شك ونفاق" (٦).

стр. 338

قال الثعلبي: "ومنه يقال: فلان يمرض في الوعد، إذا لم يصحّحه" (١). و" المرض الذي وصَف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين، هو الشكُّ في اعتقادات قلوبهم وأديانهم، وما هم عليه - في أمر محمد رسول الله ﷺ ، وأمر نبوته وما جاء به - مقيمون" (٢). وأصل المرَض: السَّقم، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان. فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا، وإنما عنى ﵎ بخبره عن مرض قلوبهم، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد - استغنى بالخبَر عن القلب بذلك والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم كما قال عُمر بن لَجَأ (٣): وَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ، لا تَلُمْهَا، ... رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا يريد: وسبَّح أهل المدينة، فاستغنى بمعرفة السامعين خَبَرَه بالخبَرِ عن المدينة، عن الخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسي (٤): هَلا سَأَلتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ ... إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي يريد: هلا سألتِ أصحاب الخيل؟ (٥) وقول مهلهل بن ربيعة (٦): أُبئتُ أنّ النارَ بعدكَ أُوقدتْ ... واستبّ بعدكَ يا كُليبُ المجلسُ يعني أهل المجلس. واختلف في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، على وجوه: أحدها: المرض: الزنا. قاله عكرمة (٧) وروي عن طاوس مثل ذلك (٨). الثاني: أنه: النفاق. قاله ابن عباس (٩). الثالث: أنه: الشكّ. قاله أبو العالية (١٠)، وابن عباس (١١)، وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس، والسدي، وقتادة (١٢). قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠]، أي ": فزادهم الله رجساً فوق رجسهم، وضلالاً فوق ضلالهم" (١٣). قال الثعلبي: أي: " شكّا ونفاقا وهلاكا" (١٤). وذكر السادة أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠]، وجوها: أحدها: ﴿﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾: "أي: شكّا". قاله ابن عباس (١٥)، وري عن أبي العالية مثل ذلك (١٦). والثاني: أن: " المرض مرضان: مرض زنا، ومرض نفاق"قاله زيد بن علي (١٧)، وري عن عكرمة مثل ذلك (١٨).

стр. 339

والثالث: وقيل: " ﴿فزادهم الله مرضا﴾، أي: نفاقا". قاله سعيد بن جبير (١). قال الواحدي: "أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد. بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٤] " (٢). واختلف في قوله تعالى ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠]، على وجهين: أحدهما: قيل هو خبر، والفاء للسبية، أي: أن الله قد فعل بهم ذلك وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض (٣). والثاني: وقيل هو دعاء، والفاء هنا للتفريغ، وتكون الجملة بعدها دعائية، أي: " زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة" (٤). كما قال الأخطل (٥): يا مرسل الريح جنوبا وصبا ... إذ غضبت زيد فزدها غضبا أي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه. قال القرطبي: " وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ; لأنهم شر خلق الله " (٦)، ولأن المنافقين يريدون الكفر، وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها؛ فإذا كان القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامته، وصحته؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته. وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم: ﴿إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤]، أي بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار؛ ولهذا جاء التعبير بـ ﴿إنا معكم﴾ [البقرة: ١٤] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة، فهذا مرض زادهم الله به مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها (٧). وقرأ حمزة: ﴿فزادهم﴾، بكسر (الزاي)، وكذلك ابن عامر. وكان نافع يشم (الزاي) إلى الكسر، وفتح الباقون (٨). وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، "أي ولهم عذابٌ مؤلمٌ" (٩). أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن أبي العالية، في قوله: ﴿ولهم عذاب أليم﴾، قال: الأليم الموجع في القرآن كله" (١٠). قال ابن أبي حاتم: " وكذلك فسره سعيد بن جعفر، والضحاك بن مزاحم، وقتادة وأبو مالك، وأبو عمران الجوني، ومقاتل بن حيان" (١١). قال الثعلبي: أي: "وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وهو بمعنى مؤلم" (١٢). قال القرطبي: " (أليم)، في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع، مثل السميع بمعنى المسمع، قال ذو الرمة يصف إبلا (١٣):

стр. 340

ونرفع من صدور شمردلات ... يصُك وجوهها وهج أليم (١) كما قال تعالى وصف عذاب المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، قال هنا في المنافقين (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، بينما قال في الكفار كما تقدم ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، وذلك لأن الأليم هو البالغ في الإيلام الغاية العظمى. قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: "بسبب كذبهم في دعوى الإيمان، واستهزائهم بآيات الرحمن" (٢). أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن ابن عباس، في قوله: ﴿بما كانوا يكذبون، يقول: يبدلون ويحرفون" (٣). قال الثعلبي: " أي بتكذيبهم على الله ورسوله في السرّ" (٤). وحقيقة الكذب: "الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة" (٥)، كقول الأخطل (٦): ذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (٧). والكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله ﷺ أن الكذب من خصال المنافقين، فقال ﷺ "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب .. " (٨) الحديث. ومرض القلب نوعان (٩): ١ - مرض شبهة وشك (١٠)، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى في حق من دعي

стр. 341

إلى تحكيم القرآن والسنة فأبى وأعرض: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠]. ٢ - مرض الشهوات (١)، وأما مرض الشهوات فقال تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فهذا مرض شهوة الزنا، وقال عن مرض الشبهات: هو أصعبهما وأقتلهما للقلب. وإن مرض الشبهات أخطر بكثير على العبد من مرض الشهوات لأنه قد يفضي إلى الكفر وليس من السهولة التوبة منه والتخلص من تأثيره، ولذلك كثير من أصحابه ينافحون ويعتقدون أنهم على صواب خلافا لمرض الشهوة الذي يدرك العبد غالبا أنه مبتلى به وتنفع معه المواعظ والتذكير وقد يتخلص منه، والواجب على المؤمن أن يشخص قلبه ويطهر قلبه ويغسل باطنه من جميع هذه الأمراض بزيادة الإيمان والإكثار من العمل الصالح وطلب الهداية وصدق التوجه والبعد عن مواطن الفتنة وصحبة أرباب القلوب السليمة وإغلاق أبواب الشرور والفتنة عن قلبه. ومرض الشبهات شفاؤه يكون بالعلم والحجة ومرض الشهوات شفاؤه يكون بالمواعظ والإيمانيات. ولا يكاد أحد يسلم من عارض وخاطر سوء ولكن المؤمن الحق هو الذي يكثر من تعاطي الدواء ويجتهد في التزكية والإصلاح لقلبه ويجاهد نفسه في ذلك بحيث لا يستقر فيه المرض ولا يكون ملازما له ومن كان كذلك كان حريا لنجاته وسلامته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وأما من أهمل قلبه وأعرض عن طلب الدواء عاقبه الله بالحرمان وزيادة المرض وأبعده عن روضة اليقين وساحة الرضا والاطمئنان. وقوله تعالى: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]، فيه قراءتان: القراءة الأولى: قرأ أهل الكوفة (٢) ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان" (٣). ورجح الطبري هذه القراءة (٤). القراءة الثانية: ﴿يُكْذِّبُونَ﴾، بضم الياء وتشديد الذال، رجحه مكي (٥)، قال الواحدي: "ومن شدد فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: ٣٤] وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ [يونس: ٤١] ونحوها من الآيات" (٦).

стр. 342

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضاً فإنه يعاقب بزيادة المرض؛ لقوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين: شبهات، وشهوات؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده؛ ومنهم من اشتبه عليه؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وقال تعالى في سورة المنافقين: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣]. ٢ - ومن فوائد الآية: أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد؛ لقوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾؛ ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ [المائدة: ٤٩]. ٣ - ومنها: أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله تعالى: ﴿فزادهم الله مرضاً﴾؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص؛ والمرض يزيد، وينقص. ٤ - ومنها: الوعيد الشديد للمنافقين؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم﴾. ٥ - ومنها: أن العقوبات لا تكون إلا بأسباب. أي أن الله لا يعذب أحداً إلا بذنب.؛ لقوله تعالى: ﴿بما كانوا يكذبون﴾. ٦ - ومنها: أن هؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب؛ وهذا شر الأحوال. ٧ - ومنها: ذم الكذب، وأنه سبب للعقوبة؛ فإن الكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله ﷺ أن الكذب من خصال المنافقين، فقال ﷺ "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب .. " (١) الحديث؛ والكذب مذموم شرعاً، ومذموم عادة، ومذموم فطرة أيضاً. مسألة: - إن قيل: كيف يكون خداعهم لله وهو يعلم ما في قلوبهم؟ فالجواب: أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكام الإسلام، فيلوذون بحكم الله. ﵎. حيث عصموا دماءهم وأموالهم بذلك. لقرآن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ [البقرة: ١١] التفسير: وإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي، وإفشاء أسرار المؤمنين، وموالاة الكافرين، قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن أهل الإصلاح. اختلف أهل التفسير فِيمَنْ أُريدَ بهذا القول على ثلاثة أوجه (٢): أحدها: أنها نزلت في قوم، لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وإنما يجيئون بعد، وهو قول سلمان الفارسي (٣). والثاني: أنها نزلت في المنافقين، الذين كانوا موجودين، وهو قول ابن مسعود (٤)، وابن عباس (٥) ومجاهد (٦)، وروي عن الربيع مثل ذلك (٧).

стр. 343

والثالث: وقيل: أريد به "اليهود، أي: قال لهم المؤمنون ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآ، وقيل معناه لا تكفروا، والكفر أشد فسادا في الدين". حكاه البغوي (١). والراجح-والله أعلم- أنها: "نزلت في المنافقين الذين كانوا على عَهد رسول الله ﷺ ، وإن كان معنيًّا بها كُلُّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدَهم إلى يوم القيامة، وقد يَحْتمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية: " ما جاء هؤلاء بعدُ "، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصِّفة على عهد رسول الله ﷺ ، خبرًا منه عمَّن هو جَاء منهم بَعدَهم ولَمَّا يجئ بعدُ، لا أنَّه عنَى أنه لم يمضِ ممّن هذه صفته أحدٌ" (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ [البقرة: ١١]، " أي: وإِذا قال لهم بعض المؤمنين" (٣). قال ابن عثيمين: " القائل هنا مبهم للعموم. أي ليعم أيَّ قائل كان" (٤). قوله تعالى: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأَرضِ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: " لا تسعوا في الأرض بالإِفساد بإِثارة الفتن، والكفر والصَدِّ عن سبيل الله" (٥). وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]: المراد الأرض نفسها؛ أو أهلها؛ أو كلاهما. وهو الأولى؛ أما إفساد الأرض نفسها: فإن المعاصي سبب للقحط، ونزع البركات، وحلول الآفات في الثمار، وغيرها، كما قال تعالى عن آل فرعون لما عصوا رسوله موسى ﵇: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فهذا فساد في الأرض، وأما الفساد في أهلها: فإن هؤلاء المنافقين يأتوا إلى اليهود، ويقولون لهم: ﴿لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ [الحشر: ١١]: فيزدادوا استعداءً للرسول ﷺ ومحاربة له؛ كذلك أيضاً من فسادهم في أهل الأرض: أنهم يعيشون بين المسلمين، ويأخذون أسرارهم، ويفشونها إلى أعدائهم؛ ومن فسادهم في أهل الأرض: أنهم يفتحون للناس باب الخيانة والتَقِيَّة، بحيث لا يكون الإنسان صريحاً واضحاً، وهذا من أخطر ما يكون في المجتمع (٦). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الأَرضِ﴾، ثلاثة تأويلات (٧): أحدها: أنه الكفر، والعمل بالمعصية. قاله أبو العالية (٨) والسدي (٩). والثاني: فعل ما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر بحفظه، قال ابن عثيمين: " أن "الإفساد في الأرض" هو أن يسعى الإنسان فيها بالمعاصي، كما فسره بذلك السلف؛ لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] " (١٠)، لأنه "من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطَّاعة" (١١). والثالث: أنه موالاة الكفار. قيل: أن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] (١٢). قال الماوردي: "وكل هذه الثلاثة، فساد في الأرض، لأن الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها" (١٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾، قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد" (١٤). وفي قراءة قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ١١]، وجهان (١٥): أحدهما: قرأ الكسائي: (قيل) و (غيض) و (جيء) و (حيل) و (سيق) و (سيئت)، بروم أوائلهن الضم، ووافق ابن عامر في: (سيق) و (حيل) و (سيء) و (سيئت) - ووافق أهل المدينة في: (سيء) و (سيئت). قال ابن خالويه: فالحجة لمن ضمّ أوله: " أنه بقّى على فعل ما لم يسمّ فاعله دليلا في الضم، لئلا يزول بناؤه. وقد قرأ بعض القراء ذلك بكسر بعض، وضمّ بعض فالحجة له في ذلك: ما قدّمناه من إتيانه باللغتين معا" (١٦). والثاني: وقرأ الباقون: ﴿قِيلَ﴾، وقرأ الباقون بكسر أوله. قال ابن خالويه: فالحجة لمن كسر أوله: أنه استثقل الكسر على الواو التي كانت عين الفعل في الأصل، فنقلها إلى فاء الفعل بعد أن أزال حركة الفاء، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كما قالوا: ميزان وميعاد" (١٧). وهؤلاء جمعوا في قولهم: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، بين أمرين كبيرين: العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو صلاح، قلباً للحقائق وجمعاً بين فعل الباطل واعتقاده حقاً. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]؛ "أي ليس شأننا الإِفسادُ أبداً، وإنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير والصلاح فلا يصح مخاطبتنا بذلك" (١٨). قال ابن عباس: " أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" (١٩). وقوله تعالى: [إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، يحتمل تأويلين (٢٠): أحدهما: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. والثاني: أن الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا. و(الأرض): الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعة في القرآن ويعبر بها عن أسفل الشيء (٢١)، ويقال: أرض أريضة، أي: حسنة النبت (٢٢)، وتأرض النبت: تمكن على الأرض فكثر، وتأرض الجدي: إذا تناول نبت الأرض، والأرضة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض (٢٣).

стр. 344

الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن النفاق الذي هو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض﴾؛ والنفاق من أعظم الفساد في الأرض. ٢ ومنها: أن من أعظم البلوى أن يُزَيَّن للإنسان الفساد حتى يَرى أنه مصلح؛ لقولهم: (إنما نحن مصلحون) ٣ ومنها: أن غير المؤمن نظره قاصر، حيث يرى الإصلاح في الأمر المعيشي فقط؛ بل الإصلاح حقيقة أن يسير على شريعة الله واضحاً صريحاً. ٤ ومنها: أنه ليس كل من ادعى شيئاً يصدق في دعواه؛ لأنهم قالوا: ﴿إنما نحن مصلحون﴾؛ فقال الله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾؛ وليس كل ما زينته النفس يكون حسناً، كما قال تعالى: ﴿أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [فاطر: ٨]. القرآن ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١٢] التفسير: أَلا فانتبهوا أيها الناس، إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد (١)، وإِنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم، ولجهلهم وبلادتهم وعدم فهمهم للأمور. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، " أي: أَلا فانتبهوا أيها الناس، إِنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم" (٢). أخرج ابن أبي حاتم"عن أبي العالية في قوله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾، قال: هم المنافقون" (٣). وهذا كقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] أي هم لا غيرهم؛ فلا عداء أبلغ من عداء المنافقين للمؤمنين؛ ولا فساد أعظم من فساد المنافقين في الأرض (٤). قال الزجاج: " (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها" (٥). قال الواحدي: "ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيماً لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم، حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، أي: " ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم" (٧). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، ثلاثة أوجه (٨): أحدها: "أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون. والثاني: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم. قاله الثعلبي (٩).

стр. 345

قال الواحدي: "وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين" (١). والثالث: أنهم يعلمون الفساد سرا ويظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي ﷺ (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الإنسان قد يبتلى بالإفساد في الأرض، ويخفى عليه فساده؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا يشعرون ٢ - ومنها: قوة الرد على هؤلاء الذين ادعوا أنهم مصلحون، حيث قال الله : ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾؛ فأكد إفسادهم بثلاثة مؤكدات؛ وهي ﴿ألا﴾ و "إن"، و ﴿هم﴾؛ بل حصر الإفساد فيهم عن طريق ضمير الفصل. القرآن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣] التفسير: وإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، يعنون ـ لعنهم الله ـ أصحاب رسول الله ﷺ ، ألا أنهم هم السفهاء ولكنهم من تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ [البقرة: ١٣]، أي "وإِذا قيل للمنافقين: آمنوا إِيماناً صادقاً لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء" (٤). قال ابن عباس: " وإذا قيل لهم صدقوا" (٥). قوله تعالى: ﴿كَمَآ آمَنَ الناس﴾ [البقرة: ١٣]، أي " كما آمن أصحاب النبي ﵊ ُ، وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله" (٦). قال ابن عباس: " صدقوا كما صدق أصحاب محمد- ﷺ أنه نبي ورسول، وأن ما أنزل الله حق، وصدقوا بالآخرة وأنكم تبعثون من بعد الموت" (٧). واختلف في ﴿الناس﴾ في هذه الآية على قولين: أحدهما: أن الآية خطاب للمنافقين، والمراد بالناس، أصحاب محمد ﷺ . وهذا هو المشهور. وهو قول أبي العالية (٨) والسدي (٩)، وروية الضحاك عن ابن عباس (١٠)، والثاني: أن المراد بالآية اليهود، والناس: عبد الله بن سلام وأصحابه. ذكره أبو الليث من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (١١).

стр. 346

روي " عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، يقول: وإذا قيل لهم صدِّقوا كما صدَّق أصحاب محمد، قولوا: إنَّه نبيٌّ ورسول، وإنّ ما أنزل عليه حقّ، وصدِّقوا بالآخرة، وأنَّكم مبعوثون من بعد الموت" (١). قال ابن عثيمين: "والمراد بـ ﴿الناس﴾ هنا الصحابة الذين كانوا في المدينة، وإمامهم النبي ﷺ " (٢). قال الآلوسي: "واستدل بالآية على أن الإقرار باللسان إيمان وإلا لم يفد التقييد، وكونه للترغيب يأباه إيرادهم التشبيه في الجواب، والجواب عنه بعد إمكان معارضته بقوله تعالى وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ أنه لا خلاف في جواز إطلاق الإيمان على التصديق اللساني لكن من حيث إنه ترجمة عما في القلب أقيم مقامه إنما النزاع في كونه مسمى الإيمان في نفسه ووضع الشارع إياه له مع قطع النظر عما في الضمير على ما بين لك في محله، ولما طلب من المنافق الإيمان دل ذلك على قبول توبة الزنديق. فإن لا يكُنْهَا أَوَ تَكُنْهُ فَإنَّهُ ... أخوهَا غذته أمه بِلِبَانها (٣) نعم إن كان معروفا بالزندقة داعيا إليها ولم يتب قبل الأخذ قتل كالساحر ولم تقبل توبته كما أفتى به جمع من المحققين" (٤). قوله تعالى: ﴿قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾: "أي: قالوا أنؤمن كإِيمان هؤلاء الجهلة أمثال «صهيب، وعمار، وبلال» ناقصي العقل والتفكير؟ ! " (٥). قال الثعلبي: السفهاء: الجهّأل" (٦). قال ابن عثيمين: " الاستفهام هنا للنفي، والتحقير؛ والمعنى: لا نؤمن كما آمن السفهاء؛ وربما يكون أيضاً مضمناً معنى الإنكار. أي أنهم ينكرون على من قال: ﴿آمنوا كما آمن الناس﴾؛ وهذا أبلغ من النفي المحض" (٧). قال البيضاوي: وإِنما سفَّهوهم، لاعتقادهم فسادَ رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإِن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه" (٨). وقال الآلوسي: " وإنما سفهوهم جهلا منهم حيث اشتغلوا بما لا يجدي في زعمهم ويحتمل أن يكون ذلك من باب التجلد حذرا من الشماتة إن فسر الناس بمن آمن منهم، واليهود قوم بهت" (٩). قوله تعالى: ﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء﴾ [البقرة: ١٢]، " أي ألا إِنهم هم السفهاء حقاً" (١٠). وعن ابن عباس، "يقول الله: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾، يقول: الجهال" (١١).

стр. 347

وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: " ﴿ألا﴾، و "إن"، وضمير الفصل: ﴿هم﴾، وهو أيضاً مفيد للحصر" (١). قوله تعالى: ﴿ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، أي: "ولكن لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل" (٢). قال ابن عباس: " ولكن لا يعقلون" (٣). قال الثعلبي: أي: لايعلمون"بأنهم كذلك" (٤). قال ابن عثيمين: " أي لا يعلمون سفههم" (٥). وإذا قيل: ما الفرق بين قوله تعالى هنا: ﴿ولكن لا يعلمون﴾، وقوله تعالى فيما سبق: ﴿ولكن لا يشعرون﴾؟ فالجواب: أن الإفساد في الأرض أمر حسي يدركه الإنسان بإحساسه، وشعوره؛ وأما السفه فأمر معنوي يدرك بآثاره، ولا يُحَسُّ به نفسِه (٦). و(السفه) لغة: خِفَّة الحِلْمِ أو نَقِيضُه أو الجَهْلُ، والسَّفَهُ نَقْصٌ في العَقل وأصله الخِفَّة، من سفه سفهًا من باب تعب، وسفه بالضم سفاهة وسَفاهًا، أي: صار سَفِيهًا، فهو سفيه، والأنثى سفيهة، والجمع سفهاء. وسفه الحق جهله، وسَفِهه تسفيهًا: نسبه إلى السَّفَه (٧). واصطلاحا: السَّفَه: نقيض الحِلْم وهو سرعة الغضب، والطَّيش مِن يسير الأمور، والمبادرة في البطش، والإيقاع بالمؤذي، والسَّرف في العقوبة، وإظهار الجزع مِن أدنى ضررٍ، والسَّبُّ الفاحش (٨). وقال الجرجاني: "السَّفَه: عبارة عن خِفَّة تعرض للإنسان مِن الفرح والغضب، فتحمله على العمل بخلاف طور العقل، وموجب الشَّرع" (٩)، وقال ابن القيِّم: "السَّفَه غاية الجهل، وهو مركَّبٌ مِن عدم العلم بما يُصْلِح معاشه ومعاده، وإرادته بخلافه" (١٠). وفي اصطلاح الفقهاء السفه: خِفة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل والشرع، مع قيام العقل حقيقة؛ قال الحنفية: فالسفه لا يوجب خللاً، ولا يمنع شيئًا من أحكام الشرع (١١)، وقيل: السفه: صفة لا يكون الشخص معها مطلق التصرُّف، كأن يكون مبذرًا، يضيِّع المال في غير وجهه الجائز، وأما عُرفًا، فهو بذاءة اللسان، والنطق بما يُستحيى منه (١٢)، (١٣)، وفي جواهر الإكليل: السفيه: البالغ العاقل الذي لا يُحسن التصرف في المال، فهو خلاف الرشيد (١٤)، (١٥)، قال ابن كثير: " والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرّأي القليل

стр. 348

المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء، في قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قال عامة علماء السلف: هم النساء والصبيان" (١). والسفيه مكلف رغم أنه يسيء التصرف، وقد يكون تصرفه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، ولعدم إيمانهم برسالة محمد ﷺ سماهم الله تعالى بالسفهاء؛ كما ردَّ الله تعالى اتهامهم المسلمين بالسفهاء بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. وأما سفه المشركين وترْكهم اتباعَ ملَّة إبراهيم ﵇ فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي: هذا إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء مَن يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملَّة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد ﷺ وفي ذلك تعريض بمُعاندي أهل الكتاب والمشركين؛ أي: لا يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا مَن سَفِه نفسه؛ أي: حملها على السفه، وهو الجهل، وقال الراغب: وسفه نفسه أبلغ من جهلها؛ وذاك أن الجهل ضربان: جهل بسيط، وهو ألا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء، وجهل مركَّب، وهو أن يعتقد في الحق أنه الباطل، وفي الباطل أنه حق، والسفه: أن يعتقد ذلك ويتحرَّى بالفعل مقتضى ما اعتقده، فبيَّن تعالى أن مَن رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لِسَفه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة، وذاك أن من جهِل نفسه، جَهِل أنه مصنوع، وإذا جهِل كونه مصنوعًا، جهِل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعًا، فكيف يعرف أمره ونهْيه، وما حُسنه وقُبحه! ولكون معرفتها ذريعةً إلى معرفة الخالق - جل ثناؤه، ، قال: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن المنافق لا تنفعه الدعوة إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾؛ فهم لا ينتفعون إذا دعوا إلى الحق؛ بل يقولون: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء) ٢ ومنها: إعجاب المنافقين بأنفسهم؛ لقولهم: (أنؤمن كما آمن السفهاء) ٣ ومنها: شدة طغيان المنافقين؛ لأنهم أنكروا على الذين عرضوا عليهم الإيمان: ﴿قالوا أنؤمن﴾؛ وهذا غاية ما يكون من الطغيان؛ ولهذا قال الله تعالى في آخر الآية: ﴿في طغيانهم يعمهون﴾ [البقرة: ١٥]. ٤ ومنها: أن أعداء الله يصفون أولياءه بما يوجب التنفير عنهم لقولهم: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾؛ فأعداء الله في كل زمان، وفي كل مكان يصفون أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم؛ فالرسل وصفهم قومهم بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر تنفيراً عنهم، كما قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ [الذاريات: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين﴾ [الفرقان: ٣١] وورثة الأنبياء مثلهم يجعل الله لهم أعداء من المجرمين، ولكن ﴿وكفى بربك هادياً ونصيراً﴾ [الفرقان: ٣١]؛ فمهما بلغوا من الأساليب فإن الله تعالى إذا أراد هداية أحد فلا يمنعه إضلال هؤلاء؛ لأن أعداء الأنبياء يسلكون في إبطال دعوة الأنبياء مَسْلكين؛ مسلك الإضلال، والدعاية الباطلة في كل زمان، ومكان؛ ثم مسلك السلاح. أي المجابهة المسلحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هادياً﴾ [الفرقان: ٣١] في مقابل المسلك الأول الذي هو الإضلال. وهو الذي نسميه الآن بالأفكار المنحرفة، وتضليل الأمة، والتلبيس على عقول أبنائها؛ وقال تعالى: ﴿ونصيراً﴾ [الفرقان: ٣١] في مقابل المسلك الثاني. وهو المجابهة المسلحة. ٥ ومن فوائد الآية: أن كل من لم يؤمن فهو سفيه، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠].

стр. 349

٦ ومنها: أن الحكمة كل الحكمة إنما هي الإيمان بالله، واتباع شريعته؛ لأن الكافر المخالف للشريعة سفيه؛ فيقتضي أن ضده يكون حكيماً رشيداً. ٧ ومنها: تحقيق ما وعد الله به من الدفاع عن المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨]؛ فإذا ذموا بالقول دافع الله عنهم بالقول؛ فهؤلاء قالوا: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾، والله هو الذي جادل عن المؤمنين، فقال: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ يعني هم السفهاء لا أنتم؛ فهذا من تحقيق دفاع الله تعالى عن المؤمنين؛ أما دفاعه عن المؤمنين إذا اعتُدي عليهم بالفعل فاستمع إلى قول الله تعالى: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢]: هذه مدافعة فعلية، حيث تنْزل جنود الله تعالى من السماء لتقتل أعداء المؤمنين؛ فهذا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨]؛ ولكن الحقيقة أن هذا الوعد العظيم من القادر جل وعلا الصادق في وعده يحتاج إلى إيمان حتى نؤمن بالله ، ولا نخشى أحداً سواه، فإذا ضعف الإيمان أصبحنا نخشى الناس كخشية الله، أو أشد خشية؛ لأننا إذا كنا نراعيهم دون أوامر الله فسنخشاهم أشد من خشية الله ؛ وإلا لكنا ننفذ أمر الله ، ولا نخشى إلا الله . فنحن لو آمنا حقيقة الإيمان بهذا الوعد الصادق الذي لا يُخلَف لكنا منصورين في كل حال؛ لكن الإيمان ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله ؛ وهذه هي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوم؛ ولذلك تجد كثيراً من ولاة المسلمين. مع الأسف. لا يهتمون بأمر الله، ولا بشريعة الله؛ لكن يهتمون بمراعاة فلان، وفلان؛ أو الدولة الفلانية، والفلانية. ولو على حساب الشريعة الإسلامية التي من تمسك بها فهو المنصور، ومن خالفها فهو المخذول؛ وهم لا يعرفون أن هذا هو الذي يبعدهم من نصر الله؛ فبدلاً من أن يكونوا عبيداً لله أعزة صاروا عبيداً للمخلوقين أذلة؛ لأن الأمم الكافرة الكبرى لا ترحم أحداً في سبيل مصلحتها؛ لكن لو أننا ضربنا بذلك عُرض الحائط، وقلنا: لا نريد إلا رضى الله، ونريد أن نطبق شريعة الله على أنفسنا، وعلى أمتنا؛ لكانت تلك الأمم العظمى تهابنا؛ ولهذا يقال: من خاف الله خافه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء. ٨. ومن فوائد الآية: الدلالة على جهل المنافقين؛ لأن الله نفى العلم عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا يعلمون﴾؛ فالحقيقة أنهم من أجهل الناس. إن لم يكونوا أجهل الناس؛ لأن طريقهم إنما هو خداع، وانخداع، وتضليل؛ وهؤلاء المنافقون من أجهل الناس؛ لأنهم لم يعلموا حقيقة أنفسهم، وأنهم هم السفهاء. القرآن ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤] التفسير: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الإيمان والموالاة غروراً منهم للمؤمنين ونفاقاً ومصانعة وليشركوهم فيما أصابهم من خير ومغنم، وإذا خلوا إلى سادتهم وكبراؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين، قالوا: إنا نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الإعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الذين آمَنُوا قالوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، أي "وإِذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإِيمان والموالاة نفاقاً ومصانعة" (٢). قال ابن عباس: " كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي- ﷺ أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم" (٣). قال الثعلبي: "أي رأوا، يعني المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه" (٤).

стр. 350

قال السعدي: " إذا اجتمعوا بالمؤمنين، أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم" (١). وقرأ محمد بن السميقع: "وإذا لاقوا وهما بمعنى واحد" (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، "أي: وإِذا انفردوا ورجعوا إِلى رؤسائهم وكبرائهم، أهلِ الضلالِ والنفاق" (٣). قال السعدي: أي: إلى"رؤسائهم وكبرائهم في الشر" (٤). قال أبو مالك: قوله: ﴿خلوا﴾، يعني: مضوا" (٥). واختلف في معنى ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، على أقاويل (٦): أحدها: قالوا: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾: أي: سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكُفر بالله وبكتابه ورسوله. والثاني: وقيل: شياطينهم من اليهود. قاله ابن عباس (٧)، وروي عن السدي (٨)، وأبي العالية (٩) والربيع (١٠) مثل ذلك. والثالث: وقيل: رءوسهم في الكُفر. وهذا قول ابن مسعود (١١). والرابع: وقيل: أي رؤسائهم وقادتهم في الشرك والشرّ. قاله قتادة (١٢). والخامس: وقيل: وهم المشركون. قاله قتادة (١٣). والسادس: وقيل: أصحابِهم من المنافقين والمشركين. قاله مجاهد (١٤)، والربيع (١٥). قلت: وجميع آراء السابقة صحيحة، والقول الأول يجمع جميع الأقوال وهو الأقرب، وبه قال الإمام الطبري (١٦). وفي قوله: ﴿إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، ثلاثة أوجه (١٧): أحدها: معناه: مع شياطينهم، فجعل (إلى) موضع (مع)، كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، يريد: مع الله، وكما توضع (على) في موضع (من)، و (في) و (عن) و (الباء)، كما قال الشاعر (١٨): إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا فقوله (رضيتْ عليّ) أريد به: (رضيتْ عَنِّي). والثاني: وهو قول بعض البصريين: أنه يقال خلوت إلى فلان، إذا جعلته غايتك في حاجتك، وخلوت به يحتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخَر في السخرية به. وعلى القول الأخير: ايكون قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أفصح، وهو على حقيقته مستعمل.

стр. 351

والثالث: وهو قول بعض الكوفيين: أن معناه: إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله: ﴿إلى﴾ مستعملاً في موضع لا يصح الكلام إلا به. قال الإمام الطبري: "وهذا القول-أي الأخير- عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ولِـ (إلى) في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها" (١). واختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه اشتقاق (الشيطان)، على قولين (٢): أحدهما: أنه مشتق من (شَطَنَ)، بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، وشَطَنَتْ دارُه، أي بعدت، فسمي شيطاناً، إما لبعده عن الخير، وإما لبعد مذهبه في الشر، فعلى هذا النون أصلية (٣). والقول الثاني: أنه يرجع إلى الجذر (شَيَطَ)، مشتق من شاط يشيط، أي هلك يهلك، كما قال الأعشى (٤): قد نَخْضِبُ العَيْرَ من مَكْنُونِ فائلِه ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ أي يهلك، فعلى هذا يكون النون فيه زائدة (٥). والقول الأول هو الأرجح؛ أي: اشتقاقه من (شطن)؛ وذلك لأنَّها أقرب إلى وصف أعمال الشيطان التي تَهدف إلى إبعاد الناس عن عمَل الخير واتِّباع الحق؛ "لأنَّ اشتقاق الشيطان من شطن؛ بمعنى: بَعُد عن الخير ومال عن الحقِّ - أقرب إلى الحقيقة من اشتقاقه من شاط؛ بمعنى: احترق؛ ذلك أنَّ عمل الشيطان هو إبعاد الناس عن الحقِّ، والذي يبعد الناس عن الحقِّ والخير يكون هو بعيدًا عنه" (٦). قوله تعالى: ﴿قالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، أي أي قالوا لهم نحن"على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة" (٧). قال ابن عباس: " أي إنا على مثل ما أنتم عليه" (٨). قال الثعلبي: "أي: على دينكم وأنصاركم" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، أي: " وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان" (١٠). قال الطبري: أي: "إنما نحن ساخرون" (١١). قال الثعلبي: أي: "بمحمد وأصحابه" (١٢). قال الماوردي: " أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة" (١٣).

стр. 352

روي "عن ابن عباس: قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ساخرون بأصحاب محمد ﷺ " (١). وفي رواية أخرى له: " إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعبُ بهم" (٢). وروي عن قتادة (٣) والربيع (٤) مثل ذلك. الفوائد: من فوائد الآية ذلّ المنافق؛ فالمنافق ذليل؛ لأنه خائن؛ فهم ﴿إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ خوفاً من المؤمنين؛ و ﴿إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ خوفاً منهم؛ فهم أذلاء عند هؤلاء، وهؤلاء؛ لأن كون الإنسان يتخذ من دينه تَقيَّة فهذا دليل على ذله؛ وهذا نوع من النفاق؛ لأنه تستر بما يُظَن أنه خير وهو شر القرآن ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٥] التفسير: الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال، ويزيدهم -بطريق الإِمهال والترك -في ضلالهم وكفرهم وكذبهم يتخبطون ويتردّدون ويتحيرون (٥). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، " أي: الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال" (٦) قال القرطبي: أي: الله "ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم" (٧). قال الثعلبي: " أي يجازيهم جزاء استهزائهم" (٨). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، على وجوه (٩): أحدها: معناه أنه يحاربهم على استهزائهم (١٠)، فسمي الجزاء باسم المجازى عليه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وليس الجزاء اعتداءً، قال عمرو بن كلثوم (١١): أَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينا فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة (١٢). والثاني: أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين. والثالث: أنه لما حسن أن يقال للمنافق: ﴿ذُقْ إِنًّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، صار القول كالاستهزاء به.

стр. 353

والرابع: ما حكي: أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم، فيرون أنهم يخرجون منها، فيزدحمون للخروج، فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة، بمقامع النيران، حتى يرجعوا، وهذا نوع من العذاب، وإن كان كالاستهزاء. والخامس: : أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة، وكانوا فيه اغترار به، صار كالاستهزاء [بهم] (١). وإلى هذا القول ذهب الطبري (٢) والسعدي (٣). وبنحو هذا المعنى روي الخبر عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: " يسخر منهم للنقمة منهم" (٤) (٥). والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، فسمى العقوبة باسم الذنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم. قوله : ﴿وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهم يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، أي: أن الله يبقيهم ضالين في طغيانهم" (٦). قال القرطبي: " أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران: ١٧٨] " (٧). وفي ﴿َيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ثلاثة أقوال: أحدهما: يملي لهم، وهو قول ابن مسعود (٨)، والسدي (٩). والثاني: يزيدهم، وهو قول مجاهد (١٠). والثالث: وقيل: يَمُدُّ لَهُم " (١١). والراجح هو ما قاله مجاهد، بأن معنى ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يزيدهم، على وجه الإملاء والترك لهم في عُتوِّهم وتمردهم، كما وصف ربُّنا أنه فعل بنظرائهم في قوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١١٠]، يعني نذرُهم ونتركهم فيه، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم، ولا وجه لقول من قال: ذلك بمعنى " يَمُدُّ لهم "، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها أن يستجيزوا قول القائل: " مدَّ النهرَ نهرٌ آخر "، بمعنى: اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل -

стр. 354

من غير تأوُّل منهم. ذلك أن معناه: مدّ النهرَ نهرٌ آخر. فكذلك ذلك في قول الله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، يعني في: "كفرهم وضلالهم" (٢). قال ابن عباس: " في كفرهم يترددون" (٣). وروي عن ابن مسعود (٤) وقتادة (٥) والربيع (٦) وابن زيد (٧) مثل ذلك. و(الطُّغيان)، أصله مجاوزة الحد، من قولك: طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا، إذا تجاوز في الأمر حده فبغى، ومنه قوله الله: ﴿كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق: ٦، ٧]، أي يتجاوز حدّه، وقوله في فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] أي أسرف في الدعوى حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] (٨)، ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت (٩): وَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا ... بَعْدَ طُغْيَانِه، فَظَلَّ مُشِيرَا وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، فيه ثلاثة أقوال (١٠): أحدها: يترددون، قاله ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع (١٣)، ومنه قول ابن بري (١٤): مَتى تَعْمَهْ إلى عُثْمانَ تَعْمَه ... إلى ضَخْم السُّرادِقِ والقِبابِ أَي تُرَدِّدُ النظرَ. والثاني: معناه يتحيرون، قاله ابن عباس (١٥)، ومنه قول رؤية بن العجاج (١٦): ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه والثالث: يعمهون عن رشدهم، فلا يبصرونه، لأن من عمه عن الشيء كمن كمه عنه، قال الأعشى (١٧): أراني قد عمهت وشاب رأسي ... وهذا اللعب شين للكبير والرابع: يتمادَوْن. قاله ابن عباس (١٨). قال الثعلبي: ﴿يعمهون﴾، أي: " يمضون، يترددون في الضلالة متحيرين، يقال: عمه يعمه عمها وعموها، وعمها فهو عمه، وعامه: إذا كان جائرا عن الحق" (١٩). ثم استشهد بقول رؤبة السابق. الفوائد:

стр. 355

من فوائد الآية: أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، أو برسله، أو بشرعه جزاءً وفاقاً؛ واعلم أن ها هنا أربعة أقسام: القسم الأول: قسم هو صفة كمال لكن قد ينتج عنه نقص: هذا لا يسمى الله تعالى به؛ ولكن يوصف الله به، مثل "المتكلم"، و"المريد"؛ فـ"المتكلم"، و"المريد" ليسا من أسماء الله؛ لكن يصح أن يوصف الله بأنه متكلم، ومريد على سبيل الإطلاق؛ ولم تكن من أسمائه؛ لأن الكلام قد يكون بخير، وقد يكون بشر؛ وقد يكون بصدق، وقد يكون بكذب؛ وقد يكون بعدل، وقد يكون بظلم؛ وكذلك الإرادة. القسم الثاني: ما هو كمال على الإطلاق، ولا ينقسم: فهذا يسمى الله به، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير .. وما أشبه ذلك؛ وهو متضمن للصفة؛ وليس معنى قولنا: "يسمى الله به" أن نُحْدِث له اسماً بذلك؛ لأن الأسماء توقيفية؛ لكن معناه أن الله تَسَمَّى به. القسم الثالث: ما لا يكون كمالاً عند الإطلاق؛ ولكن هو كمال عند التقييد؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيداً، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول: إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل: إن الله ماكر بمن يمكر به، وبرسله، ونحو ذلك. مسألة: - هل "المنتقم" من جنس الماكر، والمستهزئ؟ الجواب: مسألة "المنتقم" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقول: إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بـ"العفوّ"؛ فيقال: "العفوُّ المنتقم"؛ لأن "المنتقم" على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بـ"العفوّ"؛ ومثله أيضاً المُذِل: قالوا: لا يوصف الله به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بـ"المُعِز"؛ فيقال: "المعزُّ المُذل"؛ ومثله أيضاً "الضار": قالوا: لا يوصف الله به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن "النافع"؛ فيقال: "النافع الضار"؛ ويسمون هذه: الأسماء المزدوجة. ويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق. ولو مقروناً بما يقابله. أي إنك لا تقول: العفوّ المنتقم؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله "المنتقم"؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام؛ ولهذا يقول : ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢]، وقال : ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ [آل عمران: ٤]؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح؛ بل هو مدرج؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله. مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ . القسم الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق: فهذا لا يوصف الله به أبداً، ولا يسمى به، مثل: العاجز؛ الضعيف؛ الأعور .. وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يوصف الله بصفة عيب مطلقاً. والاستهزاء هنا في الآية على حقيقته؛ لأن استهزاء الله بهؤلاء المستهزئين دال على كماله، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى: ﴿إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً﴾ [الطارق: ١٥، ١٦] أي أعظمَ منه كيداً؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره؛ فتفسيره بغير ظاهره محرم؛ وكل من فسر شيئاً من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم؛ والقول على الله بلا علم حرام، كما قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]؛ فكل قول على الله بلا علم في شرعه، أو في فعله، أو في وصفه غير جائز؛ بل نحن نؤمن بأن الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقياً؛ لكن ليس كاستهزائنا؛ بل أعظم من استهزائنا، وأكبر، وليس كمثله شيء. وهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وصف الله به نفسه؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم: "إنه حلال"، فكذلك لا تقول لما وصف به نفسه أن هذا ليس المراد؛ فكل ما وصف الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره، لكن تعلم أن ظاهره ليس كالذي ينسب لك؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزائنا؛ وقرب الله ليس كقربنا؛ واستواء الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على
следующие страницы →