والثاني: أنه يُعْنَى بهذ! المنافقون الذين أظهروا التصديق وأسروا التكذيب، فقيل: يا أيها الذين أظْهَرُوا الإيمان آمِنُوا باللَّه ورسوله أي أبطنوا مثل ما أظهرتم. أفاده الزجاج (١).
والثالث: معناه: يا أيها الذين آمنوا بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، آمنوا به إذا بعث؛ لأنهم كانوا يؤمنون به قبل أن يبعث، فلما بعث تركوا الإيمان به؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. أفاده الماتريدي (٢).
والرابع: قال الضحاك: "هي في اليهود والنصارى، ومعنى الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمَنُوا بمحمد والقرآن" (٣).
والخامس: وقيل: "إنه ورد في اليهود خاصة، والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في وجه النهار آمَنُوا في آخر النهار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، الآية" (٤).
والسادس: أن المراد منه الكفار، يعني: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللات والعزى والطاغوت آمِنُوا بِاللَّهِ، ومعناه: إن كان لا بد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولا ينفع ولا ينفق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت. ذكره الثعلبي عن طائفة (٥).
قال الزجاج: " والتأويل الأول أشبه" (٦).
قرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي: ﴿والكتاب الذي نزل﴾، بنصب النون والزاي، ﴿والكتاب الذي أنزل﴾، بنصب الألف. وقرأ الباقون ﴿نزل﴾، بضم النون وكسر الزاي، ﴿ونزل﴾، و ﴿أنزل﴾، بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله (٧).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: " ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب" (٨).
قال السمرقندي: " أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده، وبالبعث بعد الموت" (٩).
قال سعيد بن جبير: " ﴿واليوم الآخر﴾، يعني: بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال" (١٠).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وجهين (١١):
أحدهما: معناه: ومن يكفر بجميع ما ذكر، وهو على التأكيد.
والثاني: ويحتمل: ومن يكفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر؛ فقد كان ما ذكر؛ لأن الكفر بواحد من ذلك كفر بالكل، حتى لو أنكر آية من آيات الله - تعالى - كفر بالله، وبالكتب وبالرسل كلها.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: " فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق" (١٢).
قال الثعلبي: " يعني: خطأ خطأ بعيدا" (١٣).
قال السمرقندي: أي: " فقد ضل عن الهدى ضلالا بعيدا عن الحق" (١٤).
стр. 3117
قال مقاتل بن حيان: " ﴿فقد ضل﴾، يقول: فقد أخطأ" (١).
قال البغوي: " فلما نزلت هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسول وكتاب كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (٢).
الفوائد:
١ - وجوب الاستمرار على الإيمان وتقويته حتى الموت عليه.
٢ - بيان أركان الإيمان وهي الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، جاء ذكره في قوله تعالى من سورة القمر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
القرآن
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧]
التفسير:
إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه، لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: " إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه " (٣).
قال الزمخشري: " نفى للغفران والهداية، وهي اللطف على سبيل المبالغة التي يعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. والمعنى: إن الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه" (٤).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أقوال:
أحدها: أنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بعد عوده ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليهم وسلم، وهذا قول قتادة (٥).
والثاني: أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، وهذا قول مجاهد (٦)، وابن زيد (٧).
والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر ثم ازدادوا كفراً بثبوتهم عليه، وهذا قول الحسن (٨).
والرابع: أنهم أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها، مع إقامتهم على كفرهم. وهذا قول أبي العالية (٩).
والراجح-والله أعلم- أنه عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقرّ من أقرَّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد ﷺ والفرقان فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين أعني قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾، ولا دلالة تدلُّ على أن قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾، منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالة دالَّة على انقطاعه منه" (١٠).
стр. 3118
واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين:
أحدهما: أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية، فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة، وهذا قول علي (١)، وابن عمر (٢).
والثاني: يستتاب كلما ارتد، وهذا قول إبراهيم (٣)، وهو قول الشافعي (٤)، والجمهور (٥).
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: " أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك" (٦).
قال الحسن: "يعني: من مات منهم على كفره" (٧).
قال الطبري: أي: " لم يكن الله ليسترَ عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد" (٨).
قال الزمخشري: أي: " يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأن ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شر حال وأسمج صورة" (٩).
قال أبو السعود: " لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أهون شئ وأدونه لاانهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم" (١٠).
قال الزجاج: " فإن قال قائل: اللَّه جلَّ وعزَّ لا يغفر كُفْر مرةٍ واحدةٍ فلم قيل ههنا فيمن
آمن ثُمَّ كفر ثُمَّ آمن ثُمَّ كفر: (لم يكن اللَّه ليغفر لهم) وما الفائدة في هذا؟
فالجواب في هذا - واللَّه أعلم - أن اللَّه يغفر للكافر إِذا آمن بعد كفره، فإن كفر بعد إيمانه لم يغفر اللَّه له الكفر الأول، لأن اللَّه -جلَّ وعزَّ- يقبل التوبة، فإِذا كفر بعد إيمان قبله كفْر فهو مطالب بجميع كفره، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد ذلك لا يغفر له، لأن اللَّه جل ثناؤُه يغفر لكل مؤمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١١)، وهذا في القرآن كثير، وهو شبيه بالِإجماع أيضاً" (١٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: " ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة" (١٣).
قال مقاتل: " ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتب الله" (١٤).
قال مقاتل: " إلى الهدى، منهم عمرو بن زيد وأوس بن قيس، وقيس بن زيد" (١٥).
قال الزجاج: " أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين بل يضلهم، لأنه جلَّ وعزَّ يضل
الفاسقين" (١٦).
قال الطبري: " يقول: ولم يكن ليسدِّدهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها، عقوبة لهم على عظيم جُرمهم، وجرأتهم على ربهم" (١٧).
قال ابن ابي زمنين: " أي: سبيل هدى؛ يعني: الأحياء، وأراد بهذا عامتهم، وقد تسلم الخاصة منهم" (١٨).
قال البغوي: " أي: طريقا إلى الحق" (١٩).
قال المراغي: " أي: إن هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر، ثم من كفر إلى إيمان وهكذا دواليك- أنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب، ولا شك أن المغفرة وهى محو أثر الذنب من النفس إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح الذي يزيل ما علق فى النفس من تلك الآثام كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] " (٢٠).
الفوائد:
١ - أن الكفر من أعظم مانع يمنع من حصول المغفرة، ولما تكرر منه الكفر بعد الإيمان فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة (٢١).
٢ - أن مثل هذا التذبذب والاضطراب في الأحوال من الإيمان إلى الكفر، ثم من الكفر إلى الإيمان وهكذا دواليك، أدى إلى فقدان الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله، ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب (٢٢).
٣ - دلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة (٢٣).
قال السعدي: "وإذا كان هذا الحكم في الكفر فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة" (٢٤).
القرآن
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ [النساء: ١٣٨]
التفسير:
بشّر -أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر- بأن لهم عذابًا موجعًا.
سبب النزول:
قال مقاتل: " ولما نزلت المغفرة للنبي- ﷺ وللمؤمنين فى سورة الفتح قال عبد الله بن أبي ونفر معه، فما لنا؟ فأنزل الله- : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾، يعني: عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وجد بن قيس" (٢٥).
قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]، أي: " أخبر-أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر" (٢٦).
стр. 3119
قال ابن كثير: " يعنى أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم" (١).
قال الزمخشري: " وضع ﴿بشر﴾ مكان: أخبر، تهكما بهم" (٢).
قال الزجاج: " قال: ﴿بشّر﴾، أي: اجعل في مكان بشارتهم ﴿لَهُمْ العَذَابُ﴾، العرب تقول: تَحيتكَ الضرْبُ، وعتابك السيف، أي لك - بدلًأ من
التحية. . . هذا، قال الشاعر (٣):
وَخَيْلٍ قدْ دَلَفْتٌ لَها بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ" (٤).
قوله: دَلَفْتُ، أي: قَصَدْتُ، فجعل التحية ضربا (٥).
قال الماتريدي: " البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: ﴿بشر المنافقين بأن لهم﴾ كذا، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤]، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة" (٦).
قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]، أي: " بأن لهم عذابًا موجعًا" (٧).
قال الطبري: " وذلك عذاب جهنم" (٨).
قال مقاتل: " يعني: وجيعا" (٩).
قال الزجاج: " معنى «أليم»: موجع" (١٠).
قال ابو العالية: "الأليم الموجع في القرآن كله" (١١). قال ابن ابي حاتم: " وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان" (١٢).
وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان.
قال الطبري: " يعني: بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم ﴿عذابًا أليمًا﴾، وهو المُوجع، وذلك عذاب جهنم" (١٣).
الفوائد:
١ - أن الآية تبشر الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم.
٢ - أن سبب بشارة المنافقين بالعذاب الموجع، هو محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين.
٣ - ومن الفوائد: أن النفاق يكون على قسمين (١٤):
أحدهما: النفاق العملي (نفاق الاصغر)، وهو من كبائر الذنوب، فمن صوره كما هو مذكور في حديث الرسول- ﷺ : «علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (١٥).
والثاني: النفاق الاعتقادي (نفاق الاكبر): وهو أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام.
стр. 3120
القرآن
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩]
التفسير:
الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم. أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ إنهم لا يملكون ذلك، فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: " الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم" (١).
قال مقاتل: " وذلك أن المنافقين قالوا لا يتم أمر محمد، فتابعوا اليهود وتولوهم" (٢).
قال الزمخشري: "هم الذين كانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود" (٣).
قال ابن كثير: " وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة" (٤).
قال ابن عباس: " نهى الله تعالى المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم ويخالفونهم في الدين" (٥).
عن السدي قوله: " ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾، أما أولياء، فنواليهم في دينهم ونظهرهم على عورة المؤمنين" (٦).
قال ابن عطية: " نصّ تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضررا على المؤمنين، وهي موالاتهم الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة" (٧).
قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: " أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ " (٨).
قال مقاتل: " يعني المنعة، وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال النبي- ﷺ ليتعززوا بذلك فقال- سبحانه- ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾، يقول: أيبتغي المنافقون عند اليهود المنعة" (٩).
قال الزجاج: " أي: أيبْتَغِي المنافقون عند الكافرين العزة" (١٠).
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: " فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده" (١١).
قال الزمخشري: " يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم" (١٢).
قال مقاتل: " يقول: جميع من يتعزز فإنما هو بإذن الله" (١٣).
стр. 3121
قال الطبري: " يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاءَ العزة عندهم، هم الأذلاء الأقِلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزَّة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يُعِزّ من يشاء ويذل من يشاء، فيعزُّهم ويمنعهم؟ " (١).
قال ابن كثير: " أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له. كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد" (٢).
قال ابن عطية: " وقف تعالى على جهة التوبيخ على مقصدهم في ذلك، أهو طلب العزة والاستكثار بهم أي ليس الأمر كذلك بل العزة كلها لله يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين" (٣).
عن أبي ريحانه أن النبي ﷺ قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزًّا وفخرًا، فهو عاشرهم في النار" (٤).
وأصل «العزة»: الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عَزَاز، وقيل: قد استُعِزَّ على المريض: إذا اشتدَّ مرضه وكاد يُشفى. ويقال: تعزز اللحمُ، إذا اشتد. ومنه قيل: عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا، بمعنى: اشتد عليَّ (٥)، فتأويل «العزة»: الغَلَبَةُ والشَدة التي لا يتعلق بها إِذلال، قالت الخنساءَ:
كأن لم يكونوا حمىً يُتَقَى ... إِذ الناسُ إِذ ذاك من عزٍّ بزَّا (٦)
أي: من قوى وغلب سلب.
ويقال: قد استعِز على المريض إذا اشتد وجَعَه، وكذلك قول الناس: يَعِزُّ علي أن تَفْعل، أي يشتد، فأما قولهم قد عَزَّ الشيء إِذا لم يوجد فتأويله قد اشتد وجوده أي صعب أن يُوجَدَ، والمآب، واحدٌ (٧).
الفوائد:
١ - حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
٢ - الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل، فالعزة لله ولا تطلب إلا منه تعالى بالإيمان واتباع منهجه.
القرآن
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]
التفسير:
وقد نزل عليكم -أيها المؤمنون- في كتاب ربكم أنه إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين، إلا إذا أخذوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله. إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه، فأنتم مثلهم; لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها. إن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعًا، يلْقَون فيها سوء العذاب.
سبب النزول:
قال مقاتل: "كان المنافقون يستهزءون بالقرآن، فأنزل الله- بالمدينة: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتاب﴾، يعنى: فى سورة «الأنعام» بمكة (٨)، ﴿أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه﴾ " (٩).
стр. 3122
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: " وقد نزل عليكم -أيها المؤمنون- في كتاب ربكم" (١).
عن مقاتل بن حيان، قوله: " ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب﴾، قال: في سورة الأنعام بمكة" (٢).
وكلهم قرأ: ﴿وقد نزل عليكم﴾ مضمومة النون، غير عاصم فإنه قرأ: ﴿وقد نزل عليكم﴾ مفتوحة النون مشددة الزاى (٣).
قوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: " أنه إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها" (٤).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: "فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين، إلا إذا أخذوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله" (٥).
قال الجصاص: " فيه نهي عن مجالسة من يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله" (٦).
أنبأ العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي عن أبي وائل، قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها القوم، فيسخط الله عليه، فذكرت ذلك لإبراهيم، النخعي فقال: صدق، أليس الله تعالى يقول: ﴿إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ " (٧).
ويحتمل ﴿حتى﴾، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]، معنيين (٨):
أحدهما: أنها تصير غاية لحظر القعود معهم حتى إذا تركوا إظهار الكفر والاستهزاء بآيات الله زال الحظر عن مجالستهم.
والثاني: أنهم كانوا إذا رأوا هؤلاء أظهروا الكفر والاستهزاء بآيات الله, فقال: لا تقعدوا معهم لئلا يظهروا ذلك ويزدادوا كفرا واستهزاء بمجالستكم لهم.
قال الجصاص: "والأول أظهر" (٩).
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: " إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه، فأنتم مثلهم" (١٠).
قال مقاتل بن حيان: " إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن، فـ ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ " (١١).
قال الزجاج: " أي إِنكم إِذا جالستموهم على الخوض في كتاب اللَّه بالهزؤ فأنتم
مِثْلُهُمْ" (١٢).
قال ابن كثير: "أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، أي: في المأثم، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدَار عليها الخَمْر" (١٣).
قال السمرقندي: " يعني: لو جلستم معهم كنتم معهم في الوزر، وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" (١٤).
стр. 3123
قال القرطبي: " فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية ... وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى" (١).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وجهين (٢):
أحدهما: في العصيان وإن لم تبلغ معصيتهم منزلة الكفر.
والثاني: أنكم مثلهم في الرضا بحالهم في ظاهر أمركم, والرضا بالكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى كفر, ولكن من قعد معهم ساخطا لتلك الحال منهم لم يكفر, وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم.
قال البغوي: " أي: إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزئون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة" (٣).
وقال الحسن: "لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ " (٤).
والأكثرون على القول الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية، والمتأخر أولى (٥).
عن هشام ابن عروة، "أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوما يشربون فضربهم وفيهم رجل صالح فقيل إنه صائم، فتلا: ﴿فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا﴾ " (٦).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: " إن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعًا" (٧).
قال مقاتل بن حيان: " إن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والمشركين من أهل مكة، الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعا" (٨).
قال السمرقندي: " يعني: إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، فبدأ بالمنافقين لأنهم شر من الكفار، وجعل مأواهم جميعا النار" (٩).
قال ابن كثير: " أي: كما أشركوهم في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال. وشراب الحميم والغِسْلين لا الزّلال" (١٠).
قال الصابوني: " لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم" (١١).
عن مقاتل بن حيان قوله: " ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ﴾، فنسخت هذه الآية التي في «الأنعام» (١٢)، فكان هذا الذي أنزل بالمدينة، وخوفهم فقال: إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فـ ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ " (١٣).
وفي رواية الكلبي: "قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، نسخ بقوله : ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] " (١٤).
وقال عامة المفسرين: "إنها محكمة وليست بمنسوخة" (١٥).
стр. 3124
وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: "دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة" (١).
الفوائد:
١ - حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقداً واستهزاء وسخرية.
٢ - الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإثم إثم.
٣ - ومن من فوائد الآية: وجوب إنكار المنكر على فاعله، وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها (٢).
القرآن
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]
التفسير:
المنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب، فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم، قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟ وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة، قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين، فالعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: " المنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب" (٣).
قال الزمخشري: " أى: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق" (٤).
قال قتادة: " هم المنافقين" (٥).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: " فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم" (٦).
قال مقاتل: " يعني: النصر على العدو يوم بدر" (٧).
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: " قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟ " (٨).
قال الزمخشري: أي: " ﴿ألم نكن معكم﴾ مظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة" (٩).
قال مقاتل: " ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ على عدوكم، فأعطونا من الغنيمة فلستم أحق بها، فذلك قوله- سبحانه- في العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ (١٠)، على عدوكم" (١١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: " وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة" (١٢).
قال مقاتل: " يعني: دولة على المؤمنين يوم أحد" (١٣).
قال ابو مالك: " ﴿نصيب﴾، يعني: حظا" (١٤).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لم سمى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا؟
стр. 3125
قلت: تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لأن ظفر المسلمين أمر عظيم «٣» تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه. وأما ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنى ولمظة من الدنيا (١) يصيبونها" (٢).
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: " قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ " (٣).
قال التستري: " يعني: نغلب ونستولي عليكم" (٤).
قال مقاتل: " ﴿قالوا﴾، أى: المنافقون للكفار، ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾، يعني ألم نحط بكم من ورائكم ونمنعكم من المؤمنين ونجادل المؤمنين عنكم فنحبسهم عنكم ونخبرهم أنا معكم، قالوا ذلك جبنا وفرقا منهم" (٥).
قال الزمخشري: أي: " ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ونمنعكم من المؤمنين بأن ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيبا لنا بما أصبتم" (٦).
وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، ثلاثة وجوه:
أحدها: معناه: ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة ونمنعكم من المؤمنين بالتخذيل عنكم (٧).
والثاني: معناه: ألم نبين لكم أننا على دينكم، وهذا قول ابن جريج (٨).
والثالث: معناه: ألم نغلب عليكم، وهو قول السدي (٩)، والتستري (١٠).
والقولان الاخيران متقاربان في المعنى، "وذلك أن من تأوله بمعنى: ألم نبين لكم، إنما أراد - أن شاء الله -: ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنا معكم" (١١).
وأصل " الاستحواذ " في كلام العرب: الغلبة، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [سورة المجادلة: ١٩]، بمعنى: غلب عليهم. يقال منه: حاذ عليه واستحاذ، يحيذ ويستحيذ، وأحاذ يحيذ. ومن لغة من قال: حاذ، قول العجاج في صفة ثور وكلب (١٢):
يَحُوذُهُنَّ وَلَهُ حُوذِيّ
وقد أنشد بعضهم (١٣):
يَحُوزُهُنَّ وَلَهُ حُوزِيُّ
وهما متقاربا المعنى.
ومن لغة من قال " أحاذ "، قول لبيد في صفة عَيْرٍ وأتُنٍ (١٤):
إذَا اجْتَمَعَتْ وَأَحْوَذَ جَانِبَيْهَا ... وَأَوْرَدَها عَلَى عُوجٍ طِوَالِ
стр. 3126
يعني بقوله: " وأحوذ جانبيها "، غلبها وقهرَها حتى حاذ كلا جانبيها، فلم يشذّ منها شيء، وكان القياس في قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾، أن يأتي: " استحاذ عليهم "، لأن " الواو " إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في " فاء " الفعل قبلها، وحوَّلوها «ألفًا»، متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه، من: حال يحول، واستنار فلان بنور الله، من: النور، واستعاذ بالله: من عاذ يعوذ، وربما تركوا ذلك على أصله كما قال لبيد: " وأحوذ "، ولم يقل " وأحاذ "، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (١).
قال الماوردي: " وأصل الاستحواذ الغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]، يعني: غلب عليهم " (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، ثلاثة وجوه (٣):
أحدها: نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم.
والثاني: بما نعلمكم من أخبارهم.
والثالث: بصرفنا إياكم عن الدخول عن الإيمان.
قال ابن الجوزي: "ومراد الكلام: إظهار المنة من المنافقين على الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم" (٤).
وقرئ: «ونمنعكم»، بالنصب بإضمار «أن»، قال الحطيئة (٥):
ألم أك جاركم ويكون بينى ... وبينكم المودة والإخاء (٦)
قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: " فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة" (٧).
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، أي: " ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين" (٨).
قال مقاتل: " يعني: حجة أبدا" (٩).
قال الزجاج: " أي: إِن اللَّه ناصِرُ المؤمنين بالحجة والغلبة، فلن يجعل للكافرين أبداً على المؤْمنين سَبِيلًا" (١٠).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعني: هو سبيل الحجة، أي: لا تكون الحجة للكافرين على المؤمنين أبدا، وهذا معنى قول السدي (١١).
قال الجصاص: " يعني: فيما فعلوا بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون لا حجة لهم فيه" (١٢).
والثاني: أن المراد: سبيلاً في الآخرة، وهذا قول عليّ (١٣)، وابن عباس (١٤)، وأبي مالك (١٥)، وعطاء الخراساني (١٦).
стр. 3127
والثالث: قال ابن كثير: " ويحتمل أن يكون المراد: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أي: في الدنيا، بأن يُسَلَّطُوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢]. وعلى هذا فيكون ردا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين، خوفا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] " (١).
قال ابن العربي: " أما حمله على نفي وجود الحجة من الكافر على المؤمن فذلك ضعيف؛ لأن وجود الحجة للكافر محال، فلا يتصرف فيه الجعل بنفي ولا إثبات.
وأما نفي وجود الحجة يوم القيامة فضعيف؛ لعدم فائدة الخبر فيه؛ وإن أوهم صدر الكلام معناه؛ لقوله: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ [النساء: ١٤١] فأخر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل الأمر في الدنيا دولة تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة، ثم قال: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: ١٤١]. فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، وذلك يسقط فائدته. وإنما معناه ثلاثة أوجه:
الأول: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما جاء في الحديث: ودعوت ربي ألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها.
الثاني: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن تتواصوا بالباطل، ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة؛ فيكون تسليط العدو من قبلكم؛ وهذا نفيس جدا.
الثالث: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع؛ فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع، ونزع بهذا علماؤنا في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم؛ وبه قال أشهب والشافعي؛ لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه، والملك بالشراء سبيل فلا يشرع ولا ينعقد بذلك" (٢).
الفوائد:
١ - في هذه الآية دليل على أن المنافق ليس بمؤمن وليس الإيمان هو الإقرار فقط، إذ لو كان الإيمان هو الإقرار لكانوا بذلك هم مؤمنين (٣)
٢ - وفيها دليل أيضا على صحة نبوة النبي ﷺ لأن القوم كانوا كاتمين اعتقادهم فأظهر الله رسوله على اعتقادهم وكان ذلك حجة له عليهم إذ علموا إنه لا يطلع على ضمائر القلوب إلا البارئ جل وعز (٤).
٣ - تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم فلا يسلط عليهم أعداءه.
٤ - استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ (٥).
القرآن
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]
التفسير:
إنَّ طريقة هؤلاء المنافقين مخادعة الله تعالى، بما يظهرونه من الإيمان وما يبطنونه من الكفر، ظنًّا أنه يخفى على الله، والحال أن الله خادعهم ومجازيهم بمثل عملهم، وإذا قام هؤلاء المنافقون لأداء الصلاة، قاموا إليها في فتور، يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، ولا يذكرون الله تعالى إلا ذكرًا قليلا.
стр. 3128
سبب النزول:
قال ابن جريج: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾، قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان، وفي المنافقين ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾، قال: مثل قوله في «البقرة»: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سورة البقرة: ٩]، قال: وأما قوله: ﴿وهو خادعهم﴾، فيقول: في النور الذي يعطَى المنافقون مع المؤمنين، فيعطون النور، فإذا بلغوا السور سُلب، وما ذكر الله من قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [سورة الحديد: ١٣]. قال قوله: ﴿وهو خادعهم﴾ " (١).
قال مقاتل: " نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ " (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: " إنَّ طريقة هؤلاء المنافقين مخادعة الله تعالى، بما يظهرونه من الإيمان وما يبطنونه من الكفر، ظنًّا أنه يخفى على الله، والحال أن الله خادعهم ومجازيهم بمثل عملهم" (٣).
قال الزجاج: " أي يخادعون النبي ﷺ بإظهارهم له الِإيمان وإِبطانِهم الكفْرِ، فجعل الله مخادعة النبي ﷺ مخادعة له" (٤).
قال الماوردي: " أي: يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإيمان ويبطنونه من الكفر، فصار خداعهم لرسول الله صلى الله عليهم خداعاً لله " (٥).
قال الطبري: أي: " إنّ المنافقين يخادعون الله، بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكَم فيهم من منع دِمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم واعتقادهم الكفرَ، استدراجًا منه لهم في الدنيا، حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نارَ جهنم" (٦).
قال الحسن: " يعطى المؤمن يوم القيامة نورا ويعطى المنافق نورا يمشون به حتى ينتهوا إلى الصراط، فإذا انتهوا إلى الصراط مضى المؤمنون بنورهم ويطفي نور المنافقين، فـ ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٧)، قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم" (٨).
وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وجوه من التفسير:
أحدها: أن مُخادعةُ اللَّه إياهم جزاؤُهم على المخادعة بالعذاب، فسمى الجزاء على الفعل باسمه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]. ذكره الزجاج عن بعضهم (٩)، واختاره ابن عطية (١٠).
والثاني: أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِع لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن علم ما يبطنون من كفرهم. ذكره الزجاج أيضا (١١).
والثالث: أي: يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار. وهذا قول سهل التستري (١٢).
والرابع: أنه يفتح لهم باب من أبواب الجنة؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك الباب، فلما دنوا منه أغلق دونهم، فذلك الخداع (١٣).
والخامس: أنهم عندما شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها، والتمتع والتقلب فيها؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها؛ فيحرمون ذلك، فذلك الخديعة. أفاده الماتريدي (١٤).
стр. 3129
والسادس: ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وهذا قول الحسن (١)، والسدي (٢)، وابن جريج (٣).
قال ابن كثير: " قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٥] وقد ورد في الحديث: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءي راءي الله به» (٤)، وفي حديث آخر: «إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار» (٥)، عياذًا بالله من ذلك" (٦).
وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي: «وهو خادعهم» بإسكان العين، وذلك على التخفيف (٧).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: " وإذا قام هؤلاء المنافقون لأداء الصلاة، قاموا إليها في فتور" (٨).
قال الواحدي: أي: " متثاقلين" (٩).
قال ابن كثير: " هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمانَ لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم، كما قال: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] " (١٠).
قال ابن عطية: " وتلك حال كل من يعمل العمل كارها غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة" (١١).
عن سماك الحنفي، عن ابن عباس" أنه كان يكره أن يقول الرجل: إني كسلان ويتأول هذه الآية: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ " (١٢).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وجهين (١٣):
أحدهما: متثاقلين.
والثاني: مقصَّرين.
وقرأ ابن هرمز الأعرج: «كسالى» بفتح الكاف (١٤).
قوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: " يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة" (١٥).
قال ابن زيد: " هم المنافقون، لولا الرياء ما صلُّوا" (١٦).
قال الواحدي: " ليرى ذلك النَّاس لا لاتِّباع أمر الله يعني: ليراهم النَّاس مُصلِّين لا يريدون وجه الله" (١٧).
قال الماوردي: "يعني: أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون طاعة الله تعالى" (١٨).
стр. 3130
قال ابن كثير: " أي: لا إخلاص لهم [ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم؛ ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يُرَون غالبًا فيها كصلاة العشاء وقت العَتَمَة، وصلاة الصبح في وقت الغَلَس" (١).
كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» (٢).
وفي رواية: "والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا أو مَرْمَاتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار" (٣).
واخرج الحافظ أبو يعلى عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحْسَنَ الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة، استهان بها ربه " (٤).
وعن قتادة قوله: " ﴿يراؤن الناس﴾، وإنه والله لولا الناس ما صلى المنافق، ما يصلي إلا رياء وسمعة" (٥).
قال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟
قلت: فيها وجهان، أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه. والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم، كقولك: نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه (٦) وعيش مفانق" (٧).
وقرأ جمهور الناس: «يرءون»، بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف، وهي أقوى في المعنى من «يراؤن»، لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق (٨).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: " ولا يذكرون الله تعالى إلا ذكرًا قليلا" (٩).
قال الواحدي: " لأنَّهم يعملونه رياءً وسمعةً ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً" (١٠).
قال الحسن: " إنما قلّ، لأنه كان لغير الله" (١١).
وقال الحسن ايضا: " فو الله لو كان ذلك القليل منهم لله لقبله، ولكن كان ذلك القليل منهم رياء" (١٢).
قال قتادة: " وإنما قال ذكر المنافق، لأن الله لم يقبله، كل ما ردّ الله قليل، كل ما قبل الله كثير" (١٣).
قال ابن كثير: " أي: في صلاتهم لا يخشعُون فيها ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون" (١٤).
وقد روى الإمام مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان، قام فَنَقَر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (١٥).
стр. 3131
وفي تسمية ذكرهم بالقليل أربعة أقوال:
أحدها: أنه سمي قليلا، لأنه غير مقبول، قاله علي ﵁ (١)، وقتادة (٢).
والثاني: لأنه رياء، ولو كان لله لكان كثيرا، قاله ابن عباس (٣)، والحسن (٤).
والثالث: أنه قليل في نفسه، لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من القراءة والتسبيح، وإنما قّلَّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم، ذكره الماوردي (٥).
والرابع: أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر. ذكره ابن عطية (٦).
قال الزمخشري: أي: " ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضا لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم" (٧).
الفوائد:
١ - بيان صفات المنافقين.
٢ - قبح الرياء وذم المرائين.
٣ - ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإكثار منه في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾.
القرآن
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ [النساء: ١٤٣]
التفسير:
إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والحَيْرة والاضطراب، لا يستقرون على حال، فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين. ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه، فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين.
قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: " إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والاضطراب بين الكفر والإيمان" (٨).
قال ابن عطية: "معناه: مضطربين لا يثبتون على حال" (٩).
قال الطبري: أي: " مردّدين، وإنما عنى الله بذلك: أن المنافقين متحيِّرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة، فهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارَى بين ذلك، فمثلهم المثلُ الذي ضرب لهم رسول الله ﷺ : عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ المنافق كمثل الشَّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيَّهُما تَتْبع! » (١٠) " (١١).
قال الزمخشري: " ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم مترددون بينهما متحيرون" (١٢).
قال مجاهد: " هم المنافقون" (١٣).
стр. 3132
قال ابن كثير: " يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٠] " (١).
عن أبي الأحوص قال عبدالله: " مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى وادي فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر حتى أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب؟ إلى الهلكة، إرجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم النجاة فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاء سيل فأغرقه والذي عبر المؤمن والذي غرق المنافق، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء والذي مكث الكافر" (٢).
وأصل " التذبذب ": التحرك والاضطراب (٣)، أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه (٤)، كما قال النابغة (٥):
أَلم تَرَ أَنَّ الله أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
ومنه قول البعيث بن حريث (٦):
خيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المذبذب
قال الزمخشري: " وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أى يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان (٧)، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذب عنه" (٨).
وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «مذبذبين»، بفتح الميم والذالين (٩)، قال ابن عطية: "وهي قراءة مردودة" (١٠).
وفي قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد: «مُذَبْذِبِين»، بكسر الذال الثانية (١١).
قال ابن جني: " أي: المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء: يخِفُّون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء ... وهو من ذَبَّبْتُ عن الشيء: أي صرفت عنه شيئَا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه" (١٢).
وفي مصحف عبد الله: «متذبذبين» (١٣).
وعن أبى جعفر: «مدبدبين»، بالدال غير المعجمة (١٤)، قال الزمخشري: " وكأن المعنى: أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة. و «الدبة»: الطريقة، ومنها: دبة قريش. وذلك إشارة إلى الكفر والإيمان" (١٥).
قوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: " فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين" (١٦).
стр. 3133
قال الزمخشري: أي: "لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين، ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين" (١).
قال السدي: " يقول: ليسوا بمشركين فيظهرون الشرك وليسوا بمؤمنين" (٢).
عن مجاهد قوله: " ﴿لا إلى هؤلاء﴾، لأصحاب محمد" (٣)، " قوله: ﴿لا إلى هؤلاء﴾: اليهود" (٤).
عن قتادة قوله: " ﴿لا إلى هؤلاء﴾، يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا بمشركين مصرحين بالشرك" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: " ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه" (٦).
قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: " فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين" (٧).
عن السدي: " ﴿سبيلا﴾، يقول: حجة" (٨).
الفوائد:
١ - ذم الحيرة والتردد في الأمور كلها.
٢ - أن المنافقين هم طلاب منافع، وأنهم لا إخلاص لديهم.
٣ - ومن الفوائد: أن من الناس من ليس له ثبات فى أمر دينه، بل هو مرجحن مضطرب مذبذب، يعبد الله على وجه التجربة انتظارا للنعمة، فإن أصابه خير بقي مؤمنا، وإن أصابه شر من سقم أو ضياع مال أو فقد ولد ترك دينه.
٤ - أن هذه الأوصاف المذمومة للمنافقين تدل بتنبيهها على أن المؤمنين متصفون بضدها، من الصدق ظاهرا وباطنا، والإخلاص، وأنهم لا يجهل ما عندهم، ونشاطهم في صلاتهم وعباداتهم، وكثرة ذكرهم لله تعالى. وأنهم قد هداهم الله ووفقهم للصراط المستقيم. فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين وليختر أيهما أولى به (٩).
القرآن
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤]
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا توالوا الجاحدين لدين الله، وتتركوا موالاة المؤمنين ومودتهم. أتريدون بمودَّة أعدائكم أن تجعلوا لله تعالى عليكم حجة ظاهرة على عدم صدقكم في إيمانكم؟
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: ذكر الماتريدي عن ابن عباس ﵁ قال: "نزلت في المنافقين الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين" (١٠).
قال الواحدي: " قال المفسرون: لما ذم الله المنافقين بأنهم مرة إلى الكفار ومرة إلى المسلمين من غير أن يقرُّوا مع أحد الفريقين، نهى المسلمين في هذه الآية أن يصنعوا كصنيع المنافقين فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾، يعني اليهود من قريظة والنضير، وذلك أنَّ الأنصار بالمدينة كان لهم رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله ﷺ : من نتولى؟ فقال: "المهاجرين"، ونزلت هذه الآية. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء" (١١).
стр. 3134
قال مقاتل: " نزلت في المنافقين منهم عبد الله ابن أبي، ومالك بن دخشم، وذلك أن مواليهما من اليهود: أصبع ورافع عيروهما بالإسلام، وزينوا لهما ترك دينهما وتوليهما اليهود فصانعا اليهود، فقال الله: ﴿لا تتخذوا الكافرين﴾، من اليهود، ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾ " (١).
والثاني: أنها "نزلت في المؤمنين، نهاهم أن يتخذوا المنافقين أولياء بإظهارهم الإيمان علانية، وأمرهم أن يتخذوا المؤمنين أولياء" (٢).
والثالث: وذكر الواحدي عن مقاتل: "كانوا يظهرون المودة للمشركين الذين بمكة، فنهاهم الله" (٣)، فعلى هذا المراد بالكافرين المشركون.
قال الواحدي: " والقول الأول أظهر" (٤).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٤٤]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٥).
قال ابن عثيمين: " إن وصف الإيمان للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى" (٦).
قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٧).
قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٨).
قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]، أي: " لا توالوا الجاحدين لدين الله، وتتركوا موالاة المؤمنين ومودتهم " (٩).
قال يحيى بن سلام: " يعني: أولياء في النَّصيحة" (١٠).
قال الزجاج: " أي لا تجعلوهم بطانتكم وخاصتكم" (١١).
قال الزمخشري: أي: " لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء" (١٢).
قال الطبري: أي: " لا توالوا الكفَّار فتؤازروهم من دون أهل ملَّتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين، وهذا نهي من الله عبادَه المؤمنين أن يتخلَّقوا بأخلاق المنافقين، الذين يتخذون الكافرين أولياءَ من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه" (١٣).
قال الراغب: " نهى عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وذلك أن يستعان بهم استعانة المرؤوس بالرئيس، والمنتصر بالناصر لاستعانة المستخدم بالحاكم" (١٤).
وفي وجه النهي في الولاية واتخاذهم أولياء أقوال (١٥):
أحدها: أنه النهي عن ولايتهم ولاية الدين، أي: لا تثقوا بهم، ولا تصدقوهم، ولا تأمنوهم في الدين؛ فإنهم يريدون أن يصرفوكم عن دينكم؛ كقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩].
والثاني: أنه النهي عن اتخاذهم أولياء في أمر الدنيا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 3135
تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]، نهي المؤمنين أن يجعلوا المنافقين موضع سرهم في أمر من أمور الحرب وغيره.
والثالث: أنه في كل أمر، أي: لا تصادقوهم، ولا تجالسوهم، ولا تأمنوهم.
قال الجصاص: " فإن الولي هو الذي يتولى صاحبه بما يجعل له من النصرة والمعونة على أمره والمؤمن ولي الله بما يتولى من إخلاص طاعته والله ولي المؤمنين بما يتولى من جزائهم على طاعته واقتضت الآية النهي عن الاستنصار بالكفار والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة يهم وهو يدل على أن الكافر لا يستحق الولاية على المسلم بوجه ولدا كان أو غيره ويدل على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية وهو نظير قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقد كره أصحابنا توكيل الذمي في الشرى والبيع ودفع المال إليه مضاربة وهذه الآية دالة على صحة هذا القول" (١).
قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤]، أي: " أتريدون بمودَّة أعدائكم أن تجعلوا لله تعالى عليكم حجة ظاهرة على عدم صدقكم في إيمانكم؟ " (٢).
قال البغوي: " أي: حجة بينة في عذابكم" (٣).
قال الماتريدي: " أي: تجعلون لله عليكم سلطانا مبينا" (٤).
قال مقاتل: " يعني: حجة بينة يحتج بها عليكم حين توليتم اليهود ونصحتموهم" (٥).
قال الزجاج: " أي: حجة ظاهرة، والسلطان في اللغة الحجة، وإنما قيل للخليفة والأمير سلطان لأن معناه أنه ذو الحجة" (٦).
قال الطبري: " يقول: لا تعرَّضوا لغضب الله، بإيجابكم الحجة على أنفسكم في تقدمكم على ما نهاكم ربكم من موالاة أعدائه وأهلِ الكفر به" (٧).
قال الزمخشري: أي: " ﴿سلطانا﴾: حجة بينة، يعنى: أن موالاة الكافرين بينة على النفاق" (٨).
قال قتادة: " إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول: عذرًا مبينًا" (٩).
قال عكرمة: " ما كان في القرآن من «سلطان»، فهو حجّة" (١٠).
عن مجاهد في قوله: " ﴿سلطانًا مبينًا﴾، قال: حُجَّة" (١١).
وعن صعصعة ابن صوحان أنه قال لابن أخ له: "خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر فان الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤم" (١٢).
الفوائد:
١ - حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
٢ - إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف.
القرآن
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]
التفسير:
إن المنافقين في أسفل منازل النار يوم القيامة، ولن تجد لهم -أيها الرسول- ناصرًا يدفع عنهم سوء هذا المصير.
стр. 3136
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، أي: " إن المنافقين في أسفل منازل النار يوم القيامة" (١).
قال ابن عباس: "، يعني: في أسفل النار" (٢).
قال عبدالله: ": في توابيت من حديد مُبْهَمة عليهم" (٣). وفي رواية أخرى: "، توابيت من نار تُطْبَقُ عليهم" (٤). وروي عنه ايضا: " إن المنافقين في توابيتَ من حديد مقفلةٍ عليهم في النار" (٥).
قال أبو هريرة: "في توابيت تُرْتَجُ عليهم" (٦).
عن ابن جريج قال: " قال لي عبد الله بن كثير قوله: ﴿في الدرك الأسفل من النار﴾، قال: سمعنا أن جهنم أدْراك، منازل" (٧).
قال الطبري: أي: " إن المنافقين في الطَّبَق الأسفل من أطباق جهنم، وكل طبَق من أطباق جهنم: «درك» " (٨).
قال ابن ابي زمنين: " وهو الباب السابع الأسفل" (٩).
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "جهنم أدراك، أي منازل، فكل منزلة منها درك" (١٠).
قال الزمخشري: " ﴿الدرك الأسفل﴾، الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض" (١١).
فإن قلت: "لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟
قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم (١٢) " (١٣).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿في الدرك﴾ مفتوحة الراء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائى ﴿في الدرك﴾ ساكنة الراء، وروى الكسائى وحسين الجعفى عن أبى بكر عن عاصم ﴿في الدرك﴾ مثل أبى عمرو (١٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، أي: " ولن تجد لهم -أيها الرسول- ناصرًا يدفع عنهم سوء هذا المصير" (١٥).
قال الزجاج: " أي: لا يمنعهم مانع من عذاب الله ولا يشفع لهم شافع" (١٦).
قال الطبري: " يعني: ولن تجد لهؤلاء المنافقين، يا محمد، من الله إذا جعلهم في الدرك الأسفل من النار ناصرًا ينصرهم منه، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليمَ عقابه" (١٧).
الفوائد:
١ - فى الآية إشارة إلى أن دار العذاب فى الآخرة ذات دركات بعضها أسفل من بعض، كما أن دار النعيم درجات بعضها أعلى من بعض.
٢ - أن سبب كون المنافقين في الدرك الاسفل من النار، لأنهم شر أهلها، إذ هم جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشهم، فأرواحهم أسفل الأرواح، ونفوسهم أحط النفوس، ومن ثم كانوا أجدر الناس بالدرك الأسفل منها.
стр. 3137
أما أكثر الكفار فقد غلب عليهم الجهل بحقيقة التوحيد، فهم مع إيمانهم بالله يشركون به غيره، من صنم أو وثن يتخذونه شفيعا عنده ووسيطا بينه وبينه، وقد قاسوا ذلك على معاملة الملوك المستبدين، والأمراء الظالمين (١).
٤ - قال السعدي: " وهذا عام لكل منافق إلا من من الله عليهم بالتوبة من السيئات" (٢).
القرآن
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]
التفسير:
إلا الذين رجعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه، وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم باطنًا وظاهرًا، ووالوا عباده المؤمنين، واستمسكوا بدين الله، وأخلصوا له سبحانه، فأولئك مع المؤمنين في الدنيا والآخرة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: " إلا الذين رجعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه" (٣).
قال البغوي: أي: " من النفاق وآمنوا" (٤).
قال الطبري: " أي: راجعوا الحق، وآبوا إلا الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه من نفاقهم" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: " وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم باطنًا وظاهرًا" (٦).
قال البغوي: أي: " عملهم" (٧).
قال الطبري: " يعني: وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم الله به، وأدَّوا فرائضه، وانتهوا عما نهاهم عنه، وانزجروا عن معاصيه" (٨).
قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: " واستمسكوا بدين الله" (٩).
قال الثعلبي والبغوي: أي: "وثقوا بالله" (١٠).
قال الطبري: " يقول: وتمسَّكوا بعهد الله" (١١).
و«الاعتصام»: "التمسك والتعلق، فالاعتصام بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه، من طاعته وترك معصيته" (١٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: " وأخلصوا له سبحانه" (١٣).
قال الزمخشري: أي: " لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه" (١٤).
قال البغوي: " أراد الإخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر القلب، فزواله يكون بإخلاص القلب" (١٥).
قال الطبري: " يقول: وأخلصوا طاعتَهم وأعمالهم التي يعملونها لله، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاءَ الناس، ولا على شك منهم في دينهم، وامتراءٍ منهم في أن الله محصٍ عليهم ما عملوا، فمجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ولكنهم عملوها على يقين منهم في ثواب المحسن على إحسانه، وجزاء المسيء على إساءته، أو يتفضَّل عليه ربه فيعفو متقرِّبين بها إلى الله، مريدين بها وجه الله" (١٦).
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: " فأولئك في زمرتة المؤمنين يوم القيامة" (١٧).
قال الطبري: " يقول: فهؤلاء الذين وصف صفتَهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم أي: مع المؤمنين في الجنة، لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقهم، الذين أوعدهم الدَرَك الأسفل من النار" (١٨).
قال الزمخشري: أي: " فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين" (١٩).
قال الثعلبي: أي: " على دينهم" (٢٠).
قال ابن كثير: " أي: في زمرتهم يوم القيامة" (٢١).
قال الفراء: ﴿معَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، تفسيره من المؤمنين" (٢٢).
قال القتيبي: حاد عن كلامهم غيظا عليهم فقال ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولم يقل فأولئك هم المؤمنون" (٢٣).
قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: " وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا" (٢٤).
قال الزمخشري: أي: " فيشاركونهم فيه ويساهمونهم" (٢٥).
قال الثعلبي والبغوي: " يعني: الجنة" (٢٦).
قال الطبري: " وهذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا، وأخلصوا الدين لله وحده، وتبرءوا من الآلهة والأنداد، وصدَّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرِّين على نِفاقهم حتى تُوافيهم مناياهم - في الآخرة، وأن يدخلوا مدَاخلهم من جهنم. بل وعدهم جل ثناؤه أن يُحلَّهم مع المؤمنين محلَّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيلَ من العطاء فقال: ﴿وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا﴾، يقول: وسوف يُعطي الله هؤلاء الذين هذه صفتهم، على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له، وعلى إيمانهم، ثوابًا عظيمًا وذلك: درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النِّفاق منازل في النار، وهي السفلى منها. لأن الله جل ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك، كما أوعد المنافقين على نفاقهم ما ذكر في كتابه " (٢٧).
قال السمرقندي: " ثم قال بعد هذا كله: ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾، ولم يقل: هم المؤمنون، ثم قال: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين﴾، ولم يقل: سوف يؤتيهم الله، بغضا لهم وإعراضا عنهم، والمنافقون هم الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين، يظهرون من أنفسهم الإسلام وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله، فهم من أهل هذه الآية ومأواهم الهاوية" (٢٨).
عن إبراهيم قال، قال حذيفة: "ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين! فقال عبد الله: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة، ثم قام فتنحَّى. فلما تفرّقوا، مرَّ به علقمة فدعاه فقال: أمَا إنّ صاحبك يعلم الذي قلت! ثم قرأ
стр. 3138
: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا﴾ " (١).
الفوائد:
١ - أن التائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم.
٢ - التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه.
٣ - أن الله تعالى خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: ﴿وأصلحوا﴾ لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما (٢).
القرآن
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]
التفسير:
ما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، فإن الله سبحانه غني عمَّن سواه، وإنما يعذب العباد بذنوبهم. وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم له، عليمًا بكل شيء.
قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، أي: " ما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله" (٣).
قال مقاتل: " ﴿إن شكرتم﴾، نعمته، ﴿وآمنتم﴾، يعني: صدقتم، فإنه لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا" (٤).
قال الماتريدي: أي: " أن ليس لله حاجة في تعذيبه إياكم إن صدقتم وآمنتم، ولكن الحكمة توجب تعذيب من كفر به؛ وإلا ليس له حاجة في تعذيبكم" (٥).
قال السمرقندي: " أي: ما يصنع الله بعذابكم إن شكرتم يعني إن آمنتم بالله تعالى ووحدتموه، ويقال: معناه ما حاجة الله إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين له وآمنتم به وصدقتم رسله" (٦).
قال الزمخشري: " أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثار، أم يستجلب به نفعا، أم يستدفع به ضررا كما يفعل الملوك بعذابهم، وهو الغنى الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب" (٧).
قال السمعاني: " هذا استفهام بمعنى التقرير، ومعناه: لا يعذب الله المؤمن الشاكر، وتقدير قوله: ﴿إن شكرتم وآمنتم﴾، أي: إن آمنتم وشكرتم، والشكر ضد الكفر، والكفر: ستر النعمة والشكر: إظهار النعمة" (٨).
قال الراغب: " أي: تعالى الله عن عذابكم، فلا يعذبكم إذا عرفتم ووفيتم حقها" (٩).
قال ابن كثير: " قال -مخبرًا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم-، فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله " (١٠).
قال البغوي: " أي: إن شكرتم نعماءه ﴿وآمنتم﴾ به، فيه تقديم وتأخير، تقديره: إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان، وهذا استفهام بمعنى التقرير، معناه: إنه لا يعذب المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه، والشكر: ضد الكفر والكفر ستر النعمة، والشكر: إظهارها" (١١).
стр. 3139
قال الطبري: أي: " ما يصنع الله، أيها المنافقون، بعذابكم، إن أنتم تُبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادِكم، بالإنابة إلى توحيده، والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالَكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد ﷺ فصدَّقتموه، وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به؟ يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدَّرك الأسفل من النار، إن أنتم أنبتم إلى طاعته، وراجعتم العمل بما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه. لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضُرًّا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه، جزاءٌ منه له على جرَاءته عليه، وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانِه شكر نعمه عليه. فإن أنتم شكرتم له على نعمه، وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم" (١).
قال قتادة: " إن الله جل ثناؤه لا يعذِّب شاكرًا ولا مؤمنًا" (٢).
وإن قيل: "لم أخر الإيمان عن الشكر؟
قيل: لأنه عني به معرفة النعمة التي يتوصل به إلى معرفة النعم، ومعرفة المنعم هي الإيمان، فإذا الشكر على هذا الوجه مقدم على الإيمان، لأنه أرفع منه وهو لا ينفك عن الإيمان، والإيمان قد ينفك عنه، ووصفه نفسه بالشكر تنبيها أنه يقابلهم بما يكون منهم، فقد تقدم أن الشكر قد يكون من المولى للعبد بمعنى مقابلته بما يكون من خدمته" (٣).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قدم الشكر على الإيمان؟
قلت: لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرا مفصلا، فكان الشكر متقدما على الايمان، وكأنه أصل التكليف ومداره" (٤).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]، أي: " وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم له، عليمًا بكل شيء" (٥).
قال الزمخشري: أي: " مثيبا موفيا أجوركم عليما بحق شكركم وإيمانكم" (٦).
قال ابن كثير: " أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء" (٧).
قال السمرقندي: " أي: شاكرا للقليل من أعمالكم، عليما بأعمالكم وثوابكم. ويقال: شاكرا يقبل اليسير ويعطي الجزيل، عليما بما في صدوركم. ويقال: بمن شكر وآمن فلا يعذب شاكرا ولا مؤمنا" (٨).
قال الماتريدي: أي: " يقبل الإيمان بعد الجحود والتكذيب؛ إذا تاب" (٩).
وقيل: ﴿شاكرا﴾، أي: يقبل القليل من العمل إذا كان خالصا، ليس كملوك الأرض لا يقبلون اليسير من الأشياء" (١٠).
قال السمعاني: " الشكر من الله قبول العمل" (١١).
قال البغوي: " فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد: الطاعة، ومن الله: الثواب" (١٢).
قال الراغب: " نبه بقوله: ﴿عليما﴾، أنه لا يخفى عليه ما يتحراه العبد" (١٣).
الفوائد:
١ - لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالإيمان والشكر أمان الإنسان.
стр. 3140
٢ - إثبات اسمين من اسمائه سبحانه، وهما: «الشاكر»، «العليم»:
فمن أسمائه تعالى: «الشاكرُ، الشَّكور»: الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة؛ فإن اللَّه لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، وقد أخبر في كتابه وسنّة نبيِّه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وذلك من شكره لعباده، فبعينه ما يحتمل المتحمّلون لأجله ومن فعل لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن ترك شيئاً لأجله عوّضه خيراً منه، وهو الذي وفّق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا ليس حقاً واجباً عليه، وإنّما هو الذي أوجبه على نفسه جوداً منه وكرماً (١).
قال الخطابي: " الشكور: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر، كقوله -سبحانه-: ﴿إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر: ٣٤]، ومعنى الشكر المضاف إليه: الرضى بيسير الطاعة من العبد والقبول له. وإعظام الثواب عليه -والله أعلم- وقد يحتمل أن يكون معنى الثناء على الله -جل وعز - بالشكور ترغيب الخلق في الطاعة. قلت أو كثرت لئلا يستقلوا القليل من العمل فلا يتركوا اليسير من جملته إذا أعوزهم الكثير منه" (٢).
ومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله .
قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق" (٣).
والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال: ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن/ ٢٨] (٤).
القرآن
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [النساء: ١٤٨]
التفسير:
لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء; ليبيِّن مَظْلمته. وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: قال مجاهد: "نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك" (٥).
والثاني: قال مقاتل: " نزلت في أبي بكر- ﵁ شتمه رجل والنبي- ﷺ جالس فسكت عنه مرارا ثم رد عليه أبو بكر- ﵁ فقام النبي- ﷺ عند ذلك، فقال أبو بكر- ﵁: يا رسول الله، شتمني وأنا ساكت، فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت. قال: «إن ملكا كان يجيب عنك، فلما أن رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان، فلم أكن لأجلس عند مجيء الشيطان» (٦) " (٧).
стр. 3141
قال الماتريدي: " وقيل: نزلت الآية في أبي بكر ﵁ شتمه رجل بمكة، فسكت عنه ما شاء الله، ثم انتصر؛ فقام النبي ﷺ – وتركه" (١).
قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، أي: " لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء; ليبيِّن مَظْلمته" (٢).
قال الزجاج: " المعنى: أن المظلوم جائز أن يظهر بظلامته تشكيا، والظالم يجهر بالسوء من القول ظلما واعتداء" (٣).
قال الزمخشري: " استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم. وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء" (٤).
قال ابن عطية: " المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال الظاهرة من المحب بحسب ذلك، والجهر بالسوء من القول لا يكون من الله تعالى فيه شيء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه. والجهر: كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى: ﴿أرنا الله جهرة﴾ [النساء: ٥٣]، ومنه قولهم: جهرت البير، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها" (٥).
وفي قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وجوه:
أحدها: يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس (٦)، والحسن (٧)، واختاره الثعلبي (٨).
قال ابن عطية: " قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول، وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء" (٩).
والثاني: إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد (١٠).
والثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن (١١)، والسدي (١٢).
والرابع: إلا أن يكون ضيفاً، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذا مروي عن مجاهد أيضا (١٣)، واختاره الفراء (١٤).
قال الماتريدي: " وإلى هذا يذهب أكثر المتأولين، لكنه بعيد" (١٥).
قال الجصاص: " قال أبو بكر: إن كان التأويل كما ذكر فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت الضيافة واجبة، وقد روي عن النبي ﷺ : «الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة» (١٦)، وجائز أن يكون فيمن لا يجد ما يأكل فيستضيف غيره فلا يضيفه فهذا مذموم يجوز أن يشكى" (١٧).
والخامس: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتري عليه. وهذه رواية ابن عمر عن عبدالكريم (١٨).
стр. 3142
والسادس: أن المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق، إلا من أقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول. وهذا قول ابن زيد (١). اعترض عليه الطبري (٢).
والسابع: قال ابن المستنير: " ﴿إلا من ظلم﴾، معناه: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفرا أو نحوه فذلك مباح، والآية في الإكراه" (٣).
والراجح-والله اعلم- أن المعنى: "لا يحب الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد بالسوء من القول ﴿إلا من ظلم﴾، بمعنى: إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار من لم يُقْرَ، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله" (٤).
قرأ العامة: ﴿مَنْ ظُلِمَ﴾، بضم "الظاء"، وقرأه بعضهم: «إِلا مَنْ ظَلَمَ»، بفتح" الظاء" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]، أي: " وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك" (٦).
قال الماتريدي: أي: ﴿سميعا﴾ " بجهر السوء، ﴿عليما﴾ به" (٧).
قال الثعلبي: أي: " ﴿سميعا﴾، لدعاء المظلوم، ﴿عليما﴾، بعقاب الظالم" (٨).
قال السمعاني: أي: " ﴿سميعا﴾، لأقوالكم: ﴿عليما﴾، بنياتكم" (٩).
قال الباقلاني: " وقالوا: ومن الإحالة في الكلام قولُه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، فكأنَّه يُحبُّ من المظلوم أن يجهرَ بالسوء.
وهذا متناقض جدا - زعموا - فيقال لهم: ليس ذلك على ما توهمتم، ومعنى هذه اللفظة الذي هو لفظ الاستثناء لكن لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول ولكن من ظُلمَ فله أن يُخبرَ بظلمِ من ظلمَهُ ودخول الضرر عليه، ولا يجب الكشفُ عن عورات الناس وزلاتهم وكثرةُ التتبع لهم والتجسسُ عليهم.
وقال بعضهم: قولُه: ﴿إلا من ظُلِمَ﴾، فإنّه يحل له أن يدعو اللهَ على ظالمه ويستكفَّه شرَّه، ويرغبُ إليه في منعه من ظلمه، وقد قال قومٌ قولُه: ﴿لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول﴾، كلام تام، ثم ابتدأ فقال: ﴿إلا من ظُلمَ﴾، فإن له أن ينتصرَ ويمنعَ الظلمَ ويدفَعَه فبطل بذلك ما قالوه" (١٠).
الفوائد:
١ - في قوله: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾، دليل على أنه ليس في إباحة الشيء في حال - يوجب حظره في حال أخرى؛ لأنه نهي عن الجهر بالسوء من القول، ثم لم يدل ذلك على أنه لا ينهى عن ذلك في غير حال الجهر (١١).
٢ - حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير.
٣ - في هذه الآية دلالة على وجوب الإنكار على من تكلم بسوء فيمن كان ظاهره الستر والصلاح لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا يجب ذلك وما لا يحبه فهو الذي لا يريده فعلينا أن نكرهه وننكره وقال: ﴿إلا من ظلم﴾، فما لم يظهر لنا ظلمه فعلينا إنكار سوء القول فيه (١٢).
٤ - إثبات اسمين من أسماءه: «السميع»، و «البصير»:
قال الخطابي: " السميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة. كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى. سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت، وقد يكون السماع بمعنى القبول والإجابة" (١٣).
стр. 3143
و «البصير»: "هو المبصر. فعيل بمعنى: مفعل، ويقال: البصير: العالم بخفيات الأمور" (١).
القرآن
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]
التفسير:
إِن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه أو عفيتم عمن أساء إِليكم، فإن الله تعالى كان مبالغا في العفو عن عباده مع قدرته عليهم (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [النساء: ١٤٩]، أي: " إِن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه" (٣).
قال مقاتل: " يعني: تعلنوه، ﴿أو تخفوه﴾، يعني: تسروه" (٤).
قال ابن كثير: " أي: إن تظهروا - أيها الناس - خيرًا، أو أخفيتموه" (٥).
قال الطبري: " يقول: إن تقولوا جميلا من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكرًا منكم له على ما كان منه من حسن إليكم، أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه" (٦).
وعن مجاهد: " ﴿إن تبدوا﴾، قال: من اليقين والشك" (٧).
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩]، أي: " أو عفيتم عمن أساء إِليكم" (٨).
قال ابن كثير: " أو عفوتم عمن أساء إليكم" (٩).
قال الطبري: " يقول: أو تصفحوا لمن أساءَ إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به" (١٠).
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، أي: " فإن الله تعالى كان مبالغا في العفو عن عباده مع قدرته عليهم" (١١).
قال مقاتل: " يقول: فإن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على العفو عن صاحبك" (١٢).
قال ابن كثير: أي: " فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم" (١٣).
قال الطبري: " يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح عمن عصَاه وخالف أمره، ذا قدرة على الانتقام منهم" (١٤).
قال ابن عباس: " أخبر الله عباده بحكمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا ثم استغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال" (١٥).
قال الزمخشري: "ثم حثّ على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوبا، حثا على الأحب إليه والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيبا للعفو، ثم عطفه عليهما اعتدادا به وتنبيها على منزلته، وأن له مكانا في باب
стр. 3144
الخير وسيطا، والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله: ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾، أى: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله" (١).
وقد جاء في الحديث الصحيح: "ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله" (٢).
ويحتمل الآية أن العفو والتجاوز خير عند الله من الانتصار، وذلك من وجهين (٣):
أحدهما: أن يكون على الترغيب: رغبهم بالعفو عن السوء والمظلمة، فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم عن ظالمكم أيضا، وإن أنتم قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم بذلك عند الله الثواب.
والثاني: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو عن مظالمهم التي فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾، فإن الله أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم المسيء إليكم.
الفوائد:
١ - استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر.
٣ - استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه.
٣ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العفو»، و «القدير»:
و«العفو»: "الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء وقيل: إن العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته، فكان العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه" (٤).
و«القدير»: "من القدرة على الشيء. يقال: قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، كقوله تعالى: ﴿وكان الله على كل شيء قديرا﴾ [الأحزاب: ٢٧] ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى واحد كقوله: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣] أي: نعم المقدرون. وعلى هذا يتأول قوله -سبحانه-: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي: لن نقدر عليه الخطيئة أو العقوبة إذ لا يجهز على نبي الأن يظن عدم قدرة الله -جل وعز- عليه فى حال من الأحوال" (٥).
القرآن
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ [النساء: ١٥٠]
التفسير:
إن الذين يكفرون بالله ورسله من اليهود والنصارى، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله بأن يؤمنوا بالله ويكذبوا رسله الذين أرسلهم إلى خلقه، أو يعترفوا بصدق بعض الرسل دون بعض، ويزعموا أنَّ بعضهم افتروا على ربِّهم، ويريدون أن يتخذوا طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها والبدعة التي ابتدعوها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: " إن الذين يكفرون بالله ورسله من اليهود والنصارى" (٦).
قال القرطبي: " لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، إذ كفروا بمحمد ﷺ ، وبين أن الكفر به كفر بالكل، لأنه ما من نبي إلا وقد أمر قومه بالايمان بحمد ﷺ وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" (٧).
стр. 3145
قال ابن عرفة: " عبر عنهم بلفظ المضارع، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢]، فعبر بلفظ الماضي؛ لأن الإيمان مأمور مطلوب به فجعل كالواقع المحقق، والكفر منهي محنه فجعل كأنه لم يقع" (١).
قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: " ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله" (٢).
قال ابن عطية: " وفرقوا بين الله ورسله في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء" (٣).
قال القرطبي: " أي: بين الإيمان بالله ورسله، فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر" (٤).
قال ابن جريج: " اليهود والنصارى. آمنت اليهود بعُزَير وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزَير، وكانوا يؤمنون بالنبيّ ويكفرون بالآخر" (٥).
قال السدي: " يقولون: محمد ليس برسولٍ لله! وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله! فقد فرَّقوا بين الله وبين رسله" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: ويقولون: " نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض" (٧).
قال ابن عطية: " قيل: معناه من الأنبياء، وقيل: هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من تفريقاتهم التي كانت تعنتا وروغانا" (٨).
قال القرطبي: " وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، وقد تقدم هذا من قولهم في «البقرة». ويقولون لعوامهم: لم نجد ذكر محمد في كتبنا" (٩).
قال السدي: " فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض" (١٠).
قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: " ويريدون أن يتخذوا طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها والبدعة التي ابتدعوها" (١١).
قال ابن جريج: " ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾، قال: دينًا يدينون به الله" (١٢).
قال ابن كثير: ﴿سبيلا﴾: " أي: طريقًا ومسلكًا" (١٣).
قال ابن عطية: " أي: بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح" (١٤).
قال القرطبي: " أي: يتخذوا بين الإيمان والجحد طريقا، أي دينا مبتدعا بين الإسلام واليهودية" (١٥).
قال البيضاوي: أي: " طريقا وسطا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة: إذ الحق لا يختلف فإن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا أو إجمالا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال كما قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] " (١٦).
стр. 3146
قال الطبري: " يقول: ويريد المفرِّقون بين الله ورسله، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أن يتخذوا بين أضعاف قولهم: ﴿نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض﴾، ﴿سبيلا﴾، يعني: طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، يدعون أهل الجهل من الناس إليه" (١).
قال الزمخشري: " معنى «اتخاذهم بين ذلك سبيلا»: أن يتخذوا دينا وسطا بين الإيمان والكفر كقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلً﴾ [الإسراء: ١١٠]، أى: طريقا وسطا في القراءة وهو ما بين الجهر والمخافتة. وقد أخطؤا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان" (٢).
قال قتادة: " أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد ﷺ . فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رُسله" (٣).
الفوائد:
١ - تقرير كفر اليهود والنصارى لفساد عقيدتهم وبطلان أعمالهم.
٢ - كفر من كذب بالله ورسوله ولو في شيء واحد مما وجب الإيمان به.
٣ - بطلان إيمان من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض.
القرآن
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥١]
التفسير:
أولئك هم أهل الكفر المحقَّق الذي لا شك فيه، وأعتدنا للكافرين عذابًا يخزيهم ويهينهم.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، أي: " أولئك هم أهل الكفر المحقَّق الذي لا شك فيه" (٤).
قال البيضاوي: أي: " هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا" (٥).
قال النسفي: اي: " هم الكاملون في الكفر، لأن الكفر بواحد كفر بالكل" (٦).
قال ابن عرفة: " أي كفرا محققا يقينا لَا شك فيه بخلاف من وحد الله وجحد بعض الصفات كالمعتزلة، فإن في كفرهم نظر، أو لذلك اختلف العلماء فيهم" (٧).
قال ابن كثير: " أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانًا منه، لو نظروا حق النظر في نبوته" (٨).
قال الزمخشري: " أى: هم الكاملون في الكفر. و ﴿حقا﴾، تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقا، أى حق ذلك حقا، وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين، أى هم الذين كفروا كفرا حقا ثابتا يقينا لا شك فيه" (٩).
قال ابن عطية: " ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقا، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد" (١٠).
قال القرطبي: " تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله، وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به ، وكفروا بكل رسول مبشر بذلك الرسول، فلذلك صاروا الكافرين حقا" (١١).
стр. 3147
قال الطبري: " يقول: أيها الناس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا. فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ. وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل، هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن. فأما من صدّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب. وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوّة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك حق التكذيب. فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم" (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥١]، أي: " وأعتدنا للكافرين عذابًا يخزيهم ويهينهم" (٢).
قال الطبري: " يعني: ﴿وأعتدنا﴾ لمن جحد بالله ورسوله جحودَ هؤلاء الذين وصفت لكم، أيها الناس، أمرَهم من أهل الكتاب، ولغيرهم من سائر أجناس الكفار ﴿عذابًا﴾، في الآخرة ﴿مهينًا﴾، يعني: يهين من عُذِّب به بخلوده فيه" (٣).
قال السعدي: : " كما تكبروا عن الإيمان بالله، أهانهم بالعذاب الأليم المخزي" (٤).
قال ابن كثير: " أي: كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ﷺ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في الدنيا والآخرة" (٥).
الفوائد:
١ - بطلان اليهودية والنصرانية حيث أوعد تعالى اليهود والنصارى بالعذاب المهين.
٢ - أن وجه كونهم كافرين - حتى بما زعموا الإيمان به- أن كل دليل دلهم على الإيمان بمن آمنوا به موجود هو أو مثله أو ما فوقه للنبي الذي كفروا به، وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به موجود مثلها أو أعظم منها فيمن آمنوا به (٦).
فلم يبق بعد ذلك إلا التشهي والهوى ومجرد الدعوى التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها
٣ - ومن الفوائد الآية والتي قبلها: أن الكافرين بالرسل فريقان (٧):
- فريق لا يؤمن بأحد منهم، لإنكارهم النبوات وزعمهم أن ما أتى به الأنبياء من الهدى والشرائع هو من عند أنفسهم لا من عند الله، وأكثر الملحدين فى هذا العصر من ذلك الفريق.
- وفريق آخر يؤمن ببعض الرسل دون بعض كقول اليهود نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد فهما ليسا برسولين، وقول النصارى نؤمن بموسى وعيسى ونكفر بمحمد، والفريقان كافرون مستحقون للعذاب، ولا عبرة بما يدعونه إيمانا.
القرآن
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢]
التفسير:
стр. 3148
والذين صَدَّقوا بوحدانية الله، وأقرُّوا بنبوَّة رسله أجمعين، ولم يفرقوا بين أحد منهم، وعملوا بشريعة الله، أولئك سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم على إيمانهم به وبرسله. وكان الله غفورًا رحيمًا.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: " والذين صَدَّقوا بوحدانية الله، وأقرُّوا بنبوَّة رسله أجمعين" (١).
قال الطبري: أي: " والذين صدقوا بوحدانية الله، وأقرّوا بنبوة رسله أجمعين، وصدّقوهم فيما جاءوهم به من عند الله من شرائع دينه" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: " ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله" (٣).
قال مقاتل: " يعني: بين الرسل وصدقوا بالرسل جميعا" (٤).
قال أبو السعود: " بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة" (٥).
قال الطبري: "يقول: ولم يكذّبوا بعضهم ويصدقوا بعضهم، ولكنهم أقرُّوا أن كل ما جاءوا به من عند ربهم حق" (٦).
قال الماتريدي: " يعني: من الرسل، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى آخر ما ذكر" (٧).
قال السمرقندي: أي: " في الإيمان والتصديق، يعني لم يكفروا ولم يجحدوا بأحد من الأنبياء والرسل ﵈، ويصدقون بجميع الكتب" (٨).
قال ابن كثير: "قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بذلك: أمة محمد ﷺ ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] " (٩).
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: " يعني به النبي ﷺ وأمته" (١٠).
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جاز دخول بين على أحد وهو يقتضى شيئين فصاعدا؟
قلت: إن أحدا عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، تقول: ما رأيت أحدا، فتقصد العموم، ألا تراك تقول: إلا بنى فلان، وإلا بنات فلان فالمعنى: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة ومنه قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] " (١١).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: " أولئك سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم" (١٢).
قال مقاتل: " يعني: جزاء أعمالهم" (١٣).
قال السمرقندي: " أي: سنعطيهم ثوابهم في الجنة" (١٤).
قال ابن كثير: أي: "على ما آمنوا بالله ورسله" (١٥).
قال الطبري: " يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم من المؤمنين بالله ورسله، سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم على تصديقهم الرسل في توحيد الله وشرائع دينه، وما جاءت به من عند الله" (١٦).
стр. 3149
قال الزمخشري: " معناه: أن إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا كونه متأخرا" (١).
قال السمعاني: " إنما سماه أجرا مجازا؛ لأنه ذكره بإزاء العمل، لأن العمل يوجبه، وهذا نحو قوله - تعالى - في قصة موسى: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]، سماه «أجرا» على مقابلة العمل؛ لأن موسى عمل؛ ليؤجر عليه" (٢).
قال الشوكاني: " الإشارة بقوله: أولئك إلى ﴿الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ " (٣).
قال أبو السعود: " وتصديره بـ ﴿سوف﴾، لتأكيد الوعد والدلالة على إنه كائن لا محالة وإن تراخى" (٤).
وقرأ حمزة وعاصم-في رواية أبي بكر-، وابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائى: ﴿نؤتيهم﴾، بالنون (٥).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: وكان الله" غفوراً لما سلف منهم من المعاصي والآثام متفضلاً عليهم بأنواع الإِنعام" (٦).
قال ابن كثير: " أي: لذنوبهم، أي: إن كان لبعضهم ذنوب" (٧).
قال البيضاوي: " ﴿وكان الله غفورا﴾، لما فرط منهم. ﴿رحيما﴾، عليهم بتضعيف حسناتهم" (٨).
قال الطبري: "يقول: ويغفر لمن فعل ذلك من خلقه ما سلف له من آثامه، فيستر عليه بعفوه له عنه، وتركه العقوبة عليه، فإنه لم يزل لذنوب المنيبين إليه من خلقه غفورًا، ﴿رحيمًا﴾، يعني ولم يزل بهم رحيمًا، بتفضله عليهم بالهداية إلى سبيل الحق، وتوفيقه إياهم لما فيه خلاص رِقابهم من النار" (٩).
قال الماتريدي: " أخبر أنه لم يزل غفورا رحيما، وهم يقولون: لم يكن غفورا رحيما ولكن صار غفورا رحيما، وبالله العصمة" (١٠).
قال الراغب: " ونبه بذكر الغفران على غفران ذنوبهم وبالرحمة على مجازاتهم بالإحسان" (١١).
الفوائد:
١ - صحة الدين الإسلامي إذ وعد المؤمنين بتوفية أجورهم والمغفرة والرحمة لهم.
٢ - وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمنا، وهو قد آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله؛ فدخل في قوله - تعالى -: ﴿أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾ وهم يقولون: لا يؤتيهم أجورهم (١٢).
٣ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغفور» و «الرحيم»:
«الغفور»: "هو الذي تكثر منه المغفرة" (١٣).
وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر (١٤).
و«الرحيم»: يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب آية ٤٣].
стр. 3150
القرآن
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]
التفسير:
يسألك اليهود -أيها الرسول- معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبةً، مثل مجيء موسى بالألواح من عند الله، فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى ﵇ ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً، فَصُعِقوا بسبب ظلمهم أنفسهم حين سألوا أمرًا ليس من حقِّهم. وبعد أن أحياهم الله بعد الصعق، وشاهدوا الآيات البينات على يد موسى القاطعة بنفي الشرك، عبدوا العجل من دون الله، فعَفونا عن عبادتهم العجل بسبب توبتهم، وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: "جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله؛ فأتنا بالألواح من عند الله؛ حتى نصدقك؛ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] " (١). [ضعيف جداً].
والثاني: عن ابن جريج في قوله: " ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ وذلك أن اليهود والنصارى أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: لن نبايعك على ما تدعونا إليه؛ حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله. قال الله -جل ثناؤه-: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ " (٢). [ضعيف جداً].
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " يسألك اليهود -أيها الرسول- معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبة من عند الله" (٣).
قال الزجاج: " وهذا حين قالوا للنبي ﷺ : ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ (٤) " (٥).
قال السمعاني: " هم اليهود، قالوا للنبي لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء جملة، كما أنزلت التوراة على موسى جملة" (٦).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣]، وجوه:
أحدها: أن اليهود سألوا محمداً ﷺ ، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً، كما نزل على موسى الألواح، والتوراة مكتوبة من السماء، وهذا قول السدي (٧)، ومحمد بن كعب (٨).
والثاني: أنهم سألوه نزول ذلك عليهم خاصة، تحكماً في طلب الآيات، وهذا قول الحسن (٩)، وقتادة (١٠).
стр. 3151
والثالث: أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتاباً من السماء بتصديقه، وهذا قول ابن جريج (١).
والصواب من القول أن يقال: "إن أهل التوراة سألوا رسولَ الله ﷺ أن يسأل ربه أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، آيةً معجزةً جميعَ الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدةً لرسول الله ﷺ بالصدق، آمرة لهم باتباعه، وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابًا مكتوبًا ينزل عليهم من السماء إلى جماعتهم وجائز أن يكون ذلك كتبًا إلى أشخاص بأعينهم. بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم، لذكر الله تعالى في خبره عنهم «الكتاب» بلفظ الواحد بقوله: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء﴾، ولم يقل «كتبًا» " (٢).
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى ﵇ ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً" (٣).
قال الزجاج: " أي فقد سألوا موسى بعد أن جاءهم بالآيات، فقالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾ " (٤).
عن قتادة: " ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك﴾ [النساء: ١٥٣]، قولهم أرنا الله جهرة" (٥).
وعن قتادة أيضا في قوله: " ﴿جهرة﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: عيانا" (٦). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٧).
قال ابن عباس: "إنما قالوا جهرةً: ﴿أرنا الله﴾، قال: هو مقدّم ومؤخر" (٨).
وعن ابن عباس أيضا , "أنه قال في قول الله: ﴿جهرة﴾ [النساء: ١٥٣] أي: علانية" (٩).
قال الطبري: " يعني: فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى ﵇، أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء، فقالوا له: " أرنا الله جهرة "، أي: عِيانًا نعاينه وننظر إليه، [وهذا] توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتابَ الذي سألوا رسول الله ﷺ أن ينزله عليهم من السماء، في مسألتهم إياه ذلك وتقريعٌ منه لهم. يقول الله لنبيه ﷺ : يا محمد، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك فإنهم من جهلهم بالله وجراءَتهم عليه واغترارهم بحلمه، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل واتخذوه إلهًا يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أرَاهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم" (١٠).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وجهين (١١):
أحدهما: أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإعْنَاتِ لا للاستبصار كما أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، ثم كفروا بعبادة العجل.
والثاني: أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم، كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم.
وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، قولان:
أحدهما: أنهم سألوه رؤيته جهرة، أي معاينة، وهذا اختيار الزجاج (١٢).
والمعنى: "أرنا رؤية بينة منكشفة ظاهرة، لأن من علم الله فقد زاد علما، ولكن سألوه رؤية يدركونها بأبصارهم، ودليل هذا القول قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] " (١٣).
стр. 3152
والثاني: أنهم قالوا: جهرة من القول: أّرِنا الله، فيكون على التقديم والتأخير، وهذا قول ابن عباس (١)، واختيار أبي عبيدة (٢).
قال ابو عبيدة: " قالوا جهرة: أرنا الله، لأنهم إذا رأوا الله فالسر جهرة، فإنما جهرة صفة لقولهم" (٣).
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " فجاءتهم من السماء نار فأهلكنهم بسبب ظلمهم" (٤).
قال أبو السعود: " أي: النار التى جاءت من السماء فأهلكتهم" (٥).
قال الطبري: " يقول: فصُعقوا بظلمهم أنفسهم. وظلمهم أنفسهم، كان مسألَتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته" (٦).
قال قتادة: " أخذتهم الصاعقة , أي ماتوا" (٧).
قال الربيع بن انس: " هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه , قال: سمعوا كلاما فصعقوا , يقول: ماتوا" (٨).
قال ابن شابور: "سمعت عروة بن رويم , يقول: سأل بنو إسرائيل موسى يعني أن يريهم الله جهرة , فأخبرهم أنهم لن يطيقوا ذلك , فأبوا , فسمعوا من الله فصعق بعضهم وبعض ينظرون , ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء" (٩).
وعن السدي، قوله: " ﴿جهرة فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء: ١٥٣]، والصاعقة: نار" (١٠).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، وجهين (١١):
أحدهما: بظلمهم لأنفسهم.
والثاني: بظلمهم في سؤالهم.
قال النسفي: " ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم فى سؤل الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كما نزل القرآن جملة ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال رب أرنى انظر اليك وما أخدته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم" (١٢).
وقرئ: " «الصعقة» (١٣).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " ثم اتخذوا العجل إِلهاً وعبدوه" (١٤).
قال السمعاني: " يعنى: إلها" (١٥).
قال الطبري: "يعني: ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرةً، بعد ما أحياهم الله فبعثهم من صعقتهم العجلَ الذي كان السامريُّ نبذ فيه ما نبذ من القبْضة التي قبضها من أثر فرس جبريل ﵇ إلهًا يعبدونه من دون الله" (١٦).
قال أبو العالية: " إنما سمي العجل , لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم" (١٧).
стр. 3153
عن مجاهد , "قوله: ﴿العجل﴾ [النساء: ١٥٣] حسيل البقر: ولد البقرة" (١).
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: "من بعد ما جاءتهم المعجزات والحجج الباهرات" (٢).
قال الطبري: " يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا، البينات من الله، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانًا جهارًا" (٣).
و﴿البينات﴾: "آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة، وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك: إصعاقُ الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم، مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالةً على ذلك" (٤).
قوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " فعفونا عن عبادتهم العجل" (٥).
قال البغوي: أي: " ولم نستأصلهم" (٦).
قال النسفي: " تفضلاً ولم نستأصلهم" (٧).
عن أبي العالية , "قوله: ﴿عفونا﴾ [النساء: ١٥٣]، يعني: من بعد ما اتخذوا العجل" (٨). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٩).
قال السمعاني: فيه استدعاء للتوبة، ومعناه: أن أولئك الذين اجترموا ذلك الإجرام، عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم، حتى نعفو عنكم" (١٠).
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه" (١١).
قال النسفي: " حجة ظاهرة على من خالفه" (١٢).
قال ابن ابي زمنين: أي: "حجة بيّنة" (١٣).
قال البغوي: " أي: حجة بينة من المعجزات، وهي الآيات التسع" (١٤).
قال السمعاني: أي: " حجة بينة من المعجزات" (١٥).
عن مجاهد , "قوله: ﴿وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾ [النساء: ١٥٣] يقول: حجة" (١٦).
الفوائد:
١ - تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإسلامية وكفرهم بها على علم إنها دعوة حق.
٢ - بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم.
القرآن
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾ [النساء: ١٥٤]
التفسير:
стр. 3154
ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة، وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فاعتدَوا، وصادوا، وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه.
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: " ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة ليقبلوه" (١).
قال محمد صديق خان القِنَّوجي: " أي: الجبل المسمى بالطور بسبب ميثاقهم ليعطوه لأنه روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع الله عليهم الطور فقبلوها" (٢).
قال الطبري: يعني: الجبل، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها ﴿بميثاقهم﴾، يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة" (٣).
قال النسفي: أي: " بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه" (٤).
قال ابن كثير: " وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف: ١٧١] " (٥).
قال أبو السعود: " ﴿بميثاقهم﴾، أي: بسبب ميثاقهم ليعطوه على ماروى أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله تعالى عليهم الطور فقبلوها أو ليخافوا فلا ينقضوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسب بما سيأتي من قوله : ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ " (٦).
قال السمعاني: " الطور: جبل الطور، والميثاق: العهد المؤكد باليمين" (٧).
عن مسلم البطين , في قوله: " ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ [النساء: ١٥٤] قال: رفعته الملائكة" (٨).
قال عطاء: " رفع فوقهم الجبل على بني إسرائيل , فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم" (٩).
قال مجاهد: "رُفِعَ الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا" (١٠).
قال السدي: " فلما أبوا أن يسجدوا , أمر الله الجبل أن يقع عليهم , فنظروا إليه وقد غشيهم , فسقطوا سجدا على شق ونظروا بالشق الآخر فرحمهم , فكشفه عنهم , فقالوا: ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم , فهم يسجدون كذلك , وذلك قول الله تعالى: ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ [النساء: ١٥٤] " (١١).
وذكر أهل التفسير في ﴿الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤]، أقاويل (١٢):
أحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين:
الأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (١٣).
وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١]، قال: " وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى ﵇ عنده نكليما" (١٤).
والثاني: إنه جبل بالشام (١٥)، قال ذو الرمة (١٦):
стр. 3155
أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ
قوله «طوريون»، أي: "وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام" (١).
والثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (٢)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (٣).
والرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (٤)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (٥)، وعطاء (٦)، وعكرمة (٧) والحسن (٨)، والضحاك (٩)، والربيع بن أنس (١٠)، وأبي صخر (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن زيد (١٣).
واختلف في الأصل اللغوي لكملة «الطور»، على وجهين:
الأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (١٤):
داني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر
والثاني: أنها كلمة سريانية تعني: «الجبل». قاله مجاهد (١٥)، وابن زيد (١٦).
والقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء «الطور» بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (١٧)، ومنه قول جرير (١٨):
فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل
قال القفال ﵀: إنما قال: «ميثاقكم»، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (١٩):
أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ثم يخرجكم طفلا﴾ [غافر: ٦٧] أي كل واحد منكم.
والثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: " وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم" (٢٠).