← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

والثاني: وقال قتادة: " حيٌّ كانوا بتهامة، قالوا: يا نبيّ الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبيَّ الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم، فقال: ﴿كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾، يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه" (١). والثالث: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي ﷺ والمشركين. وهذا قول السدي (٢). والرابع: انههم قوم من المنافقين. وهذا قول الحسن (٣). قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: ستجدون قوماً آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإِظهار الإِيمان ويأمنوا قومهم بإِظهار الكفر إِذا رجعوا إِليهم" (٤). قال مقاتل: " يعني يأمنوا فيكم معشر المؤمنين بأنهم مقرون بالتوحيد ويأمنوا قومهم المشركين لأنهم على دينهم" (٥). قال الفراء: " معناه: أن يأمنوا فيكم ويأمنوا في قومهم. فهؤلاء بمنزلة الذين ذكرناهم في أن قتالهم حلال إذا لم يرجعوا" (٦). قال ابن قتيبة: " هؤلاء منافقون يعطون المسلمين الرضا ليأمنوهم ويعطون قومهم الرضا ليأمنوهم" (٧). قال الزجاج: " ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنكم، وإذا سنحت فتنة كانوا مع أهلها عليكم" (٨). قال ابن كثير: " هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] " (٩). قال ابن عطية: " لما وصف الله تعالى فيما تقدم صفة المحقين في المتاركة، المجدين في إلقاء السلم، نبه على طائفة مخادعة مبطلة مبطنة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم، يقولون لهم: نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضا للمسلمين إذا وفدوا وأرسلوا: نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة، قيل: كانت أسد وغطفان بهذه الصفة، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي ﵇ والكفار الأخبار، وقيل: نزلت في قوم يجيئون من مكة إلى النبي ﵇ رياء، يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم على غير صفة من تقدم" (١٠). قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]، "أي: كلما دعوا إِلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إِليه وقُلبوا فيه على أسوأ شكل" (١١). قال الزمخشري: " قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو" (١٢). قال ابن كثير: " أي: انهمكوا فيها" (١٣). قال الزجاج: " أي: انتكسوا عن عهدهم الذي عقدوه" (١٤).

стр. 2977

قال ابن عطية: " ﴿إلى الفتنة﴾، معناه: إلى الاختبارأي: أهلكوا في الاختبار بما واقعوه من الكفر" (١). قال ابو السعود: " أي [كلما] دعوا إلى الكفر وقتال المسلمين، قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير" (٢). قال مقاتل: " يعني كلما دعوا إلى الشرك، ﴿أركسوا فيها﴾، يقول: عادوا في الشرك" (٣). قال مجاهد: " يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان" (٤). قال قتادة: " يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه " (٥). قال ابن عباس: " كلما أرادوا أن يخرجوا من الفتنة أركسوا فيها" (٦). قال السدي: " ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾، يقول: إلى الشرك" (٧). قال ابو العالية: " كلما ابتلوا بها عموا فيها" (٨). قال القرطبي: " ومعنى ﴿أركسوا فيها﴾، أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا، وقيل: أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه" (٩). وقرأ عبد الله بن مسعود، ﴿ركسوا﴾، بضم الراء من غير ألف، وحكاه عنه أبو الفتح بشد الكاف على التضعيف (١٠). وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: ﴿ردوا﴾، بكسر الراء، لأن الأصل «رددوا»، فأدغم وقلبت الكسرة على الراء (١١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: فإِن لم يجتنبوكم" (١٢). قال مجاهد: " أمر بقتالهم إن لم يعتزلوا، فيصالحوا" (١٣). قال الزجاج: " أي: فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يعاونوا عليكم" (١٤). قال النسفي: " أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: ويستسلموا إِليكم" (١٦). قال الزجاج: " أي: المقادة والاستسلام" (١٧). قال البغوي: " أي: المفاداة والصلح" (١٨). قال أبو السعود: " أي: لم يلقوا إليكم الصلح والعهد بل نبذوه إليكم" (١٩). قال الشوكاني: " أي: يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم" (٢٠). قوله تعالى: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، "أي: ويكفوا أيديهم عن قتالكم" (٢١). قال الزجاج: " أي: عن الحرب" (٢٢).

стр. 2978

قال البغوي: أي: "ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم" (١). قوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، " أي: فأسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم وأصبتموهم" (٢). قال مقاتل: " يعنى: أأسروهم، ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾، يعني: أدركتموهم من الأرض في الحل والحرم" (٣). قال ابن عطية: " ﴿ثقفتموهم﴾، مأخوذ من الثقاف، أي: ظفرتم بهم مغلوبين متمكنا منهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، أي: " فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم" (٥). قال ابن كثير: " أي: بيِّنا واضحا" (٦). قال الزجاج: "أي: حجة بينة بأنهم غدرة، لا يفون بما يفارقونكم عليه من الهدنة والصلح" (٧). قال الزمخشري: أي: " حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في قتلهم" (٨). قال الشوكاني: " أي: حجة واضحة، تتسلطون بها عليهم، وتقهرونهم بها، بسبب ما في قلوبهم من المرض، وما في صدورهم من الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي" (٩). قال السدي: " أما السلطان: فهو الحجة" (١٠). قال عكرمة: "حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة" (١١). قال مقاتل: " يعنى: حجة بينة ثم صارت منسوخة" (١٢). وقد ذكر ابن حزم (١٣)، وابن سلامة (١٤)، وابن هلال (١٥)، وابن الجوزي (١٦)، أن هذه الآية نسخت بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وذلك بدون أن ينسبوه إلى أحد. يقول الأستاذ مصطفى زيد: " عن هذه الآية والتي قبلها: "أن كلتيهما في المنافقين وكان الإسلام يأبى أن يقتلهم حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه" (١٧). الفوائد: ١ - إن واجب المسلم أن يكون مع المسلمين قولاً وفعلاً واعتقادًا، ومن لم يكن كذلك يكون داخلاً تحت مفهوم قول الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (١٨). ٢ - الحذر من تولي الكفار، وأنه لايجوز قتال المسلمين تحت ذريعة الإكراه في ذلك، لأن الإكراه مهما يكن، لا يجوز معه أن يحمل المسلم سلاحه، ضد أهل الحق من المسلمين.

стр. 2979

٣ - قال ابن عطية: "وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين للسلم، وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال. وإيجاب إلقاء السلم، ونفي المقاتلة، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلا لو لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم «سلطان مبين»، وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا" (١). القرآن ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢] التفسير: ولا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه، ومن وقع منه ذلك الخطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة، وتسليم دية مقدرة إلى أوليائه، إلا أن يتصدقوا بها عليه ويعفوا عنه. فإن كان المقتول من قوم كفار أعداء للمؤمنين، وهو مؤمن بالله تعالى، وبما أنزل من الحق على رسوله محمد ﷺ ، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متتابعين; ليتوب الله تعالى عليه. وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل لأمه، قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي، لأنه كان يعذب عياشاً مع أبي جهل، وهو لا يعلم بإسلامه. وهذا قول عكرمة (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٦). واختلف أين قتله: أفقال عكرمة (٧)، وجاهد (٨): قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة وهو لا يعلم بإسلامه. ب وقال السدي (٩): قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم بإسلامه. والثاني: وقال ابن زيد: "نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء، نزل هذا كله فيه، كانوا في سرية، فعدَل أبو الدرداء إلى شِعْبٍ يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله! قال: فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئًا، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ : «ألا شققتَ عن قلبه! » فقال: ما عَسَيْتُ أجِدُ! هل هو يا رسول الله

стр. 2980

إلا دمٌ أو ماء؟ قال: «فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟ »، قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ »، قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ » حتى تمنَّيتُ أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾، حتى بلغ ﴿إلا أن يصدّقوا﴾، قال: إلا أن يَضَعوها" (١). والثالث: عن بكر بن حارثة الجهني؛ قال: "كنت في سرية بعثها رسول الله ﷺ ؛ فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين؛ فتعوذ مني بالإِسلام؛ فقتلته، فبلغ ذلك النبي ﷺ ؛ فغضب وأقصاني؛ فأوحى الله إليه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. قال: فرضي عني، وأدناني" (٢). والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾، يعني: من أهل الحرب، ﴿وهو مؤمن﴾، يعني: المقتول، قال: نزلت في مرداس بن عمرو وكان أسلم، وقومه كفار من أهل الحرب فقتله أسامة بن زيد خطا" (٣). قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرَّف عبادَه بهذه الآية مَا على مَن قتل مؤمنًا خطأ من كفَّارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأيّ ذلك كان، فالذي عَنَى الله تعالى بالآية: تعريفَ عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عَقَل عنه من عباده تنزيلَه، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: لا ينبغي لمؤمنٍ ولا يليق به أن يقتل مؤمناً إِلا على وجه الخطأ" (٥). قال السدي: " المؤمن لا يقتل مؤمنا" (٦). قال قتادة: " يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه" (٧). قال أبو عبيدة: " وهذا كلام تستثنى العرب الشيء من الشيء وليس منه على اختصار وضمير، وليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على حال إلّا أن يقتله مخطئا، فإن قتله خطئا" (٨). قال الطبري: أي: " وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنًا، يقول: ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة" (٩). قال الزجاج: " المعنى: ما كان لمؤمن ألبتة، إلا أن يخطئ المؤمن، فكفارة خطئه ما ذكر بعد" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، أن يقتل مؤمنا ابتداء غير قصاص إلا على وجه الخطإ" (١١). قال الماوردي: " يعني: أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ومنه قول جرير (١٢):

стр. 2981

من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ ... على الأرض إلاّ ريْط بُردٍ مرحّلِ يعني: ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد وليس البرد من الأرض" (١). وقرئ: ﴿خطاء﴾، بالمد، و ﴿خطا﴾، بوزن «عمى»، بتخفيف الهمزة (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: ومن قتل مؤمناً على وجه الخطأ" (٣). قال إبراهيم: " إذا قتل المسلم" (٤). قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: فعليه إِعتاق رقبةٍ مؤمنة" (٥). عن محمد بن علي فتحرير: " ﴿رقبة مؤمنة﴾، قال: في الخطأ إذا أقرت ولم يعلم منها إلا خيرا" (٦). قال ابن عباس: " يعني بالـ ﴿مؤمنة﴾: من قد عقل الإيمان وصام وصلى" (٧). وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وإبراهيم، والحكم نحو ذلك" (٨). وقال عطاء: " ولدت على الإسلام" (٩). وعن الشعبي: " ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، قال: قد صلت" (١٠). وروي عن مجاهد، وعطاء. وقتادة نحو ذلك" (١١). قال إبراهيم: "فهذا له ولورثته المسلمين" (١٢). قال الزمخشري: " المراد بـ ﴿رقبة مؤمنة﴾: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء" (١٣). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، على قولين: أحدهما: أنها لا يجزىء عتقها في الكفارة إلا أن تكون مؤمنة بالغة قد صلت وصامت، وهذا قول ابن عباس (١٤)، والشعبي (١٥)، والحسن (١٦)، وقتادة (١٧)، وإبراهيم (١٨). والقول الثاني: أن الصغيرة المولودة من أبوين مسلمين تكون مؤمنة تجزىء في الكفارة، وهذا قول عطاء (١٩)، والشافعي (٢٠). والصواب-والله أعلم- أنه "لا يجزئ في قتل الخطأ من الرقاب إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من بالغي الرجال والنساء، إذا كان ممن كان أبواه على مِلّة من الملل سوى الإسلام، وولد بينهما وهما كذلك، ثم لم يسلما ولا واحدٌ منهما حتى أعتِق في كفارة الخطأ. وأما من ولد بين أبوين مسلمين، فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حدّ الاختيار والتمييز، ولم يدرك الحُلُم، فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه إن مات، وما يجب عليه إن جَنَى، ويجب له إن جُنِيَ عليه، وفي المناكحة، فإذْ كان ذلك من جميعهم إجماعًا، فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزئ فيه من كفارة الخطأ إن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان، مثلُ الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها" (٢١).

стр. 2982

قال الزمشخري: " قيل: لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار" (١). قال ابن عباس: " أتي النبي ﷺ رجل فقال: إن علي أي رقبة، وعندي أمة سوداء، فقال: ائتني بها، فقال رسول الله ﷺ : «أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ »، قالت: نعم. قال: «أعتقها» " (٢). ومعنى «التحرير»: "الإعتاق. والحر والعتيق: الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد. ومنه: عتاق الخيل، وعتاق الطير لكرامها. وحر الوجه: أكرم موضع منه. وقولهم للئيم «عبد» وفلان عبد الفعل: أى لئيم الفعل. والرقبة: عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق" (٣). قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: وعليه كذلك ديةٌ مؤداة إلى ورثة المقتول" (٤). قال ابن شهاب: " فقد بلغنا أن رسول الله ﷺ فرضها مائة من الإبل" (٥). قال سعيد بن المسيب: " المسلمة: التامة" (٦). قال سعيد بن جبير: " ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾، يعني: تسلمها عاقلة القاتل" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان: أحدهما: معناه: إلى أولياء المقتول. وهذا قول سعيد بن جبير (٨). والثاني: معناه: إلى ورثة المقتول. وهذت قول إبراهيم النخعي (٩)، وقتادة (١٠)، ومقاتل بن حيان (١١). قال الزمخشري: أي: " مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضى منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثا فهي لبيت المال، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة، كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «أنا وارث من لا وارث له» (١٢) " (١٣). وفي رواية سعيد بن المسيب: «أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، أن النبي، ﷺ ، ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها" (١٤). وعن ابن مسعود: «يرث كل وارث من الدية غير القاتل» (١٥). وعن شريك: «لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية» (١٦). وعن ربيعة: «الغرة لأم الجنين وحدها» (١٧). قال الزمخشري: "وذلك خلاف قول الجماعة" (١٨). وإن قلت: "على من تجب الرقبة والدية؟

стр. 2983

قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله" (١). وذكر الماوردي في «الدية»، وجهين (٢): أحدهما: أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله ﷺ . والثاني: أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة تكفيراً للقاتل في ماله والدية بدلاً من نفس المقتول على عاقلته. قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، أي: " إِلا إذا عفا الورثة عن القاتل فأسقطوا الدية" (٣). قال ابن عباس: " إلا أن يتصدق بها عليه" (٤). قال السدي: " فيتركوا الدية" (٥). وروي عن إبراهيم النخعي نحو ذلك (٦). قال سعيد بن جبير: " يعني: إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم، فأما عتق رقبة فإنه واجب على القاتل من ماله" (٧). قال الزمخشري: أي: " إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ونحوه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعن النبي ﷺ «كل معروف صدقة» (٨) " (٩). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: فإِن كان المقتول خطأً مؤمناً وقومه كفاراً أعداء -وهم المحاربون- فإِنما على قاتله الكفارة فقط دون الدية" (١٠). قال ابن زيد: " القتيل مسلم وقومه كفّار، فتحرير رقبه مؤمنة، ولا يؤدِّي إليهم الدية فيتقوّون بها عليكم" (١١). قال ابن عباس: " كان الرجل يأتي النبي ﷺ ، ثم يرجع إلى قومه فيكون معهم وهم مشركون فيصيبه المسلمون خطا في سرية أو غارة فيعتق الذي يصيبه رقبة" (١٢). قال الزجاج: " ولا مال للكفار الذين هم حرب، لأن الدية في الخطأ إنما جعلت - والله أعلم - ليحذر الناس حذرا شديدا من أن يخطئوا خطأ يؤدي إلى القتل، لتذهب الضغائن بينهم" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان: أحدهما: ان المعنى: فإن كان المقتول من قوم عدو لكم. وهذا قول ابن عباس (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وعكرمة (١٦)، والشعبي (١٧)، وقتادة (١٨)، والسدي (١٩)، سعيد بن جبير (٢٠). والثاني: أن المعنى: إن كان المؤمن الذي قتل ليس له ورثة بين ظهراني المسلمين ووراثة المشركون من أهل الحرب للمسلمين، ﴿فتحرير رقبة﴾، فلم يجعل له ذرية. وهذا قول مقاتل بن حيان (٢١).

стр. 2984

قال الزمخشري: المعنى: " من قوم كفار أهل حرب، وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شيء. لأنهم كفار محاربون. وقيل: كان الرجل يسلم ثم يأتى قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه كافرا مثلهم" (١). وذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان: أحدهما: أي إن كان قومه كفاراً وهو مؤمن ففي قتله تحرير رقبة مؤمنة وليس فيه ديةُ، وهو قول ابن عباس (٢)، والحسن، وقتادة (٣)، والسدي (٤)، وإبراهيم (٥)، وعكرمة (٦)، وابن زيد (٧). والثاني: معناه فإن كان من قومٍ عدو لكم يعني أهل حرب إذا كان فيهم مؤمن فَقُتِلَ من غير علم بإيمانه ففيه الكفارة دون الدية سواء كان وارثه مسلماً أو كافراً. وهو أحد قولي ابن عباس (٨)، واختيار الشافعي (٩). قال الماوردي: "ويكون معنى قوله ﴿من قوم﴾، إلى قوم، وعلى القول الأول هي مستعملة على حقيقتها" (١٠). والراجح-والله أعلم- أن المعنى: " فإذا قتل المسلم خطأ رجلا من عِداد المشركين، والمقتول مؤمن، والقاتل يحسب أنه على كفره، فعليه تحرير رقبة مؤمنة" (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: وإِن كان المقتول خطأً من قوم كفرة بينكم وبينهم عهد كأهل الذمة" (١٢). قال الزجاج: " وإن كان من قوم بينهم وبين المسلمين عهد" (١٣). قال ابن عباس: " هو الرجل يكون معاهدا ويكون قومه أهل عهد فيسلم إليهم دينه" (١٤). وروي عن سعيد بن جبير (١٥)، وعكرمة (١٦)، والسدي (١٧)، والزهري (١٨)، وعطاء الخراساني (١٩)، وقتادة (٢٠)، وإبراهيم النخعي (٢١)، أنهم قالوا: "عهد" (٢٢). وقال مقاتل بن حيان: " إن كان المؤمن الذي قتل ليس له ذرية في المسلمين وله ذرية في المشركين من أهل عهد النبي ﷺ فيمن بين النبي ﷺ ميثاق " (٢٣). قال الزمخشري: أي: " وإن كان من قوم كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين، فحكمه حكم مسلم من مسلمين" (٢٤).

стр. 2985

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢]، وجوه: أحدها: هم أهل الذمة من أهل الكتاب، وهو قول ابن عباس (١)، يجب في قتلهم الدية والكفارة. والثاني: هم أهل عهد رسول الله ﷺ من العرب خاصة، وهذا قول الحسن (٢). والثالث: هم كل من له أمان بذمة أو عهد فيجب في قتله الدية والكفارة، وهو قول الشافعي (٣). وقرأ الحسن «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن» (٤). قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، "أي: فعلى قاتله دية تدفع إلى أهله، وإِعتاق رقبة مؤمنة" (٥). قال الزجاج: " فتحرير رقبة وتسليم الدية إلى ذوي الميثاق لئلا تقع ضغينة بين أهل الميثاق والمؤمنين" (٦). قال ابن عباس: " فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله" (٧)، وفي رواية: " فيسلم إليهم دينه ويعتق الذي أصابه رقبة" (٨). قال مقاتل بن حيان: "يقول: ادفعوا الدية إلى ورثته" (٩). قال سعيد بن جبير: " لأهل المقتول من أهل العهد من مشركي العرب" (١٠). قال ابن عطية: " واختلف على هذا في دية المعاهد، فقال أبو حنيفة وغيره: ديته كدية المسلم، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، وقال مالك وأصحابه: ديته على نصف دية المسلم، وقال الشافعي وأبو ثور: ديته على ثلث دية المسلم" (١١). قال ابن شهاب: " بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية مسلم، ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم، وأن الله تعالى أمر بتسليم دية المعاهد إلى أهله وجعل معها تحرير رقبة مؤمنة" (١٢). قال الشافعي: " فجعل في كل واحد منهما دية مُسَلَّمَةٌ - أي: إلى أهله -، ولم يقل في أهل الميثاق نصف الدية، - كما قال أهل المدينة - وأهل الميثاق ليسوا مسلمين، فجعل في كل واحد منهما دية مسلمة إلى أهله، والأحاديث في ذلك كثيرة عن رسول الله ﷺ مشهورة معروفة، أنَّه جعل دية الكافر مثل دية المسلم، وروى ذلك أفقههم، وأعلمهم في زمانه، وأعلمهم بحديث رسول الله ﷺ ابن شهاب الزهري ﵀ فذكر أن دية المعاهَد في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ مثل دية الحر المسلم، فلما كان معاوية ﵁ جعلها مثل نصف دية الحر المسلم، فإن الزهري كان أعلمهم في زمانه بالأحاديث فكيف رغبوا عما رواه أفقههم إلى قول معاوية؟ ! " (١٣). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: " فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة" (١٤). قال الزمخشري: " بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها" (١٥). قال مجاهد: " يقول: من لم يجد دية عتاقه في قتل مؤمن خطا" (١٦). وقال سعيد بن جبير: " فمن لم يجد رقبة" (١٧). وروي عن مقاتل نحو ذلك (١٨).

стр. 2986

وقال عكرمة: " إذا كان فمن لم يجد فالأول الأول" (١). قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: " فعليه صيام شهرين متتابعين" (٢). قال الطبري: أي: " فمن لم يجد رقبةً مؤمنة يحرّرها كفارة لخطئه في قتله من قتل من مؤمن أو معاهد، لعُسْرته بثمنها، فعليه صيام شهرين متتابعين" (٣). قال الحسن: " تغليظا وتشديدا من الله قال: هذا في الخطأ تشديد من الله" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان: أحدهما: أن الصوم بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها دون الدية، وهذا قول الجمهور (٥). قال الضحاك: " الصيام لمن لا يجد رقبة، وأما الدية فواجبةٌ لا يبطلها شيء" (٦). والثاني: أنه بدل من الرقبة والدية جميعاً عند عدمها، وهذا قول مسروقٍ (٧). قال الزجاج: " ويحتمل أن يكون الصيام بدلا من الرقبة وبدلا مما ينبغي أن يؤدى في الدية" (٨). عن الشعبي عن مسروق: "أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾: صيام الشهرين عن الرقبة وحدَها، أو عن الدية والرقبة؟ فقال: من لم يجد، فهو عن الدية والرقبة" (٩). قال ابن عطية: " يريد عند الجمهور: فمن لم يجد العتق ولا اتسع ماله له فيجزيه «صيام شهرين» متتابعين في الأيام لا يتخللها فطر، وقال مكي عن الشعبي: «صيام الشهرين» يجزىء عن الدية والعتق لمن لم يجدها، وهذا القول وهم، لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل، والطبري حكى القول عن مسروق (١٠) " (١١). عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وسألته عن صيام «شهرين متتابعين»، قال: لا يفطر فيها ولا يقطع صيامها فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامها جميعا، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستون مسكينا لكل مسكين مد" (١٢). قوله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: " ليتوب الله تعالى عليه" (١٣). قال الزجاج: " أي: فعل ذلك توبة من الله" (١٤). قال الطبري: " يعني: تجاوزًا من الله لكم إلى التيسير عليكم، بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها، بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين" (١٥). قال سعيد بن جبير: "يعني: تجاوزا من الله لهذه الأمة حين جعل في قتل الخطأ كفارة ودية" (١٦). قال الزمخشري: أي" قبولا من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعنى شرع ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه، وهذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ، وومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة (١٧) " (١٨).

стр. 2987

وعن سفيان: "كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له" (١). قال الزمخشري: "وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة" (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]، أي: " وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم" (٣). قال الطبري: " يقول: ولم يزل الله ﴿عليمًا﴾، بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك، ﴿حكيمًا﴾، بما يقضي فيهم ويريد" (٤). قال سعيد بن جبير: " يعني: حكم الكفارة لمن قتل خطا ثم صارت دية في العهد والموادعة لمشركي العرب منسوخة، نسختها الآية التي في براءة ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وقال النبي ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين» (٥) " (٦). وفي نسخ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، قولان (٧): أحدهما: قال جمهور أهل العلم: أن الإشارة بهذا إلى الذي يقتل خطأ فعلى قاتله الدية والكفارة. وهذا قول ابن عباس (٨)، والشعبي (٩)، وقتادة (١٠)، والزهري (١١)، وابن زيد (١٢)، وأبي حنيفة (١٣)، والشافعي (١٤)، فالآية على هذا محكمة. والثاني: وقد ذهب بعض المفسرين (١٥) إلى أن المراد به من كان من المشركين بينه وبين النبي ﷺ عهد وهدنة إلى أجل، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] وبقوله: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٨٥]. الفوائد: ١ - قال الزمخشري: " والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة، أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها؟ " (١٦). ٢ - إن كفَّارة القتل الخطأرففيه الدية؛ إذ تسلَّم إلى أهل الميت إذا طلبوها فتصبح ملكًا لهم يتصرَّفون فيها كما يشاءون وينتفعون بها. ٣ - من أسماءه تعالى: «العليم»: يدل على أن له علما محيطاً عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم" (١٧). وفي حديث ابن عباس ﵄ وقول الخضِر لموسى ﵉: "إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه" (١٨). وأما «الحكيم»، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء. و«حكيم» بمعنى: «مُحْكِم»، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النحل آية ٨٨]. قال أبو إسحاق الإسفراييني: " من أسامي صفات الذات ما هو للعلم ... منها: «الحكيم»، ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف" (١٩). القرآن ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] التفسير: ومن يَعْتَدِ على مؤمن فيقتله عن عمد بغير حق فعاقبته جهنم، خالدًا فيها مع سخط الله تعالى عليه وطَرْدِهِ من رحمته، إن جازاه على ذنبه وأعدَّ الله له أشد العذاب بسبب ما ارتكبه من هذه الجناية العظيمة. ولكنه سبحانه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان فلا يجازيهم بالخلود في جهنم. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: "نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضبابة، وكان بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاما ذات يوم قتيلا في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله ﷺ رجلا من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه أن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية، فلما جاءهم الرسول، قالوا: السمع والطاعة لله وللرسول، والله ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله ﷺ فقتله، وارتد عن الإسلام وركب جملا منها وساق معه البقية ولحق بمكة وهو يقول في شعر له (٢٠): قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع حَلَلْتُ بِهِ وِترِي، وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ راجِعِ فنزلت فيه بعد قتل النفس وأخذ الدية وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافرا، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ " (٢١). وذكر الواحدي نحوه عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس (٢٢). وفي السياق نفسه اخرج الطبري عن عن ابن جريج، عن عكرمة: "أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صُبَابة، فأعطاه النبي ﷺ الديةَ فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبيّ ﷺ ديتَه على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي ﷺ ، فاحتمل مقيسٌ الفِهريَّ وكان أيِّدًا فضرب به الأرض، ورَضخَ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى (٢٣): ثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا، وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ... سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابِ فَارِعِ فقال النبي ﷺ : أظنّه قد أحدث حدثًا! أما والله لئن كان فعل، لا أومِنه في حِلّ ولا حَرَم ولا سلم ولا حرب! فقتل يوم الفتح، قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾،

стр. 2988

الآية" (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، "أي: ومن يقدم على قتل مؤمن عالماً بإِيمانه متعمداً لقتله" (٢). قال سعيد بن جبير: " متعمدا لقتله" (٣). قال سعيد ابن المسيب: "العمد: الإبرة فما فوقها من السلاح" (٤). قال السمعاني: " فالقتل المتعمد عند أكثر العلماء: هو الذي يحصل بكل ما يقصد به القتل، وقال سعيد بن المسيب، وطاوس: القتل العمد لا يكون إلا بالحديد" (٥). قال الراغب: " العمد: فعل الشيء عن إرادة واختيار، ويضاده الخطأ، وصفة قتل العمد أن يقصده بحديدة أو حجر يقتل غالبا، أو توبع عليه بخنق أو بسوط فتوالى عليه حتى يموت" (٦). قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، أي: " فعاقبته جهنم" (٧). عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: " ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾، قال: «هو جزاءه إن جازاه» " (٨). عن أبي روق، قال: "وكان ابن عباس يقول: فجزاؤه جهنم إن جازاه، يعني: للمؤمن وليس للكافر، فإن شاء عفى عن المؤمن وإن شاء عاقب" (٩). قال ابن ابي حاتم: "وروي عن أبي صالح، ومحمد بن سيرين، وأبي مجلز، وعون بن عبد الله، وعمرو بن دينار نحو ذلك" (١٠). وقال الحسن في هذه الآية قوله: ﴿فجزاؤه جهنم﴾: " قد أوجب الله هذا عليك، فانظر من يضع هذا عنك ومن يعزك يا لكع" (١١). قال البغوي: أي: " بكفره وارتداده، وهو الذي استثناه النبي ﷺ يوم فتح مكة، عمن أمنه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة" (١٢). قوله تعالى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، أي: " مخلداً فيها على الدوام" (١٣). قال سعيد بن جبير: " فجعل له الخلود في النار بكفره، كما جعل لمن كفر بقسمة المواريث" (١٤). قال النسفي: " والخلود قد يراد به طول المقام وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ " (١٥). قوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]، " أي ويناله السخط الشديد من الله" (١٦). قال النسفي: " أي انتقم منه" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، أي: " وطَرْدِهِ من رحمته" (١٨). قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، أي: وأعدّ له العذاب الشديد في الآخرة" (١٩).

стр. 2989

قال مقاتل بن حيان: " يعني: عذابا وافرا" (١). قال الزجاج: " وهذا وعيد شديد في القتل حظر الله به الدماء" (٢). قال الواحدي: " غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمداً للمبالغة في الرَّدع والزَّجر" (٣). قال ابن كثير: " وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول، سبحانه، في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ (٦)﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى أن قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" (٤). وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال المؤمن مُعنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بَلَّح" (٥). وفي حديث آخر: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" (٦). وفي الحديث الآخر: "لو أجمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار" (٧). وفي الحديث الآخر: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (٨) " (٩). وقد اختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أم منسوخة، على قولين: أحدهما: أنها منسوخة، وهو قول جماعة من العلماء (١٠)، قالوا: بأنها حكمت بخلود القاتل في النار، وذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. وقال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. وحكى أبو جعفر النحاس: أن بعض العلماء قال: معنى نسختها آية الفرقان، أي: نزلت بنسختها (١١). وقال ابن الجوزي: " ذهب الأكثرون إلى أنها منسوخة بقوله ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " (١٢). والثاني: أنها محكمة. وهذا قول أبي هريرة (١٣)، وابن عمر (١٤)، وأبي سلمة (١٥)، وعبيد بن عمير (١٦)، والحسن (١٧)، والضحاك (١٨)، وقتادة (١٩)، واختاره أبو جعفر النحاس (٢٠)، واختلف هؤلاء في طريق أحكامها على قولين (٢١):

стр. 2990

القول الاول: أن قاتل المؤمن مخلد في النار، وأكدوا هذا بأنها خبر، والأخبار لا تنسخ. عن سعيد بن جبير قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾، هي آخر ما نزل وما نسخها شيء" (١). وعن سالم بن أبي الجَعْد، عن ابن عباس قال: " أن رجلا أتاه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا؟ فقال: ﴿جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ ، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ . قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة. وقد سمعت رسول الله ﷺ . يقول: "ثكلته أمه، رجل قتل رجلا متعمدا، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تَشْخَب أوداجه دما من قبل العرش يقول: يا رب، سل عبدك فيم قتلني؟ " (٢). والقول الثاني: أنها عامة دخلها التخصيص، بدليل أنه لو قتله كافر ثم أسلم الكافر سقطت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قد قتله مستحلا لأجل إيمانه فيستحق التخليد لاستحلاله. وقد ضعف هذا الوجه أبو جعفر النحاس فقال: ومن لفظ عام لا يخص إلا بتوقيف أو دليل قاطع (٣)، وقد ذهب قوم إلى أنها مخصوصة في حق من لم يتب، بدليل قوله تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ (٤) (٥). قال ابن الجوزي: " والصحيح أن الآيتين محكمتان، فإن كانت التي في النساء أنزلت أولا فإنها محكمة نزلت على حكم الوعيد غير مستوفاة الحكم، ثم بين حكمها في الآية التي في الفرقان، وكثير من المفسرين منهم ابن عباس وأبوا مجلز وأبو صالح. يقولون: فجزاؤه جهنم إن جازاه. وقد روى لنا مرفوعا إلا أنه لا يثبت رفعه، والمعنى: يستحق الخلود غير أنه لا يقطع له به، وفي هذا الوجه بعد لقوله: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾. فأخبر بوقوع عذابه كذلك، وقال أبو عبيد: وإن كانت التي في الفرقان الأولى فقد استغنى بما فيها عن إعادته في سورة النساء فلا وجه للنسخ بحال" (٦). يقول الشوكاني- بعد أن أورد الآثار الواردة عن سعيد بن جبير وزيد بن ثابت بعدم النسخ-: "ومن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، و ١١٦]. قالوا أيضا: والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل الموجب والتوعد بالعقاب" (٧). ثم سرد الشوكاني أدلة الجمهور. قال ابن كثير: " والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.

стр. 2991

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك: كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء. وثبت في الصحيحين (١) خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ! ثم أرشده إلى بلد يَعْبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. كما ذكرناه غير مرة، إن كان هذا في بني إسرائيل فَلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: «هذا جزاؤه إن جازاه» (٢) " (٣). قال ابن كثير: "اي: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك مُعَارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان" (٤). عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن برة " (٥). وأما حديث معاوية: " كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا" (٦).

стр. 2992

قال ابن كثير: " «عسى» للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفى وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل؛ لما ذكرنا من الأدلة. وأما من مات كافرا؛ فالنص أنه لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغضوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقديكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بمايشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم" (١). قال البغوي: " والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا [طه: ٨٢] وقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، وما روي عن ابن عباس ﵄ فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له لا توبة لك، وإن قتل ثم جاء يقال لك توبة، ويروى مثله ابن عباس ﵄، وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار، وقيل: قوله تعالى: فجزاؤه جهنم خالدا فيها معناه هي جزاؤه إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه بذنبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه وعد أن يغفر لمن يشاء، حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فقال أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما وإنما تعد إخلاف الوعد خلفا وذما وأنشد (٢): وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار: ما رويناه أن النبي ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (٣) " (٤). الفوائد:

стр. 2993

١ - إثبات الفعل للعبد ومؤاخذته بفعله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾. ٢ - أن الفعل وأثره ينسبان إلى الله خلقاً وإياجاداً، وينسبان إلى العبد فعلاً وكسباً. هذه المسألة تتعلق بما يسمى المتولدات وهي آثار الأفعال، كإبانة الغصن بالضرب فالضرب هو الفعل والإبانة هي أثر الضرب، وقد اختلف المتكلمون في محدثها: فقال الأشاعرة ومن وافقهم: إن الإنسان لا يكون فاعلاً في غير محل قدرته فلهذا قالوا: إن الأمور التي تقع بأثر الفعل هي من خلق الله وإرادته وليس للعبد فيها فعل وهو قول المصنف هنا. أما المعتزلة فلهم في ذلك أقوال: فقال النظام ومعمر: إنها تحصل بالطبع في المحل أي المحل الواقع عليه الفعل، وقال الجاحظ: إنها تحصل بالطبع في أفعال الجوارح، وقال ثمامة بن أشرس منهم: إنها حوادث لا محدث لها، وقال عبد الجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة: إنها من فعل العبد بواسطة. والناظر في هذه الأقوال يتبين له خطأ بعضها وقصور بعضها عن الحق، فإن المعتزلة وإن أجاز بعضهم نسبتها إلى العبد فإنهم ينفون خلق الله عزوجل للفعل وأثره. أما الأشعرية فإنّهم يمنعون أن ينسب الأثر الواقع بفعل الإنسان إليه، والصحيح أن الفعل وأثره ينسبان إلى الله خلقاً وإياجاداً، وينسبان إلى العبد فعلاً وكسباً فقد اشترك في وقوعه الإنسان والسبب المتصل به ولم يستقل كل واحد منهما بالفعل، وقد نسبه الله عزوجل إلى الإنسان فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ وقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ وقال: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ﴾ والقتل لا يكون إلا بواسطة في الغالب إلا أن يكون خنقاً ونحوه وكذلك القطع والنحت، وقد نسبه الله عزوجل إلى الإنسان باعتبار أنه من فعله وكسبه لهذا فإن الإنسان يجازى على فعله وعلى أثر فعله، قال عزوجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. وقال ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعى إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" (١). والله عزوجل خالق فعل العبد وخالق السبب والمسبب، ولو شاء لجعل من الموانع ما يمنع من أثر الفعل مع وجود سببه، كما هو الحال في النار التي ألقي فيها إبراهيم ﵇، وفي الذي مر على قرية خاوية فأماته الله مائة عام فقد حفظه الله من أن تأكله الأرض ونحو ذلك. أما قول المصنف: إنه لو كان العبد هو الفاعل لإبانة الغصن والموت في المقتول لاستطاع إعادة الغصن وبث الحياة في المقتول. فالواقع أن العلة في ذلك أن الغصن وكذلك الإنسان المقتول هو من صنع الله عزوجل وخلقه، وليس هو من صنع الإنسان ولا فعله لهذا إذا أفسده فإنه يمكنه أن يرجعه ويصلحه وهو مع ذلك من خلق الله تعالى (٢). ٣ - مذهب أهل السنة والجماعة: أن القتل العمد من أعظم كبائر الذنوب عند الله، ولكن القاتل لا يخلد في نار جهنم، بل هو إن مات ولم يتب من ذلك تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه في النار، ثم يخرجه منها إلى الجنة؛ لأنه تعالى - فضلاً منه - لا يخلد في النار أحداً من الموحدين. وقد ذكر الشوكاني في فتح القدير: " أن مذهب جمهور العلماء هو القول بقبول توبة القاتل" (٣). ٤ - إثبات صفة الغضب لله تعالى، قال الطحاوي: " "والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا، والعداوة والولاية، والحب والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى" (٤). قال ابن القيم: "والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به يترتب عليها العذاب واللعنة، لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة، بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته، وجعل كل واحد غير الآخر، وكان من دعاء النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك, أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» (٥). فتأمل ذكر

стр. 2994

استعاذته ﷺ بصفة "الرضا" من صفة "الغضب" وبفعل "المعافاة" من فعل "العقوبة" فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره ... " (١). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون، ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم; لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه، طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به، كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة، فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم. إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها. في سبب نزول الآية أقوال: أجمعت الروايات بأن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله ﷺ بعد ما قال: "إنيّ مسلم " أو بعد ما شهد شهادة الحق أو بعد ما سلَّم عليهم، لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه. وقد تعددت الروايات في سرد تفاصيل القصة وبيان القاتل والمقتول على أقوال: أحدها: أن القاتل كان أناسا من المسلمين، والمقتول كان رجلا في غنيمة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٢). عن عطاء عن ابن عباس، قال: " لقى ناس من المسلمين رجلا فى غنيمة له فقال السلام عليكم. فأخذوه فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ " (٣). والثاني: ان القاتل كان من اصحاب النبي- ﷺ ، والمقتول كان رجلا من بني سليم. وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة (٤). روي عن عكرمة عن ابن عباس، قال: "مر رجل من بنى سليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه غنم له فسلم عليهم، قالوا ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ " (٥).

стр. 2995

والثالث: أن القاتل كان من أصحاب رسول الله- ﷺ ، والمقتول كان رجلا من غطفان اسمه مرداس. وهذا قول قتادة (١)، وجابر (٢)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٣). قال قتادة: " وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس: " إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا" (٤). والرابع: أن القاتل كان رجلا من المسلمين والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول الحسن (٥)، وقتادة في رواية معمر (٦). عن مبارك عن الحسن، قال: "أن أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ ذهبوا يتطرقون فلقوا أناسا من العدو، فحملوا عليهم، فهزموهم، فشد منهم رجل فتبعه رجل يريد متاعه، فلما غثيه بالسنان قال: إني مسلم إني مسلم، فأوجزه بالسنان فقتله، وأخذ متبعيه، قال: فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للقاتل: أقتلته بعد ما قال إني مسلم؟ قال: يا رسول الله: قالها متعوذا. قال: شققت قلبه؟ قال: لم يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادقا هو أو كاذبا. قال: وكنت عالما ذلك يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : إنما كان يعبر عنه لسانه، إنما كان يعبر عنه لسانه. قال: فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله ﷺ كم دفناه مرتين أو ثلاثة كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾، أهل الإسلام إلى آخر الآية. قال الحسن: أما والله ما ذاك إلا بكون الأرض تجن من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم ألا يعودوا" (٧). والخامس: أن القاتل كان محلم بن جثامة بن قيس، والمقتول كان عامر الأشجعى. وهذا قول عبدالله بن ابي حدرد (٨)، وابن عمر (٩). عن القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد , عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد قال: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم فخرجت فى نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعى ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر الأشجعى على قعود له متيع ومعه وطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشىء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ " (١٠).

стр. 2996

والسادس: أن القاتل كان المقداد بن الأسود، والمقتول كان رجلا من المشركين. عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم؛ وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فأهوى إليه المقداد، فقتله؛ فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله؟ ! لأذكرنَّ ذلك للنبي ﷺ ، فلما قدموا على النبي ﷺ ؛ قالوا: يا رسول الله! إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: "ادع لي المقداد، يا مقداد! أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ "؛ فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فقال رسول الله ﷺ للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل» " (١). والسابع: أن القاتل كان أسامة بن زيد، والمقتول كان مرداس بن نهيك. وهذا قول السدي. قال السدي: " بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي ﷺ إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها! . فقال له رسول الله ﷺ : هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! فأنزل الله خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، فلما بلغ: ﴿فمنَّ الله عليكم﴾، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه" (٢). وفي السياق نفسه: روي عن أبي ظبيان، قال: "سمعت أسامة بن زيد يحدث، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، من جهينة، قال: فصبحناهم، فقاتلناهم، فكان منهم رجل، إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال: فغشيته، أنا ورجل من الأنصار، قال: فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وقتلته، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: يا

стр. 2997

أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا من القتل، فكررها علي، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ" (١). وذكر مقاتل نحو هذه القصة فقال: " وذلك أن النبي- ﷺ بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله. فلما أصبحوا رأوا رجلا يسمى مرداس بن عمرو بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أهل فدك معه غنيمة له، فلما رأى الخيل ساق غنيمته حتى أحرزها في الجبل- وكان قد أسلم من الليل وأخبر أهله بذلك- فلما دنوا منه كبروا فسمع التكبير فعرفهم فنزل إليهم. فقال: سلام عليكم، إنى مؤمن. فحمل عليه أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من بنى عبدود، فقال مرداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فطعنه أسامة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه. فلما قدم المدينة أخبر أسامة النبي- ﷺ . فلامه النبي ملامة شديدة. فقال النبي- ﷺ قتلته وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه؟ فقال النبي- ﷺ : أفلا شققت عن قلبه فتنظر صدق أم لا؟ قال يا رسول الله: كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده فقال: فلا صدقته بلسانه ولا أنت شققت عن قلبه فيبين لك. فقال: استغفر لي يا رسول الله. قال: فكيف لك بلا إله إلا الله يقول ذلك ثلاث مرات. فاستغفر له النبي- ﷺ الرابعة. قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ فأمره النبي- صلى الله عليه سلم- أن يعتق رقبة. قال مقاتل- ﵀: فعاش أسامة زمن أبي بكر وعمر وعثمان- ﵃ حتى أدرك علي بن أبي طالب- ﵁ فدعاه علي- ﵀ إلى القتال. فقال أسامة: ما أحد أعز علي منك، ولكن لا أقاتل مسلما بعد قول النبي- ﷺ : كيف لك بلا إله إلا الله؟ فإن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قال السيف: هذا مسلم. وإن ضربت به كافرا، قال لي: هذا كافر، قاتلت معك. فقال له علي: اذهب حيث شئت. فانزل الله- : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ " (٢). أي: في قتل أسامة مرداس. والثامن: أن القاتل كان أبو الدرداء، والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول ابن زيد. عن ابن وهب، قال ابن زيد: " نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء، فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾، ثم قال في الخبر: ونزل الفرقان: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا، ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾، خير من تلك الغنم، إلى قوله: ﴿إن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله" (٤). قال ابن عباس: " ما في القرآن آية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه" (٥). وقال الأعمش عن خيثمة: " ما تقرأون من القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإن في التوراة "يا أيها المساكين" (٦).

стр. 2998

وروي أن "رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١). قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٤]، "أي: إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله " (٢). قال مقاتل: " يعني: سرتم غزاة في سبيل الله" (٣). قال ابو السعود: " أي سافرتم في الغزو" (٤). قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون" (٥). قال الزمخشري: " أى: اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه من غير روية" (٦). قال ابو السعود: " ى فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروية" (٧). وقرئ: «فتثبتوا»، وهما من التفعل بمعنى الاستفعال (٨). قال السعدي: " يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟ فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لما لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنا أنه يستكفي بذلك قتلهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، "أي: ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإِسلام لست مؤمناً" (١٠). قال مقاتل: " يعني: مرداس وذلك أنه قال لهم: السلام عليكم إني مؤمن" (١١). قال ابن عباس: " حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمنا، كما حرم عليهم الميتة فهو آمن على ماله ودمه، فلا تردوا عليه قوله" (١٢). قال الزمخشري: " السلم، والسلام، هما الاستسلام. وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام لست" (١٣). وقرئ: «السلم» (١٤). وقرئ: «مؤمنا»، بفتح الميم من آمنه، أى لا نؤمنك (١٥). قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا" (١٦). قال ابن عباس: "تلك الغنيمة" (١٧). وروي عن سعيد بن جبير (١٨)، ومسروق (١٩) نحو ذلك.

стр. 2999

وفي رواية أخرى عن ابن عباس ايضا: " تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجد معه، وذلك عرض الدنيا" (١). قال مقاتل: " يعني: غنم مرداس" (٢). قال الزمخشري: أي: " تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه" (٣). قوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به" (٤). قال ابن عباس: " فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله" (٥). قال سعيد بن جبير: " فعند الله مغانم كثيرة هي أحل لكم من هذا" (٦). قال مقاتل: "في الآخرة والجنة" (٧). قال ابن كثير: " أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية ... ، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا" (٨). قال الزمخشري: أي: "يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله" (٩). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين" (١٠). قال مقاتل: " يعني: هكذا كنتم من قبل الهجرة بمنزلة مرداس تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب النبي- ﷺ إذا لقوكم، فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بمثله قبل هجرتكم " (١١). قال ابن كثير: " أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه" (١٢). قال الزمخشري: أي: " أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم" (١٣). قال السعدي: " أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان - على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه" (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]، ثلاثة اقوال: احدهما: معناه: كذلك كنتم من قبل تكتمون الإيمان، خوفا على انفسكم. قال سعيد بن جبير: " تكتمون، قال: يخفون إيمانكم في المشركين" (١٥). وفي رواية اخرى عنه ايضا: " تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه" (١٦).

стр. 3000

والثاني: معناه: كذلك كنتم من قبل ضلالا. قال مسروق: " لم تكونوا مؤمنين" (١). قال ابن زيد: "كفارًا مثله" (٢). والثالث: ويحتمل أن يكون المعنى إشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جاهليتكم لا تتثبتون، حتى جاء الله بالإسلام ومن عليكم. أفاده ابن عطية (٣). والراجح-والله أعلم- هو القول الاول، أي: " كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة" (٥). قال السمعاني: " أي: تفضل الله عليكم" (٦). قال الزمخشري: أي: " بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلما إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، ثلاثة وجوه: أحدها: أم المعنى: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك. قال سعيد بن جبير: " فأظهر الإسلام" (٨)، وفي روياة اخرى: " فهداكم" (٩). والثاني: معناه: فمن الله عليكم أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلام طلبَ عرض الحياة الدنيا بالتوبة من قتلكم إياه. قال السدي: " تاب عليكم. فحلف أسامة لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه" (١٠). والثالث: معناه: فمن الله عليكم بالهجرة فهاجرتم. قاله مقاتل بن سليمان (١١). والراجح –والله أعلم-هو قول سعيد بن جبير، والمعنى: إذ"رفع الله ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك" (١٢). قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم" (١٣). قال مقاتل: " إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما" (١٤). قال سعيد بن جبير: " وعيد من الله مرتين" (١٥). قال ابن كثير: "تأكيد لما تقدّم" (١٦). قال الزمخشري: " تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم" (١٧).

стр. 3001

قال ابن عطية: " ثم أكد ﵎ الوصية بالتبين" (١). قال القرطبي: " معنى قوله: ﴿فتبينوا﴾ أي الأمر المشكل، أو تثبتوا ولا تعجلوا، المعنيان سواء، فإن قتله أحد فقد أتى منهياً عنه " (٢). وقد حذّر الرسول ﷺ من التكفير أشد التحذير فقال: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (٣). ويروي أبو ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك" (٤). قال ابن عبد البر: " فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر" (٥). ويقول ابن دقيق العيد: "وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم " (٦). وفي بيان معنى الحديث قال الحافظ ابن حجر: " والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ... وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره ... فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثله ... وقال القرطبي: .. والحاصل أن المقول له إن كان كافراً كفراً شرعياً، فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرَّة ذلك القول وإثمه" (٧). وفي حديث آخر يشبه النبي ﷺ تكفير المسلم بأعظم ذنب بعد الشرك بالله، وهو تعمد قتل المؤمن، فيقول: "ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله" (٨). ورمي المسلمين بالكفر باب لشرور عظيمة، لعل أهونها أنه من التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه، قال تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ [الحجرات: ١١]. قال ابن عبد البر: "هو قول الرجل لأخيه: يا كافر يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث [الحديث السابق]، فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره إلا ببيان لا إشكال فيه" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: " إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها" (١٠). قال البيضاوي: أي: " عالما به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه" (١١). قال الطبري: " يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته" (١٢). قال الزمخشري: " فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك" (١٣). قال ابن عطية: " أعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر يتضمن تحذيرا منه تعالى، لأن المعنى إن الله كان بما تعملون خبيرا، فاحفظوا نفوسكم، وجنبوا الزلل الموبق بكم" (١٤).

стр. 3002

قال السعدي: " فيجازي كلا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم" (١). قال مقاتل: " فقال أسامة والله لا أقتل رجلا بعد هذا يقول لا إله إلا الله" (٢). قال البغوي: " إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام فعليهم أن يكفوا عنهم، فإن النبي ﷺ كان إذا غزا قوما فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم" (٣). وقد روي عاصم أن النبي ﷺ كان إذا بعث سرية قال: "إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا" (٤). الفوائد: ١ - الحكم بالظاهر، هذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي ﵀ مبيناً أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: "إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصاً، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموماً، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه ... ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ... فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية " (٥). قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (٦). ٢ - وجوب التبين والتثبت، وعدم التسرع في إصدار الحكم على الناس. ٣ - التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به (٧). قال شيخ الإسلام: "ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله" (٨). ٤ - في الآية إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها. القرآن ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥] التفسير:

стр. 3003

لا يتساوى المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله -غير أصحاب الأعذار منهم- والمجاهدون في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين، ورفع منزلتهم درجة عالية في الجنة، وقد وعد الله كلا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين من أهل الأعذار الجنة لِما بذلوا وضحَّوا في سبيل الحق، وفضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين ثوابًا جزيلا. سبب النزول: أسبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾. نقل أبو حيان عن سليمان الدمشقي: أنها"نزلت من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود والتخلف عن رسول الله ﷺ " (١). ب وفي سبب نزول قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، أقوال: احدها: أنها نزلت في ابن ام مكتوم، وهذا قول البراء بن عازب (٢)، وزيد بن ثابت (٣)، ابن عباس في إحدى الروايات (٤)، وزيد بن أرقم (٥)، عبدالله بن شداد (٦)، وأنس بن مالك (٧)، وقتادة (٨)، عبدالرحمن بن ابي ليلى (٩)، والسدي (١٠). عن البراء بن عازب ﵄؛ قال: "لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ دعا رسول الله ﷺ زيداً؛ فجاءه بكتف، فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته؛ فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ " (١١). وعن مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت أخبره: " أن رسول الله ﷺ أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله، ﵎، على رسوله ﷺ ، وفخذه على فخذي، فثقلت علي، حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله، : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ " (١٢). وعن زيد بن أرقم؛ قال: "لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ جْرًا عَظِيمًا﴾؛ جاء ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله! أما لي رخصة؟ قال: "لا"، قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير؛ فرخص لي؛ فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ فأمر رسول الله ﷺ – بكتابتها" (١٣).

стр. 3004

والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم، وعذا قول ابن عباس (١)، ومقاتل (٢). عن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: " ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر لما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله؛ فهل لنا رخصة؟ ! فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر" (٣). والثالث: انها نزلت في رجل أعمى. وهذا قول عاصم (٤)، وسعيد بن جبير (٥). عن الفَلَتان بن عاصم؛ قال: "كنا عند النبي ﷺ ، فأُنزل عليه، -وكان إذا أنزل عليه؛ رام بصره، مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله-، قال: فكنا نعرف ذلك منه، فقال للكاتب: «اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾»، قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول الله! ما ذنبنا؟ فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي ﷺ ، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء من أمره؛ فبقي قائماً يقول: أعوذ بالله من غضب رسول الله، قال: فقال النبي ﷺ : «اكتب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾» " (٦). والرابع: أنها نزلت في قوم مرضى. وهذا قول ابن عباس ايضا (٧). عن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: "هم قوم كانوا على عهد رسول الله ﷺ لا يغزون معه؛ لأسقام وأمراض وأوجاع، وآخرون أصحاء لا يغزون معه، وكان المرضى في عذر من الأصحاء" (٨). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥]، " أي: لا يتساوى من قعد عن الجهاد من المؤمنين مع من جاهد بماله ونفسه في سبيل الله غير أهل الأعذار" (٩). قال الزجاج: " المعنى: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر، والضرر أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا أو مريضا" (١٠). قال مقاتل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ " يعني: عبد الله بن جحش الأسدي، وابن أم مكتوم من أهل العذر" (١١).

стр. 3005

قال الواحدي: " أي: الأصحَّاء الذين لا علَّة بهم تضرُّهم وتقطعهم عن الجهاد لا يستوي هؤلاء [والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم] " (١). قال البيضاوي: " أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته" (٢). قال ابن كثير: " فقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقا، فلما نزل بوحي سريع: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ صار ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد - من الْعَمَى والعَرَج والمرض - عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم" (٣). والضرر: "المرض، أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها." (٤). قال الراغب: " والضرر: اسم عام لكل ما يضر بالإنسان في بدنه ونفسه، وعلى سبيل الكفاية عبر عن الأعمى بالضرير. فإن قيل: كيف يصح حمله على الأمراض النفسية، وقد قال في ذم الكفار: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]؟ قيل: إن الذي عذرهم الله تعالى فيه هو ما لم يكن الإنسان نفسه سببه، وما ذموا به فهو المرض، أي الجهل الذي يكون هو سبب استجلابه من ترك إصغائه إلى الحق، وإهمال نفسه من العادات الجميلة" (٥). قال الزمخشري: "فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفى الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترقع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم" (٦). عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ قال: " «إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مَسِير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه»، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: «نعم حبسهم العذر» " (٧). وقرئت: «غير أولي الضرر»، برفع"الراء"، وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة، وقرأ نافع والكسائي وابن عامر «غير»، بالنصب (٨). قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]، "أي فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل الأعذار درجة" (٩). قال الطبري: أي: " فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، على القاعدين من أولي الضرر، فضيلة واحدة وذلك بفضل جهاده بنفسه، فأما فيما سوى ذلك، فهما مستويان" (١٠). قال الواحدي: " لأنَّ المجاهدين باشروا الطَّاعة والقاعدين من أهل العذر قصدوها وإن كانوا في الهمَّة والنيَّة على قصد الجهاد فمباشرة الطَّاعة فوق قصدها بالنِّيّة" (١١). قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، " أي: وكلاً من المجاهدين والقاعدين بسبب ضررٍ لحقهم وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة" (١٢). قال الواحدي: أي: " من المجاهدين والقاعدين المعذورين" (١٣). قال قتادة: " وهي الجنة، والله يؤتي كل ذي فضل فضلَه" (١٤).

стр. 3006

قال السدي: " ﴿الحسنى﴾، الجنة" (١). قال الزجاج: " أي: وعد الجنة" (٢). قال ابن كثير: " أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية" (٣). قال الزمخشري: أي: " وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾، أى: المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة" (٤). قال المراغي: " أي ووعد الله كلا ممن جاهد وقعد عن الجهاد عجزا منه مع تمنى القدرة عليه المثوبة الحسنى وهى الجنة، فكل منهما كامل الإيمان مخلص لله فى العمل" (٥). قال الإمام الشافعي: " فوعد المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الإيمان" (٦). قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، "أي: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم" (٧). قال ابن جريج: " على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر" (٨). قال السمعاني: " أراد بالقاعدين هنا: غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين عليهم أجرا عظيما" (٩). قال الطبري: أي: " وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر، أجرًا عظيمًا" (١٠). الفوائد: ١ - مدح الله تعالى للمجاهدين، وبيان فضل الجهاد والإنفاق فيه. ٢ - بيان فضل الصحابة-رضوان الله عليهم- فالصحابة خير هذه الأمة بلا شك ولكنهم على مراتب بعضهم أفضل من بعض. ٣ - في الآية بيان لفضل السابقين إلى الإسلام، والمجاهدين في سبيل الله على غيرهم، وعلى هذا الأساس السابق فضل أهل السنة والجماعة أهل بدر على غيرهم من الصحابة، وقد خصهم النبي ﷺ في حديثه بأفضلية لم يشاركهم فيها غيرهم لما قال: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم" (١١). وكذلك جاء في السنة تفضيل العشرة على هؤلاء للنص عليهم بأعيانهم بأنهم في الجنة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة بن خويلد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد (١٢). أما الخلفاء الأربعة فهم في المقدمة؛ لأن رسول الله ﷺ أمرنا باتباع سنتهم دون غيرهم كما جاء في حديث العرباض بن سارية ﵁: " ... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .. " (١٣).

стр. 3007

وهم على هذا الترتيب في أرجح الأقوال، قال ابن عمر: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان بن عفان ﵃" (١). وقال ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: "وفي هذا الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر، كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة" ثم حكى الخلاف في ذلك وختمه بقوله: "وحديث الباب حجة للجمهور" (٢). وقال الإمام أحمد: "وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس" (٣). وقال ابن الصلاح: "أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر، ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي ... ، وتقديم عثمان هو الذي استقر عليه مذاهب أصحاب الحديث وأهل السنة، وأما أفضل أصنافهم صنفاً، فقد قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان. قال ابن الصلاح: وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب .. " (٤). وقال ابن حجر: "تقرر عند أهل السنة قاطبة تقديم علي بعد عثمان وتقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، وتقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك" (٥). قال الاشعري: " وأجمعوا على أن خير القرون قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم على ما قال ﷺ : «خيركم قرني» (٦)، وعلى أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشر، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضوان الله عليهم" (٧). ٤ - احتج بهذه الآية المظهرة لفضل المال من قال: إن الغنى أفضل من الفقر وإن متعلقه بها لبين (٨). ٥ - وتأمل حسن هذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها فإنه نفى التسوية أولا بين المجاهد وغيره ثم صرَّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة والدرجات، وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح أو النزول من حالة إلى ما دونها عند القدح والذم - أحسن لفظا وأوقع في النفس. القرآن ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٦] التفسير: هذا الثواب الجزيل منازل عالية في الجنات من الله تعالى لخاصة عباده المجاهدين في سبيله، ومغفرة لذنوبهم ورحمة واسعة ينعمون فيها. وكان الله غفورًا لمن تاب إليه وأناب، رحيمًا بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله. قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٦]، أي: " هذا الثواب الجزيل منازل عالية في الجنات من الله تعالى لخاصة عباده المجاهدين في سبيله، ومغفرة لذنوبهم، ورحمة واسعة ينعمون فيها" (٩).

стр. 3008

قال الطبري: أي: " فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة، وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها، ورأفة بهم " (١). قال الواحدي: " أَيْ: منازلَ بعضُها فوقَ بعضٍ من منازل الكرامة" (٢). قال سعيد بن جبير: "يعني: فضائل ورحمة" (٣). وقال أيضا: " درجة: يعني: فضيلة" (٤). وختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٦]، على أقوال: أحدها: أن: "الإسلام درجة، والهجرة درجة، والقتل في سبيل الله درجة". وهذا قول قتادة (٥). والثاني: أنه عنى بذلك درجات الجنة. وهذا قول ابن محيريز (٦). قال ابن محيريز: " الدرجات: سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين سنة " (٧). والثالث: قال ابن زيد: " «الدرجات»: هي السبع التي ذكرها في سورة براءة: ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. قال: هذه السبع الدرجات. قال: وكان أول شيء، فكانت درجة الجهاد مُجْملة، فكان الذي جاهد بماله له اسمٌ في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفصيل أخرج منها، فلم يكن له منها إلا النفقة، فقرأ: ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ﴾، وقال: ليس هذا لصاحب النفقة. ثم قرأ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾، قال: وهذه نفقة القاعد" (٨). واالصواب -والله أعلم- " أن يكون معنيًّا به: درجات الجنة، كما قال ابن محيريز، لأن قوله تعالى ذكره: ﴿درجات منه﴾: ترجمة وبيان عن قوله: ﴿أجرًا عظيمًا﴾، ومعلوم أن «الأجر»، إنما هو الثواب والجزاء" (٩). قال ابن عطية: " ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس" (١٠). واختلف في موضع نصب قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ [النساء: ٩٦]، على قولين (١١): أحدهما، أن قوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾، في موضع نصب بدلا من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النسساء: ٩٥]، وهو مفسر للآخر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات ومغفرة ورحمة. والثاني: أن يكون ﴿دَرَجَاتٍ﴾ منصوباً على إضمار فعل على أن تون توكيدا لـ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النسساء: ٩٥]، كما تقول: لك علي ألف درهم عرفا، كأنك قلت أعرفها عرفا، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من اللَّه جلَّ وعزَّ والمغفرة والرحمة، وكأنه قيل: غفر اللَّه لهُمْ مغفرة، وأجَرهم أجراً عظيماً، لأن قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فيه معنى «غَفَر ورَحِمَ وفَضَّل». عن أبي سعيد الخدري قال: "قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» " (١٢). وعن عبد الله بن مسعود قال: "قال رسول الله ﷺ : «من بلغ بسهم فله أجره درجة»، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: «أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام» " (١٣).

стр. 3009

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، أي: " وكان الله غفورًا لمن تاب إليه وأناب، رحيمًا بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله" (١). قال سعيد بن جبير: " بفضل سبعين درجة" (٢). قال الواحدي: " يريد: للفريقين جميعا، للمجاهدين والقاعدين" (٣). قال الطبري: أي: " ولم يزل الله ﴿غفورًا﴾ لذنوب عباده المؤمنين، يصفح لهم عن العقوبة عليها ﴿رحيما﴾ بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه، وركوبهم معاصيه" (٤). عن ابن عباس في قوله: " ﴿وَكَانَ﴾، قال: وكذلك كان لم يزل" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة أن أهل الجنة طوائف متفاوتة، ولهم دَرَجٌ كثيرةٌ، قال تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً﴾، وكما قال تعالى: ﴿هم درجاتٌ عند الله﴾ [آل عمران: ١٦٣]. ٢ - والآية تدل على تفاضل المؤمنين بزيادة الأعمال. ٣ - إثبات اسمين من اسماء الله تعالى، وهما: «الغفور»، «الرحيم»، فالـ «غفور»: صيغة مبالغة، يدل على كثرة الغفر لذنوب عباده التائبين- وقد ورد في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة، واسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب آية ٤٣]، وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] (٦). القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧] التفسير: إن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة، تقول لهم الملائكة توبيخًا لهم: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا، فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟ فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: روي عكرمة عن ابن عباس: "أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، يأتى السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، الآية" (٧). وفي رواية أخرى عن عكرمة عن ابن عباس أيضا، قال: "كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا! فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾، الآية، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون

стр. 3010

فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [سورة العنكبوت: ١٠]، إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة النحل: ١١٠]، فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقُتِل من قتل" (١). والثاني: عن ابن جريج عن عكرمة: " قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنبّه بن الحجاج وعلي بن أمية بن خلف، قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعِيرِ قريش من رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنْ يطلبوا ما نِيل منهم يوم نَخْلة، خرجوا معهم شباب كارهين كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم" (٢). وروي عن ابن إسحاق نحو ذلك (٣). والثالث: عن ابن جريج، قال مجاهد: "نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء من كفار قريش" (٤). والرابع: وقال الضحاك: " هم أناس من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ ، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يومئذ فيمن أصيب، فأنزل الله فيهم هذه الآية" (٥). والرابع: وقال قتادة: " حُدِّثنا أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلّموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدوِّ الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبلَ منهم" (٦). الظاهر-والله أعلم- أن الروايات جميعها متقاربة، وأن " المراد بهذه الآية إلى قوله: ﴿مصيرا﴾، جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي ﷺ الإيمان به، فلما هاجر رسول الله ﷺ أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم" (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، أي: " إن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة" (٨). قال الزجاج: " المعنى: تتوفاهم في حال ظلمهم أنْفُسَهُم، يُعنَى به: المشركون الذين تخلفوا عن الهجرة إِلى النبي ﷺ –" (٩). قال الزمخشري: " هم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة" (١٠). قوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧]، " أي: تقول لهم الملائكة في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم؟ " (١١). قال مقاتل: " يقول: في أي شيء كنتم" (١٢). قال الزجاج: " أي: قال الملائكة للمشركين: فيم كنتم؟ أي: أكنتم في المشركين أم في أصحاب محمد ﷺ ؟ وهذا سؤَال توبيخ" (١٣).

стр. 3011

قال البغوي: " أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك" (١). قال السعدي: " أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.، [و] هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم" (٢). قوله تعالى: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧]، أي: " فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا" (٣). قال الزجاج: " فأَعلم اللَّه أَنهم كانوا مستضعفين عن الهجرة" (٤). قال مجاهد: " قالوا كنا مستضعفين بمكة" (٥). قال مقاتل: " يعني: كنا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان" (٦). قال السعدي: " أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة" (٧) قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف صح وقوع قوله كنا مستضعفين في الأرض جوابا عن قولهم ﴿فيم كنتم﴾؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟ قلت: معنى ﴿فيم كنتم﴾، للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" (٨). قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، أي: " فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟ " (٩). قال سعيد بن جبير: " قالوا: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرجوا" (١٠). قال مقاتل: " يعني أرض الله المدينة ﴿فتهاجروا فيها﴾؟ يعني إليها" (١١). قال الزمخشري: " أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله ﷺ كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة- حقت عليه المهاجرة" (١٢). وعن الحسن عن النبي ﷺ – قال: " من فر بدينه من أرض -وإن كان شبرا من الأرض- استوجب به الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ " (١٣). قال السدي: " لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله ﷺ للعباس: افد نفسك وابني أخيك. قال: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم، ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾ " (١٤).

стр. 3012

قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، أي: " فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب" (١). قال مقاتل: " يعني وبئس المصير صاروا" (٢). قال الثعلبي: " فأكذبهم الله وإنما أنهم كانوا مستطيعين الهجرة" (٣). قال البغوي: " فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: ﴿فأولئك مأواهم﴾ منزلهم ﴿جهنم وساءت مصيرا﴾ أي: بئس المصير إلى جهنم" (٤). قال السدي: " فيوم نزلت هذه الآية، كان كل من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر" (٥). قال ابن عطية: " وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم من مات مؤمنا وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على تكفيرهم بالمعاصي" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الهجرة" فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد البدعة التي يدعوا أهلها إليها إلى بلد السنة وأنها باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها" (٧). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. وقال الرسول- ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" (٨). ٢ - ومن الفوائد: النهي عن المقام بين أظهر المشركين، لقوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، قال الجصاص: " وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام" (٩). ٣ - ومنها: أن من أقام في دار الجهالة ذليلاً مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك -وفي قول كثير من العلماء- فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... ﴾ الآية، فيوعد تارك الهجرة من البلد الذي يكون مستضعفًا فيه، إذا كان قادرًا عليها مثل هذا الوعيد، فثبت أنها فريضة لازمة أيضًا. فإن الهجرة من مكة كانت واجبة قبل الفتح لما كان المسلم يخشاه بها من الفتنة على الفتنة، وأنه كان يعجز من إظهار دينه ولا يتمكن كما ينبغي من عبادة ربه، فأي مسلم حرص له أو مثله في بلد فهو في معنى المسلمين كانوا يومئذ (١٠). أن لهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه، وهي أقسام: القسم الأول: هجر المحرمات التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله ﷺ على جميع المكلفين وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه، وقد أخبر ﷺ فيما صح عنه: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١١)، وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية. القسم الثاني: الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات. والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم

стр. 3013

وبطلان ما هم عليه؛ لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحا بالمال والوطن، قال أهل العلم: أن هذا عاص ومرتكب محرما، وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (١). القرآن ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨] التفسير: ويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم، ولا يعرفون طريقًا يخلصهم مما هم فيه من المعاناة. في سبب نزول الآية والتي وجهان: أحدهما: قال قتادة: " قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، أناسٌ من أهل مكة عذَرهم الله فاستثناهم، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢) " (٣). عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال: "كنت أنا وأمي ممن عَذَر الله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ " (٤). والثاني: روي عن مجاهد في قوله: " ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: مؤمنون مستضعفون بمكة، فقال فيهم أصحاب محمد ﷺ : هم بمنزلة هؤلاء الذين قتلوا ببدر ضعفاء مع كفار قريش. فأنزل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، الآية" (٥). قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨]، أي: " ويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم" (٦). قال الثعلبي: " يعني: المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة لم يستطيعوا الهجرة ومنعوا من اللحوق بالنبي ﷺ ويتجهزون للحوق به من الرجال والنساء والولدان و ﴿المستضعفين﴾، نصب على الاستثناء من ﴿مأواهم﴾ " (٧). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨]، أي: " الذين لا يستطيعون الخلاص" (٨). قال مقاتل: " يقول ليس لهم سعة للخروج إلى المدينة" (٩). قال عكرمة: " نهوضا إلى المدينة" (١٠). وقال السدي: " حيلة في المال" (١١). قال ابن أبي زمنين: " أي: لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة" (١٢). قال الثعلبي: " لا يقدرون على حيلة ولا قوة ولا نفقة للخروج منها" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، أي: " ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة" (١٤). قال عكمرة: " طريقا إليها، يعني: المدينة" (١٥). وروي عن مجاهد والسدي مثل ذلك.

стр. 3014

قال مقاتل: " يعني: ولا يعرفون طريقا إلى المدينة" (١). قال قتادة: " وكان ابن عباس يقول: كنتُ أنا وأمي من الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ " (٢). أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: " سمع الله لمن حمده " ثم قال قبل أن يسجد " اللهم نَج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نَج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف" (٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ رفع يده بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة، فقال: «اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار» " (٤). الفوائد: ١ - يتضح من الآية أن من أصحاب رسول الله ﷺ من لم يهاجر - من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين - ولكن محبة للأهل والمال والوطن، قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾، فهؤلاء خرجوا من الوعيد فلم يبق شبهة (٥). ٢ - من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها: إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم؛ فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها (٦). القرآن ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٩] التفسير: فهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو; لعلمه تعالى بحقيقة أمرهم. وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم. قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، أي: " فهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو" (٧). قال الثعلبي: أي: " فأولئك الذين هم بهذه الصفة، ﴿عسى الله﴾، أن يتجاوز [عنهم] " (٨). قال ابن كثير: " أي: يتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة" (٩). قال مقاتل: " والـ «عسى» من الله واجب" (١٠). قال الزجاج: " و ﴿عَسَى﴾ ترج، وما أمر اللَّه به أن يرجى مِن رحمته فبمنزلة الواقع كذلك الظن بأرحِم الراحمين" (١١). قال السمعاني: " و ﴿عسى﴾ من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله - تعالى - إذا أطمع عبدا أوجب له وأوصله إليه" (١٢). قال الراغب: " فذكر لفظ ﴿عسى﴾، لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال فيهم: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] " (١٣).

стр. 3015

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]، أي: " وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم" (١). قال مقاتل: " فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة في عذر" (٢). قال الراغب: " أخر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدم أن الوصفين إذا اجتمعا يقدم الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارا لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من ذلك" (٣). وأختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]، على أقوال: أحدها: أن المعنى: كان غفوراً لعباده، عن عباده قبل أن يخلقهم. وهذا قول الحسن (٤). والثاني: وقال النحويون البصريون: كأنَّ القوم شاهدوا من الله رحمة فأعلموا أن ذلك ليس بحادثِ، وأنَّ الله لم يزل كذلك (٥). والثالث: وقال قوم " من النحويين: "كان"، و " فعَلَ " من اللَّه بمنزلة ما في الحال، فالمعنى: والله عفو غفور (٦). قال الزجاج: " والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب، وأما القول الثالث فمعناه يُؤول إِلى ما قاله الحسن وسيبويه، إِلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقِل، وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا " غفر الله لفُلَانٍ " بمعنى: ليغفر اللَّه له، فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي مَؤدياً عنها استخفافاً، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إِنما وقع لاختلاف الأوقات، فإِذا أُعْلِمت الأحوال والأوقات استُغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض، الدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]، معناه: من يَتُبْ ومن يجئ بالحسنة يعط عشْر أمثالها" (٧). الفوائد: ١ - إن هذه الآية والتي قبلها قسمت أصناف المهاجرين إلى قسمين: أولاً: من تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، هذا لا بد قيد، لا بد أن يقيد بالوجوب مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه آية النساء التي فيها (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) لأن الله تعالى وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم في ارتكابهم محرمًا بالإجماع. الصنف الثاني: من لا هجرة عليه، وهو العاجز المستضعف عن الهجرة، كالمريض أو المكره والولدان والنساء والضعفة لقوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾. هذا استثناء له حكمه الخاص، لكن يجب عليهم اعتزال المشركين والصبر على أذاهم (٨). ٢ - أن هذه الآية وعد من الله بالعفو عن هؤلاء المستضعفين، وذلك لعذرهم بعدم الاستطاعة. ٣ - ويدخل ضمن هذه الآية من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم. ٤ - قال أهل العلم: إن السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم (٩). القرآن
следующие страницы →