← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

قال الواحدي: " الأمر إلى الله وإلى رسوله من غير معارضةٍ بشيءٍ" (١). قال الزجاج: " أي: لا تضيق صدورهم من قضيتيك، [و] يسلمون لما يأتي به من حكمك، لا يعارضونه بشيء" (٢). قال ابن كثير: " أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (٣) " (٤). قال السعدي: " ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين" (٥). قال السمعاني: " ﴿حرجا﴾، أي: ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر ﵁ قال لبعض العرب: ما الحرجة عندكم؟ قال: هي شجرة ملتفة، لا يصل الماء إليها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ أي: يضيق مسلكه بحيث لا تصل إليه الهداية" (٦). عن مجاهد في قوله: " ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، قال: شكا" (٧). وعن الضحاك، في قوله : " ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا﴾، قال: إثما " (٨). وعن أبي عبيدة: " ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، أي: ضيقا " (٩). قال الزمخشري: " ﴿حرجا﴾: ضيقا، أى: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ويسلموا وينقادوا ويذعنوا لما تأتى به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة" (١٠). الفوائد: ١ - أن الآية توبيخ لمن لم يحكم الرسول ﷺ في موارد الشجار. ٢ - أن التحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها (١١). القرآن ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النساء: ٦٦] التفسير ولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم. في سبب نزول الآية:

стр. 2907

أخرج الطبري (١) وابن أبي حاتم (٢) عن أسباط، عن السدي (٣)، قال: "افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا! فقال ثابت: والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا! أنزل الله في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، "أي: لو فرضنا على هؤلاء المنافقين ما فرضنا على ما قبلهم من المشقات وشدّدنا التكليف عليهم فأمرناهم بقتل النفس والخروج من الأوطان كما فرض ذلك على بني إِسرائيل" (٥). قال الطبري: أي: "ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها" (٦). قال مجاهد: " كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم" (٧). قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، "أي: ما استجاب ولا انقاد إِلا قليل منهم" (٨). وقرأ ابن عامر: ﴿ما فعلوه إلا قليلا منهم﴾، نصبا (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]، أي: "ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم" (١٠). عن السدي: ﴿لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا﴾، قال: تصديقًا" (١١). قال الطبري: أي: " ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدُّون عنك صدودًا، [فعلوا] ما يذكّرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجل دنياهم، وآجل معادهم، وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها، وذلك أن المنافق يعمل على شك، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناءٍ وضعف، ولو عمل على بصيرة، لاكتسب بعمله أجرًا، ولكان له عند الله ذخرًا، وكان على عمله الذي يعمل أقوى، ولنفسه أشدَّ تثبيتًا، لإيمانه بوعد الله على طاعته، وعمله الذي يعمله " (١٢). قال أبو إسحاق السبيعي: " لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي» " (١٣). وعن شريح بن عبيد قال: لما تلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل- يعني ابن رواحة" (١٤). وعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت. قال: «صدقت يا أبا بكر» " (١٥).

стр. 2908

سئل سفيان عن قوله: " ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال النبي ﷺ : «لو نزلت كان ابن أم عبد منهم» " (١). الفوائد: ١ - أخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها (٢). ٢ - أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدا وشكرا لربه (٣). ٣ - أنه ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط (٤). ٤ - أن الله جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل، فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾، فضرب المثل بمفارقة الدار كما ضربه بمفارقة الحياة (٥). القرآن ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [النساء: ٦٧] التفسير: ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ [النساء: ٦٧]، أي: " ولأعطيناهم من عندنا ثمرة الطاعة" (٦). قال البيضاوي: " جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وما يكون لهم بعد التثبيت فقال وإذا لو تثبتوا لآتيناهم، لأن إذا جواب وجزاء" (٧). قال الطبري: أي: " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعِظُوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا" (٨). قال المراغي: " أي: ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل" (٩). قال ابن كثير: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾، " أي: من عندنا " (١٠). قال الراغب: "وإنما قال: ﴿من لدنا﴾، لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلها قدرا وأعظمها خطرا، نحو: وروحنا" (١١). قوله تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧]، أي: " ثواباً كثيرا" (١٢). قال الطبري: أي: " جزاء وثوابًا عظيمًا" (١٣). قال البغوي: أي: " ثوابا وافرا" (١٤). قال ابن كثير: " يعني: الجنة" (١٥). قال السمعاني: "هو الجنة" (١٦).

стр. 2909

قال القرطبي: " أي: ثوابا في الآخرة" (١). قال الخازن: " يعني: ثوابا وافرا جزيل" (٢). قال الزمخشري: " المراد: العطاء المتفضل به من عنده، وتسميته أجرا، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته" (٣). عن سعيد بن جبير قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: الجنة" (٤). وروي عن أبي هريرة وعكرمة وأنس، والضحاك وقتادة نحو ذلك (٥). قال الراغب: " بيّن أنهم لو قبلوا الموعظة، لجمع لهم بين خير الدنيا والآخرة، وذلك هو المعني بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] " (٦). الفوائد: ١ - أنه مما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به هو الثواب العظيم في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ٢ أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال ﵊: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (٧) (٨). القرآن ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٨] التفسير: ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم. قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [النساء: ٦٨]، أي: " ولأرشدناهم ووفقناهم" (٩). قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات" (١١). قوله تعالى: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨]، أي: " إلى طريق الله القويم" (١٢). قال البغوي: " أي: إلى الصراط المستقيم" (١٣). قال البيضاوي: أي: " يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي ﷺ «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» (١٤) " (١٥). وفي «الصراط المستقيم»، وجوه من التفسير: أحدها: أنه «كتاب الله». رواه أبو نواس الانصاري عن رسول الله- ﷺ (١٦). والثاني: أنه «الإسلام». رواه أبو نواس الانصاري أيضا عن رسول الله- ﷺ (١٧). والثالث: أن الصراط المستقيم: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قاله أبو العالية (١٨). قال عاصم: "فذكرناه ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح" (١٩). والرابع: أن الصراط المستقيم هو: الحق. وهذا قول مجاهد (٢٠). قال الراغب: "و «الصراط المستقيم» الذي وعدهم، هو الذي حرض على سؤاله في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " (٢١). قال ابن عطية: " و «الصراط المستقيم»: الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر" (٢٢). الفوائد: ١ - أن الهداية تكون من ثمرة تحكيم الشريعة والانقياد التام للرسول ﷺ . ٢ - أن الهداية من الله تعالى، وَقَالَ اهل السّنة ان الْهِدَايَة من الله تَعَالَى على وَجْهَيْن (٢٣): احدهما: من جِهَة ابانة الْحق وَالدُّعَاء اليه وَنصب الادلة عَلَيْهِ وعَلى هَذَا الْوَجْه يَصح اضافة الْهِدَايَة الى الرُّسُل والى كل دَاع الى دين الله لانهم يرشدون اهل التَّكْلِيف الى الله تَعَالَى وَهَذَا تَأْوِيل قَول الله فِي رَسُوله ﷺ ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ اى تَدْعُو اليه. وَالْوَجْه الثانى: من هِدَايَة الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ خلق الاهتداء فِي قُلُوبهم كَمَا ذكره فِي قَوْله ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾، وَهَذَا النَّوْع من الْهِدَايَة لَا يقدر عَلَيْهِ الا الله تَعَالَى. وَالْهِدَايَة الاولى من الله تَعَالَى شَامِلَة لجَمِيع الْمُكَلّفين وَالْهِدَايَة الثَّانِيَة من خاصته للمهتدين وفى تَحْقِيق ذَلِك نزل قَول الله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ القرآن ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩] التفسير: ومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد ﷺ فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا والشهداء في سبيل الله وصالح المؤمنين، وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: "جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ : يا فلان، مالي أراك محزونًا؟ قال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه! فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك! فلم يردّ النبي ﷺ شيئًا. فأتاه جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال: فبعث إليه النبي ﷺ فبشره" (٢٤). وفي السياق نفسه أخرج الطبري (٢٥) وابن أبي حاتم (٢٦)، والواحدي (٢٧)، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: "قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا

стр. 2910

، فإنك لو قَدْ مِتَّ رُفِعت فوقنا فلم نرك! فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، الآية" (١). وروي عن قتادة (٢)، والربيع (٣) نحوذلك. وقال السدي: " قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ " (٤). وأخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة قال: "أتى فتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله: إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك، لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل : ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، فقال له رسول الله ﷺ : «أنت معي في الجنة إن شاء الله» " (٥). وأخرج الطبراني عن الأسود، عن عائشة-﵂ قالت: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ..... ﴾، الآية" (٦). وقال مقاتل: " نزلت في رجل من الأنصار يسمى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، قال للنبي- ﷺ -وهو الذي رأى الأذان في المنام مع عمر بن الخطاب- ﵄: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فلم ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، فذكرت درجاتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة «٢». فأنزل الله- ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ " (٧). قال ابن عطية: " وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي ﵇، قال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي" (٨). وقال مقاتل: " فلما توفي النبي- ﷺ أتاه ابنه وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي- ﷺ فقال عند ذلك: اللهم اعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي أبدا. فعمي مكانه وكان يحب النبي- ﷺ حبا شديدا فجعله الله- مع النبي- ﷺ فى الجنة" (٩). وذكر الثعلبي - بغير إسناد- (١٠)، والواحدي (١١) عن الكلبي، قال: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله ﷺ وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله: «يا ثوبان ما غير لونك؟ » فقال: يا رسول الله ما بي من ضر ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك

стр. 2911

هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وأني وإن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أرك أبدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: " ومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد صلى الله عليه" (٢). قال الواحدي: " أي: في الفرائض، والرسول، أي: في السنن" (٣). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: " فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة" (٤). قال الواحدي: "يعني: المطيعين" (٥). قال ابن عطية: " وهذه الآية تفسير قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٥]، ومعنى- أنهم معهم- أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء" (٦). قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: " من الأنبياء" (٧). قال الواحدي: " أي: أنه يستمتع برؤية النبيين، وزيارتهم، والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم" (٨). قال البغوي: " أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء" (٩). وقال عكرمة: "النبيون هاهنا: محمد ﷺ " (١٠). قوله تعالى: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: " والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا " (١١). أخرج ابن المنذر عن ابن جريج، قال: "وقال غير مجاهد، عن أبي ذر، في قوله جل وعز " ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين﴾، الصديقين: المؤمنين " (١٢). وقال الكلبي: "الصديقون: أفاضل أصحاب النبي ﷺ " (١٣). قال الزمخشري: " الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبى بكر الصديق رضى الله عنه وصدقوا في أقولهم وأفعالهم" (١٤). قال البغوي: " أفاضل أصحاب النبي ﷺ ، والصديق المبالغ في الصدق" (١٥). وروي عن النبي ﵇: " الصديقون: المتصدقون" (١٦). وقال مقاتل: " هم أول من صدق بالأنبياء- ﵈ حين عاينوهم" (١٧). وقال عكرمة: " والصديقون: أبو بكر" (١٨).

стр. 2912

قال الواحدي: " والصديقين: كل من صدق بكل ما أمر الله، لا يدخله شك، وصدق الأنبياء فهو صديق، وهو قول الله تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ [الحديد: ١٩] " (١). وفي تسمية الصديق قولان (٢): أحدهما: أنه فِعِّيل من الصِّدْقِ. والثاني: أنه فِعّيل من الصَدَقَة. قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩] أي: " والشهداء في سبيل الله" (٣). قال مقاتل: " يعني: القتلى في سبيل الله بالشهادة" (٤). قال البغوي: " قيل: هم الذين استشهدوا في يوم أحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله" (٥). وقال عكرمة: " والشهداء عمر وعثمان وعلي ﵃" (٦). قال الماوردي: " ﴿الشهداء﴾، جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل اللَّه تعالى" (٧). قال ابن عطية: " والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذين فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم، [و] الشهداء في هذه الآية يعم أنواع الشهداء" (٨). وفي تسمية الشهيد قولان (٩): أحدهما: لقيامه بشهادة الحق، حتى قتل في سبيل الله. والثاني: لأنه يشهد كرامة الله تعالى. في الآخرة. ويشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله. قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: "وصالح المؤمنين" (١٠). قال مقاتل: " يعني: المؤمنين أهل الجنة" (١١). قال الواحدي: " هم سائر المسلمين" (١٢). وقال عكرمة: " ﴿والصالحين﴾: سائر الصحابة ﵃" (١٣). قال الماوردي: "الصالحون، جمع صالح، وفيه قولان: أحدهما: أنه كل من صلح عمله. والثاني: هو كل من صلحت سريرته وعلانيته" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، أي: " وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة" (١٥). قال الزجاج: " أي الأنبياء ومن معهم حسنوا رفيقا" (١٦). قال الزمخشري: " فيه معنى التعجب كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده" (١٧). عن الاثرم، عن أبي عبيدة: " ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ أي رفقاء، والعرب تلفظ بلفظ الواحد والمعنى يقع على الجميع قال عباس بن مرداس (١٨):

стр. 2913

فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور وقال في القرآن: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (١)، والمعنى: أطفالا" (٢). قال الواحدي: " وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك به وبصحبته، ويقال للجماعة في السفر: رفقة لارتفاق بعضهم ببعض" (٣). وأما «الرفيق»، ففيه قولان (٤): أحدهما: أنه مأخوذ من الرفق في العمل. والثاني: أنه مأخوذ من الرفق في السير. قرئ: ﴿وحسن﴾، بسكون السين (٥). عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "كنت أسمع أن النبي ﷺ قال: لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة، قالت: وأصابته بحة في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾»، فظننت أنه خير" (٦). عن ابن وهب، قال مالك: " سمعت ذلك الرجل -يعني عبد الله بن يزيد بن هرمز وهو يصف المدينة وفضلها-: يبعث منها أشراف هذه الأمة يوم القيامة، وحولها الشهداء أهل بدر وأحد والخندق، ثم تلا مالك هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، والآية التي بعدها" (٧). الفوائد: ١ - أنه من ثمرة إطاعة الله والرسول مرافقة النبيين والصديقين، إذ سمّى الله ﵎ التحاكم إلى الرسول «طاعة»، وجعل عاقبتهما معية كريمة ومُقاماً كريماً في صحبة كريمة في جوار الله الكريم وحق لمن أقام هذا التحاكم على ما يريد الله تعالى، أن يرقى صُعُداً مع هذه الصحبة المباركة في الفردوس الأعلى، لأن النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين هم خير من أطاع الله تعالى ظاهراً وباطناً وأقام شريعته ووحّده، فمن حذا حذوهم حُشِر معهم وصحبهم في الفردوس الأعلى من الجنة وهو طريق مفتوح لكلّ من اقتدى بهم ظاهراً وباطناً (٨). ٢ - أن السلامة تكون في الإلتزام بسنة النبي ﷺ -وتقبل وصيته وترك الفضول، ومن ثم َأَبْشِرُوا بِالْفَضْلِ والكرامة وَالْخُلُود فِي دَار المقامة مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصالحين. ٣ - أن المراد بالمعية في الآية، هو المعية من جهة رفع الحجاب، وليس المراد المعية من حيث المقام. ٤ - أن الآية دليل على أن طاعة الرسول ﷺ تثمر الهداية، وثبات القلب عليها، ومخالفته تثمر زيغ القلب، واضطرابه، وعدم ثباته. ٥ - إن الحقوق ثلاثة: - حق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك. - وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة. - وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩]. ٦ - دلت الآية على أن من جاء بالإيمان الكامل، فإن الله يتولاه بأن يخرجه من الظلمات بصرفها عنه، أو صرفه عنها، ويوفقه للنور ويثبته عليه.

стр. 2914

٧ - ومن الفوائد: أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس. القرآن ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٧٠] التفسير: ذلك العطاء الجزيل من الله وحده. وكفى بالله عليما يعلم أحوال عباده، ومَن يَستحقُّ منهم الثواب الجزيل بما قام به من الأعمال الصالحة. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠]، أي: " ذلك العطاء الجزيل من الله وحده" (١). قال مقاتل: " يعني: هذا الثواب هو الفضل من الله" (٢). قال الواحدي: " تفضل به على من أطاعه" (٣). قال ابن كثير: " أي: من عند الله برحمته، هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم" (٤). قال الزمخشري: أي: " أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم، من الله، لأنه تفضل به عليهم تبعا لثوابهم" (٥). قال الراغب: " بيّن الله تعالى أن ذلك الفضل الذي ذكره بقوله: ﴿أنعم الله عليهم﴾، هو من الله علي الإطلاق، فنسب إلى نفسه تفخيما لأمره" (٦). قال الطبري: " فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟ قيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم، فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره" (٧). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٧٠]، " أي: وكفى به تعالى مجازياً لمن أطاع عالماً بمن يستحق الفضل والإِحسان" (٨). قال سعيد بن جبير: " ﴿عليما﴾، يعني: عالما بها" (٩). قال الزجاج: " معناه: كفى الله عليما، والباء مؤكدة. المعنى اكتفوا بالله عليما" (١٠). قال البغوي: " أي: بثواب الآخرة، وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبه، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنما نالوها بفضل الله " (١١). قال ابن كثير: "أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق" (١٢). قال الواحدي: " أي: أنه لا يضيع عنده عمل عامل لأنه لا يخفى عليه شيء" (١٣). قال الزمخشري: أي: " بجزاء من أطاعه أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله، لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليما بعباده فهو يوفقهم على حسب أحوالهم" (١٤). الفوائد: ١ - أن الله تعالى يهدي من يشاء بفضله وحكمته. ٢ - من أسمائه تعالى: «العليم»، والْعِلْمُ: صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١٥).

стр. 2915

قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم" (١). جاء في الحديث: " اللهم إني أستخيرك بعلمك" (٢). وفي حديث ابن عباس ﵄ وقول الخضِر لموسى ﵉: "إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه" (٣). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ [النساء: ٧١] التفسير: يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم بالاستعداد لعدوكم، فاخرجوا لملاقاته جماعة بعد جماعة أو مجتمعين. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٧١]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٤). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٥). وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٦). كما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٧). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٨). قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، أي: " احترزوا من عدوكم واستعدوا له" (٩). قال مقاتل: " يعني: عدتكم من السلاح" (١٠). قال الزمخشري: أي: " احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم" (١١). قال السمعاني: " أي: عدتكم، والحذر: ما يتقى به من العدو، نحو العدة والسلاح" (١٢). قال الزجاج: " أمر الله أن لا يلقي المؤمنون بأيديهم إلى التهلكة وأن يحذروا عدوهم وأن يجاهدوا في الله حق الجهاد، ليبلو الله الأخيار وضمن لهم مع ذلك النصر، لأنه لو تولى الله تعالى قتل أعدائه بغير سبب للآدميين لم يكونوا مثابين، ولكنه أمر أن يؤخذ الحذر" (١٣). قال ابن كثير: " يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله" (١٤). قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، " أي: اخرجوا إِلى الجهاد جماعات متفرقين، سريةً بعد سرية أو اخرجوا مجتمعين في الجيش الكثيف" (١٥). قال ابن عباس: "، يقول: عصبًا، يعني: سَرايَا متفرقين، ﴿أو انفروا جميعًا﴾، يعني: كلكم" (١٦).

стр. 2916

عن مجاهد في قول الله: " ﴿فانفروا ثبات﴾، قال: فرقًا، قليلا قليلا" (١). عن السدي: " ﴿فانفروا ثبات﴾، فهي العصبة، وهي الثبة، ﴿أو انفروا جميعًا﴾، مع النبي ﷺ " (٢). قال قتادة: " الثبات: الفرق" (٣). قال الضحاك: " رفانفروا ثبات﴾، يعني: عصبًا متفرِّقين" (٤). قال مقاتل: " عصبا سرايا جماعة إلى عدوكم أو انفروا إليهم جميعا مع النبي- ﷺ إذا نفر" (٥). عن مسلم بن حيان الهذلي: ﴿أو انفروا جميعا﴾، قال: مرة واحدة" (٦). قال الطبري: أي: " فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين، أو انفروا جميعًا مع نبيكم ﷺ لقتالهم" (٧). قال الفراء: " يقول: عصبا، يقول: إذا دعيتم إلى السرايا، أو دعيتم لتنفروا جميعا" (٨). قال الزجاج: أي: " انفروا جماعات متفرقة أو انفروا بعضكم إلى بعض" (٩). قال الواحدي: " أَيْ: فانهضوا إلى لقاء العدوِّ ﴿ثباتٍ﴾ جماعاتٍ مُتفرِّقين إذا لم يكن معكم الرَّسول، ﴿أو انفروا جميعاً﴾ إذا خرج الرَّسول إلى الجهاد" (١٠). قال الزمخشري: أي: " فانفروا إذا نفرتم إلى العدو. إما ثبات جماعات متفرقة سرية بعد سرية، وإما جميعا أى مجتمعين كوكبة واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة" (١١). و«الثبات»: الجماعات المتفرقة، واحدها ثبة. قال زهير ابن أبي سلمى (١٢): وَقَدْ أَغْدُوا عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ ... نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاء وإنما اشتقت ثبة الجماعة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته، وتأويله أنك جمعت ذكر محاسنه (١٣). قال ابن كثير: " ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية" (١٤). وقرئ: ﴿فانفروا﴾، بضم الفاء" (١٥). قال السمعاني: وهذه الآية: " دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية" (١٦). وقد ذهب قوم: إلى أن هذه الآية منسوخة (١٧)، استندوا في ذلم ما روي عن عطاء عن ابن عباس ﵄: " ﴿خذوا حذركم فانفروا ثبات﴾ (١٨)، وقال: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ (١٩)، وقال: ﴿إلا تنفروا

стр. 2917

يعذبكم عذابا أليما﴾ (١)، ثم نسخ هذه الآيات، فقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ (٢) الآية" (٣). قال ابن الجوزي: " وهذه الرواية فيها مغمز (٤)، وهذا المذهب لا يعمل عليه. وأحوال المجاهدين تختلف، والأمر في ذلك على حسب ما يراه الإمام وليس في هذه الآيات شيء منسوخ بل كلها محكمات. وقد ذهب إلى ما قد ذهبت إليه، أبو سليمان الدمشقي" (٥). الفوائد: ١ - أن التوكل على الله تعالى لا ينافي اتخاذ الأسباب بل إن التوكل لا يتم إلا إذا اتخذ الإنسان لكل عملٍ يريده الأسباب التي توصله إلى تحقيقه فالله قد ربط المسببات بأسبابها. بل إن الإنسان ينساق إلى الأخذ بالأسباب بمقتضى فطرته وبمقتضى التكليف الشرعي فإذا قال الإنسان أنا متوكل على الله في تحصيل رزقي ولم يتخذ الأسباب التي توصله إلى ذلك وتحقق له مطلبه فهو مخالف للفطرة ومخالف لشرع الله الذي جاء الأمر فيه باتخاذ الأسباب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وغيرها من الآيات كثير في الأمر بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله في إتمام الأمور التي يسعى العبد في تحصيلها لأن التوكل من أعظم الأسباب وأنفعها في دفع المضار وجلب المنافع، فلا بد من الأخذ بالأسباب التي توصل الإنسان إلى تحقيق حاجاته والحصول على مطالبه، ومن قال بنفي الأسباب فتوكله مشوب ومدخول (٦). ٢ - استدل أهل القدر بهذه الآية بقوله: ﴿خذوا حذركمْ﴾، قالوا: لولا أن الحذر يمنع عنهم مكايد الأعداء ما كان لأمره بالحذر إياهم معنى. فيقال لهم: الائتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم لأنهم به يسلمون من معصية الله لأن المعصية تزل، فائتمروا وانتهوا عما نهوا عنه. وليس في هذه الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئا، وهذا كقول النبي ﵌: «اعقلها وتوكل» (٧)، والمراد به طمأنينة النفس لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر فهو الدليل على ذلك، أن الله تعالى أثنى على أصحاب رسول الله ﷺ بقوله حاكيا عنهم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وأمر بذلك رسوله ﷺ كان يصيبهم غير ما قضى عليهم ما كان هذا مني (٨). القرآن ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾ [النساء: ٧٢] التفسير: وإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار، فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة، قال مستبشرًا: قد حفظني الله، حين لم أكن حاضرًا مع أولئك الذين وقع لهم ما أكرهه لنفسي، وسرَّه تخلفه عنكم.

стр. 2918

في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: إنها نزلت في المنافقين وإنما جمع منهم في الخطاب من جهة الجنس والسبب ومن جهة الإيمان (١). أخرج ابن ابي حاتم عن بكير بن معروف عن مقاتل: "قوله: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، قال عدو الله عبد الله بن أبي: ﴿قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا﴾، فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة" (٢). قال مقاتل بن سليمان: " نزلت في عبد الله بن أبي بن ملك بن أبي عوف بن الخزرج رأس المنافقين" (٣). واخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ﴿وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة﴾، إلى قوله: ﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾، ما بين ذلك في المنافقين" (٤). والثاني: وقال البعض: أنها نزلت في المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿وإن منكم﴾، وقد فرق الله بين المؤمنين والمنافقين بقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] (٥). قال الماتريدي: " قوله: ﴿منكم﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: في الظاهر منكم. ويحتمل: في الحكم منكم. ويحتمل: في الدعوى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة للمؤمنين، وإن كانوا -في الحقيقة- لم يكونوا" (٦). والراجح-والله أعلم- انها نزلت في المنافقين، وهذا قول اكثر المفسرين (٧). قال القرطبي: " وقيل: المراد بقوله ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ بعض المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿وإن منكم﴾، وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره، وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان. هذا قول الجمهور وهو الصحيح" (٨). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]، أي: " وإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار" (٩). قال مقاتل بن جيان: " يقول: وإن منكم لمن ليتخلفن عن الجهاد" (١٠). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: ليتخلفن النفر" (١١). قال الزجاج: " أي: ممن أظهر الإيمان لمن يبطى عن القتال" (١٢). عن مجاهد قوله: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾، قال: في المنافق" (١٣). قال السمعاني: " أي: ليتأخرن، والبطء: التأخير. وقيل: هذا في عبد الله بن أبي بن سلول" (١٤). قال الواحدي: " أيْ: ليتخلفنَّ ويتثاقلنَّ عن الجهاد وهم المنافقون وجعلهم من المؤمنين من حيث إنَّهم أظهروا كلمة الإِسلام فدخلوا تحت حكمهم في الظَّاهر" (١٥). قال السمرقندي: " أي: وإن منكم من يتثاقل ويتخلف عن الجهاد، يعني المنافقين، فهذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: إن فيكم منافقين يتثاقلون ويتخلفون عن الجهاد" (١٦).

стр. 2919

قال الثعلبي: " أي ليثاقلن ويتخلفن عن الجهاد والغزو. وقيل: معناه ليصدقن غيره، وهو عبد الله بن أبي المنافق" (١). قال الزمخشري: " والخطاب لعسكر رسول الله ﷺ والمبطئون منهم المنافقون لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقا. ومعنى ﴿ليبطئن﴾، ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطأ. بمعنى: أبطأ كعتم بمعنى: أعتم، إذا أبطأ، ويجوز أن يكون منقولا من بطؤ، نحو؟ ثقل من ثقل، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله ابن أبى، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد" (٢). قال الراغب: " البطء والريث والأناة والثبات واللبث تتقارب، ولكن الثبات يقتضي الزوال، ويقالان متعديين عن بطء تقول يبطئن أي يثبط غيره. وقيل: يكثر هو التثبيط في نفسه. بيّن تعالى أن قوما بعد فيكم ومنكم أي يتأخرون عن الحرب أو يؤخرون غيرهم" (٣). قال الماتريدي: "قيل: إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد ويتخلفون؛ كقوله - تعالى -: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، كانوا يسرون ذلك ويضمرونه، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى، وفيه دلالة إثبات رسالة محمد ﷺ –" (٤). وقرئ: ﴿ليبطئن﴾، بالتخفيف (٥). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢]، أي: " فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة" (٦). عن مقاتل قوله: " ﴿فإن أصابتكم مصيبة﴾، من العدو وجهد من العيش" (٧). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: بلاء من العدو أو شدة من العيش" (٨). قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]، "أي: قال ذلك المنافق مستبشرا: قد تفضَّل الله عليَّ إِذ لم أشهد الحرب معهم فأُقتل ضمن من قتلوا" (٩). قال قتادة: " هذا قول مكذب" (١٠). قال مقاتل: " قال المنافق: ﴿قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا﴾، يعني: شاهدا فيصيبني من البلاء ما أصابهم" (١١). قال الزجاج: " أي: لم أشركهم في مصيبتهم" (١٢). قال الثعلبي: " أي: حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني مثل ما أصابهم" (١٣). قال القرطبي: " ﴿قال قد أنعم الله علي﴾، يعني: بالقعود وهذا لا يصدر إلا من منافق، لا سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقول مؤمن" (١٤). الفوائد: ١ - أن الله تعالى امر عباده بالتعجيل والمسارعة في الخيرات. ٢ - فضيلة الجهاد في سبيل الله. ٣ - إن من أبطأ يبطئ غيره بإبطائه إذ يكون قدوة في ذلك. القرآن

стр. 2920

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾ [النساء: ٧٣] التفسير: ولئن نالكم فضل من الله وغنيمة، ليقولن -حاسدًا متحسرًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة في الظاهر-: يا ليتني كنت معهم فأظفر بما ظَفِروا به من النجاة والنصرة والغنيمة. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٣]، أي: " ولئن نالكم فضل من الله وغنيمة" (١). قال مقاتل بن حيان: " يعني: فتحا وغنيمة وسعة في الرزق" (٢). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: رزق من الله- يعني: الغنيمة" (٣). قال الزجاج: " أي: ظفرتم وغنمتم" (٤). قال ابن كثير: " أي: نصر وظفر وغنيمة" (٥). قال الراغب: " أي: غنيمة وظفر يتحسرون على تأخرهم عنكم" (٦). ويحسدونكم على الفضل الذي أوتيتم قوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣]، " أي: ليقولنَّ هذا المنافق قول نادم متحسر كأن لم يكن بينكم وبينه معرفة وصداقة يا ليتني كنت معهم في الغزو لأنال حظاً وافراً من الغنيمة" (٧). قال مقاتل بن حيان: " ليقولن المنافق وهو نادم في التخلف" (٨). وفي رواية اخرى: " كأن المنافق عبد الله بن أبي لم تكن بينكم وبينه مودة" (٩). وعن مقاتل بن حيان ايضا: " ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودة﴾، يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة، فهذا من التقديم" (١٠). قال مقاتل بن سليمان: " ليقولن ندامة في التخلف -كأن لم تكن بينكم وبينه مودة فى الدين والولاية-: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾، فألحق من الغنيمة نصيبا وافرا" (١١). وفي رواية اخرى: " المنافق نادم في التخلف، يتمنى ﴿يا ليتني كنت معهم﴾ " (١٢). وعن مقاتل بن حيان ايضا: قوله: " ﴿فأفوز﴾، يعني: أنجو بالغنيمة" (١٣). قوله" ﴿فوزا﴾: آخذ نصيبا" (١٤). عن قتادة: قوله: " ﴿يا ليتني كنت معهم﴾، قال: قول حاسد" (١٥). قال ابن كثير: أي: يقول -" وكأنه ليس من أهل دينكم-: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده" (١٦). وفي قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣]، وجهان (١٧): أحدهما: أن ذلك اعتراض متعلق بالجملة الأولى، والمعنى: وتقديره: «يقولون: قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينهم مودة»، فأخر ذلك.

стр. 2921

قال الراغب: " وذلك مستقبح في العربية، فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، وتقديره: يقول: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كأن لم تكن، أي: قولهم ذلك قول من ليس بينكم وبينهم مواصلة دينية، وذلك تنبيه على ضعف عقيدتهم، وسوء نيتهم" (١). قال الزجاج: "ومعنى «المودة» ههنا، أي: كأنه لم يعاقدكم على الإيمان أي كأنه لم يظهر لكم المودة" (٢). والثاني: أن يكون حكاية عنهم، أي ليقولن لمن يثبطكم: «كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة، حيث لم يستعينوا بكم»، ثم يقولون: «﴿يا ليتني كنت معهم﴾»، فيكون القول الأول منهم إثارة للشر. والقول الثاني منهم إظهارا للحسد. قال الواحدي: " قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ متصلٌ في المعنى بقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة﴾ أَيْ: كأنْ لم يعاقدكم على الإِسلام ويعاضدكم على قتال عدوٍّكم ولم يكن بينكم وبينه مودة في الظَّاهر" (٣). ويقرأ في الشواذ: ﴿ليقولن﴾، برفع اللام، والمعنى واحد (٤). الفوائد: ١ - أن كل من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن عليه ويتألم، فأخبر الله أن هؤلاء المنافقين إذا أصابت المؤمنين نكبة يسرون بذلك ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة (٥). ٢ - في الآية تنبيه أن عامة الناس لا يعدون إلا أعراض الدنيا، فيفرحون بما ينالهم منها، ولا من المحن إلا مصائبها، فيتألمون بما يصيبهم منها، وذلك قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥]. ٢ - إن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة. وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: - صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد. - وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد (٦). القرآن ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤] التفسير: فليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها. ومن يجاهد في سبيل الله مخلصًا، فيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ، فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا. في سبب نزول الآية ثلاثة اقوال: أحدها: أنها نزلت في المؤمنين المخلصين، ومعنى ﴿يشرون﴾، أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارون الآخرة (٧). قال مقاتل: " لقولهم للنبي- ﷺ : «إن نقاتل فنقتل ولا نقتل؟ »، فنزلت هذه الآية، فأشركهم جميعا في الأجر" (٨). قال ابن حجر: " قال بعضهم: معناه نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلصين" (٩). والثاني: وقيل انها "نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد" (١٠).

стр. 2922

قال البغوي: " قيل: نزلت في المنافقين، ومعنى ﴿يشرون﴾، أي: يشترون، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة، ومعناه: آمنوا ثم قاتلوا" (١). والثالث: وقيل: "نزلت في المؤمنين المتخلفين، و ﴿يشرون﴾، بمعنى يبيعون ويؤثرون الآجلة على العاجلة، ويستبدلونها بها أمر الله تعالى بالجهاد من تخلف من ضعفة المؤمنين" (٢). قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، أي: " فليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها" (٣). قال الطبري: أي: فليجاهد "في دين الله والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به أهل الكفر به، الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعُهم إياها بها: إنفاقهم أموالهم في طلب رضى الله، لجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبَذْلهم مُهَجهم له في ذلك" (٤). عن السدي: " ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة" (٥). قال ابن زيد: " ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، فـ «يشري»: يبيع، و «يشري»: يأخذ وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا" (٦). قال الماوردي: قوله: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ " يعني: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة , فعبر عن البيع بالشراء" (٧). قال الواحدي: " أَيْ: يختارون الجنَّة على البقاء في الدُّنيا" (٨). قال الزجاج: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ " أي: يبيعون، يقال شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت، قال يزيد بن مفرغ (٩): وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كنْتُ هَامَهْ برد غلامه، وشريته بعته" (١٠). قال الماتريدي: " كأنه - والله أعلم - نهى المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله - تعالى -: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا)، وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال الله - تعالى -: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، والمؤمنون هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة" (١١). قال النسفي: " والمراد المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده" (١٢). قرأ الجمهور: ﴿فليقاتل﴾، بسكون لام الأمر. وقرأت فرقة: بكسرها على الأصل (١٣) .. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، " أي: من يقاتل في سبيل الله لإِعلاء كلمة الله" (١٤).

стр. 2923

قال سعيد بن جبير: "يعني: ومن يقاتل المشركين" (١). وفي قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، وجهان (٢): أحدهما: في إظهار دين الله. والثاني: في طاعة الله - تعالى - ونصر أوليائه. قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، " أي: فيُستشهد أو يظفر على الأعداء" (٣). قال سعيد بن جبير: " ﴿فيقتل﴾، يعني: يقتله العدو" (٤). " ﴿أو يغلب﴾، يعني: يغلب العدو من المشركين" (٥). قال الواحدي: أي: " فيستشهد، ﴿أو يغلب﴾ فيظفر، فكلاهما سواءٌ" (٦). قال السمعاني: " وهو معنى قوله في سورة التوبة: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٧) " (٨). قرأ الجمهور: ﴿فيقتل﴾، مبنيا للمفعول. وقرأ محارب بن دثار: ﴿فيقتل﴾، على بناء الفعل للفاعل، وأدغم باء ﴿يغلب﴾، في "الفاء" أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه، وأظهرها باقي السبعة (٩) .. قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، " أي: فسوف نعطيه ثواباً جزيلاً" (١٠). قال سعيد بن جبير: " ﴿أجرا عظيما﴾، يعني: جزاء وافرا في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر" (١١). عن الأوزاعي عن يحيى، قال: " الأجر العظيم: الجنة " (١٢). قال الواحدي: "أي: ثواباً لا صفة له" (١٣). قال البغوي: أي: " في كلا الوجهين أجرا عظيما" (١٤). قال النسفي: " وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله" (١٥). قال ابن كثير: " أي: كل من قاتل في سبيل الله - سواء قتل أو غَلَب وسَلَب - فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (١٦) وتكفل الله للمجاهد في سبيله، إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة" (١٧). قال الطبري: " وهذا حضٌّ من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاونِ بأقوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وأن لهم في جهادهم إياهم - مغلوبين كانوا أو غالبين - منزلة من الله رفيعة" (١٨). قال ابن عطية: " وعد من قاتل في سبيل الله بالأجر العظيم، سواء استشهد، أو غلب. واكتفى في الحالتين بالغاية، لأن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل أن يغلب ويغنم، فأشرف الحالتين ما بدء به من ذكر الاستشهاد في سبيل الله، ويليها أن يقتل أعداء الله، ودون ذلك الظفر بالغنيمة، ودون ذلك أن

стр. 2924

يغزو فلا يصيب ولا يصاب، ولفظ الجهاد في سبيل الله يشمل هذه الأحوال، والأجر العظيم فسر بالجنة. والذي يظهر أنه مزيد ثواب من الله تعالى مثل كونهم أحياء عند ربهم يرزقون، لأن الجنة موعود دخولها بالإيمان. وكأن الذي فسره بالجنة ينظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، الآية" (١). عن عون، قال: "قيل لعمر بن الخطاب: إن مدرك بن عوف نشر نفسه يوم نهاوند، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ذاك خالي، وناس يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة، قال: فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا " (٢). قرأ الجمهور: ﴿نؤتيه﴾، بالنون. وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف: ﴿يؤتيه﴾، بالياء (٣). الفوائد: ١ - مدح المجاهدين في سبيل الله، والثناء عليهم. ٢ - أنه من لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها. بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، [ص: ١٨٧] فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة﴾. ٣ - من أسماء يوم القيامة، اليوم الآخر، أو الآخرة، او الدار الآخرة، وسمى ذلك اليوم باليوم الآخر، لأنه اليوم الذي لا يوم بعده. القرآن ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥] التفسير: وما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- عن الجهاد في سبيل نصرة دين الله، ونصرة عباده المستضعفين من الرجال والنساء والصغار الذين اعتُدي عليهم، ولا حيلة لهم ولا وسيلة لديهم إلا الاستغاثة بربهم، يدعونه قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية -يعني «مكة» - التي ظَلَم أهلها أنفسهم بالكفر والمؤمنين بالأذى، واجعل لنا من عندك وليّاً يتولى أمورنا، ونصيرًا ينصرنا على الظالمين؟ في سبب نزول الآية: أخرج عبد بن حميد من رواية سعيد عن قتادة: "كان بمكة رجال ونساء وولدان من المسلمين فأمر الله نبيه أن يقاتل حتى يستنقذهم" (٤). وأخرج من رواية أبي يونس القوي (٥): " قلت لسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾؟ قال: كان بمكة ناس مظلومون مقهورون" (٦). وأخرج ابن المنذر (٧) وابن أبي حاتم (٨)، عن مجاهد: " أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]، أي: " وما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- عن الجهاد في سبيل نصرة دين الله" (١٠). قال الزجاج: " المعنى: أي شيء لكم تاركين القتال؟ " (١١). قال الثعلبي: " أي: تجاهدون في طاعة الله" (١٢).

стр. 2925

قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٧٥]، أي: " وفي سبيل خلاص المستضعفين من إِخوانكم الذين صدَّهم المشركون عن الهجرة فبقوا مستذلين مستضعفين" (١). قال الزجاج: " أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء؟ " (٢). قال الحسن: "يعني: وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين" (٣). قال ابن زيد: ": وما لكم لا تفعلون؟ تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين" (٤). قال مجاهد: " أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة" (٥). عن ابن عباس: قوله " ﴿والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾، فهم أناس مسلمون كانوا بمكة لم يستطيعوا أن يخرجوا منها فيهاجروا، فعذرهم الله، فهم أولئك" (٦). وروي عن عطاء نحو ذلك (٧). وقال ابن عباس ايضا: " كنت أنا وأمي من المستضعفين" (٨). وفي حديث ابن أبي عمر زيادة: " ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾، فأنا من ﴿الولدان﴾، وأمي من ﴿النساء﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، " أي: الذين يدعون ربهم لكشف الضُرّ عنهم قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية -وهي مكة- التي ظَلَم أهلها أنفسهم بالكفر والمؤمنين بالأذى" (١٠). قال ابن زيد: "الذين يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة، فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم الله هؤلاء ودينهم؟ و ﴿القرية الظالم أهلها﴾، مكة" (١١). و﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، هي مكة. وهذا قول عائشة-﵂ (١٢)، وابن عباس من رواية ابن عطية عن أبيه (١٣)، ومجاهد (١٤)، والسدي (١٥). وهو قول جميع المفسرين (١٦). قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]، أي: " واجعل لنا من عندك وليّاً يتولى أمورنا، ونصيرًا ينصرنا على الظالمين" (١٧). قال الزجاج: " أي: تولنا بنصرك وخلصنا من أهل مكة الظالم أهلها" (١٨). عن الربيع بن أنس: " ﴿من لدنك﴾، من عندك" (١٩). وروي عن السدي مثل ذلك (٢٠). عن مجاهد وعكرمة: " ﴿واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾، قالا: حجة ثابتة" (٢١). قال الثعلبي: " أجاب الله دعاءهم. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة جعل الله لهم النبي وليا فاستعمل عليها عتاب بن أسيد، فجعله الله لهم نصيرا وكان ينصف للضعيف من الشديد فنصرهم الله به وأعانهم وكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك" (٢٢). الفوائد:

стр. 2926

١ - أن الإيمان اسم للخاص من العبادات لا للكل (١)، ودليله أن الله تعالى عاتبهم على صنيعهم ذلك وأعظم الوعيد في ذلك ولم يزل عنهم اسم الإيمان. ٢ - ان ردّ الاعتداء هو من اسباب القتال في الإسلام، وأن القرآن شرع القتال للدفاع عن المستضعفين في الأرض، بل حرض أبلغ التحريض على القتال ذوداً عن حرماتهم، ودرءاً للظلم عنهم، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَان﴾، أي: وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله واستنقاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ . ٣ - أهمية الدعاء، وأنه سلاح المؤمن، عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء: سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض» (٢). قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على إبطال قول من زعم أن العبد لا يستفيد بالدعاء معنى، لأن الله تعالى حكى عنهم إنهم دعوه وأجابهم وآتاهم ما سألوه ولولا أنه أجابهم إلى دعائهم لما كان لذكر دعائهم معنى" (٣). ٤ - يوصف الله بأنه الناصر والنصير، وأنَّ النصر بيده، كما يوصف الله بأنه وَلِيُّ الذين آمنوا ومولاهم. القرآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦] التفسير: الذين صدَقُوا في إيمانهم اعتقادًا وعملا يجاهدون في سبيل نصرة الحق وأهله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل البغي والفساد في الأرض، فقاتلوا أيها المؤمنون أهل الكفر والشرك الذين يتولَّون الشيطان، ويطيعون أمره، إن تدبير الشيطان لأوليائه كان ضعيفًا. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٦]، قال ابن كثير: " أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه" (٤). قال الطبري: أي: " الذين صدقوا الله ورسوله، وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به ﴿يقاتلون﴾ في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده" (٥). قال مقاتل: " ﴿في سبيل الله﴾، يعني: طاعة الله" (٦). قال ابن عباس: "يريد في طاعة الله " (٧). قال الواحدي: "وتأويل ذلك أنها تُؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه، فلذلك سُميت طاعة الله: سبيل الله. وقيل: معنى ﴿في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: في دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته، فيكون التقدير على هذا: في نصرة دين الله" (٨). قال التستري: " قال: المؤمنون خصماء الله على أنفسهم" (٩). قال الراغب: " المقاتل في سبيل الله يتناول المحارب بالسيف والمدافع عن الدين بالقول، والمنازع لهوى النفس ولوساوس الشيطان، ونبه أن من قاتل في سبيل الله فهو وليه" (١٠).

стр. 2927

قال الزمخشري: " رغب الله المؤمنين ترغيبا وشجعهم تشجيعا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله. فهو وليهم وناصرهم" (١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]، قال ابن كثير: أي: " والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان" (٢). قال الطبري: أي: " والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم ﴿يقاتلون﴾ في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله" (٣). قال مقاتل: " ﴿في سبيل الطاغوت﴾، يعني: في طاعة الشيطان" (٤). قال التستري: " والمنافقون خصماء النفوس على الله ، يبتدرون إلى السؤال ولا يرضون بما يختار الله لهم وهو سبيل الطاغوت، إذ النفس أكبر الطواغيت، إذا خلا العبد معها، قيل له عن المعصية" (٥). قال الزجاج: " الطاغوت الشيطان، وكل معبود من دون الله فهو طاغوت، والدليل على أن الطاغوت الشيطان قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] " (٦). قال الراغب: " الطاغوت عام في كل ما شغل عن الله، والمراد به وبالشيطان واحد" (٧). والقول بأن «الطاغوت» ههنا هو «الشيطان»، قول عامة المفسرين (٨). قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦]، قال البغوي: " أي: حزبه وجنوده وهم الكفار" (٩). قال السمعاني: " أي: الكفار" (١٠). قال ابن عباس: "يريد جند الأصنام" (١١). قال الطبري: " يقول الله، مقوِّيًا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحرِّضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به: ﴿فقاتلوا﴾ أيها المؤمنون، الذين يتولَّون الشيطان ويطيعون أمره، في خلاف طاعة الله، والتكذيب به" (١٢). قال مقاتل: " ﴿أولياء الشيطان﴾، يعني: المشركين بمكة" (١٣). قال الزمخشري: أي: " وأعداء المؤمنين يقاتلون في سبيل الشيطان، فلا ولى لهم إلا الشيطان" (١٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، قال مقاتل: " يعني: إن مكر الشيطان ﴿ضعيفا﴾، يعني: واهنا، كقوله- سبحانه-: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (١٥)، يعني: مضعف كيد الكافرين. فسار النبي- ﷺ إلى مكة ففتحها وجعل الله- للمستضعفين مخرجا" (١٦). قال البغوي: " أي مكره كان ضعيفا، كما فعل يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم" (١٧). قال ابن عباس: "يعني: خذلانه إياهم يوم بدر، قتلوا ببدر" (١٨). قال الطبري: " يعني بـ «كيد الشيطان»: ما كاد به المؤمنين، من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول: فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وَهَن وضعف" (١٩). قال السمعاني: " قيل: ﴿كان ضعيفا﴾، بمعنى: أنه لا يرد أحدا عن الإسلام والهداية، وقيل: أراد به أن كيده كان ضعيفا يوم بدر، حين رأى الملائكة، وخاف أن يأخذوه، فهرب، فكيده ضعيف بأحد هذين المعنيين" (٢٠). قال الزمخشري: أي: " وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه" (٢١). قال البيضاوي: " لما ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله: إن كيد الشيطان كان ضعيفا أي إن كيده للمؤمنين بالإضافة إلى كيد الله للكافرين، ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه" (٢٢). قال الواحدي: " معنى الكيد: السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، يقال: كاده يكيده كيدًا، إذا عمل في إيقاع الضرر به على جهة الحيلة عليه" (٢٣). وفائدة إدخال كان في قوله: ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾، "التأكيد لضعف كيده، وذلك أنَّ كان يدلُّ على لزوم الضعف كيده، خلاف العارض الذي لم يكن ثم كان، وكيده مما يلزمه صفة الضعف، وليس عارضة فيه، بدلالة كان على هذا المعنى" (٢٤). قال الراغب: " ونبه بقوله ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، على ضعف أوليائه، ووصف كيده بالضعف إذ لا بطش له، وإنما سلطانه بين باطل، ولضعفه في الحقيقة قال تعالى حاكيا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، الآية" (٢٥). الفوائد: ١ - أن الشيطان يدفع أولياءَه ويجندهم إلى حرب المسلمين وقتالهم، قال تعالى: ﴿والَّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾. ٢ - أن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت. ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه. ٣ - أن الجن والشياطين كالإنس فيهم جوانب قوة، وجوانب ضعف، قال تعالى: ﴿إنَّ كيد الشَّيطان كان ضعيفاً﴾، لأن كيد إبليس تسويل بلا حجة والحجج ترده، ولهذا كان ضعيفا، فلما مالت الطباع إليه آثر وفعل. القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين، وعليكم أداء ما فرضه الله عليكم من الصلاة، والزكاة، فلما فرض عليهم القتال إذا جماعة منهم قد تغير حالهم، فأصبحوا يخافون الناس ويرهبونهم، كخوفهم من الله أو أشد، ويعلنون عما اعتراهم من شدة الخوف، فيقولون: ربنا لِمَ أَوْجَبْتَ علينا القتال؟ هلا أمهلتنا إلى وقت قريب، رغبة منهم في متاع الحياة الدنيا، قل لهم -أيها الرسول-: متاع الدنيا قليل، والآخرة وما فيها أعظم وأبقى لمن اتقى، فعمل بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه. لا يظلم ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الطبري (٢٦)، والنسائي (٢٧)، والفاكهي (٢٨)، والحسن بن سفيان (٢٩)، وابن أبي حاتم (٣٠)، والحاكم (٣١)، والواحدي (٣٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي

стр. 2928

صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، كنا في عِزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذِلة! فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﵎: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم "، الآية" (١). وروي عن قتادة (٢)، والسدي نحو ذلك (٣). وفي السياق نفسه ذكر الواحدي عن الكلبي، قال: " نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: «كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم»، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٤). وفي السياق نفسه قال مقاتل: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص- ﵄ وهما من بني زهرة وقدامة بن مظعون الجمحي والمقداد بن الأسود الكندي- ﵃ وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى فقال النبي- ﷺ : «مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإني لم أومر بقتالهم»، فلما هاجر النبي- ﷺ إلى المدينة أمر الله- بالقتال فكره بعضهم فذلك قوله- : ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾، يعني: فرض القتال بالمدينة، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: نزلت في طلحة بن عبيد الله- ﵁ (٥)، ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾، يعني كفار مكة، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فلا يقاتلونهم، ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، وقالوا: وهو الذي قال: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ " (٦). الثاني: أن هذه الآية وآيات بعدها، نزلت في اليهود. وهذا قول ابن عباس (٧) ومجاهد (٨). أخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، إلى قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٩)، ما بين ذلك في اليهود" (١٠). والثالث: أنها نزلت في المنافقين، وهو قول بعض البصريين (١١). والرابع: أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة، وهذا قول الحسن (١٢). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]، أي: " ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين" (١٣). قال الزمخشري: " أى: كفوها عن القتال، وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه " (١٤).

стр. 2929

قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، أي: " وعليكم أداء ما فرضه الله عليكم من الصلاة، والزكاة" (١). عن الحسن في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، قال: "فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة" (٢). وروي عن عطاء بن أبي رباح، وقتادة نحو ذلك (٣). قال عبد الرحمن بن نمر: "سألت الزهري عن قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، قال الزهري: إقامتها: أن يصلي الصلوات الخمس لوقتها" (٤). وعن ابن عباس: " ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، يعني: بالزكاة طاعة الله والإخلاص" (٥). عن ابن عباس ايضا: في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، قال: "ما يوجب الزكاة؟ قال: مائتين فصاعدا" (٦). وعن عكرمة: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، قال: "زكاة المال من كل مائتي درهم خمسة دراهم" (٧). وعن الحسن في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، قال: "فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها مع الصلاة" (٨). وروي عن قتادة نحو ذلك (٩). وعن الحارث العكلي في قوله: وآتوا الزكاة قال: صدقة الفطر" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، أي: " فلما فرض عليهم القتال إذا جماعة منهم قد تغير حالهم، فأصبحوا يخافون الناس ويرهبونهم، كخوفهم من الله أو أشد" (١١). قال سعيد بن جبير: " ﴿كتب﴾، يعني: فرض" (١٢). قال الزمخشري: أى: "فلما كتب عليهم القتال بالمدينة كع فريق منهم (١٣) لا شكّا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧]، "أي: وقالوا جزعاً من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال؟ " (١٥). قال أبو عبيدة: " لم فرضته علينا؟ " (١٦). قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧]، أي: " هلا أمهلتنا إلى وقت قريب" (١٧). قال السدي: "وهو الموت" (١٨). قال ابن جريج: " أي: إلى أن نموت موتا، الأجل القريب " (١٩). قال أبو عبيدة: " معناها: هلا أخرتنا إلى أجل قريب " (٢٠). قال مقاتل: " هلا تركتنا حتى نموت موتا وعافيتنا من القتل" (٢١).

стр. 2930

قال الزمخشري: " استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقت آخر، كقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، "أي: قل لهم -يا محمد-: إِن نعيم الدنيا قليل" (٣). قال مقاتل: " تتمتعون فيها يسيرا" (٤). عن هشام قال: "قرأ الحسن: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه" (٥). قال ميمون بن مهران: " الدنيا قليل، وقد مضى القليل وبقي قليل من قليل" (٦). قال سهل التستري: " الدنيا كلها جهل إلا موضع العلم، العلم كله حجة إلا موضع العمل به، والعمل كله هباء إلا موضع الإخلاص، والإخلاص لا يتم إلا بالسنة. ثم قال: دنياك نفسك، فإذا أفنيتها فلا دنيا لك" (٧). قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]، أي: " ونعيم الآخرة باقٍ فهو خير من ذلك المتاع الفاني لمن اتقى الله فعمل بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه" (٨). قال مقاتل: " يعني: الجنة أفضل من الدنيا" (٩). عن ابن عباس: "قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، يقول: اتقى معاصي الله" (١٠). وعن أبي العالية: " أما قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، يقول: لمن اتقى فيما بقي" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، أي: " لا يظلم ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة" (١٢). قال الطبري: "يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا" (١٣). قال الزمخشري: أي: " ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه" (١٤). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، وجهان: أحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة، وهو قول عطاء (١٥)، وقتادة (١٦)، ومجاهد (١٧)، والضحاك (١٨)، وابن زيد (١٩)، وعطية العوفي (٢٠)، وخصيف (٢١)، وأبو عبيدة (٢٢)، والحسن (٢٣)، وأحد قولي ابن عباس (٢٤). والثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، وهذا قول السدي (٢٥)، وأبي مالك (٢٦)، وأحد قولي ابن عباس (٢٧).

стр. 2931

قال الطبري: " إنما قصد بقوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له، ولا قيمة، فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى «الفتيل»، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له، مما دل عليه ظاهر التنزيل" (١). قال ابن السكيت: "القطمير: القشرة الرقيقة على النواة، والفتيل: ما كان في شق النواة، والنقير: النكتة في ظهر النواة" (٢). قال الأزهري: "وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير القدر، أي: لا يظلمون قدرها، قال النابغة (٣): يَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوفِ وَيَغْزُو ... ثُمَّ يَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا" (٤) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿ولا يظلمون﴾، بالياء، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ﴿تظلمون﴾ بالتاء (٥). الفوائد: ١ - إن الأصل أن دمّ الآدمي معصوم وكان دم الكافر في أول الإسلام معصوماً بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتله قال تعالى: - ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ , ولقوله ﷺ : - (لم أُؤْمر بالقتل بعد) وكدم القبطي الذي قتله موسى ﵇ ودم الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة في زماننا فإن موسى ﵇ عدّ ذلك ذنباً في الدنيا والآخرة ولأن بلوغ الدعوة استتابة عامة من كل كفر. ٢ - أنه من شرط الجهاد أن يكون بالمسلمين قوة يقوون بها على جهاد الكفار، أي: عندهم عدة واستعداد لجهاد الكفار، فإذا لم يكونوا على استعداد؛ كأن يكون فيهم ضعف والكفار أقوى منهم، فلو قاتل المسلمون الكفار لأبيدت خضراء المسلمين، فلا يجوز القتال في هذه الحالة؛ لأن هذا يلزم عليه مفسدة أكبر من المصلحة، وهي تسلط الكفار على المسلمين؛ ولهذا فالنبي ﷺ بقي في مكة ثلاثة عشر عاما مقتصرا على الدعوة إلى الله، والمسلمون يؤذون ويضايقون ولم يؤمر بالجهاد، بل الله أمرهم بالصبر وكف الأيدي حتى يأذن الله - جل وعلا - لهم بالجهاد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]. ٣ - أن القرآن يرشادنا إلى الإيمان الذي لا ينفك عن الجهاد، بل إن الجهاد تطبيق عملي له، ويحمل حملة عنيفة عن أولئك الذين يريدون أن يحققوا لأنفسهم، أو لأمتهم أمجادا رخيصة سهلة عن طريق رفع الأصوات وكثرة الادعاءات، إن هذا الصنف من الناس وجد في الأمة الإسلامية، ولكن كشفهم القرآن ليكونوا عبرة لمن يسلك سبيلهم كان هذا الصنف يتمنى أن يأذن الله له في القتال قبل مجيء أوانه فلما كتب عليهم القتال أصبحوا يخشون الأعداء أكثر مما يخشون الله. ٤ - وقد استدل البعض بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، على عدم رفع اليدين في الصلاة غير تكبيرة الإحرام (٦)، وهذا تحريف. ٥ - أن الخوف من الله تعالى جده وحده، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه (٧). ٦ - أن الدنيا فانية مفروغ منها والأمر أسرع من ذلك، وقد صور لنا الرسول ﷺ قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه فقال: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه

стр. 2932

هذه - وأشار بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع" (١). ما الذي تأخذه الإصبع إذا غمست في البحر الخضم، إنها لا تأخذ منه قطرة. هذا هو نسبة الدنيا إلى الآخرة. ٧ - أخبر الله - تعالى - أنه حرم الظلم على نفسه، فقال: ﴿ولا تظلمون فتيلا﴾ [النساء: ٧٧]، وقال: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، كما قال على لسان رسوله ﷺ : «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» (٢). وقد اتفق المسلمون على أن الله منزه عن الظلم، ولكن تنازعوا في معناه الذي يجب تنزيه الرب عنه على ثلاثة أقوال (٣): الأول: قول المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الظلم الذي ينزه عنه الخالق من جنس الظلم الذي ينهى عنه المخلوق، فشبهوا الله بخلقه، وأوجبوا عليه جنس ما يجب على المخلوق. الثاني: قول الأشاعرة وطوائف من أهل الكلام وبعض أهل الحديث: إن الظلم من الله تعالى ممتنع لذاته، لأن الظلم -عندهم-: التصرف في ملك الغير، أو الخروج عن طاعة من تجب طاعته، وهذان ممتنعان في حق الله تعالى. الثالث: قول كثير من أهل السنة وبعض أهل الكلام: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالظلم ممكن لذاته، يمتنع وقوعه من الرب تعالى ولا يفعله؛ لكمال عدله ورحمته وغناه، وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، فالله تعالى لا يضع الأشياء في غير مواضعها، كأن يبخس المحسن شيئًا من إحسانه، أو يحمل عليه من سيئات غيره، أو يعاقبه بلا موجب للعقاب، ونحو ذلك، وهذا القول هو الحق الذي دلت عليه النصوص واللغة. والله اعلم. القرآن ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨] التفسير: أينما تكونوا يلحقكم الموت في أي مكان كنتم فيه عند حلول آجالكم، ولو كنتم في حصون منيعة بعيدة عن ساحة المعارك والقتال. وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى، وإن يقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد ﷺ جهالة وتشاؤمًا، وما علموا أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟ في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال الواحدي: " قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم "أحد" قال المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٤). والثاني: أخرج الطبري (٥)، وابن ابي حاتم (٦)، عن عن مجاهد قال: "كان فيمن كان قبلكم امرأة، وكان لها أجيرٌ، فولدت جارية. فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارًا، فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية. قال: أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمئة، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمئة! ! فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية. وعولجت فبرِئت، فشبَّت، وكانت تبغي، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: ابغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها! فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال: ائتيني بها. فأتتها

стр. 2933

فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي: كذا. فقلت له: كذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوَّجته! قال: فتزوجها، فوقعت منه موقعًا. فبينا هو يومًا عندها إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية! وأرته الشق في بطنها وقد كنت أبغي، فما أدري بمئة أو أقل أو أكثر! قال: فإنّه قال لي: يكون موتها بعنكبوت. قال: فبنى لها برجًا بالصحراء وشيده. فبينما هما يومًا في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف، فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري! فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدَخَتْه، وساحَ سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت. فنزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ " (١). وأما الأثر الثاني: فلا يصلح أن يكون قولا آخر، لأن السياق يأباه، وإنما هو كما سماه ابن كثير ﵀: "حكاية" (٢)، أي: عمن مضى. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، "أي: في أي مكانٍ وجدتم فلا بدّ أن يدرككم الموت عند انتهاء الأجل ويفاجئكم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة" (٣). قال الزمخشري: أي: " أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، والبروج: الحصون" (٤). وفي «البروج» ها هنا، أربعة أقوال: أحدها: أنها القصور، وهو قول مجاهد (٥)، وقتادة (٦)، وابن جريج (٧). وهو قول الجمهور (٨). والثاني: أنها قصور في السماء بأعيانها تسمى بهذا الاسم، وهو قول أبي العالية (٩)، والسدي (١٠)، والربيع (١١)، وأبي مالك (١٢). والثالث: أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين (١٣). والرابع: أن قوله: ﴿بروج مشيدة﴾، معناه: " في قصور من حديد". حكاه النقاش عن ابن عباس (١٤). وضعفه ابن عطية (١٥). قال ابن عطية: " فالأكثر والأصح أنه أراد البروج والحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها" (١٦). وفي معنى «المُشّيَّدَةِ»، أقوال: أحدها: المجصصة، والشيد الجص، وهذا قول عكرمة (١٧)، وبعض البصريين (١٨). والثاني: الحصينة. وهذا قول الضحاك (١٩)، وأبي مالك (٢٠). والثالث: أن المُشّيَّدَ المطول في الارتفاع، يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا رفعه، ومنه أَشدت بذِكِرْ الرجل إذا رَفَعْتَ منه، وهذا قول الزجاج (٢١).

стр. 2934

والرابع: أن المُشّيَّد، بالتشديد: المُطَّول، وبالتخفيف: المجصَّص (١). قال البيضاوي: قوله ﴿في بروج مشيدةؤ، أي: " في قصور أو حصون مرتفعة، والبروج في الأصل بيوت على أطراف القصور، من تبرجت المرأة إذا ظهرت" (٢). وقرئ: ﴿يدرككم﴾، بالرفع، وقيل: هو على حذف الفاء (٣). وقرئ: ﴿مشيدة﴾، من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص. وقرأ نعيم بن ميسرة ﴿مشيدة﴾، بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر فارضها (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، أي: " وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى" (٥). قال أبو العالية: " هذه في السراء" (٦). قال السدي: " والحسنة: الخصب، تنتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم وتحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان. قالوا: هذه من عند الله" (٧). قال الطبري: أي: " وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة، [يقولوا هذه]: من قبل الله ومن تقديره" (٨). قال الزمخشري: " المعنى: وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله" (٩). قال ابن عطية: أي: " وإن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من هزم عدو أو غنيمة أو غير ذلك رأوا أن ذلك بالاتفاق من صنع الله، لا أنه ببركة اتباعك والإيمان بك" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، أي: " وإن يقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد ﷺ جهالة وتشاؤمًا" (١١). قال أبو العالية: " فهذه في الضراء" (١٢). قال ابن عطية: " أي هزيمة أو شدة جوع وغير ذلك، قالوا: هذه بسببك، لسوء تدبيرك، وقيل لشؤمك علينا" (١٣). قال الطبري: أي: " وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: ﴿هذه من عندك﴾، بخطئك التدبير، وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ (١٤) " (١٥). قال الزمخشري: أي: " وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هي من عندك، وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وعن قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]، وروى عن اليهود- لعنت- أنها تشاءمت برسول الله ﷺ فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فرد الله عليهم قل كل من عند الله يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح" (١٦).

стр. 2935

قال السدي: " والسيئة: الجدب والضرر في أموالهم وتأشموا بمحمد ﷺ ، قالوا: هذه من عندك، يقولون: بتركنا ديننا واتباع محمد أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ " (١). عن ابن وهب قال: "قال ابن زيد في قوله: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿وأرسلناك للناس رسولا﴾، قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿وإن تصبهم سيئة﴾، يقولوا: هذه من عند محمد ﵇، أساء التدبير وأساء النظر! ما أحسن التدبير ولا النظر " (٢). في القائلين ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، قولان: أحدهما: أنهم المنافقون، وهو قول الحسن (٣)، واختيار ابن عطية (٤). والثاني: اليهود، وهو قول الزجاج (٥). قال الزجاج: " قيل كانت إليهود - لعنت - تشاءمت برسول الله ﷺ عند دخوله المدينة فقالت: منذ دخل المدينة نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا، فأعلم الله أن الخصب والجدب من عند الله" (٦). قال ابن عطية: " و «الهاء والميم» في قوله: ﴿وإن تصبهم﴾، رد على الذين قيل لهم، ﴿كفوا أيديكم﴾، وهذا يدل على أنهم المنافقون، لأن المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة، ولأن اليهود لم يكونوا للنبي ﵇ تحت أمر، فتصيبهم بسببه أسواء" (٧). وفي «الحسنة والسيئة» ها هنا، أربعة وجوه: أحدها: السراء والضراء. وهذا قول أبي العالية (٨). والثاني: النعم والمصائب. وهو قول قتادة (٩). والثالث: النعم والابتلاء. وهذا معنى قول ابن عباس (١٠). والثالث: النصر والهزيمة، وهو قول الحسن (١١)، وابن زيد (١٢). والرابع: الخصب والجذب. وهذا قول الزجاج (١٣). قال ابن عطية: " وهذا كله شيء واحد" (١٤). قال الزمخشري: " السيئة: تقع على البلية والمعصية. والحسنة: على النعمة والطاعة. قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] " (١٥). وفي قوله: ﴿مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، تأويلان: أحدهما: أي بسوء تدبيرك، وهو قول ابن زيد (١٦). والثاني: يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطُّير به، وهذا قول الزجاج (١٧)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١].

стр. 2936

روي عن مطرف أن عبد الله قال: "ما تريدون من القدر؟ ما تكفيكم الآية التي في سورة النساء: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾؟ أي من نفسك، والله ما وكلوا القدر وقد أمروا، وإليه يصيرون" (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، أي: قل لهم -يا محمد-" أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره" (٢). قال قتادة: " النعم والمصائب" (٣). قال ابن زيد: "النصر والهزيمة" (٤). قال ابن عباس: " يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها" (٥). وروي عن السدي نحو ذلك (٦). قال الطبري: أي: "قل، يا محمد، لهؤلاء القائلين: كل ذلك من عند الله، دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة ... وهذا إعلام من الله عبادَه أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئًا منها أحد غيره" (٧). قال ابن عطية: " إعلام من الله تعالى، أن الخير والشر، والحسنة والسيئة خلق له ومن عنده، لا رب غيره ولا خالق ولا مخترع سواه، فالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء: ليس الأمر كما زعمتم من عندي ولا من عند غيري، بل هو كله من عند الله" (٨). قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، أي: "، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟ " (٩). قال الزمخشري: اي: " فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب" (١٠). قال البيضاوي: أي: " يوعظون به، وهو القرآن، فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله ، أو حديثا ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعملون أن القابض والباسط هو الله " (١١). عن السدي قوله: " ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، قال: يقول: القرآن" (١٢). الفوائد: ١ - أن للموت أجلا محددا، وأن الله ﷻ أجل لكل مخلوق أجلا، وأن نفسا لن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، فإذا انقضى الأجل فليس إلا الموت وليس منه فوت، قال الله تعالى: ﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]، وإن مات أو قتل فقد انتهى أجله المسمى له قال الله تعالى: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء: ٧٨]. ٢ - أن الإيمان يبعث فى النفس احتقار الموت والرغبة فى الاستشهاد من أجل الحق. إذ الإيمان يوحى بأن واهب العمر هو الله, وأنه لا ينقص بالإقدام, ولا يزيد بالأحجام؛ فكم من إنسان يموت وهو على فراشه الوثير, وكم من إنسان ينجو وهو يخوض غمرات المعارك والحروب! قال الطحاوي: " وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا" (١٣).

стр. 2937

٣ - وقد يحتج بعض الناس للقدرية النفاة بقوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٩]، ويظنون أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي. وهؤلاء أخطؤوا الفهم، فالمراد بالحسنات هنا النعم، والمراد بالسيئات المصائب، يدلنا على صحة هذا الفهم سياق النص. قال تعالى: ﴿أينما تكنوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كلٌ من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً - ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٨ - ٧٩]. فالله يحكي عن المنافقين أنهم كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل الرزق والنصر والعافية، قالوا: هذه من الله، وإذا أصابتهم سيئة - مثل ضَرْبٍ ومرض وخوف من عدو - قالوا: هذه من عندك يا محمد. أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا الناس لأجله، وابتلينا لأجله بهذه المصائب. فالحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب، وهذه كقوله تعالى: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً) [آل عمران: ١٢٠]، وقوله: (وبلونهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) [الأعراف: ١٨٦]. ٤ - أن المصائب والنعم لا تخرج عن قدر الله ومشيئته، قال تعالى: ﴿قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً﴾ [النساء: ٧٨]. القرآن ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩] التفسير: ما أصابك -أيها الإنسان- مِن خير ونعمة فهو من الله تعالى وحده، فضلا وإحسانًا، وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات. وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسالتك. قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، أي: " أي ما أصابك يا إِنسان من نعمة وإِحسان فمن الله تفضلاً منه وإِحساناً وامتناناً وامتحانا" (١). قال الحسن: " ما أصابك من نعمة فمن الله " (٢). قال ابن عباس في رواية عطية: " هذا يوم أحد" (٣). وعن ابن عباس في رواية علي بن ابي طلحة: "ما فتح الله عليك يوم بدر" (٤). وروي عن الضحاك نحو ذلك (٥). قال مقاتل: " يعني: الفتح والغنيمة يوم بدر فمن الله كان" (٦). قال الزجاج: " أي: ما أصبتم من غنيمة أو أتاكم من خصب فمن تفضل الله" (٧). قال الطبري: أي: "، ما يصيبك، يا محمد، من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك، يتفضل به عليك إحسانًا منه إليك" (٨). واختلف في المراد بهذا الخطاب على ثلاثة أقاويل. أحدها: أن الخطاب متوجه إلى النبي ﷺ وهو المراد به. وهذا قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (٩). والثاني: أنه متوجه إلى النبي ﷺ والمراد به غيره، وهو قول الزجاج (١٠).

стр. 2938

والثالث: أنه متوجه إلى الإنسان، وتقديره: ما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن الله، وهذا قول قتادة (١). قال ابن عطية: " والخطاب للنبي ﷺ ، وغيره داخل في المعنى" (٢). والراجح-والله أعلم – أن "الخطاب للنبي ﷺ يراد به الخلق، ومخاطبة النبي ﷺ قد تكون للناس جميعا لأنه ﵇ لسانهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)، فنادى النبي ﷺ وحده وصار الخطاب شاملا له ولسائر أمته" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، أي: " وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات" (٥). قال مقاتل: " يعني: البلاء من العدو، والشدة من العيش يوم أحد، ﴿فمن نفسك﴾، يعني: فبذنبك، يعني: ترك المركز" (٦). قال الطبري: " يعني: وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه، فبذنب استوجبتها به، اكتسبته نفسك" (٧). قال الزجاج: " أي: من جدب أو غلبة في حرب فمن نفسك، أي أصابكم ذلك بما كسبتم كما قال الله جل وعز ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٨) " (٩). عن أبي هريرة قال: "لما نزلت? ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾، بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله ﷺ : «قاربوا وسددوا ففى كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها» " (١٠). أخرج ابن المنذر عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: "هي في قراءة أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» " (١١). وعن ابن مجاهد: " أن ابن عباس كان يقرأ قوله : «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك»، قال مجاهد: وكذلك في قراءة أبي، وابن مسعود" (١٢). وقال مقاتل: "وفي مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب «فبذنبك وأنا كتبتها عليك» " (١٣). وفي «الحسنة والسيئة»، ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا، والسيئة المصيبة في الدين والدنيا، وهذا قول بعض البصريين (١٤). والثاني: أن الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج رأسه وكسر رباعيته، وهو قول ابن عباس (١٥)، والحسن (١٦). والثالث: أن الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وهذا قول أبي العالية (١٧).

стр. 2939

وفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، قولان: أحدهما: يعني فبذنبك. وهذا قول قتادة (١)، والسدي (٢) ـ وابن جريج (٣)، وابن زيد (٤)، وأبي صالح (٥). والثاني: فبفعلك (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، أي: " وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك" (٧). قال الطبري: أي: " إنما جعلناك، يا محمد، رسولا بيننا وبين الخلق، تبلّغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردُّوا فعليها" (٨). قال الزمخشري: " أى: رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] " (٩). قال ابن كثير: " أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه" (١٠). قال أبو صالح: "أرسل: بعث" (١١). قال الزجاج: " معنى «الرسول» ههنا مؤكد لقوله: ﴿وأرسلناك﴾، لأن ﴿وأرسلناك للناس﴾ تدل على أنه رسول" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، أي: " وحسبك أن يكون الله شاهداً على صدق رسالتك" (١٣). قال الزمخشري: أي: " وكفى بالله شهيدا على ذلك، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك" (١٤). قال ابن كثير: " أي: على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادًا" (١٥). قال مقاتل: " يعني: فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله" (١٦). قال الزجاج: " أي: الله قد شهد أنه صادق، وأنه رسوله" (١٧). قال الطبري: أي: " حسبك الله تعالى ذكره، شاهدًا عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه، وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدَك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر، جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته" (١٨).

стр. 2940

قال ابن عطية: " توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة الكلام، لأن المعنى شهيدا على من كذبه، والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بيانا من الله وتبليغا، فإنما هي أوامر الله ونواهيه" (١). قال أنس بن مالك: " بينا نحن مع رسول الله ﷺ جلوس في المسجد، إذ دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد، ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم. قال: فقلنا له: هو الأبيض الرجل المتكئ. قال: يا ابن المطلب، فقال له رسول الله ﷺ : قد أجبتك. فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك علي. قال: سل عما بدا لك، فقال: أنشدك بربك ورب من كان قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم نعم" (٢). الفوائد: ١ - الآية فيه الرد على القدرية، فإن مذهب أهل السنة أن القدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى، ، وفي حديث جبرائيل: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٣)، فقوله تعالى، ﴿فمِنْ نَفْسِكَ﴾ محمولٌ على السبب الذي سبق من الربِّ تقديره بدليل قوله: ﴿ما أصابَكَ﴾. ٢ - وصف الله بأنه (شهيد)، والشهيد اسم من أسمائه تعالى، و"هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد؛ كعالم وعليم؛ أي أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها" (٤). قال السعدي: " الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه" (٥). قال النبي- ﷺ : " اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب" (٦). القرآن ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠] التفسير: من يستجب للرسول ﷺ ، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره، ومن أعرض عن طاعة الله ورسوله فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في المنافقين. وهذا قول أكثر المفسرين (٧). قال مقاتل: " وذلك أن النبي- ﷺ قال في المدينة «من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (٨). فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى هذا الرجل وما يقول؟ لقد قارب الشرك وهو ينهي ألا يعبد إلا الله، فما حمله على الذي قال إلا أن نتخذه حنانا- يعنون ربا- كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا. فأنزل الله- تصديقا لقوله نبيه- ﷺ : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ " (٩).

стр. 2941

قال الزمخشري: "وروى أنه قال: «من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (١)، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير الله! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت " (٢). والثاني: أنها نزلت في اليهود. قال ابن عطية: " قالت فرقة: سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبني فقد أحب الله» (٣)، فاعترضت اليهود عليه في هذه المقالة، وقالوا: هذا محمد يأمر بعبادة الله وحده، وهو في هذا القول مدع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقا للرسول ﵇، وتبيينا لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى" (٤). قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، أي: " من يستجب للرسول ﷺ ، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره" (٥). قال الزجاج: " أي: من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله به" (٦). قال التستري: " يعني: من يطع الرسول ﷺ في سنته فقد أطاع الله في فرائضه" (٧). قال الحسن: "جعل الله طاعة رسوله طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين" (٨). قال السمرقندي: " يعني: من يطع الرسول فيما أمره فقد أطاع الله، لأن النبي ﷺ كان يدعوهم بأمر الله تعالى، وفي طاعة الله تعالى" (٩). قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" (١٠). قال الماتريدي: " لأن الله - تعالى - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله ﷺ فقد أطاع الله - تعالى - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢، والتغابن: ٦٤]، وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، ... فطاعة الله - تعالى - إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] " (١١). قال الشافعي: " أبان لهم أنَّ ما قبلوا عن نبيه ﷺ ، فعنه جل ثناؤه قبلوا بما فرض من طاعة رسوله في غير موضع من كتابه" (١٢). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» " (١٣). وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر، قال: " قال رسول الله ﷺ : «ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم "؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله، قال: «ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه أنه من أطاعني فقد أطاع الله؟ »، قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، قال: «فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، وإن صلوا قعودا، فصلوا قعودا أجمعين» " (١٤).

стр. 2942

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ [النساء: ٨٠]، "أي: ومن أعرض عن طاعتك" (١). قال ابن عباس، ومقاتل: "أعرض عن طاعتك يا محمد" (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، أي: " أي ومن أعرض عن طاعتك، فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا" (٣). قال مقاتل: " يعني: رقيبا" (٤). قال أبو عبيدة: " أي: محاسبا " (٥). قال السدي وابن قتيبة: " ﴿حفيظا﴾، أي: محاسبا لهم" (٦). قال ابن عباس: "رقبلا تؤخذ بهم" (٧). قال الواحدي: أي: " حافظا من التولي والإعراض" (٨). قال الزمخشري: أي: " لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل﴾ [الأنعام: ، الزمر: ٤١، الشورى: ٦١٠٧] " (٩). قال الزجاج: أي: " أنك لا تعلم غيبهم إنما لك ما ظهر منهم" (١٠). وقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد، إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف، أخرج الطبري عن ابن وهب قال: "سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾، قال: هذا أول ما بعثه، قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ﴾ [سورة الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا" (١١). قال ابن الجوزي: "وفيه بعد، لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا (١٢) فأي وجه للنسخ؟ " (١٣). الفوائد: ١ - إن الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية هو السنة. أي ما ثبت عن رسول الله ﷺ قولاً أو فعلاً أو تقريراً. وقد أمرنا بالتمسك بها، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. ٢ - أن الرسول ﷺ هو الناطق بالوحي، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وعلى ذلك جعلت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ولذلك قرنت إطاعة الرسول بإطاعة الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠]. والآيات في هذه المعنى كثيرة جداً، ومنكر السنة النبوية الثابتة عن كافر، كما أن منكر القرآن خارج عن الملة الإسلامية، لأن السنة بيان للقرآن وتوضح وشرح له وتفسير لمعانيه ومطالبه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. ٣ - قال الشافعي: " وضع الله نبيه ﷺ من دينه، وأهل دينه، موضع الإبانة عن كتاب الله معنى ما أراد الله، وفرض طاعته فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، الآية، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، الآية، فعلم أن الحق كتاب اللَّه، ثم سُنَّة نبيه ﷺ ، فليس لمفتٍ ولا لحاكم، أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالماً بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحداً منهما بحال، فإذا خالفهما فهو عاصِ لله ، وحكمه مردود، فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد" (١٤). ٤ - قال الثعلبي: " وفي قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، دليل على إبطال قول من زعم أن السنة تعرض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله ، عليه فإنما صار فرضا بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله ﷺ ، ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلا بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كل حكم ورد عنه ما لم ينص عليه الكتاب" (١٥). القرآن ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ [النساء: ٨١] التفسير: ويُظْهر هؤلاء المعرضون -وهم في مجلس رسول الله ﷺ طاعتهم للرسول وما جاء به، فإذا ابتعدوا عنه وانصرفوا عن مجلسه، دبَّر جماعة منهم ليلا غير ما أعلنوه من الطاعة، وما علموا أن الله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، فتول عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم، فإنهم لن يضروك، وتوكل على الله، وحسبك به وليّاً وناصرًا. في سبب نزول الآية: قال مقاتل: " وذلك أنهم دخلوا على النبي- ﷺ فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة، فإذا خرجوا من عنده خالفوا، وقالوا غير الذي قال لهم النبي- ﷺ فأنزل الله- : ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ ... ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد" (١٦). وقد أخرج الطبري ابن عباس: "قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله ﷺ : آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. وإذا برزوا من عند رسول الله ﷺ ، خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، يقول: يغيرون ما قال النبي ﷺ " (١٧). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء: ٨١]، "أي: ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة" (١٨). قال ابن عباس: " فهم أناس كانوا يقولون عند رسول الله ﷺ آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم" (١٩). قال السدي: " هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي ﷺ ، فأمرهم بأمر قالوا: طاعة" (٢٠). قال الماوردي: " يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة" (٢١). قال السمعاني: " يعني: المنافقين يقولون باللسان: مرنا، فإن أمرك طاعة" (٢٢). قال الزمخشري: أي: " ويقولون إذا أمرتهم بشيء طاعة بالرفع أى أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة. وهذا من قول المرتسم: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة" (٢٣).

стр. 2943

قال الزجاج: " قال النحويون تقديره: أمرنا طاعة. وقال بعضهم منا طاعة" (١). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " فإِذا ابتعدوا عنك وانصرفوا من مجلسك" (٢). قال السدي: " فإذا خرجوا من عندك" (٣). قال ابن عباس: " يقول: إذا برزوا من عند رسول الله ﷺ " (٤). قال مقاتل: " يعني: خرجوا من عندك يا محمد" (٥). قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " دبّر جماعة منهم-ليلا- غير الذي تقوله لهم" (٦). قال السمعاني: " أي: خالفوا بالليل ما قالوا بالنهار" (٧). قال مقاتل: " يقول: ألفت طائفة منهم غير الذي تقول" (٨). قال الضحاك: " هم المنافقون" (٩). قال الطبري: أي: " غيَّر جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم" (١٠). قال أبو عبيدة: " أي قدروا ذلك ليلا" (١١). قال الزمخشري: أي: " زورت طائفة وسوت خلاف ما قلت وما أمرت به. أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة. وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون" (١٢). قال الزجاج: " أي: فلست حفيظا عليهم تعلم ما يغيب عنك من شأنهم، وهذا ونظائره في كتاب الله من أبين آيات النبي ﷺ ، لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرا إلا أظهره الله عليه" (١٣). قال مجاهد: " الطائفة: رجل" (١٤). وفي رواية أخرى: " الطائفة: رجل إلى ألف رجل" (١٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، قولان: أحدهما: أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه، وهذا قول ابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧)، والسدي (١٨). والثاني: معناه فدبَّرت غير الذي تقول على جهة التكذيب، وهذا قول الحسن (١٩). قال الماوردي: "والتبييت كل عمل دُبِّر ليلاً" (٢٠). قال أهل العلم: يقال لكل أمر قد قضي بليل قد بيت، وكل عمل عُمِل ليلا فقد " بُيِّت "، ومن ذلك " بيَّت " العدو، وهو الوقوع بهم ليلا ومنه قول عبيدة بن همام (٢١):

стр. 2944

أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانوا أتوْني بأمرٍ نُكُر لأنْكِحَ أَيِّمَهُمْ مُنْذِرًا ... وَهَلْ يُنْكِحَ الْعَبْدَ حُرٌّ لِحُرْ? ! يعني بقوله: " فلم أرض ما بيتوا "، ليلا، أي: ما أبرموه ليلا وعزموا عليه، ومنه قول النمر بن تولب العُكْليّ (١): هَبَّتْ لِتَعْذُلَنِي مِنَ اللَّيْل اسْمَعِ! ... سَفَهًا تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فَاهْجَعِي (٢) قال الزمخشري: " التبييت: إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليل. وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ويسويها" (٣). قال أبو رزين: "بيت أي: ألف. وقال غيره: بيت، أي: بدل" (٤) قال السمعاني: "والأصح أنه من التبييت، وهو فعل الشيء ليلا، يقال: هذا أمر بيت ليلا، قيل: أي: فعل بالليل، ويجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا؛ لأن الفعل بالليل إنما سمى تبييتا؛ لأن الإنسان بالليل يكون أفرغ لتدبير أمره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا، قال الشاعر (٥): بيتوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحوا على ضوضاء" (٦) وفي تسمية العمل بالليل «بياتاً»، قولان (٧): أحدهما: لأن الليل وقت المبيت. والثاني: لأنه وقت البيوت. وقرئ: ﴿بيت طائفة﴾، بالإدغام وتذكير الفعل، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقى، ولأنها في معنى الفريق والفوج (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " والله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء" (٩). قال مقاتل: " يعني: الحفظة فيكتبون ما يقولون من الكذب" (١٠). قال الطبري: أي: " والله يكتب ما يغيِّرون من قولك ليلا في كُتب أعمالهم التي تكتبها حَفَظته" (١١). قال الواحدي: " أي: يحفظ عليهم ليجازوا به" (١٢). قال الزمخشري: أي: " يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد. أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغنى عنهم" (١٣). عن عطاء: "قوله: ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾، قال: يغيرون ما يقول النبي ﷺ " (١٤). وعن السدي: " قوله: ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾، يقول: ما يقولون" (١٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]، وجهان: أحدهما: يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه (١٦).

стр. 2945

والثاني: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، وهذا قول الزجاج (١). قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " فتولّ عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم" (٢). قال ابن عباس: "فاصفح عنهم" (٣). قال مقاتل: "يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد، فلا تعاتبهم" (٤). قال الزجاج: " أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام" (٥). قال الزمخشري: أي: " فأعرض عنهم ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " وفوّض أمرك إِلى الله وثق به" (٧). قال مقاتل: "يعني: وثق بالله- " (٨). قال الواحدي: " اعتمد بأمرك عليه" (٩). قال محمد بن إسحاق: " أي: ارض به من العباد" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وتوكل على الله في شأنهم" (١١). قال التستري: " التوكل طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والتبري من الحول والقوة، قيل له: بماذا يصل العبد إليه؟ فقال: إن أول الأشياء المعرفة، ثم الإقرار، ثم التوحيد، ثم الإسلام، ثم الإحسان، ثم التفويض، ثم التوكل، ثم السكون إلى الحق جل وعز في جميع الحالات، وقال: لا يصح التوكل إلا للمتقي. قيل: ما التقوى؟ قال: كف الأذى" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، أي: " وكفى بالله ناصراً ومعيناً لمن توكل عليه" (١٣). قال الواحدي: " معتمدا وملجأ" (١٤). قال مقاتل: " يعني: وكفى به منيعا فلا أحد أمنع من الله- ويقال وكيلا يعني شهيدا لما يكتمون" (١٥). قال الزمخشري: أي: " فإن الله يكفيك معرتهم (١٦)، وينتقم لك منهم إذا قوى أمر الإسلام وعز أنصاره" (١٧). قال البيضاوي: أي: " يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم" (١٨). وقد قد ذكر بعض المفسرين أن الإعراض في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، منسوخ عنهم بآية السيف، وقد ذكر النسخ ابن حزم (١٩)، وابن سلامة (٢٠)، وابن هلال (٢١)، كما ذكره ابن الجوزي
следующие страницы →