قال البغوي: " أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك" (١).
قال السعدي: " أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.، [و] هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم" (٢).
قوله تعالى: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧]، أي: " فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا" (٣).
قال الزجاج: " فأَعلم اللَّه أَنهم كانوا مستضعفين عن الهجرة" (٤).
قال مجاهد: " قالوا كنا مستضعفين بمكة" (٥).
قال مقاتل: " يعني: كنا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان" (٦).
قال السعدي: " أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة" (٧)
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف صح وقوع قوله كنا مستضعفين في الأرض جوابا عن قولهم ﴿فيم كنتم﴾؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟
قلت: معنى ﴿فيم كنتم﴾، للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" (٨).
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، أي: " فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟ " (٩).
قال سعيد بن جبير: " قالوا: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرجوا" (١٠).
قال مقاتل: " يعني أرض الله المدينة ﴿فتهاجروا فيها﴾؟ يعني إليها" (١١).
قال الزمخشري: " أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله ﷺ كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة- حقت عليه المهاجرة" (١٢).
وعن الحسن عن النبي ﷺ – قال: " من فر بدينه من أرض -وإن كان شبرا من الأرض- استوجب به الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ " (١٣).
قال السدي: " لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله ﷺ للعباس: افد نفسك وابني أخيك. قال: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم، ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾ " (١٤).
стр. 3012
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، أي: " فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب" (١).
قال مقاتل: " يعني وبئس المصير صاروا" (٢).
قال الثعلبي: " فأكذبهم الله وإنما أنهم كانوا مستطيعين الهجرة" (٣).
قال البغوي: " فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: ﴿فأولئك مأواهم﴾ منزلهم ﴿جهنم وساءت مصيرا﴾ أي: بئس المصير إلى جهنم" (٤).
قال السدي: " فيوم نزلت هذه الآية، كان كل من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر" (٥).
قال ابن عطية: " وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم من مات مؤمنا وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على تكفيرهم بالمعاصي" (٦).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الهجرة" فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد البدعة التي يدعوا أهلها إليها إلى بلد السنة وأنها باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها" (٧). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦].
وقال الرسول- ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" (٨).
٢ - ومن الفوائد: النهي عن المقام بين أظهر المشركين، لقوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، قال الجصاص: " وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام" (٩).
٣ - ومنها: أن من أقام في دار الجهالة ذليلاً مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك -وفي قول كثير من العلماء- فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... ﴾ الآية، فيوعد تارك الهجرة من البلد الذي يكون مستضعفًا فيه، إذا كان قادرًا عليها مثل هذا الوعيد، فثبت أنها فريضة لازمة أيضًا. فإن الهجرة من مكة كانت واجبة قبل الفتح لما كان المسلم يخشاه بها من الفتنة على الفتنة، وأنه كان يعجز من إظهار دينه ولا يتمكن كما ينبغي من عبادة ربه، فأي مسلم حرص له أو مثله في بلد فهو في معنى المسلمين كانوا يومئذ (١٠).
أن لهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه، وهي أقسام:
القسم الأول: هجر المحرمات التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله ﷺ على جميع المكلفين وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه، وقد أخبر ﷺ فيما صح عنه: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١١)، وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية.
القسم الثاني: الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات. والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم
стр. 3013
وبطلان ما هم عليه؛ لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحا بالمال والوطن، قال أهل العلم: أن هذا عاص ومرتكب محرما، وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (١).
القرآن
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨]
التفسير:
ويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم، ولا يعرفون طريقًا يخلصهم مما هم فيه من المعاناة.
في سبب نزول الآية والتي وجهان:
أحدهما: قال قتادة: " قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، أناسٌ من أهل مكة عذَرهم الله فاستثناهم، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢) " (٣).
عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال: "كنت أنا وأمي ممن عَذَر الله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ " (٤).
والثاني: روي عن مجاهد في قوله: " ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: مؤمنون مستضعفون بمكة، فقال فيهم أصحاب محمد ﷺ : هم بمنزلة هؤلاء الذين قتلوا ببدر ضعفاء مع كفار قريش. فأنزل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، الآية" (٥).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨]، أي: " ويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم" (٦).
قال الثعلبي: " يعني: المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة لم يستطيعوا الهجرة ومنعوا من اللحوق بالنبي ﷺ ويتجهزون للحوق به من الرجال والنساء والولدان و ﴿المستضعفين﴾، نصب على الاستثناء من ﴿مأواهم﴾ " (٧).
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨]، أي: " الذين لا يستطيعون الخلاص" (٨).
قال مقاتل: " يقول ليس لهم سعة للخروج إلى المدينة" (٩).
قال عكرمة: " نهوضا إلى المدينة" (١٠).
وقال السدي: " حيلة في المال" (١١).
قال ابن أبي زمنين: " أي: لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة" (١٢).
قال الثعلبي: " لا يقدرون على حيلة ولا قوة ولا نفقة للخروج منها" (١٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، أي: " ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة" (١٤).
قال عكمرة: " طريقا إليها، يعني: المدينة" (١٥). وروي عن مجاهد والسدي مثل ذلك.
стр. 3014
قال مقاتل: " يعني: ولا يعرفون طريقا إلى المدينة" (١).
قال قتادة: " وكان ابن عباس يقول: كنتُ أنا وأمي من الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ " (٢).
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: " سمع الله لمن حمده " ثم قال قبل أن يسجد " اللهم نَج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نَج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف" (٣).
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ رفع يده بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة، فقال: «اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار» " (٤).
الفوائد:
١ - يتضح من الآية أن من أصحاب رسول الله ﷺ من لم يهاجر - من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين - ولكن محبة للأهل والمال والوطن، قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾، فهؤلاء خرجوا من الوعيد فلم يبق شبهة (٥).
٢ - من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها: إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم؛ فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها (٦).
القرآن
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٩]
التفسير:
فهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو; لعلمه تعالى بحقيقة أمرهم. وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، أي: " فهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو" (٧).
قال الثعلبي: أي: " فأولئك الذين هم بهذه الصفة، ﴿عسى الله﴾، أن يتجاوز [عنهم] " (٨).
قال ابن كثير: " أي: يتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة" (٩).
قال مقاتل: " والـ «عسى» من الله واجب" (١٠).
قال الزجاج: " و ﴿عَسَى﴾ ترج، وما أمر اللَّه به أن يرجى مِن رحمته فبمنزلة الواقع كذلك الظن بأرحِم الراحمين" (١١).
قال السمعاني: " و ﴿عسى﴾ من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله - تعالى - إذا أطمع عبدا أوجب له وأوصله إليه" (١٢).
قال الراغب: " فذكر لفظ ﴿عسى﴾، لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال فيهم: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] " (١٣).
стр. 3015
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]، أي: " وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم" (١).
قال مقاتل: " فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة في عذر" (٢).
قال الراغب: " أخر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدم أن الوصفين إذا اجتمعا يقدم الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارا لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من ذلك" (٣).
وأختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]، على أقوال:
أحدها: أن المعنى: كان غفوراً لعباده، عن عباده قبل أن يخلقهم. وهذا قول الحسن (٤).
والثاني: وقال النحويون البصريون: كأنَّ القوم شاهدوا من الله رحمة فأعلموا أن ذلك ليس بحادثِ، وأنَّ الله لم يزل كذلك (٥).
والثالث: وقال قوم " من النحويين: "كان"، و " فعَلَ " من اللَّه بمنزلة ما في الحال، فالمعنى: والله عفو غفور (٦).
قال الزجاج: " والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب، وأما القول الثالث فمعناه يُؤول إِلى ما قاله الحسن وسيبويه، إِلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقِل، وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا " غفر الله لفُلَانٍ " بمعنى: ليغفر اللَّه له، فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي مَؤدياً عنها استخفافاً، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إِنما وقع لاختلاف الأوقات، فإِذا أُعْلِمت الأحوال والأوقات استُغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض، الدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]، معناه: من يَتُبْ ومن يجئ بالحسنة يعط عشْر أمثالها" (٧).
الفوائد:
١ - إن هذه الآية والتي قبلها قسمت أصناف المهاجرين إلى قسمين:
أولاً: من تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، هذا لا بد قيد، لا بد أن يقيد بالوجوب مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه آية النساء التي فيها (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) لأن الله تعالى وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم في ارتكابهم محرمًا بالإجماع.
الصنف الثاني: من لا هجرة عليه، وهو العاجز المستضعف عن الهجرة، كالمريض أو المكره والولدان والنساء والضعفة لقوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾. هذا استثناء له حكمه الخاص، لكن يجب عليهم اعتزال المشركين والصبر على أذاهم (٨).
٢ - أن هذه الآية وعد من الله بالعفو عن هؤلاء المستضعفين، وذلك لعذرهم بعدم الاستطاعة.
٣ - ويدخل ضمن هذه الآية من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
٤ - قال أهل العلم: إن السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم (٩).
القرآن
стр. 3016
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]
التفسير:
ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه، يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه، ومن يخرج من بيته قاصدًا نصرة دين الله ورسوله ﷺ ، وإعلاء كلمة الله، ثم يدركه الموت قبل بلوغه مقصده، فقد ثبت له جزاء عمله على الله، فضلا منه وإحسانًا. وكان الله غفورًا رحيمًا بعباده.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: أنها نزلت في رجل اسمه: جندع بن ضمرة بن أبي العاص الجندعي الضمري.
قال ابن عباس-﵄: "خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً؛ فقال لأهله: احملوني؛ فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله ﷺ ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ﷺ ؛ فنزل الوحي: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ حتى بلغ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ " (١).
وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾، فكان بمكة رجل يقال له: ضمرة، من بني بكر، وكان مريضًا، فقال لأهله: أخرجوني من مكة، فإني أجد الحرّ. فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى آخر الآية" (٢).
وقد تعددت الروايات في اسم الرجل، فسماه ابن عباس (٣)، وعكرمة-في إحدى الروايات (٤) برجل من بني ليث اسمه جندب بن ضمرة، وضمرة بن جندب الضمري عند السدي (٥)، وقد وردت تسميته بضمرة بن العيص الزرقي في قول سعيد بن جبير (٦)، وضمرة بن العاص الجندعي في قول يزيد بن عبدالله بن قسيط (٧)، وضمرة في قول قتادة (٨)، ووردت تسميته برجل من بني ضمرة، كما في قول عكرمة (٩)، ورجل من بني خزاعة كما في قول علباء بن احمر اليشكري (١٠).
ورجح الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ أن اسمه: جندع بن ضمرة بن أبي العاص الجندعي الضمري، أو الليثي (١١).
والثاني: انها نزلت في خالد بن حزام.
عن هشام بن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: "هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قال الزبير: وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة،
стр. 3017
فما أحزنني شيء حزني وفاته حين بلغني، لأنه قل أحد من هاجر من قريش إلا معه بعض أهله أو ذي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره" (١). وروي عن عبدالرحمن الحزامي نحو ذلك (٢).
قال ابن كثير: " وهذا الأثر غريب جدا فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول" (٣).
والثالث: وروي عن ابن عباس ايضا، قال: " نزلت في أكثم بن صيفي، قيل: فابن الليثي؟ قال: هذا قبل الليثي بزمان، وهي خاصة عامة" (٤).
والرابع: وقال الضحاك: "لما سمع رجل من أهل مكة أن بني كنانة قد ضربتْ وجوهَهم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: أخرجوني، وقد أدنفَ للموت. قال: فاحتمل حتى انتهى إلى عَقَبة قد سماها، فتوفَّي، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، الآية" (٥). وروي عن عبدالرحمن بن زيد (٦)، والحسن (٧)، نحو ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: " ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه" (٨).
قال الطبري: أي: " ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم" (٩).
قوله تعالى: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: " يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه" (١٠).
قال الطبري: " يقول: " يجد هذا المهاجر في سبيل الله ﴿مراغمًا كثيرًا﴾، وهو المضطرب في البلاد والمذْهب، وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾، يحتمل «السِّعة» في أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إياهم - كان - من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية " (١١).
قال الزمخشري: أي: " مراغما مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أى: يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم: الذل والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام- وهو التراب- يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك" (١٢).
قال ابن كثير: " هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه" (١٣).
وفي معنى «المراغم» في الآية الكريمة أقوال:
أحدها: أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض، وهذا قول ابن عباس (١٤)، والربيع (١٥)، ومجاهد (١٦)، والضحاك (١٧)، وابو عبيدة (١٨)، ابن قتيبة (١٩).
стр. 3018
قال أبو عبيدة: " المراغم والمهاجر واحد، تقول: راغمت وهاجرت قومى، وهى المذاهب، قال النابغة الجعدي (١):
كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه ... عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ (٢)
فالمراغم المضطرب والمذهب في الأرض، وأنشد الزجاج في المعنى (٣):
إِلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغَمِ وَالمُضْطَرَب
قال ابن قتيبة: "المراغم والمهاجر، واحد. تقول: راغمت وهاجرت قومي، وأصله: أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما لهم. أي مغاضبا، ومهاجرا. أي مقاطعا من الهجران. فقيل للمذهب: مراغم، وللمصير إلى النبي ﷺ : هجرة - لأنها كانت بهجرة الرجل قومه" (٤).
والثاني: مطلب المعيشة، وهو قول السدي (٥)، وانشد الماوردي قول الشاعر (٦):
إلى بلدٍ غير داني المحل ... بَعيد المُراغم والمطلب
وهذا القول قريب من سابقه، لأنه "ليس المراغم ههنا إِلا المضطرب في حال هجرة" (٧). ويشهد له الاختلاف في رواية الكلمة الاخيرة في البيت، بين" المُضْطَرَب، و"المطلب". فالمعنيان قريبان.
والثالث: أن المراغم المهاجر، وهو قول ابن زيد (٨)، والزجاج (٩).
والرابع: يعني بالمراغم مندوحة عما يكره (١٠).
والخامس: أن يجد ما يرغمهم به، لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم فقد أرغمهم، وهذا قول بعض البصريين (١١).
والسادس: منفسحا كثيرة وسعة. وهذا قول أبي صخر (١٢).
والسابع: المراغم: البروح. وهذا قول سفيان ابن عيينة (١٣).
قال ابن عطية: " وهذا كله تفسير بالمعنى، فأما الخاص باللفظة، فإن «المراغم» موضع المراغمة، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر في أرض الله لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وكذلك الطود الذي ذكر النابغة (١٤)، من صعد فيه أمام طالب له وتوقل فقد أرغم أنف ذلك الطالب" (١٥).
قال ابن كثير: " والظاهر - والله أعلم – أنه [المراغم]: التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء" (١٦).
وقرئ: «مرغما» (١٧).
وفي قوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، أقوال:
стр. 3019
أحدها: السعة في الرزق. وهو قول ابن عباس (١)، والربيع (٢)، والضحاك (٣)، ومقاتل بن حيان (٤).
والثاني: يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وهو قول قتادة (٥).
والثالث: أن المعنى: ورخا. وهذا قول عطاء (٦).
ةالرابع: أن المعنى: سعة البلاد. قاله مالك (٧).
والخامس: سعة في إظهار الدين (٨).
قال ابن عطية: " والمشبه لفصاحة العرب أن يريد سعة الأرض وكثرة المعاقل، وبذلك تكون «السعة» في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرح، ونحو هذا المعنى قول الشاعر (٩):
لكانَ لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطولِ والعَرضِ
ومنه قول الآخر (١٠):
وكنت إذا خليل رام قطعي ... وجدت وراي منفسحا عريضا
وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] " (١١).
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرَبًا ومتَّسعًا. وقد يدخل في «السعة»، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمِّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني «السعة»، التي هي بمعنى الرَّوْح والفرَج من مكروهِ ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظَهْري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دِلالة على أنه عنى بقوله: ﴿وسعة﴾، بعض معاني «السعة» التي وصفنا. فكل معاني «السعة» التي هي بمعنى الرَّوح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جِوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك" (١٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: " ومن يخرج من بيته قاصدًا نصرة دين الله ورسوله ﷺ ، وإعلاء كلمة الله" (١٣).
قال الطبري: "يقول: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله" (١٤).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: " ثم يدركه الموت قبل بلوغ دار الهجرة" (١٥).
وقرئ: «ثم يدركه الموت»، بالرفع، والنصب في "الكاف" (١٦).
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: " فقد ثبت أجر هجرته على الله تعالى" (١٧).
قال الطبري: " فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دارَ هجرته باخترام المنية إيّاه قبل بلوغه إياها على ربه" (١٨).
قال الزمخشري: أي: " فقد وجب ثوابه عليه: وحقيقة الوجوب: الوقوع والسقوط ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، ووجبت الشمس: سقط قرصها. والمعنى: فقد علم الله كيف يثيبه" (١٩).
стр. 3020
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: وكان الله " ساتراً على عباده، رحيماً بهم" (١).
قال الطبري: " يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره ﴿غَفُورًا﴾، يعني: ساترًا ذنوب عبادهِ المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، ﴿رحيمًا﴾، بهم رفيقًا" (٢).
قال الطبري: " وقد تأول قوم من أهل العلم هذه الآية، أنها في حكم الغازي يخرج للغزو، فيدركه الموت بعد ما يخرج من منزله فاصلا فيموت، أنّ له سَهْمه من المغنَم، وإن لم يكن شهد الوقعة" (٣).
قال يزيد بن أبي حبيب: "أن أهل المدينة يقولون: من خرج فاصلا وجب سهمه، وتأوّلوا قوله ﵎: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله﴾ " (٤).
الفوائد:
١ - أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام، يدل عليه سياق الآية والآيات السابقة عليها، فإن أولها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُواًّ غَفُوراً وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾. ويدل عليه أيضاً شأن نزولها.
٢ - الآية تدل على فضل الهجرة وفضل من هاجر وعلى من لم يهاجر, وهذا مما لا يمتري فيه عاقل, ولا يشك فيه مسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ١٠٠) , وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤١) , وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (الحج: ٥٨_٥٩) وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: ١١٠).
ففي هذه الآيات كلها فضيلة الهجرة وفضيلة من هاجر على من لم يهاجر, وفيها بيان ما أعد الله لهم من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.
٣ - من يتحول من أرض إلى أرض في سبيل الله يكرمه الله ، ويفسح له في صدره، ويوسع عليه رزقه، ويمكن له في الأرض، ويذكر له في السماء.
٤ - إن هذه المهاجرة عبارة عن الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. ومنه الهجرة من مكة إلى المدينة. فالهجرة والمهاجرة غلبتا في ذلك، وإن كان أصلها مفارقة الغير ومتاركته. وقيل: الهجرة بعد الهجرة النبوية صارت عبارة عن ترك دار الحرب وترك الأخلاق الذميمة والخصال الرذيلة (٥).
قال رسول الله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٦).
٥ - قال أبو عبدالله الحليمي: " ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان من قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم، وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وافق قال الله : ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله﴾، فيدخل في هذا من هاجر إلى رسول الله ﷺ في حياته ليلقاه ويصحبه ويجاهد معه، ومن هاجر بعده إلى حيث يستطيع إظهار دينه ونصب إعلام شريعته، فيه قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فدخل في
стр. 3021
ذلك الرجوع إليه حقًا في سؤاله عما أشكل والرجوع بعد وفاته إلى سنته وما بلغ الناس عن ربه ﷻ فكذلك يدخل في الهجرة، وإليه الوجهان اللذان ذكرتهما" (١).
القرآن
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]
التفسير:
وإذا سافرتم -أيها المؤمنون- في أرض الله، فلا حرج ولا إثم عليكم في قصر الصلاة إن خفتم من عدوان الكفار عليكم في حال صلاتكم، وكانت غالب أسفار المسلمين في بدء الإسلام مخوفة، والقصر رخصة في السفر حال الأمن أو الخوف. إن الكافرين مجاهرون لكم بعداوتهم، فاحذروهم.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال علي-﵁: "سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إنا نضرب في الأرض؛ فكيف نصلي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول؛ غزا النبي ﷺ ، فصلَّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم؛ هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها؛ فأنزل الله ﵎ بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك﴾ (٢)، إبة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣)، فنزلت صلاة الخوف" (٤).
والثاني: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في "قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: يوم كان النبي ﷺ وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنَان، فتواقفوا، فصلّى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين أو: أربعًا، شك أبو عاصم ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمْتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٥)، فصلَّى العصر، فصفَّ أصحابه صَفَّين، ثم كبَّر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون سجدة، والآخرون قيام، ثم سجد الآخرون حين قام النبي ﷺ ، ثم كبر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصف الآخر واستأخر الأوَّل، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصَرَ العصرَ إلى ركعتين" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، أي: " وإذا سافرتم -أيها المؤمنون- في أرض الله" (٧).
قال الطبري: أي: " وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض" (٨).
قال ابن كثير: " أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية [المزمل: ٢٠] " (٩).
قال المراغي: " أي: وإذا سافرتم أى سفر" (١٠).
قال الماوردي: " أي سرتم، لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً" (١١).
стр. 3022
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، أي: " فلا إِثم عليكم أن تقصروا من الصلاة" (١).
قال الطبري: "يقول: فليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من عددها" (٢).
قال ابن كثير: " أي: تخَفّفوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية" (٣).
قال المراغي: " فليس عليكم تضييق ولا ميل عن محجة الدين إذا قصرتم الصلاة: أي تركتم شيئا منها فتكون قصيرة" (٤).
وقرأ الجمهور: ﴿تقصروا﴾، بفتح التاء وضم الصاد، وروى الضبي عن أصحابه: «تقصروا» بضم التاء وكسر الصاد وسكون القاف وقرأ الزهري: «تقصروا» بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها (٥).
قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، " أي: إِن خشيتم أن ينالكم مكروه من أعدائكم الكفرة" (٦).
قال المراغي: أي: " بشرط أن تخافوا فتنة الكافرين لكم بالقتل أو الأسر أو غيرهما" (٧).
قال القاسمي: " أي: فلا إثم عليكم أن تنقصوا شيئا من الصلاة إن خفتم أن يقاتلكم الذين كفروا في الصلاة" (٨).
قال السمعاني: " «الفتنة»، بمعنى: القتل هاهنا" (٩).
قال الزمخشري: "المراد بالفتنة: القتال والتعرض بما يكره" (١٠).
قال ابن عطية: " ﴿يفتنكم﴾، معناه: يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم، ونحو هذا قول صاحب الحائط: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وأصل الفتنة الاختبار بالشدائد، وإلى هذا المعنى ترجع كيف تصرفت، وعدو وصف يجري على الواحد والجماعة" (١١).
واختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين:
أحدهما: أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف، مع استيفاء أعدادها فيصلي عند المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائماً وقاعداً ومومياً، وهي مثل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِرجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وهذا قول ابن عباس (١٢)، واختيار الطبري (١٣).
واستدلوا على صحته: "بأن بعده ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣] فإقامتها إتمام ركوعها وسجودها وسائر فرائضها وترك إقامتها في غير الطمأنينة هو ترك إقامة هذه الأشياء" (١٤).
والثاني: أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها، وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين، فإن كان آمناً مقيماً لم يقصر، وهذا قول سعد بن أبي وقاص (١٥)، وداود بن علي (١٦)، وأهل الظاهر؛ تمسكا بظاهر القرآن (١٧).
والثاني: أنه قَصْران، فقصر الأمَنْ، من الأربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة، وهذا قول جابر بن عبد الله (١٨)، والحسن (١٩)، وهو قول ابن عباس (٢٠).
стр. 3023
روى مجاهد عن ابن عباس قال: " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﵇ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً" (١).
والثالث: أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير.
قال السمعاني: " قال جمهور العلماء -وهو قول أكثر الأمة -: إنه يجوز القصر في حال الأمن، ولم ينقل [عن النبي- ﷺ ] أنه أتم في سفر ما" (٢).
قال ابن الجوزي: " وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف، وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله ﷺ ، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو" (٣).
قال الإمام الموفق ﵀: "وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج، أو عمرة، أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين" (٤).
قال الزمخشري: " «القصر»، ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة، وهو قوله ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، وأما في حال الأمن فبالسنة" (٥).
عن عائشة ﵂ , أن النبي ﷺ «كان يقصر في السفر ويتم , ويفطر ويصوم» (٦).
وقد روي عن يعلى بن منية قال: "قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾، وقد أمن الناس! فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، حتى سألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدَقته" (٧).
وعن قتادة، عن أبي العالية، قال: "سافرت إلى مكة، فكنت أصلّي ركعتين، فلقيني قُرَّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟ قلت ركعتين. قالوا: أسنة أو قرآن؟ قلت: كلٌّ، سنة وقرآن، فقدصلَّى رسول الله ﷺ ركعتين. قالوا: إنه كان في حرب! قلت: قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [سورة الفتح: ٢٧]، وقال: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عيكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿فإذا اطمأننتم﴾ " (٨).
واختلفوا في القصر على قولين:
أحدها: أنه إباحة. وهو قول الشافعي (٩).
قال الشافعي: " والقصر في السفر بلا خوف سنة، والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من اللَّه لا أنَّ حتماً عليهم أن يقصروا كما كان ذلك في الخوف والسفر" (١٠).
والثاني: أنه واجب.
قال السمعاني: "والخلاف بين السلف مشهور فيه، والقول الأول هو أصح؛ لقوله عز ذكره: ﴿فليس عليكم جناح﴾، وهو مثل قوله: ﴿جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] " (١١).
قال الزمخشري: " قوله: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل" (١٢).
стр. 3024
قال ابن الجوزي: " وإنما يجوز للمسافر القصر إذا كان سفره مباحا، وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز له القصر في سفر المعصية. فأما مدة الإقامة التي إذا نواها أتم الصلاة، وإن نوى أقل منها، قصر، فقال أصحابنا: إقامة اثنين وعشرين صلاة، وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يوما. وقال مالك، والشافعي: أربعة أيام" (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١]، أي: " إن الكافرين مجاهرون لكم بعداوتهم، فاحذروهم" (٢).
قال القاسمي: أي: " ظاهر العداوة. فلا يراعون حرمة الصلاة لعداوتهم" (٣).
قال الطبري: " يعني: الجاحدين وحدانية الله، [كانوا لكم] عدوًّا قد أبانوا لكم عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة" (٤).
قال أبو السعود: " تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر أو لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسوء" (٥).
قال ابن عطية: " المعنى: قد جلحوا في عدواتكم وراموكم كل مرام" (٦).
وقرأ أبيّ بن كعب: " ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " (٧).
الفوائد:
١ - ليس في الآية متمسك لمن شرط الخوف في القصر، لأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما علم من تقدم شرعية قصر العدد، وكما يدل عليه آخر الآية، ولو سلم أنها في قصر العدد في صلاة السفر، فالقيد في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ اتفاقي لا احترازي، فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله : ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس؟ قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " (٨).
قال ابن القيم: "والآية أشكلت على عمر وغيره، فسأل عنها رسول الله ﷺ ، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من الله، وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنَّه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له. وقد يقال: إن الآية اقتضت قصراً يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنُقصان ركعتين، وقُيِّدَ ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجِدَ الأمران، أُبيحَ القصران، فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددُها وأركانها، وإن انتفي الأمران، فكانوا آمنين مقيمين، انتفي القصران، فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وُجِد أحدُ السببين، ترتب عليه قصره وحده، فإذا وُجِدَ الخوف والإقامة، قُصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن، قُصر العددُ واستوفي الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قَصرٍ، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تُسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية" (٩).
٢ - في الآية الرد على الذين يتمون الفرائض في السفر ولا يقصرون الصلاة وإن أباح لهم العلم ترك ذلك، لأن السفر والحضر عندهم سواء (١٠)، واحتجوا بان الرخص إنما هي للعامة (١١)، وهذا باطل ومخالف لفرائض الإسلام في الصلاة.
стр. 3025
قال ابن عباس: " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" (١).
قال الرملي: " المعنى: فرضت الصلاة ركعتين في السفر لمن أراد الاقتصار عليهما" (٢).
القرآن
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢]
التفسير:
وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم، فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم، فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون، ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية، وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم. ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم; ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم، ولا إثم عليكم حينئذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم، مع أخذ الحذر. إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدها: عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرقي قال: " قال: كنا مع رسول الله ﷺ بُعسْفان، قال: فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى النبي ﷺ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة. فقالوا: تأتي عليه الآن صلاة هي أحب إليهم من أبناءهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية، قال: فحضرت الصلاة، فقام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفين؛ صف خلف رسول الله جميعاً، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، قال: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا؛ جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا؛ جلس الآخرون، فسجدوا، ثم جلسوا جميعاً، ثم سلم عليهم جميعاً، قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين: مرة بعُسفان، وصلاها يوم بني سُليم" (٣). وروي عن ابن عباس نحوه (٤).
стр. 3026
والثاني: وعن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: "نزلت (١) في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً" (٢).
والثالث: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: "نزلت في رسول الله ﷺ ، وذلك أنه غزا محاربا وبنى أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله ﷺ لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش، فحال الوادي بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه فجلس رسول الله ﷺ في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله ﷺ إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله ﷺ : الله، ثم قال: اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله ﷺ ليضربه فأكب لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه، وندر سيفه فقام رسول الله ﷺ فأخذه ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك؟ قال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال غورث: والله لأنت خير مني، فقال النبي ﷺ : أجل أنا أحق بذلك منك، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: ويلك ما منعك منه؟ قال: لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾ أي: من عدوكم" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم" (٤).
قال البغوي: " أي: شهيدا معهم فأقمت لهم الصلاة" (٥).
قال ابن كثير: " أي: إذا صليت بهم إماما في صلاة الخوف" (٦).
قال الماوردي: " وهذا خطاب للنبي ﷺ أن يصلي في الخوف بأصحابه" (٧).
واختلف أهل العلم في الخطاب في هذه الىية هل خص به النبي ﷺ ؟ على قولين:
أحدهما: أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته، لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم، فكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد، فلذلك صار هذا خاصاً للنبي ﷺ ، وهذا القول محكي عن أبي يوسف (٨).
стр. 3027
والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي ﷺ ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا. وهو قول الجمهور (١).
قال السمعاني: " بيّن في هذه الآية كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر العلماء، وقال بعضهم: صلاة الخوف لا تجوز لأحد بعده، وهو قول أبى يوسف؛ تمسكا بظاهر الآية، قوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ فشرط كونه فيهم، والأصح هو الأول، وهو الاصح، وقوله: ﴿وإذا كنتم فيهم﴾ ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على وفق الحال، وقد ورد أن أصحاب رسول الله صلوا بعده صلاة الخوف" (٢).
قال البيضاوي: " تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول ﷺ لفضل الجماعة، وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم الرسول ﷺ كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره" (٣).
قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم" (٤).
قال البغوي: " أي: فلتقف، كقوله تعالى: ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ [البقرة: ٢٠]، أي: وقفوا" (٥).
قال البيضاوي: أي: " فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون" (٦).
قال الزجاج: " وأمَّا «أَسلحة»، فجمع سلاح، مثل حمار وأحمرة. وسلاح اسم لجملة ما
يدفع الناس به عن أنفسهم في الحروب مما يقاتل به خاصَّة، لا يقال للدواب وما أشبهها سلاح" (٧).
واختلفوا في الذين يأخذون اسلحتهم على قولين:
أحدهما: أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله ﷺ يصلّون، لأن من في الصلاة غير مقاتل, وأما السلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم، كالسيف يتقلَّده أحدهم، والسكين، والخنجر يشدُّه إلى درعه وثيابه التي هي عليه، ونحو ذلك من سلاحه. وهذا قول الشافعي (٨).
قال البغوي: " فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يؤذي من بجنبه فإذا شغلته حركته وثقلته عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه كالرمح فلا يأخذه" (٩).
والثاني: هم الذين بإزاء العدو يحرسون، وهذا قول ابن عباس (١٠).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون" (١١).
قال البغوي: " أي: صلوا، ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ يريد مكان الذين هم وجاه العدو" (١٢).
قال ابن عطية: " الضمير في سجدوا للطائفة المصلية والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا " (١٣).
وفي المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ [النساء: ١٠٢]، قولان:
أحدهما: أنهم الطائفة التي لم تصل، أمرت أن تحرس الطائفة المصلية، وهذا معنى قول ابن عباس (١٤).
والثاني: أنهم المصلون معه، أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس (١٥).
стр. 3028
واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود، على قولين (١):
أحدهما: أنهم إذا أتموا مع الإمام ركعة أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم.
والثاني: أنهم ينصرفون عن ركعة. واختلف هؤلاء، على قولين (٢):
أحدهما: فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم.
والثاني: وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحرس وهم على صلاتهم، فيكونوا في وجه العدو مكان الطائفة التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة.
قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية" (٣).
قال الماوردي: "يريد الطائفة التي بإزاء العدو تأتي فتصلي مع رسول الله ﷺ الركعة التي بقيت عليه، وتمضي الطائفة التي صلّت فتقف موضعها بإزاء العدو " (٤).
قال البغوي: " وهم الذين كانوا في وجه العدو" (٥).
واختلفوا في الطائفة الأخرى، على أقوال (٦):
أحدهما: أنه إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائتة، ثم يسلم بهم.
الثاني: وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم.
الثالث: وقال آخرون: بلى يصلي بالطائفة الثانية ركعة ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها، وهذا مذهب أبي حنيفة (٧).
عن سهل بن أبي حثمة قال: "صلى النبي ﷺ بأصحابه في خوف، فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة ثم قام، فلم يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدموا وتخلّف الذين كانوا قُدَّامهم، فصلى بهم ركعة، ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم" (٨).
وفي رواية اخرى ايضا عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف قال: "يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ثم يركعون لأنفسهم ويسجدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد سجدتين، فهي له ركعتان ولهم واحدة. ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين" (٩).
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: «فلتقم» بكسر اللام، وقرأ الجمهور: ﴿ولتأت طائفة﴾، بالتاء، وقرأ أبو حيوة: «وليأت» بالياء (١٠).
قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم" (١١).
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ؟
قلت: جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، وجعلا مأخوذين. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]، جعل الإيمان مستقرا لهم ومتبوأ لتمكنهم فيه فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوء" (١٢).
وفي حمل السلاح في الصلاة قولان:
стр. 3029
أحدهما: أنه فرض عند عدم المرض الذي يشق معه حمل السلاح أو التأذي بالمطر، وهذا أحد قولي الشافعي (١).
والثاني: انه سنة مؤكدة، وهذا قول أكثر أهل العلم (٢).
قال الواحدي: "والشرط أن لا يحمل سلاحًا نجسًا إن أمكنه ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف أو في الصف الأول لئلا يؤذي به من أمامه" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم" (٤).
قال ابن عطية: " إخبار عن معتقد القوم وتحذير من الغفلة، لئلا ينال العدو أمله " (٥).
قال البغوي: " يتمنى الكفار لو وجدوكم غافلين ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ " (٦).
وقرئ: «وأمتعاتكم» (٧).
قوله تعالى: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: "ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم" (٨).
قال الزمخشري: أي: " فيشدون عليكم شدة واحدة" (٩).
قال البغوي: " فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة" (١٠).
قال ابن عطية: " وفي قوله تعالى: ﴿ميلة واحدة﴾، بناء مبالغة، أي: مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية" (١١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " ولا إثم عليكم حينئذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم" (١٢).
قال الطبري: أي: " ولا حرج عليكم ولا إثم إن نالكم أذى من مطر تمطرونه وأنتم مواقفو عدوِّكم أو كنتم جرحى أو أعِلاء، ﴿أن تضعوا أسلحتكم﴾، إن ضعفتم عن حملها" (١٣).
قال مقاتل بن حيان: " فرخص في وضع السلاح عند ذلك" (١٤).
قال ابن عباس: " رخص لهم في وضع الأسلحة لثقلها على المريض وفي المطر" (١٥).
قال الزمخشري: أي: " ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر أو يضعفهم من مرض" (١٦).
قال الزجاج: " الجناح الِإثم، وتأويله من جنحت إذا عدَلْتُ عن المكان أي أخَذْتُ جانباً عن القَصْد، فتأويل لا جناح عليكم أي لا تَعدلون عن الحق إن وضَعَتم أسْلِحتكم" (١٧).
قال الواحدي: " ولا حرج على المريض، وفي حالة المطر إن وضعوا أسلحتهم طلبًا للتخفيف، وفي المطر إنما يتعذر حمل السلاح؛ لأنه يصيبه بلل المطر فيسود بالطبع، وأيضاً فإن من الأسلحة ما يكون مبطنًا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء" (١٨).
стр. 3030
قال البيضاوي: " رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا مما يؤيد أن الأمر بالأخذ للوجوب دون الاستحباب" (١).
قال ابن عطية: " كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين، وينقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، " أي: وكونوا متيقظين واحترزوا من عدوكم" (٣).
قال الطبري: أي: " ولكن إن وضعتم أسلحتكم من أذى مطر أو مرض، فاحترسوا من عدوكم أن يميلوا عليكم وأنتم عنهم غافلون غارّون" (٤).
قال ابن كثير: " أي: بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة" (٥).
قال البغوي: " أي: راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم، والحذر ما يتقى به من العدو" (٦).
قال مقاتل بن حيان: " وأمرهم أن يأخذوا حذرهم" (٧).
قال الزمخشري: " وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو" (٨).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: " إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم" (٩).
قال الطبري: أي: " أعدّ لهم عذابًا مُذِلا يبقون فيه أبدًا، لا يخرجون منه. وذلك هو عذاب جهنم" (١٠).
قال مقاتل بن حيان: " يعني بالمهين: الهوان" (١١).
قال ابن عطية: " ثم قوى الله تعالى نفوس المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ " (١٢).
قال البيضاوي: " وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر فيتوكلوا على الله " (١٣).
قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف طابق الأمر بالحذر قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؟
قلت: الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفى عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله كما قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] " (١٤).
وقال البعض ان صلاة الخوف منسوخة بعد وفات النبي- ﷺ ، واستدل بهذه الآية، لكون الخطاب موجه للنبي ﷺ (١٥).
قال ابن كثير: " وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي ﷺ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويُرَدُّ عليه مثل قول مانعي الزكاة، الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا
стр. 3031
على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي: دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا ردَّ عليهم الصحابة وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم" (١).
الفوائد:
١ - من الفوائد أن فعل السبب لا يمنع في التوكل وأنه لا يرد ما قدر الله، مع أن فعل الأسباب مأمور به وتركها إلقاء باليد إلى التهلكة، وأن التعرض أو فعل الأسباب التي يحصل بها الموت عمداً يصير ذنباً كبيراً.
لهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر في حالة صلاة الخوف، فلما أمر بصلاة الخوف أمر بأخذ الحذر، معلوم أن المسلمين قد يقول قائلهم: سوف نصلي جماعة والله تعالى يحرسنا ويحفظنا، ولكن الله تعالى أخبر بأن المشركين يتحينون الفرص ويحتالون في أن يجدوا غفلة من المؤمنين فيقتلونهم، فقال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]، هكذا أخبر عنهم ثم أمرهم بأن يأخذوا الحذر في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يعني في حالة صلاتهم للخوف، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: ليكونوا حذرين (٢).
٢ - ومنها: ان الله تعالى رخص للمؤمنين بقصر الصلاة في السفر خوف الفتنة بادئ الأمر، ثم شرع لهم صلاة الخوف حالة الحرب على عدة صفات تناسب حال المحارب، لعظم شأن الصلاة، وأمرهم فيها أن يحملوا السلاح ويكروا ويفروا إذا اقتضت المصلحة في أثنائها، وهي صحيحة لا تتأثر في ذلك، فأي دين يأمر بالقوة ويجمع بين الحرب والعبادة في آن واحد غير دين المسلمين، حتى قال لهم الله محذراً ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ إلى أن قال ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (٣).
القرآن
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]
التفسير:
فإذا أدَّيتم الصلاة، فأديموا ذكر الله في جميع أحوالكم، فإذا زال الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة، ولا تفرِّطوا فيها فإنها واجبة في أوقات معلومة في الشرع.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: " فإذا أدَّيتم الصلاة" (٤).
قال الزمخشري: أي: " فإذا صليتم في حال الخوف والقتال" (٥).
قال الزجاج: " يعني: به صلاة الخوف هذه" (٦).
قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: " فأكثروا من ذكر الله في جميع أحوالكم: في حال قيامكم وقعودكم واضطجاعكم" (٧).
قال الزمخشري: اي: " فصلوها قياما مسايفين ومقارعين وقعودا جاثين على الركب مرامين وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح، وقيل: معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه" (٨).
وفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وجوه من التفسير:
أحدها: معناه: فصلوا لله ﴿قيامًا﴾: للصحيح، ﴿وقعودًا﴾: للمريض الذي لا يستطيع القيام، روعلى جنوبكم﴾: للمرضى الذين لا يستطيعون الجلوس. قاله الكلبي (٩).
والثاني: معناه: " أذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه، وكل ما يمكن أن يتقرب به منه". وهذا قول الزجاج (١٠).
стр. 3032
قال الواحدي: " وهذا القول أولى من قول الكلبي؛ لأنه ذكر بعد هذا حكم صلاة الحضر، فقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ " (١).
والثالث: فاذكروا الله باللسان. قاله مقاتل (٢).
الرابع: فاذكروا الله على كل أحوالكم، وهذا قول ابن عباس (٣)، واختيار الطبري (٤).
روي عن ابن عباس قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذرٍ، غيرَ الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرِّ والعلانية، وعلى كل حالٍ" (٥).
والراجح-والله أعلم- هو قزل ابن عباس، أي: " فإذا فرغتم، أيها المؤمنون، من صلاتكم وأنتم مواقفو عدوِّكم التي بيّناها لكم، فاذكروا الله على كل أحوالكم قيامًا وقعودًا ومضطجعين على جنوبكم، بالتعظيم له، والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم، لعل الله أن يظفركم وينصركم عليهم. وذلك نظير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٤٥] " (٦).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: " فإِذا أمنتم وذهب الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة" (٧).
قال الزجاج: " أي: إِذا سكنت قلوبكم، فأتموا، لأنهم جُعِلَ لهم في الخوف قصرها، وأمروا في الأمن بإتمامها" (٨).
قال ابن قتيبة: " ﴿فإذا اطمأننتم﴾ أي: من السفر والخوف، ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أي: أتموها" (٩).
قال السمرقندي: " يقول: أمنتم ورجعتم إلى منازلكم، فأتموا الصلاة أربعا" (١٠).
قال ابن زيد: ": فإذا اطمأننتم فصلُّوا الصلاة، لا تصلِّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا" (١١).
عن مقاتل بن حيان "قوله: ﴿فإذا اطمأننتم﴾، يقول: إذا استقررتم وآمنتم" (١٢).
وقال الزمخشري: أي: " حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم فأقيموا الصلاة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج، وهذا ظاهر على مذهب الشافعي ﵀ في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسايفة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء. وأما عند أبى حنيفة ﵀ فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن" (١٣).
قال أبو هلال: «الطمأنينة»: " بمعنى الأمن؛ قال اللَّه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ويجوز أن يكون هذا أيضا بمعنى السكون، قال بعضهم: معناها هاهنا الإقامة؛ أي: فإذا أقمتم فأقيموا الصلاة؛ أي: أتموها" (١٤).
قال الواحدي: " عن أبي علي الجرجاني: أن الطمأنينة ضد الضرب في الأرض لا ضد الخوف، وضد الخوف الأمن، وهذا يدل على أن الخوف غير مشروط في جواز القصر، حيث جعل نهاية جوازه الطمأنينة في الأهل" (١٥).
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وجهان:
أحدهما: أن «الطمأنينة» ههنا: الرجوع إلى الوطن في دار الإقامة، والمعنى: فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر، وهذا قول الحسن (١٦)، وقتادة (١٧)، ومجاهد (١٨).
والثاني: معناه: فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء ولا مشي، وهذا قول السدي (١٩)، وابن زيد (٢٠).
قال الجصاص: " من تأول القصر المذكور في قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ على أعداد الركعات, جعل قوله: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ على إتمام الركعات عند زوال الخوف والسفر. ومن تأوله على صفة الصلاة من فعلها بالإيماء أو على إباحة المشي فيها, جعل قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أمرا بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف" (٢١).
والراجح-والله أعلم- ام المعنى: ": فإذا زال خوفكم من عدوكم وأمنتم، أيها المؤمنون، واطمأنت أنفسكم بالأمن، ﴿فأقيموا الصلاة﴾، فأتموا حدودَها المفروضة عليكم، غير قاصريها عن شيء من حدودها، لأن الله تعالى ذكره عرَّف عباده المؤمنين الواجبَ عليهم من فرض صَلاتهم بهاتين الآيتين في حالين:
إحداهما: حالُ شدة خوف، أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بيَّنت من قصر حدودها عن التمام.
والأخرى: حالُ غير شدة الخوف، أمرهم فيها بإقامة حدودها وإتمامها، على ما وصفه لهم جل ثناؤه، من معاقبة بعضهم بعضًا في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضًا من عدوهم. وهي حالة لا قصر فيها" (٢٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: " إن الصلاة كانت واجبة في أوقات معلومة في الشرع" (٢٣).
قال الزجاج: " أي مفروضاً مؤَقتاً فرضه" (٢٤).
قال ابن قتيبة: " أي موقتا. يقال: وقته الله عليهم ووقته أي جعله لأوقات، ومنه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٢٥)، و «وقتت» أيضا مخففة" (٢٦).
قال السمرقندي: " يعني: فرضا مفروضا معلوما، للمسافر ركعتان، وللمقيم أربع" (٢٧).
قال الزمخشري: أي: " محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أى حال كنتم، خوف أو أمن" (٢٨).
قال الواحدي: " والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة" (٢٩).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وجهان:
أحدهما: أي فرضاً واجباً، وهو قول ابن عباس (٣٠)، والحسن (٣١)، ومجاهد (٣٢)، وعطية العوفي (٣٣)، والسدي (٣٤)، وابن زيد (٣٥)، وعلي بن الحسين (٣٦)، ومحمد بن علي (٣٧)، وسالم بن عبد الله (٣٨)، ومقاتل بن
стр. 3033
حيان (١).
والثاني: يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها، كلما مضى نجم جاء نجم، وهو قول ابن مسعود (٢)، وزيد بن أسلم (٣).
قال الطبري: " وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض. لأن ما كان مفروضًا فواجب، وما كان واجبًا أداؤه في وقت بعد وقت فمنجَّم، غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة، قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا منجَّمًا، لأن «الموقوت» إنما هو «مفعول» من قول القائل: وَقَتَ الله عليك فرضه فهو يَقِته، ففرضه عليك «موقوت»، إذا أخرته، جعل له وقتًا يجب عليك أداؤه. فكذلك معنى قوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾، إنما هو: كانت على المؤمنين فرضًا وقَّت لهم وقتَ وجوب أدائه، فبيَّن ذلك لهم" (٤).
الفوائد:
١ - فضيلة الذكر، إذ أن أصحاب العقول الزاكية الوافية يدركون آيات الله التي بثَّها في الكون، ويشغلون ألسنتهم بذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في كل أحوالهم، فالإنسان في دنياه إمَّا أن يكون قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، وهم يذكرون الله في هذه الأحوال الثلاث، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فأثْنى على الذكارين وَوَعدهمْ أجرا عَظِيما فَأمر بِذكرِهِ مُطلقًا، وَبعد الْفَرَاغ من الْعِبَادَات.
٢ - أن الصلاة من دعائم الإسلام التي يتم بها النظام، قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ أي فرضًا مؤقتًا، ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
فَتَأمل رَحِمك الله إِلَى هَذِه الْعِبَادَة وَمَا حوت من أَسبَاب السَّلامَة وَتَحْصِيل الدَّرَجَات والفوز بالمثوبات حَتَّى يتفطن لمؤكدات الْكتاب وَالسّنة فِي الحض عَلَيْهَا وَالِاعْتِبَار بهَا فِي غير مَا آيَة وَخبر (٥).
قال الإمام علي-كرّم الله وجهه-: " تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقرَّبوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سُئِلُوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ وإنها لَتَحُتُّ الذنوب حَت الورق، وتُطلقها إطلاق الرِّبَقِ، وشَبَّهها رسول الله ﵌ بالحَمَّةِ تكونُ على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمسَ مرات، فما عسى أن يبقى عليه بن الدَّرَنِ، وقد غَرَفَ حَقَّها رجالٌ من المؤمنين" (٦).
القرآن
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ [النساء: ١٠٤]
التفسير:
ولا تضعفوا في طلب عدوكم وقتاله، إن تكونوا تتألمون من القتال وآثاره، فأعداؤكم كذلك يتألمون منه أشد الألم، ومع ذلك لا يكفون عن قتالكم، فأنتم أولى بذلك منهم، لما ترجونه من الثواب والنصر والتأييد، وهم لا يرجون ذلك. وكان الله عليمًا بكل أحوالكم، حكيمًا في أمره وتدبيره.
سبب النزول:
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لما كان قتال أُحُد، وأصابَ المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سِجَال، يوم لنا
стр. 3034
ويوم لكم ". فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أجيبوه. فقالوا: " لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان: عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم، فقال رسول الله ﷺ : قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: أُعْلُ هُبَل، أُعْل هبل! فقال رسول الله ﷺ : قولوا له: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم، وقال عكرمة: وفيها أنزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٠]، وفيهم أنزلت: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا﴾ (١).
قال مقاتل: " يوم احد -بعد القتل بأيام- فاشتكوا إلى النبي- ﷺ الجراحات، فأنزل الله- : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ " (٢).
قال الواحدي: " المراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي ﷺ الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤]، أي: " ولا تضعفوا في طلب عدوكم وقتاله" (٤).
قال مجاهد: " يقول: لا تضعفوا في ابتغاء القوم" (٥).
قال مقاتل: " يقول: ولا تعجزوا: كقوله: ﴿فما وهنوا﴾ (٦)، يعني فما عجزوا" (٧).
قال الماوردي: " أي: لا تضعفوا في طلبهم لحربهم" (٨).
قال الزجاج: " لا تضعفوا في طلب القوم بالحرب، هذا خطاب للمؤمنين، والقوم ههنا الكفار الذين هم حربُ المؤمنين" (٩).
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، " أي: إِن كنتم تتألمون من الجراح والقتال فإِنهم يتألمون أيضاً منه كما تتألمون" (١٠).
قال مقاتل: " يعني: يتوجعون كما تتوجعون" (١١).
قال الزجاج: " أي: إن تكونوا توجَعُون فإنهم يجدون من الوجع بما يَنَالهم من الجراح
والتَعَبَ كما تجدون" (١٢).
قال الماوردي: " أي: ما أصابهم منكم فإنهم يألمون به كما تألمون بما أصابكم منهم" (١٣).
قال أبو السعود: " تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم لاتصبرون مع أنكم أولى به منهم " (١٤).
قال الزمخشري: " روى أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا" (١٥).
وقرأ الأعرج: «أن تكونوا تألمون»، بفتح الهمزة، بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله: رفإنهم يألمون كما تألمون﴾ تعليل. وقرئ: «فإنهم ييلمون كما تيلمون» (١٦).
стр. 3035
قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، أي: " ولكنكم ترجون من الله الثواب والنصر والتأييد حيث لا يرجونه هم" (١).
قال مقاتل: " من الثواب والأجر، ﴿ما لا يرجون﴾، يعني: أبا سفيان وأصحابه" (٢).
قال السمعاني: " أي: وتأملون من الله مالا يأملون، من الظفر في الدنيا، والثواب في الآخرة" (٣).
قال الزجاج: " أي: أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله به، وإظهار دينكم على سائر
أديانِ أهل الملل المخالفة لأهل الإسلام وترجُونَ مع ذلك الجنة، وهم – أعني المشركينَ - لايرجون الجنة لأنهم كانوا غير مقرين بالبعث فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون" (٤).
قال الماوردي: " أي: هذه زيادة لكم عليهم وفضيلة خُصِصْتُم بها دونهم مع التساوي في الألم" (٥).
قال ابن عطية: " ثم تأكد التشجيع بقوله تعالى: ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾، وهذا برهان بين، ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين" (٦).
قال أبو السعود: يعني: " حيث ترجون من الله من إظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب في الآخرة مالا يخطر ببالهم" (٧).
وفي هذا الرجاء قولان (٨):
أحدهما: معناه أنكم ترجون من نصر الله ما لا يرجون.
والثاني: تخافون من الله لا يخافون، وهذا قول الفرا والكسائي (٩)، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ٣١]، أي لا تخافون لله عظمة. ومنه قول الشاعر (١٠):
لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذَّائِدَا ... أَسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أَمْ وَاحِدَا
وكما قال أبو ذؤيب الهُذَليّ (١١):
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ
وهي لغةٌ لأهل الحجاز يقولونها، بمعنى: ما أبالي، وما أحْفِلُ (١٢)، " وإِنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأن الرجاءَ أمل قد يخاف ألَّا يَتِمَّ" (١٣).
قال الزجاج: " قال بعض أهل التفسير: معنى ﴿ترجون﴾ ههنا: تَخَافون، وأجمَعَ أهل اللغة الموثوق بعلمهم: أن الرجاءَ ههنا على معنى الأمل لا على تصريح الخوف" (١٤).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]، أي: " وكان الله عليمًا بكل أحوالكم، حكيمًا في أمره وتدبيره" (١٥).
قال الزمخشري: أي: " لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم" (١٦).
قال ابو السعود: " ﴿عَلِيمًا﴾: مبالغا في العلم فيعلم أعمالكم وضمائركم، ﴿حكيما﴾: فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة" (١٧).
قال الطبري: أي: " ولم يزل الله ﴿عليمًا﴾ بمصالح خلقه، ﴿حكيمًا﴾ في تدبيره وتقديره، ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون
стр. 3036
به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم" (١).
الفوائد:
١ - تحريض الله تعالى المؤمنين، وتقوية عزائمهم في قوله ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
٢ - أن التكاليف الشرعية ليس فيها مشقة، سواء كانت أفعالاً أو سلوكاً، فأشق ما فيها الجهاد، الذي فيه تعرض للقتل، ولكن لما علم المؤمنون بعاقبتهم الحميدة من كونهم يناصرون الإسلام وفي سبيل الله هانت عليهم نفوسهم، لما علموا أيضاً بأن الرب سبحانه يمدهم ويقويهم وينزل عليهم الملائكة لتقاتل معهم ويخذل أعداءهم، كان ذلك دافعاً لهم إلى أن يستميتوا، لما علموا بأنهم إذا قتلوا في سبيل الله فهم أحياء عند ربهم يرزقون، كان ذلك أيضاً دافعاً لهم إلى التفاني في سبيل الله، لما علموا أيضاً أن أعداء الله من الكفار يقاتلونهم على كفرهم وتهون عليهم أنفسهم وهم كفار، كانوا أولى منهم بذلك أن يفدوا دينهم الصحيح، إذا كان هؤلاء يفدون دينهم الباطل فنحن نفدي ديننا الصحيح، ولأجل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] (٢).
٣ - ومن الفوائد أن طريق الجهاد ليس مفروشاً بالورود والرياحين، وإنما هو طريق شاق له متاعبه وتبعاته، ولكنه طريق المجد والشرف، وبه تنال سلعة الله ﵎ في النهاية، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ... ﴾ (٣).
٤ - ومنها: الاحتمال والصبرُ على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله من الأجرِ والثواب، وأنه مهما جاء من شدائدَ الدنيا فهي منقطعةٌ ولها أجلٌ، فهو ينتظرُ الفرجَ ويرجو الثواب الذي لا ينقطعُ يوم الرجوعِ إلى الله – (٤).
القرآن
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]
التفسير:
إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملا على الحق; لتفصل بين الناس جميعًا بما أوحى الله إليك، وبَصَّرك به، فلا تكن للذين يخونون أنفسهم -بكتمان الحق- مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة.
في سبب نزول الآيات [١٠٥ إلى ١١٦]:
أخرج الترمذي عن قتادة بن النعمان ﵁ قال: "كان أهل بيت منا يُقال لهم: بنو أُبيرقٍ بشر وبُشير ومبشر، وكان بُشير رجلاً منافقاً يقول الشعر، يهجو به أصحاب رسول اللَّه ﷺ ثم ينحله بعض العرب ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قال: وكانوا أهل بيتِ حاجةٍ وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافِطَة من الشام من الدرمك، ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضَافِطَة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حِمْلاً من الدرمك فجعله في مَشْرُبَة له، وفي المشربة سلاح، درع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنُقِّبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي إنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذُهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أُبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نُرى فيما نُرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أُبيرق قالوا: ونحن نسأل في الدار، والله ما نُرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟ فواللَّه
стр. 3037
ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنها أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهلُ جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مَشْرُبَةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي ﷺ : (سآمر في ذلك) فلما سمع بنو أُبيرق أتوا رجلاً منهم يُقال له أُسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول اللَّه إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بيِّنة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه ﷺ فكلمته، فقال: «عمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه» قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أُكلم رسول اللَّه ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللَّه ﷺ فقال: الله المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بني أُبيرق (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي مما قلت لقتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) إلى قوله ﴿غَفورًا رَّحِيمًا﴾، أي: لو استغمْروا اللَّه لغفر لهم: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) إلى قوله ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فلما نزل القرآن أتى رسول اللَّه ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة. فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عشا أو عسا - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل اللَّه، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بُشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية فأنزل اللَّه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان؟ ما كنت تأتيني بخير" (١).
وقد ذكر ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والضحاك (٦)، والسدي (٧)، وابن زيد (٨)، وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بني أُبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة.
وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزولها، وأورده بعضهم بسياق مقارب للمذكور، لكن الجميع اتفقوا على أن نزولها كان في بني أبيرق، كالطبري (٩)، والبغوي (١٠)، وابن العربي (١١)، وابن
стр. 3038
عطية (١)، والقرطبي (٢)، وأبو حيان (٣)، وابن كثير (٤)، والسيوطي (٥)، والشوكاني (٦)، وابن عاشور (٧)، وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: " إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملا على الحق" (٨).
يحتمل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥]، ثلاثة أوجه (٩):
أحدها: أن الكتاب حق.
والثاني: أن فيه ذكر الحق.
والثالث: أنك به أحق.
وذكر الماتريدي في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]، وجوها (١٠):
أحدها: بحق الله عليكم، أنزل إليك الكتاب.
والثاني: بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب؛ لتحكم بين الناس.
والثالث: أي: بالمحنة يمتحنهم بها؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، وإهمال كل ذي لب لا يؤمر ولا ينهى - خروج عن الحكمة.
والرابع: بالعواقب؛ لتكون لهم العاقبة.
ثم قال: "إذ الحق صفة لكل ما يحمد عليه فاعله، والباطل لما يذم" (١١).
قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: " لتحكم بين الناس بما عرّفك الله وأوحى به إِليك" (١٢).
قال عطية: " النبي ﷺ أراه الله كتابه" (١٣).
قال الزمخشري: " بما عرفك وأوحى به إليك" (١٤).
قال ابن عباس: " ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، يقول: بما أنزل الله إليك من الكتاب" (١٥).
قال الواحدي: " وهذا يدل أن رأيه ﷺ كله وحيًا" (١٦).
قال التستري: " يعني: بما علمك الله تعالى من الحكمة في القرآن وشرائع الإسلام" (١٧).
قال ابن العربي: " أي: بما أعلمك، وذلك بوحي أو بنظر" (١٨).
وعن مطر في قوله: " ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، قال: بالبينات والشهود" (١٩).
قال ربيعة: " إن الله ﵎ أنزل القرآن وترك فيه موضعا للسنة، وسن الرسول ﷺ السنة وترك فيها موضعا للرأي" (٢٠).
стр. 3039
وفي رواية عن ابن عباس: " إياكم والرأي، قال الله تعالى لنبيه: احكم بينهم بما أراك الله، ولم يقل: بما رأيت" (١).
قال السيوطي: "أخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار، أن رجلاً قال لعمر: ﴿بما أراك الله﴾، قال: مه، إنما هذِه للنبي ﷺ – خاصة" (٢).
ونقل الواحدي عن الحسن: «رأي الأنبياء ﵈ وحي»، ثم تلا هذه الآية" (٣).
وعن ابن وهب قال: "قال لي مالك: الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين، فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصواب، الحكم الذي يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء فلعله أن يوفق، قال: وثالث متكلف لما لا يعلم فما أشبه ذلك أن لا يوفق" (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: " فلا تكن للذين يخونون أنفسهم -بكتمان الحق- مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة" (٥).
قال الزجاج: " أي: لا تكن مخاصماً ولا دَافِعاً عن خَائِن" (٦).
قال قتادة بن النعمان: " أي: بني أبيرق" (٧).
قال الزمخشري: " ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبرآء، يعنى: لا تخاصم اليهود لأجل بنى ظفر" (٨).
قال الراغب: " معناه: لا تخاصم الناس لأجل الخائنين، ومعناه كمعنى قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] " (٩).
قال المراغي: " أي ولا تكن لمن خان خصما: أي مخاصما ومدافعا تدافع عنه من طالبه بحقه الذي خان فيه، وخلاصة ذلك- إن عليك ألا تتهاون فى تحرى الحق اغترارا بلحن الخائنين وقوة جدلهم فى الخصومة، لئلا تكون خصيما لهم وتقع فى ورطة الدفاع عنهم، ويؤيد هذا
حديث أم سلمة «إنكم تختصمون إليّ وإنما انا بشر ولعل بعضكم الحن بحجته، أو قد قال: لحجته من بعض. فإنما اقضى بينكم على نحو ما اسمع. فمن قضيت له من حق اخيه شيئا فلا ياخذه، فإنما اقطع له قطعة من النار ياتى بها إسطاما فى عنقه يوم القيامة» (١٠) " (١١).
قال الماتريدي: " قال أكثر أهل التفسير: إنه هم أن يقوي سارقا - يقال له: طعمة - ويصدقه في قوله؛ فنزل قوله: ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره" (١٢).
قال الواحدي: " وخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها، قال الأخطل (١٣):
إذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ ... باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها
أي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره" (١٤).
стр. 3040
قال القرطبي: " في هذه الآية تشريف للنبي ﷺ وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق" (١).
الفوائد:
١ - التحذير من العمل بحديث النفس، قال الشاطبي: " فأما العمل بحديث النفس والعارض في القلب فلا، فإن الله حظر ذلك على نبيه فقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب، بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، فأمره بالحكم بما أراه الله لا بما رآه، وحدثته به نفسه، فغيره من البشر أولى أن يكون ذلك محظورا عليه، وأما إن كان جاهلا فعليه مسألة العلماء دون ما حدثته نفسه" (٢).
ونقل عن عمر ﵁ أنه خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وصفق بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا» (٣)، إلى آخر الحديث
٢ - في الآية الرد على من يشترط في القضاء علم الكتابة، مع أنه لا دليل عليه، بل إن الدليل قائم على خلافه، فإن خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام كان له منصب القضاء بلا ريب، لقوله تعالى: ﴿أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ولم يتصف بالكتابة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك (٤).
٣ - وفيه دليل أن أقواله- ﷺ كلها ليس وحي، ، "لأن أقواله ﷺ لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى: : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقال تعالى ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ .. (٥).
٤ - أن السنة لا تخالف القرآن لأنهما من مصدر واحد، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال أيضا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، فكل ما اجتهد فيه الرسول ﷺ من أمر الشريعة فهو حق لأن الله لا يقره بباطل أبدا، وكل ما ثبت عن الرسول ﷺ بخبر العدل الضابط عن مثله إلى رسول الله يجب اعتقاده والعمل به سواء جاءنا متواترا أو آحادا (٦).
القرآن
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء: ١٠٦]
التفسير:
واطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك، إن الله تعالى كان غفورًا لمن يرجو فضله ونوال مغفرته، رحيمًا به.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦]، أي: " واطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك" (٧).
قال قتادة بن النعمان: " فلم يلبث أن نزل القرآن، ﴿واستغفر الله﴾، أي: مما قلت لقتادة" (٨).
قال الزجاج: " أمره بالاستغفار مما هم به" (٩).
قال مقاتل: " فاستغفر النبي- ﷺ عند ذلك" (١٠).
стр. 3041
قال الطبري: " وقد قيل إن النبي ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك" (١).
قال البغوي: أي: " مما هممت به من معاقبة اليهودي" (٢).
قال الكلبي: " واستغفر الله يا محمد من همك باليهودي أن تضربه" (٣).
ونقل الثعلبي عن ابن عباس: "واستغفر الله مما هممت به من قطع يد زيد" (٤).
وقال الطبري: أي: " واستغفر الله "، يا محمد، وسَلْه أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره" (٥).
قال ابن عطية: " ذهب الطبري إلى أن المعنى: «استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين» (٦)، وهذا ليس بذنب، لأن النبي ﷺ إنما دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى: استغفر للمذنبين من أمتك والمتخاصمين في الباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، فهذا حدك، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب" (٧).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]، أي: "، إن الله تعالى كان غفورًا لمن يرجو فضله ونوال مغفرته، رحيمًا به" (٨).
قال الطبري: أي: " إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين، بتركه عقوبتهم عليها إذا استغفروه منها، ﴿رحيما﴾ بهم" (٩).
قال الثعلبي: " فإن قيل: قد أمر بالاستغفار، قلنا: هو لا يوجب وجود الذنب ولا يجب أن يستغفر كما أمر في سورة الفتح بالاستغفار من غير ذنب مقدم.
واعلم أن الاستغفار في جميع الأنبياء يعد وجوه منها ثلاثة أوجه: يكون لذنبه مقدم مثل النبوة، ويكون لذنب أمته وقرابته ويكون لترك المباح قبل ورود الحضر، ومعناه بالسمع والطاعة لما أمرت به ونهيت عنه وحملت التوفيق عليه" (١٠).
الفوائد:
١ - فضيلة الاستغفار.
٢ - ذكر بعض أهل العلم: أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي الفتوى الاستغفار لمحو أثر الذنب من قلبه حتى يتبين له الحق، واستنبطه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾، [النساء: ١٠٥ - ١٠٦] (١١).
القرآن
﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾ [النساء: ١٠٧]
التفسير:
ولا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله. إن الله -سبحانه- لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكثر ذنبه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]، أي: " ولا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله" (١٢).
قال قتادة بن النعمان: " بني أبيرق" (١٣).
стр. 3042
قال الثعلبي: " يعني: يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي" (١).
قال الزجاج: " يعني: أبا طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق، ويروى أن أبا طعمة هذا هرب إلى مكة وارتد عن الِإسلام، وأنه نقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله" (٢).
قال الجصاص: " جائز أن يكون صادف ميلا من النبي ﷺ على اليهودي بوجود الدرع المسروقة في داره وجائز أن يكون هم بذلك فأعلمه الله براءة ساحة اليهودي ونهاه عن مجادلته عن المسلمين الذين كانوا يجادلون عن السارق وقد كانت هذه الطائفة شاهدة للخائن بالبراءة سائلة للنبي ﷺ أن يقوم بعذره في أصحابه وأن ينكر ذلك على من ادعى عليه فجائز أن يكون النبي ﷺ أظهر معاونته لما ظهر من الطائفة من الشهادة ببراءته وأنه ليس ممن يتهم بمثله
فأعلمه الله باطن أمورهم" (٣).
قال الماتريدي: " لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم كقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] " (٤).
قال الزمخشري: أي: " يخونونها بالمعصية. كقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلما لها: لأن الضرر راجع إليهم" (٥).
قال الواحدي: " والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومعنى ﴿يختانون أنفسهم﴾: يخونوها بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.
ويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه، وقد صرحت الآية بالنهي عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير" (٦).
وإن "قلت: لم قيل: «للخائنين» و ﴿يختانون أنفسهم﴾، وكان السارق طعمة وحده؟ قلت: لوجهين:
أحدهما: أن بنى ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم.
والثاني: أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه" (٧).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]، أي: " إن الله -سبحانه- لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكثر ذنبه" (٨).
قال السمعاني: " الخوان: الخائن والأثيم: ذو الإثم" (٩).
قال مقاتل: ﴿خَوَّانًا﴾، في دينه، ﴿أَثِيمًا﴾، بربه" (١٠).
قال الواحدي: " أَيْ: طعمة لأنَّه خان في الدِّرع وأَثِم في رميه اليهوديَّ" (١١).
قال الثعلبي: " يعني: خائنا في الدرع، أثيما في رميه اليهودي، قد قيل فيه: إن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك﴾ [يونس: ٩٤]، والنبي لا يشك مما أنزل الله" (١٢).
عن سفيان بن عيينة: " ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾، قال: لا يقرب" (١٣).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قيل ﴿خوانا أثيما﴾، على المبالغة؟
стр. 3043
قلت: كان الله عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
وعن عمر رضى الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة» (١) " (٢).
الفوائد:
١ - نهى الله نبيه وعباده عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب بقوله: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين؟ (٣).
٢ - في هذه الآية دليل على النهي عن المجادلة عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير فإنه لا يجادل عنه، بدفع ما صدر عنه من الخيانة أو تبرير ما ارتكبه من جريمة لغرض إسقاط ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية (٤).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ دليل على انتفاء حب الله لمن كان بهذا الوصف، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض فمن اللائق بالمسلم أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغضه الله، ولا يكون مخالفا لله في حب ما يبغض وبغض ما يحب، فإن هذا السلوك لا يجوز أن يصدر من مسلم ملتزم بالإسلام التزاما صادقا (٥).
٤ - والآية فيها الرد على القائلين بأن: "أقوال الرسول كلها وحي" (٦)، قال الدهلوي: " وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله ﷺ لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ وقال تعالى ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ وقال تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر (٧) ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ " (٨).
القرآن
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨]
التفسير:
يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على أعمالهم السيئة، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه، وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول، وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨]، "أي: يستترون من الناس خوفاً وحياءً" (٩).
стр. 3044
قال ابن عباس: " ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ ليلا مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ " (١).
قال الثعلبي: " أي: يستترون ويستحيون من الناس" (٢).
قال الطبري: أي: " يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، ما أتَوْا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية، من الذين لا يقدرون لهم على شيء، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم، وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا من قبيح الأحدوثة" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨]، أي: " ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه" (٤).
قال الثعلبي: " أي: [ولا] يستترون ولا يستحيون من الله" (٥).
قال الطبري: "وقد قيل: عنى بقوله: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله﴾، الرهطَ الذين مشوا إلى رسول الله ﷺ في مسألة المدافعة عن ابن أبيرق والجدال عنه" (٦).
قال ابن كثير: " هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم" (٧).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، أي: " وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول" (٨).
قال ابن كثير: " تهديد لهم ووعيد" (٩).
قال الطبري: " يعني: والله شاهدهم حين يسوُّون ليلا ما لا يرضى من القول، فيغيِّرونه عن وجهه، ويكذبون فيه" (١٠).
قال الثعلبي: " ﴿وهو معهم﴾ يعني علمه" (١١).
قال أبو رزين: " إذ يؤلفون مالا يرضى من القول" (١٢). وروي عن السدي مثل ذلك (١٣).
قال الزجاج: " كل ما فُكِّرَ فِيه أوخِيض فيه بليل فقد بُيِّتَ، يعني: به هذا السارق، والذي بيَّتَ من القوم أن قال: أرمِي إليهودِي بأنه سارق الدرع، وأحلِفُ أني لم أسرقها، فتقْبل يميني لأني على ديني، ولا تقبل يمين إليهودي. فهذا ما بُيِّتَ من القول" (١٤).
وقد حكى عن بعض الطائيين أن " التبييت " في لغتهم: التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل (١٥):
وَبَيَّتَّ قَوْلِيَ عَبْدَ الْمَلِيكِ ... قاتلَكَ الله عَبْدًا كَنُودًا! !
بمعنى: بدَّلت قولي (١٦).
قال الطبري: ": وهذا القول شبيه المعنى بالذي قلناه [أي: كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلا] (١٧)، وذلك أن «التأليف»: هو التسوية والتغيير عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيره" (١٨).
стр. 3045
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]، أي: " وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء" (١).
قال مقاتل بن حيان: " يقول: أحاط علمه بأعمالهم. ومنهم من يقول: أنزلت في المنافقين" (٢).
قال احمد بن داود: " قد أحاط الله بكل شيء علما، ولم يقل مع كل شيء" (٣).
قال الطبري: أي: " وكان الله بما يعمل هؤلاء المستخفون من الناس، فيما أتَوْا من جرمهم، حياءً منهم، من تبييتهم ما لا يرضى من القول، وغيره من أفعالهم ﴿محيطًا﴾، محصيًا لا يخفى عليه شيء منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يجازيهم عليه جزاءهم" (٤).
عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا، فهي استهانة، استهان بها وبه، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ " (٥).
الفوائد:
١ - لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريقًا منهم فريقًا عنهم ليحموهم، ويدافعوا عنهم (٦).
٢ - قال الثعلبي: " وتعلقت الجهمية والمعتزلة بهذه الآية، استدلوا منها على إن الله بكل مكان قالوا لما قال وهو معهم ثبت إنه بكل مكان لأنه قد اثبت كونه معهم وقال لهم حق قوله وهو معهم إنه يعلم ما يقولون ولا يخفى عليه فعلهم لأنه العالم بما يظهره الخلق وبما يستره، وليس في وله وهو معهم ما يوجب انه بكل مكان لأنه قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ولم يرد قوله انه في السماء يعني غير الذات لأن القول: أن زيدا في موضع كذا من غير أن يعتد بذكر فعل أو شيء من الأشياء لا يكون إلا بالذات، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، فأخبر أنه يرفع الأشياء من السماء ولا يجوز أن يكون معهم بذاته ثم يدبر الأمر من السماء وإليه يصعد الكلم الطيب" (٧).
٣ - من صفات المنافقين: " تبييت الشر للمسلمين، وتدبير المكائد لهم. ودليل هذه الصفة قول الله : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]؛ فمخافة الخلق عند هؤلاء المنافقين أعظم من مخافة الله ، لذلك تجدهم يحرصون بالوسائل المباحة والمحرمة على تجنب الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول" (٨).
القرآن
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩]
التفسير:
ها أنتم -أيها المؤمنون- قد حاججتم عن هؤلاء الخائنين لأنفسهم في هذه الحياة الدنيا، فمن يحاجج الله تعالى عنهم يوم البعث والحساب؟ ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يوم القيامة؟
قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: " ها أنتم -أيها المؤمنون- قد حاججتم عن هؤلاء الخائنين لأنفسهم في هذه الحياة الدنيا" (٩).
قال ابن عباس: " يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائن" (١٠).
стр. 3046
قال الزجاج: " يعني: به من احتج عن هذا السارق، وأصل «المجادلة»، و «الجدال» في اللغة: شدة المخاصمة، والجدْل: شدة القَتْل، ورَجُل مجدول، أي: كأنَّه قد قُتِلَ، والأجدَل الصقر، يقال له أجدَل لأنه من أشد الطيور قوةً " (١).
قال الطبري: أي: " ها أنتم الذين جادلتم، يا معشر من جادل عن بني أبيرق ﴿في الحياة الدنيا﴾ " (٢).
قال الزمخشري: " المعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا" (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٠٩]، وجهان:
أحدهما: أن ﴿هَؤُلَاءِ﴾: ههنا بمعنى «الذين». وهذا قول الزجاج (٤)، والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن «هؤلاء» و «هذا» يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة «الذين»، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة «الذين»، نحو قول الشاعر (٥):
عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ
أي والذي تحملينه طليق.
والثاني: أن ﴿هؤلاء﴾: إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو. وهذا قول الأخفش (٦).
وفي قراءة أبي بن كعب: «عنه في الحياة الدنيا»، أى: عن طعمة (٧).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: " فمن يحاجج الله تعالى عنهم يوم البعث والحساب؟ " (٨).
قال البغوي: " أي: من الذي يذب عنهم، ويتولى أمرهم يوم القيامة" (٩).
قال الزمخشري: أي: " فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه" (١٠).
قال الزجاج: " أي: في اليوم الذي يؤخذ فيه بالحقائق، وأمر الدُّنيا يَقوم بالشهادات في
الحقوق، وجائز أن تكون الشهادة غير حقيقة، فكأنَّه - واللَّه أعلم - قيل لهم إِن يقم الجدال في الدنيا والتغييب عن أمر هذا السارق، فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة" (١١).
قال ابن كثير: " أي: هَبْ أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر - وهم مُتَعَبدون بذلك - فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، ، الذي يعلم السر وأخفى؟ " (١٢).
قال الطبري: أي: " إنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم، وإن دافعتم عنهم في عاجل الدنيا، فإنهم سيصيرون في آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما يحلُّ بهم من أليم العذاب ونَكال العقاب" (١٣).
قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: " ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يدافع عنهم يوم القيامة؟ " (١٤).
قال ابن كثير: أي: " ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يومئذ لهم وكيلا" (١٥).
стр. 3047
قال الطبري: " أي: ومن يتوكل لهم في خصومة ربهم عنهم يوم القيامة" (١).
قال الزمخشري: ﴿وكيلا﴾: أي: " حافظا ومحاميا من بأس الله وانتقامه" (٢).
قال الفخر: " والوكيل: هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية، والمعنى: من الذي يكون محافظا ومحاميا لهم من عذاب الله؟ " (٣).
و«الوكالة»: هي "القيام بأمر من توكل له" (٤).
الفوائد:
١ - أن خطاب الآية يدل على وقوع الجدل الكاذب الخؤون من هؤلاء المنافقين المتجمعين الذين كانوا ألحن بحجتهم من خصومهم البرآء، والله يعلم أنه جدل زائف باطل نبه رسوله ﷺ على بطلانه وزيفه فلم ينخدع به رسول الله ﷺ في ترتيب شيء عليه من القضاء أو الحكم.
٢ - لما كان الجدل في لدنيا يمكن أن يقع به التمويه والخداع، وكان الجدل في الآخرة مكشوف السوأة لا يخدع به أحد نبه الله تعالى على أن جدلهم في الدنيا وإن كان خادعاً لم ينفعهم بشيء لأن الله تعالى أعلم رسوله ﷺ ونبهه على ما فيه من خيانة وخداع، ولكن جدل الآخرة لا يمكن أن يقع بسببه خداع ولا خيانة لأن الحاكم إذ ذاك هو الله وحده علام الغيوب فقال لهم منكراً مقرعاً ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يوم تنكشف الحقائق فلا يغطيها خداع أو لحن بحجة.
القرآن
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]
التفسير:
ومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح، أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه، ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه، يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال الضحاك: "نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة ﵁، أشرك بالله وقتل، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لنادم فهل لي من توبة؟ فنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، الآية" (٥).
والثاني: قال الكلبي: "نزلت في شأن طعمة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾: بسرقة الدرع، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: برميه غيره وجحوده" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " ومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح" (٧).
قال ابن عباس: " يعني: الذين أتو رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب" (٨).
قال الثعلبي: " يعني: يسرق الدرع" (٩).
قال البغوي: " يعني: السرقة، وقيل: يعني: شركا" (١٠).
قال الزمخشري: أي: " قبيحا متعديا يسوء به غيره، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي" (١١).
قال القاسمي: " أي: قبيحا متعديا. يسوء به غيره، كما في القصة" (١٢).
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه" (١٣).
стр. 3048
قال الثعلبي: " يعني: بما دون الشرك" (١).
قال البغوي: " برميه البريء، وقيل: يعني: إثما دون الشرك" (٢).
قال الزمخشري: أي: " بما يختص به كالحلف الكاذب" (٣).
قال الراغب: " عامل السوء وظالم النفس وإن كانا يعودان إلى معنى واحد، فذكرهما اعتبارا بحالتين، وقيل: عمل السوء إشارة إلى فعل الصغائر، وظلم النفس إلى الكبائر" (٤).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه" (٥).
قال الزجاج: " أي: يسأله المغفرة مع إِقلاع، لأنه إذا كان مقيماً على الإصرار فليس بتائب" (٦).
قال النحاس: " أي استغفار غير عائد لانه إذا عزم على العودة فليس بتائب" (٧).
قال الثعلبي: " أي: يتوب إلى الله" (٨).
قوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به" (٩).
قال قتادة بن النعمان: " أي: لو استغفروا الله لغفر لهم" (١٠).
قال السمعاني: " عرض التوبة على طعمة وقومه في هذه الآية، وأمرهم بالاستغفار" (١١).
قال الزمخشري: " وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة، مع العلم بما يكون منه. أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه" (١٢).
قال المراغي: " وفى ذلك حث وترغيب لطعمة وقومه فى التوبة والاستغفار، كما أن فيها بيانا للمخرج من الذنب بعد وقوعه، وفيها تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدمهما، وهما أسس الشرائع.
قال الطبري: " عنى بهذه الآية كل من عمل سوءًا أو ظلم نفسه، وإن كانت نزلت في أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرَهم في الآيات قبلها" (١٣).
والمراد بوجدان الله ﴿غفورا رحيما﴾: هو أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة فى نفسه بكراهة الذنب وذهاب داعيته ويجد أثر الرحمة بالرغبة فى الأعمال الصالحة التي تطهر النفس وتزيل الدرن منها" (١٤).
قال ابن عباس: ": أخبر الله عبادَه بحلمه وعفوه وكرمه، وسعةِ رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال" (١٥).
قال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصابَ أحدهم ذنبًا أصبح قد كُتِب كفارة ذلك الذنب على بابه. وإذا أصاب البولُ شيئًا منه، قَرَضه بالمقراض (١٦). فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما آتاهم، جعل الله الماءَ لكم طهورًا وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا
стр. 3049
اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٥]، وقال: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ (١).
الفوائد:
١ - أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي سوءا لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن.
٢ - فضيلة الاستغفار.
٣ - أن المغفرة مقيدة بالتوبة، قال الرملي: " لا يغفر الله تعالى الكبيرة أو الصغيرة التي لم يتب منها بمجرد الاستغفار المذكور، والمغفرة المرتبة على الاستغفار في الكتاب والسنة مقيدة بالتوبة فقد قال ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: ٣١] وهذا أمر على العموم وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ [التحريم: ٨] الآية. ومعنى النصوح الخالص لله تعالى خاليا عن الشهوات" (٢). والأحاديث الواردة في فضل التوبة مشهورة.
٤ - وهذه الآية أسند الله فيها الى العبد عمل السوء وظلم النفس والإستغفار، وأسند الى نفسه المغفرة والرحمة فأسند الى الله ما أسند الى نفسه، ولنسند الى العبد ما أسند الله إليه وليس علينا في ذلك جناح ولو تدبرنا القرآن كله لوجدناه على هذه الشاكلة: فلم يقولون يخلق العبد أفعال نفسه، ثم يختلفون؟ أما إنهم لو قالوا كما قال الله تعالى: ﴿يفعل﴾ أو ﴿يعمل﴾ أو ﴿يكسب﴾ أو ﴿يقترف﴾ ما اختلفوا، وإذا كانوا جميعا متفقين على أن أعمال العباد اختيارية قدرها الله أن تكون لهم فما بالهم يحاولون نسبتها الى الله تعالى (٣).
القرآن
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النساء: ١١١]
التفسير:
ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب، فإنما يضر بذلك نفسه وحدها، وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي: " ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب" (٤).
قال القرطبي: " أي ذنبا" (٥).
قال البغوي: " يعني: يمين طعمة بالباطل، أي: ما سرقته إنما سرقه اليهودي" (٦).
قال الطبري: أي: " ومن يأت ذنبًا على عَمْدٍ منه له ومعرفة به" (٧).
قال المراغي: " أي: ومن يعمل الإثم وير أنه قد كسبه وانتفع به" (٨).
قال السمرقندي: " يعني الشرك بالله تعالى" (٩).
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١]، أي: " فإنما يضر بذلك نفسه وحدها" (١٠).
قال النحاس: " أي: عقابه يرجع عليه" (١١).
قال البغوي: أي: " فإنما يضر به نفسه" (١٢).
قال الواحدي: " أي: إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم بإثمه" (١٣).
قال ابن عطية: " أي: إياها يردي وبها يحل المكروه" (١٤).
стр. 3050
قال الزمخشري: " أى لا يتعداه ضرره إلى غيره فليبق على نفسه من كسب السوء" (١).
قال الطبري: أي: " فإنما يجترح وَبَال ذلك الذنب وضُرَّه وخِزْيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله" (٢).
قال القرطبي: " أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجربه الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا" (٣).
قال القاسمي: " أي: فليتحرز عن تعريضها للعقاب" (٤).
قال المراغي: أي: "فإنما كسبه وبال على نفسه وضرر لا نفع له فيه، كما يخطر على بال من يجهل عواقب الآثام فى الدنيا والآخرة، من فضيحة للآثم ومهانة له بين الناس وعند الحاكم العادل كما وقع لأصحاب هذه القصة الذين نزلت فى شأنهم هذه الآيات، ومن خزى فى الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" (٥).
قال الراغب: " الأصل في «الاكتساب» ما يجر به نفع، فاستعاره لما يجلب ضرا، تنبيها أن صاحبه يقدر فيما تحراه أنه يكسب خيرا وهو يكسب شرا، ونحوه معنى قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] " (٦).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي: " وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه " (٧).
قال الواحدي: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ " بالسارق، ﴿حَكِيمًا﴾: حكم بالقطع على طعمة في السرقة" (٨).
قال البغوي: أي: " ﴿عليما﴾ بسارق الدرع، ﴿حكيما﴾، حكم بالقطع على السارق" (٩).
قال المراغي: " أي: إنه تعالى بعلمه الواسع حدد للناس شرائع يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابا يضر المتجاوز لها، فهو إذا يضر نفسه ولا يضر الله شيئا" (١٠).
قال الطبري: أي: " وكان الله عالمًا بما تفعلون، أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم، في جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالِكم وأفعال غيركم، وهو يحصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم بها، وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم وتدبير جميع خلقه" (١١).
الفوائد:
١ - تضمنت الآية الكريمة أن نفع العمل وضرره عائد إلى عامله لا إلى غيره، فإن التبعة شخصية، وكقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
٢ - والآية تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين بأن الله لا يخفى عليه خداعهم، وأن رسوله ﷺ في عصمة وحماية منه تعالى لا يتركه لخداعهم وخيانتهم، وأنه تعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها.
القرآن
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]
التفسير:
ومن يعمل خطيئة بغير عمد، أو يرتكب ذنبًا متعمدًا ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها، فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال ابن الجوزي: " جمهور العلماء على أنها نزلت متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق" (١٢).