← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

قال الزجاج: " يعني: به من احتج عن هذا السارق، وأصل «المجادلة»، و «الجدال» في اللغة: شدة المخاصمة، والجدْل: شدة القَتْل، ورَجُل مجدول، أي: كأنَّه قد قُتِلَ، والأجدَل الصقر، يقال له أجدَل لأنه من أشد الطيور قوةً " (١). قال الطبري: أي: " ها أنتم الذين جادلتم، يا معشر من جادل عن بني أبيرق ﴿في الحياة الدنيا﴾ " (٢). قال الزمخشري: " المعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٠٩]، وجهان: أحدهما: أن ﴿هَؤُلَاءِ﴾: ههنا بمعنى «الذين». وهذا قول الزجاج (٤)، والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن «هؤلاء» و «هذا» يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة «الذين»، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة «الذين»، نحو قول الشاعر (٥): عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ أي والذي تحملينه طليق. والثاني: أن ﴿هؤلاء﴾: إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو. وهذا قول الأخفش (٦). وفي قراءة أبي بن كعب: «عنه في الحياة الدنيا»، أى: عن طعمة (٧). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: " فمن يحاجج الله تعالى عنهم يوم البعث والحساب؟ " (٨). قال البغوي: " أي: من الذي يذب عنهم، ويتولى أمرهم يوم القيامة" (٩). قال الزمخشري: أي: " فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه" (١٠). قال الزجاج: " أي: في اليوم الذي يؤخذ فيه بالحقائق، وأمر الدُّنيا يَقوم بالشهادات في الحقوق، وجائز أن تكون الشهادة غير حقيقة، فكأنَّه - واللَّه أعلم - قيل لهم إِن يقم الجدال في الدنيا والتغييب عن أمر هذا السارق، فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة" (١١). قال ابن كثير: " أي: هَبْ أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر - وهم مُتَعَبدون بذلك - فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، ، الذي يعلم السر وأخفى؟ " (١٢). قال الطبري: أي: " إنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم، وإن دافعتم عنهم في عاجل الدنيا، فإنهم سيصيرون في آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما يحلُّ بهم من أليم العذاب ونَكال العقاب" (١٣). قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: " ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يدافع عنهم يوم القيامة؟ " (١٤). قال ابن كثير: أي: " ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يومئذ لهم وكيلا" (١٥).

стр. 3047

قال الطبري: " أي: ومن يتوكل لهم في خصومة ربهم عنهم يوم القيامة" (١). قال الزمخشري: ﴿وكيلا﴾: أي: " حافظا ومحاميا من بأس الله وانتقامه" (٢). قال الفخر: " والوكيل: هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية، والمعنى: من الذي يكون محافظا ومحاميا لهم من عذاب الله؟ " (٣). و«الوكالة»: هي "القيام بأمر من توكل له" (٤). الفوائد: ١ - أن خطاب الآية يدل على وقوع الجدل الكاذب الخؤون من هؤلاء المنافقين المتجمعين الذين كانوا ألحن بحجتهم من خصومهم البرآء، والله يعلم أنه جدل زائف باطل نبه رسوله ﷺ على بطلانه وزيفه فلم ينخدع به رسول الله ﷺ في ترتيب شيء عليه من القضاء أو الحكم. ٢ - لما كان الجدل في لدنيا يمكن أن يقع به التمويه والخداع، وكان الجدل في الآخرة مكشوف السوأة لا يخدع به أحد نبه الله تعالى على أن جدلهم في الدنيا وإن كان خادعاً لم ينفعهم بشيء لأن الله تعالى أعلم رسوله ﷺ ونبهه على ما فيه من خيانة وخداع، ولكن جدل الآخرة لا يمكن أن يقع بسببه خداع ولا خيانة لأن الحاكم إذ ذاك هو الله وحده علام الغيوب فقال لهم منكراً مقرعاً ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يوم تنكشف الحقائق فلا يغطيها خداع أو لحن بحجة. القرآن ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] التفسير: ومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح، أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه، ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه، يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال الضحاك: "نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة ﵁، أشرك بالله وقتل، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لنادم فهل لي من توبة؟ فنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، الآية" (٥). والثاني: قال الكلبي: "نزلت في شأن طعمة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾: بسرقة الدرع، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: برميه غيره وجحوده" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " ومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح" (٧). قال ابن عباس: " يعني: الذين أتو رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب" (٨). قال الثعلبي: " يعني: يسرق الدرع" (٩). قال البغوي: " يعني: السرقة، وقيل: يعني: شركا" (١٠). قال الزمخشري: أي: " قبيحا متعديا يسوء به غيره، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي" (١١). قال القاسمي: " أي: قبيحا متعديا. يسوء به غيره، كما في القصة" (١٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه" (١٣).

стр. 3048

قال الثعلبي: " يعني: بما دون الشرك" (١). قال البغوي: " برميه البريء، وقيل: يعني: إثما دون الشرك" (٢). قال الزمخشري: أي: " بما يختص به كالحلف الكاذب" (٣). قال الراغب: " عامل السوء وظالم النفس وإن كانا يعودان إلى معنى واحد، فذكرهما اعتبارا بحالتين، وقيل: عمل السوء إشارة إلى فعل الصغائر، وظلم النفس إلى الكبائر" (٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه" (٥). قال الزجاج: " أي: يسأله المغفرة مع إِقلاع، لأنه إذا كان مقيماً على الإصرار فليس بتائب" (٦). قال النحاس: " أي استغفار غير عائد لانه إذا عزم على العودة فليس بتائب" (٧). قال الثعلبي: " أي: يتوب إلى الله" (٨). قوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، أي: " يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به" (٩). قال قتادة بن النعمان: " أي: لو استغفروا الله لغفر لهم" (١٠). قال السمعاني: " عرض التوبة على طعمة وقومه في هذه الآية، وأمرهم بالاستغفار" (١١). قال الزمخشري: " وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة، مع العلم بما يكون منه. أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه" (١٢). قال المراغي: " وفى ذلك حث وترغيب لطعمة وقومه فى التوبة والاستغفار، كما أن فيها بيانا للمخرج من الذنب بعد وقوعه، وفيها تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدمهما، وهما أسس الشرائع. قال الطبري: " عنى بهذه الآية كل من عمل سوءًا أو ظلم نفسه، وإن كانت نزلت في أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرَهم في الآيات قبلها" (١٣). والمراد بوجدان الله ﴿غفورا رحيما﴾: هو أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة فى نفسه بكراهة الذنب وذهاب داعيته ويجد أثر الرحمة بالرغبة فى الأعمال الصالحة التي تطهر النفس وتزيل الدرن منها" (١٤). قال ابن عباس: ": أخبر الله عبادَه بحلمه وعفوه وكرمه، وسعةِ رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال" (١٥). قال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصابَ أحدهم ذنبًا أصبح قد كُتِب كفارة ذلك الذنب على بابه. وإذا أصاب البولُ شيئًا منه، قَرَضه بالمقراض (١٦). فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما آتاهم، جعل الله الماءَ لكم طهورًا وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا

стр. 3049

اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٥]، وقال: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ (١). الفوائد: ١ - أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي سوءا لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن. ٢ - فضيلة الاستغفار. ٣ - أن المغفرة مقيدة بالتوبة، قال الرملي: " لا يغفر الله تعالى الكبيرة أو الصغيرة التي لم يتب منها بمجرد الاستغفار المذكور، والمغفرة المرتبة على الاستغفار في الكتاب والسنة مقيدة بالتوبة فقد قال ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: ٣١] وهذا أمر على العموم وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ [التحريم: ٨] الآية. ومعنى النصوح الخالص لله تعالى خاليا عن الشهوات" (٢). والأحاديث الواردة في فضل التوبة مشهورة. ٤ - وهذه الآية أسند الله فيها الى العبد عمل السوء وظلم النفس والإستغفار، وأسند الى نفسه المغفرة والرحمة فأسند الى الله ما أسند الى نفسه، ولنسند الى العبد ما أسند الله إليه وليس علينا في ذلك جناح ولو تدبرنا القرآن كله لوجدناه على هذه الشاكلة: فلم يقولون يخلق العبد أفعال نفسه، ثم يختلفون؟ أما إنهم لو قالوا كما قال الله تعالى: ﴿يفعل﴾ أو ﴿يعمل﴾ أو ﴿يكسب﴾ أو ﴿يقترف﴾ ما اختلفوا، وإذا كانوا جميعا متفقين على أن أعمال العباد اختيارية قدرها الله أن تكون لهم فما بالهم يحاولون نسبتها الى الله تعالى (٣). القرآن ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النساء: ١١١] التفسير: ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب، فإنما يضر بذلك نفسه وحدها، وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي: " ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب" (٤). قال القرطبي: " أي ذنبا" (٥). قال البغوي: " يعني: يمين طعمة بالباطل، أي: ما سرقته إنما سرقه اليهودي" (٦). قال الطبري: أي: " ومن يأت ذنبًا على عَمْدٍ منه له ومعرفة به" (٧). قال المراغي: " أي: ومن يعمل الإثم وير أنه قد كسبه وانتفع به" (٨). قال السمرقندي: " يعني الشرك بالله تعالى" (٩). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١]، أي: " فإنما يضر بذلك نفسه وحدها" (١٠). قال النحاس: " أي: عقابه يرجع عليه" (١١). قال البغوي: أي: " فإنما يضر به نفسه" (١٢). قال الواحدي: " أي: إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم بإثمه" (١٣). قال ابن عطية: " أي: إياها يردي وبها يحل المكروه" (١٤).

стр. 3050

قال الزمخشري: " أى لا يتعداه ضرره إلى غيره فليبق على نفسه من كسب السوء" (١). قال الطبري: أي: " فإنما يجترح وَبَال ذلك الذنب وضُرَّه وخِزْيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله" (٢). قال القرطبي: " أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجربه الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا" (٣). قال القاسمي: " أي: فليتحرز عن تعريضها للعقاب" (٤). قال المراغي: أي: "فإنما كسبه وبال على نفسه وضرر لا نفع له فيه، كما يخطر على بال من يجهل عواقب الآثام فى الدنيا والآخرة، من فضيحة للآثم ومهانة له بين الناس وعند الحاكم العادل كما وقع لأصحاب هذه القصة الذين نزلت فى شأنهم هذه الآيات، ومن خزى فى الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" (٥). قال الراغب: " الأصل في «الاكتساب» ما يجر به نفع، فاستعاره لما يجلب ضرا، تنبيها أن صاحبه يقدر فيما تحراه أنه يكسب خيرا وهو يكسب شرا، ونحوه معنى قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] " (٦). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي: " وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه " (٧). قال الواحدي: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ " بالسارق، ﴿حَكِيمًا﴾: حكم بالقطع على طعمة في السرقة" (٨). قال البغوي: أي: " ﴿عليما﴾ بسارق الدرع، ﴿حكيما﴾، حكم بالقطع على السارق" (٩). قال المراغي: " أي: إنه تعالى بعلمه الواسع حدد للناس شرائع يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابا يضر المتجاوز لها، فهو إذا يضر نفسه ولا يضر الله شيئا" (١٠). قال الطبري: أي: " وكان الله عالمًا بما تفعلون، أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم، في جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالِكم وأفعال غيركم، وهو يحصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم بها، وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم وتدبير جميع خلقه" (١١). الفوائد: ١ - تضمنت الآية الكريمة أن نفع العمل وضرره عائد إلى عامله لا إلى غيره، فإن التبعة شخصية، وكقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ٢ - والآية تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين بأن الله لا يخفى عليه خداعهم، وأن رسوله ﷺ في عصمة وحماية منه تعالى لا يتركه لخداعهم وخيانتهم، وأنه تعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها. القرآن ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢] التفسير: ومن يعمل خطيئة بغير عمد، أو يرتكب ذنبًا متعمدًا ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها، فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال ابن الجوزي: " جمهور العلماء على أنها نزلت متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق" (١٢).

стр. 3051

والثاني: وروى الضحاك عن ابن عباس: "أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول إذ رمى عائشة ﵍ بالإفك" (١). قلت: وهذا الخبر عن ابن عباس منكر جدا، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ورواية الضحاك هو جويبر بن سعيد، وهو متروك. والصواب ما ذهب إليه الجمهور. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢]، أي: " ومن يعمل خطيئة بغير عمد أو يرتكب ذنبًا متعمدًا" (٢). قال ابن عباس: " يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق" (٣). قال الزجاج: " قيل ﴿إثماً﴾، لأن اللَّه قد سَمَّى بعضَ المعاصي خطايا، وسمى بَعْضَهَا آثاماً" (٤). قال الطبري: " وإنما فرق بين «الخطيئة» و «الإثم»، لأن «الخطيئة»، قد تكون من قبل العَمْد وغير العمد، و «الإثم» لا يكون إلا من العَمْد، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما فقال: ومن يأت خطيئة على غير عمد منه لها، ﴿أو إثمًا﴾ على عمد منه" (٥). قال الجصاص: " فإنه قد قيل في الفرق بين «الخطيئة» و «الإثم»، إن «الخطيئة» قد تكون من غير تعمد والإثم ما كان عن عمد فذكرهما جميعا ليبين حكمهما وأنه سواء كان تعمد أو غير تعمد" (٦). قال ابو علي الفارسي: " فالخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن الصغير قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين﴾ [الشعراء: ٨٢] ومن الكبير: ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] فهذا كبيرٌ. فإن قلت: فكيف تقدير قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً﴾ [النساء: ١١٢] والخطيئة قد وقعت على الصغيرة والكبيرة، والإثم كذلك، فكأنه بمنزلة من يكسب صغيراً أو صغيراً، أو من يكسب كبيراً أو كبيراً؟ . قيل له: ليس المعنى كذلك، ولكنّ الإثم قد وقع في التنزيل على ما يقتطعه الإنسان من مال من لا يجوز له أن يقتطع من ماله. فإذا كان كذلك، جاز أن يكون التقدير: من يكسب ذنباً بينه وبين الله، أو ذنباً هو من مظالم العباد، فهما جنسان، فجاز دخول «أو» في الكلام، على أن المعنى: من يكسب أحد هذين الذنبين" (٧). قال الراغب: " الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب: أحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته فتفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، يقال: خطئ يخطأ، خطأ، وخطأة، قال تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطأ كبيرا﴾ [الإسراء: ٣١]، وقال: ﴿وإن كنا لخاطئين﴾ [يوسف: ٩١]. والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال: أخطأ إخطاء فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهذا المعني بقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٨)، وبقوله: «من اجتهد فأخطأ فله أجر» (٩)، وقوله : ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة [النساء: ٩٢]. والثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده وغير محمود على فعله، وهذا المعنى هو الذي أراده في قوله (١٠):

стр. 3052

أردت مساءتي فاجتررت مسرتي ... وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري وجملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ، وهذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها" (١). قال الفراء: " يقال: كيف قال ﴿به﴾، وقد ذكر الخطيئة والإثم؟ وذلك جائز أن يكنى عن الفعلين وأحدهما مؤنث بالتذكير والتوحيد، ولو كثر لجاز الكناية عنه بالتوحيد لأن الأفاعيل يقع عليها فعل واحد، فلذلك جاز، فإن شئت ضممت الخطيئة والإثم فجعلته كالواحد. وإن شئت جعلت الهاء للإثم خاصة كما قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٢)، فجعله للتجارة" (٣). قال أبو عبيدة: " وقع اللفظ على ﴿الإثم﴾، فذكّره، هذا فى لغة من خبّر عن آخر الكلمتين" (٤). قال الكلبي: "لما نزلت هذه الآيات التي تقدمت عرف قوم طعمة الظالم، فأقبلوا عليه وقالوا: بؤ بالذنب واتق الله، فقال: لا والذي يُحلف به ما سرقها إلا اليهودي، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يقول يمينه الكاذبة، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقته الدرع، ورميه بها اليهودي" (٥). وقرأ معاذ بن جبل رضى الله عنه: «ومن يكسب»، بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب (٦). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، أي: " ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها" (٧). قال ابن قتيبة: " أي: يقذف بما جناه بريئا منه" (٨). عن قتادة بن النعمان في قصة بني أبيرق: "فأنزل الله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾، قولهم: للبيد بن سهل" (٩). واختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: ﴿بريئًا﴾ على أربعة اقوال: أحدها: أنه رجل من المسلمين يقال له: لبيد بن سهل. وهذا قول قتادة بن النعمان (١٠). والثاني: أنه رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين " (١١). وهذا قول ابن عباس (١٢)، وقتادة (١٣)، وعكرمة (١٤)، وابن سرين (١٥). والثالث: أنه أبو مليل الأنصاري (١٦). والرابع: أنه يعني به عائشة-﵂ وان الرامي هو عبدالله بن سلول حيث كذب عليها وكان من ذلك. وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك (١٧). قال الطبري: " أجمع أهل التأويل على أن الذي رمى البريءَ من الإثم الذي كان أتاه، ابن أبيرق" (١٨). قوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]، أي: " فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا" (١٩). قال ابن عباس: " ﴿بُهْتَاناً﴾: عُقُوبَة بهتان عَظِيم، ﴿وَإِثْماً مُّبِيناً﴾: وعقوبة ذَنْب بيِّن" (٢٠).

стр. 3053

قال النسفي: أي: احنمل"كذبا عظيما، وذنبا ظاهرا، وهذا لأنه يكسب الإثم آثم ويرمى البرئ باهت فهو جامع بين الأمرين والبهتان كذب ببهت من قيل عليه مالا علم له به" (١). قال الطبري: أي: " فقد تحمل - هذا الذي رمَى بما أتى من المعصية وركب من الإثم الخطيئة، مَنْ هو بريء مما رماه به من ذلك- ﴿بهتانًا﴾، وهو الفرية والكذب، ﴿وإثمًا مبينًا﴾، يعني وِزْرًا ﴿مبينًا﴾، يعني: أنه يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه، وتقدّمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمرَه" (٢). قال الزمخشري: " لأنه بكسب الإثم «آثم» وبرمي البريء «باهت» فهو جامع بين الأمرين" (٣). قال السمعاني: " فالبهتان: الكذب الذي يتحير منه الإنسان، وهو البهت، وأراد بالإثم المبين: اليمين الفاجرة" (٤). قال الجصاص: " إذ غير جائز له رمي غيره بما لا يعلمه منه" (٥). قال البيضاوي: وذلك" بسبب رمي البريء وتبرئة النفس الخاطئة، ولذلك سوى بينهما وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر" (٦). قال ابن كثير: و" هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف مثل صفتهم وارتكب مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم" (٧). قال ابن عطية: " وقوله تعالى: ﴿فقد احتمل﴾ تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات، و ﴿بهتانا﴾، معناه: كذبا على البريء" (٨). قال الشوكاني: " لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] " (٩). قال عطية العوفي: " أن رجلا يقال له: طعمة بن أبيرق سرق درعا على عهد النبي ﷺ ، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فألقاها في يت رجل، ثم قال لأصحاب له: انطلقوا فاعذروني عند النبي ﷺ ، فإن الدرع قد وجد في بيت فلان فانطلقوا يعذرونه عند النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، قال: بهتان: قذفه الرجل" (١٠)، " ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، قال: إثمه: سرقته" (١١). قال الزجاج: " البهتان " الكذبُ الذي يُتحيرُ من عِظَمِه وبيانه، يقال قد بَهَتَ فلان فلاناً إذا كذب عليه، وقد بُهِت الرجل يُبْهَتُ إذَا تحيَّررقال اللَّه : ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (١٢) " (١٣). قال الواحدي: "البهتان: فهو من البَهْت، وهو استقبالك أخاك بأمر تصفه به، وهو منه بريء. والاسم: البهتان، قال (١٤): أإن رأيتَ هامتي كالطَّستِ ... ظَلِلْتَ ترمين بقولٍ بُهتِ" (١٥) قال أبو السعود: " وقد اكتفي في بيان عظم البهتان بالتنكير التفخيمي كأنه قيل بهتانا لا يقادر قدره وإثما مبينا على أن وصف الإثم بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن أمر واحد هو رمى البرئ بجناية نفسه قد عبر عنه بهما تهويلا لأمره وتفظيعا لحاله فمدار العظم والفخامة كون المرمي به للرامي فإن رمى البرئ بجناية ما خطيئة كانت أو إثما بهتان وإثم في نفسه أما كونه بهتانا فظاهر وأما كونه إثما فلأن

стр. 3054

كون الذنب بالنسبة إلى من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه بالنسبة إلى من نسبه الى البرئ منه أيضا كذلك بل لا يجوز ذلك قطعا كيف لا وهو كذب محرم في جميع الأديان فهو في نفسه بهتان وإثم لا محالة وبكون تلك الجناية للرامي يتضاعف ذلك شدة ويزداد قبحا لكن لا لانضمام جنايته المكسوبة الى رمى البرئ وإلا لكان الرمي بغير جناية مثله في العظم ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرمي بغير جناية مع تبرئة نفسه كذلك في العظم بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته على البرئ وإجراء عقوبتها عليه كما ينبئ عنه إيثار الاحتمال على الاكتساب ونحوه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديره على ما فيه من الإشعار بثقل الوزر وصعوبة الأمر نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة نفسه الى رمى البرئ تزداد الجناية قبحا لكن تلك الزيادة وصف للمجموع لا للإثم" (١). الفوائد: ١ - إن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا، وقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ إشارة إلى العقاب الشديد في الآخرة. ٢ - لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها .. كانت كالثقل الذي يحمل، فعبر عنه باحتمل، ومثله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. وقد فشا هذا بين المسلمين في هذا الزمان، ولم يكن لهذا من سبب إلا ترك هداية الدين، وقلة الوازع النفسي والغفلة عن الأوامر والنواهي التي جاءت به الشريعة. والله المستعان. القرآن ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣] التفسير: ولولا أن الله تعالى قد مَنَّ عليك -أيها الرسول- ورحمك بنعمة النبوة، فعصمك بتوفيقه بما أوحى إليك، لعزمت جماعة من الذين يخونون أنفسهم أن يُزِلُّوكَ عن طريق الحق، وما يُزِلُّونَ بذلك إلا أنفسهم، وما يقدرون على إيذائك لعصمة الله لك، وأنزل الله عليك القرآن والسنة المبينة له، وهداك إلى علم ما لم تكن تعلمه مِن قبل، وكان ما خصَّك الله به من فضلٍ أمرًا عظيمًا. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: أنها متعلقة بقصة طعمة وقومه، حيث لبسوا على النبي ﷺ أمر صاحبهم، هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب (٢). وهو قول اكثر أهل التفسير (٣). والثاني: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة، فلم يجبهم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك (٤). قلت: وخبر وفد ثقيف ورد بسياق آخر مطول، وليس فيه نزول الآية-والله أعلم- (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: " ولولا أن الله تعالى قد مَنَّ عليك -أيها الرسول- ورحمك بنعمة النبوة، فعصمك بتوفيقه بما أوحى إليك" (٦). قال السمعاني: " هذا خطاب للرسول" (٧). قال الزمخشري: " أى: عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم" (٨).

стр. 3055

قال الزجاج: " لولا فضل اللَّه عليك ورحمتُه بما أوحَى إليك، وأعلمك أمْرَ هذا السارق" (١). عن ابي صالح قال ابن عباس: أي: " ﴿ولولا فضل الله عليك﴾: بالنبوة، ﴿ورحمته﴾، نصرك بالوحي" (٢). قوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: " لعزمت جماعة من الذين يخونون أنفسهم أن يُزِلُّوكَ عن طريق الحق" (٣). قال السمعاني: " يعنى: قوم طعمه، هموا أن يلبسوا عليك؛ لتدافع عنه" (٤). قال الزمخشري: أي: " من بنى ظفر أن يضلوك عن القضاء بالحق وتوخى طريق العدل، مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم، فقد روى أن ناسا منهم كانوا يعلمون كنه القصة. ويجوز أن يراد بالطائفة بنو ظفر، ويرجع الضمير في: ﴿منهم﴾ إلى «الناس»، وقيل: الآية في المنافقين " (٥). قال يحيى بن سلام: " يعني: أن يستذلوك عن الحق. وقال في ص لداود: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلا تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾، يعني: فيستزلك الهوى عن طاعة الله في الحكم، من غير كفر" (٦). عن ابي صالح، قال ابن عباس: " يعني: أضمرت ﴿طائفة﴾، يعني: جماعة ﴿منهم﴾، يعني: طعمة، ﴿أن يضلوك﴾، أي: يخطؤك " (٧). قال ابن أبي زمنين: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾: "قيل: أن يخطئوك في حكمك" (٨). قال الزجاج: " هذا خطاب للنبي ﷺ ، والطائِفة هُم طُعمَةُ هذا السارق، لأن بعضهم قد كان وقف على أنه سارق، وسأل النبي ﷺ أن يَعذِرَه" (٩). وقال ابو هلال العسكري: قوله: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾: يعني: " أن يصدوك عن الإيمان ويردونك إلى الكفر" (١٠). قال الماتريدي: " ويحتمل قوله: ﴿أن يضلوك﴾، أي: يجهلوك في حكم السرقة" (١١). قال الجصاص: قوله: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾، يعني: " بمسئلتهم معونة هذا الخائن، وقد قيل: إن هذه الطائفة التي سألت النبي ﷺ ذلك وأعانوا الخائن كانوا مسلمين ولم يكونوا أيضا على يقين من أمر الخائن وسرقته ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع في داره فإن قيل كيف يكون الحكم على ظاهر الحال ضلالا إذا كان في الباطن خلافه وإنما على الحاكم الحكم بالظاهر دون الباطن قيل له لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه عن هذا المعنى" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، وجهان من التفسير: أحدهما: أن المعنى: فَبِفَضْلِ اللَّه ورحمته صرفَ اللَّه عنك أن تعمل ما هَمَّت به الطائفة. وهذا قول الزجاج (١٣). والثاني: أن معنى: ﴿أنْ يُضِلوكَ﴾: أن يُخَطِّئُوكَ في حُكْمِك. حكاه الزجاج عن بعضهم (١٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: " وما يُزِلُّونَ بذلك إلا أنفسهم" (١٥). قال السمعاني: " أي: يرجع وباله عليهم" (١٦). قال مقاتل بن النعمان: " وما يضرونك، يعني: أسير بن عروة وأصحابه" (١٧).

стр. 3056

قال الزجاج: " أي: لأنهم هم يعملون عمل الضالين، واللَّه يعصم نبيه ﷺ من متابعتهم، والِإضلال راجع عليهم وواقع بهم" (١). عن ابي صالح، قال ابن عباس: " يقول: وما يخطئون إلا أنفسهم، وكان ضره على من شهد بغير حق" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: " وما يقدرون على إيذائك لعصمة الله لك" (٣). قال السمعاني: " يعنى: ضرره عائد عليهم، ولا يضرك؛ لأنك معصوم" (٤). قال الزمخشري: " لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك" (٥). قال الراغب: " والإضلال ضربان: أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين: - إما بأن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت البعير، أي: ضل عني. - وإما أن تحكم بضلاله، والضلال في هذين سبب الإضلال. والضرب الثاني: أن يكون الإضلال سببا للضلال، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل كقوله: ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: يتحرون أفعالا يقصدون بها أن تضل، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم، وقال عن الشيطان: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم﴾ [النساء/ ١١٩]، وقال في الشيطان: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً﴾ [يس: ٦٢]، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدا﴾ [النساء: ٦٠]، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ [ص: ٢٦] " (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: " وأنزل الله عليك القرآن والسنة المبينة له" (٧). عن ابي صالح، قال ابن عباس: " يعني: القرآن والحكمة يعني القضاء بالوحي" (٨). قال الزجاج: " أي بيّن في كتابِه ما فيه الحكمة التي لا يقع لك مَعها ضَلَال" (٩). قال البيضاوي: " ﴿الْكِتابَ﴾: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام" (١٠). واختلفوا في معنى ﴿الْحِكْمَةَ﴾ على أقوال: أحدها: أنها بيان ما في الكتاب، وإلهام الصواب، وإلقاء صحة الجواب في الروع، قاله أبو سليمان الدمشقي (١١). والثاني: القضاء بالوحي، قاله ابن عباس (١٢)، واختاره القرطبي (١٣). والثالث: أنها الحلال والحرام. وهذا قول مقاتل (١٤). والرابع: يعني القضاء والمواعظ. وهذا قول الكلبي (١٥). والخامس: أنها السنّة. قاله قتادة (١٦)، والحسن (١٧)، ومقاتل بن حيان (١٨)، وأبو مالك (١٩)، والشافعي (٢٠)، ويحيى بن كثير (٢١)، وغيرهم.

стр. 3057

والراجح-والله أعلم- أنها" ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده " (١). قال السمعاني: " قيل: أراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السنة" (٢). قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: " وهداك إلى علم ما لم تكن تعلمه مِن قبل" (٣). قال السمعاني: " يعنى: من أحكام القرآن، وقيل: من علم الغيب، وقيل: علمك قدرك، ولم تكن تعلمه" (٤). قال الزمخشري: يعني: " من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدين والشرائع" (٥). عن ابي صالح، قال ابن عباس: " قبل الوحي" (٦). قال قتادة: " علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه، ليحتج بذلك على خلقه" (٧). قال الضحاك: " علمه الخير والشر" (٨). قال ابن عباس: " أنه الشرع" (٩). قال مقاتل: " من أمر الكتاب وأمر الدين" (١٠). قال أبو سليمان: "أخبار الأولين والآخرين" (١١). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، أي: " وكان ما خصَّك الله به من فضلٍ أمرًا عظيمًا" (١٢). قال القرطبي: " يعني: من الشرائع والأحكام" (١٣). قال الماتريدي: " فيما علمك من الأحكام، وعصمك بالنبوة والرسالة، وصرف عنك ضرر الأعداء" (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، أربعة وجوه: أحدها: أنه المنة بالإيمان (١٥). والثاني: المنة بالنبوة. عن ابن عباس في رواية ابي صالح (١٦). والثالث: يعنى: النبوة والكتاب. قاله مقاتل (١٧). والرابع: أنه عام في جميع الفضل الذي خصه الله به، قاله أبو سليمان (١٨).

стр. 3058

الفوائد: ١ - لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه. ٢ - أن الضلال نوعان: - ضلال في العلم، وهو الجهل بالحق. - وضلال في العمل، وهو العمل بغير ما يجب، فحفظ الله رسوله عن هذا النوع من الضلال. ٣ - إثبات عصمة الرسول- ﷺ لقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾. ٤ - لا فضل أعظم من النبوة ونزول الوحي، قوله: ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾. القرآن ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤] التفسير: لا نفع في كثير من كلام الناس سرّاً فيما بينهم، إلا إذا كان حديثًا داعيًا إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس، ومن يفعل تلك الأمور طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه، فسوف نؤتيه ثوابًا جزيلا واسعًا. قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤]، أي: " لا نفع في كثير من كلام الناس سرّاً فيما بينهم" (١). قال الطبري: أي: " لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا" (٢). قال الواحدي: " أَيْ: مسارَّتهم" (٣). قال ابن عباس: "هم قوم طعمة" (٤). وقال مقاتل: " يعني: قوم طعمة قيس بن زيد، وكنانة بن أبي الحقيق، وأبو رافع، وكلهم يهود حين تناجوا في أمر طعمة" (٥). وقال مجاهد: "هو عام في نجوى جميع الناس" (٦). قال السدي: " ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة، فقال: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة﴾ " (٧). وروي عن مقاتل بن حيان أنه قال: "تناجوا في شأن طعمة بن أبيرق" (٨). قال الجصاص: " قال أهل اللغة «النجوى» هو الإسرار، فأبان تعالى أنه لا خير في كثير مما يستارون به" (٩). قال الزجاج: " المعنى: لا خير في كثير من نجواهم، أي مما يدبرونه بينهم من الكلام، و «النجوي» في الكلام: " ما تنفرِدُ به الجماعة أو الاثنان سِرا كان أو ظاهراً، ومعنى نَجوْتُ الشيءَ في اللغة: خَلَّصتُه وألقيتُه، يقال نجوت الجلْدَ إذا ألقيتُه عن البعير وغيره، قال الشاعر (١٠): فقلت انْجُوَا عنها نَجا الجِلْدِ إِنه ... سَيُرْضِيكما منها سَنامٌ وغارِبُهْ وقد نجوت فلاناً إذا استنكَهْتُه، قال الشاعر (١١):

стр. 3059

نَجَوْتُ مُجالِداً فوَجَدْتُ منه ... كريح الكلب ماتَ حَديثَ عَهْدِ ونجوت الوَبَرَ واستنجيته إذا خلصتَه، قال الشاعر (١): فَتَبازَتْ فَتَبازَخْتُ لهَا ... جِلْسةَ الأعسرِ يَسْتَنْجِي الوَتَرْ وأصله كله من النجوة، وهُوَ ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر (٢): فَمَنْ بِنَجْوَتِه كمَنْ بِعَقْوته ... والمُستَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بقِرواحِ ويقال: ما أنجى فلان شيئاً وما نجا شيئاً منذ أيام، أيْ لَم يَدْخُل الغائِط" (٣). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، أي: " إلا إذا كان حديثًا داعيًا إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس" (٤). قال عبدالرحمن بان زيد بن أسلم: " من جاء يناجيك في هذا فاقبل مناجاته، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت ذلك عنه لا تناجيه" (٥). قال الطبري: " أي: " إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، و «المعروف»، هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، ﴿أو إصلاح بين الناس﴾، وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين، بما أباح الله الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به" (٦). وفي معنى المعروف في هذه الىية قولان: أحدهما: انه القرض. وهذا قول ابن عباس (٧)، ومقاتل بن حيان (٨)، وسعيد بن عبدالعزيز (٩)، ومقاتل بن سليمان (١٠). والثاني: أنه عام في جميع أفعال البر. وهذا قول القاضي أبي يعلى، وأبي سليمان الدمشقي (١١). قال القرطبي: والأصح أن" المعروف لفظ يعم أعمال البر كلها" (١٢). قال الجصاص: " وكل أعمال البر معروف لاعتراف العقول بها لأن العقول تعترف بالحق من جهة إقرارها به والتزامها له وتنكر الباطل من جهة زجرها عنه وتبريها منه ومن جهة أخرى سمى أعمال البر معروفا وهو أن أهل الفضل والدين يعرفون الخير لملابستهم إياه وعلمهم به ولا يعرفون الشر بمثل معرفتهم بالخير لأنهم لا يلابسونه ولا يعلمون به فسمى أعمال البر معروفا والشر منكرا" (١٣). قال عبد الله بن حبيب: " كنت عند محمد بن كعب فقال له محمد: أين كنت؟ قال: كان بين قومي شيء فأصلحت بينهم. قال: أصبحت لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله، ثم قرأ ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ " (١٤). وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة"، قلت: ما يعني وقى

стр. 3060

الرجل عرضه؟ قال: "ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله " (١). قال أبو عبيدة: " فالنجوى فعل والأمر بالصدقة ليس من نجواهم التي لا خير فيها. إلا أن يكونوا يأمرون بصدقة أو معروف، والنّجوى: فعل، و «من»: اسم، قال النابغة (٢): وقد خفت حتى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى القفارة عاقل والمخافة: فعل، والوعل اسم" (٣). وقوله: " ﴿إلا من أمر بصدقة﴾، فيجوز أن يكون بمعنى: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، فيكون بمعنى: لكن من أمر بصدقة، ففي نجواهم خير." (٤). قال ابن العربي: " يحتمل أن يكون النجوى مصدرا، كالبلوى والعدوى، ويحتمل أن يكون اسما للمنتجين كما قال: ﴿وإذ هم نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧]. فإن كان بمعنى المنتجين فقوله: ﴿إلا من أمر بصدقة﴾ [النساء: ١١٤] استثناء شخص من شخص، وإن كان مصدرا جاز الاستثناء على حذف تقديره: إلا نجوى من أمر بصدقة" (٥). قال الراغب: " يقال: لكل ما يستحسنه العقل ويعترف به «معروف»، ولكل ما يستقبحه وينكره «منكر»، ووجه ذلك أن الله ركز في العقول معرفة الخير والشر وإليها أشار بقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، و ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وعلى ذلك البر: ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، واطمئنانها إليه لمعرفتها به" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤]، أي: " ومن يفعل تلك الأمور طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه" (٧). قال مقاتل بن حيان: " ﴿ومن يفعل﴾، ذلك تصدق أو أقرض أو أصلح بين الناس ابتغاء مرضات الله، ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ " (٨). قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، أي: " فسوف نؤتيه ثوابًا جزيلا واسعًا" (٩). قال مقاتل: " يعني: جزاء عظيما" (١٠). قال البيضاوي: " بني الكلام على الأمر ورتب الجزاء على الفعل ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه، وقيد الفعل بأن يقول لطلب مرضاة الله ، لأن الأعمال بالنيات وأن كل من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحق به من الله أجرا. ووصف الأجر بالعظم تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا" (١١). وقرأ حمزة وأبو عمرو: «يؤتيه»، بالياء (١٢). الفوائد:

стр. 3061

١ - حرمة تناجي اثنين دون الثالث لثبوت ذلك في السنة. ٢ - الاجتماعات السرية لا خير فيها إلا اجماعاً كان لجمع صدقة، أو لأمر بمعروف أو إصلاح بين متنازعين من المسلمين مختلفين. القرآن ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] التفسير: ومن يخالف الرسول ﷺ من بعد ما ظهر له الحق، ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين، وما هم عليه من الحق، نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقه للخير، وندخله نار جهنم يقاسي حرَّها، وبئس هذا المرجع والمآل. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال السدي: " فلما فضح الله طعمة في المدينة، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو طعمة، فقال: ضيفي وابن عمي وأردت سرقتي، فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافرا، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ " (١). وذكروا عن الكلبي نحو ذلك (٢). والثاني: وعن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "نزلت هذه الآية في نفر من قريش، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة ودخلوا في الإسلام، فأعطاهم رسول الله ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ورجعوا إلى عبادة الأوثان، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ " (٣). وذكر السمرقندي عن الضحاك: "قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا، ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية" (٤). والراجح-والله أعلم- أنها نزلت "في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾، لما أبى التوبة من أبى منهم، وهو طعمة بن الأبيرق، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدًّا، مفارقًا لرسول الله ﷺ ودينه" (٥). وقال القرطبي: " والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥]، أي: " ومن يخالف الرسول ﷺ من بعد ما ظهر له الحق" (٧). قال السمرقندي: " يعني: يخالفه في التوحيد، من بعد ما تبين لهم التوحيد" (٨). قال الطبري: أي: " ومن يباين الرسولَ محمدًا ﷺ ، معاديًا له، فيفارقه على العداوة له، من بعد ما تبين له أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم" (٩). قال ابن كثير: " أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ ، فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عَمْد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له" (١٠). قال الزجاج: " لأن طعمة هذا كان قد تبين لصه ما أوْحَى اللَّهُ إلى نبيه في أمرِه، وأظهر مِنْ سَرِقَتِه في الآية ما فيه بَلَاغ، فعَادى النبي ﷺ وصار إلى مكة، وأقام مع المشركين" (١١).

стр. 3062

قال مقاتل: " ﴿يشاقق﴾، يعني: يخالف" (١). قال ابن زمنين: ﴿يشاقق﴾، "أي: يخالف" (٢). قال الراغب: " الشق: القطع طولا ومنه استعير: الاشتقاق، وشق العصا، وشق عليه الأمر، كقولهم: مشقة الأمر وشق كرددت عصاه، ومشاقة الرسول أن يصير في شق غير شقة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥، ٢٠]، أي: يصيرون في حد غير حده، وذلك أشبه بالاعتقاد والديانة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، أي: " ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين" (٤). قال مقاتل: " يعني: غير دين المؤمنين" (٥). قال الطبري: " يقول: ويتبع طريقًا غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجًا غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم" (٦). قال السمرقندي: " أي: يتبع دينا غير دين المؤمنين، ويقال: يتبع طريقا أو مذهبا غير طريق المؤمنين" (٧). قال ابن كثير: " هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيما لنبيهم ﷺ . وقد وردت في ذلك أحاديث صحيحة كثيرة، قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا في كتاب "أحاديث الأصول"، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي، ﵀، في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تَحْرُم مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها على ذلك" (٨). قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، أي: " نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقه للخير" (٩). قال الزجاج: " نَدَعة ومَا اختار لنفسه في الدنيا لأن اللَّه جلَّ وعزَّ وعد بالعذاب في الآخرة" (١٠). قال مجاهد: "من آلهة الباطل" (١١). وذكر مقاتل نحوه (١٢). وقال الكلبي: " يعني: نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا" (١٣). قال ابن كثير: " أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك، بأن نحسنها في صدره ونزينها له - استدراجًا له - كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وقوله ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] " (١٤). قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: «نوله»، بجزم الهاء، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان (١٥). قوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥]، أي: " وندخله نار جهنم يقاسي حرَّها" (١٦). قال الطبري: " يعني: نحرقه بها" (١٧).

стр. 3063

قال الواحدي: " نلزمه جهنم، وأصله: «الصِّلا»، وهو لزوم النار للاستدفاء" (١). وقال الفراء: " «الصِّلاء»: اسم للوقود، وهو الصلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت، قال ابن حلزة (٢): فتنورت نارها من بعيدٍ ... بخَزازَى هيهات منك الصَّلاء" (٣) قال الراغب: وأصل «الصلا»: الملازمة، ومنه الصلاة للدعاء ومن أجله قول النبي ﷺ : «ايصلوا يا ذا الجلال والإكرام» (٤)، أي: الزموا مراعاة ذلك. و«الصلا»: ملازمة قرب النار للاصطلاء بها، فجعل عبارة عن ملازمتها للعذاب، والصلوان العرقان المكتنفان لجانبي الوركين، يجوز أنه اعتبر فيهما الاصطلاء كتسمية اليد والرجل المصطلى" (٥). قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: «نصله»، بجزم الهاء، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان (٦). قوله تعالى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، أي: " وبئس هذا المرجع والمآل" (٧). قال الثعلبي: " يعني: بئس المنزل حلوا به يوم القيامة" (٨). قال الواحدي: " وكذلك ساءت جهنم موضعًا يصار إليه" (٩). قال ابن كثير: " وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣]. وقال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] " (١٠). قال مالك: " كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها مهتد ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرا" (١١). قال الواحدي: "قال بعض المفسرين ان هذا [يعني: قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾]، منسوخ بآية السيف، لأنه لا يقرُّ الآن عابد لوثن على ما هو عليه، ولا يولى ما تولَّى" (١٢). قلت: ولم أجد هذا القول في كتب التفسير ولا "الناسخ والمنسوخ". الفوائد: ١ - حرمة الخروج عن أهل السنة والجماعة، واتباع الفرق الضالة التي لا تمثل الإسلام إلا في دوائر ضيقة كالروافض ونحوهم. ٢ - ذمهم على ترك اتباع سبيل المؤمنين كما ذمهم على ترك الإيمان ودل بذلك على صحة حجة الإجماع لأنه لولا أن ذلك لازم لما ذمهم على تركه ولما قرنه إلى مشاقة رسول الله ﷺ (١٣). ٣ - في الآية دليل إن الإجماع حجة، لأن من خالف الإجماع فقد خالف سبيل المؤمنين (١٤). قال الواحدي: " قال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع، واحتج به الشافعي ﵀، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع، فتلا هذه الآية (١٥).

стр. 3064

ووجه الاحتجاج هو أن الله تعالى أوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، كما أوعد على مشاقة الرسول ﵇، فسوى بين مخالفة سبيل المؤمنين وبين مشاقة الرسول بعد تبين الهدى، والآية وإن نزلت في خائن الدرع فهي عامة لكل من لزمه هذا الوصف" (١). القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦] التفسير: إن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده. ومن يجعل لله تعالى الواحد الأحد شريكًا من خلقه، فقد بَعُدَ عن الحق بعدًا كبيرًا. في سبب نزول الآية ثلاثة اقوال: أحدها: أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة، ومات على الشرك، وهذا قول الجمهور (٢)، منهم سعيد بن جبير (٣). والثاني: وعن الضحاك عن ابن عباس: "إن شيخا من الاعراب جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله أني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا إني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته، وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ولا توهمت طرفة عين، إني أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ " (٤). والثالث: قال الثعلبي: "ويقال: إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنما لهم إلى إن مات، فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدً﴾ ا" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦]، أي: "إن الله لايغفر ذنب الشرك" (٦). قال الزمخشري: " تكرير للتأكيد، وقيل: كرر لقصة طعمة: وروى: أنه مات مشركا" (٧). قال ابن عباس: " فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجاها أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة" (٨). قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله ﷺ : ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا إلا حلت له المغفرة إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه قال: إن الله استثنى، فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ " (٩). قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله ﷺ : ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلا حلت لها المغفرة إن شاء الله عذبها، وإن شاء الله غفر لها، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ الآية" (١٠). وعن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، الإشراك بالله، ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ " (١١). وقد روى الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: "ما في القرآن آية أحب إليَّ من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " (١٢).

стр. 3065

قال السمعاني: " فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وقال في موضع آخر: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ فكيف وجه الجمع؟ قيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك" (١). قال أبو هلال العسكري: " أصل الشرك: إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به" (٢). قال المراغي: " تقدم هذا النص بعينه فى غرض آخر من هذه السورة، وأعاد هنا مرة أخرى، لأنه إنما ترجى الهداية والموعظة بإبراز المعاني التي يراد إيداعها فى نفوس السامعين فى كل سياق يقصد فيه توجيها إليها وإعدادها لقبولها، ولن يتم ذلك إلا بتكرار المقاصد الأساسية من تلك المعاني حتى تتمكن فى النفوس بذلك التكرار، ومن ثم نرى رجال الدين والسياسة الذين عرفوا سنن الاجتماع وفهموا طبائع البشر وأخلاقهم يكررون فى خطبهم ومقالاتهم، أغراضهم ومقاصدهم التي ينشرونها فى الصحف والكتب، فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء أو ذمه أثر فيه. المعنى- أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين مادون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه. ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه ، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له. وبعض الناس ممن يسمون أنفسهم بالموحدين يفعلون كما يفعل سائر المشركين، فيدعون حين يشتد الكرب ويعظم الخطب غير الله وحده أو مع الله ولا يسمون عملهم دعاء، بل يسمونه توسلا واستشفاعا، ويسمون من يدعونهم أولياء وشفعاء، ولو لم يكن منهم إلا هذا الدعاء لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكفى ذلك عبادة وشركا بالله. وقد قال النبي ﷺ «الدعاء هو العبادة» (٣)، أي: إن العبادة جد العبادة إنما تكون فى الدعاء الذي يفيض على اللسان من قرارة النفس حين وقوع الخطب، واشتداد الكرب، وهذا ما تسمعه من أصحاب الحاجات، عند حدوث الملمات، وفى هياكل العبادات، ولدى قبور الأموات، فكل ذلك يمثل الخشوع والخضوع، ويذرف من العين الدموع «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله». وما عدا هذا الدعاء من العبادات، جله يفعل بالتعليم، ويكون فى الغالب خاليا من الشعور الذي به يكون القول أو الفعل عبادة، إذ هو خال من معنى العبادة وروحها وهو الشعور بالسلطة الغيبية التي هى وراء الأسباب العادية، ولا سيما الأدعية التي تكون فى الصلوات أو فى غير الصلوات، إذ نرى الحافظ لها يحرك بها لسانه وقلبه مشغول بشواغل أخرى، فمثل هذا لا يمثل العبادة الحقة التي تملأ القلب نورا، والنفس استسلاما وخضوعا، والروح طهارة وزكاء" (٤). قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، أي: " ويتجاوز ويعفو عمّا دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده" (٥). قال مقاتل: أي: " لمن مات موحدا فمشيئته- ﵎ لأهل التوحيد" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، أي: " ومن يجعل لله تعالى الواحد الأحد شريكًا من خلقه، فقد بَعُدَ عن الحق بعدًا كبيرًا" (٧).

стр. 3066

قال البغوي: " أي: ذهب عن الطريق وحرم الخير كله" (١). قال ابن كثير: " أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة" (٢). قال المراغي: أي: "ومن يشرك بالله شيئا فيدعوه معه ويذكر اسمه مع اسمه، أو يدعوه وحده ملاحظا أنه يقر به إليه زلفى- فقد ضل عن القصد، وبعد عن سبيل الرشد ضلالا بعيدا فى سبيل الغواية، لأنه ضلال يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام" (٣). قال البيضاوي: " فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى، ﴿فَقَدِ افْتَرَى﴾ [النساء: ٤٨]، لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء وهو دعوى التبني على الله " (٤). قال ابو حيان: " إلا أن آخر ما تقدم: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وآخر هذه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، ختمت كل آية بما يناسبها. فتلك كانت في أهل الكتاب، وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول ﷺ ، ووجوب اتباع شريعته، ونسخها لجميع الشرائع، ومع ذلك قد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله تعالى والإيمان بما نزل، فصار ذلك افتراء واختلاقا مبالغا في العظم والجرأة على الله. وهذه الآية هي في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم، ومع ذلك فقد جاءهم بالهدى من الله، وبان لهم طريق الرشد فأشركوا بالله، فضلوا بذلك ضلالا يستبعد وقوعه، أو يبعد عن الصواب" (٥). الفوائد: ١ - إن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة كما أنه افتراء وإثم عظيم (٦). قال المراغي: " أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين مادون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه، ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه ، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له" (٧). ٢ - أن الشرك ضلال لكونه يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام (٨). ٣ - في هذه الآية دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ففرق بين الشرك وسائر الذنوب وحتم على نفسه بأن لا يغفر الشرك، لو كان الكبيرة كفرا لكان قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به مستوعبا فلما فرق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم (٩). قال القرطبي: " رد على الخوارج، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر" (١٠). قال ابن فورك: "وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول، أو بابتداء رحمة من الله تعالى" (١١). القرآن ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: ١١٧] التفسير:

стр. 3067

ما يعبد المشركون من دون الله تعالى إلا أوثانًا لا تنفع ولا تضر، وما يعبدون إلا شيطانًا متمردًا على الله، بلغ في الفساد والإفساد حدّاً كبيرًا. سبب نزول الآيتين: [١١٧، و ١١٨]: قال الحسن: "لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه أنثى بني فلان؛ فأنزل الله : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]، " أي: ما يدعو هؤلاء المشركون وما يعبدون من دون الله إلا أوثاناً سموها بأسماء الإِناث" (٢). قال مقاتل: " يعنى: أوثانا، يعنى: أمواتا: اللات والعزى، وهي الأوثان لا تحرك ولا تضر ولا تنفع فهي ميتة" (٣). قال ابن قتيبة: " يعني: اللات والعزى ومناة" (٤). قال أبو عبيدة: " إلا الموات، حجرا أو مدرا أو ما أشبه ذلك" (٥). قال التستري: " يعني: أصواتا، وهو الحجارة والحديد" (٦). قال أبي بن كعب: " مع كل صنم جنية" (٧). وروي عن الحسن نحو ذلك (٨). وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]، خمسة وجوه: أحدها: أن الإناث اللات والعزى ومَناة، وهو قول السدي (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبي مالك (١١). والثاني: أنها الأوثان، وهذا قول مجاهد (١٢)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (١٣)، وعروة بن الزبير (١٤)، وأبي مالك الغفاري (١٥)، والسدي (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧). وقد روي عن عروة عن ابيه أنه "كان في مصحف عائشة: «إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً» " (١٨). والثالث: الملائكة، لأنهم كانوا يزعمون أنهم بنات الله، وهذا قول الضحاك (١٩). والرابع: الموات الذي لا روح فيه، لأن إناث كل شيء أرذله، وهو قول ابن عباس (٢٠)، والحسن في رواية أخرى (٢١)، وقتادة (٢٢)، وابي عبيدة (٢٣). والخامس: معناه: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم «إناثًا»، فأنزل الله ذلك كذلك وهذا قول الحسن في رواية أبي رجاء (٢٤). والراجح-والله أعلم- أنه"عنى بذلك: الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ويسمونها الإناث من الأسماء، كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك، الأظهر من معاني " الإناث " في كلام العرب، ما عُرِّف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه" (٢٥). والقراءة المشهورة: ﴿إِناثاً﴾، . وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «إِلا وَثَناً»، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين: «أُنُثاً»، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ القارئ، وأبو نُهيك: (أناثاً)، برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو هريرة، والحسن، والجوني: «إِلا أنثى»، على وزن «فعلى». وقرأ أيوب السختياني: «إِلا وُثنا»، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورّق العجلي: (أُثُناً)، برفع الهمزة والثاء من غير ألف (٢٦). قال الزجاج: " فمن قال: «أناث»، فهو جمع أنثى وإِناث، ومن قال: «أُنُث»، فهو جمع: إِنَاث، لأن «إِناثاً» على وزن مِثال، وإنَاث وأُنث مِثْل مِثَال ومُثُل. ومن قال: «أُثُنا»، فإِنه جمع وثَن. والأصل: وُثُن، إِلا أنَّ الواو إِذا انْضَمَّتَ يجوز إِبدالها همزة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]، الأصل: وُقِّتَتْ، ومثال وُثُن في الجمع مثل سُقُف. وجائز - أن يكون: اثْن، مثل: أسد وأسد، وجائز أن يكون: اثُن، أصلها: اثْن، فاتبعت الضمَّةُ الضَمَّة" (٢٧). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، " أي: وما يعبدون إلا شيطاناً متمرداً على الله، بلغ الغاية في العتو والفجور" (٢٨). قال مقاتل بن حيان: " يعني: إبليس" (٢٩). قال سفيان: " ليس من صنم إلا فيه شيطان" (٣٠). قال مقاتل: " يعني: وما يعبدون من دونه إلا ﴿شيطانا﴾، يعني: إبليس، زين لهم إبليس طاعته في عبادة الأوثان، ﴿مريدا﴾، يعني: عاتيا" (٣١). قال أبو عبية: " أي: متمردا" (٣٢). قال ابن قتيبة: " أي: ماردا. مثل قدير وقادر والمارد: العاتي" (٣٣). قال قتادة: " تمرَّد على معاصي الله" (٣٤). قال الزجاج: " يعني: به إبليس لأنهم إِذا أطاعوه فيما سَوَّلَ لهم فقد عَبدُوه، وَيدعُونَ في معنى يعبدُونَ، لأنهم إِذَا دَعوْا اللَّهَ مخلصين فقد عبدوه، وكذلك قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: اعبدُونِي، والدليل على ذلك قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]. ومعنى ﴿مَرِيدًا﴾، أي: خارج عن الطاعة مُتَمَلِصٌ مِنْهَا، ويُقَال: شجرة مَرْدَاءُ، إِذا تناثر ورقُها، ومن ذلك يسمى من لم تنبت له لحية أمردُ أي أملس موضعِ اللحية، وقد مرَدَ الرجل يمردُ مُروداً إِذا عتا وخرج عن الطاعة" (٣٥). الفوائد: ١ - ذم الكفار بانهم تركوا عبادة من يحميهم ويكلؤهم إلى من لَا يستطيع حماية نفسه، والدعاء هنا العبادة، والالتجاء لإنقاذه من الهلاك أو المرض أو الكوارث بشكل عام، فهم قد تركوا عبادة القوي القادر القاهر الذي هو فوق كل شيء، إلى عبادة العاجز الذي لَا يستطيع حماية نفسه ورفع الضر عنه!

стр. 3068

٢ - إن عبادة الشيطان تكون في اتباع تشريعه ونظامه، وترك تشريع الله ونظامه، وقد سمى الله الذين يطاعون في معاصي الله، "شركاء"، إذ قال: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ [الأنعام: آية ١٣٧]، فسماهم "شركاء"، لما زينوا لهم الحرام واتبعوهم فيه. وقد صح عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن آية التوبة - وكان عدي هذا نصرانيا - قال له: يا نبي الله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة: آية ٣١] كيف اتخذوهم أربابا؟ يعني أنهم لم يسجدوا ولم يركعوا لهم ولم يصوموا لهم. قال له ﷺ : «ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرموا عليهم ما أحل الله، فاتبعوهم؟ » قال: بلى. قال: «بذلك اتخذوهم أربابا» (١) (٢). القرآن ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ [النساء: ١١٨] التفسير: طرده الله تعالى من رحمته. وقال الشيطان: لأتخذن مِن عبادك جزءًا معلومًا في إغوائهم قولا وعملا. قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨]، أي: " طرده الله تعالى من رحمته" (٣). قال الطبري: أي: " أخزاه وأقصاه وأبعده" (٤). قال السمرقندي: " يعني: طرده الله من رحمته وهو إبليس، حيث لم يسجد لآدم" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨]، وجهان من التفسير (٦): أحدهما: أنه ابتداء دعاء عليه باللعن، وهو قول من قال: هو الأوثان. والثاني: أنه إخبار عن لعن متقدم، وهو قول من قال: هو إبليس. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، اي: " وقال الشيطان: لأتخذن مِن عبادك جزءًا معلومًا في إغوائهم قولا وعملا" (٧). قال مقاتل بن حيان: " هذا قول إبليس" (٨). وفي رواية أخرى: "هذا إبليس، ﴿مفروضا﴾، يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة" (٩). قال الحسن: "من كل ألف، تسعمائة وتسعين إلى النار" (١٠). عن أبي مالك قوله: " ﴿نصيبًا﴾، قال: حظا" (١١). عن الضحاك: " ﴿نصيبًا مفروضًا﴾، قال: معلومًا" (١٢). وفي رواية اخرى: " يتخذونها من دونك، ويكونون من حزبي" (١٣). قال السمرقندي: " أي: حظا معلوما" (١٤). قال السمعاني: " أي: مقدارا معلوما" (١٥).

стр. 3069

قال الزمخشري: أي: " مقطوعا واجبا فرضته لنفسي من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه" (١). قال السمين الحلبي: " أي مقطوعًا، وقيل موفيًا، وقيل معلومًا" (٢). قال ابن عطية: " المعنى: لأستخلصنهم لغوايتي، ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة" (٣). قال الزجاج: " قيل في «مفروض»: إِن معناه مؤقت، وجاءَ في بعض التفسير: من كل ألف واحد للَّهِ وسائرهم لإبليس" (٤). قال البغوي: " فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه" (٥). وأصل «الفرض»: الحز والقطع، ومنه فرض القوس: وهو الشق الذي يجعل فيه الوتر. ومنه فرض السواك: وهو الموضع الذي يجعل فيه الخيط، ومنه فرضة البحر: وهو المشرع الذي توقف إليه السفينة، والفرض: نوع من التمر يكون بعمان، قال الشاعر (٦): إِذَا أَكَلْتُ سَمَكًا وَفَرْضَا ... ذَهَبْتُ طُولًا وَذَهَبْتُ عَرْضًا فالفَرضُ ههنا «التمر»، وإنما سُمي التمر فَرضاً لأنه يؤخذ في فِرَاضِ الصدقة (٧). قال الطبري: " فإن قال قائل: وكيف يتّخذ الشيطانُ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؟ قيل: يتخذ منهم ذلك النصيب، بإغوائه إياهم عن قصد السبيل، ودعائه إياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلالَ والكفر حتى يزيلهم عن منهج الطريق، فمن أجاب دعاءَه واتَّبع ما زينه له، فهو من نصيبه المعلوم، وحظّه المقسوم. وإنما أخبر جل ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، ليعلم الذين شاقُّوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، أنهم من نصيبِ الشيطان الذي لعنه الله، المفروضِ، وأنهم ممن صدق عليهم ظنّه" (٨). قال الثعلبي: " وإن قيل خبرونا عن قول إبليس لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا «١» كيف علم ذلك؟ يقال: قد قيل في هذا أجوبة، منها: إن قالوا إن الله ﵎ كان خاطبه بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، فعلم إبليس انه ينال من ذرية آدم ما يتمناه. ومنها: ان قالوا إنه لما وسوس لآدم نال منه ما نال، طمع في ولده ولم ينل من آدم جميع ما يتمناه من الغواية فكذلك طمع في بعض ولده وأيس من جميعهم. ومنها ان قالوا ان إبليس قد عاين الجنة والنار وعلم ان الله خلقهما لأن يسكنهما من الناس والشيطان، فعلى هذا التأويل قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ " (٩). الفوائد: ١ - أن قول اللعين: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾، الذي صدر عنه عند اللعن، يدل على فرط عداوته لبني آدم. ٢ - أن النصيب المفروض لابليس خاص بأهل الضلال، أي: كل من أطاعه فيما زين له من المعاصي. القرآن ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩]

стр. 3070

التفسير: ولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن الحق، ولأعِدَنَّهم بالأماني الكاذبة، ولأدعونَّهم إلى تقطيع آذان الأنعام وتشقيقها لما أزينه لهم من الباطل، ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة، وهيئة ما عليه الخلق. ومن يستجب للشيطان ويتخذه ناصرًا له من دون الله القوي العزيز، فقد هلك هلاكًا بيِّنًا. سبب النزول: أخرج الطبري عن أبي عمار، عن ابن عباس: "أنه كره الإخصاء وقال: فيه نزلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ " (١). وروي عن انس (٢)، وعكرمة (٣)، نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: " ولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن الحق" (٤). قال ابن عباس: "يريد من سبيل الهدى" (٥). وقال الكلبي: لأضلنهم عن الحق " (٦). قال ابن أبي زمنين: أي: " لأغوينهم" (٧). قال السمرقندي: " يعني: عن الهدى والحق" (٨). قال الماوردي: " يعني: الإيمان" (٩). قال النسفي: أي: "بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل" (١٠). قال السمعاني: " فإن قال قائل: كيف نسب إليه الإضلال، وليس إليه الضلالة؟ قلنا: معناه: التزيين والدعوة إلى الضلالة، وقد قال: بعثت داعيا، وليس إلى من الهداية شئ، وبعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شئ " (١١). وفي قراءة أبيّ: «وأضلهم» (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: " ولأعِدَنَّهم بالأماني الكاذبة" (١٣). قال الماوردي: " يعني: بطول الأمل في الدنيا ليؤثروها على الآخرة" (١٤). قال الزجاج: " أي: أجمع لهم مع الإضْلَال أن أوهِمهم أنهم ينالون من الآخرة حظاً، كَمَا قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيطَانُ أعمَالَهمْ﴾ (١٥) " (١٦). قال ابن أبي زمنين: " أي: بأنهم لا عذاب عليهم" (١٧). قال السمرقندي: " يعني: لأخبرنهم بالباطل أنه لا جنة ولا نار ولا بعث" (١٨). قال الثعلبي: أي: " ولأمنينهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث. وقال بعضهم: ولأمنينهم أي ألقي في قلوبهم الهيمنة" (١٩). قال النسفي: أي: " ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال" (٢٠).

стр. 3071

قال السعدي: " أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة" (١). وفي قراءة أبيّ: «وأمنيهم» (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: " أي ولآمرنهم بتقطيع آذان الأنعام" (٣). قال الماوردي: " أي: لَيُقَطِّعُنَّهَا نُسكاً لأوثانهم كالبحيرة والسائبة" (٤). قال النسفي: " البتك القطع والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خسمة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها" (٥). قال الزجاج: " كانه - واللَّه أعلم - ولآمُرنَهم بِتَبْتِيكِ آذان الأنعام فليبتكُنَ، أي يشقِقُن، يقال بتكْتُ الشيءَ أبْتِكه بَتْكاً إِذا قطعته، وبِتْكَة وبِتَكُ، مثل قطعة وقطع، وهذا في البَحِيرةِ، كانت الجاهلية إِذا ولدت الناقة خمسة أبطن فكان الخامس ذكَراً شقوا أذن الناقة وأمتنعوا من الانتفاع بها ولم تطرد عن ماءٍ ولا مرْعًى، وإِذا لقيها المعْي لم يركبها. فهذا تأويل: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. سَوَّلَ لهم إِبليس أن في تركها لا ينتفع بها قربة إِلى الله" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: " ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة" (٧). قال الزجاج: " قيل إِن معناه أن الله خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أَنفسَهِم، وخلق الشمس والقمر والأرض والحجارة سخْرة للناس ينْتَفعون بها فعبدهَا المشرِكون، فغيروا خلق اللَّه، أي دِينَ اللَّه، لأن الله فطر الخلق على الِإسلام، خلقهم من بطن آدَمَ كالذر، وأشهدَهُمْ أنه ربهم فآمنوا، فمن كفر فقد غير فِطْرَة الله التي فَطَرَ الناسَ عليها، فأمَّا قوله: ﴿لا تَبديلَ لِخَلق الله﴾ (٨)، فإنَّ معناهُ ما خلقه الله هو الصحيح، لا يقْدِر أحد أن يُبَدل معنى صحة الدين" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، وجوه: أحدها: يعني دين الله، وهذا قول ابن عباس-في إحدى الروايات- (١٠)، والحسن (١١)، وقتادة (١٢)، والضحاك (١٣)، والسدي (١٤)، ومجاهد (١٥)، وعكرمة-في إحدى الروايات- (١٦)، وإبراهيم (١٧)، وابن أبي بزة (١٨)، وابن زيد (١٩)، واختيار الطبري (٢٠)، والزجاج (٢١)، والواحدي (٢٢). والثاني: أنه أراد به خصاء البهائم، وهذا قول ابن عباس أيضا (٢٣)، وأنس (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، وشهر بن جوشب (٢٦). والثالث: أنه الوشم، وهو قول ابن مسعود (٢٧)، والحسن (٢٨). قال ابن مسعود: "لعن الله الوَاشِرَات والمُسْتَوْشِمَات والمُتَنَمِّصات والمُتَفَلِّجات للحسن المغِّيرات خلق الله" (٢٩). والراجح-والله أعلم- أن معناه: "دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، [سورة الروم: ٣٠]، وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به. لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته. فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه" (٣٠). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: " أي ومن يتول الشيطان ويطعْه ويترك أمر الله" (٣١). قال السمعاني: " أي: يواليه باتباعه" (٣٢). قال السمرقندي: " أي: يعبد الشيطان ويطيعه، ﴿من دون الله﴾، يعني: ترك أمر الله تعالى وطاعته" (٣٣). قال البيضاوي: " بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به ومجاوزته عن طاعة الله إلى طاعته" (٣٤). قال الواحدي: " يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا" (٣٥). قوله تعالى: ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]، أي: " فقد هلك هلاكًا بيِّنًا" (٣٦). قال السمرقندي: " أي: ضل ضلالا مبينا بينا عن الحق" (٣٧). قال البيضاوي: " إذا ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار" (٣٨). الفوائد: ١ - إن الشيطان ليس له من الإضلال إلا التزيين والوسوسة، إذ لو كانت الضلالة إلى إبليس لأضل جميع الخلق. ٢ - ومن مكايد الشيطان تسويف التوبة وتأخيرها، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. ٣ - حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع. القرآن

стр. 3072

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠] التفسير: يعد الشيطان أتباعه بالوعود الكاذبة، ويغريهم بالأماني الباطلة الخادعة، وما يَعِدهم إلا خديعة لا صحة لها، ولا دليل عليها. قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، أي: " يعد الشيطان أتباعه بالوعود الكاذبة" (١). قال الشوكاني: " يعدهم المواعيد الباطلة ويمنيهم الأماني العاطلة" (٢). قال الطبري: أي: " يعد الشيطان المَرِيد أولياءه الذين هم نصيبُه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم" (٣). قال القرطبي: " المعنى: يعدهم أباطيله وترهاته من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير" (٤). قال الواحدي: " قال أهل المعاني: معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنيا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك، وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب علي الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدًّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبًا، وعدّ نفسه من الموتى" (٥). قال السمعاني: " وعده قد يكون بالتخويف كما قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقيل: أنه يتمثل في صورة الآدمي، فيعد، ويمنى، وكان قد ظهر يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وظهر في اليوم الذي اجتمعت فيه قريش، وتشاوروا في إخراج النبي، في صورة شيخ من نجد" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، أي: " ويغريهم بالأماني الباطلة الخادعة " (٧). قال الطبري: أي: " ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم" (٨). قال السمعاني: " من ذلك تمنى الإنسان قضاء الشهوات، واعلم أن الإنسان لا يؤاخذ بغلبة الشهوة، واشتهاء الشهوات؛ لأن ذلك شئ جبل عليه، ويؤاخذ بالتمني، وذلك أن يتمنى خمرا ليشربه، أو امرأة؛ ليزني بها، فذلك من المعصية، ويؤاخذ به" (٩). قال الواحدي: " وذكر في عدة من كتب التفسير ﴿يَعِدُهُمْ﴾ ألا يلقون خيرًا، ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الفقر، فلا ينفقون في خير. وهذا صحيح في المعنى، من حيث إن الشيطان قد يخوف الإنسان بالفقر، فيمسك عن الإنفاق في الطاعة، ولكنه باطل من حيث اللغة؛ لأن الوعد إنما يستعمل في الخير، وما يكون في الشر قيل فيه: يوعد، هذا هو الصحيح، وإن كان يستعمل الوعد في الشر نادرًا. والتمنية معناه: تسويل المنية، وهي ما يتمناه الإنسان، ولا يتمنى الفقر، إنما يتمنى الغنى وكثرة المال في غالب العادة" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، أي: " أي وما يعدهم إلا خديعة وباطلاً وضلالاً " (١١). قال القرطبي: أي: خديعة" (١٢). قال البغوي: " أي: باطلا" (١٣).

стр. 3073

قال الواحدي: " أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر" (١). قال الشوكاني: " أي: وما يعدهم الشيطان بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة إلا غرورا يغرهم به، ويظهر لهم فيه النفع وهو ضرر محض" (٢). قال الطبري: أي: " وما يعد الشيطان أولياءَه الذين اتخذوه وليًّا من دون الله إلا باطلا، وإنما جعل عِدَته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم ﴿غرورًا﴾، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليًّا على حقيقةٍ من عِدَاته الكذب وأمانيه الباطلة، حتى إذا حصحص الحق، وصاروا إلى الحاجة إليه، قال لهم عدوّ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ﴾، [سورة إبراهيم: ٢٢]. وكما قال للمشركين ببدر، وقد زيَّن لهم أعمالهم: ﴿لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾، وحصحص الحقّ، وعاين جِدّ الأمر ونزول عذاب الله بحزبه: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، [سورة الأنفال: ٤٨]، فصارت عِدَاته، عدُوَّ الله إياهم عند حاجتهم إليه غرورًا، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [سورة النور: ٣٩] " (٣). قال عكرمة: " إنما سمي الشيطان، لأنه تشيطن" (٤). قال السمعاني: " الغرور: إيهام الوصول إلى النفع من موضع الضر" (٥). قال ابن عرفة: " الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفية باطن مكروه أو مجهول، والشيطان غرور، لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء" (٦). الفوائد: ١ - سلاح الشيطان العدة الكاذبة والأمنية الباطلة، والزينة الخادعة. ٢ - قال الخازن: " إنما يدع الشيطان إلى قضاء الشهوة وطلب الرياسة ونحو ذلك، ولا يدعو إلى معرفة الله تعالى، ولا إلى عبادته وتلك الأشياء التي يدعو إليها خيالية لا حقيقة لها ولا تحصل إلا بعد متاعب ومشاق عظيمة، وإذا حصلت كانت سريعة الذهاب والانقضاء وينغصها الموت والهرم وغير ذلك، وإذا كانت هذه الأشياء بهذه الصفة كانت الرغبة فيها غرورا" (٧). ٣ - إن الإنسان بحاجة إلى عون الله ﷻ للتخلص من وساوس الشيطان ومكايده. القرآن ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢١] التفسير: أولئك مآلهم جهنم، ولا يجدون عنها معدلا ولا ملجأً. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ١٢١]، أي: " أولئك مآلهم جهنم" (٨). قال الثعلبي: اي: " مصيرهم جهنم" (٩). قال الطبري: أي: " هؤلاء الذين اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله، مصيرهم الذين يصيرون إليه جهنم" (١٠). قال السمرقندي: " يعني: الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]، اي: " ولا يجدون عنها معدلا ولا ملجأً" (١٢).

стр. 3074

قال الثعلبي: أي: " مانعا" (١). قال البغوي: " أي: مفرا ومعدلا عنها" (٢). قال السعدي: " أي: مخلصا ولا ملجأ بل هم خالدون فيها أبد الآباد" (٣). قال الطبري: "يقول: لا يجدون عن جهنم- إذا صيّرهم الله إليها يوم القيامة - مَعْدِلا يعدِلون إليه" (٤). قال الزجاج: " أي: لا يجدون عنها مَعْدِلًا ولا مَلْجأ" (٥). قال السمرقندي: " أي: مفرا ومهربا" (٦). و«المحيص»: مفعول من حاص إذا راغ ونفر، يقال منه: حاص فلان عن هذا الأمر يَحِيص حَيْصًا وحُيُوصًا، إذا عدل عنه، (٧)، ومنه خبر ابن عمر أنه قال: "بعث رسول الله ﷺ سرِيّة كنت فيهم، فلقينا المشركين فحِصْنا حَيْصة" (٨)، ومنه قول جعفر بن علبة الحارثي (٩): ولم أدر إن حصنا من الموت حيصة ... كم العمر باق والمدى متطاول وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]، يحتمل وجهين (١٠): أحدهما: لا بد لهم من ورودها. والثاني: التخليد الذي أوعد به الكفار، فلا يخرجون عنها، ولا يجدون منها ملجأ الفوائد: ١ - إن الذين يعطون ولايتهم للشيطان، ويخسرون فطرتهم السليمة، ونفوسهم المستقيمة، وعقولهم المدركة، تحت سلطان الأماني الكاذبة والأوهام الخادعة. ٢ - لَا يكون لهم مأوى يوم القيامة غير جهنم. ولا يجدون ملجأ دونها يلجأون إليه، فلا مفر منها ولا مهرب، وذلك جزاء إضرارهم لفطرتهم وانحرافهم عن الجادة، ويرميهم بغرور الشيطان، وإن ذلك يتبعه الأذى لبني الإنسان، وتركهم عبادة الديان، والإعراض عن الحق، إذا جاءهم به رسل الله تعالى، وأنهم لَا معدل لهم عنها ولا مهرب. القرآن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢] التفسير: والذين صَدَقوا في إيمانهم بالله تعالى، وأتبعوا الإيمان بالأعمال الصالحة سيدخلهم الله -بفضله- جنات تجري من نحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، وعدا من الله تعالى الذي لا يخلف وعده. ولا أحد أصدق من الله تعالى في قوله ووعده. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: والذين صَدَقوا في إيمانهم بالله تعالى، وأتبعوا الإيمان بالأعمال الصالحة" (١١). قال النسفي: أي: " ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر" (١٢). قال القاسمي: " أي: والذين صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات" (١٣).

стр. 3075

قال ابن عباس: "يقول: أدوا فرائضي" (١). وعنه أيضا: "الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (٢). قال السمرقندي: " أي: صدقوا بالله تعالى والرسول والقرآن، وأدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم" (٣). قال الطبري: أي: " والذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ بالنبوة، وأدَّوا فرائض الله التي فرضها عليهم" (٤). قوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: " سيدخلهم الله -بفضله- جنات تجري من نحت أشجارها الأنهار" (٥). قال الطبري: " يقول: سوف ندخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله، جزاءً بما عملوا في الدنيا من الصالحات بساتين ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ (٦). قال القاسمي: " أي: من تحت غرفها ومساكنها الأنهار أنهار الخمر والماء واللبن والعسل" (٧). قال السعدي: " وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة" (٨). قال ابن عثيمين: " وظاهر كلمة ﴿أنهار﴾ أن الماء عذب، وجمع ﴿الأنهار﴾ باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذاً يعتبر هذا البستان كاملاً من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضاً جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك " (٩). قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها" (١٠). قال مقاتل: " يعني: البساتين تجري من تحتها الأنهار" (١١). قال البغوي: " أي: من تحت الغرف والمساكن" (١٢). قال الزجاج: " المعنى: تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الجاري على الحقيقة الماء" (١٣). قال مسروق: " أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وثمرتها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، العنقود اثنا عشر ذراعا" (١٤). قال عبد الله: "الجنة سجسج لا حر فيها ولا برد" (١٥). وعنه أيضا: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك" (١٦). وقرأت فرقة: «سندخلهم» بالنون، وقرأت فرقة: «سيدخلهم» بالياء (١٧). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: " ماكثين فيها أبدًا" (١٨). قال القاسمي: " أي: مقيمين في الجنة. لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا" (١٩). قال سعيد بن جبير، ومقاتل: "يعني: لا يموتون" (٢٠). وعن ابن عباس: " ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، قال: لا انقطاع" (٢١).

стр. 3076

قال ابن كثير: أي: " وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا" (١). قال سعيد بن جبير: " طول الرجل من أهل الجنة سبعون ميلا، وطول المرأة ثلاثون ميلا، مقعدتها جريب أرض، وإن شهوته لتجري في جسدها مقدار سبعين عاما، يجد اللذة ولو انقلب الرجل من أهل النار كسلسلة لزالت الجبال " (٢). قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: " وعدا من الله تعالى الذي لا يخلف وعده" (٣). قال النسفي: " مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره" (٤). قال مقاتل: " يعني: صدقا أنه منجز لهم ما وعدهم" (٥). قال السمرقندي: "أي: صدقا وكائنا، أنجز لهم ما وعد لهم من الجنة " (٦). قال البيضاوي: " أي: وعده وعدا، وحق ذلك حقا" (٧). قال القاسمي: أي: " صدقا واقعا لا محالة" (٨). قال الطبري: " يعني: عِدَةٌ من الله لهم ذلك في الدنيا، ﴿حقًّا﴾، يعني: يقينًا صادقًا، لا كعدة الشيطان الكاذبة التي هي غرور مَنْ وُعِدها من أوليائه، ولكنها عدة ممن لا يكذب ولا يكون منه الكذب، ولا يخلف وعده" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: " ولا أحد أصدق من الله تعالى في قوله ووعده" (١٠). قال السمرقندي: " أي: قولا ووعدا" (١١). قال القرطبي: المعنى: " لا أحد أصدق من الله" (١٢). قال مقاتل: " فليس أحد أصدق قولا منه- فى أمر الجنة والنار والبعث وغيره" (١٣). قال البيضاوي: " جملة مؤكدة بليغة، والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله" (١٤). قال النسفي: " وهو استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أصدق منه، وهو تأكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه" (١٥). وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: "إن أصدق الحديث كلام الله. وخير الهدى هدى محمد ﷺ . وشر الأمور محدثاتها. وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. وكل ضلالة في النار" (١٦). قال القاسمي: "والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه. والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله" (١٧). الفوائد: - الإيمان الصادق والعمل الصحيح الصالح هما مفتاح الجنة وسبب دخولها، لأنه بالإيمان والعمل الصالح تزكو النفس البشرية وتطهر، وإذا زكت وطهرت تأهلت لدخول الجنة؛ إذ هي دار الأبرار ودار المتقين.

стр. 3077

٢ - صدق وعد الله تعالى، وصدق قوله . ٣ - وجوب صدق الوعد من العبد لأن خلف الوعد من النفاق لحديث: «وإذا وعد أخلف» (١). ٤ - وجوب صدق القول والحديث لأن الكذب من النفاق لحديث وإذا حدث كذب. القرآن ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣] التفسير: لا يُنال هذا الفضل العظيم بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه. ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال ابن عباس: " تحاكم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء! وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا! فقضى الله بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، وخيّر بين أهل الأديان؛ فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢) " (٣).وإلى هذا المعنى ذهب مسروق (٤)، وأبو صالح (٥)، وقتادة (٦)، والضحاك (٧)، والسدي (٨). والثاني: وقال مجاهد: " قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب، فأنزل الله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ " (٩). وإلى هذا المعنى ذهب ابن زيد (١٠). والثالث: أن اليهود والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: لا نبعث، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة. والراجح-والله أعلم- "أنه عُني بقوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾، مشركي قريش، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾، وإنما جرى ذكر أمانيِّ نصيب الشيطان المفروضِ، وذلك في قوله: ﴿ولأمنينَّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾، وقوله: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾، فإلحاق معنى قوله جل ثناؤه: ﴿ليس بأمانيكم﴾ بما قد جرى ذكره قبل، أحقُّ وأولى من ادِّعاء تأويلٍ فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ ، ولا إجماع من أهل التأويل" (١١). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: " أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وإنما يحصل بالإِيمان والعمل الصالح" (١٢). قال الزمخشري: " أى: ليس ينال ما وعد الله من الثواب ﴿بأمانيكم﴾، ولا بـ ﴿أماني أهل الكتاب﴾ " (١٣). قال القاسمي: " أي: ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام ولا أماني أهل الكتاب ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: ١٨] لن تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: ٨٠] " (١٤).

стр. 3078

قال ابن كثير: " أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام. والمعنى في هذه الىية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كُلّ من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: "إنه هو المُحق" سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان" (١). وفي المشار إليهم بقوله: ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣]، قولان: أحدهما: أنهم المسلمون على قول الأكثرين (٢). والثاني: المشركون على قول مجاهد (٣)، واختيار الطبري (٤). قال الزمخشري: " الخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله" (٥). قال ابن الجوزي: "فأما أماني المسلمين، فما نقل من قولهم: كتابنا ناسخ للكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأماني المشركين قولهم: لا نبعث، وأماني أهل الكتاب قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإن النار لا تمسنا إلا أياما معدودة، وأن كتابنا خير الكتاب، ونبينا خير الأنبياء، فأخبر الله أن دخول الجنة والجزاء، بالأعمال لا بالأماني" (٦). قال ابن عطية: " «الأماني»: جمع أمنوية، وزنها «أفعولة»، وهي: ما يتمناه المرء ويطيع نفسه فيه" (٧). وقراءة الجمهور: ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ﴾ مشددة الياء فيهما، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج، «ليس بأمانيكم» ساكنة الياء، وكذلك في الثانية (٨). قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: " ومن يعمل عملا سيئًا ينال عقابه" (٩). وفي المراد «بالسوء» قولان: أحدهما: أنه المعاصي. وهذا معنى قول أبي بن كعب (١٠)، وعائشة (١١)، ومجاهد (١٢). والثاني: أنه الشرك، قاله ابن عباس (١٣)، ويحيى بن أبي كثير (١٤)، وسعيد بن جبير (١٥). وفي هذا الجزاء قولان: أحدهما: أنه عام في كل من عمل سوءا فإنه يجازى به، وهو معنى قول أبي بن كعب (١٦)، وعائشة (١٧)، ومجاهد (١٨)، واختاره الطبري (١٩)، وابن كثير (٢٠). قال القرطبي: "قال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار، لان كفره أو بقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا" (٢١).

стр. 3079

عن عائشة، عن أبي بكر قال: "لما نزلت: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نَعْمل نؤاخذ به؟ فقال: يا أبا بكر، أليس يُصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارته" (١). والثاني: أنه خاص في الكفار يجازون بكل ما فعلوا، فأما المؤمن فلا يجازى بكل ما جنى، قاله الحسن البصري (٢)، والضحاك (٣). روي عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق أنه قال: "يا نبي الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي ﷺ : أيّة آية؟ قال يقول الله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به﴾، فما عملناه جزينا به؟ فقال النبي ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تُصيبك اللأواء؟ قال: فهو ما تجزون به! " (٤). وفي رواية أخرى عن أبي بكر-﵁، قال: "يا رسول الله، ما أشد هذه الآية: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾؟ قال: يا أبا بكر، إنّ المصيبة في الدنيا جزاء" (٥). وعطاء بن أبي رباح قال: "لما نزلت، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر! فقال رسول الله ﷺ : إنما هي المصيبات في الدنيا" (٦). وعن عائشة-﵂ قالت: "قلت يا رسول الله، إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن! فقال: ما هي يا عائشة؟ قلت: هي هذه الآية يا رسول الله: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾، فقال: هو ما يصيب العبدَ المؤمن، حتى النكبة يُنْكبها" (٧). والراجح-والله أعلم- أن كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، جوزي به، [وذلك] لعموم الآية [في] كلَّ عامل سوء، من غير أن يُخَصَّ أو يستثني منهم أحد. فهي على عمومها، إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول ﷺ " (٨). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: " ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب" (٩). قال الطبري: أي: " ولا يجد الذي يعمل سوءًا من معاصي الله وخلاف ما أمره به، من بعد الله، وسواه ﴿وليًّا﴾ يلي أمره، ويحمي عنه ما ينزل به من عقوبة الله، ولا ناصرًا ينصره مما يحلّ به من عقوبة الله وأليم نَكاله" (١٠). قال ابن عباس: " إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه" (١١). قال النسفي: " وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] " (١٢). الفوائد: ١ - ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإيمان والعمل الصالح أو التقوى والصبر والإحسان. ٢ - الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ .. القرآن ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤] التفسير:

стр. 3080

ومن يعمل من الأعمال الصالحة من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق، فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة. سبب النزول: قال مسروق: " لما نزلت: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١)، قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء! فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ " (٢). وقال أبو صالح: " أبي صالح قال: جلس ناس من أهل الإيمان وأهل التوراة وأهل الإنجيل، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٣)، ثم خص الله أهل الإيمان، فأنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، " أي: ومن يعمل الأعمال الصالحة سواءً كان ذكراً أو أنثى وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق" (٥). قال السمرقندي: " يعني: يؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم من رجل أو امرأة، وهو مصدق بالثواب والعقاب" (٦). قال المراغي: " أي: ومن يعمل كل ما يستطيع عمله من الأعمال التي تصلح بها النفوس فى أخلاقها وآدابها وأحوالها الاجتماعية، سواء كان العامل ذكرا أو أنثى وهو مطمئن القلب بالإيمان" (٧). قال ابو السعود: " أي بعض الصالحات، أو شيئا منها، فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا به، وقوله: ﴿وهو مؤمن﴾، حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على أنه لا اعتداد به دونه" (٨). قال مقاتل: " ﴿وهو مؤمن﴾، بتوحيد الله- " (٩). قال السدي: " أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبَى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان" (١٠). ولسبب دخول ﴿مِنَ﴾ التبعيض، في قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٤]، قولان (١١): أحدهما: أن يكون الله قد علم أن عبادَه المؤمنين لن يُطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات، فأوجب وَعده لمن عمل ما أطاق منها، ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزتْ عن عمله منها قوّته. والثاني: أن يكون تعالى ذكره أوجب وعدَه لمن اجتنب الكبائر وأدَّى الفرائض، وإن قصر في بعض الواجب له عليه، تفضلا منه على عباده المؤمنين، إذ كان الفضل به أولى، والصفح عن أهل الإيمان به أحرَى. قال الزمخشري: " فإن قلت: ما الفرق بين «من» الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، أراد: ومن يعمل بعض الصالحات لأن كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه. وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال. والثانية لتبيين الإبهام في: ﴿من يعمل﴾ " (١٢). عن ابن عباس، "أن ابن عمر لقيه حزينا سأله عن هذه الآية: ﴿ومن يعمل من الصالحات﴾، قال: الفرائض" (١٣).

стр. 3081

قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤]، أي: " فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم" (١). قال المراغي: أي: " فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم" (٢). عن علقمة عن عبدالله: " الجنة سجسج: لا حر فيها ولا برد" (٣). قرأ أبو عمرو وابن كثير: «فأولئك يدخلون الجنة»، بضم الياء ونصب الخاء، على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء، أي يدخلون الجنة بأعمالهم (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، أي: " ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة " (٥). قال مجاهد: " النقير، الذي يكون في ظهر النواة" (٦). قال عطية: " النقير، الذي في وسط النواة" (٧). قال مقاتل: " يعني: ولا ينقصون من أعمالهم الحسنة ﴿نقيرا﴾، حتى يجازوا بها، يعني: النقير الذي في ظهر النواة التي تنبت منه النخلة" (٨). قال الزجاج: " النقير، النقطه في ظهر النواة، وهي مَنْبتِ النخلة، والمعنى: ولا يظلمون مقدار ذلك" (٩). قال الطبري: أي: " ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثوابِ عملهم، مقدارَ النُّقرة التي تكون في ظهر النَّواة في القلة، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأكثر؟ وإنما يخبر بذلك جل ثناؤه عبادَه أنه لا يبخَسهم من جزاء أعمالهم قليلا ولا كثيرًا، ولكن يُوفِّيهم ذلك كما وعدهم" (١٠). قال القاسمي: " أي: لا ينقص من حسناتهم قدر «نقير»: وهو النقرة التي على ظهر النواة. وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم، ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان" (١١). قال ابو حيان: الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ " ظاهره: أنه يعود إلى أقرب مذكور وهم المؤمنون، ويكون حكم الكفار كذلك. إذ ذكر أحد الفريقين يدل على الآخر، أن كلاهما يجزى بعمله، ولأن ظلم المسيء أنه يزاد في عقابه. ومعلوم أنه تعالى لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه. والمحسن له ثواب، وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل. فنفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقص في الفضل. ويحتمل أن يعود الضمير في: ولا يظلمون إلى الفريقين، عامل السوء، وعامل الصالحات" (١٢). قال القاسمي: "الراجع في ﴿ولا يظلمون﴾، لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا" (١٣). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الراجع في: ﴿ولا يظلمون﴾ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا. والثاني: أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالا على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم،

стр. 3082

فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب، فكان نفى الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل" (١). قال ابو السعود: " فإن النقير علم في القلة والحقارة وإذا لم ينقص ثواب المطيع فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى كيف لا والمجازي أرحم الراحمين وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب" (٢). الفوائد: ١ - أن الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى قوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. ٢ - قال المراغي: " وفى هذه الآية من العبرة والموعظة ما يهدم صروح الأمانى التي يأوى إليها الكسالى وذوو الجهالة من المسلمين الذين يظنون أن الله يحابى من يسمى نفسه مسلما ويفضله على اليهودي والنصراني لأجل هذا اللقب، فالذين يفخرون بالانتساب إليه وقد نبذوه وراء ظهورهم وجرموا الاهتداء بهديه، هم فى ضلال مبين" (٣). القرآن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥] التفسير: لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن، واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. وقد اصطفى الله إبراهيم ﵊ واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: " لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن" (٤). قال مقاتل: " يعني: أخلص دينه لله، ﴿وهو محسن﴾ في عمله" (٥). قال التستري: " أي: ممن أخلص دينه لله، وهو الإسلام وشرائعه، وقال، أي في لقمان: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن﴾ [لقمان: ٢٢]، يعني: يخلص دينه لله" (٦). قال ابن كيسان: "يعني: من توجه بعبادته إلى الله خاضعًا له" (٧). قال ابن عباس: يريدُ وهو يوحِّدُ الله لا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا" (٨). قال السدي: " ثم فضل الله المؤمن عليهم، يعني: على أهل الكتاب، فقال: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ " (٩). قال الزمخشري: " ﴿أسلم وجهه لله﴾: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه، ﴿وهو محسن﴾: وهو عامل للحسنات تارك للسيئات " (١٠). عن أبي العالية قوله: " ﴿ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، يقول: من أخلص لله" (١١). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (١٢). عن سعيد بن جبير: ﴿ممن أسلم وجهه لله﴾، قال: من أخلص ﴿وجهه﴾، قال: دينه" (١٣).

стр. 3083

قال الواحدي: " ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: موحِّد، وإنما شرط في إسلام الوجه لله أن يكون محسنًا، لأن اليهود والنصارى يقرُّون بالانقياد لأمر الله وهم غير محسنين، فلا يستحقون الأجر. قال العلماء: وإنِّما صارَ الإسلامُ أحسنَ الأديانِ، لأنَّ طاعةَ الله أحسن الأعمالِ التي تكونُ من العباد، لما فيها من عبادة من لا يضيع عنده مثاقيل الذرِّ، ومَنْ لا يضيق ملكه عن شيء، فلهذا كان لا أحد أحسن دينًا ممَنْ أسلَمَ وجهَهُ لله بطاعته والانقيادِ لأمره" (١). وفي «الوجه» في الآية قولان (٢): أحدهما: أنه الدين. والثاني: أنه العمل. وفي تفسير «الإحسان» في الآية قولان: أحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن عباس (٣). والثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي (٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: " واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة" (٥). قال الطبري: " يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به، مستقيمًا على منهاجه وسبيله" (٦). قال الضحاك: " فضّل الله الإسلام على كل دين فقال: ﴿ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، إلى قوله: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، وليس يقبل فيه عملٌ غير الإسلام، وهي الحنيفيّة" (٧). وذكر أهل العلم في اتباع ملة إبراهيم قولان (٨): أحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة. والثاني: اتباع شريعته، اختاره القاضي أبو يعلى (٩). وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، لأهل اللغة فيه قولان (١٠): الأول: أن الحنيف هو المستقيم. قال الطبري: " (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء" (١١). ومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (١٢). الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أقوال: أحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (١٣)، والحسن (١٤)، ومجاهد (١٥)، وكثير بن زياد (١٦)، وعبدالله بن قاسم (١٧)، والضحاك (١٨)، وعطية (١٩)، والسدي (٢٠).

стр. 3084

والثاني: أنه اتباع الحق. قاله مجاهد ايضا (١)، والربيع بن انس (٢). والثالث: الحنيف: المستقيم. وهذا قول محمد بن كعب (٣)، وعسى ابن جارية (٤). والرابع: معناه: مخلصا. قاله السدي (٥)، ومقاتل بن سليمان (٦)، وخصيف (٧). والخامس: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وهذا قول ابي قلابة (٨). والراجح-والله اعلم- أنه يعني: الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته، قال الزمخشري: ﴿الحنيف﴾: " هو الذي تحنف، أى: مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: " وقد اصطفى الله إبراهيم ﵊ واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه" (١٠). قال ابن مسعود: " إن الله اتخذ صاحبكم خليل" (١١). قال مقاتل: " يعني: محبا" (١٢). قال الطبري: أي: " واتخذ الله إبراهيم وليًّا" (١٣). قال الواحدي: أي: "صفيَّاً بالرِّسالة والنُّبوَّة مُحبَّاً له خالص الحب" (١٤). قال انس: " جعل الله الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليهم أجمعين" (١٥). وفي معنى «الخليل» أقوال: أحدها: انه الصفي. وهذا قول ابن عباس (١٦). والثاني: أنه المحب الذي ليس في محبته خلل. قاله الزجاج (١٧). والثالث: أن الخليل: الفقير، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله بأنه أحبه محبة كاملة، وجائز أن يكون لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إليه. ذكره الزجاج (١٨). والرابع: أن الخليل: «فعيل» من الخلة، والخلة: المودة. قاله ابن الأنباري (١٩). قال الزجاج: " الخليل المحب الذي ليس في محبته خَلَل فجائز أن يكون إِبراهيم سمى خليلَ الله بأنَّه الذِي أحبه الله واصطفاه محبةً تامَّةً كامِلةً. وقيل أيضاً الخليل الفقير، فجائز أن يكون فقير اللَّه، أي الذي لم يَجْعَلْ فقره وفاقته إِلا إِلى الله مخلصاً في ذلك، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، ومثل أن إِبراهيم الخليل الفقير إِلى اللَّه قول زهير يمدح هرم بن سنان (٢٠): وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرَمُ

стр. 3085

والخلة الصداقة، والخلة الحاجة، فأمَّا معنى الحاجةِ، فإِنه الاختلال الذي يلحق الِإنسان فيما يحتاج إِليه، وأمَّا الخلة الصداقة فمعناها إنَّه يسُد كل محب خَلَلَ صاحبه في المودة وفي الحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخِلَال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلالاً لأنه، يتبع به الخلل بين الأسْنانِ، وقول الشاعر (١): ونظرن من خَلَلِ الستور بأعينٍ ... مرضَى مخالِطها السِّقام صحاح فإن معناه نظرن من الفرجُ التي تقع في الستور، والخلوةُ والخلل يرجعان إِلى معنى، والخِل الطريق في الرملِ معناه أنه انفرجتْ فِيه فرجة فصارت طريقاً. والخَل الذي يؤكل إنما سمي خلًّا لأنه اختلَّ منه طعم الحلاوة" (٢). وفي سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام. روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام» (٣). وأخرج ابن ابي حاتم عن عبيد بن عمير قال: "كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه، فلم يجد أحدا فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، قال: يا عبد الله، ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن الله اتخذه خليلا. قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت. قال: ذاك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: فبما اتخذني ربي خليلا. قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم" (٤). والثاني: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل (٥). والثالث: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه، فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم ﵇، فأعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق. فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، فاذا دقيق حواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله ، فيومئذ اتخذه الله خليلا. روي ذلك عن ابن عباس (٦). قلت: وأما الخبر الذي روي عن ابن عباس، فإنه لا أصل له في المرفوع، إذ جاء برواية أبي صالح عن ابن عباس كما عند ابن الجوزي (٧)، وهو في اسباب النزول للواحدي (٨) وتفسير البغوي (٩) برواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ساقط، الكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، والكلبي وأبو صالح أقرا أنهما كانا يكذبان على ابن عباس (١٠). وقد ذكر هذا الخبر الطبري بدون إسناد (١١)، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، وقال: "وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب" (١٢).
следующие страницы →