← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤]، أي: " فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم" (١). قال المراغي: أي: " فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم" (٢). عن علقمة عن عبدالله: " الجنة سجسج: لا حر فيها ولا برد" (٣). قرأ أبو عمرو وابن كثير: «فأولئك يدخلون الجنة»، بضم الياء ونصب الخاء، على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء، أي يدخلون الجنة بأعمالهم (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، أي: " ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة " (٥). قال مجاهد: " النقير، الذي يكون في ظهر النواة" (٦). قال عطية: " النقير، الذي في وسط النواة" (٧). قال مقاتل: " يعني: ولا ينقصون من أعمالهم الحسنة ﴿نقيرا﴾، حتى يجازوا بها، يعني: النقير الذي في ظهر النواة التي تنبت منه النخلة" (٨). قال الزجاج: " النقير، النقطه في ظهر النواة، وهي مَنْبتِ النخلة، والمعنى: ولا يظلمون مقدار ذلك" (٩). قال الطبري: أي: " ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثوابِ عملهم، مقدارَ النُّقرة التي تكون في ظهر النَّواة في القلة، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأكثر؟ وإنما يخبر بذلك جل ثناؤه عبادَه أنه لا يبخَسهم من جزاء أعمالهم قليلا ولا كثيرًا، ولكن يُوفِّيهم ذلك كما وعدهم" (١٠). قال القاسمي: " أي: لا ينقص من حسناتهم قدر «نقير»: وهو النقرة التي على ظهر النواة. وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم، ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان" (١١). قال ابو حيان: الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ " ظاهره: أنه يعود إلى أقرب مذكور وهم المؤمنون، ويكون حكم الكفار كذلك. إذ ذكر أحد الفريقين يدل على الآخر، أن كلاهما يجزى بعمله، ولأن ظلم المسيء أنه يزاد في عقابه. ومعلوم أنه تعالى لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه. والمحسن له ثواب، وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل. فنفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقص في الفضل. ويحتمل أن يعود الضمير في: ولا يظلمون إلى الفريقين، عامل السوء، وعامل الصالحات" (١٢). قال القاسمي: "الراجع في ﴿ولا يظلمون﴾، لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا" (١٣). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الراجع في: ﴿ولا يظلمون﴾ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا. والثاني: أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالا على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم،

стр. 3082

فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب، فكان نفى الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل" (١). قال ابو السعود: " فإن النقير علم في القلة والحقارة وإذا لم ينقص ثواب المطيع فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى كيف لا والمجازي أرحم الراحمين وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب" (٢). الفوائد: ١ - أن الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى قوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. ٢ - قال المراغي: " وفى هذه الآية من العبرة والموعظة ما يهدم صروح الأمانى التي يأوى إليها الكسالى وذوو الجهالة من المسلمين الذين يظنون أن الله يحابى من يسمى نفسه مسلما ويفضله على اليهودي والنصراني لأجل هذا اللقب، فالذين يفخرون بالانتساب إليه وقد نبذوه وراء ظهورهم وجرموا الاهتداء بهديه، هم فى ضلال مبين" (٣). القرآن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥] التفسير: لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن، واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. وقد اصطفى الله إبراهيم ﵊ واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: " لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن" (٤). قال مقاتل: " يعني: أخلص دينه لله، ﴿وهو محسن﴾ في عمله" (٥). قال التستري: " أي: ممن أخلص دينه لله، وهو الإسلام وشرائعه، وقال، أي في لقمان: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن﴾ [لقمان: ٢٢]، يعني: يخلص دينه لله" (٦). قال ابن كيسان: "يعني: من توجه بعبادته إلى الله خاضعًا له" (٧). قال ابن عباس: يريدُ وهو يوحِّدُ الله لا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا" (٨). قال السدي: " ثم فضل الله المؤمن عليهم، يعني: على أهل الكتاب، فقال: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ " (٩). قال الزمخشري: " ﴿أسلم وجهه لله﴾: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه، ﴿وهو محسن﴾: وهو عامل للحسنات تارك للسيئات " (١٠). عن أبي العالية قوله: " ﴿ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، يقول: من أخلص لله" (١١). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (١٢). عن سعيد بن جبير: ﴿ممن أسلم وجهه لله﴾، قال: من أخلص ﴿وجهه﴾، قال: دينه" (١٣).

стр. 3083

قال الواحدي: " ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: موحِّد، وإنما شرط في إسلام الوجه لله أن يكون محسنًا، لأن اليهود والنصارى يقرُّون بالانقياد لأمر الله وهم غير محسنين، فلا يستحقون الأجر. قال العلماء: وإنِّما صارَ الإسلامُ أحسنَ الأديانِ، لأنَّ طاعةَ الله أحسن الأعمالِ التي تكونُ من العباد، لما فيها من عبادة من لا يضيع عنده مثاقيل الذرِّ، ومَنْ لا يضيق ملكه عن شيء، فلهذا كان لا أحد أحسن دينًا ممَنْ أسلَمَ وجهَهُ لله بطاعته والانقيادِ لأمره" (١). وفي «الوجه» في الآية قولان (٢): أحدهما: أنه الدين. والثاني: أنه العمل. وفي تفسير «الإحسان» في الآية قولان: أحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن عباس (٣). والثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي (٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: " واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة" (٥). قال الطبري: " يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به، مستقيمًا على منهاجه وسبيله" (٦). قال الضحاك: " فضّل الله الإسلام على كل دين فقال: ﴿ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، إلى قوله: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، وليس يقبل فيه عملٌ غير الإسلام، وهي الحنيفيّة" (٧). وذكر أهل العلم في اتباع ملة إبراهيم قولان (٨): أحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة. والثاني: اتباع شريعته، اختاره القاضي أبو يعلى (٩). وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، لأهل اللغة فيه قولان (١٠): الأول: أن الحنيف هو المستقيم. قال الطبري: " (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء" (١١). ومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (١٢). الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أقوال: أحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (١٣)، والحسن (١٤)، ومجاهد (١٥)، وكثير بن زياد (١٦)، وعبدالله بن قاسم (١٧)، والضحاك (١٨)، وعطية (١٩)، والسدي (٢٠).

стр. 3084

والثاني: أنه اتباع الحق. قاله مجاهد ايضا (١)، والربيع بن انس (٢). والثالث: الحنيف: المستقيم. وهذا قول محمد بن كعب (٣)، وعسى ابن جارية (٤). والرابع: معناه: مخلصا. قاله السدي (٥)، ومقاتل بن سليمان (٦)، وخصيف (٧). والخامس: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وهذا قول ابي قلابة (٨). والراجح-والله اعلم- أنه يعني: الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته، قال الزمخشري: ﴿الحنيف﴾: " هو الذي تحنف، أى: مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: " وقد اصطفى الله إبراهيم ﵊ واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه" (١٠). قال ابن مسعود: " إن الله اتخذ صاحبكم خليل" (١١). قال مقاتل: " يعني: محبا" (١٢). قال الطبري: أي: " واتخذ الله إبراهيم وليًّا" (١٣). قال الواحدي: أي: "صفيَّاً بالرِّسالة والنُّبوَّة مُحبَّاً له خالص الحب" (١٤). قال انس: " جعل الله الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليهم أجمعين" (١٥). وفي معنى «الخليل» أقوال: أحدها: انه الصفي. وهذا قول ابن عباس (١٦). والثاني: أنه المحب الذي ليس في محبته خلل. قاله الزجاج (١٧). والثالث: أن الخليل: الفقير، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله بأنه أحبه محبة كاملة، وجائز أن يكون لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إليه. ذكره الزجاج (١٨). والرابع: أن الخليل: «فعيل» من الخلة، والخلة: المودة. قاله ابن الأنباري (١٩). قال الزجاج: " الخليل المحب الذي ليس في محبته خَلَل فجائز أن يكون إِبراهيم سمى خليلَ الله بأنَّه الذِي أحبه الله واصطفاه محبةً تامَّةً كامِلةً. وقيل أيضاً الخليل الفقير، فجائز أن يكون فقير اللَّه، أي الذي لم يَجْعَلْ فقره وفاقته إِلا إِلى الله مخلصاً في ذلك، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، ومثل أن إِبراهيم الخليل الفقير إِلى اللَّه قول زهير يمدح هرم بن سنان (٢٠): وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرَمُ

стр. 3085

والخلة الصداقة، والخلة الحاجة، فأمَّا معنى الحاجةِ، فإِنه الاختلال الذي يلحق الِإنسان فيما يحتاج إِليه، وأمَّا الخلة الصداقة فمعناها إنَّه يسُد كل محب خَلَلَ صاحبه في المودة وفي الحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخِلَال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلالاً لأنه، يتبع به الخلل بين الأسْنانِ، وقول الشاعر (١): ونظرن من خَلَلِ الستور بأعينٍ ... مرضَى مخالِطها السِّقام صحاح فإن معناه نظرن من الفرجُ التي تقع في الستور، والخلوةُ والخلل يرجعان إِلى معنى، والخِل الطريق في الرملِ معناه أنه انفرجتْ فِيه فرجة فصارت طريقاً. والخَل الذي يؤكل إنما سمي خلًّا لأنه اختلَّ منه طعم الحلاوة" (٢). وفي سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام. روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام» (٣). وأخرج ابن ابي حاتم عن عبيد بن عمير قال: "كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه، فلم يجد أحدا فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، قال: يا عبد الله، ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن الله اتخذه خليلا. قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت. قال: ذاك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: فبما اتخذني ربي خليلا. قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم" (٤). والثاني: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل (٥). والثالث: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه، فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم ﵇، فأعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق. فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، فاذا دقيق حواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله ، فيومئذ اتخذه الله خليلا. روي ذلك عن ابن عباس (٦). قلت: وأما الخبر الذي روي عن ابن عباس، فإنه لا أصل له في المرفوع، إذ جاء برواية أبي صالح عن ابن عباس كما عند ابن الجوزي (٧)، وهو في اسباب النزول للواحدي (٨) وتفسير البغوي (٩) برواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ساقط، الكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، والكلبي وأبو صالح أقرا أنهما كانا يكذبان على ابن عباس (١٠). وقد ذكر هذا الخبر الطبري بدون إسناد (١١)، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، وقال: "وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب" (١٢).

стр. 3086

والراجح-والله اعلم- أنه "سُمّي خليل الله لشدة محبة ربه، ، له، لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها" (١). قال السعدي: " وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه وفى بما أمر به وقام بما ابتلي به، فجعله الله إماما للناس، واتخذه خليلا ونوه بذكره في العالمين" (٢). ولهذا ثبت في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: «أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله» " (٣). وجاء من طريق جُنْدُب بن عبد الله البَجَلي، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ : "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" (٤). وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: "جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجبًا إن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله! وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما! وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته! وقال آخر: آدم اصطفاه الله! فخرج عليهم فسلم وقال: «قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشَفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حِلَق الجنة، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر» " (٥). قال الواحدي: " وملة إبراهيم داخلة في ملتنا، وفي ملتنا زيادة على ملة إبراهيم، فمن ملة إبراهيم الكلمات العشر في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] " (٦)، " "وأكثر المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال عن السنة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. والتي في الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرفغين" ا. هـ والفرق لشعر الرأس، والرفغين: الأبطين" (٧). الفوائد: ١ - فضل الإسلام على سائر الأديان. ٢ - شرف إبراهيم ﵇ باتخاذه ربه خليلاً، وقد شرف بالخلة محمد ﷺ ، ففي الصحيحين أنه ﷺ خطبهم أخر خطبة، فقال "أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله" (٨). ٣ - في هذه الآية، إثبات صفة الخُلّة لله -تعالى- وهي أعلى مقامات المحبة، والاصطفاء (٩). القرآن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٦] التفسير: ولله جميع ما في هذا الكون من المخلوقات، فهي ملك له تعالى وحده. وكان الله تعالى بكل شيء محيطًا، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.

стр. 3087

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٢٦]، أي: " ولله جميع ما في هذا الكون من المخلوقات، فهي ملك له تعالى وحده" (١). قال الواحدي: " إخبار عن سعة قدرته، وكثرة مملوكاته ليرغب إليه بالطاعة" (٢). قال الزجاج: " أي: إِن إبراهيم الذي اتخذه اللَّه خليلاً هو عبد اللَّه، وهو له وكل ما في السَّمَاوَات والأرض" (٣). قال القرطبي: " أي: ملكا واختراعا. والمعنى إنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالته ولا للتكثير به والاعتضاد، وكيف وله ما في السموات وما في الأرض؟ وإنما أكرمه لامتثاله لأمره" (٤). قال البيضاوي: اي: " خلقا وملكا يختار منهما من يشاء وما يشاء. وقيل هو متصل بذكر العمال مقرر لوجوب طاعته على أهل السموات والأرض، وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال" (٥). قال ابن كثير: " أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل، لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته" (٦). قال النسفي: " دليل على أن اتخاذه خليلا لا يحتاج الخليل إليه لا لإحتياجه تعالى، لأنه منزه عن ذلك" (٧). قال الطبري: أي: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، لطاعته ربَّه، وإخلاصه العبادة له، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبته، لا من حاجةٍ به إليه وإلى خُلَّته. وكيف يحتاج إليه وإلى خلَّته، وله ما في السموات وما في الأرض من قليل وكثير مِلْكًا، والمالك الذي إليه حاجة مُلْكه، دون حاجته إليه؟ يقول: فكذلك حاجة إبراهيم إليه، لا حاجته إليه فيتخذه من أجل حاجته إليه خليلا ولكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه ومحبته. يقول: فكذلك فسارعوا إلى رضايَ ومحبتي لأتخذكم لي أولياء" (٨). قال ابن عباس: " قال جبريل ﵇: يا محمد لله الخلق كله، والسموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم" (٩). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، أي: " وكان الله تعالى بكل شيء محيطًا، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه" (١٠). قال مقاتل: " يعنى: أحاط علمه" (١١). قال الواحدي: " علم إحاطة، وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشذ عنه شيء" (١٢). قال القرطبي: " أي: أحاط علمه بكل الأشياء" (١٣). قال البيضاوي: " إحاطة علم وقدرة فكان عالما بأعمالهم فيجازيهم على خيرها وشرها" (١٤). قال ابن كثير: " أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعْزُب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى" (١٥). قال الطبري: أي: " ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عبادُه من خير وشرّ، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرَّة" (١٦).

стр. 3088

قال الماتريدي: " أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن جهل بصنيعهم كملوك الأرض" (١). الفوائد: ١ - بيان عموم ملك الله ، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، لأن ﴿ما﴾ من صيغ العموم. ٢ - غنى الله تعالى عن سائر مخلوقاته، وافتقار سائر مخلوقاته إليه . ٣ - أفاد تقديم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، انفراد الله تعالى بملك السماوات والأرض. ٤ - إثبات تعدد السماوات، بأنها سبع سماوات، وأما الأرض فقد ذكر بصيغة الافراد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وقد بينت السنة انها سبع. القرآن ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧] التفسير: يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن، قل الله تعالى يبيِّن لكم أمورهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما فرض الله تعالى لهن من المهر والميراث وغير ذلك من الحقوق، وتحبون نكاحهن أو ترغبون عن نكاحهن، ويبيِّن الله لكم أمر الضعفاء من الصغار، ووجوب القيام لليتامى -وهم الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ- بالعدل وترك الجور عليهم في حقوقهم. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى كان به عليمًا، لا يخفى عليه شيء منه ولا من غيره. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنَّسَائِي (٥)، والدارقطني (٦)، عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ﵂: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: «هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهن من النساء. قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول اللَّه ﷺ بعدُ، فأنزل اللَّه : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، قالت: فبيّن الله في هذه أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها». والثاني: وعن عائشة، في قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت: «أنزلت في اليتيمة، تكون عند الرجل فتشركه في ماله، فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكره أن يزوجها غيره، فيشركه في ماله، فيعضلها (٧) فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره» (٨). وروي عن ابن عباس (٩)، وإبراهيم (١٠)، وقتادة (١١)، والسدي (١٢) نحو ذلك.

стр. 3089

والثالث: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، فلما فرض الله المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وابن زيد (٤)، والكلبي (٥). والرابع: روي عن عبد الملك بن محمد بن حزم، قال: "أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع؛ فقتل عنها بأُحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي ﷺ تطلب ميراث ابنتها؛ ففيها نزلت: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ " (٦). والخامس: وقال مقاتل بن سليمان: " نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث وعيينة بن حصن الفزاري ذلك أنه لما فرض الله- لأم كحة وبناتها الميراث انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي- ﷺ ، فقالوا للنبي- ﷺ : إن المرأة لا تركب فرسا ولا تجاهد وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء- فأنزل الله- فيهم «ويستفتونك» يعني يسألونك عن النساء يعني سويدا وصاحبيه" (٧). وكذلك ذهب السمرقندي (٨)، والسمعاني (٩)، وغيرهم، من السادة المفسرين. بأنها نزلت في أم كجة التي ذكرت في أول السورة، إذ كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان (١٠). والسادس: أخرج ابن أبي حاتم عن سالم عن سعيد، قال: "كان رجل له امرأة قد كبرت وعنست من الحيض وكان له منها أولاد فأراد أن يطلقها وأن يتزوج، فقالت: لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي واقسم كل عشر إن شئت أو أكثر من ذلك إن شئت، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلي، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «قد سمع الله ما تقول فإن شاء، أجابك»، قال: وأنزل الله تعالى: ﴿يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾، فأفتاهم عما لم يسألوا عنه" (١١). قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال: معنى قوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾، وما يتلى عليكم من آيات الفرائضِ في أول هذه السورة وآخرها، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصَّداق ليس مما كُتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَل أحد. وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحدٍ، لم يكن مما كتب لها. وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل: عنى بقوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾، الإقساطَ في صدقات يتامى النساء وَجْهٌ" (١٢). وابن العربي لما ساق حديث عائشة قال: "وفي ذلك من الحشو روايات لا فائدة في ذكرها هاهنا، يرجع معناها إلى قول عائشة ﵂" (١٣). والإشكال الذي يَرِدُ هنا أن يُقال: ما هي الإضافة التي جاءت بها آية النساء الثانية؟ أو قل ما الفرق بين الآيتين؟ أجاب: ابن كثير ﵀ قائلا: "والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء فقد وسع اللَّه وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر فنهاه الله أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها" (١٤).

стр. 3090

وقال السعدي: "قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ هذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها، وظلمها، إما بأكل مالها الذي لها، أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفًا من استخراجه من يده إن زوّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به، بشرط أو غيره، هذا إذا كان راغبًا عنها، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال، ولا يقسط في مهرها بل يعطيها دون ما تستحق" (١). والظاهر -والله أعلم- أن ما ذكره ابن كثير والسعدي - رحمهما اللَّه - هو الحق، وبيان ذلك أن يقال إن اللَّه تحدث عن نكاح اليتامى من النساء في آيتين من نفس سورة النساء هما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ .. ﴾، وبعيدٌ عن بلاغة القرآن وفصاحته أن يكون حديثُ الآيتين عن معنى واحد يتكرر فيهما، فإن هذا نقص في كلام البشر فكيف بكلام الله جلَّ وعلا؟ فإن قيل: الثاني مؤكد للأول، فما الجواب؟ فالجواب أن يقال: إن كلام اللَّه إذا دار بين التوكيد والتأسيس تعين حمله على التأسيس لأنه يحمل معنى زائدًا على مجرد التوكيد. وعلى هذا يكون حديث الآية الأولى عن الرجل تكون عنده اليتيمة ذات مال وجمال يريد أن يتزوجها بدون أن يقسط في صداقها، ولفظ الآية الأولى يدل على ذلك كما تقدم في أول سورة النساء. وحديث الآية الثانية في الرجل تكون عنده اليتيمة تشاركه في ماله وليست ذات جمال، فيرغب عن نكاحها، ويكره أن يزوجها غيره لئلا يشاركه في مالها، فيعضلها لأجل ذلك، ولفظ الآية الثانية يدل على ذلك فإن اللَّه قال: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، أي: من حقوقهن وأموالهن اللاتي يملكنها ولهذا قال في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، أي: ترغبون عن نكاحهن. ولفظ مسلم عن عائشة - «رعِنها» - يدل على هذا الفهم. وأما قول الطبري: "إن ذلك في المواريث" (٢)، فسياق الآيات لا يسعفه. والراجح-والله اعلم- أن سبب نزول الآية الكريمة ما كان يجري في عهده ﷺ إذ كان بعض الناس يعضل اليتيمة عن النكاح لئلا يُشرك في مالها ويرغب هو عن نكاحها لقلة جمالها، فاستفتى بعض الصحابة رسول الله ﷺ في ذلك فأنزل اللَّه الآية، وذلك لصحة السند وصراحة اللفظ وموافقة السياق. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: " يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن" (٣). قال السمعاني: " أي: يطلبون فتواك في النساء" (٤). قال ابن الجوزي: " ﴿ويستفتونك﴾، أي: يطلبون منك الفتوى، وهي تبيين المشكل من الأحكام. وقيل: الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسرون: والذي استفتوه فيه، ميراث النساء، وذلك أنهم قالوا: كيف ترث المرأة والصبي الصغير؟ " (٥). قال الواحدي: " الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فأفتاني، إفتاء، وفتيا وفتوى اسمان من: أفتى، يوضعان موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت فلانًا في رؤياها، إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألته، إذا أجبته عنها، ومعنى الإفتاء والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، وأصله من الفتي، وهو الشاب الحدث الذي شب وقوي، فكأنه يقويّ ببيانه ما أشكل، فيشب ويصير فتيا قويا" (٦). قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧]، " أي: قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهنَّ ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن" (٧).

стр. 3091

قال الزجاج: " المعنى قل الله يفتيكم فيهنَّ، وهذه الأشْياءُ التي في الكتاب يُفْتيكُم فيهن" (١). قوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، "أي: ويفتيكم أيضاً في اليتيمات اللواتي ترغبون في نكاحهن لجمالهن أو لمالهنَّ ولا تدفعون لهن مهورهنَّ" (٢). ويحتمل قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، وجهان: أحدهما: يعني المواريث، وهذا قول ابن عباس (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وشعبة (٥)، وقتادة (٦)، مجاهد (٧)، وإبراهيم (٨)، وابن زيد (٩). والثاني: أنها في صدقات النساء التي يتملكها أولياؤهن. ذكره الماوردي (١٠) ونسبه ابن الجوزي لعائشة-﵂ (١١). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، وجهان: أحدهما: ترغبون عن نكاحهن لقبحهن. وهذا قول الحسن (١٢)، وعائشة (١٣)، إبراهيم (١٤)، وقتادة (١٥)، والسدي (١٦)، واختيار الطبري (١٧)، والزجاج (١٨). والثاني: تمسكونهن رغبة في أموالهن وجمالهن، وهو قول عائشة-في قولها الآخر- (١٩)، وابن عباس (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١)، وعبيدة (٢٢). والراجح- والله أعلم- أن المعنى: ترغبون عن أن تنكحوهن، لأن حبسهم أموالهن عنهن مع عضّلهم إياهن، إنما كان ليرثوا أموالهن، دون زوج إن تزوجن. ولو كان الذين حبسوا عنهن أموالهن، إنما حبسوها عنهن رغبة في نكاحهن، لم يكن للحبس عنهن وجهٌ معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهن مانع، فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها، ليتّخذ حبسها عنها سببًا إلى إنكاحها نفسها منه" (٢٣). عن إبراهيم: "أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان إذا جاءه ولى اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوجها غيرك والتمس لها من هو خير منك. وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها" (٢٤). وقرأ أبو عبد الله المدني: «في ييامى النساء» بياءين (٢٥).

стр. 3092

قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ١٢٧]، "أي: ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم" (١). قال الزجاج: " يعني: اليتامى" (٢). قال الزمخشري: " كانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء" (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]، "أي: وأن تعدلوا مع اليتامى في الميراث والمهر" (٤). قال الزجاج: " المعنى: وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط" (٥). قال النسفي: أي: " ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم بالعدل في ميراثهم ومالهم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: " وما تفعلوه من عدلٍ وبرًّ في أمر النساء واليتامى فإن الله يجازيكم عليه" (٧). قال السمرقنديأي: " يجازيكم" (٨). قال البيضاوي: " وعد لمن آثر الخير في ذلك" (٩). قال الطبري: أي: " ومهما يكن منكم، أيها المؤمنون، من عدل في أموال اليتامى، التي أمركم الله أن تقوموا فيهم بالقسط، والانتهاء إلى أمر الله في ذلك وفي غيره وإلى طاعته، ﴿فإن الله﴾ لم يزل عالمًا بما هو كائن منكم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حافظ له، حتى يجازيكم به جزاءكم يوم القيامة" (١٠). الفوائد: ١ - تقرير مبدأ إرث النساء والأطفال، والمحافظة على مال اليتامى وحرمة أكلها. ٢ - في هذه الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز، وفيه أنه إذا زوج من نفسه جاز إذا كانت غير ذي رحم محرم (١١). القرآن ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨] التفسير: وإن علمت امرأة من زوجها ترفعًا عنها، وتعاليًا عليها أو انصرافًا عنها فلا إثم عليهما أن يتصالحا على ما تطيب به نفوسهما من القسمة أو النفقة، والصلح أولى وأفضل. وجبلت النفوس على الشح والبخل. وإن تحسنوا معاملة زوجاتكم وتخافوا الله فيهن، فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج البخاري (١٢)، ومسلم (١٣)، والنَّسَائِي (١٤)، والطبري (١٥)، وابن أبي حاتم (١٦)، "عن عائشة ﵂ في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾: أُنزلت في المرأة تكون عند

стр. 3093

الرجل لا يستكثر منها، فيريد أن يطلقها ويتزوج غيرها؛ فتقول: لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حلٍّ من النفقة والقسمة لي؛ فأنزل الله -جل وعز-: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ ". [إسناده صحيح]. ولفظ ابن ماجه: عن عائشة أنها قالت: "نزلت هذه الآية: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها. وولدت منه أولادًا. فأراد أن يستبدل بها فراضته على أن تقيم عنده ولا يقسم لها" (١). [إسناده صحيح]. والثاني: أخرج أبو داود (٢)، وغيره (٣)، عن عائشة ﵂ قالت: "يا ابن أُختي كان رسول اللَّه ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفَرِقت أن يفارقها رسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول اللَّه ﷺ منها. قالت: نقول في ذلك أنزل اللَّه تعالى وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ ". [إسناده حسن]. وفي السياق نفسه أخرج أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والطبري (٦)، وابن أبي حاتم (٧)، عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: "خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز". [إسناده صحيح]. والثالث: أخرج عبدالرزاق (٨)، والبيهقي (٩)، والحاكم (١٠)، الطبري (١١)، وابن ابي حاتم (١٢)، وغيرهم (١٣)، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: "أنّ رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها. فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة. حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرتِ على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك! قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة! فراجعها، ثم آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة، فطلَّقها أخرى وآثر عليها الشابة. قال: فذلك

стр. 3094

الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا﴾ ". [إسناده صحيح]. والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن جرير بن حازم قال: "سمعت قيسا في قول الله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾، قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك (١) أخي بني عبد الدار" (٢). وروي عن مجاهد (٣)، نحو ذلك. والظاهر-والله أعلم- أنه لا تنافي بين هذه الأقوال، فإن حديث عائشة الأول مبهم وحديثها الثاني مفسر للإبهام، وأما حديث رافع، فإنما قال إنها شاملة لما فعل، والآية تشمل الجميع، وإنْ كان الأقرب أن سبب نزول الآية: ما ثبت عن عائشة ﵂ من قولها الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها ويريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حلِّ، فنزلت الآية، وذلك لصحة سنده وموافقته للفظ الآية وتصريحه بالنزول (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: " وإن علمت امرأة من زوجها ترفعًا عنها، وتعاليًا عليها أو انصرافًا عنها" (٥). قال الماوردي: " والنشوز: الترفع عنها لبغضها، والإعراض: أن ينصرف عن الميل إليها لمؤاخذة أو أثرة" (٦). قال السمعاني: " النشوز: هو الارتفاع، والمراد به، ارتفاع الزوج، والتكبر بنفسه على الزوجة، ومنه النشز" (٧). قال الزجاج: " النشوز من بعْلِ المرأة، أن يسيء عشرتها وأن يمنعها نفسه ونَفَقَتَه" (٨). قال الكلبي: "يعني: ترك مجامعتها ومضاجعتها أو إعراضا عن مساكنتها، وعن مجالستها وعن محادثتها" (٩). قال ابن عباس: " ﴿نشوزا﴾ يعني: البغض" (١٠). وقال عطاء: " النشوز: أن تحب فراقه، وإن لم يهوى في ذلك" (١١). قال الزمخشري: " ﴿خافت من بعلها﴾، توقعت منه ذلك، لما لاح لها من مخايله وأماراته. والنشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب، والإعراض: أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن، أو دمامة، أو شيء في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى" (١٢). عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: " أن السنة في الآية التي ذكر الله فيها نشوز المرء وإعراضه عن امرأته إن المرء إذا نشز عن امرأته أو أعرض عنها فإن من الحق عليه أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما رأت من أثرة في القسم من نفسه وماله" (١٣). وإِن قال قائل إنما قِيلَ: " ﴿وإِن امرأة خافت﴾، ولم يُقَلْ: وإِنْ نَشَزَ رجُلٌ على المرأة، لأن الخائف للشيء ليس بمتيقنٍ له؟ فالجواب في هذا: إِنْ خَافَتْ الإقامةَ منهُ على النشُوزِ والإعراضِ، وليس أن تخاف الإقامة إِلا وقد بدا منه شيء" (١٤)

стр. 3095

قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، "أي: فلا إثم على كل واحد من الزوجين من المصالحة والتوفيق بينهما" (١). قال الزجاج: " واللَّه قال في النساءِ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٤)، فَشدد الله في العدل في أمر النساء فلَوْ لَمْ يعْلَم أن رضَا المرأةِ مِنْ زوجِهَا بالإقامة على منعها - في كئير من الأوقاتِ - نفَسَه ومَنعِها بعض ما يَحْتَاج إليه لما جاز الإمساك إلا على غاية العدل والمعروف، فجعل الله الصلحَ جائزاً بين الرجلِ وامرأتِهِ إِذا رضِيت منه بإِيثار غيرها عليه" (٥). عن خالد بن عرعرة قال: "جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله ﵎: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما قال علي: يكون الرجل عند المرأة فتنبوا عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قرها، فتكبره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا (حل) له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج" (٦). قال الزمخشري: " ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله ﷺ وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها (٧)، وكما روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدى وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلى، فأقرها، أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها" (٨). وقرئ: «أن يصالحا بينهما صلحا»، بمعنى: يتصالحا، ويصطلحا، يعني: بين الزوجين (٩). قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: " والصلح أولى وأفضل" (١٠). قال الزجاج: " والصلح خير من الفرقة" (١١). قال السمعاني: " وقيل: أراد به: الصلح خير من النشوز، والإعراض" (١٢). قال الزمخشري: " والصلح خير من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة. أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض" (١٣). قال ابن عباس: " ﴿والصلح خير﴾، وهو التخيير" (١٤). قال ابن كثير: " والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك، خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي ﷺ سودة بنت زَمْعة على أن تركت يومها لعائشة، ﵂، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه ﵊. ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بل الطلاق بغيض إليه، ؛ ولهذا جاء في الحديث: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (١٥) " (١٦).

стр. 3096

قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: " أي جبلت الأنفس على الشح" (١). عن الضحاك قوله: " ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾، قال: ألزمت" (٢). قال الزجاج: " وهو أن المرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرأة بنفسه إن كان غيرها أحب إليه منها" (٣). قال الطبري: اي: " وأحضرت أنفس النساء أهواءَهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضَرائرهن" (٤). قال السمعاني: " والشح: البخل، وقيل: هو أقبح البخل، وحقيقته: الحرص على منع الخير، وأراد به: شح الزوجين على حقيهما" (٥). قال الزمخشري: " معنى إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفك عنه، يعنى أنها مطبوعة عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها" (٦). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وجهان: أحدهما: أنفس النساء أحضرت الشح عن حقوقهن من أزواجهن وأموالهن، وهذا قول ابن عباس (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، وعطاء (٩)، والسدي (١٠). والثاني: أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، وهو قول الحسن (١١)، وابن سيرين (١٢)، وابن زيد (١٣). والصواب-والله أعلم- أن المعنى: " أحضرت أنفس النساء الشحَّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة، لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلا على أن تصفح له عن القسم لها، غير جائزة. وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها. والجُعل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جعل للمرأة جُعْلا على أن تصفح له عن يومها وليلتها، فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة. وإذْ كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل، وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عنى بذلك الرجل والمرأة" (١٤). و"الشح": "الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرصِ المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها" (١٥). قال ابن عباس: " والشح، هواه في الشيء يحرِص عليه" (١٦). وقرأ العدو: ﴿الشح﴾ بكسر الشين، وهي لغة (١٧). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨]، اي: " وإن تحسنوا معاملة زوجاتكم وتخافوا الله فيهن" (١٨).

стр. 3097

قال الزجاج: " أي: إن تحسنوا إليهن، وتحملوا عشرتهن" (١). قال السمرقندي: "يقول: تحسنوا إليهن وتتقوا الميل والجور" (٢). قال ابن كثير: "أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن" (٣). قال الطبري: اي: " وإن تحسنوا، أيها الرجال، في أفعالكم إلى نسائكم، إذا كرهتم منهن دَمامة أو خُلُقًا أو بعضَ ما تكرهون منهن بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف، وتتقوا الله فيهن بترك الجَوْر منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم، من القسمة له، والنفقة، والعشرة بالمعروف" (٤). قال الزمخشري: أي: " وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدى إلى الأذى والخصومة" (٥). قال الماتريدي: اي: " في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئا" (٦). عن سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: " ﴿وتتقوا﴾، يعني: المؤمنين يحذرهم" (٧). قال أبو حيان: " ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأن الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض، وقد وصى النبي ﷺ بهن «فإنهن عوان عند الأزواج» (٨) " (٩). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرً﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: " فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك" (١٠). قال الماتريدي: معناه: " على الترغيب والوعيد" (١١). قال الزجاج: "أي: يخْبُرُ ذلك فيجازيكم عليه" (١٢). قال السمرقندي: أي: " في الإحسان والجور" (١٣). قال ابن كثير: أي: " فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء" (١٤). قال الزمخشري: أي: " ﴿فإن الله كان بما تعملون﴾ من الإحسان والتقوى ﴿خبيرا﴾، وهو يثيبكم عليه" (١٥). قال الطبري: أي: " فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم، أيها الرجال، من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهنّ ويجب، عالمًا خابرًا، لا يخفي عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محصٍ عليكم، حتى يوفِّيكم جزاءَ ذلك: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته" (١٦). وحكي أن "عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بنى آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوما ثم تابعت الحمد لله، فقال: مالك؟ قالت: حمدت الله على أنى وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين" (١٧). الفوائد: ١ - استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به. ٢ - يؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح. وهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحل حراما أو حرم حلالا فإنه لا يكون صلحا وإنما يكون جورا. واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه (١٨). ٣ - أنه متى وفق الإنسان لهذه الخلق الحسن، وهو إزالة الشح من نفسه، سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر (١٩). ٤ - أن الواجب علي الزوجة أن تتثبت فيما تراه من أمارات الإعراض من زوجها، فربما كان الذي شغله عن مسامرتها والرغبة عن مباعلتها، مسائل من مشاكل الحياة الدنيوية أو الدينية، وهى أسباب خارجية لا دخل له فيها، ولا تعلق لها بكراهتها والجفوة عنها، وحينئذ عليها أن تعذره، وتصبر على ما لا تحب من ذلك، أما إذا استبان لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها (٢٠). ٥ - من أسماءه سبحانه «الخبير»: أي: العالم بما كان وما يكون. قال الخطابي: " هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته" (٢١). جاء في حديث عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: "ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ". قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" (٢٢). قال أبو هلال العسكري: " الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم" (٢٣). القرآن ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩] التفسير: ولن تقدروا -أيها الرجال- على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد، فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض، فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا. وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن، فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم. سبب النزول: قال أبو مليكة: " نزلت هذه الآية في عائشة: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ " (٢٤).

стр. 3098

قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: " ولن تقدروا -أيها الرجال- على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد" (١). قال الماوردي: " يعني: بقلوبكم ومحبتكم" (٢). قال السمرقندي: " يقول: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب بين الشابة والكبيرة ولو جهدتم، ولكن اعدلوا في القسمة والنفقة" (٣). قال الزمخشري: أي: " ومحال أن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة، وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حدا يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوى بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتى من ورائه، فهو كالخارج من حد الاستطاعة. هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن! " (٤). قال ابو هلال العسكري: " أي: لا تطيقون ذلك في الحد، هذا في الرجل له زوجتان وثلاث وأربع، قال: وليس يستطيع أن يسوي بينهن في الشهوة، فتشتهي هذه كما تشتهي تلك؛ لأن الشهوة ليست من فعله فعذره فيما لا يستطيع واسع، وليس كما يذهب إليه المجبرة في أنه تعالى كلفه العدل بينهن، وهو لا يستطيعه، ألا ترى أن قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، دلالة على أنه في بعض الميل معذور، وهو الذي لا يستطيع خلافه، والمعنى النهي عن إيثار إحداهن للشهوة فيها والانصراف عن الأخرى حتى تصير كالمعلقة لا المتزوجة ولا المطلقة" (٥). قال الراغب: " قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾، فإشارة إلى ما عليه جبلّة النّاس من الميل، فالإنسان لا يقدر على أن يسوّي بينهنّ في المحبّة" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، ثلاثة أوجه: أحدها: ولو حرصتم أن تعدلوا في المحبة، وهو قول الحسن في احد قوليه (٧)، ومجاهد (٨)، وعبيدة السلماني في أحد قوليه (٩). والثاني: ولو حرصتم في الجماع، وهو قول ابن عباس (١٠)، والضحاك (١١)، وسفيان (١٢)، وابن زيد (١٣). والثاني: ولو حرصتم أن تعدلوا في الحب والجماع. وهذا قول عبيدة السلماني (١٤)، وابن عباس في إحدى الروايات (١٥)، والحسن في إحدى الروايات (١٦). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: " فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض " (١٧). عن محمد قال: "سألت عبيدة عن قوله: ﴿تميلوا كل الميل﴾، قال: بنفسه" (١٨).

стр. 3099

عن مجاهد: " ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾، تعمد الإساءة" (١). قال السدي: " يقول: يميل عليها ولا ينفق عليها ولا يقيم لها يوما" (٢). قال الضحاك: " يقول: فلا تمل إلى التي تحب كل الميل، ولكن اعدل في قسمة الليالي والنهار، والنفقة" (٣). قال مقاتل بن حيان: " يقول: لا تمل إلى الشابة كل الميل" (٤). قال الزمخشري: " فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضى منها، يعنى: أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله. وفيه ضرب من التوبيخ " (٥). عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» " (٦). قال الزمخشري: " يعنى: المحبة، لأن عائشة رضى الله عنها كانت أحب إليه" (٧). وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان، يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» (٨). وعن ناشرة بن سمي اليزني، قال: "سمعت عمر بن الخطاب، ﵁، يقول، في يوم الجابية، وهو يخطب الناس: إن الله، ، جعلني خازنا لهذا المال وقاسما له، ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادئ بأهل النبي ﷺ ، ثم أشرفهم، ففرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف، إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر" (٩). وذكر أنه "كان لمعاذ امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: " فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا" (١١). قال ابن عباس: تذروها لا هي أيّم، ولا هي ذات زوج" (١٢). وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: " لا مطلقة ولا ذات بعل" (١٣). وروي عن سعيد بن جبير (١٤)، والحسن (١٥)، والربيع بن أنس (١٦)، ومجاهد (١٧)، ابن ابي نجيح (١٨)، والسدي (١٩)، نحو ذلك.

стр. 3100

وقال قتادة: " كالمسجونة المشحونة" (١). وقال ابن زيد: " ﴿المعلقة﴾، التي ليست بمُخَلاة ونفسها فتبتغي لها، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها، لا هي عند زوجها، ولا مفارقة، فتبتغي لنفسها. فتلك ﴿المعلقة﴾ (٢). قال الزمخشري: " ﴿فتذروها كالمعلقة﴾، وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال (٣): هل هى إلا حظة أو تطليق ... أو صلف أو بين ذاك تعليق وفي قراءة أبى: «فتذروها كالمسجونة» " (٤). وقرأ عبد الله بن مسعود: «فتذروها كأنها معلقة» (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: " وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن" (٦). قال سعيد بن جبير: " تصلحوا بين الناس" (٧). قال الزمخشري: " ﴿وإن تصلحوا﴾، ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، ﴿وتتقوا﴾، فيما يستقبل" (٨). قال ابن عطية: " أي وإن تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون" (٩). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: " فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم" (١٠). قال الزمخشري: "غفر الله لكم" (١١). قال الواحدي: " لما ملت إلى التي تحبُّها بقلبك" (١٢). قال الطبري: "يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك، بتركه عقوبتكم عليه، ويغطِّي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل، وكان رحيمًا بكم، إذ تاب عليكم، فقبل توبَتكم من الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القَسْم على أن لا يطلَّقن" (١٣). قال ابن عطية: " فعلى [قول الطبري]، فهي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم، واقعوا المحظور في مدة النبي ﷺ " (١٤). الفوائد:

стр. 3101

١ - تعذر العدل بين الزوجين في الحب والوطء استلزم عدم المؤاخذة به واكتفى الشارع بالعدل في الفراش، والطعام والشراب والكسوة والمعاشرة بالمعروف. ٢ - الترغيب في الإصلاح والتقوى وفعل الخيرات. ٣ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغفور» و «الرحيم»: و«الغفور»: "من أبنية المبالغة؛ فالله غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل" (١). واسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب آية ٤٣]. وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] (٢). القرآن ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠] التفسير: وإن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته، فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته; فإنه واسع الفضل والمنة، حكيم فيما يقضي به بين عباده. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: ١٣٠]، أي: " وإن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته" (٣). عن مجاهد قوله: " ﴿وإن يتفرقا﴾، قال: الطلاق، يغن الله كلا من سعته" (٤). قال السمعاني: " يعني: الزوجين إذا تفرقا" (٥). قال البغوي: " يعني: الزوج والمرأة بالطلاق" (٦). قال ابن عطية: " أي: إن شح كل واحد منهما فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق" (٧). وقرئ: «وإن يتفارقا»، بمعنى: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه (٨). قال الماتريدي: " أي: الزوجان إن تفرقا؛ لما لم يقدر الزوج على التسوية بينهن" (٩). قوله تعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، أي: " فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته" (١٠). قال السمعاني: " يعني: فالزوج يجد الزوجة، والزوجة تجد الزوج" (١١). قال البغوي: يعني: "من رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى" (١٢). قال الزمخشري: أي: " يرزقه زوجا خيرا من زوجه وعيشا أهنأ من عيشه، والسعة: الغنى والمقدرة" (١٣).

стр. 3102

قال الماتريدي: " المرأة تتزوج آخر، والرجل بامرأة أخرى، ويحتمل أن كل واحد منهما -وإن كان غنيا بالآخر في حال النكاح- فالله قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق قبل الفراق " (١). قال الجصاص: " تسلية لكل واحد منهما عن الآخر وأن كل واحد منهما سيغنيه الله عن الآخر إذا قصدا الفرقة, تخوفا من ترك حقوق الله التي أوجبها; وأخبر أن رزق العباد كلهم على الله وأن ما يجريه منه على أيدي عباده فهو المسبب له والمستحق للحمد عليه" (٢). قال ابن عطية: " فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه، في المال والعشرة، والسعة وجود المرادات والتمكن منها، وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول، إذ الطلاق قول" (٣). واحتج بهذه على قول النبي ﷺ «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (٤)، إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن (٥). قال القاضي ابن عطية: " ولا حجة في هذه الآية، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، و «الإغناء» إنما يقع في ثاني حال، ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة" (٦). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]، أي: " فإنه واسع الفضل والمنة، حكيم فيما يقضي به بين عباده" (٧). قال البغوي: " واسع الفضل والرحمة، ﴿حكيما﴾ فيما أمر به ونهى عنه" (٨). قال السمرقندي: " ﴿واسعا﴾، يعني: واسع الفضل، ﴿حكيما﴾: حكم بفرقتهما وتسويتهما" (٩). قال الماتريدي: " قيل: ﴿واسعا﴾: جودا، وقيل: ﴿واسعا﴾: يوسع على كل منهما رزقه، ﴿حكيما﴾ حكم على الزوج: إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان، وقيل: ﴿حكيما﴾؛ حيث حكم فرقتهما، وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه" (١٠). وقال الزمخشري: " «الواسع»: الغنى المقتدر" (١١). قال ابن عطية: " «الواسع» معناه: الذي عنده خزائن كل شيء" (١٢). قال الراغب: " الواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبها أن السعة ما لم يكن معها الحكمة، والعلم، كان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح" (١٣). قال مكي: " «الواسع»: الكثير العطايا، وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه: ٩٦] أي: أحاط به، وقال أبو عمرو في ﴿واسع﴾، ﴿كريم﴾، قال: الواسع: الغني، والكريم: الجواد" (١٤). الفوائد: ١ - .في الآية دليل قطع طمع الارتزاق من غير الله، وإن جاز أن يجعل غيره سببا في ذلك؛ لأنه قال : ﴿وإن يتفرقا يغن الله﴾؛ ليعلم كل أن غناه لم يكن بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ

стр. 3103

وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء إذا كانوا فقراء (١). ٢ - وفيه دليل وقوع الفرقة بين الزوجين بالمرأة، بالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف الفعل إليهما بقوله: ﴿وإن يتفرقا يغن الله﴾ وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، و ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] (٢). ٣ - وفي الآية دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون بانقضاء العدة، ثم أخبر عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة (٣). ٤ - الفرقة بين الزوجين إن كانت على مبدأ الإصلاح والتقوى أعقبت خيراً عاجلاً آجلاً. القرآن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١] التفسير: ولله ملك ما في السموات وما في الأرض وما بينهما. ولقد عهدنا إلى الذين أُعطوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى، وعهدنا إليكم كذلك -يا أمة محمد- بتقوى الله تعالى، والقيام بأمره واجتناب نهيه، وبيَّنَّا لكم أنكم إن تجحدوا وحدانية الله تعالى وشرعه فإنه سبحانه غني عنكم; لأن له جميع ما في السموات والأرض. وكان الله غنيّاً عن خلقه، حميدًا في صفاته وأفعاله. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣١]، أي: " ولله ملك ما في السموات وما في الأرض وما بينهما" (٤). قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الحاكم فيهما" (٥). قال البيضاوي: " تنبيه على كمال سعته وقدرته" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، أي: " ولقد عهدنا إلى الذين أُعطوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى، وعهدنا إليكم كذلك -يا أمة محمد- بتقوى الله تعالى، والقيام بأمره واجتناب نهيه" (٧). قال ابن كثير: " أي: وصيناكم بما وصيناهم به، من تقوى الله، ، بعبادته وحده لا شريك له" (٨). قال الماتريدي: " قيل: أي: أمرناهم أن يوحدوا الله ويتقوا الشرك. قيل: ﴿وصينا﴾: أمرنا. وقيل: فرضنا" (٩). قال الثعلبي: " ﴿أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: أهل التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة على الإسلام، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ يا أهل القرآن في كتابكم، ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: وحّدوا الله وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا" (١٠). قال القرطبي: " أي: الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم" (١١). وفي هذا المعنى قال سفيان الثوري: " إنك إن اتقيت الله كفاك الله ما همك، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا" (١٢).

стр. 3104

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣١]، أي: " وبيَّنَّا لكم أنكم إن تجحدوا وحدانية الله تعالى وشرعه فإنه سبحانه غني عنكم; لأن له جميع ما في السموات والأرض" (١). قال البيضاوي: " أي: وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن الله مالك الملك كله، لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته" (٢). قال الثعلبي: " ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾، بما أوصاكم الله به، فإن لله ملائكة هم أطوع له منكم" (٣). قال الماتريدي: " ذكر هذا على أثر قوله: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾؛ ليعلموا أنه لم يأمرهم بذلك لحاجة له في عبادتهم، ولم يأمر لمنفعة نفسه؛ إذ من له ملك ما في السماوات وما في الأرض لا يحتاج إلى آخر ينتفع به؛ ولكن ليعلموا أنه - تعالى - إنما أمرهم بذلك لحاجتهم في ذلك، ولمنفعة أنفسهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١]، أي: " وكان الله غنيّاً عن خلقه، حميدًا في صفاته وأفعاله" (٥). قال الثعلبي: أي: " غير محتاج إلى شيء ممّا في أيديهم، والغنيّ القادر على ما يريد" (٦). قال البيضاوي: أي: " ﴿غنيا﴾ عن الخلق وعبادتهم. ﴿حميدا﴾ في ذاته حمد أو لم يحمد" (٧). قال ابن كثير: " أي: غني عن عباده، ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه" (٨). قال الماتريدي: أي: " ﴿غنيا﴾ عن عبادتكم له وطاعتكم إياه، و ﴿حميدا﴾ في سلطانه، ويكون غنيا عن خلقه في الأزل، حميدا في فعله، وذلك الحميد في الفعل يخرج على إتقان الفعل وإحكامه، أو على إحسانه إلى خلقه، وإنعامه عليهم" (٩). وقال البراء بن عازب: " ﴿وكان الله غنيا﴾، يعني: قال: عن صدقاتكم" (١٠). وقال مقاتل بن حيان: " ﴿وكان الله غنيا﴾: في سلطانه عما عندكم" (١١). وقال علي: " ﴿وكان الله غنيا حميدا﴾، أي: قال: متحمدا إلى خلقه" (١٢). قال ابن عطية: الآية" تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض تنبيها على استغنائه عن العباد، ومقدمة للخبر بكونه غنيا حميدا" (١٣). قال القرطبي: " وقال بعض العارفين: هذه الآية هي رحى آي القرآن، لأن جميعه يدور عليها" (١٤). قال الطبري: " وإنما وبخ جل ثناؤه بهذه الآيات، الخائنين الذين خانوا الدِّرع التي وصفنا شأنها، الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٠٥] وحذر أصحاب محمد ﷺ أن يكونوا مثلهم، وأن يفعلوا فعل المرتدِّ منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين وعرَّفهم أن من فعل فعله منهم، فلن يضر إلا نفسه، ولن يوبق برِدَّته غير نفسه، لأنه المحتاج - مع جميع ما في السموات وما في الأرض - إلى الله، والله الغني عنهم" (١٥). قال مكي: " كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السموات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير:

стр. 3105

١ - أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله: ﴿وَكَانَ الله وَاسِعاً﴾، فأخبر أن من سعته أن له ما في السموات والأرض، وفي هذا تقوية لقول أبي عمرو: أن الواسع: الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضاً، فقال: ﴿أَنِ اتقوا الله﴾. ٢ - ثم قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُوا﴾ كما كفر أهل الكتاب ﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات [وَمَا فِي الأرض]﴾ إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، ﴿وَكَانَ الله غَنِيّاً﴾ أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا، وحاجتنا إليه. ٣ - [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي كفى به حفيظاً (١). فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله ﴿وَكَانَ الله وَاسِعاً﴾. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السموات وما في الأرض. وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا. وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا" (٢). الفوائد: ١ - أن الله تعالى أخبر عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا، فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب (٣). ٢ - الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإيمان وعمل الصالحات. ٣ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغني»، «الحميد»: فـ «الغني»، صفة ذاتية ثابتة لله تعالى، وهو من أسمائه تعالى، "فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلا، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنيا كما يمتنع أن يكون إلا جوادا محسنا برا رحيما كريما" (٤). جاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانا ... فناداه ربه : يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ... " (٥). وفي حديث أبي هريرة ﵁: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك ... " (٦). و«الحميد»: اسم من اسمائه سبحانه، قالابن الاثير: " الحميد: المحمود، الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول" (٧). جاء في حديث كعب بن عجرة ﵁ في التشهد: " ... قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (٨). قال السعدي: " ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه. ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشئونهم إليه وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة وأغناهم وأقناهم، ومن عليهم بلطفه وهداهم.

стр. 3106

وأما «الحميد» فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال. وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين ﴿الغني الحميد﴾! ! فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر. ثم كرر إحاطة ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه على كل شيء وكيل، أي: عالم قائم بتدبير الأشياء على وجه الحكمة، فإن ذلك من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه وتدبيره، وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة، فما نقص من ذلك فهو لنقص بالوكيل، والله تعالى منزه عن كل نقص" (١). القرآن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾ [النساء: ١٣٢] التفسير: ولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات، وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣٢]، أي: " ولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات" (٢). قال الطبري: اي: " ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض" (٣). قال عثمان بن سعيد: " قال جبريل: يا محمد، لله الخلق كله والسموات كلهن ومن فيهن والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢]، أي: " وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها" (٥). قال الطبري: اي: " وهو القيِّم بجمعيه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يؤوده حفظه وتدبيره" (٦). قال ابن كثير: " أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء" (٧). عن قتادة: " ﴿وكفى بالله وكيلا﴾، قال: حفيظًا" (٨). وعن الضحاك عن ابن عباس: "يعني: دافعا مجيرا" (٩). وعن عكرمة عن ابن عباس: "يعني: شهيدا [أن فيها عبيدا] (١٠) " (١١). الفوائد ١ - غنى الله تعالى عن سائر خلقه. ٢ - فالله هو المالك وحده لا شريك له للسماوات والأرض وما فيهما، فلا منازع له، وذلك أمر يستدعي الوقوف والتدبر والتسليم لأمر من لا منازع له. القرآن ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣] التفسير: إن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس، ويأت بقوم آخرين غيركم. وكان الله على ذلك قديرًا. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١٣٣]، أي: " إن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس" (١٢). قال الثعلبي: " فيميتكم، يعني: الكفار" (١٣). قال القرطبي: " يعني بالموت، ﴿أيها الناس﴾: يريد المشركين والمنافقين" (١٤). قال الطبري: " أي: يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم، توعَّدهم بالهلاك والاستئصال، إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق" (١٥). وضعّفه ابن عطية، فقال: " وقال الطبري: هذا الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق، وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وانسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر، [فإن] قوله تعالى: ﴿أيها الناس﴾، مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، أي: " ويأت بقوم آخرين غيركم" (١٧). قال الزمخشري: أي: " ويأت بأناس آخرين يوالونه" (١٨). قال الثعلبي: " يعنى: بغيركم خيرا منكم وأطوع" (١٩). قال القرطبي: " يعني: [ويأت] بغيركم، وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٢٠) " (٢١). قال الطبري: " يقول: ويأت بناس آخرين غيركم لمؤازرة نبيه محمد ﷺ ونصرته، وقد روي عن النبي ﷺ أنها لما نزلت، ضرب بيده على ظهر سَلْمان فقال: «هم قوم هذا» (٢٢)، يعني: عجم الفرس" (٢٣). قال الراغب: " قوله: ﴿يذهبكم﴾ على هذا، ليس يشير إلى الأعيان فقط، بل إلى الأنواع الذين هم العرب والعجم" (٢٤). قال ابن عطية: " قوله: ﴿بآخرين﴾، يريد من نوعكم، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيدا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما قد روي: أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم" (٢٥). عن قتادة في قوله: " ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرًا﴾: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك: أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم" (٢٦). قال القرطبي: " في الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورئاسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره" (٢٧). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، أي: " وكان لله على ذلك ذا قدرة" (٢٨). قال الثعلبي: " أي: مستطيعا على ذلك" (٢٩).

стр. 3107

قال الطبري: أي: " وكان الله على إهلاككم وإفنائكم واستبدال آخرين غيركم بكم، ﴿قديرًا﴾، يعني: ذا قدرة على ذلك" (١). قل القرطبي: " والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها" (٢). الفوائد: ١ - قدرة الله تعالى على إذهاب الناس كلهم والإتيان بغيرهم. ٢ - أن إبقاء الناس على ما هم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه سبحانه عن طاعتهم، ولأن مشيئته لم تتعلق بهذا الإفناء لحكم ومصالح أرادها سبحانه، لا لعجز عن ذلك، تعالى الله علوا كبيرا (٣). ٣ - ومن الفوائد: التنبيه للناس إلى التأمل فى سنن الله التي جرت فى حياة الأمم وموتها، وإن هذه السنن إذا تعلقت بها المشيئة وقعت لا محالة (٤). ٤ - إثبات اسم من اسمائه سبحاته، وهو «القدير»، قال الخطابي: " ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته؛ بمعنى واحد" (٥). القرآن ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤] التفسير: من يرغب منكم -أيها الناس- في ثواب الدنيا ويعرض عن الآخرة، فعند الله وحده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلب من الله وحده خيري الدنيا والآخرة، فهو الذي يملكهما. وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: قيل: إن هذه الآية نزلت من أجل المنافقين كانوا لا يصدقون بالقيامة، وإنما يطلبون عاجل الدنيا، ذكره أبو سليمان (٦). والثاني: وقال الزجاج: " كان مشركو العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مُقِرينْ بأن اللَّهَ خالقهم، فكان تقربُهم إلى الله إنما هو ليُعْطِيهُمْ من خير الدنيا، ويَصرِفَ عنهم شَرها، فأعلم الله أن خير الدنيا والآخرة عنده" (٧). قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ١٣٤]، أي: " من يرغب منكم -أيها الناس- في ثواب الدنيا ويعرض عن الآخرة" (٨). قال مقاتل: " بعمله" (٩). قال السمرقندي: " يعني: من كان يطلب الدنيا بعمله الذي يعمل ولا يريد به وجه الله" (١٠). قال الثعلبي: " يقول: من كان يريد بعمله الذي فرضه الله بقدرته عرضا من الدنيا ولا يريد به الله" (١١). قال الماتريدي: " قال بعض أهل التأويل: من كان يريد بعمله الذي يعمله عرض الدنيا، ولا يريد به الله" (١٢).

стр. 3108

قال الزمخشري: " كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة" (١). وقال الطبري: أي: "من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثوابَ الدنيا وجزاءَها من عمله " (٢). قال السمعاني: " أراد به: الكفار؛ فإنهم يعملون ابتغاء ثواب الدنيا، وطلبا لنعيمها، ولا يطلبون ثواب الآخرة، ولا يؤمنون بها" (٣). قوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]، أي: " فعند الله وحده ثواب الدنيا والآخرة" (٤). قال مقاتل: " فليعمل لآخرته، ﴿فعند الله ثواب الدنيا﴾، يعني: الرزق في الدنيا، وثواب الآخرة، يعني: الجنة" (٥). قال الزمخشري: أي: " فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما، لأن من جاهد لله خالصا لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء. والمعنى: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط" (٦). قال محمد بن إسحاق: " أي: من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له فيها من رزق، ولا حظ له في الآخرة" (٧). قال الثعلبي: أي: " أثابه الله عليه ما أحب الله من عرض الدنيا أو دفع عنه فيها ما أحب الله، وليس له في الآخرة من ثواب لأنه عمل لغير الله، ومن أراد بعمله الذي افترضه الله عليه في الدنيا ثواب الآخرة أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما أحب الله ودفع عنه ما أحب الله وجزاه في الآخرة الجنة بعمله" (٨). قال الماتريدي: أي: " آتاه الله ما أحب من عرض الدنيا، أو دفع عنه ما أحب في الدنيا؛ فليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله، وهو كقوله : ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاق﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ومن أراد بعمله الذي يعمله في الدنيا، ثواب الآخرة - آتاه الله - تعالى - من عرض الدنيا ما أحب، ودفع عنه، وجزاه في الآخرة الجنة؛ بعمله في الدنيا" (٩). قال ابن كثير: " أي: يا من ليس هَمُّه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١] " (١٠). قال الواحدي: " أَيْ: خير الدُّنيا والآخرة عنده فليطلب ذلك منه وهذا تعريضٌ بالكفَّار الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث وكانوا يقولون: ربنا آتنا في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق" (١١). قال الماوردي: " ثواب الدنيا النعمة , وثواب الآخرة الجنة" (١٢).

стр. 3109

قال الطبري: أي: " فإن الله مجازيه به جزاءَه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من الآخرة من العقاب والنكال، وإنما عنى بذلك جل ثناؤه: الذين تَتَيَّعُوا في أمر بني أبيرق، والذين وصفهم في قوله: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سورة النساء: ١٠٧، ١٠٨]، ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم" (١). وهذا التفسير للآية عند الطبري فيه نظر، لأن" قوله ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا" (٢). ويحتمل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]، وجوها من التفسير (٣): أحدها: أنهم كانوا يتخذون من دون الله آلهة يعبدونها؛ طلبا للرياسة والعز والشرف؛ كقوله : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، فأخبر أن العز والشرف ليس في ذلك؛ ولكن عند الله عز الدنيا والآخرة. والثاني: أنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]ـ ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فأخبر أن ليس في عبادتكم هذه الأوثان دون الله - لكم زلفى، ولا ثواب، ولكن اعبد الله؛ فعنده الدنيا والآخرة. والثالث: يحتمل: أن يكونوا عبدوا هذه الأصنام؛ لمنافع يتأملون بذلك في الدنيا والسعة في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ [العنكبوت: ١٧]، الآية؛ فعلى ذلك قوله : ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ لا عند من تطلبون. والرابع: ويحتمل أن تكون الآية في أهل المراءاة والنفاق، الذين يراءون بأعمالهم الصالحة في الدنيا؛ يريدون ثواب الدنيا لا غير. وهذا اختيار الطبري (٤). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، أي: " وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك" (٥). قال مقاتل: " بأعمالكم" (٦). قال الماتريدي: " ﴿سميعا﴾، لمقالتكم، ﴿بصيرا﴾، بما تريدون وتعملون، وهو وعيد" (٧). قال المراغي: " أي: وكان الله سميعا لأقوال عباده حين مخاطباتهم ومناجاتهم، بصيرا بجميع أمورهم فى سائر حالاتهم، فعليهم أن يراقبوه فى الأقوال والأفعال، وبذا تزكو نفوسهم وتقف عند حدود الفضيلة التي بها تستقيم أمورهم فى دنياهم ويستعدون لحياة أبدية فى آخرتهم يكون فيها نعيمهم وثوابهم" (٨). قال محمد بن إسحاق: " ﴿سميعا﴾، أي: سميع ما تقولون" (٩). عن عقبة بن عامر: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية: ﴿سميعا بصيرا﴾، يقول: «بكل شيء بصير» " (١٠). الفوائد:

стр. 3110

١ - من الفوائد: وجوب الإخلاص في العمل لله تعالى وحرمة طلب الآخرة بطلب الدنيا. ٢ - ومنها: أن الدين يهدى أهله إلى السعادتين، وإلى أن ثواب الدنيا والآخرة من فضله تعالى ورحمته. ٣ - إثبات البصر لله تعالى المحيط بجميع المبصرات, وإثبات السمع له المحيط بجميع المسموعات, وهاتان الصفتان من صفات ذاته تعالى وهما متضمن اسميه «السميع البصير». جاء في الحديث: "يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (١). وفي حديث عائشة- ﵂ في قصة المجادلة، : "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" (٢). فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. قال أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أنه يسمع ويرى" (٣). قال الحافظ ابن القيم: "وهو سميع بصير له السمع والبصر، يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره" (٤). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، كونوا قائمين بالعدل، مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم، مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا; فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل، وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها، أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها، فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال السدي: " نزلت في النبيّ ﷺ ، واختصم إليه رجلان: غنيٌّ وفقير، وكان ضِلَعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيَّ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: ﴿إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾، الآية" (٥). [ضعيف جدا]. والثاني: عن ابن جريج عن مولى لابن عباس؛ قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة؛ كانت «البقرة» أول سورة نزلت، ثم أردفها سورة «النساء»، قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه، فيلوي بها لسانه أو يكتمها؛ مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي؛ فنزلت: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾؛ يعني: إن يكن غنياً أو فقيراً" (٦). [ضعيف جدا]. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٧). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٨).

стр. 3111

قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١) (٢). قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " كونوا قائمين بالعدل" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: قوامين بالعدل" (٤). وروي عن السدي نحو ذلك (٥). قال مقاتل بن حيان: " قوامين بالشهادة" (٦). قال الزجاج: " القسط والِإقساطُ: العدل، يقال: أقسط الرجل يُقسِط إقساطاً إِذا عدل وأتى بالقسطِ، ويقال: قسط الرجل قُسُوطاً إِذا جَارَ، قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٧)، أي: اعدلوا إن الله يُحب العَادِلينَ، وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٨)، أي: الجائرون، يقال قسط البعيرُ قسْطاً إِذَا يَبِسَتْ يدُه، ويدٌ قَسْطاءُ أي يابسة، فكأن أقسط أقام الشيءَ على حقيقةِ التعديل، وكأنَّ قَسَطَ بمعنى جارَ معناه يَبَّسَ الشيءَ، وأفْسَدَ جِهتَهُ المستقيمةَ" (٩). قوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم" (١٠). قال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق، ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم" (١١). عن سعيد بن جبير قوله: " ﴿بالقسط شهداء لله﴾، يعني: بالعدل" (١٢). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (١٣). وعن سعيد بن جبير أيضا: قوله: " ﴿ولو على أنفسكم﴾، يقول: لو كان تأحد عليك حق فأقررت به على نفسك" (١٤)، "قوله: ﴿أو الوالدين والأقربين﴾، يعني: أو على الوالدين والأقربين فاشهد به عليهم" (١٥). وعن مقاتل بن حيان قوله: " ﴿ولو على أنفسكم﴾، يقول: على نفسك" (١٦). وعن مقاتل بن حيان أيضا: " قوله: ﴿أو الوالدين والأقربين﴾، يقول: على نفسك أو على الوالدين والأقربين قريبا كان أو بعيدا، غنيا كان أو فقيرا" (١٧). قال الزجاج: " المعنى: قوموا بالعدل وأشهدوا للَّهِ بالحق، وإن كان الحق على نفس الشاهد أو على والديه وأقْر بِيه" (١٨). قال الطبري: " معناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحّتها بأن تقولوا فيها الحق" (١٩). قال الماوردي: " وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراراه بما عليه من الحق لخصمه" (٢٠). عن قتادة قوله: " ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾، وهذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك أو والديك أو على ذوي قرابتك أو على أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي بالعدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض به يرد الله من الشديد على

стр. 3112

الضعيف ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي ويوبخه، ﵎ وبالعدل صلح الناس يا ابن آدم" (١). قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا; فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما" (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: أن الله أولى بالغني والفقير من غيره" (٣). وقال الحسن: "معناه: فالله أعلم بهما" (٤). قال الفراء: أي: " ولا تنظروا في غنى الغني ولا فقر الفقير فإن الله أولى بذلك" (٥). قال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق، ولا يحابون غنيا لغناه ولا يرحمون مسكينا لمسكنته" (٦). قال الزجاج: " أي إِن يكن المشهود له فقيراً فاللَّه أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه غنياً فاللَّه أولى به ... ولا تميلوا في الشهادة رحمةً للفقير، ولا تَحِيفوا لاحتَفَالِ غِنَى عَنِيٍّ عِندَكم" (٧). قال الطبري: أي: " ولا تميلوا فيها لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتجوروا. فإن الله الذي سوَّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم، أيها الناس، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل ﴿أولى بهما﴾، وأحق منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما" (٨). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل" (٩). عن ابن عباس قوله: ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾، فتذروا الحق فتجوروا" (١٠). عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: " ﴿تتبعوا الهوى﴾، يعني: في الشهادات" (١١)، " قوله: ﴿أن تعدلوا﴾، يعني: عن الحق" (١٢). عن مقاتل بن حيان قوله: " ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾، في الشهادة إذا دعيتم لها أن تقولوا بها وتعدلوا" (١٣). قال الزجاج: " أي: لا تتبعوا الهوى فتعدلوا" (١٤). قال الفراء: أي: " فرارا من إقامة الشهادة. وقد يقال: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا كما تقول: لا تتبعن هواك لترضي ربك، أي: إني أنهاك عن هذا كيما ترضي ربك" (١٥). قال الطبري: " يقول: فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها -لغني على فقير، أو لفقير على غني- إلا أحد الفريقين، فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه" (١٦). قال السمعاني: " قيل: معناه: فلا تتبعوا الهوى بأن تعدلوا، أي: لتكونوا عادلين، كما يقال: لا تعص فترضى ربك، وقيل: معناه: لا تتبعوا الهوى لتميلوا من الحق إلى الباطل" (١٧).

стр. 3113

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها" (١). و«الليّ»: المطل، يقال: لواه بدينه يلويه ليا وليانا مطله (٢)، قال الشاعر (٣): قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا وقال ذو الرمة (٤): تُطيلينَ ليَّاني وأنتِ مليَّةٌ ... وأُحسنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضيا وفي الحديث: "لَىُّ الْواحِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُبَتَه" (٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، ثلاثة وجوه: أحدها: معناه: أنه خطاب للشهود، معناه: أن تلوي بلسانك بغير الحق، وهي اللجاجة فلا يقيم الشهادة على وجهها. وهذا قول ابن عباس-في أحد قوليه- (٦)، وروي عن قتادة (٧)، ومقاتل (٨)، وعطاء الخرساني (٩)، وعطية (١٠)، وسعيد بن جير (١١)، والضحاك (١٢)، والسدي (١٣)، ومقاتل بن الحيان (١٤)، نحو هذا المعنى. والثاني: أنه خطاب للحكام، معناه: ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر. وهذا قول ابن عباس-في قوله الآخر (١٥). والثالث: انه تحريف الشهادة. وهذا قول مجاهد (١٦)، والسدي (١٧). والصواب –والله اعلم- "أنه لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه، لأن الله جل ثناؤه قال ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء الله﴾، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء " (١٨). قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم والكسائى: «تلووآ» بواوين، الأولى مضمومة والثانية ساكنة، وقرأ حمزة وابن عامر: «وإن تلوا»، بواو واحدة واللام مضمومة (١٩). قوله تعالى: ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها" (٢٠). عن ابن عباس قوله: " ﴿أو تعرضوا﴾، يعني: الشهادة" (٢١). وروي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢٢). وعن ابن عباس ايضا: " الإعراض: الترك" (٢٣).

стр. 3114

قال الضحاك: " ﴿أو تعرضوا﴾، قال: تكتموا الشهادة" (١). وعن مجاهد قوله: " ﴿أو تعرضوا﴾، قال: تتركوا" (٢). وروي عن عطية مثل ذلك (٣). وروي عن السدي أنه قال: "فتعرض عنها فتكتمها وتقول: ليس عندي شهادة" (٤). وقال ابن زيد: " أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يَشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحَمُه! فيقول: لا أقيم الشهادة عليه. ويقول: هذا غنيٌّ أبقّيه وأرجو ما قِبَله، فلا أشهد عليه! " (٥). قال الطبري: وأما إعراضه عن الشهادة، فإنه تركه أداءَها والقيام بها، فلا يشهد بها" (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: " فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها" (٧). قال سعيد بن جبير: " يعني: من كتمان الشهادة وإقامتها خبيرا" (٨). قال الطبري: " وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا ممن ذكرنا قبل عند رسول الله ﷺ ، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح" (٩). الفوائد: ١ - وجوب العدل في القضاء والشهادة. ٢ - حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه، كما ثبت في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : " «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متكئا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور [ألا وقول الزور وشهادة الزور]». فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت" (١٠). ٣ - ومن أسماءه سبحانه «الخبير»: أي: العالم بما كان وما يكون. قال الخطابي: " هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته" (١١). جاء في حديث عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: "ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ". قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" (١٢). قال أبو هلال العسكري: " الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم" (١٣). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ ، ومن طاعتهما، وبالقرآن الذي نزله عليه، وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل. ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب، فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق. سبب النزول: عن عبد الله بن عباس ﵄: "أن عبد الله بن سلام، وأسداً وأسيداً ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلاماً ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل. فقال رسول الله ﷺ : «بل آمنوا بالله ورسوله محمد، وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله»، فقالوا: لا نفعل؛ فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فآمنوا كلهم " (١٤). [موضوع]. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (١٥). قال الزمخشري: "خطاب للمسلمين" (١٦). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله" (١٧). قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (١٨). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١٩). قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٢٠). قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: " داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ ، ومن طاعتهما" (٢١). قال الماتريدي: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ " يعني: محمدا ﷺ " (٢٢). قال الطبري: " يقول: صدّقوا بالله وبمحمد رسوله، أنه لله رسولٌ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم" (٢٣). قال الزمخشري: " معنى: ﴿آمنوا﴾، اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه" (٢٤). قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: " وبالقرآن الذي نزله علي رسوله" (٢٥). قال الثعلبي: " يعني: القرآن" (٢٦).

стр. 3115

قال الماتريدي: "أي: آمنوا بالكتاب الذي نزل على رسوله، وهو محمد ﷺ " (١). قال الطبري: أي: "وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن" (٢). قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: "وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل" (٣). قال الزمخشري: " المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب، والدليل عليه قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ " (٤). قال الثعلبي: " يعني: الكتب المتقدمة التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المتقدمة" (٥). قال الطبري: أي: " وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد ﷺ ، وهو التوراة والإنجيل" (٦). قال الماتريدي: " أي: آمنوا -أيضا- بالكتب السماوية التي أنزلها الله، تعالى، ثم الإيمان بالله حقيقة - إيمان بجميع الرسل والكتب؛ لأن كل نبي كان يدعو إلى الإيمان بجميع ذلك، وكذلك في كل كتاب من الكتب السماوية دعاء إلى الإيمان بجملتهم؛ ألا ترى أن الكفر بواحد منهم - كفر بالله وبجميع الرسل والكتب وما ذكر، وبالله العصمة" (٧). وقرئ: «وكتابه»، على إرادة الجنس (٨). وإن قلت: لم قيل ﴿نزل على رسوله﴾ و ﴿أنزل من قبل﴾؟ الجواب: "لأن القرآن نزل مفرقا منجما في عشرين سنة، بخلاف الكتب قبله، ومعنى قوله ومن يكفر بالله الآية: ومن يكفر بشيء من ذلك فقد ضل لأن الكفر ببعضه كفر بكله. ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعا" (٩). فإن قال قائل: "وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه، وقد سماهم: «مؤمنين»؟ قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمِّهم"مؤمنين"، وإنما وصفهم بأنهم ﴿آمنوا﴾، وذلك وصف لهم بخصوصٍ من التصديق. وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما، وصنف أهل إنجيل، وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذِّبون بمحمد ﷺ والفرقان، فقال جل ثناؤه لهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، وجوه من التفسير: أحدها: أن المعنى: يا أيها الذين آمنوا أقيموا على الايمان باللَّهِ، كما قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٩]، أي: وَعَدَ مَنْ أقام على الِإيمان من أصحاب النبي ﷺ الذين ذكروا في هذه القصة مغفرة وأجراً عظيماً. وهذا قول ابي العالية (١١)، ونسبه الثعلبي إلى جيع المفسرين (١٢).

стр. 3116

والثاني: أنه يُعْنَى بهذ! المنافقون الذين أظهروا التصديق وأسروا التكذيب، فقيل: يا أيها الذين أظْهَرُوا الإيمان آمِنُوا باللَّه ورسوله أي أبطنوا مثل ما أظهرتم. أفاده الزجاج (١). والثالث: معناه: يا أيها الذين آمنوا بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، آمنوا به إذا بعث؛ لأنهم كانوا يؤمنون به قبل أن يبعث، فلما بعث تركوا الإيمان به؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. أفاده الماتريدي (٢). والرابع: قال الضحاك: "هي في اليهود والنصارى، ومعنى الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمَنُوا بمحمد والقرآن" (٣). والخامس: وقيل: "إنه ورد في اليهود خاصة، والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في وجه النهار آمَنُوا في آخر النهار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، الآية" (٤). والسادس: أن المراد منه الكفار، يعني: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللات والعزى والطاغوت آمِنُوا بِاللَّهِ، ومعناه: إن كان لا بد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولا ينفع ولا ينفق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت. ذكره الثعلبي عن طائفة (٥). قال الزجاج: " والتأويل الأول أشبه" (٦). قرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي: ﴿والكتاب الذي نزل﴾، بنصب النون والزاي، ﴿والكتاب الذي أنزل﴾، بنصب الألف. وقرأ الباقون ﴿نزل﴾، بضم النون وكسر الزاي، ﴿ونزل﴾، و ﴿أنزل﴾، بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: " ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب" (٨). قال السمرقندي: " أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده، وبالبعث بعد الموت" (٩). قال سعيد بن جبير: " ﴿واليوم الآخر﴾، يعني: بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال" (١٠). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وجهين (١١): أحدهما: معناه: ومن يكفر بجميع ما ذكر، وهو على التأكيد. والثاني: ويحتمل: ومن يكفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر؛ فقد كان ما ذكر؛ لأن الكفر بواحد من ذلك كفر بالكل، حتى لو أنكر آية من آيات الله - تعالى - كفر بالله، وبالكتب وبالرسل كلها. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: " فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق" (١٢). قال الثعلبي: " يعني: خطأ خطأ بعيدا" (١٣). قال السمرقندي: أي: " فقد ضل عن الهدى ضلالا بعيدا عن الحق" (١٤).

стр. 3117

قال مقاتل بن حيان: " ﴿فقد ضل﴾، يقول: فقد أخطأ" (١). قال البغوي: " فلما نزلت هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسول وكتاب كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (٢). الفوائد: ١ - وجوب الاستمرار على الإيمان وتقويته حتى الموت عليه. ٢ - بيان أركان الإيمان وهي الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، جاء ذكره في قوله تعالى من سورة القمر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧] التفسير: إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه، لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: " إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه " (٣). قال الزمخشري: " نفى للغفران والهداية، وهي اللطف على سبيل المبالغة التي يعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. والمعنى: إن الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه" (٤). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أقوال: أحدها: أنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بعد عوده ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليهم وسلم، وهذا قول قتادة (٥). والثاني: أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، وهذا قول مجاهد (٦)، وابن زيد (٧). والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر ثم ازدادوا كفراً بثبوتهم عليه، وهذا قول الحسن (٨). والرابع: أنهم أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها، مع إقامتهم على كفرهم. وهذا قول أبي العالية (٩). والراجح-والله أعلم- أنه عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقرّ من أقرَّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد ﷺ والفرقان فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين أعني قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾، ولا دلالة تدلُّ على أن قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾، منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالة دالَّة على انقطاعه منه" (١٠).

стр. 3118

واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين: أحدهما: أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية، فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة، وهذا قول علي (١)، وابن عمر (٢). والثاني: يستتاب كلما ارتد، وهذا قول إبراهيم (٣)، وهو قول الشافعي (٤)، والجمهور (٥). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: " أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك" (٦). قال الحسن: "يعني: من مات منهم على كفره" (٧). قال الطبري: أي: " لم يكن الله ليسترَ عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد" (٨). قال الزمخشري: أي: " يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأن ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شر حال وأسمج صورة" (٩). قال أبو السعود: " لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أهون شئ وأدونه لاانهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم" (١٠). قال الزجاج: " فإن قال قائل: اللَّه جلَّ وعزَّ لا يغفر كُفْر مرةٍ واحدةٍ فلم قيل ههنا فيمن آمن ثُمَّ كفر ثُمَّ آمن ثُمَّ كفر: (لم يكن اللَّه ليغفر لهم) وما الفائدة في هذا؟ فالجواب في هذا - واللَّه أعلم - أن اللَّه يغفر للكافر إِذا آمن بعد كفره، فإن كفر بعد إيمانه لم يغفر اللَّه له الكفر الأول، لأن اللَّه -جلَّ وعزَّ- يقبل التوبة، فإِذا كفر بعد إيمان قبله كفْر فهو مطالب بجميع كفره، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد ذلك لا يغفر له، لأن اللَّه جل ثناؤُه يغفر لكل مؤمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١١)، وهذا في القرآن كثير، وهو شبيه بالِإجماع أيضاً" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: " ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة" (١٣). قال مقاتل: " ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتب الله" (١٤). قال مقاتل: " إلى الهدى، منهم عمرو بن زيد وأوس بن قيس، وقيس بن زيد" (١٥). قال الزجاج: " أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين بل يضلهم، لأنه جلَّ وعزَّ يضل الفاسقين" (١٦). قال الطبري: " يقول: ولم يكن ليسدِّدهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها، عقوبة لهم على عظيم جُرمهم، وجرأتهم على ربهم" (١٧). قال ابن ابي زمنين: " أي: سبيل هدى؛ يعني: الأحياء، وأراد بهذا عامتهم، وقد تسلم الخاصة منهم" (١٨). قال البغوي: " أي: طريقا إلى الحق" (١٩). قال المراغي: " أي: إن هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر، ثم من كفر إلى إيمان وهكذا دواليك- أنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب، ولا شك أن المغفرة وهى محو أثر الذنب من النفس إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح الذي يزيل ما علق فى النفس من تلك الآثام كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] " (٢٠). الفوائد: ١ - أن الكفر من أعظم مانع يمنع من حصول المغفرة، ولما تكرر منه الكفر بعد الإيمان فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة (٢١). ٢ - أن مثل هذا التذبذب والاضطراب في الأحوال من الإيمان إلى الكفر، ثم من الكفر إلى الإيمان وهكذا دواليك، أدى إلى فقدان الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله، ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب (٢٢). ٣ - دلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة (٢٣). قال السعدي: "وإذا كان هذا الحكم في الكفر فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة" (٢٤). القرآن ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ [النساء: ١٣٨] التفسير: بشّر -أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر- بأن لهم عذابًا موجعًا. سبب النزول: قال مقاتل: " ولما نزلت المغفرة للنبي- ﷺ وللمؤمنين فى سورة الفتح قال عبد الله بن أبي ونفر معه، فما لنا؟ فأنزل الله- : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾، يعني: عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وجد بن قيس" (٢٥). قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]، أي: " أخبر-أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر" (٢٦).

стр. 3119

قال ابن كثير: " يعنى أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم" (١). قال الزمخشري: " وضع ﴿بشر﴾ مكان: أخبر، تهكما بهم" (٢). قال الزجاج: " قال: ﴿بشّر﴾، أي: اجعل في مكان بشارتهم ﴿لَهُمْ العَذَابُ﴾، العرب تقول: تَحيتكَ الضرْبُ، وعتابك السيف، أي لك - بدلًأ من التحية. . . هذا، قال الشاعر (٣): وَخَيْلٍ قدْ دَلَفْتٌ لَها بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ" (٤). قوله: دَلَفْتُ، أي: قَصَدْتُ، فجعل التحية ضربا (٥). قال الماتريدي: " البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: ﴿بشر المنافقين بأن لهم﴾ كذا، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤]، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة" (٦). قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]، أي: " بأن لهم عذابًا موجعًا" (٧). قال الطبري: " وذلك عذاب جهنم" (٨). قال مقاتل: " يعني: وجيعا" (٩). قال الزجاج: " معنى «أليم»: موجع" (١٠). قال ابو العالية: "الأليم الموجع في القرآن كله" (١١). قال ابن ابي حاتم: " وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان" (١٢). وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان. قال الطبري: " يعني: بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم ﴿عذابًا أليمًا﴾، وهو المُوجع، وذلك عذاب جهنم" (١٣). الفوائد: ١ - أن الآية تبشر الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم. ٢ - أن سبب بشارة المنافقين بالعذاب الموجع، هو محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين. ٣ - ومن الفوائد: أن النفاق يكون على قسمين (١٤): أحدهما: النفاق العملي (نفاق الاصغر)، وهو من كبائر الذنوب، فمن صوره كما هو مذكور في حديث الرسول- ﷺ : «علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (١٥). والثاني: النفاق الاعتقادي (نفاق الاكبر): وهو أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام.

стр. 3120

القرآن ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩] التفسير: الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم. أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ إنهم لا يملكون ذلك، فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: " الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم" (١). قال مقاتل: " وذلك أن المنافقين قالوا لا يتم أمر محمد، فتابعوا اليهود وتولوهم" (٢). قال الزمخشري: "هم الذين كانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود" (٣). قال ابن كثير: " وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة" (٤). قال ابن عباس: " نهى الله تعالى المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم ويخالفونهم في الدين" (٥). عن السدي قوله: " ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾، أما أولياء، فنواليهم في دينهم ونظهرهم على عورة المؤمنين" (٦). قال ابن عطية: " نصّ تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضررا على المؤمنين، وهي موالاتهم الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة" (٧). قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: " أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ " (٨). قال مقاتل: " يعني المنعة، وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال النبي- ﷺ ليتعززوا بذلك فقال- سبحانه- ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾، يقول: أيبتغي المنافقون عند اليهود المنعة" (٩). قال الزجاج: " أي: أيبْتَغِي المنافقون عند الكافرين العزة" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: " فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده" (١١). قال الزمخشري: " يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم" (١٢). قال مقاتل: " يقول: جميع من يتعزز فإنما هو بإذن الله" (١٣).
следующие страницы →