والثالث: أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتاباً من السماء بتصديقه، وهذا قول ابن جريج (١).
والصواب من القول أن يقال: "إن أهل التوراة سألوا رسولَ الله ﷺ أن يسأل ربه أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، آيةً معجزةً جميعَ الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدةً لرسول الله ﷺ بالصدق، آمرة لهم باتباعه، وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابًا مكتوبًا ينزل عليهم من السماء إلى جماعتهم وجائز أن يكون ذلك كتبًا إلى أشخاص بأعينهم. بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم، لذكر الله تعالى في خبره عنهم «الكتاب» بلفظ الواحد بقوله: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء﴾، ولم يقل «كتبًا» " (٢).
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى ﵇ ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً" (٣).
قال الزجاج: " أي فقد سألوا موسى بعد أن جاءهم بالآيات، فقالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾ " (٤).
عن قتادة: " ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك﴾ [النساء: ١٥٣]، قولهم أرنا الله جهرة" (٥).
وعن قتادة أيضا في قوله: " ﴿جهرة﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: عيانا" (٦). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٧).
قال ابن عباس: "إنما قالوا جهرةً: ﴿أرنا الله﴾، قال: هو مقدّم ومؤخر" (٨).
وعن ابن عباس أيضا , "أنه قال في قول الله: ﴿جهرة﴾ [النساء: ١٥٣] أي: علانية" (٩).
قال الطبري: " يعني: فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى ﵇، أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء، فقالوا له: " أرنا الله جهرة "، أي: عِيانًا نعاينه وننظر إليه، [وهذا] توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتابَ الذي سألوا رسول الله ﷺ أن ينزله عليهم من السماء، في مسألتهم إياه ذلك وتقريعٌ منه لهم. يقول الله لنبيه ﷺ : يا محمد، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك فإنهم من جهلهم بالله وجراءَتهم عليه واغترارهم بحلمه، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل واتخذوه إلهًا يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أرَاهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم" (١٠).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وجهين (١١):
أحدهما: أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإعْنَاتِ لا للاستبصار كما أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، ثم كفروا بعبادة العجل.
والثاني: أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم، كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم.
وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، قولان:
أحدهما: أنهم سألوه رؤيته جهرة، أي معاينة، وهذا اختيار الزجاج (١٢).
والمعنى: "أرنا رؤية بينة منكشفة ظاهرة، لأن من علم الله فقد زاد علما، ولكن سألوه رؤية يدركونها بأبصارهم، ودليل هذا القول قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] " (١٣).
стр. 3152
والثاني: أنهم قالوا: جهرة من القول: أّرِنا الله، فيكون على التقديم والتأخير، وهذا قول ابن عباس (١)، واختيار أبي عبيدة (٢).
قال ابو عبيدة: " قالوا جهرة: أرنا الله، لأنهم إذا رأوا الله فالسر جهرة، فإنما جهرة صفة لقولهم" (٣).
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " فجاءتهم من السماء نار فأهلكنهم بسبب ظلمهم" (٤).
قال أبو السعود: " أي: النار التى جاءت من السماء فأهلكتهم" (٥).
قال الطبري: " يقول: فصُعقوا بظلمهم أنفسهم. وظلمهم أنفسهم، كان مسألَتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته" (٦).
قال قتادة: " أخذتهم الصاعقة , أي ماتوا" (٧).
قال الربيع بن انس: " هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه , قال: سمعوا كلاما فصعقوا , يقول: ماتوا" (٨).
قال ابن شابور: "سمعت عروة بن رويم , يقول: سأل بنو إسرائيل موسى يعني أن يريهم الله جهرة , فأخبرهم أنهم لن يطيقوا ذلك , فأبوا , فسمعوا من الله فصعق بعضهم وبعض ينظرون , ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء" (٩).
وعن السدي، قوله: " ﴿جهرة فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء: ١٥٣]، والصاعقة: نار" (١٠).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، وجهين (١١):
أحدهما: بظلمهم لأنفسهم.
والثاني: بظلمهم في سؤالهم.
قال النسفي: " ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم فى سؤل الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كما نزل القرآن جملة ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال رب أرنى انظر اليك وما أخدته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم" (١٢).
وقرئ: " «الصعقة» (١٣).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " ثم اتخذوا العجل إِلهاً وعبدوه" (١٤).
قال السمعاني: " يعنى: إلها" (١٥).
قال الطبري: "يعني: ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرةً، بعد ما أحياهم الله فبعثهم من صعقتهم العجلَ الذي كان السامريُّ نبذ فيه ما نبذ من القبْضة التي قبضها من أثر فرس جبريل ﵇ إلهًا يعبدونه من دون الله" (١٦).
قال أبو العالية: " إنما سمي العجل , لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم" (١٧).
стр. 3153
عن مجاهد , "قوله: ﴿العجل﴾ [النساء: ١٥٣] حسيل البقر: ولد البقرة" (١).
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: "من بعد ما جاءتهم المعجزات والحجج الباهرات" (٢).
قال الطبري: " يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا، البينات من الله، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانًا جهارًا" (٣).
و﴿البينات﴾: "آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة، وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك: إصعاقُ الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم، مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالةً على ذلك" (٤).
قوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " فعفونا عن عبادتهم العجل" (٥).
قال البغوي: أي: " ولم نستأصلهم" (٦).
قال النسفي: " تفضلاً ولم نستأصلهم" (٧).
عن أبي العالية , "قوله: ﴿عفونا﴾ [النساء: ١٥٣]، يعني: من بعد ما اتخذوا العجل" (٨). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٩).
قال السمعاني: فيه استدعاء للتوبة، ومعناه: أن أولئك الذين اجترموا ذلك الإجرام، عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم، حتى نعفو عنكم" (١٠).
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: " وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه" (١١).
قال النسفي: " حجة ظاهرة على من خالفه" (١٢).
قال ابن ابي زمنين: أي: "حجة بيّنة" (١٣).
قال البغوي: " أي: حجة بينة من المعجزات، وهي الآيات التسع" (١٤).
قال السمعاني: أي: " حجة بينة من المعجزات" (١٥).
عن مجاهد , "قوله: ﴿وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾ [النساء: ١٥٣] يقول: حجة" (١٦).
الفوائد:
١ - تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإسلامية وكفرهم بها على علم إنها دعوة حق.
٢ - بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم.
القرآن
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾ [النساء: ١٥٤]
التفسير:
стр. 3154
ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة، وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فاعتدَوا، وصادوا، وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه.
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: " ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة ليقبلوه" (١).
قال محمد صديق خان القِنَّوجي: " أي: الجبل المسمى بالطور بسبب ميثاقهم ليعطوه لأنه روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع الله عليهم الطور فقبلوها" (٢).
قال الطبري: يعني: الجبل، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها ﴿بميثاقهم﴾، يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة" (٣).
قال النسفي: أي: " بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه" (٤).
قال ابن كثير: " وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف: ١٧١] " (٥).
قال أبو السعود: " ﴿بميثاقهم﴾، أي: بسبب ميثاقهم ليعطوه على ماروى أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله تعالى عليهم الطور فقبلوها أو ليخافوا فلا ينقضوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسب بما سيأتي من قوله : ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ " (٦).
قال السمعاني: " الطور: جبل الطور، والميثاق: العهد المؤكد باليمين" (٧).
عن مسلم البطين , في قوله: " ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ [النساء: ١٥٤] قال: رفعته الملائكة" (٨).
قال عطاء: " رفع فوقهم الجبل على بني إسرائيل , فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم" (٩).
قال مجاهد: "رُفِعَ الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا" (١٠).
قال السدي: " فلما أبوا أن يسجدوا , أمر الله الجبل أن يقع عليهم , فنظروا إليه وقد غشيهم , فسقطوا سجدا على شق ونظروا بالشق الآخر فرحمهم , فكشفه عنهم , فقالوا: ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم , فهم يسجدون كذلك , وذلك قول الله تعالى: ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ [النساء: ١٥٤] " (١١).
وذكر أهل التفسير في ﴿الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤]، أقاويل (١٢):
أحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين:
الأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (١٣).
وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١]، قال: " وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى ﵇ عنده نكليما" (١٤).
والثاني: إنه جبل بالشام (١٥)، قال ذو الرمة (١٦):
стр. 3155
أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ
قوله «طوريون»، أي: "وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام" (١).
والثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (٢)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (٣).
والرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (٤)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (٥)، وعطاء (٦)، وعكرمة (٧) والحسن (٨)، والضحاك (٩)، والربيع بن أنس (١٠)، وأبي صخر (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن زيد (١٣).
واختلف في الأصل اللغوي لكملة «الطور»، على وجهين:
الأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (١٤):
داني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر
والثاني: أنها كلمة سريانية تعني: «الجبل». قاله مجاهد (١٥)، وابن زيد (١٦).
والقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء «الطور» بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (١٧)، ومنه قول جرير (١٨):
فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل
قال القفال ﵀: إنما قال: «ميثاقكم»، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (١٩):
أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ثم يخرجكم طفلا﴾ [غافر: ٦٧] أي كل واحد منكم.
والثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: " وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم" (٢٠).
стр. 3156
قال أبو السعود: أي: " على لسان موسى ﵇ والطور مظل عليهم: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾، أي: متطامنين خاضعين" (١).
قال الطبري: " يعني: «باب حِطّة»، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم" (٢).
قال النسفي: أي: " والطور مظل عليهم: ﴿ادخلوا الباب سُجَّداً﴾، أي: ادخلوا باب ايلياء مطأطئين عند الدخول رؤسكم" (٣).
قال ابن كثير: " أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجدا، وهم يقولون: حطة. أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة. فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعرة" (٤).
قال السمعاني: " قيل: إنهم سجدوا على أنصاف وجوههم، حتى دخلوا الباب، وفي القصة: أنهم قالوا: بهذا السجود رفع العذاب عنا، فلا نترك هذا السجود، وكانوا يسجدون بعد ذلك على أنصاف وجوههم" (٥).
عن ابن عباس , في قوله: " ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [النساء: ١٥٤] قال: من باب صغير" (٦).
وروي عكرمة: عن ابن عباس: "كان الباب قبل القبلة" (٧).
قال مجاهد: " باب الحطة من باب إيلياء من بيت المقدس" (٨). وروي عن الضحاك , والسدي نحو ذلك (٩).
عن ابي هريرة: قال رسول الله ﷺ : " قال الله تعالى لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [النساء: ١٥٤] فدخلوا الباب يزحفون على أستائهم " (١٠).
قال ابن عباس: " ركعا من باب صغير , فدخلوا من قبل استائهم" (١١).
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: " فدخلوا على شق" (١٢).
وقال الربيع: " وكان سجود أحدهم على خده" (١٣).
وقال ابن مسعود: ": قيل لهم: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ , فدخلوا مقنعي رءوسهم" (١٤).
واختلفوا في «الباب» في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ (باب حِطَّةَ)، وهذا قول ابن عباس (١٥)، ومجاهد (١٦)، والسدي (١٧)، والضحاك (١٨)، وقتادة (١٩)، واختاره الطبري (٢٠)، وهو المشهور.
والثاني: أنه باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل.
والثالث: أنه باب القرية، التي أمروا بدخولها (٢١).
стр. 3157
واختلفوا في قوله ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، على وجهين (١):
أحدهما: أن معناه: رُكَّعاً، منحنين ركوعا. وهذا قول ابن عباس (٢).
والثاني: أن معناه: متواضعين خشوعا، لا على هيئة متعينة.
والقول الأول أشبه بالصواب: وأصل (السجود) الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو (ساجد) ومنه قول زيد الخيل بن مهلهل الطائي (٣):
بَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ ... تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ
فقوله: "سجدا"، أي: خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة (٤):
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ ... كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً
فذلك تأويل ابن عباس قوله: ﴿سجدا﴾، ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه (٥).
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: " وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فخالفوا واصطادوا" (٦).
قال الطبري: أي: " لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم" (٧).
قال أبو السعود: " أي: لاتظلموا باصطياد الحيتان ﴿فى السبت﴾ " (٨).
قال ابن كثير: " أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرّم الله عليهم، ما دام مشروعًا لهم" (٩).
قال النسفي: أي: " لا تجاوزوا الحد" (١٠).
قال الماتريدي: لا" تعملوا في السبت عملا من الدنيا، وتفرغوا فيه للعبادة" (١١).
قال قتادة: " أمر القوم أن يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا , وأحلت لهم ما خلا ذلك" (١٢).
عن صفوان بن عسال المرادي: " أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر: لا تقل نبي فإنه لو سمع صارت أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود" (١٣).
стр. 3158
قرأ نافع ﴿لا تَعَدُّوا﴾، بتسكين العين وتشديد الدال، من الاعتدا، وروى عنه ورش: ﴿لا تعدوا﴾، بفتح العين وتشديد الدال، وقرأ الباقون: ﴿لا تعدو﴾، خفيفة ساكنة العين، من عَدَوت، وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه، فيكون تعديهم فيه - على تأويل القراءة الثانية - ترك واجباته (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: " وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه" (٢).
قال أبو مالك: " ﴿غليظا﴾، يعني: شديدا" (٣).
قال النسفي: أي: " عهداً مؤكداً" (٤).
قال ابن عرفة: " أي: لَا يقبل الحل شرعا" (٥).
قال ابن كثير: " أي: شديدا، فخالفوا وعَصَوْا وتحيلوا على ارتكاب مناهى الله، ، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦] الآيات" (٦).
قال أبو السعود: أي: " على الامتثال بما كلفوه ﴿ميثاقا غليظا﴾ مؤكدا وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في التوراة، قيل إنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد" (٧).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، وجهين (٨):
أحدهما: أنه العهد بعد اليمين.
والثاني: أن بعض اليمين ميثاق غليظ.
قال الطبري: " يعني: عهدًا مؤكدًا شديدًا، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عما نهاهم الله عنه، مما ذكر في هذه الآية، ومما في التوراة" (٩).
الفوائد:
١ - بيان عناد اليهود وعصيانهم على الرغم من رؤيتهم للآيات.
٢ - أن نقض اليهود للعهود والمواثيق أصبح طبعاً لهم لا يفارقهم أبداً، ولذا وجب عدم الثقة في عهودهم ومواثيقهم.
٣ - ويستفاد من الآية: ان الله أرسل الرسل والأنبياء ليذكروا العباد بالميثاق الغليظ، وهو أعظم ميثاق على الإطلاق، ألا وهو ميثاق الإيمان والتوحيد، والله أخذ الميثاق الأول على بني آدم حينما أخرجهم جميعاً من صلب آدم: أن يكونوا موحدين لا مشركين.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
القرآن
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]
التفسير:
стр. 3159
فلعنَّاهم بسبب نقضهم للعهود، وكفرهم بآيات الله الدالة على صدق رسله، وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً، وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول، بل طمس الله عليها بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: " فبسبب نقضهم للعهود لعنّاهم وأذللناهم" (١).
قال الفراء: " المعنى: فبنقضهم" (٢).
قال قتادة: " فبنقضهم ميثاقهم" (٣).
قال مقاتل: " يعني: فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة" (٤).
قال الطبري: أي: " فبنقض هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم من أهل الكتاب، عهودهم التي عاهدوا الله أن يعملوا بما في التوراة" (٥).
قال القرطبي: " ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي ﷺ " (٦).
قال الزجاج: " وتأويل «نقضهم ميثاقهم»، أن الله أخذ عليهم الميثاق في أن يبينوا ما أنزل عليهم من ذكر النبي ﷺ – وغيره، قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] " (٧).
قوله تعالى: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: "وبجحودهم بآيات الله الدالة على صدق رسله" (٨).
قال مقاتل: " يعني: الإنجيل والقرآن، وهم اليهود" (٩).
قال السمرقندي: " يعني: بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم" (١٠).
قال الطبري: "يقول: وجحودهم بأعلام الله وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله وحقيقة ما جاءوهم به من عنده" (١١).
قال مجاهد: " الآيات: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ويده وعصاه" (١٢).
وفي حرف ابن مسعود ﵁: " وكفرهم بآيات الله من بعد ما تبينت " (١٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: " وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً" (١٤).
قال السمرقندي: " يعني: وبقتلهم الأنبياء بغير جرم" (١٥).
قال الطبري: " يقول: وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بنبوّتهم، بغير استحقاق منهم ذلك لكبيرة أتوها، ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها " (١٦).
قال ابن مسعود: " كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق لهم من آخر النهار" (١٧).
ذكر الماتريدي عن ابن عباس ﵁: قال: " كانوا يقتلون الأنبياء، وأما الرسل ﵈ فكانوا معصومين، لم يقتل رسول قط؛ ألا ترى أنه قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ (١٨)، وقال : ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (١٩) " (٢٠).
стр. 3160
قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: " وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول" (١).
قال السمرقندي: " يعني: ذا غلاف ولا نفقه حديثك" (٢).
قال الطبري: " يعني: وبقولهم: ﴿قلوبنا غلف﴾، يعني: يقولون: عليها غِشاوة وأغطِية عما تدعونا إليه، فلا نفقَه ما تقول ولا نعقله " (٣).
قال مقاتل: " وذلك حين سمعوا من النبي- ﷺ ﴿وقتلهم الأنبياء﴾، عرفوا أن الذي قال لهم النبي- ﷺ حق، وقالوا: ﴿قلوبنا غلف﴾، يعني: في أكنة عليها الغطاء فلا تفقه ولا تفهم ما تقول يا محمد، كراهية ما سمعوا من النبي- ﷺ من كفرهم بالإنجيل والفرقان" (٤).
قال ابن عباس: " إنما سمي القلب لتقلبه" (٥).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [النساء: ١٥٥]، وجوه:
أحدها: أنها في غطاء ومحجوبة عن فهم الإعجاز ودلائل التصديق، وهذا قول ابن عباس في رواية علي بن ابي طلحة، ومجاهد (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وعكرمة (٨)، والسدي (٩)، وقتادة في رواية معمر (١٠)، وهو بعض البصريين (١١).
والثاني: يعني: أنها أوعية للعلم ومملوءة علما، لانحتاج إلى علم محمد ولا غيره. وهذا قول ابن عباس (١٢)، وعطية العوفي (١٣)، وعطاء الخرساني (١٤)، والزجاج (١٥).
قال الماوردي: "فيكون ذلك منهم على التأويل الأول إعراضاً، وعلى التأويل الثاني إبطالاً" (١٦).
والثالث: أنها لا تفقه. وهذا قول أبي العالية (١٧)، وقتادة في رواية ابن أبي عروبة (١٨).
والرابع: أنها أوعية للمنكر. وهذا قول عطية (١٩).
والخامس: أنها لم تختن. وهذا قول الحسن (٢٠).
والسادس: أن عليها طابع. وهذا قول عكرمة (٢١).
والسابع: أنها أوعية للخير. وهذا قول عوف (٢٢).
وقرأ بعضهم: «غلف»، بضم اللام (٢٣).
قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: " بل طمس الله عليها بسبب كفرهم" (٢٤).
стр. 3161
قال أبو مالك: " ﴿بل طبع الله﴾، يعني: ختم الله" (١).
قال السمرقندي: " يعني: ختم الله على قلوبهم بكفرهم" (٢).
قال عوف: "بلغني في قول الله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾، قال: قالوا: قلوبنا أوعية للخير، فأكذبهم الله وقال: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ " (٣).
قال قتادة: " لما بدل القوم أمر الله وقتلوا رسله وكفروا بكتابه ونقضوا الميثاق الذي عليهم، طبع الله على قلوبهم حين فعلوا ذلك" (٤).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وجهان:
أحدهما: أنه جعل فيها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع، وهو قول بعض البصريين (٥).
الثاني: ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبداً ولا تطيع مرشداً، إذ جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم. وهذا قول الزجاج (٦).
قال الزمخشري: قوله: " ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، رد وإنكار لقولهم (قلوبنا غلف) فكان متعلقا به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: ﴿قلوبنا غلف﴾ أن الله خلق قلوبنا غلفا، أى في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] ... ، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفا غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله" (٧).
قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: " فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم" (٨).
قال السمرقندي: " أي" لا يؤمنون إلا قليل منهم" (٩).
قال النسفي: " كعبد الله بن سلام وأصحابه" (١٠).
قال القرطبي: " أي: إلا إيمانا قليلا، أي: ببعض الأنبياء، وذلك غير نافع لهم" (١١).
وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، ثلاثة وجوه:
أحدها: أن القليل منهم يؤمن بالله. وهذا قول قتادة (١٢).
الثاني: لا يؤمنون إلا بقليل، وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون جميعهم (١٣).
والثالث: وقال مقاتل: " يقول: ما أقل ما يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون البتة" (١٤).
الفوائد:
١ - بيان جرائم اليهود.
٢ - نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بها في التوراة.
٣ - قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر أن لا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم فران عليها الران فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ والباء سببية والميم صلة والأصل، فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً﴾ أي: إيماناً قليلاً؛ كلإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلاً.
стр. 3162
القرآن
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٦]
التفسير:
وكذلك لعنَّاهم بسبب كفرهم وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهي بريئة منه.
سبب النزول:
قال السمرقندي: " ثم قال تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾، وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال: كان ابن عمها، فأنزل الله تعالى إكذابا لقولهم وبين بهتانهم فقال: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ " (١).
قوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٦]، أي: " وكذلك لعنَّاهم بسبب كفرهم" (٢).
قال السمرقندي: " يعني: لعنهم الله وخذلهم بذلك" (٣).
قال البيضاوي: يعني: " بعيسى ﵊، وهو معطوف على بكفرهم لأنه من أسباب الطبع، أو على قوله: فبما نقضهم ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا بتكرر كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام" (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]، أي: " وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهي بريئة منه" (٥).
قال ابن عباس: "يعني: أنهم رموها بالزنا" (٦).
قال السدي: " حين قذفوها بالزنا" (٧).
قال جوبير: " قالوا: زنت" (٨).
قال البيضاوي: " يعني: نسبتها إلى الزنا" (٩).
قال الطبري: " يعني: بفريتهم عليها، ورميهم إياها بالزنا، وهو «البهتان العظيم»، لأنهم رموها بذلك، وهي مما رموها به بغير ثَبَتٍ ولا برهان بريئة، فبهتوها بالباطل من القول" (١٠).
قال مقاتل: " وذلك أن اليهود قذفوا مريم- ﵍ بيوسف بن ماثان بالزنا وكان ابن عمها وكان قد خطبها، ومريم ابنة عمران بن ماثان" (١١).
قال الزجاج: " البهتان: الكذب الذي يحير من شذته وعظمه، وذلك أن إليهود - لعنها
الله - رمت مريم، وهي صفوة الله على نساء العالمين، بأمر عظيم" (١٢).
الفوائد:
١ - كفرهم بآيات الله والمنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد ﷺ .
٢ - قولهم على مريم بهتاناً عظيماً حيث رموها بالفاحشة، وقالوا عيسى ابن مريم ابن زنى لعنهم الله.
القرآن
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ [النساء: ١٥٧]
التفسير:
стр. 3163
وبسبب قولهم -على سبيل التهكم والاستهزاء-: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوا عيسى وما صلبوه، بل صلبوا رجلا شبيهًا به ظنًّا منهم أنه عيسى. ومن ادَّعى قَتْلَهُ من اليهود، ومن أسلمه إليهم من النصارى، كلهم واقعون في شك وحَيْرَة، لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن، وما قتلوه متيقنين بل شاكين متوهمين.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: " وبسبب قولهم -على سبيل التهكم والاستهزاء-: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله" (١).
قال ابن كثير: " أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب: قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] " (٢).
قال قتادة: " أولئك أعداء الله ابتهروا بقتل نبي الله عيسى، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه" (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، قولان (٤):
أحدهما: أنه من قول اليهود، بمعنى رسول الله في زعمه.
والثاني: أنه من قول الله تعالى لا على وجه الإخبار عنهم، وتقديره: الذي هو رسولي. وهذا قول مقاتل (٥).
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: " وما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من أُلقي عليه شَبَههُ" (٦).
قال ابن كثير: " أي: رأوا شبهه فظنوه إياه" (٧).
قال مجاهد: " صلبوا رجلا غير عيسى يحسبونه إياه" (٨).
عن الحسن قال: "قال رسول الله ﷺ -لليهود: «إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» " (٩).
وفيمن ألقي عليه شبهه قولان:
أحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح (١٠)، مقاتل (١١)، وأبي سليمان (١٢).
قال مقاتل: " وكان الله- قد جعله [أي: الشبيه المقتول] على صورة عيسى فقتلوه، وكان المقتول لطم عيسى، وقال لعيسى حين لطمه: أتكذب على الله حين تزعم أنك رسوله. فلما أخذه اليهود ليقتلوه قال لليهود: لست بعيسى أنا فلان، واسمه يهوذا فكذبوه، وقالوا له: أنت عيسى، وكانت اليهود جعلت المقتول رقيبا على عيسى- ﷺ فألقى الله- تعالى ذكره- شبهه على الرقيب فقتلوه" (١٣).
قال محمد بن مروان: "ويقال أن الله وضع في شبه من عيسى على وجه ططيانوس ولم يلق عليه شبه جسده وخلقه، فلما قتلوه نظروا إليه، فقالوا: إن الوجه وجه عيسى وإنما هو ططيانوس، وقد قيل إن الذي شبه لعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي وكان يقال له إيشوع بن مدين" (١٤).
والثاني: أنه رجل من أصحاب عيسى، وذلك عندما سأل عيسى من كان معه في البيت أن يلقى على بعضهم شَبهه، فانتدب لذلك رجل، فألقي عليه شبهه، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى ابن مريم ﵇. وهذا قول ابن عباس (١٥)، وقتادة (١٦)، ووهب بن منبه (١٧)، والسدي (١٨)، وابن أبي بزة (١٩)، وابن إسحاق (٢٠)، وابن جريج (٢١).
стр. 3164
قال ابن عباس: " لما أراد الله تعالى أن يرفع عيسى إلى السماء، .، فخرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين يعني فخرج عيسى من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب، أنا، فقال: أنت هو ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه، فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن ما شاء الله ثم رفعه إليه، فهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ " (١).
قال وهب بن منبه: "أُتِي عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، وأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليهم صوَّرهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا! لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعًا! فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا! فخرج إليهم، فقال: أنا عيسى وقد صوّره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك" (٢).
وروي عن وهب بن منبه أيضا: " إن عيسى ابن مريم ﵇ لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشَّاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضِّئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا مَن ردَّ علي شيئًا الليلة مما أصنع، فليس مني ولا أنا منه! فأقرُّوه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمَّا ما صنعت بكم الليلة، مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أنّي خيركم، فلا يتعظَّم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه، كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء: أن يؤخِّر أجلي. فلما نَصَبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاءً. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السَّمَر، وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب بالراعي وتتفرق الغنم! وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعَى به نفسه. ثم قال: الحقَّ، ليكفرنَّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنِّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، فقالوا: هذا من أصحابه! فجحد وقال: ما أنا بصاحبه! فتركوه، ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم عليه. وكان شبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجّي نفسك من هذا الحبل؟ ! ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبِّه لهم، فمكث سبعًا.
ثم إنّ أمَّه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ قالتا: عليك! فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبِّه لهم، فأْمُرَا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقَد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه.
стр. 3165
فقال: لو تابَ لتابَ الله عليه! ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له: يُحَنَّى فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كلّ إنسان منكم يحدِّث بلغة قوم، فلينذِرْهم وَلْيدعهم " (١).
قال ابن كثير: "وكان من خبر اليهود - عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه - أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهَدُ طيرانه بإذن الله، ، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسَعَوْا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه، ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان - وكان رجلا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان - وأنهوا إليه: أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه على الناس. فلما وصل الكتاب امتثل مُتَولِّي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، ﵇، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا عشر أو ثلاثة عشر - وقيل: سبعة عشر نفرًا - وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه، أو خروجه عليهم قال لأصحابه: أيكم يُلْقَى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتَدَب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا يَنْتَدبُ إلا ذلك الشاب - فقال: أنت هو - وألقى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة من سقف البيت، وأخذت عيسى ﵇ سِنةٌ من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [آل عمران: ٥٥]، فلما رفع خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، فأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.
وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى - وهو أصدق القائلين، ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ " (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: " وإِن الذين اختلفوا في شأن عيسى لفي شك من قتله" (٣).
قال ابن كثير: " يعني بذلك: من ادعى قتله من اليهود، ومن سَلَّمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسُعُر" (٤).
قال محمد بن إسحاق: " أي: حين اختلفوا في العدة من أصحابه" (٥).
وفي «المختلفين» في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧]، قولان:
القول الأول: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان:
أحدهما: أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟ وفي سبب اختلافهم في ذلك ثلاثة أقوال (٦):
أحدها: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه كان الشبه قد ألقي على وجهه دون جسده، فقالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب (٧).
стр. 3166
والثاني: أنهم قالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا، فأين عيسى؟ يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي (١)، والكلبي (٢).
والثالث: أن ختلافهم فيه: فاليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه. وقالت طائفة من النصارى: بل نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم: ما قتلوه هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إليه [ونحن ننظر إليه] وقال الذين لما قتل ططيانوس: ألم تروا إنه قتل وصلب فهذا اختلافهم وشكهم. وهذا قول الكلبي أيضا (٣).
والثاني: أن «الهاء» كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم: هو ولد زنى، وقول بعضهم، هو ساحر.
والقول الثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان (٤):
أحدهما: أنها ترجع إلى قتله، هل قتل أم لا؟
والثاني: أنها ترجع إليه، هل هو إله أم لا؟
وفي الهاء في قوله تعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧]، قولان (٥):
أحدهما: أنها ترجع إلى قتله.
والثاني: إلى نفسه، هل هو إله، أم لغير رشدة (٦)، أم هو ساحر؟
قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: " لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن" (٧).
قال الحسن: " ما استيقنته أنفسهم، ولكن ظنا منهم" (٨).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ما استيقنوا بقتله إلا اتباع الظن" (٩).
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: " وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين" (١٠).
قال ابن عباس: " يعني: لم يقتلوا ظنهم يقينا" (١١).
قال محمد بن إسحاق: " وما قتلوه يقينا عندهم علمهم" (١٢).
قال الطبري: " يقول: وما قتلوا - هذا الذي اتبعوه في المقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى - يقينًا أنه عيسى ولا أنه غيره، ولكنهم كانوا منه على ظنّ وشبهةٍ" (١٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، أربعة وجوه:
أحدها: ما قتلوا ظنهم يقينا، ً كقول القائل: ما قتلته علماً، وهذا قول ابن عباس (١٤)، وجويبر (١٥).
والثاني: ما قتلوا العلم به يقينا، تقول: قتلته يقينا، وقتلته علما للرأي والحديث. هذا قول الفراء (١٦)، وابن قتيبة (١٧).
قال ابن قتيبة: "يعني: العلم، لم يتحقّقوه ويستيقنوه، وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة. يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنّا، قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ
стр. 3167
هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: ١٤٦]، أي: كلّ ذي مخلب من الطير، وكلّ ذي حافر من الدّواب كذلك قال المفسّرون" (١).
والثالث: وما قتلوا أمره يقيناً أن الرجل هو المسيح أو غيره، وهذا قول السدي (٢).
والرابع: وما قتلوه حقاً، وهو قول الحسن (٣).
وقال ابن الأنباري: " «اليقين» مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما قتلوه، بل رفعه الله إليه يقينا" (٤).
الفوائد:
١ - قتلهم الأنبياء؛ كزكريا ويحي وغيرهم وهو كثير في عهود متباينة.
٢ - بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى ﵇.
القرآن
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٨]
التفسير:
بل رفع الله عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا، وطهَّره من الذين كفروا. وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره وقضائه.
قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، أي: " بل رفع الله عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا" (٥).
قال الطبري: " يعني: بل رفع الله المسيح إليه. يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن الله رفعه إليه فطهَّره من الذين كفروا" (٦).
قال مجاهد: " رفع الله إليه عيسى حيا" (٧).
عن أبي زرعة الشيباني: " أن عيسى بن مريم رفع من جبل طور زيتا، قال: بعث الله ريحا فخفقت به حتى هرول، ثم رفعه الله إلى السماء" (٨).
قال ابن عباس: " ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ (٩)، قال: ثلاثة وثلاثين سنة، وهو الذي رفع عليه عيسى بن مريم ﵇" (١٠).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وجهان:
أحدهما: أنه رفعه إلى موضع لا يجري عليه حكم أحد من العباد، فصار رفعه إلى حيث لا يجري عليه حكم العباد رفعاً إليه، وهذا قول بعض البصريين (١١).
والثاني: أنه رفعه إلى السماء، وهو قول الحسن (١٢)، ومجاهد (١٣).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، أي: " وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره وقضائه" (١٤).
قال القرطبي: " أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة. ﴿حكيما﴾، حكم عليهم باللعنة والغضب" (١٥).
стр. 3168
قال ابن كثير: " أي منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم" (١).
قال الطبري: " يعني: ولم يزل الله منتقمًا من أعدائه، كانتقامه من الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه الذين قصّ قصتهم بقوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله﴾، ﴿حكيمًا﴾، يقول: ذا حكمة في تدبيره وتصريفه خلقَه في قضائه، يقول: فاحذروا أيها السائلون محمدًا أن ينزل عليكم كتابًا من السماء، من حلول عقوبتي بكم، كما حل بأوائلكم الذين فعلوا فعلكم، في تكذيبهم رسلي وافترائهم على أوليائي" (٢).
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: أرأيت قول الله: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾، قال ابن عباس: كذلك كان ولم يزل" (٣).
وفي رواية اخرى: " أما قوله: ﴿وكان﴾، فإنه لم يزل ولا يزال وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن ... ، بكل شيء عليم" (٤).
وفي رواية اخرى: " ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾، قال: معنى ذلك: أنه كذلك" (٥).
وعن ابن عباس أيضا: "قال يهودي: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما، فكيف هو اليوم؟ قال ابن عباس: إنه كان من نفسه عزيزا حكيما" (٦).
الفوائد:
١ - تقرير رفع عيسى ﵇ إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا.
٢ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى: «العزيز»، «الحكيم»:
ومعنى "العزة"؛ أي: المنعة والغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]؛ أي: غلبني وقهرني، ومن أمثال العرب: "من عز بز"؛ أي: من غلب استلب (٧).
و«الحكيم»: إما فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ذو الحكم، وهو القضاء على الشيء بأنه كذا أو ليس كذا، أو فعيل بمعنى مفعل، وهو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل: لحكيم ذو الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم " (٨).
وهو تعالى «الحكيم»: الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم والاطّلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلْقه وأمره، فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال، وحكمته نوعان (٩):
النوع الأول: الحكمة في خلقه؛ فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملاً على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به.
لنوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه.
القرآن
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩]
التفسير:
وإنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى آخر الزمان إلا آمن به قبل موته ﵇، ويوم القيامة يكون عيسى ﵇ شهيدًا بتكذيب مَن كذَّبه، وتصديق مَن صدَّقه.
стр. 3169
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، أي: " وإنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى آخر الزمان إلا آمن به قبل موته ﵇" (١).
قال ابن عباس: " يعني: أنه سيدرك أناسٌ من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به ﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا﴾ " (٢).
قال الزمخشري: " المعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعنى: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف" (٣).
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ابن مريم. قال: وإن ضُرب بالسيف، يتكلم به. قال: وإن هوى، يتكلم به وهو يَهْوِي" (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، ثلاثة أقوال:
أحدها: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء لقتل الدجّال، وهذا قول ابن عباس (٥)، وأبي مالك (٦)، والحسن (٧)، وقتادة (٨)، وابن زيد (٩).
والثاني: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم، وهذا قول ابن عباس أيضا (١٠)، والحسن (١١)، ومجاهد (١٢)، والضحاك (١٣)، وعكرمة-في إحدى الروايات- (١٤)، وابن سيرين (١٥)، والسدي (١٦)، وجويبر (١٧).
والثالث: إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، وهذا قول عكرمة (١٨).
ورجّح الطبري القول الاول، وقال: "وأولى الأقوال بالصحة والصواب، قول من قال: تأويل ذلك: «وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى»، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان، في الموارثة والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة. فلو كان كل كتابيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على مِلّته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم. وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغٌ مسلم، كان ميراثه مصروفًا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغَسْله وتقبيره، لأن من مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمد وبجميع الرسل. وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين صلوات الله عليهم، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به، مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله. كما أن المؤمن بمحمد، مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله. فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمد مكذِّبًا" (١٩).
قال ابن كثير: " فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره يَتَجَلي له، كان جاهلا به،
стр. 3170
فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية [النساء: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأَسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآيتين: [غافر: ٨٤، ٨٥]، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول، حيث قال: «ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح، ممن كفر بهما - يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته» (١) " (٢).
قال ابن كثير: "فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق أو ضُرب بسيف أو افترسه سَبُع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى" فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه.
ومن تأهل هذا جيدًا وأمعن النظر، اتضح له أن هذا، وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المرادُ بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه وتضادّت وتعاكست وتناقضت، وخلت عن الحق، ففرّط هؤلاء اليهود وأفرط هؤلاء النصارى: تَنَقَّصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه بما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتَقَدّس لا إله إلا هو" (٣).
وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: "آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها، يعنى: هذه الآية، وقال إنى أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا يا عدو الله، أتاك موسى نبيا فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبى. وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه. قال: وكان متكئا فاستوى جالسا فنظر إلى وقال: ممن؟ قلت: حدثني محمد بن على بن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها. قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن على بن الحنفية. قال: أردت أن أغيظه، يعنى بزيادة اسم على، لأنه مشهور بابن الحنفية" (٤).
روي عن أبي هريرة: "أن نبيَّ الله ﷺ قال: الأنبياء إخوة لعَلاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ. وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ. وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربُوع الخَلق، إلى الحمرة والبياض، سَبْط الشعر، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بَلل، بين ممصَّرتين، فيدُقّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلَّها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضلالة الكذابَ الدجال، وتقع الأمَنَة في الأرض في زمانه، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغِلمان أو: الصبيان بالحيات، لا يضرُّ بعضهم بعضًا. ثم يلبث في الأرض ما شاء الله وربما قال: أربعين سنة ثم يتوفَّى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه" (٥).
قال الزمخشري: [إن] قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟
قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]، أي: " ويوم القيامة يكون عيسى ﵇ شهيدًا بتكذيب مَن كذَّبه، وتصديق مَن صدَّقه" (٧).
стр. 3171
قال ابن كثير: " أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض" (١).
قال الطبري: أي: " ويوم القيامة يكون عيسى على أهل الكتاب ﴿شهيدًا﴾، يعني: شاهدًا عليهم بتكذيب من كذَّبه منهم، وتصديق من صدقه منهم، فيما أتاهم به من عند الله، وبإبلاغه رسالة ربه" (٢).
قال الزمخشري: "يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله" (٣).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]، وجهان:
أحدهما: أن المسيح-﵇ يكون شهيداً بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه من أهل عصره (٤).
والثاني: أنه يكون شهيداً أنه بلَّغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه، وهذا قول قتادة (٥)، وابن جريج (٦).
الفوائد:
١ - أن الإيمان؛ كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.
٢ - أن عيسى-﵇ سوف ينزل في آخر هذه الأمة، عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار، يقتل الدجال، ويضع الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين (٧)، وكما جاء في الحديث: " وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ... " (٨) الحديث.
٣ - أن عيسى-﵇-سوف يشهد يوم القيامة على أهل الكتاب ببطلان كل ما هم عليه، مما هو مخالف لشريعة القرآن ولما دعاهم إليه محمد ﷺ ، علمنا بذلك، لعلمنا بكمال عدالة المسيح ﵇ وصدقه، وأنه لا يشهد إلا بالحق، إلا أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق وما عداه فهو ضلال وباطل (٩).
القرآن
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]
التفسير:
فبسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حَرَّم الله عليهم طيبات من المأكل كانت حلالا لهم، وبسبب صدِّهم أنفسهم وغيرهم عن دين الله القويم.
قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: " أي بسبب ظلم اليهود وما ارتكبوه من الذنوب العظيمة" (١٠).
قال قتادة: " عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه" (١١).
قال مقاتل: " يعني: اليهود" (١٢).
قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: "حرمنا عليهم أنواعاً من الطيبات التي كانت محلّلة لهم" (١٣).
قال قتادة: " حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم" (١٤).
قال الشَّافِعِي: "يعني - والله تعالى أعلم - طيبات كانت أحِلت لهم" (١٥).
стр. 3172
قال مقاتل: " يعني في الأنعام: يعني اللحوم والشحوم وكل ذي ظفر لهم حلال فحرمها الله- عليهم بعد موس" (١).
قال الماتريدي: " لولا آية أخرى سوى هذه؛ وإلا صرفنا قوله : ﴿حرمنا عليهم طيبات﴾ على المنع، دون حقيقة التحريم؛ لأنهم أهل كفر؛ فلا يبالون ما يتناولون من المحرم والمحلل، ولا يمتنعون عن التناول من ذلك؛ فإذا كان ما ذكرنا - فيجيء أن يعود تأويل الآية إلى المنع؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، فليس هو على التحريم؛ ولكن على المنع؛ أي: منعناه؛ فلم يأخذ من لبن المراضع دون لبن أمه؛ فعلى ذلك يجب أن يكون الأول.
ثم المنع لهم يكون من وجهين:
أحدهما: منع من جهة منع الإنزال؛ لقلة الأمطار والقحط؛ كسني يوسف ﵇ وسني مكة، على ما كان لهم من القحط.
والثاني: منع من جهة الخلق: ألا يعطوا شيئا، لا بيعا ولا شراء ولا معروفا.
ولكن في آية أخرى بيان أن قوله: ﴿حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ - أنه على التحريم، ليس على المنع، وهو قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، أخبر أن ذلك جزاء بغيهم؛ فدل ما ذكرنا في الآية أن ذلك على حقيقة التحريم؛ لما يحتمل أن يكونوا لا يستحلون ما ذكر في الآية، ولكن كانوا يتناولون الربا على غير الاستحلال؛ فحرم ذلك عليهم" (٢).
وفي حرف ابن مسعود ﵁ وحرف ابن عباس ﵄: «حرمنا عليهم طيبات كانت أحلت لهم» (٣).
قوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: " وبسبب منعهم كثيراً من الناس عن الدخول في دين الله" (٤).
قال الطبري: " يعني: وبصدّهم عبادَ الله عن دينه وسبله التي شرعَها لعباده، صدًّا كثيرًا، وكان صدُّهم عن سبيل الله: بقولهم على الله الباطل، وادعائهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله، وتحريف معانيه عن وجوهه. وكان من عظيم ذلك: جحودهم نبوة نبيِّنا محمد ﷺ ، وتركهم بيانَ ما قد علِموا من أمره لمن جَهِل أمره من الناس" (٥).
روي عن مجاهد في قول الله: " ﴿وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا﴾، قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحق" (٦).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]، وجهين (٧):
أحدهما: أنهم صدوا من يستجهلون ويستسفهون عن سبيل الله: كانوا يدلون على الباطل وعلى غير سبيل الله، فذلك الصد محتمل.
والثاني: أنهم كانوا يصدون عن سبيل الله بالقتال والحرب.
قال الراغب: " واعلم أن تحريم الله على ثلاثة أضرب:
الأول: تحريمه الخبائث وكل ما ليس له هذا بوجه والبدن تعافه كالذباب، والخنافس، والأشياء المخلوقة من فضول البدن وهذا الجنس يحرم عقلا وشرعا.
الثاني: ما يعلم ضره أكثر من نفعه وقد يظن بعض الناس فيه نفعا كثيرا، فهو مترد من التحريم والتخيل في العقل.
والثالث: ضرب نافع في الأحوال الدنيوية جدا، إلا أن نفعه ليس بضروري، والعقل لا يقتضي بتحريمه، والشرع قد حرمه في حال دون حال، تهذيبا للنفوس عبادة، ودفعا لسلطان شهوتهم كتحريم الشحم على بني إسرائيل، وهو ما قال تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا﴾ الآية، فنبه تعالى أنهم لما أسرفوا وصاروا يظلمون، ويصدون عن سبيل الله، حرم عليهم بعض الأطعمة، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم
стр. 3173
من وجه، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي، وإلى نحو هذا أشار قوله ﵊: «صوموا تصحوا» (١)، فإن في الصوم صحة للبدن، وصحة النفس" (٢).
الفوائد:
١ - المعاصي تورث الحرمان من خير الدنيا والآخرة.
٢ - حرمة الصد عن الإسلام ولو بالسلوك الشائن والمعاملة الباطلة.
القرآن
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦١]
التفسير:
وبسبب تناولهم الربا الذي نهوا عنه، واستحلالهم أموال الناس بغير استحقاق، وأعتدنا للكافرين بالله ورسوله مِن هؤلاء اليهود عذابًا موجعًا في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، أي: " وبسبب تناولهم الربا الذي نهوا عنه" (٣).
قال الطبري: " وهو أخذهم ما أفضلوا على رءوس أموالهم، لفضل تأخير في الأجل بعد مَحِلِّها، ﴿وقد نهوا عنه﴾، يعني: عن أخذ الربا" (٤).
قال مقاتل بن حيان: " كان الله حرم على أهل التوراة حين أقروا بها أن يأكلوا الربا , فأكلوا الربا" (٥).
قال النسفي: " كان الربا محرماً عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١]، أي: " واستحلالهم أموال الناس بغير استحقاق" (٧).
قال السمعاني: " يعنى: الرشا" (٨).
قال السيوطي: أي: " بالرشا في الحكم" (٩).
قال النسفي: أي: " بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة" (١٠).
قال الطبري: " يعني: ما كانوا يأخذون من الرُّشَى على الحكم، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: ٦٢]، وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل، ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: "هذا من عند الله"، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة، فعاقبهم الله على جميع ذلك، بتحريمه ما حرَّم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالا قبل ذلك، وإنما وصفهم الله بأنهم أكلوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك بالباطل، لأنهم أكلوه بغير استحقاق، وأخذوا أموالهم منهم بغير استيجاب" (١١).
قال مقاتل بن حيان: " قوله: ﴿بالباطل﴾، قال: ظلما" (١٢)، قال: " كان الله حرم على أهل التوراة حين أقروا بها أن يأكلوا أموال الناس , فأكلوا أموال الناس , فلما فعلوا ذلك حرم الله عليهم ما كان أحل لهم في التوراة" (١٣).
стр. 3174
قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦١]، أي: " وهيّأنا للكافرين بالله ورسوله مِن هؤلاء اليهود عذابًا موجعًا في الآخرة" (١).
قال مقاتل: قوله: " ﴿وأعتدنا للكافرين منهم﴾﴾، يعني: من اليهود" (٢).
قال ابن عباس: " ﴿عذابا أليما﴾، يقول: نكالا موجعا" (٣).
قال السيوطي: أي: " مؤلما" (٤).
قال الطبري: " يعني: وجعلنا للكافرين بالله وبرسوله محمد ﷺ من هؤلاء اليهود، العذاب الأليم، وهو الموجع من عذاب جهنم عنده، يصلونها في الآخرة، إذا وردوا على ربهم، فيعاقبهم بها" (٥).
قال الراغب: " لما نبه بما تقدم أنهم كفروا، ذكر ما أعد للكافرين ليكون فيه إشارة إلى أنهم يستحقون ذلك العذاب، أنهم من جملتهم" (٦).
الفوائد:
١ - حرمة الربا وأنه موجب للعقوبة في الدنيا والآخرة.
٢ - حرمة أكل أموال الناس بالباطل؛ كالسرقة والغش والرشوة.
стр. 3175
القرآن
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾ [النساء: ١٦٢]
التفسير:
لكنِ المتمكنون في العلم بأحكام الله من اليهود، والمؤمنون بالله ورسوله، يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن، وبالذي أنزل إلى الرسل من قبلك كالتوراة والإنجيل، ويؤدُّون الصلاة في أوقاتها، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بالله وبالبعث والجزاء، أولئك سيعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة.
سبب النزول:
قال ابن عباس: " نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد بن سعية وثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد، حين فارقوا يهود وشهدوا أن الذي جاء به رسول الله ﷺ حق من الله، وأنهم يجدونه مكتوبا عندهم" (١).
وفي السياق نفسه قال مقاتل: " وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي- ﷺ : إن اليهود لتعلم أن الذي جئت به حق، وإنك لمكتوب عندهم في التوراة. فقالت اليهود: ليس كما تقولون: وإنهم لا يعلمون شيئا وإنهم ليغرونك ويحدثونك بالباطل، فقال الله- : ﴿لكن الراسخون في العلم﴾ " (٢).
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: " لكن المتمكنون في العلم منهم والثابتون فيه" (٣).
قال مقاتل: " يعني: ابن سلام وأصحابه من اليهود" (٤).
قال الطبري: " وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته" (٥).
قال ابن كثير: " أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع" (٦).
قال الراغب: " الراسخ في العلم: هو الذي لا يعترضه شبهة لتمكنه في معرفته وتحققه بها، وكونه من الذين قال فيهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]ـ فنبه أن الراسخين في العلم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيث ما وجدوه يتبعوه، فالحق لا ينافي بعضه بعضا" (٧).
عن فياض الرقي، عن عبد الله بن يزيد -وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ أنسا وأبا الدرداء، وأبا أمامة-، قال: "حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ سئل عن: «الراسخين في العلم»، فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه وفرجه، فهو من الراسخين في العلم" (٨).
وإن قيل: "ما وجه لكن ها هنا؟ وهو لإبطال الشيء وإثبات آخر، فما الذي أبطل ها هنا؟
قيل: لكن وإن كان كما قلت، فتارة تجيء بعد نفي، ما جاءني زيد ولكن عمرو، وتارة تجيء بعد إيجاب، والإبطال فيه مقدر، نحو جاءني زيد لكن أخوه أحسن إلي، والتقدير: أخوه لم يجئني لكن أحسن إلي، فأغنى عن الإبطال بذكر الإيجاب، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم، وألزمهم المذمة، بين أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم، لكن يؤمنون بكل ذلك ويستحقون به الثواب، بخلاف هو لا الذين يستحقون العقاب" (٩).
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: "والمؤمنون بالله ورسوله" (١٠).
قال مقاتل: " يعني: أصحاب محمد- ﷺ من غير أهل الكتاب" (١١).
стр. 3176
قال ابن كثير: " عطف على الراسخين، وخبره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ " (١).
قال الطبري: " يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك" (٢).
قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: " يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن" (٣).
قال الطبري: أي: " يؤمنون بك وبما أنزل إليك من الكتاب، وبما أنزل من قبلك من سائر الكتب" (٤).
قال قتادة: " استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: " يؤدُّون الصلاة في أوقاتها" (٦).
قال مقاتل: " ثم نعتهم فقال- سبحانه-: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ " (٧).
قال الحسن: " فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها والزكاة فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها" (٨).
قال الزهري: "إقامتها: أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها" (٩).
واختلفوا في نصب ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ [النساء: ١٦٢]، على أربعة أقوال (١٠):
أحدها: أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول عائشة (١١)، ووأبان بن عثمان (١٢).
وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: "إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيره؟ فقال: دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا" (١٣).
وقد قرأ ابن مسعود، وأبي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري: «والمقيمون الصلاة» بالواو (١٤).
قال الأنباري: "حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده" (١٥).
стр. 3177
قال البغوي: "وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح" (١).
قال مكي بن أبي طالب: " وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط" (٢).
قال الزجاج: " وقال بعضهم: في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها، وهذا
القول عند أهل اللغة بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن أصحاب رسول الله ﷺ وهم أهل اللغة وهم القدوة وهم قريبو العهد بالإسلام فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله ﷺ وجمعوه، وهذا ساقط عمن لا يعلم بعدهم وساقط عمن يعلم، لأنهم يقتدى بهم فهذا مما لا ينبغي أن ينسب إليهم رحمة الله عليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب، كما قال : ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ [فصلت: ٤٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه باب المدح قد بينوا فيه صحة هذا وجودته" (٣).
قال الزبير: "قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة﴾؟ قال: إن الكاتب لما كتب: "لكن الراسخون في العلم منهم"، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: ﴿والمقيمين الصلاة﴾، فكتب ما قيلَ له" (٤).
وعن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: "والمقيمين الصلاة"، وعن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [سورة المائدة: ٦٩]، وعن قوله: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [سورة طه: ٦٣] (٥)، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، أخطئوا في الكتاب" (٦).
قال أبو الحسن: " وهذان الخبران لا يصححهما أهل النظر" (٧).
والثاني: أنه مخفوض عطفا على قوله: ﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة (٨). وهذا اختيار الطبري (٩).
قال ابن كثير: "وفي هذا نظر" (١٠).
والثالث: أنه نسق على الهاء والميم من قوله: ﴿منهم﴾، فالمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك (١١).
стр. 3178
قال الزجاج: " وهذا عند النحويين رديء، أعني العطف على الهاء والميم لأنه لا يعطف بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في شعر" (١).
والرابع: أنه منصوب على المدح، فالمعنى: اذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، قالوا: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الخرنق بنت بدر بن هفان (٢):
لا يَبْعَدَن قومي الذين همُو ... سُمّ العداة وآفة الجُزرِ
النازلين بكل مُعْتركٍ ... والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ
وهذا على معنى: اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك: مررت بزيد الكريم، إن أردت أن تخلصه من غيره. فالخفض هو الكلام، وإن أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت: بزيد الكريم، كأنك قلت: اذكر الكريم، وإن شئت رفعت على معنى: هو الكريم. وتقول: جاءني قومك المطعمين في المحل، والمغيثون في الشدائد على معنى: اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا القول اختيار الخليل (٣)، وسيبويه (٤).
فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار القول الأخير (٥).
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: " ويخرجون زكاة أموالهم" (٦).
قال مقاتل: " يعني: المعطون الزكاة" (٧).
قال ابن كثير: " يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين" (٨).
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: " ويؤمنون بالله وبالبعث والجزاء" (٩).
قال مقاتل: " أنه واحد لا شريك له، والبعث الذي فيه جزاء الأعمال" (١٠).
قال ابن كثير: " أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها" (١١).
قال النضر بن شميل: "تفسير «المؤمن»: أنه أمن من عذاب الله" (١٢).
قال قتادة: " المؤمنون: هم العجاجون بالليل والنهار، والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم" (١٣).
قال سعيد بن جبير: " ﴿واليوم الآخر﴾، يعني: ويصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال" (١٤).
قال الراغب: " وقد ذكر تعالى عامة الإيمان الاعتقادي، فإن جماعة ذلك هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] الآية، ولم يذكر «الملائكة» ها هنا في ضمن الإيمان ﴿وما أنزل﴾ إيمانا بالملائكة الذين نزلوا به وإنما قدم الإيمان بالنبي ﷺ على الإيمان بالله ها هنا لأن القصد من الآية إليه، والمذكور بعده على سبيل التبع، وذكر من الإيمان العملي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهما ركنا العبادة، وعلى هذا يخصهما في عامة الآيات من بين العبادات" (١٥).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: " أولئك سيعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة" (١٦).
стр. 3179
قال ابن كثير: " يعني: الجنة" (١).
قرأ حمزة: «سيؤتيهم»، بالياء، والباقون بالنون (٢).
الفوائد:
стр. 3180
١ - أن من أهل الكتاب صلحاء ربانيون وذلك؛ كعبد الله بن سلام وآخرين.
٢ - الرسوخ في العلم يأمن صاحبه الزلات والوقوع في المهلكات.
٣ - فضل إقام الصلاة لنصب "والمقيمي الصلاة" في الآية على المدح والتخصيص.
القرآن
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣]
التفسير:
إنا أوحينا اليك -أيها الرسول- بتبليغ الرسالة كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان. وآتينا داود زبورًا، وهو كتاب وصحف مكتوبة.
سبب النزول:
عن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: "قال عدي بن زيد: يا محمد! ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى؛ فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآيات كلها" (١). [ضعيف].
وفي المعنى نفسه قال مقاتل: " وذلك أن عدي بن زيد وصاحبيه اليهود قالوا للنبي- ﷺ والله ما أوحى الله إليك، ولا إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله فقال: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ " (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، أي: " إنا أوحينا اليك -أيها الرسول- بتبليغ الرسالة كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده" (٣).
قال الربيع: " أوحى الله إليه كما أوحى إلى جميع النبيين من بعده" (٤).
قال مقاتل: " يعني ﴿من بعد نوح﴾: هود وصالح" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣]، أي: " وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان" (٦).
قال مقاتل: " ﴿والأسباط﴾، يعني: بني يعقوب يوسف وإخوته" (٧).
قال ابو العالية: " ﴿والأسباط﴾، هو يوسف وأخوته بنو يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط" (٨). وروي عن قتادة (٩)، والربيع بن أنس (١٠) نحو ذلك.
قال السدي: " ﴿والأسباط﴾: هم بنو يعقوب يوسف وبنيامين وروبيل ويهوذا وشمعون ولاوي ودان وقهاب" (١١).
стр. 3181
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، أي: " وآتينا داود زبورًا، وهو كتاب وصحف مكتوبة" (١).
قال ابن كثير: " الزبور: اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود، ﵇" (٢).
عن الربيع: "قوله: ﴿وآتينا﴾، قال: أعطاه الله" (٣)، " «الزبور»: ثناء على الله ودعاء وتسبيح" (٤).
قال مقاتل: " ليس فيه حد ولا حكم ولا فريضة ولا حلال ولا حرام، خمسين ومائة سورة، فأخبره الله بهن ليعلموا أنه نبي" (٥).
قرأ حمزة وحده: ﴿زبورا﴾، بضم الزاى حيث وقع هذا الحرف، وقرأ الباقون: ﴿زبورا﴾، مفتوحتين (٦).
الفوائد:
١ - تقرير مبدأ الوحي الإلهي.
٢ - أول الرسل نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ .
القرآن
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]
التفسير:
وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك في القرآن من قبل هذه الآية، ورسلا لم نقصصهم عليك لحكمة أردناها. وكلم الله موسى تكليمًا؛ تشريفًا له بهذه الصفة.
سبب النزول:
قال مقاتل: " فقالت اليهود: ذكر محمد النبيين ولم يبين لنا أمر موسى أكلمه الله أم لم، يكلمه؟ فأنزل الله- في قول اليهود: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل﴾ " (٧).
قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: " وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك في القرآن" (٨).
قال مقاتل: " هؤلاء بمكة في الأنعام (٩) وفي غيرها، لأن هذه مدنية" (١٠).
قال ابن كثير: " أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها، وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى -عليهم الصلاة والسلام- وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم" (١١).
قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: " ورسلا لم نقصصهم عليك لحكمة أردناها" (١٢).
قال ابن كثير: " أي: خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن" (١٣).
قال علي: " بعث الله نبيا عبدا حبشيا فهو ممن لم يقصه على محمد ﷺ " (١٤).
стр. 3182
عن أبي أمامة قال: "قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا" (١).
وعن أنس قال: "قال رسول الله ﷺ : «بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس» " (٢).
وعن عن أنس أيضا قال: "قال رسول الله ﷺ : «بعثت على إثر من ثلاثة آلاف نبي من بني إسرائيل» " (٣).
قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: " وكلم الله موسى تكليمًا؛ تشريفًا له بهذه الصفة" (٤).
قال مقاتل: " يعني: مشافهة وهو ابن أربعين سنة ليلة النار، ومرة أخرى حين أعطي التوراة" (٥).
قال الزجاج: " أخبر الله بتخصيص نبي ممن ذكر، فأعلم أن موسى
كلم بغير وحي، وأكد ذلك بقوله تكليما، فهو كلام كما يعقل الكلام لا شك في ذلك" (٦).
قال ابن كثير: " وهذا تشريف لموسى، ﵇، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم" (٧).
عن جابر بن عبد الله قال: "لما كلم الله تعالى موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن، فقال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه. قال:
ألم تروا إلى صوت الصواعق فإنها قريب منه وليس به" (٨).
وقال كعب: " إن الله تعالى لما كلم موسى بالألسنة كلها سوى كلامه، فقال له موسى:
أي رب هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال: أي رب فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا. قال: وأشد خلقي شبها بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق" (٩).
وروي عن كعب ايضا، قال: "كلم الله موسى مرتين" (١٠).
وروي عن ابن داود في قول الله تعالى: " ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ قال: مرارا" (١١).
وعن أبي عصمة في قول الله تعالى: " ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، قال: مشافهة" (١٢).
عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : «لَما كلم الله موسى كان يُبْصِرُ دبيبَ النمل على الصفا في الليلة الظلماء» " (١٣).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة الكلام لله -تعالى- كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه كلم نبيه موسى ﵇ حقيقة بلا وساطة.
٢ - ذكر أن الرسل منهم من قصه الله على رسوله ومنهم من لم يقصصه عليه وهذا يدل على كثرتهم.
стр. 3183
القرآن
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]
التفسير:
أرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي; لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل. وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره.
قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، أي: " أرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي" (١).
عن ابن عباس: " قوله: ﴿مبشرا﴾، قال: مبشرا بالجنة" (٢)، " قوله: ﴿نذيرا﴾، قال: نذيرا من النار" (٣).
قال مقاتل: " ﴿مبشرين﴾ بالجنة، ﴿ومنذرين﴾ من النار" (٤).
قال ابن كثير: " أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب" (٥).
قال السمرقندي: " أي: أرسلنا رسلا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار" (٦).
قال الثعلبي: " سمى الله تعالى النبيين بهذين الاسمين، فقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ثم سمى المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، ثم سمى نبينا خاصة بهذين الاسمين، فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩] " (٧).
قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، أي: " لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل" (٨).
قال السدي: " فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلا" (٩).
عن أبي مالك قوله: " ﴿لئلا﴾، يعني: لكيلا" (١٠).
قال مقاتل: " فيقولوا يوم القيامة: لم يأتنا لك رسول" (١١).
قال مكي بن أبي طالب: " أي: كيلا يقولوا: هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤ - القصص: ٤٧] " (١٢).
قال الثعلبي: أي: " فيقول: ما أرسلت إلينا رسولا فنتبع وما أنزلت علينا كتابا. وقال في آية أخرى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] " (١٣).
قال الزجاج: أي: " يبين، لأن الشاهد هو المبين لما يشهد به، فالله جل وعز يبينه ويعلم مع إبانته أنه حق" (١٤).
قال ابن كثير: " أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ
стр. 3184
تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] " (١).
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : «لا أحَدَ أغَيْرَ من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظَهَر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبَّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحدَ أحَبَّ إليه العُذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين" وفي لفظ: "من أجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه» " (٢).
قال السمرقندي: " ولو إن الله تعالى لم يرسل رسولا كان ذلك عدلا منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه، ولكن أرسل تفضلا منه، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، أي: " وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره" (٤).
قال السمرقندي: أي: " ﴿عزيزا﴾ بالنقمة لمن يجحده، ﴿حكيما﴾، حكم إرسال الرسل والأنبياء ﵈" (٥).
قال الطبري: " يقول: ولم يزل الله ذا عِزة في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، على كفره به، ومعصيته إياه، بعد تثبيته حجَّتَه عليه برسله وأدلَّتَه " حكيمًا "، في تدبيره فيهم ما دبّره" (٦).
الفوائد:
١ - بيان الحكمة في إرسال الرسل، وهي الحجة على الناس يوم القيامة.
قال السعدي: " فلم يبق للخلق على الله حجة لإرساله الرسل تترى يبينون لهم أمر دينهم ومراضي ربهم ومساخطه وطرق الجنة وطرق النار فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (٧).
٢ - أن الله أرسل الرسل مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم بالسعادة الدنيوية والأخروية ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين.
٣ - أن من كمال عزته تعالى وحكمته، أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وذلك أيضا من فضله وإحسانه حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة تقدر فأزال هذا الاضطرار فله الحمد وله الشكر ونسأله كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم أن يتمها بالتوفيق لسلوك طريقهم إنه جواد كريم (٨).
٤ - ومن اسمائه تعالى: «العزيز»: " هو المنيع الذي لا يغلب" (٩)، و «الحكيم»: " هو المحكم لخلق الأشياء" (١٠).
стр. 3185
القرآن
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦]
التفسير:
إن يكفر بك اليهود وغيرهم -أيها الرسول- فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أَنْزَلَ عليه القرآن العظيم، أنزله بعلمه، وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك، وشهادة الله وحدها كافية.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: عن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: "دخل على رسول الله ﷺ جماعة من يهود، فقال لهم: «إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله»، فقالوا: ما نعلم ذلك؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ " (١). [ضعيف].
والثاني: ونقل الواحدي عن الكلبي: "إن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: سألنا عنك اليهود فزعموا أنهم لا يعرفونك، فأتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك إلينا رسولا، فنزلت هذه الآية: ﴿لكن الله يشهد﴾ " (٢).
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: " إِن لم يشهد لك هؤلاء بالنبوة فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أَنْزَلَ عليه القرآن العظيم" (٣).
قال مكي بن ابي طالب: " المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فإن الله يشهد أنه أنزله إليك" (٤).
قال الطبري: أي: " إن يكفر بالذي أوحينا إليك، يا محمد، اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، وقالوا لك: «ما أنزل الله على بشر من شيء» فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزل من كتابه ووحيه" (٥).
قال ابن كثير: " لما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى آخر السياق، إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ﴾، أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو: القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] " (٦).
قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: " أنزل ذلك إليك بعلمه" (٧).
قال مكي بن ابي طالب: أي: "بعلم منه أنك خِيرته من خلقه" (٨).
قال الزجاج: " أي: أنزل القرآن الذي فيه علمه" (٩).
قال الطبري: اي: " أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خِيرَته من خلقه، وصفِيُّه من عباده" (١٠).
قال ابن كثير: "أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة، التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يُعْلِمَه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] " (١١).
стр. 3186
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: " وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك" (١).
قال مكي بن ابي طالب: أي: "ويشهد بذلك ملائكته" (٢).
قال ابن ابي زمنين: اي: " أنه أنزله إليك" (٣).
قال الطبري: أي: " ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيبُ من كذَّبك، وخلافُ من خالفك" (٤).
قال الواحدي: أي: يشهد " لك بالنُّبوَّة إنْ جحدت اليهود وشهادة الملائكة إنَّما تُعرف بقيام المعجزة فمَنْ ظهرت معجزته شهدت الملائكة بصدقه" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: " وشهادة الله وحدها كافية" (٦).
قال الواحدي: "أَيْ: كفى الله شهيدا" (٧).
قال الطبري: أي: " وحسبك بالله شاهدًا على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك، لم يَضِرْك تكذيب من كذَّبك" (٨).
قال الزجاج: " معناه: وكفى الله شهيدا، و «الباء» دخلت مؤكدة، المعنى: اكتفوا بالله في شهادته" (٩).
قال السمعاني: " فإن قيل: إذا شهد الله له بالرسالة، فأي حاجة إلى شهادة الملائكة؟
قيل: لأن الذين حضروا عند النبي، كان عندهم أنهم علماء الأرض؛ فقالوا: نحن علماء الأرض، ونحن ننكر رسالتك، فقال الله تعالى: إن أنكره علماء الأرض، يشهد به علماء السماء، وهم الملائكة، على مقابلة زعمهم وظنهم؛ لا للحاجة إلى شهادتهم؛ فإنه قال: ﴿وكفى بالله شهيدا﴾ " (١٠).
الفوائد:
١ - شهادة الرب ﵎ والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ﷺ .
٢ - إن ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد ﷺ بالنبوة والرسالة.
٣ - و «الشهيد»: اسم من أسمائه تعالى، أي: "المطَّلع على جميع الأشياء. سمع جميع الأصوات، خفيّها وجليها. وأبصر جميع الموجودات، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده، وعلى عباده، بما عملوه" (١١).
قال الخطابي: " الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء، وقد قال -سبحانه -: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة/١٨٥]، أي: من حضر منكم في الشهر فليصمه، ويكون الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨]، قيل: معناه: علم الله" (١٢).
القرآن
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ [النساء: ١٦٧]
التفسير:
إن الذين جحدوا نُبُوَّتك، وصدوا الناس عن الإسلام، قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: " إن الذين جحدوا نُبُوَّتك" (١٣).
стр. 3187
قال ابن كثير: " أي: كفروا في أنفسهم فلم يتبعوا الحق" (١).
قال الطبري: أي: " الذين جحدوا، يا محمد، نبوتك بعد علمهم بها، من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: " وصدوا الناس عن الإسلام" (٣).
قال السمرقندي: " يعني: صرفوا الناس عن دين الله" (٤).
قال ابن كثير: أي" وسَعوْا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به" (٥).
قال السمعاني: " صدهم عن سبيل الله كان بكتمان نعت محمد" (٦).
قال الطبري: " يعني: عن الدين الذي بعثَك الله به إلى خلقه، وهو الإسلام. وكان صدهم عنه، قِيلُهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك: «ما نجد صفة محمد في كتابنا! »، وادعاءهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوّة لا تكون إلا في ولد هارون ومن ذرية داود، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانوا يثبِّطون الناس بها عن اتباع رسول الله ﷺ والتصديق به وبما جاء به من عند الله" (٧).
عن مجاهد قوله: " ﴿عن سبيل الله﴾، عن الحق" (٨).
قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: " قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا" (٩).
قال مقاتل: " يعني: طويلا" (١٠).
قال الطبري: " يعني: قد جاروا عن قصد الطريق جورًا شديدًا، وزالوا عن المحجّة" (١١).
قال ابن كثير: أي: "قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبَعُدُوا منه بعدًا عظيما شاسعًا" (١٢).
قال السمعاني: " أي: هلكوا، والضلال: الهلاك" (١٣).
الفوائد:
١ - شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل اله والظلم، وهذا كفر اليهود، العياذ بالله.
قال السعدي: " وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين وفاتته الهدايتان" (١٤).
٢ - أن أشد الناس ضلالا من كان ضالا ويعتقد فى نفسه أنه محق، ويتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال، فهو قد سار فى سبيل الشيطان، وبعد عن سبيل الله، فلم يعد يفقه أنها هى الموصلة إلى خير العاقبة (١٥).
стр. 3188
القرآن
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾ [النساء: ١٦٨]
التفسير:
إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وظلموا باستمرارهم على الكفر، لم يكن الله ليغفر ذنوبهم، ولا ليدلهم على طريق ينجيهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " إن الذين كفروا بالله وبرسوله" (١).
قال السمرقندي: " أي: جحدوا " (٢).
قال مقاتل: " يعني: اليهود كفروا بمحمد والقرآن" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَظَلَمُوا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " وظلموا باستمرارهم على الكفر" (٤).
قال مقاتل: " يعني: وأشركوا بالله" (٥).
عن إبراهيم قوله: " ﴿وظلموا﴾، قال: الظلم: الفاحشة" (٦).
قال السمعاني: " فإن قال قائل: أي معنى لقوله: ﴿وظلموا﴾ وقد قال: ﴿كفروا﴾ وظلمهم كفرهم؟
قيل: معناه: كفروا بالله، وظلموا محمدا بكتمان نعته" (٧).
قال السعدي: " وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه، والمراد بالظلم هنا أعمال الكفر والاستغراق فيه، فهؤلاء بعيدون من المغفرة والهداية للصراط المستقيم" (٨).
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " لم يكن الله ليغفر ذنوبهم" (٩).
قال السمرقندي: " أي: ما داموا على كفرهم" (١٠).
قال ابن كثير: " أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم" (١١).
قال السمعاني: " قيل: ذكره تأكيدا ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ في هذا إشارة إلى أن الله - تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم" (١٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " ولا ليدلهم على طريق ينجيهم" (١٣).
قال ابن كثير: " أي: سبيلا إلى الخير" (١٤).
قال السمرقندي: " يعني: لا يوفقهم لطريق الإسلام" (١٥).
قال السمعاني: "يعني: الإسلام" (١٦).
الفوائد:
١ - سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك ويهلك.
٢ - أنه انسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا وبسبب استمرارهم في طغيانهم وازديادهم في الكفر، فطبع على قلوبهم بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [فصلت: ٤٦].
стр. 3189
القرآن
﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٩]
التفسير:
إلا طريق جهنم ماكثين فيها أبدًا، وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: " لن يهديهم إِلا إِلى الطريق الموصلة إِلى جهنم" (١).
قال السمرقندي يعني: يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم. ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم" (٢).
قال مقاتل: " يعني: طريق الكفر، فهو يقود إلى جهنم" (٣).
قال السمعاني: " يعنى: اليهودية" (٤).
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: " ماكثين فيها أبدًا" (٥).
قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون" (٦).
وعن ابن عباس: " ﴿خالدين فيها أبدا﴾، قال: لا انقطاع له" (٧).
قال السمرقندي: " أي: دائمين فيها" (٨).
قال المراغي: " أي: يدخلونها ويذوقون عذابها حال كونهم خالدين فيها أبدا لا يخرجون منها" (٩).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: " وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء" (١٠).
قال مقاتل: " يعنى: عذابهم على الله هينا" (١١).
قال السمرقندي: " أي: خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى" (١٢).
قال المراغي: " أي: وكان ذلك الجزاء سهلا على الله دون غيره، لأنه مقتضى حكمته وسننه، وليس بالعزيز على قدرته" (١٣).
قال الطبري: " يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرًا، لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه" (١٤).
قال البغوي: " وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون" (١٥).
الفوائد:
١ - أن طريق جهنم هى الطريق التي ينتهى إليها من دسى نفسه بالكفر والظلم، وأوغل فى السير فيها طول عمره، واستمرأ الشرور والمفاسد، حتى هوت به إلى واد سحيق.
٢ - أن الآية تحقير لأمر اليهود وبيان، لأن الله لا يعبأ بهم ولا يبالى بشأنهم.
القرآن
стр. 3190
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠]
التفسير:
يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالإسلام دين الحق من ربكم، فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم، وإن تُصرُّوا على كفركم فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض. وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: " يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالإسلام دين الحق من ربكم" (١).
قال مقاتل: " يعنى: محمدا، ﴿بالحق﴾، يعنى: بالقرآن ﴿من ربكم﴾ " (٢).
قال ابن كثير: " أي: قد جاءكم محمد - صلوات الله وسلامه عليه - بالهدى ودين الحق، والبيان الشافي من الله، " (٣).
قال السمرقندي: " أي: بشهادة أن لا إله إلا الله، ويقال: ببيان الحق. ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة" (٤).
قال ابن عباس: " ﴿يا أيها الناس﴾، أي: الفرقين جميعا من الكافرين والمنافقين" (٥).
وعنه أيضا: " يعني: أهل مكة" (٦).
قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: " فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم" (٧).
قال مقاتل: " يعني: صدقوا بالقرآن فهو خير لكم من الكفر" (٨).
قال ابن كثير: أي: " فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم" (٩).
قال الطبري: " فصدِّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به" (١٠).
قال السمرقندي: " أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن الذي جاءكم به محمد ﷺ خيرا لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئا" (١١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: " وإن تُصرُّوا على كفركم، فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض" (١٢).
قال مقاتل: " من الخلق" (١٣).
قال الطبري: " يقول: وإن تجحدوا رسالتَه وتكذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به، لن يضرَّ غيركم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دون الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدًا ﷺ ، وذلك أن لله ما في السموات والأرض، ملكًا وخلقًا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه، من ملكه وسلطانه شيئًا" (١٤).
قال السمرقندي: " أي: إن تجحدوا بالله وبمحمد ﷺ ، فإن الله غني عنكم فإن لله ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه" (١٥).