← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

قال الزمخشري: "وروى أنه قال: «من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (١)، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير الله! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت " (٢). والثاني: أنها نزلت في اليهود. قال ابن عطية: " قالت فرقة: سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبني فقد أحب الله» (٣)، فاعترضت اليهود عليه في هذه المقالة، وقالوا: هذا محمد يأمر بعبادة الله وحده، وهو في هذا القول مدع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقا للرسول ﵇، وتبيينا لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى" (٤). قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، أي: " من يستجب للرسول ﷺ ، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره" (٥). قال الزجاج: " أي: من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله به" (٦). قال التستري: " يعني: من يطع الرسول ﷺ في سنته فقد أطاع الله في فرائضه" (٧). قال الحسن: "جعل الله طاعة رسوله طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين" (٨). قال السمرقندي: " يعني: من يطع الرسول فيما أمره فقد أطاع الله، لأن النبي ﷺ كان يدعوهم بأمر الله تعالى، وفي طاعة الله تعالى" (٩). قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" (١٠). قال الماتريدي: " لأن الله - تعالى - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله ﷺ فقد أطاع الله - تعالى - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢، والتغابن: ٦٤]، وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، ... فطاعة الله - تعالى - إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] " (١١). قال الشافعي: " أبان لهم أنَّ ما قبلوا عن نبيه ﷺ ، فعنه جل ثناؤه قبلوا بما فرض من طاعة رسوله في غير موضع من كتابه" (١٢). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» " (١٣). وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر، قال: " قال رسول الله ﷺ : «ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم "؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله، قال: «ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه أنه من أطاعني فقد أطاع الله؟ »، قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، قال: «فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، وإن صلوا قعودا، فصلوا قعودا أجمعين» " (١٤).

стр. 2942

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ [النساء: ٨٠]، "أي: ومن أعرض عن طاعتك" (١). قال ابن عباس، ومقاتل: "أعرض عن طاعتك يا محمد" (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، أي: " أي ومن أعرض عن طاعتك، فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا" (٣). قال مقاتل: " يعني: رقيبا" (٤). قال أبو عبيدة: " أي: محاسبا " (٥). قال السدي وابن قتيبة: " ﴿حفيظا﴾، أي: محاسبا لهم" (٦). قال ابن عباس: "رقبلا تؤخذ بهم" (٧). قال الواحدي: أي: " حافظا من التولي والإعراض" (٨). قال الزمخشري: أي: " لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل﴾ [الأنعام: ، الزمر: ٤١، الشورى: ٦١٠٧] " (٩). قال الزجاج: أي: " أنك لا تعلم غيبهم إنما لك ما ظهر منهم" (١٠). وقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد، إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف، أخرج الطبري عن ابن وهب قال: "سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾، قال: هذا أول ما بعثه، قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ﴾ [سورة الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا" (١١). قال ابن الجوزي: "وفيه بعد، لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا (١٢) فأي وجه للنسخ؟ " (١٣). الفوائد: ١ - إن الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية هو السنة. أي ما ثبت عن رسول الله ﷺ قولاً أو فعلاً أو تقريراً. وقد أمرنا بالتمسك بها، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. ٢ - أن الرسول ﷺ هو الناطق بالوحي، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وعلى ذلك جعلت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ولذلك قرنت إطاعة الرسول بإطاعة الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠]. والآيات في هذه المعنى كثيرة جداً، ومنكر السنة النبوية الثابتة عن كافر، كما أن منكر القرآن خارج عن الملة الإسلامية، لأن السنة بيان للقرآن وتوضح وشرح له وتفسير لمعانيه ومطالبه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. ٣ - قال الشافعي: " وضع الله نبيه ﷺ من دينه، وأهل دينه، موضع الإبانة عن كتاب الله معنى ما أراد الله، وفرض طاعته فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، الآية، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، الآية، فعلم أن الحق كتاب اللَّه، ثم سُنَّة نبيه ﷺ ، فليس لمفتٍ ولا لحاكم، أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالماً بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحداً منهما بحال، فإذا خالفهما فهو عاصِ لله ، وحكمه مردود، فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد" (١٤). ٤ - قال الثعلبي: " وفي قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، دليل على إبطال قول من زعم أن السنة تعرض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله ، عليه فإنما صار فرضا بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله ﷺ ، ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلا بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كل حكم ورد عنه ما لم ينص عليه الكتاب" (١٥). القرآن ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ [النساء: ٨١] التفسير: ويُظْهر هؤلاء المعرضون -وهم في مجلس رسول الله ﷺ طاعتهم للرسول وما جاء به، فإذا ابتعدوا عنه وانصرفوا عن مجلسه، دبَّر جماعة منهم ليلا غير ما أعلنوه من الطاعة، وما علموا أن الله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، فتول عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم، فإنهم لن يضروك، وتوكل على الله، وحسبك به وليّاً وناصرًا. في سبب نزول الآية: قال مقاتل: " وذلك أنهم دخلوا على النبي- ﷺ فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة، فإذا خرجوا من عنده خالفوا، وقالوا غير الذي قال لهم النبي- ﷺ فأنزل الله- : ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ ... ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد" (١٦). وقد أخرج الطبري ابن عباس: "قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله ﷺ : آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. وإذا برزوا من عند رسول الله ﷺ ، خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، يقول: يغيرون ما قال النبي ﷺ " (١٧). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء: ٨١]، "أي: ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة" (١٨). قال ابن عباس: " فهم أناس كانوا يقولون عند رسول الله ﷺ آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم" (١٩). قال السدي: " هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي ﷺ ، فأمرهم بأمر قالوا: طاعة" (٢٠). قال الماوردي: " يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة" (٢١). قال السمعاني: " يعني: المنافقين يقولون باللسان: مرنا، فإن أمرك طاعة" (٢٢). قال الزمخشري: أي: " ويقولون إذا أمرتهم بشيء طاعة بالرفع أى أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة. وهذا من قول المرتسم: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة" (٢٣).

стр. 2943

قال الزجاج: " قال النحويون تقديره: أمرنا طاعة. وقال بعضهم منا طاعة" (١). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " فإِذا ابتعدوا عنك وانصرفوا من مجلسك" (٢). قال السدي: " فإذا خرجوا من عندك" (٣). قال ابن عباس: " يقول: إذا برزوا من عند رسول الله ﷺ " (٤). قال مقاتل: " يعني: خرجوا من عندك يا محمد" (٥). قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " دبّر جماعة منهم-ليلا- غير الذي تقوله لهم" (٦). قال السمعاني: " أي: خالفوا بالليل ما قالوا بالنهار" (٧). قال مقاتل: " يقول: ألفت طائفة منهم غير الذي تقول" (٨). قال الضحاك: " هم المنافقون" (٩). قال الطبري: أي: " غيَّر جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم" (١٠). قال أبو عبيدة: " أي قدروا ذلك ليلا" (١١). قال الزمخشري: أي: " زورت طائفة وسوت خلاف ما قلت وما أمرت به. أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة. وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون" (١٢). قال الزجاج: " أي: فلست حفيظا عليهم تعلم ما يغيب عنك من شأنهم، وهذا ونظائره في كتاب الله من أبين آيات النبي ﷺ ، لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرا إلا أظهره الله عليه" (١٣). قال مجاهد: " الطائفة: رجل" (١٤). وفي رواية أخرى: " الطائفة: رجل إلى ألف رجل" (١٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، قولان: أحدهما: أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه، وهذا قول ابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧)، والسدي (١٨). والثاني: معناه فدبَّرت غير الذي تقول على جهة التكذيب، وهذا قول الحسن (١٩). قال الماوردي: "والتبييت كل عمل دُبِّر ليلاً" (٢٠). قال أهل العلم: يقال لكل أمر قد قضي بليل قد بيت، وكل عمل عُمِل ليلا فقد " بُيِّت "، ومن ذلك " بيَّت " العدو، وهو الوقوع بهم ليلا ومنه قول عبيدة بن همام (٢١):

стр. 2944

أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانوا أتوْني بأمرٍ نُكُر لأنْكِحَ أَيِّمَهُمْ مُنْذِرًا ... وَهَلْ يُنْكِحَ الْعَبْدَ حُرٌّ لِحُرْ? ! يعني بقوله: " فلم أرض ما بيتوا "، ليلا، أي: ما أبرموه ليلا وعزموا عليه، ومنه قول النمر بن تولب العُكْليّ (١): هَبَّتْ لِتَعْذُلَنِي مِنَ اللَّيْل اسْمَعِ! ... سَفَهًا تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فَاهْجَعِي (٢) قال الزمخشري: " التبييت: إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليل. وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ويسويها" (٣). قال أبو رزين: "بيت أي: ألف. وقال غيره: بيت، أي: بدل" (٤) قال السمعاني: "والأصح أنه من التبييت، وهو فعل الشيء ليلا، يقال: هذا أمر بيت ليلا، قيل: أي: فعل بالليل، ويجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا؛ لأن الفعل بالليل إنما سمى تبييتا؛ لأن الإنسان بالليل يكون أفرغ لتدبير أمره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا، قال الشاعر (٥): بيتوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحوا على ضوضاء" (٦) وفي تسمية العمل بالليل «بياتاً»، قولان (٧): أحدهما: لأن الليل وقت المبيت. والثاني: لأنه وقت البيوت. وقرئ: ﴿بيت طائفة﴾، بالإدغام وتذكير الفعل، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقى، ولأنها في معنى الفريق والفوج (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " والله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء" (٩). قال مقاتل: " يعني: الحفظة فيكتبون ما يقولون من الكذب" (١٠). قال الطبري: أي: " والله يكتب ما يغيِّرون من قولك ليلا في كُتب أعمالهم التي تكتبها حَفَظته" (١١). قال الواحدي: " أي: يحفظ عليهم ليجازوا به" (١٢). قال الزمخشري: أي: " يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد. أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغنى عنهم" (١٣). عن عطاء: "قوله: ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾، قال: يغيرون ما يقول النبي ﷺ " (١٤). وعن السدي: " قوله: ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾، يقول: ما يقولون" (١٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]، وجهان: أحدهما: يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه (١٦).

стр. 2945

والثاني: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، وهذا قول الزجاج (١). قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " فتولّ عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم" (٢). قال ابن عباس: "فاصفح عنهم" (٣). قال مقاتل: "يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد، فلا تعاتبهم" (٤). قال الزجاج: " أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام" (٥). قال الزمخشري: أي: " فأعرض عنهم ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٨١]، أي: " وفوّض أمرك إِلى الله وثق به" (٧). قال مقاتل: "يعني: وثق بالله- " (٨). قال الواحدي: " اعتمد بأمرك عليه" (٩). قال محمد بن إسحاق: " أي: ارض به من العباد" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وتوكل على الله في شأنهم" (١١). قال التستري: " التوكل طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والتبري من الحول والقوة، قيل له: بماذا يصل العبد إليه؟ فقال: إن أول الأشياء المعرفة، ثم الإقرار، ثم التوحيد، ثم الإسلام، ثم الإحسان، ثم التفويض، ثم التوكل، ثم السكون إلى الحق جل وعز في جميع الحالات، وقال: لا يصح التوكل إلا للمتقي. قيل: ما التقوى؟ قال: كف الأذى" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، أي: " وكفى بالله ناصراً ومعيناً لمن توكل عليه" (١٣). قال الواحدي: " معتمدا وملجأ" (١٤). قال مقاتل: " يعني: وكفى به منيعا فلا أحد أمنع من الله- ويقال وكيلا يعني شهيدا لما يكتمون" (١٥). قال الزمخشري: أي: " فإن الله يكفيك معرتهم (١٦)، وينتقم لك منهم إذا قوى أمر الإسلام وعز أنصاره" (١٧). قال البيضاوي: أي: " يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم" (١٨). وقد قد ذكر بعض المفسرين أن الإعراض في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، منسوخ عنهم بآية السيف، وقد ذكر النسخ ابن حزم (١٩)، وابن سلامة (٢٠)، وابن هلال (٢١)، كما ذكره ابن الجوزي

стр. 2946

وعزاه إلى ابن عباس، ولم يبد رأيه (١). وأما النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضا هنا لدعوى النسخ أصلا. الفوائد: ١ - أن من أبرز صفات المنافقين موالاة الكفار، وكراهية دين الله والتخذيل في صف المسلمين لذلك حين يبين الله حالهم للمؤمنين: كان لابد من مفاصلتهم والبراءة منهم ونزل في ذلك آيات توضح صور هذه المفاصلة وذلك البراء، منها: هذه الآية التي تشير إلى الإعراض عنهم. ٢ - فضيلة التوكل على الله جل ثناؤه، فلما أكثر المنافقون من الدس والكيد والرياء أمره الوكيل ـ سبحانه ـ أن يتوكل عليه ليكفيه أمرهم ويدفع عنه أذاهم وكل ما لا يقدر على دفعه بنفسه. ٣ - يوصف الله بأنه «الوَكِيل»، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو اسم من أسمائه، وهو هو المقيم الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقلُّ بأمر التوكل الموكَل إليه. قال تعالى في آية أخرى: " ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال الرسول- ﷺ : " "حسبنا الله ونعم الوَكِيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ " (٢). القرآن ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] التفسير: أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟ ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، أي: " أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده" (٣). قال الزجاج: " يعنى به المنافقون" (٤). عن الضحاك: " ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، قال: النظر فيه" (٥). قال البيضاوي: " يتأملون في معانيه ويتبصرون ما فيه" (٦). قال الثعلبي: " يعني: أفلا يتفكرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وإن أحدا من الخلائق لم يكن يقدر عليه فسيعلمون بذلك إنه من عند الله" (٧). قال ابن أبي زمنين: " يقول: لو تدبروه، لم ينافقوا ولآمنوا" (٨). قال ابن كثير: " يقول تعالى آمرًا عباده بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة" (٩). قال الطبري: أي: " أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم، يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجّة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق" (١٠). وقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: "أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله" (١١). قال الزمخشري: " تدبر الأمر: تأمله والنظر في إدباره وما يؤل إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تأمل فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه" (١٢).

стр. 2947

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢]، " أي: لو كان هذا القرآن مختلقاً كما يزعم المشركون والمنافقون" (١). قال ابن كثير: " أي: لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم" (٢). قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، " أي: لوجدوا فيه تناقضاً كبيراً في أخباره ونظمه ومعانيه" (٣). قال الطبري: اي: " لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض" (٤). قال قتادة: " أي قول الله لا يختلف فيه، حق ليس فيه باطل كقول الناس يختلف" (٥). وقال ابن عباس في رواية الكلبي: " أي تفاوتًا وتناقضًا كثيراً" (٦). قال مقاتل: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ " يعني: كذبا كبيرا، لأن الاختلاف في قول الناس، وقول الله- لا اختلاف فيه" (٧). قال ابن كثير: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، " أي: اضطرابا وتضادًّا كثيرًا. أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله" (٨). قال الزمخشري: " لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني. وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه. فإن قلت: أليس نحو قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧، الشعراء: ٣٢]، ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠، القصص: ٣١]، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] من الاختلاف؟ قلت: ليس باختلاف عند المتدبرين" (٩). قال ابن المنكدر: " إنما يأتي الاختلاف من قلوب العباد، فأما ما جاء من عند الله فليس فيه اختلاف" (١٠). عن ابن وهب قال، قال ابن زيد: "إن القرآن لا يكذّب بعضه بعضًا، ولا ينقض بعضه بعضًا، ما جهل الناس من أمرٍ، فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم! وقرأ: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. قال: فحقٌّ على المؤمن أن يقول: كل من عند الله، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض وإذا جهل أمرًا ولم يعرف أن يقول: الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولا وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله" (١١). قال الشافعي: " أبى الله أن يكون كتاب صحيح غير كتابه، يدل على ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، الآية" (١٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢]، أربعة اقوال: أحدها: تناقض من جهة حق وباطل، وهذا قول قتادة (١٣)، وابن زيد (١٤).

стр. 2948

والثاني: يعني: اختلافاً في الأخبار عما يُسِرُّونَ، وهذا قول الزجاج (١). قال الزجاج: " أي: لو كان ما يخبرون به مما بيتوا، وما يسرون ويوحى إلى النبي ﷺ . . لولا أنه من عند الله لما كان الإخبار به غير مختلف، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله. وهذا من آيات النبي ﷺ البينة" (٢). قال الواحدي: " وهذا القول معناه كالأول؛ لأنَّ تأويله: أنه لو كان من عند غير الله لكان ما فيه من الإخبار عن الغيب بعضه حقًا وبعضها باطلًا" (٣). والثالث: من جهة بليغ ومرذول، يعني أنه لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام العباد، بعضه بليغ حسن وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغًا عرف أنه من عند الله. وهذا قول بعض البصريين (٤). والرابع: يعني: ولو كان هو من عند غير الله ﴿لوجدوا فيه﴾ أي في الإخبار عما غاب عنهم، ما كان وما يكون اختلافا كثيرا، يعني تفاوتا بينا. إذا الغيب لا يعلمه إلا الله فيعلم بذلك أنه كلام الله وأن محمدا رسول الله صادق. ذكره الثعلبي عن بعضهم (٥). ومعنى الاختلاف في اللغة: "أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح" (٦). قال الجصاص: " فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه: اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الآخر, واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا; وهذان الضربان من الاختلاف منفيان عن القرآن, وهو إحدى دلالات إعجازه; لأن كلام سائر الفصحاء والبلغاء إذا طال مثل السور الطوال من القرآن لا يخلو من أن يختلف اختلاف التفاوت. والثالث: اختلاف التلاؤم, وهو أن يكون الجميع متلائما في الحسن, كاختلاف وجوه القراءات ومقادير الآيات واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ. فقد تضمنت الآية الحض على الاستدلال بالقرآن لما فيه من وجوه الدلالات على الحق الذي يلزم اعتقاده والعمل به" (٧). ولشيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ كلام جيد يوضح هذا المعنى ويؤكده، فمما قال حول ذلك: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يُعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى ... كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله ﷺ وأسماء القرآن. الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ ﴿قسورة﴾ الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ ﴿عسعس﴾، الذي يراد به إقبال الليل وإدباره ... " (٨). الفوائد: ١ - قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق إذ هو معرى عن الأختلاف من كل الجهات ولو كان مخلوقا لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت" (٩). ٢ - كتاب بحجم القرآن يحتوي على أكثر من ستة آلا ف آية لا يوجد تعارض بين اثنتين منها مطلقا، إنه الإعجاز!

стр. 2949

٣ - أنه لا اختلاف في القرآن وأن التدبر يعين على تصديق ما أخبر به، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢] فحضهم على التدبر أولا، ثم أعقبه: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢]. ٤ - ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا. فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. القرآن ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣] التفسير: وإذا جاء هؤلاء الذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم أمْرٌ يجب كتمانه متعلقًا بالأمن الذي يعود خيره على الإسلام والمسلمين، أو بالخوف الذي يلقي في قلوبهم عدم الاطمئنان، أفشوه وأذاعوا به في الناس، ولو ردَّ هؤلاء ما جاءهم إلى رسول الله ﷺ وإلى أهل العلم والفقه لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم. ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورحمكم لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: أخرج مسلم (١) وابن أبي حاتم (٢)، عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: "لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه؛ قال: دخلت المسجد؛ فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ ! عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا؛ لطلقك رسول الله ﷺ ؛ فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت؛ فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعداً على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر، فناديت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ؛ فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً، ثم قلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ؛ فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليَّ فلم يقل شيئاً، ثم رفعت صوتي؛ فقلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ؛ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة، والله! لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها؛ لأضربن عنقها، ورفعت صوتي. فأومأ إليّ أن ارقه. فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير. فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظاً في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق؛ قال: فابتدرت عيناي، قال: "ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ ! "، قلت: يا نبي الله! ومالي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله ﷺ وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: "يا ابن الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ "، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله! ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن؛ فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت -وأحمد الله- بكلام؛ إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية: آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ ،

стр. 2950

فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: "لا"، قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: "نعم؛ إن شئت"، فلم أزل أحدثه؛ حتى تخسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك. وكان من أحسن الناس ثغراً. ثم نزل نبي الله ﷺ ونزلت، فنزلت أتشبت بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله! إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين، قال: "إن الشهر يكون تسعاً وعشرين"، فقمت على باب المسجد؛ فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ فكنت أنا استنبطت ذاك الأمر، وأنزل الله آية التخيير" (١). والثاني: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج: " ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾ فهذا في الأخبار، إذا غزت السرية من المسلمين، تخبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم، من غير أن يكون النبي ﷺ هو يخبرهم به" (٢). والثالث: أنها نزلت في ضعفة المسلمين. وهذا قول الحسن (٣)، والزجاج (٤). قال الزجاج: " وكان إذا علم النبي ﷺ أنه ظاهر على قوم أمن منهم، أو أعلم تجمع قوم يخاف من جمع مثلهم، أذاع المنافقون ذلك ليحذر من يحذر من الكفار، ويقوى قلب من ينبغي أن يقوى قلبه لما أذاعوا، وكان ضعفة المسلمين يشيعون ذلك معهم من غير علم بالضرر في ذلك" (٥). والرابع: أنها نزلت في المنافقين. وهو قول ابن زيد (٦)، والضحاك (٧)، وابن عباس في رواية الضحاك (٨)، واختاره الثعلبي (٩) والبغوي (١٠). نقل الثعلبي عن الضحاك عن ابن عباس: "في قوله: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾: إن المنافقين كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا عنها، وإن أفضى الرسول إليهم سرا أذاعوا به إلى العدو ليلا بتكتم، فأنزل الله تعالى ردا عليهم" (١١). قال السيوطي: " نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي" (١٢). والظاهر-والله اعلم- "أن إشاعة الأخبار وترويج الإشاعات إما أن تكون من المنافقين أعداء الأمة بقصد سيء، وإما أن تكون من ضعاف الإيمان وعوام الناس الجهلة بقصد حسن، وربما كان موقف عمر أحد أسباب النزول" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]، "أي: إِذا جاء المنافقين خبرٌ من الأخبار عن المؤمنين بالظفر والغنيمة أو النكبة والهزيمة، أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته" (١٤). قال الطبري: أي: "وإذا جاء هذه الطائفة المبيّتة غير الذي يقول رسول الله ﷺ خبرٌ عن سريةٍ للمسلمين غازية بأنهم قد أمِنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم، أو تخوّفهم من عدوهم بإصابة عدوهم

стр. 2951

منهم، أفشوه وبثّوه في الناس قبل رسول الله ﷺ ، وقبل مأتَى سرايا رسول الله ﷺ " (١). قال السدي: "يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم أو أنهم خائفين منه" (٢)، " ﴿أذاعوا به﴾، يقول: بالحديث، حتى يبلغ عدوهم أمرهم" (٣). قال ابن عباس: " يقول: أفشوه وسعوا به" (٤). وروي عن عكرمة (٥)، وقتادة (٦)، وعطاء الخراساني (٧)، وابن جريج (٨) نحو ذلك. قال الثعلبي: " وذلك أن رسول الله ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون إلى الاستفسار عن حال السرايا فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وإذا جاءهم﴾، يعني: المنافقين" (٩). قال الزمخشري: " هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت إذاعتهم مفسدة" (١٠). عن ابن عباس: "كل شيء في القرآن: ﴿ولو﴾، فإنه لا يكون أبدا" (١١). عن الضحاك: ﴿أذاعوا به﴾، يقول: فشوه وسعوا به، وهم أهل النفاق" (١٢). قال الزجاج: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾، " أي: أظهروه ونادوا به في الناس" (١٣)، ومنه قول أبي الأسود (١٤): أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ... بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوبِ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، "أي: ولو ترك هؤلاء الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم، وردوه إِلى رسول الله ﷺ وإِلى كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم، لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم" (١٥). قال الزجاج: أي: " ولو ردوا ذلك إلى أن يأخذوه من قبل الرسول ومن قبل أولي الأمر منهم، أي من قبل ذوي العلم والرأي منهم" (١٦). قال الزمخشري: " ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى أولى الأمر منهم- وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم" (١٧).

стр. 2952

قال السدي: "لو سكتوا، وردوا الحديث إلى النبي ﷺ " (١)، " ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾ يقول: إلى أميرهم حتى يتكلم هو به" (٢). وقال قتادة: ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾، يقول: إلى علمائهم" (٣). وروي عن خصيف نحو ذلك (٤). قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، "أي: لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم" (٥). قال ابن عباس: " يقول: أعلنوه، وتجسسوه منهم" (٦). وقال عكرمة: "يحرصون عليه ويسألون عنه" (٧). وقال ابن عبيدة والقتيبي: "يخرجونه" (٨). وقال أبو العالية وعطاء الخراساني: " الذين يتتبعونه ويتجسسونه" (٩). قال عمر بن الخطاب: " فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، فأنزل الله آية التخيير" (١٠). وعن مجاهد: قوله: " ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، قولهم ماذا كان؟ وما سمعتم؟ " (١١). عن السدي قوله: لعلمه الذين يستنبطونه منهم على الأخبار، وهم الذين ينقرون عن الأخبار" (١٢). وروي عن قتادة أنه قال: "يفحصون" (١٣). قال الزجاج: " أي: لعلمه هؤلاء الذين أذاعوا به من ضعفة المسلمين من النبي ﷺ وذوي العلم، وكانوا يعلمون مع ذلك هل ينبغي أن يذاع أو لا يذاع" (١٤). قال الزمخشري: أي: " لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وقيل: كانوا يقفون من رسول الله ﷺ وأولى الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن السرايا مظنونا غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالأعلى المؤمنين. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولى الأمر، أى يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم" (١٥). ومعنى ﴿يستنبطونه﴾ في اللغة: " يستخرجونه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر في أول ما يحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في غضراء، أي استنبط الماء من طين حر. والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين" (١٦). وقرئ: ﴿لعلمه﴾، بإسكان اللام (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، أي: " ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورحمكم لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم" (١٨).

стр. 2953

قال مجاهد: " فضل الله: الدين" (١). وروي عن أبي العالية، وعكرمة، وهلال بن يساف، وقتادة، والربيع أنس نحو ذلك (٢). وقال أبو سعيد: " فضل الله القرآن" (٣). وروي عن زيد بن أسلم مثل ذلك (٤). عن ابن عباس: " ﴿ورحمته﴾، قال: ورحمته أن جعلكم من أهل القرآن" (٥). وروي عن أبي العالية، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وهلال بن يساف، وقتادة، وزيد بن أسلم، وسالم ابن أبي الجعد، والربيع بن أنس نحو ذلك (٦). وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: "قول الله تعالى: ﴿ورحمته﴾، قال: الإسلام" (٧). وعن قتادة في قوله: " ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾، يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم" (٨). وعن ابن عباس قوله: " ﴿إلا قليلا﴾، يعني: بالقليل: المؤمنين" (٩). وعن الضحاك قوله: " ﴿إلا قليلا﴾، فهم أصحاب النبي ﷺ ، كانوا حدثوا أنفسهم بأمر من أمر الشيطان" (١٠). قال مقاتل: ﴿﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ " يعني: ونعمته، فعصمكم من قول المنافقين، ﴿لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾، نزلت في أناس كانوا يحدثون أنفسهم بالشرك" (١١). قال الزمخشري: ﴿فضل الله﴾: "هو إرسال الرسول، وإنزال الكتاب، والتوفيق، ﴿لاتبعتم الشيطان﴾، أي: لبقيتم على الكفر إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليل" (١٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، وجوه: أحدها: معناه: لولا ما أنزله الله عليكم من القرآن، وبيّن لكم من الآيات على لسان نبيه لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم لمم يكن يتبع الشيطان. ذكره الزجاج عن بعضهم (١٣). والثاني: لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلاً منكم. وهذا قول الحسن (١٤)، وقتادة (١٥)، وأهل اللغة (١٦). والثالث: أن المعنى: أذاعوا به إلا قليلاً لم يذع ولم يفش، وهذا قول ابن عباس (١٧)، وابن زيد (١٨)، والكلبي (١٩)، وهو اختيار الفراء (٢٠)، والنحويين (٢١). قال الفراء: " وهو أجود، لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعضهم دون بعض. فلذلك استحسنت الاستثناء من الإذاعة" (٢٢).

стр. 2954

فاحتجوا بأن ما علم بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، إنما يستنبط القليل، لأن الفضائل والاستنباط، والاستخراج في القليل من الناس، فييكون الاستثناء من «أذاعوا به إلا قليلا» أجود (١). قال الزجاج: " وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين، لأن هذا الاستنباط ليس بشيء يستخرج بنظر وتفكر، إنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر، إذا خبر به، وإنما القليل المبالغ في البلادة لا يعلم ما يخبر به والقول الأول مع هذين القولين جائزة كلها، لأن القرآن قبل أن ينزل والنبي قبل أن يبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي ﷺ – مؤمنا، وقد يجوز أن يقول القائل إن من كان قبل هذا مؤمنا فبفضل الله وبرحمته آمن، فالفضل والرحمة لا يخلو منهما من نال ثواب الله جل وعز إلا أن المقصود به في هذا الموضع النبي ﷺ والقرآن " (٢). الفوائد: ١ - في هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع، وكفى به كذبا، وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر العدو، وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم، خيرا أو غيره (٣). ٢ - وفي هذه الآية دليل ممن يحبون القول بالاجتهاد عند عدم النص. ٣ - ومنها: أن العلم محيط بالاستنباط، ليس تلاوة. يؤخذ من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو النص، ومنه ما يدرك منه ومن المعنى، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص (٤). القرآن ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤] التفسير: فجاهد -أيها النبي- في سبيل الله لإعلاء كلمته، لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به، وحُضَّ المؤمنين على القتال والجهاد، ورغِّبهم فيه، لعل الله يمنع بك وبهم بأس الكافرين وشدتهم. والله تعالى أشد قوة وأعظم عقوبة للكافرين. في سبب نزول الآية: قال الثعلبي: " وذلك أن رسول الله ﷺ لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أحد وكان من هربهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله ﷺ موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال الناس: اخرجوا إلى العدو، فكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]، " أي: فقاتل يا محمد لإِعلاء كلمة الله ولو وحدك" (٦). قال الثعلبي: " أي: لا تدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك" (٧). قال الواحدي: " أَيْ: إلاَّ فعلَ نفسك على معنى: أنَّه لا ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتمَّ بتخلُّف مَنْ يتخلَّف عن الجهاد" (٨). قال الزجاج: " أمره الله بالقتال ولو أنه قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر" (٩).

стр. 2955

قال ابن ابي زمنين: " أي: أخبرهم بحسن ثواب الله في الآخرة للشهداء" (١). قال مقاتل: " أمره أن يقاتل بنفسه، ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾، يعني: ليس عليك ذنب غيرك" (٢). قال سعيد بن جبير: " ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: في طاعة الله" (٣). قال الزمخشري: " لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها. قال: ﴿فقاتل في سبيل الله﴾، إن أفردوك وتركوك وحدك، ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾، غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف" (٤). قال الجصاص: " أوجب عليه فرض الجهاد من وجهين: أحدهما: بنفسه، ومباشرة القتال وحضوره، والآخر: بالتحريض والحث والبيان" (٥). قال الراغب: " ن قيل: كيف قال: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ وقد بعث النبي ﷺ ليكلف الناس؟ قيل: لم يعن التكليف الاستدعاء الذي رشح له، ألا ترى أنه قال ﴿وحرض المؤمنين﴾ الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد، يعد أن لا يني في فعله. وروي أن أبا بكر ﵁ قال: «لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي» (٦)، وتلا هذه الآية. وقال بعض الحكماء: من طلب رفيقا في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه، وسوء معرفته. فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يفرح على رفيق ولا يبالي بطول طريق، فمن خطب الحسناء لم يغلها مهر" (٧). وقرئ ﴿لا تكلف﴾، بالجزم على النهى. ولا نكلف: بالنون وكسر اللام، أى لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها (٨). قوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، " أي شجَّع المؤمنين على القتال ورغبْهم فيه" (٩). عن أبي سنان: "قوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: عظمهم" (١٠). قال أبو عبيدة: " أي: حضض " (١١). قال مقاتل: " يعنى: وحضض على القتال، يعني: على قتال العدو" (١٢). قال الزمخشري: أي: " وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب، لا التعنيف بهم" (١٣). قال الواحدي: " حُضَّهم على القتال" (١٤). قال ابن كثير: "أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده كما قال لهم رسول الله ﷺ يوم بدر، وهو يسوي الصفوف: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» (١٥) " (١٦). قال ابن عطية: " هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي ﵇ وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي ﷺ دون الأمة مدة ما، المعنى- والله أعلم- أنه خطاب للنبي ﵇ في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده" (١٧).

стр. 2956

ومن ذلك قول النبي ﵇ «فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره» (١)، وقول أبي بكر وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي» (٢). ومن أحاديث الترغيب في قتال المشركين ايضا: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناسَ بذلك؟ فقال: "إن في الجنة مائةَ درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة. وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة" (٣). وعن أبي سعيد الخدْري أنّ رسول الله ﷺ قال: " «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة»، قال: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله. ففعل. ثم قال رسول الله ﷺ : «وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» " (٤). قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤]، أي: " لعل الله يمنع بك وبهم بأس الكافرين وشدتهم" (٥). قال الطبري: أي: " لعل الله أن يكف قتال من كفر بالله وجحد وحدانيته وأنكر رسالتك، عنك وعنهم، ونكايتهم" (٦). قال الزمخشري: " ﴿الذين كفروا﴾، وهم قريش، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبى سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم" (٧). قال مقاتل: " يعنى: قتال الذين كفروا" (٨). قال الراغب: " أي: كن راجيا في دفع أذاهم، وقول المفسرين: عسى من الله واجب، أي الكريم إذا رجي حقق" (٩). قال ابن عباس: " ﴿عسى﴾ من الله واجب" (١٠). قال أبو عبيدة: " " ﴿عسى الله﴾ هي إيجاب، وهي في القرآن كلها واجبة، فجاءت على إحدى لغتي العرب، لأن عسى في كلامهم رجاء ويقين، قال ابن مقبل (١١): ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ... يَتَنَازَعُون جوائز الأمثال أي: ظني بهم يقين" (١٢). قال سفيان: "في قراءة ابن مسعود هكذا: «عسى الله أن يكف عن بأس الذين كفروا» " (١٣).

стр. 2957

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤]، "أي: هو سبحانه أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذاباً" (١). قال الزمخشري: " والله أشد بأسا من قريش وأشد تنكيلا تعذيبا" (٢). قال الطبري: أي: " والله أشد نكاية في عدوه، من أهل الكفر به منهم فيك يا محمد وفي أصحابك، فلا تنكُلَنَّ عن قتالهم، فإني راصِدُهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة، لأوهن كيدهم، وأضعف بأسهم، وأعلي الحق عليهم" (٣). قال ابن كثير: " أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مَنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] " (٤). قال مقاتل: ﴿بَأْسًا﴾ " يعنى: أخذا، ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، يعني: نكالا، يعني عقوبة من الكفار" (٥). قال سفيان: " ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، أي تعسرا" (٦). عن قتادة قوله: " ﴿والله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾، أي: عقوبة" (٧). قال الراغب: " قوله: ﴿والله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾، تنبيه أنك لا تحتاج أن تقصر عن قتالهم، فالله معك، وهو أشد بأسا من عداك، فلا يجب أن ينكادك من تاخر عنك، و «التنكيل»: مصدر نكلت به، والنكال العقوبة التي تنكل المعاقب وغير المعاقب عن إتيان مثله، وأصله من النكل، وهو ضرب من القيد، ومنه نكل عن الشيء" (٨). قال ابن الجوزي: " وقد زعم بعض منتحلي التفسير أن قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] منسوخ بآية السيف (٩)، فكأنه استشعر أن معنى الكلام: لا تكلف أن تقاتل أحدا، وليس كذلك، إنما المعنى: لا تكلف في الجهاد إلا فعل نفسك" (١٠). الفوائد: ١ - فضيلة الجهاد في سبيل الله، وأنه ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، قال النبي ﷺ : "والله لا قاتلنهم حتى تنفرد (١١) سالفتي" (١٢). وقول أبي بكر وقت الردة: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي" (١٣). ٢ - ومن الفوائد: حث المؤمنين على القتال، وتحريك هممهم إلى الشهادة. ٣ - أن هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك، فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد، والمعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك لأنه وعده بالنصر (١٤). القرآن ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥] التفسير: من يَسْعَ لحصول غيره على الخير يكن له بشفاعته نصيب من الثواب، ومن يَسْعَ لإيصال الشر إلى غيره يكن له نصيب من الوزر والإثم. وكان الله على كل شيء شاهدًا وحفيظًا.

стр. 2958

قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، أي: " من يَسْعَ لحصول غيره على الخير يكن له بشفاعته نصيب من الثواب" (١). قال ابن كثير: " أي: من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك" (٢). قال الواحدي: " هي كلُّ شفاعة تجوز في الدِّين، كان له فيها أجر" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، أي: " ومن يَسْعَ لإيصال الشر إلى غيره يكن له نصيب من الوزر والإثم" (٤). قال مقاتل: " وهو الرجل يذكر أخاه بسوء عند رجل فيصيبه عنت منه، فيأثم المبلغ، ﴿يكن له كفل منها﴾، يعني إثما من شفاعته" (٥). قال ابن كثير أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (٦) " (٧). في «الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة»، أقوال: أحدها: أنه في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل، وهذا قول الحسن (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠). والثاني: أن المعنى: من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، أو من يشفع وتر الكفر بالمعونة على الإسلام، ودله على هذا التأويل ما تقدم من أمر القتال. وهذا قول الطبري (١١). والثالث: أن «الشفاعة الحسنة» هي في البر والطاعة، والسيئة هي في المعاصي. وهذا قول الحسن أيضا (١٢). والرابع: أن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعَّدَهُم الله عليه (١٣). قال ابن عطية: " وهذا كله قريب بعضه من بعض" (١٤). قال الزمخشري: " الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير. وابتغى بها وجه الله ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا في حق من الحقوق. والسيئة: ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية، فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها" (١٥). وفي الكِفْلِ تأويلان: أحدها: أنه الوِزر والإثم، وهو قول الحسن (١٦)، وقتادة (١٧). والثاني: أنه النصيب، كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] وهو قول السدي (١٨)، وقتادة في إحدى الروايات (١٩)، والربيع (٢٠)، وابن زيد (٢١)، وأبي عبيدة (٢٢).

стр. 2959

والراجح-والله أعلم- أن: " «الكفل»، النصيب والحظ من الوزر والإثم، وهو مأخوذ من: كِفل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة" (١). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]، أي: " وكان الله على كل شيء شاهدًا وحفيظًا" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]، وجوه: أحدها: يعني مقتدراً، وهو قول السدي (٣)، وابن زيد (٤)، وسعيد بن جبير (٥). والثاني: حفيظاً، وهو قول ابن عباس (٦)، والزجاج (٧)، وأبي عبيدة (٨). والثالث: شهيداً، وهو قول مجاهد (٩). والرابع: حسيباً، وهو قول ابن الحجاج (١٠)، ويحكى عن مجاهد أيضاً (١١). والخامس: مجازياً (١٢). والسادس: القائم على كل شيء بالتدبير. وهذا قول عبدالله بن كثير (١٣). والسادس: ان المقيت: الرازق. وهذا قول الضحاك (١٤). والراجح-والله أعلم- ان " معنى «المقيت»: القدير، وذلك أن ذلك فيما يُذكر، كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ (١٥): وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءتِهِ مُقِيتَا أي: قادرًا. وقد قيل إن منه قول النبي ﷺ : - «كفى بالمرء إثما أن يُضِيعَ من يُقيت» (١٦)، في رواية من رواها: «يُقيت»، يعني: من هو تحت يديه وفي سلطانه من أهله وعياله، فيقدّر له قوته. يقال منه: أقات فلان الشيء يقتيه إقاتة، وقاته يقوته قياتةً وقُوتًا، والقوت، الاسم، وأما «المقيت» في بيت اليهوديّ الذي يقول فيه (١٧): لَيْتَ شِعْرِي، وَأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ! أَلِيَ الْفَضْلُ أَمْ عَلَيَّ إذا حُوسِبْتُ? ... إِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ فإن معناه: فإنّي على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى" (١٨). الفوائد: ١ - أن الشفاعات الدنيوية منها ما هو مشروع، ومنها ما ليس بمشروع، وهي تنقسم إلى قسمين:

стр. 2960

أحدهما: شفاعة حسنة، ومثالها: إذا استشفع شخص بشخص آخر عند ذي مال أو منصب أو سلطان ليشفع له عنده برفع حاجته إليه، لإظهار حقه أو إزالة الضرر والظلم عنه، فإنَّ تلك الشفاعة جائزة، وينال فاعلها الثواب من الله ﵎، بدليل قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾، وقول الرسول ﷺ : "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء" (١). والثاني: الشفاعة السيئة: وهي ما إذا استشفع شخصٌ بشخص آخر في تعطيل حد من الحدود، أو إسقاط حق من الحقوق، أو إلحاق الضرر بآخر، فإنَّ تلك الشفاعة غير جائزة، وينال فاعلُها العقاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾. وقد أمر الله تعالى عباده بالتعاون على فعل الخيرات، ونهاهم عن المنكرات، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾] المائدة: ٢]. ٢ - إثبات اسمه تعالى «المقيت»: يوصف الله بأنه مُقِيت، يقدر لعباده القوت، ويحفظ عليهم رزقهم، وهذا ثابت بالكتاب العزيز. والمقيت من أسمائه تعالى. القرآن ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦] التفسير: وإذا سلَّم عليكم المسلم فردُّوا عليه بأفضل مما سلَّم لفظًا وبشاشةً، أو ردوا عليه بمثل ما سلَّم، ولكل ثوابه وجزاؤه. إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيًا. سبب نزول الآية: قال مقاتل والثعلبي: " نزلت في نفر بخلوا بالسلام" (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦]، " أي: إِذا سلّم عليكم المسلم" (٣). قال ابن عباس: " من سلم عليك من خلق الله" (٤). قال الطبري: أي: " إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة" (٥). قال ابن ابي زمنين: " التحية: السلام" (٦). في المراد بالتحية ها هنا قولان: أحدهما: أنه الدعاء بطول الحياة والبقاء والسلامة. وهذا قول الطبري (٧). والثاني: أنه السلام، وهو تطوع مستحب، ورده فرض. وهذا قول الحسن (٨). قال السمعاني: " أكثر المفسرين على أن المراد بالتحية هاهنا: السلام، وأصل التحية: هو دعاء بالحياة، وهو في الشريعة عبارة عن السلام، والسلام: دعاء السلامة، وقد تكون التحية بمعنى: الملك والبقاء، ومنه: التحيات لله، ومنه قول زهير بن جناب (٩): من كل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحيهْ يعني: إلا الملك" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، أي: " فردوا عليه بأفضل مما سلّم أو رُدُّوا عليه بمثل ما سلّم" (١١).

стр. 2961

قال مقاتل: " يقول: فردوا عليه أحسن مما قال، قال: فيقول: وعليك ورحمة الله وبركاته، أو يرد عليه مثل ما سلم عليه" (١). قال الطبري: " يقول: فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم، أو ردّوا التحية" (٢). قال السمعاني: " أراد به: رد السلام بأحسن مما سلم، أو ترد كما سلم" (٣). قال التستري: " يعني: زيادة على سلامه الصادر بالنصح لله تعالى. وقال النبي ﷺ : «السلام اسم من أسماء الله تعالى أظهره في أرضه، فأفشوه بينكم» (٤) " (٥). قال الفراء: " أي زيدوا عليها كقول القائل: السلام عليكم، فيقول: وعليكم ورحمة الله. فهذه الزيادة أو ردوها قيل هذا للمسلمين. وأما أهل الكتاب فلا يزادون علي: وعليكم" (٦). قال الزجاج: " إذا قيل لكم: السلام عليكم، فقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، فالتحية التي هي أحسن منها هي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويقال لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام كلمة: وبركاته" (٧). قال ابن ابي زمنين: " معنى: ﴿أحسن منها﴾ إذا قال الرجل: السلام عليكم، رد عليه: السلام عليكم ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله رد عليه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومعنى: ﴿أو ردوها﴾ أي: ردوا عليه مثل ما يسلم؛ وهذا إذا سلم عليك المسلم" (٨). وفي ردّ التحية قولان: أحدهما: أن فرض رّدِّهِ عَامٌّ في المسلم والكافر، وهذا قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، والحسن (١١) وابن زيد (١٢)، وسفيان (١٣)، وسعيد بن جبير (١٤). والثاني: أنه خاص في المسلمين دون الكافر، وهذا قول عطاء (١٥). والراجح –والله اعلم- أن قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ المراد بها المسلمون، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام، وقد "خَصّت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: وعليكم، فلا ينبغي لأحد أن يتعدَّى ما حدَّ في ذلك رسول الله ﷺ . فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلَّم عليه منهم في الردّ من الخيار، ما جعل الله له من ذلك" (١٦). قال ابن كثير: " المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام؛ رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يُبْدؤون بالسلام ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك فقل: وعليك» (١٧). وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» (١٨) " (١٩).

стр. 2962

وقد روي عن سلمان الفارسي قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك ورحمة الله. ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله. فقال له رسول الله: وعليك ورحمة الله وبركاته. ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال له: وعليك. فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلَّما عليك، فرددتَ عليهما أكثر مما رددت عليّ! فقال: إنك لم تدع لنا شيئًا، قال الله: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها "، فرددناها عليك» (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، أي: " إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيًا" (٢). قال الثعلبي: " أي: حاسبا مجازيا" (٣). قال الطبري: أي: " إن الله كان على كل شيء مما تعملون، أيها الناس، من الأعمال، من طاعة ومعصية، حفيظًا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه" (٤). قال الزجاج: " أي: يعطي كل شي من العلم والحفظ والجزاء مقدار ما يحسبه، أي: يكفيه، تقول حسبك بهذا أي اكتف بهذا، وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]، أي كافيا، وإنما سمي الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم ما فيه كفاية ليس فيها زيادة على المقدار ولا نقصان" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، وجوه: أحدها: يعني حفيظاً، وهو قول مجاهد (٦). والثاني: محاسباً على العمل للجزاء عليه، وهو قول أبي عبيدة (٧)، وبعض المتكلمين (٨). والثالث: كافياً، وهو قول ابي عبيدة (٩)، والبلخي (١٠). والرابع: يعني: شهيدا. وهذا قول سعيد (١١). والراجح-والله أعلم- هو قول مجاهد، لأن أصل "الحسيب" في هذا الموضع، " فعيل " من "الحساب" الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانًا على كذا وكذا، وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحبَ حِسابه (١٢). الفوائد: ١ - أنه من سلم فإنما يتأدب بأدب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾، فأمر أن يقال التحيي بأحسن من تحية. وليس معنى ردوها، إسقاطها عن نفسه، وإعادتها إليه كمن يهدى إليه شيء فلا يقبله ويرده. وإنما معناه أن يدعوا له مثل ما دعا، فيقول: وعليكم السلام. وهذا في الرد على المؤمنين (١٣). ٢ - أن السلام الذي يوجب الرد هو حق للمسلم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ولهذا يرد السلام على من سلم وإن كان كافراً، وكان اليهود إذا سلموا على النبي- ﷺ ، يقول لهم: «وعليكم». وأمر أمته بذلك (١٤). وإنما قال: «عليكم» لأنهم يقولون السام، والسام: الموت، فيقول: «عليكم». قال ﷺ : «يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا». ولما قالت عائشة: وعليكم السام واللعنة. قال: "مهلاً يا

стр. 2963

عائشة؛ فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، أو لم تسمعي ما قلت لهم؟ ! » (١). يعني: رددت عليهم، فقلت: "عليكم". فهذا إذا قالوا السام عليكم، وأما إذا عُلم أنهم قالوا السلام؛ فلا يخصون في الرد فيقال: عليكم. فيصير بمعنى السلام عليكم لا علينا بل يقال: وعليكم. ٣ - إثبات اسم «الحسيب» لله تعالى، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة، قال الرسول- ﷺ : " إن كان أحدكم مادحاً لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يُزكَّى على الله أحد" (٢). ومعنى الحسيب؛ أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب. القرآن ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧] التفسير: الله وحده المتفرد بالألوهية لجميع الخلق، ليجمعنكم يوم القيامة، الذي لا شك فيه، للحساب والجزاء. ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به. سبب النزول: قال مقاتل: " نزلت في قوم شكوا في البعث فأقسم الله- بنفسه ليبعثهم إلى يوم القيامة لا ريب فيه" (٣). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [النساء: ٨٧]، " أي: الله الواحد الذي لا معبود سواه" (٤). قال ابن كثير: " إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمَّن قسما" (٥). عن ابن عباس في قوله: " ﴿لا إله إلا هو﴾، قال: توحيد" (٦). قال محمد بن إسحاق: "لا إله إلا الله، أي ليس معه غيره شريك في أمره" (٧). قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧]، " أي: ليحشرنكم من قبوركم إِلى حساب يوم القيامة الذي لا شك فيه" (٨). قال الواحدي: " أَيْ: واللَّهِ ليجمعنَّكم في القبور" (٩). قال الطبري: أي: " ليبعثنَّكم من بعد مماتكم، وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته، وأهل الإيمان به والكفر، ولا شك في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم من خبري: أنّي جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم " (١٠). قال ابن كثير: " خبر وقَسَم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فيجازي كل عامل بعمله" (١١). قال الواحدي: " معنى ﴿ليجمعنكم﴾: أي: في الموت، أو في النشور إلى يوم القيامة، أي: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمعن بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه" (١٢). قال اب عطية: " والجمع هنا بمعنى الحشر، فلذلك حسنت بعده إلى، أي: إليه السوق والحشر" (١٣). قال ابو العالية: " ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، لا شك فيه" (١٤). قال مقاتل: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، " يعني: لا شك في البعث" (١٥).

стр. 2964

قال ابن عطية: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، معناه: " لا ريب فيه في نفسه وحقيقة أمره، وإن ارتاب فيه الكفرة فغير ضائر" (١). وفي تسمية القيامة قولان (٢): أحدهما: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم، قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. والثاني: لأنهم يقومون فيه للحساب. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. قال ان عطية: " القيامة: أصلها القيام، ولما كان قيام الحشر من أذل الحال وأضعفها إلى أشد الأهوال وأعظمها لحقته هاء المبالغة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، أي: " ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به" (٤). قال الواحدي: " أَيْ: قولاً وخبراً يريد: أنَّه لا خُلفَ لوعده" (٥). قال ابن عباس: "يريد موعدًا" (٦). أي: "لا يخلف لوعده" (٧). قال مقاتل: " يقول: فلا أحد أصدق من الله حديثا إذا حدث يعني في أمر البعث" (٨). قال ابن كثير: " أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه" (٩). قال الطبري: يقول: " وأي ناطق أصدق من الله حديثًا؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا، أو يدفع به عنها ضرًّا. والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه أو دفع ضر عنها داعٍ" (١٠). قال ابن عطية: " ظاهره الاستفهام ومعناه تقرير الخبر، تقديره: لا أحد أصدق من الله تعالى، لأن دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف والرجاء أو سوء السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى وتقدست أسماؤه، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقا لما في قلبه، وللأمر المخبر عنه في وجوده" (١١). قال الزمخشري: " لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب. وذلك أن الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه. ووجه قبحه، الذي هو كونه كذبا وإخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجر منفعة أو يدفع مضرة. أو هو غنى عنه إلا أنه يجهل غناه. أو هو جاهل بقبحه. أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالى بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء أنه عوتب على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب: هل صدقت قط؟ فقال: لولا أنى صادق في قولي «لا» لقلتها. فكان الحكيم الغنى الذي لا يجوز عليه الحاجات العالم بكل معلوم، منزها عنه، كما هو منزه عن سائر القبائح" (١٢). وقرأ حمزة والكسائي: ﴿أصدق﴾، صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاي (١٣). الفوائد: ١ - إثبات يوم القيامة، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان, إذ أن الله يجمع الخلق للجزاء والعرض والحساب، والثواب والعقاب.

стр. 2965

٢ - أن الحشر يكون لجميع المخلوقات، أولهم وآخرهم ليوم الفصل. ٣ - أن الصدق من صفات الكمال، فهو أحق بها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وقال النبي- ﷺ : " أصدق الحديث كتاب الله" (١)، وأن كلامه قائم بذاته غيرمخلوق عند أهل السنة فإن الكلام صفة كمال فلا بد أن يتصف بها سواء قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته وهو معنى قائم بالنفس أو حروف او أصوات قديمة أو قالوا إنه متعلق بمشيئته وأنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء. القرآن ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨] التفسير: فما لكم -أيها المؤمنون- في شأن المنافقين إذ اختلفتم فرقتين: فرقة تقول بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟ والله تعالى قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم. أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى. في سبب نزول الآيات: [٨٨، ٨٩، ٩٠]، أقول: أحدها: أنها نزلت في الذين تخلَّفُوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله ﵇ ولأصحابه: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٧]، وهذا قول زيد بن ثابت (٢). روي عن زيد بن ثابت ﵁؛ قال: "لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد، خرج معه ناس، فرجعوا، قال: فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: قالت فرقة: نقتلهم , وفرقة قالت: لا نقتلهم , فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، قال: فقال رسول الله ﷺ : «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» " (٣). والثاني: أنها نزلت في قوم قَدِمُوا المدينة فأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، وهذا قول الحسن (٤)، ومجاهد (٥)، وروي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن نحو ذلك (٦). قال مجاهد: " قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم علي بن عويمر، أو: هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين النبي ﷺ حلف وهو الذي حَصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يُقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يَؤُمُّون هلالا وبينه وبين النبي ﷺ عهد" (٧). والثالث: أنها نزلت في قوم أظهروا الإِسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، وهذا قول ابن عباس (٨)، وقتادة (٩)، ومعمر بن راشد (١٠)، وروي عن الضحاك نحو ذلك (١١).

стр. 2966

روي عن عبد الله بن عباس ﵄؛ "قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ﴾؛ وذلك أن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد ﵊؛ فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة؛ قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء، فاقتلوهم؛ فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله -أو كما قالوا- أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك؟ ! فكانوا كذلك فئتين، والرسول ﵊ عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء؛ فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله﴾ " (١). والرابع: أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقاً، وهذا قول السدي (٢)، وروي عن عبدالرحمن بن عوف نحو ذلك (٣). قال السدي: " كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برّيّة. فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ ، فقالت طائفة: أعداءٌ لله منافقون! وددنا أن رسول الله ﷺ أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة: لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون، فإذا بَرَؤوا رجعوا. فقال الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتينء، يقول: ما لكم تكونون فيهم فئتين ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾ " (٤). وفي السياق نفسه قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: " أن قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ المدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء بالمدينة، حماها، فأركسوا، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحابه، يعني من أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فاجتوينا المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله ﷺ أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله، : ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، الآية " (٥). والخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك، وهذا قول ابن سعد بن معاذ (٦)، وابن زيد (٧). عن ابن سعد بن معاذ؛ قال: "خطب رسول الله ﷺ الناس، فقال: "مَنَ لي ممن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني؟ "، فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس؛ قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا فأطعناك؛ فقام سعد بن عبادة، فقال: ما بك يا ابن معاذ؟ ! طاعة رسول الله ﷺ ، ولقد تكلمت ما هو منك؛ فقام أُسيد بن حُضير، فقال: إنك يا ابن عبادة! منافق تحب المنافقين؛ فقام محمد بن مسلمة، فقال: اسكتوا أيها الناس؛ فإن فينا رسول الله ﷺ ، وهو يأمرنا فننفِّذ أمره؛ فأنزل الله : ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ " (٨).

стр. 2967

والسادس: وقال عكرمة: " أخذ أناس من المسلمين أموالا من المشركين فانطلقوا بها، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة: لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم، وقال بعض: لا يصلح لكم ذلك إخوانكم انطلقوا تجارا، فنزلت هذه الآية" (١). والسابع: وقيل: "هم العرنيون (٢) الذين أغاروا على السرح وقتلوا بسارا مولى الرسول ﷺ " (٣). والراجح-والله أعلم- أنها " نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة. والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة. وفي قول الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩]، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، " أي: ما لكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين" (٥). قال الزجاج: " هذا خطاب للمسلمين، أي: أي شيء لكم في الاختلاف في أمرهم" (٦). قال الزمخشري: أي: " ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيه فرقتين، وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم" (٧). قال المراغي: " أي فما لكم صرتم فى المنافقين فئتين واختلفتم فى كفرهم مع تظاهر الأدلة عليه، فليس لكم أن تختلفوا فى شأنهم، بل عليكم أن تقطعوا بثبوته" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، أي: " والله نكَّسهم وردّهم إِلى الكفر بسبب النفاق والعصيان" (٩). قال الزمخشري: " أى: ردهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله ﷺ . أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى أركسوا فيه، لما علم من مرض قلوبهم" (١٠). قال ابن كثير: " أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ، وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾، أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل" (١١). قال القاسمي: " أي: نكسهم وردهم إلى الكفر، بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار" (١٢). قال المراغي: " أي: كيف تفترقون فى شأنهم والله قد صرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك واجترحوا من المعاصي، حتى إنهم لا ينظرون إليكم نظرة المودة والإخاء، بل نظرة العداوة والبغضاء، ويتربصون بكم الدوائر، وقد جعلهم الله مركسين كأنهم قد نكسوا على رءوسهم وصاروا يمشون على وجوههم كما قال تعالى «أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم؟ »

стр. 2968

لأنهم قد فسدت فطرتهم وأحاطت بهم خطيئاتهم، فأوغلوا فى الضلال، وبعدوا عن الحق، حتى لم يعد يجول فى أذهانهم إلا الثبات على ما هم فيه ومقاومة ما عداه، وقد نسبه الله تعالى إليه لأنه ما كان سببا إلا بسنته فى تأثير الأعمال الاختيارية فى نفوس العالمين" (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، وجوه: أحدها: معناه ردهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني (٢)، وعطاء (٣). والثاني: أوقعهم، وهذا مروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (٤). والثالث: أهلكهم، وهذا قول قتادة (٥)، والسدي (٦). والرابع: أَضَلَّهم بما كسبوا، وهذا مروي عن السدي أيضا (٧). والخامس: نكسهم وردهم إلى حكم الكفار، وهذا قول الزجاج (٨). قال الراغب: " الركس والنكس: الرذل، والركس أبلغ، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه، والركس: أصله ما جعل رجيعا بعد أن كان طعاما فهو كالرجس، وقد وصف أعمالهم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ويقال: ركسه وأركسه، وأركس أبلغ، كما أن أسقاه أبلغ من قولهم سقاه" (٩). وقرئ: ﴿ركسهم﴾، و ﴿رْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١] (١٠). قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، أي: " أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ " (١١). قال السمعاني: " يعنى: أتريدون أن ترشدوا من أضله الله" (١٢). قال الزجاج: " أي: أتقولون أن هؤلاء مهتدون والله قد أضلهم" (١٣). قال الواحدي: " أَيْ: يقولون: هؤلاء مهتدون والله قد أضلَّهم" (١٤). قال الزمخشري: أي: " أن تجعلوا من جملة المهتدين من أضل الله من جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل" (١٥). قال ابن كثير: " أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه" (١٦). قال ابن عطية: " استفهام معناه الإبعاد واليأس مما أرادوه، والمعنى أتريدون أيها المؤمنون القائلون: بأن أولئك المنافقين مؤمنون أن تسموا بالهدى من قد يسره الله لضلالة وحتمها عليه؟ " (١٧). قال المراغي: " أي: إنه ليس فى استطاعتكم أن تبدلوا سنن الله فى نفوس الناس فتريدوا أن تحصلوا على مقاصد وغايات ضد ما انطبع فيها من الأخلاق والصفات، بتأثير ما كسبته طوال عمرها من الأعمال" (١٨). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، وجهان (١٩): أحدهما: أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم.

стр. 2969

والثاني: تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أَضَلَّهم بذمهم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨]، أي: " ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى" (١). قال البغوي: "أي: ومن يضلل الله عن الهدى، فلن تجد له طريقا إلى الحق" (٢). قال الواحدي: " أَيْ: ديناً وطريقاً إلى الحجَّة" (٣). قال ابن عطية: "ثم أخبر تعالى أنه من يضلل فلا سبيل إلى إصلاحه ولا إلى إرشاده" (٤). أي ومن تقضى سننه فى خلقه أن يكون ضالا عن طريق الحق فلن تجد له سبيلا يصل بسلوكها إليه، فإن للحق سبيلا واحدة هى صراط الفطرة المستقيم، وللباطل سبلا كثيرة عن يمين سبيل الحق وعن شمالها، كل من سلك منها سبيلا بعد عن سبيل الحق بقدر إيغاله فى السبيل التي سلكها كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقد أوضح النبي ﷺ معنى الآية بالخطوط الحسية، فخط فى الأرض خطا وجعله مثالا لسبيل الله، وخط على جانبيه خطوطا لسبل الشيطان (٥)، وهذه الخطوط المستقيمة لا تلتقى مع الخط الأول بحال، وسبيل الفطرة تقتضى أن يعرض الإنسان جميع أعماله على سنن العقل ويتبع ما يظهر له أنه الحق الذي فيه منفعته عاجلا وآجلا، وفيه كماله الإنسانى، وأكثر ما يصده عن هذه السبيل التقليد والغرور وظنه أنه ليس هناك ما هو أكمل مما هو فيه، وبهذا يقطع على نفسه طريق العقل والنظر فى النفع والضر والحق والباطل، وشبهته فى ترك صراط الفطرة أن عقله قاصر عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر، فعليه أن يتبع ما وجد عليه الآباء والأجداد من زعماء عصره ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" (٦). قال ابن حزم وابن البارزي: " قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨]، نسخها آية السيف" (٧). الفوائد: ١ - تحريم موالاة المنافقين، إنكار الله على المؤمنين بسبب اختلافهم في المنافقين. ٢ - أن من أضله الله تعالى لا سبيل له إلى الهدى وأن الضلال وقع مع الإضلال من الله تعالى للكافر والفاسق. ٣ - أن القلوب لها أقفال ومفاتيح أعظم من أقفال ومفاتيح أي باب، فإذا كان الله تعالى طبع على قلب فلان فلا يمكن لجميع الأنبياء والمرسلين مجتمعين أن يفتحوا هذا القلب، ومهمة الأديان والأنبياء والمرسلين هي تبليغ دعوة الحق إلى الخلق فقط، أي: إرشادهم إلى الله، والذي يملك الهداية والضلال هو الله . القرآن ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ [النساء: ٨٩] التفسير: تمنَّى المنافقون لكم -أيها المؤمنون-، لو تنكرون حقيقة ما آمنت به قلوبكم، مثلما أنكروه بقلوبهم، فتكونون معهم في الإنكار سواء، فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم، حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم، فإن أعرضوا عما دعوا إليه، فخذوهم أينما كانوا واقتلوهم، ولا تتخذوا منهم وليّاً من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به. سبب النزول:

стр. 2970

أخرج ابن ابي حاتم عن الحسن، أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر يعني النبي ﷺ على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة فقالوا: مه، فقال رسول الله ﷺ : دعوه ما يريد. فقلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم فإن أسلم قومك ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن لقلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال: اذهب معه، فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله ﷺ ، فإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]، " أي: تمنى هؤلاء المنافقون أن تكفروا مثلهم فتستوا أنتم وهم وتصبحوا جميعاً كفارا" (٢). قال محمد بن كعب: " يقول: ود الذين كفروا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء" (٣). قال ابن كثير: " أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم" (٤). قال الزمخشري: أي: " ودوا كفركم فكونكم معهم شرعا واحدا فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء: ٨٩]، أي: " فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم" (٦). قال ابن أبي زمنين: " أي: لا توالوهم" (٧). قال ابن كثير: " أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك" (٨). قال الزمخشري: أي: " فلا تتولوهم وإن آمنوا " (٩). قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩]، أي: " حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم" (١٠). قال ابن عباس: "يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم يعني الهجرة" (١١). قال عكرمة: " حتى يهاجروا هجرة أخرى" (١٢). قال ابن أبي زمنين: " فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها؛ يعني: المدينة" (١٣). قال قال الزمخشري: أي: " حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله- لا لغرض من أغراض الدنيا- مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرب" (١٤). قال الراغب: "والهجرة: ترك الشيء والإعراض عنه مكانا أو خليطا، وسمي القبيح من الكلام هجرا لكونه مقتضيا لهجره، والرفث هاجرة لكونه حاملا على أن يهجره، وسمي المهاجر لتركه وطنه، وصار اسم مدح في الإسلام، وسمي من رفض فضولات شهواته مهاجرا" (١٥). قال البغوي: " والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أول الإسلام، وهي قوله تعالى رللفقراء المهاجرين﴾ [الحشر: ٨]، وقوله: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله﴾ [النساء: ١٠٠﴾، ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين: وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله ﷺ صابرا محتسبا كما

стр. 2971

حكى ها هنا منع من موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، وهجرة سائر المؤمنين وهي ما قال النبي ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [النساء: ٨٩]، " أي: فإِن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله" (٣). قال البغوي: " أعرضوا عن التوحيد والهجرة" (٤). عن ابن عباس: " ﴿فإن تولوا﴾، قال: عن الهجرة" (٥). وقال السدي: "إذا أظهروا كفرهم" (٦). قال الزمخشري: أي: " فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة" (٧). قوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، " أي: فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم في حلٍّ أو حرم" (٨). قال السمعاني: " أي: فأسروهم، والأخذ هاهنا: الأسر، ويقال للأسير: أخيذ" (٩). قال الزمخشري: أي: " فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحل والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]، أي: " ولا تتخذوا منهم وليّاً من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به" (١١). قال الواحدي: " أيْ: لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم" (١٢). قال الزمخشري: أي: " وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم" (١٣). قال المراغي: أي: " ولا تتخذوا منهم وليا يتولى شيئا من مهام أموركم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم" (١٤). عن مجاهد في قوله: " ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾، قال: نسخت ما كان قبلها من من أو فدا" (١٥). الفوائد: ١ - إن أعداء الله حريصون كل الحرص على إضلال المسلمين وصدهم عن دينهم. ٢ - أن الحسد خلق نفس ذميمة وضيعه سَاقِطَة لَيْسَ فِيهَا حرص على الْخَيْر فلعجزها ومهانتها تحسد من يكْسب الْخَيْر والمحامد ويفوز بهَا دونهَا وتتمنى أَن لوفاته كسبها حَتَّى يساويها فِي الْعَدَم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء﴾. ٣ - إن الكفار والمنافقين يفرحون بما يكون من بعض المسلمين من المخالفة لهدي نبيهم ﷺ وارتكابهم لما حذرهم منه من البدع والضلالات. ٤ - يجب على المؤمن الحذر من غير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾. ٥ - دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الأمر الذي به يتقرب إلى الله تعالى، ويتوسل به إلى طلب السعادة في

стр. 2972

الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه (١). القرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠] التفسير: لكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم، وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم، فلم يكونوا معكم ولا مع قومهم، فلا تقاتلوهم، ولو شاء الله تعالى لسلَّطهم عليكم، فلقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى صرفهم عنكم بفضله وقدرته، فإن تركوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا اليكم مستسلمين، فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم. في سبب نزول الآية قولان: احدهما: قال ابن عباس، وعكرمة (٢): " نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف" (٣). والثاني: قال الحسن: "فالذين حصرت صدور، هم بنو مدلج , فمن وصل إلى بني مدلج من غيرهم كان في مثل عهدهم" (٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: " لكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم" (٥). قال أبو عبيدة: " يقول: فإذا كانوا من أولئك القوم الذين بينكم وبينهم ميثاق فلا تقتلوهم" (٦). قال السدي: " يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرُون على أهل الذمة" (٧). قال ابن زيد: " يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء" (٨). قال ابن كثير: " أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم" (٩). قال ابن ابي زمنين: " يعني: إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق، ومعني «اتصل»: انتسب" (١٠). قال الطبري: أي: " فإن تولىَّ هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله، وأبوا الهجرة فلم يهاجروا في سبيل الله، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، سوى من وَصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم مُوادعة وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم، وصاروا منهم، ورضوا بحكمهم، فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيًا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم: أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا تغنم أموالهم" (١١). قال عكرمة: " قال نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف" (١٢). قال الزمخشري: " والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح" (١٣). وقال بعض اهل اللغة (١٤): "أن معنى قوله: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم﴾، إلا الذين يتَّصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق، من قولهم: اتّصل الرجل، بمعنى: انتمى وانتسب، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم (١٥): إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أَبَكْرَ بنَ وَائِلٍ! ... وَبَكْرٌ سَبَتْهَا وَالأنُوفُ رَوَاغِمُ! يعني بقوله: اتصلت، انتسبت" (١٦). قال الطبري: " ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم، إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم، لما كان رسول الله ﷺ لِيقاتل قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين. ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم، أكثر مما لأهل العهد بعهدهم. وفي قتال رسول الله ﷺ مشركي قريش بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم - الدليلُ الواضح أنّ انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه" (١٧). قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: " وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم" (١٨). قال السدي: "يقول: رجعوا فدخلوا فيكم، ﴿حصرت صدورهم﴾، يقول: ضاقت صدورهم ﴿أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم﴾ " (١٩). قال مجاهد: " يريدون: هلال بن عويمر وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه" (٢٠). قال الحسن: " فالذين حصرت صدُورُهم: بني مدلج، فمن وصل إلى بني مدلج من غيرهم؛ كان في مثل عهدهم" (٢١). قال قتادة: " ﴿حصرت صدورهم﴾، أي: كارهة صدورهم" (٢٢). قال ابن كثير: " هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حَصِرَةٌ صدورهم أي: ضيقة صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم" (٢٣). قال الطبري: " والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام: قد حَصِرَ، ومنه: «الحَصَرُ»، في القراءة" (٢٤).

стр. 2973

وفي قوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وجهان: أحدهما: أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حَصِرتْ. وهذا قول الجمهور وهو المشهور (١). والثاني: أنه دعاء من الله عليهم بأن تُحصَرَ صدورهم، ومنه قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]، وهذا قول المبرد (٢). وقرأ الحسن البصري: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾، نصبًا (٣). وفي قراءة أبيّ: ﴿بينكم وبينهم ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم﴾، بغير «أو»، ووجهه أن يكون ﴿جاؤكم﴾ بيانا ليصلون، أو بدلا أو استئنافا، أو صفة بعد صفة لقوم (٤). قال الطبري: "وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائزة القراءة بها عندي، لشذوذها وخروجها عن قراءة قرأة الإسلام" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: " ولو شاء الله لقوّاهم وجرّأهم عليكم فقاتلوكم" (٦). قال ابن كثير: " أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم" (٧). قال الثعلبي: " يعني سلط الله المشركين على المؤمنين عقوبة ونقمة" (٨). قال السمعاني: " معنى هذا: أن الله - تعالى - هو الذي ألقى الرعب في قلوبهم، وكفهم عن قتالكم، حتى جاءوا معاهدين، ولو شاء الله لسلطهم عليكم" (٩). وفي تسليطهم قولان (١٠): أحدهما: بتقوية قلوبهم. والثاني: بالإذن في القتال ليدافعوا عن أنفسهم. قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط" (١١). وقرئ: ﴿فلقتلوكم﴾، بالتخفيف والتشديد (١٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]، "أي: فإِن لم يتعرضوا لكم بقتال وانقادوا واستسلموا لكم فليس لكم أن تقاتلوهم" (١٣). قال السمعاني: " يعنى: الصلح فانقادوا، واستسلموا" (١٤). والسَّلَم: "هو الاستسلام. وإنما هذا مثلٌ، كما يقول الرجل للرجل: أعطيتك قِيادي، وألقيت إليك خِطَامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قوله: ﴿وألقوا إليكم السلم﴾، إنما هو: ألقوا إليكم قيادَهم واستسلموا لكم، صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومن «السَّلم»، قول الطرمَّاح (١٥):

стр. 2974

وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًا غَادَرَتْ سَلَمًا ... لِلأسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللِّبَدِ يعني بقوله: سلمًا، استسلامًا" (١). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]، قولان: أحدهما: الصلح، وهو قول الربيع (٢). والثاني: الإِسلام، وهو قول الحسن (٣). وقرئ: ﴿السلم﴾، بسكون اللام مع فتح السين (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، ي: " فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم" (٥). قال الزمخشري: أي: " فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم" (٦). قال السمعاني: " أي: طريقا عليهم بالقتل والقتال" (٧). قال ابن كثير: " أي: فليس لكم أن تقتلوهم، ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العباس وعبّر بأسره" (٨). وفي نسخ هذه الآية قولان: أحدهما: انها نسخت بآية السيف. وهذا قول ابن عباس (٩)، الزهري (١٠)، وعكرمة (١١)، والحسن (١٢)، وقتادة (١٣)، واختيار الطبري (١٤)، والنحاس (١٥)، ومكي بن ابي طالب (١٦). قال ابن الجوزي: " أمر المسلمون في هذه الآية بترك قتال من له معهم عهد، أو ميثاق، أو ما يتعلق بعهد، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وبما أمروا به من نبذ العهد إلى أربابه في سورة براءة. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة" (١٧). عن عطاء عن ابن عباس-﵄: " ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١٨)، وَقَالَ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ﴾ (١٩)، وَقَالَ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢٠)، نَسَخَ هَذَا ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢١)، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ " (٢٢).

стр. 2975

وعن قتادة: " ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١)، الآيَةَ، قَالَ: نُسِخَ ذلك في براءة، وَنُبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ، وأمر الله نبيه أَنْ يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) الآية" (٣). واخرج الطبري عن عن عكرمة والحسن قالا قال: " ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، وقال في «الممتحنة»: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال فيها: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الممتحنة: ٨، ٩]، فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين فقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [سورة التوبة: ١، ٢]. فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك. وقال في التي تليها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، ثم نسخ واستثنى فقال: رفَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [سورة التوبة: ٥، ٦] " (٤). والثاني: انهما محكمة. وإنما نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو خزيمة وبنو مدلج، عاقدوا حلفاء المسلمين فنهي عن قتلهم، ونزلت آية السيف بعد إسلام الذين ذكرناهم. ذكره عبدالقاهر البغدادي عن بعضهم (٥). الفوائد: ١ - أن الله أوجب مسالمة من يقف من المسلمين موقف الحياد، فلا يحاربهم، لا يعين عليهم محاربًا. ٢ - أن أصل علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، والآية تدل على الأمر بقبول السلم من الكفار إذا جنحوا إليه، وقد نهى النبي ﷺ عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو فقال: " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية" (٦). القرآن ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ [النساء: ٩١] التفسير: ستجدون قومًا آخرين من المنافقين يودون الاطمئنان على أنفسهم من جانبكم، فيظهرون لكم الإيمان، ويودون الاطمئنان على أنفسهم من جانب قومهم الكافرين، فيظهرون لهم الكفر، كلما أعيدوا إلى موطن الكفر والكافرين، وقعوا في أسوأ حال. فهؤلاء إن لم ينصرفوا عنكم، ويقدموا إليكم الاستسلام التام، ويمنعوا أنفسهم عن قتالكم فخذوهم بقوة واقتلوهم أينما كانوا، وأولئك الذين بلغوا في هذا المسلك السيِّئ حدّاً يميزهم عمَّن عداهم، فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أنهم أناس كانوا من أهل مكة أسلموا - على ما وصفهم الله به من التقيَّة - وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول الله: ﴿كلما ردُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾، ، يعني كلما دعاهم قومهم إلى الشرك بالله، ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم، ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء. وهذا قول ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨).

стр. 2976

والثاني: وقال قتادة: " حيٌّ كانوا بتهامة، قالوا: يا نبيّ الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبيَّ الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم، فقال: ﴿كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾، يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه" (١). والثالث: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي ﷺ والمشركين. وهذا قول السدي (٢). والرابع: انههم قوم من المنافقين. وهذا قول الحسن (٣). قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: ستجدون قوماً آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإِظهار الإِيمان ويأمنوا قومهم بإِظهار الكفر إِذا رجعوا إِليهم" (٤). قال مقاتل: " يعني يأمنوا فيكم معشر المؤمنين بأنهم مقرون بالتوحيد ويأمنوا قومهم المشركين لأنهم على دينهم" (٥). قال الفراء: " معناه: أن يأمنوا فيكم ويأمنوا في قومهم. فهؤلاء بمنزلة الذين ذكرناهم في أن قتالهم حلال إذا لم يرجعوا" (٦). قال ابن قتيبة: " هؤلاء منافقون يعطون المسلمين الرضا ليأمنوهم ويعطون قومهم الرضا ليأمنوهم" (٧). قال الزجاج: " ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنكم، وإذا سنحت فتنة كانوا مع أهلها عليكم" (٨). قال ابن كثير: " هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] " (٩). قال ابن عطية: " لما وصف الله تعالى فيما تقدم صفة المحقين في المتاركة، المجدين في إلقاء السلم، نبه على طائفة مخادعة مبطلة مبطنة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم، يقولون لهم: نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضا للمسلمين إذا وفدوا وأرسلوا: نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة، قيل: كانت أسد وغطفان بهذه الصفة، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي ﵇ والكفار الأخبار، وقيل: نزلت في قوم يجيئون من مكة إلى النبي ﵇ رياء، يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم على غير صفة من تقدم" (١٠). قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]، "أي: كلما دعوا إِلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إِليه وقُلبوا فيه على أسوأ شكل" (١١). قال الزمخشري: " قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو" (١٢). قال ابن كثير: " أي: انهمكوا فيها" (١٣). قال الزجاج: " أي: انتكسوا عن عهدهم الذي عقدوه" (١٤).

стр. 2977

قال ابن عطية: " ﴿إلى الفتنة﴾، معناه: إلى الاختبارأي: أهلكوا في الاختبار بما واقعوه من الكفر" (١). قال ابو السعود: " أي [كلما] دعوا إلى الكفر وقتال المسلمين، قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير" (٢). قال مقاتل: " يعني كلما دعوا إلى الشرك، ﴿أركسوا فيها﴾، يقول: عادوا في الشرك" (٣). قال مجاهد: " يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان" (٤). قال قتادة: " يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه " (٥). قال ابن عباس: " كلما أرادوا أن يخرجوا من الفتنة أركسوا فيها" (٦). قال السدي: " ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾، يقول: إلى الشرك" (٧). قال ابو العالية: " كلما ابتلوا بها عموا فيها" (٨). قال القرطبي: " ومعنى ﴿أركسوا فيها﴾، أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا، وقيل: أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه" (٩). وقرأ عبد الله بن مسعود، ﴿ركسوا﴾، بضم الراء من غير ألف، وحكاه عنه أبو الفتح بشد الكاف على التضعيف (١٠). وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: ﴿ردوا﴾، بكسر الراء، لأن الأصل «رددوا»، فأدغم وقلبت الكسرة على الراء (١١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: فإِن لم يجتنبوكم" (١٢). قال مجاهد: " أمر بقتالهم إن لم يعتزلوا، فيصالحوا" (١٣). قال الزجاج: " أي: فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يعاونوا عليكم" (١٤). قال النسفي: " أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: ويستسلموا إِليكم" (١٦). قال الزجاج: " أي: المقادة والاستسلام" (١٧). قال البغوي: " أي: المفاداة والصلح" (١٨). قال أبو السعود: " أي: لم يلقوا إليكم الصلح والعهد بل نبذوه إليكم" (١٩). قال الشوكاني: " أي: يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم" (٢٠). قوله تعالى: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: ويكفوا أيديهم عن قتالكم" (٢١). قال الزجاج: " أي: عن الحرب" (٢٢).

стр. 2978

قال البغوي: أي: "ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم" (١). قوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، " أي: فأسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم وأصبتموهم" (٢). قال مقاتل: " يعنى: أأسروهم، ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾، يعني: أدركتموهم من الأرض في الحل والحرم" (٣). قال ابن عطية: " ﴿ثقفتموهم﴾، مأخوذ من الثقاف، أي: ظفرتم بهم مغلوبين متمكنا منهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، أي: " فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم" (٥). قال ابن كثير: " أي: بيِّنا واضحا" (٦). قال الزجاج: "أي: حجة بينة بأنهم غدرة، لا يفون بما يفارقونكم عليه من الهدنة والصلح" (٧). قال الزمخشري: أي: " حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في قتلهم" (٨). قال الشوكاني: " أي: حجة واضحة، تتسلطون بها عليهم، وتقهرونهم بها، بسبب ما في قلوبهم من المرض، وما في صدورهم من الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي" (٩). قال السدي: " أما السلطان: فهو الحجة" (١٠). قال عكرمة: "حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة" (١١). قال مقاتل: " يعنى: حجة بينة ثم صارت منسوخة" (١٢). وقد ذكر ابن حزم (١٣)، وابن سلامة (١٤)، وابن هلال (١٥)، وابن الجوزي (١٦)، أن هذه الآية نسخت بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وذلك بدون أن ينسبوه إلى أحد. يقول الأستاذ مصطفى زيد: " عن هذه الآية والتي قبلها: "أن كلتيهما في المنافقين وكان الإسلام يأبى أن يقتلهم حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه" (١٧). الفوائد: ١ - إن واجب المسلم أن يكون مع المسلمين قولاً وفعلاً واعتقادًا، ومن لم يكن كذلك يكون داخلاً تحت مفهوم قول الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (١٨). ٢ - الحذر من تولي الكفار، وأنه لايجوز قتال المسلمين تحت ذريعة الإكراه في ذلك، لأن الإكراه مهما يكن، لا يجوز معه أن يحمل المسلم سلاحه، ضد أهل الحق من المسلمين.

стр. 2979

٣ - قال ابن عطية: "وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين للسلم، وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال. وإيجاب إلقاء السلم، ونفي المقاتلة، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلا لو لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم «سلطان مبين»، وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا" (١). القرآن ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢] التفسير: ولا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه، ومن وقع منه ذلك الخطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة، وتسليم دية مقدرة إلى أوليائه، إلا أن يتصدقوا بها عليه ويعفوا عنه. فإن كان المقتول من قوم كفار أعداء للمؤمنين، وهو مؤمن بالله تعالى، وبما أنزل من الحق على رسوله محمد ﷺ ، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متتابعين; ليتوب الله تعالى عليه. وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل لأمه، قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي، لأنه كان يعذب عياشاً مع أبي جهل، وهو لا يعلم بإسلامه. وهذا قول عكرمة (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٦). واختلف أين قتله: أفقال عكرمة (٧)، وجاهد (٨): قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة وهو لا يعلم بإسلامه. ب وقال السدي (٩): قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم بإسلامه. والثاني: وقال ابن زيد: "نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء، نزل هذا كله فيه، كانوا في سرية، فعدَل أبو الدرداء إلى شِعْبٍ يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله! قال: فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئًا، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ : «ألا شققتَ عن قلبه! » فقال: ما عَسَيْتُ أجِدُ! هل هو يا رسول الله

стр. 2980

إلا دمٌ أو ماء؟ قال: «فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟ »، قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ »، قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ » حتى تمنَّيتُ أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾، حتى بلغ ﴿إلا أن يصدّقوا﴾، قال: إلا أن يَضَعوها" (١). والثالث: عن بكر بن حارثة الجهني؛ قال: "كنت في سرية بعثها رسول الله ﷺ ؛ فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين؛ فتعوذ مني بالإِسلام؛ فقتلته، فبلغ ذلك النبي ﷺ ؛ فغضب وأقصاني؛ فأوحى الله إليه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. قال: فرضي عني، وأدناني" (٢). والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾، يعني: من أهل الحرب، ﴿وهو مؤمن﴾، يعني: المقتول، قال: نزلت في مرداس بن عمرو وكان أسلم، وقومه كفار من أهل الحرب فقتله أسامة بن زيد خطا" (٣). قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرَّف عبادَه بهذه الآية مَا على مَن قتل مؤمنًا خطأ من كفَّارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأيّ ذلك كان، فالذي عَنَى الله تعالى بالآية: تعريفَ عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عَقَل عنه من عباده تنزيلَه، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: لا ينبغي لمؤمنٍ ولا يليق به أن يقتل مؤمناً إِلا على وجه الخطأ" (٥). قال السدي: " المؤمن لا يقتل مؤمنا" (٦). قال قتادة: " يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه" (٧). قال أبو عبيدة: " وهذا كلام تستثنى العرب الشيء من الشيء وليس منه على اختصار وضمير، وليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على حال إلّا أن يقتله مخطئا، فإن قتله خطئا" (٨). قال الطبري: أي: " وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنًا، يقول: ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة" (٩). قال الزجاج: " المعنى: ما كان لمؤمن ألبتة، إلا أن يخطئ المؤمن، فكفارة خطئه ما ذكر بعد" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، أن يقتل مؤمنا ابتداء غير قصاص إلا على وجه الخطإ" (١١). قال الماوردي: " يعني: أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ومنه قول جرير (١٢):
следующие страницы →