← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: " وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك" (١). قال مكي بن ابي طالب: أي: "ويشهد بذلك ملائكته" (٢). قال ابن ابي زمنين: اي: " أنه أنزله إليك" (٣). قال الطبري: أي: " ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيبُ من كذَّبك، وخلافُ من خالفك" (٤). قال الواحدي: أي: يشهد " لك بالنُّبوَّة إنْ جحدت اليهود وشهادة الملائكة إنَّما تُعرف بقيام المعجزة فمَنْ ظهرت معجزته شهدت الملائكة بصدقه" (٥). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: " وشهادة الله وحدها كافية" (٦). قال الواحدي: "أَيْ: كفى الله شهيدا" (٧). قال الطبري: أي: " وحسبك بالله شاهدًا على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك، لم يَضِرْك تكذيب من كذَّبك" (٨). قال الزجاج: " معناه: وكفى الله شهيدا، و «الباء» دخلت مؤكدة، المعنى: اكتفوا بالله في شهادته" (٩). قال السمعاني: " فإن قيل: إذا شهد الله له بالرسالة، فأي حاجة إلى شهادة الملائكة؟ قيل: لأن الذين حضروا عند النبي، كان عندهم أنهم علماء الأرض؛ فقالوا: نحن علماء الأرض، ونحن ننكر رسالتك، فقال الله تعالى: إن أنكره علماء الأرض، يشهد به علماء السماء، وهم الملائكة، على مقابلة زعمهم وظنهم؛ لا للحاجة إلى شهادتهم؛ فإنه قال: ﴿وكفى بالله شهيدا﴾ " (١٠). الفوائد: ١ - شهادة الرب ﵎ والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ﷺ . ٢ - إن ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد ﷺ بالنبوة والرسالة. ٣ - و «الشهيد»: اسم من أسمائه تعالى، أي: "المطَّلع على جميع الأشياء. سمع جميع الأصوات، خفيّها وجليها. وأبصر جميع الموجودات، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده، وعلى عباده، بما عملوه" (١١). قال الخطابي: " الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء، وقد قال -سبحانه -: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة/١٨٥]، أي: من حضر منكم في الشهر فليصمه، ويكون الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨]، قيل: معناه: علم الله" (١٢). القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ [النساء: ١٦٧] التفسير: إن الذين جحدوا نُبُوَّتك، وصدوا الناس عن الإسلام، قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: " إن الذين جحدوا نُبُوَّتك" (١٣).

стр. 3187

قال ابن كثير: " أي: كفروا في أنفسهم فلم يتبعوا الحق" (١). قال الطبري: أي: " الذين جحدوا، يا محمد، نبوتك بعد علمهم بها، من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: " وصدوا الناس عن الإسلام" (٣). قال السمرقندي: " يعني: صرفوا الناس عن دين الله" (٤). قال ابن كثير: أي" وسَعوْا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به" (٥). قال السمعاني: " صدهم عن سبيل الله كان بكتمان نعت محمد" (٦). قال الطبري: " يعني: عن الدين الذي بعثَك الله به إلى خلقه، وهو الإسلام. وكان صدهم عنه، قِيلُهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك: «ما نجد صفة محمد في كتابنا! »، وادعاءهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوّة لا تكون إلا في ولد هارون ومن ذرية داود، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانوا يثبِّطون الناس بها عن اتباع رسول الله ﷺ والتصديق به وبما جاء به من عند الله" (٧). عن مجاهد قوله: " ﴿عن سبيل الله﴾، عن الحق" (٨). قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: " قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا" (٩). قال مقاتل: " يعني: طويلا" (١٠). قال الطبري: " يعني: قد جاروا عن قصد الطريق جورًا شديدًا، وزالوا عن المحجّة" (١١). قال ابن كثير: أي: "قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبَعُدُوا منه بعدًا عظيما شاسعًا" (١٢). قال السمعاني: " أي: هلكوا، والضلال: الهلاك" (١٣). الفوائد: ١ - شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل اله والظلم، وهذا كفر اليهود، العياذ بالله. قال السعدي: " وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين وفاتته الهدايتان" (١٤). ٢ - أن أشد الناس ضلالا من كان ضالا ويعتقد فى نفسه أنه محق، ويتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال، فهو قد سار فى سبيل الشيطان، وبعد عن سبيل الله، فلم يعد يفقه أنها هى الموصلة إلى خير العاقبة (١٥).

стр. 3188

القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾ [النساء: ١٦٨] التفسير: إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وظلموا باستمرارهم على الكفر، لم يكن الله ليغفر ذنوبهم، ولا ليدلهم على طريق ينجيهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " إن الذين كفروا بالله وبرسوله" (١). قال السمرقندي: " أي: جحدوا " (٢). قال مقاتل: " يعني: اليهود كفروا بمحمد والقرآن" (٣). قوله تعالى: ﴿وَظَلَمُوا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " وظلموا باستمرارهم على الكفر" (٤). قال مقاتل: " يعني: وأشركوا بالله" (٥). عن إبراهيم قوله: " ﴿وظلموا﴾، قال: الظلم: الفاحشة" (٦). قال السمعاني: " فإن قال قائل: أي معنى لقوله: ﴿وظلموا﴾ وقد قال: ﴿كفروا﴾ وظلمهم كفرهم؟ قيل: معناه: كفروا بالله، وظلموا محمدا بكتمان نعته" (٧). قال السعدي: " وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه، والمراد بالظلم هنا أعمال الكفر والاستغراق فيه، فهؤلاء بعيدون من المغفرة والهداية للصراط المستقيم" (٨). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " لم يكن الله ليغفر ذنوبهم" (٩). قال السمرقندي: " أي: ما داموا على كفرهم" (١٠). قال ابن كثير: " أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم" (١١). قال السمعاني: " قيل: ذكره تأكيدا ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ في هذا إشارة إلى أن الله - تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: " ولا ليدلهم على طريق ينجيهم" (١٣). قال ابن كثير: " أي: سبيلا إلى الخير" (١٤). قال السمرقندي: " يعني: لا يوفقهم لطريق الإسلام" (١٥). قال السمعاني: "يعني: الإسلام" (١٦). الفوائد: ١ - سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك ويهلك. ٢ - أنه انسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا وبسبب استمرارهم في طغيانهم وازديادهم في الكفر، فطبع على قلوبهم بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [فصلت: ٤٦].

стр. 3189

القرآن ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٩] التفسير: إلا طريق جهنم ماكثين فيها أبدًا، وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء. قوله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: " لن يهديهم إِلا إِلى الطريق الموصلة إِلى جهنم" (١). قال السمرقندي يعني: يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم. ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم" (٢). قال مقاتل: " يعني: طريق الكفر، فهو يقود إلى جهنم" (٣). قال السمعاني: " يعنى: اليهودية" (٤). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: " ماكثين فيها أبدًا" (٥). قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون" (٦). وعن ابن عباس: " ﴿خالدين فيها أبدا﴾، قال: لا انقطاع له" (٧). قال السمرقندي: " أي: دائمين فيها" (٨). قال المراغي: " أي: يدخلونها ويذوقون عذابها حال كونهم خالدين فيها أبدا لا يخرجون منها" (٩). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: " وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء" (١٠). قال مقاتل: " يعنى: عذابهم على الله هينا" (١١). قال السمرقندي: " أي: خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى" (١٢). قال المراغي: " أي: وكان ذلك الجزاء سهلا على الله دون غيره، لأنه مقتضى حكمته وسننه، وليس بالعزيز على قدرته" (١٣). قال الطبري: " يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرًا، لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه" (١٤). قال البغوي: " وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون" (١٥). الفوائد: ١ - أن طريق جهنم هى الطريق التي ينتهى إليها من دسى نفسه بالكفر والظلم، وأوغل فى السير فيها طول عمره، واستمرأ الشرور والمفاسد، حتى هوت به إلى واد سحيق. ٢ - أن الآية تحقير لأمر اليهود وبيان، لأن الله لا يعبأ بهم ولا يبالى بشأنهم. القرآن

стр. 3190

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠] التفسير: يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالإسلام دين الحق من ربكم، فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم، وإن تُصرُّوا على كفركم فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض. وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: " يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالإسلام دين الحق من ربكم" (١). قال مقاتل: " يعنى: محمدا، ﴿بالحق﴾، يعنى: بالقرآن ﴿من ربكم﴾ " (٢). قال ابن كثير: " أي: قد جاءكم محمد - صلوات الله وسلامه عليه - بالهدى ودين الحق، والبيان الشافي من الله، " (٣). قال السمرقندي: " أي: بشهادة أن لا إله إلا الله، ويقال: ببيان الحق. ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة" (٤). قال ابن عباس: " ﴿يا أيها الناس﴾، أي: الفرقين جميعا من الكافرين والمنافقين" (٥). وعنه أيضا: " يعني: أهل مكة" (٦). قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: " فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم" (٧). قال مقاتل: " يعني: صدقوا بالقرآن فهو خير لكم من الكفر" (٨). قال ابن كثير: أي: " فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم" (٩). قال الطبري: " فصدِّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به" (١٠). قال السمرقندي: " أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن الذي جاءكم به محمد ﷺ خيرا لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئا" (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: " وإن تُصرُّوا على كفركم، فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض" (١٢). قال مقاتل: " من الخلق" (١٣). قال الطبري: " يقول: وإن تجحدوا رسالتَه وتكذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به، لن يضرَّ غيركم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دون الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدًا ﷺ ، وذلك أن لله ما في السموات والأرض، ملكًا وخلقًا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه، من ملكه وسلطانه شيئًا" (١٤). قال السمرقندي: " أي: إن تجحدوا بالله وبمحمد ﷺ ، فإن الله غني عنكم فإن لله ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه" (١٥).

стр. 3191

قال ابن كثير: " أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] " (١). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: " وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره" (٢). قال السمرقندي: أي: " ﴿وكان الله عليما﴾ بخلقه، ﴿حكيما﴾، في أمره" (٣). قال ابن كثير: "أي: [﴿عَلِيمًا﴾] بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغَوَاية فيغويه ﴿حَكِيمًا﴾، أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره" (٤). الفوائد: ١ - في الآية دليل على عموم رسالة نبي الله ورسوله محمد ﷺ ، لان المعنى: فإذا كانت السموات والأرض قد خضعتا لله تعالى كونًا وقدرًا خضوع سائر ملكه، فأولى بكم أن تؤمنوا بالله وبرسوله محمد ﷺ ، وبالقرآن الذي أنزله عليه، وأن تنقادوا لذلك شرعًا حتى يكون الكون كلُّه خاضعًا لله قدرًا وشرعًا. ٢ - إثبات صفتي: «العلم» و «الحكمة» لله تعالى. وبموجبهما يتم الجزاء العادل الرحيم. فالله هو «العليم»، أي: المحيط علمه بكل شي، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٥). قال الخطابي: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق" (٦). وأما «الحكيم»، فيدل هذا الاسم الكريم على أن الحكم لله، ويدل على أن الله موصوف بالحكمة، لأن الإحكام هو الإتقان، والإتقان وضع الشيء في موضعه. ففي الآية إثبات حكم وإثبات حكمة: فالله وحده هو الحاكم، وحكم الله إما كوني وإما شرعي: - فحكم الله الشرعي ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من شرائع الدين، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]. - وحكم الله الكوني: ما قضاه على عباده من الخلق والرزق والحياة والموت ونحو ذلك من معاني ربوبيته ومتقتضياتها، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] (٧). ومن فوائد اقتران الاسمين: «العليم، والحكيم»: أن الإيمان بعلم الله وحكمته يستلزم الطمأنينة التامة لما حكم به من أحكام كونية وشرعية، لصدور ذلك عن علم وحكمة، فيزول عنه القلق النفسي وينشرح صدره (٨). القرآن ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ [النساء: ١٧١] التفسير: يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، فلا تجعلوا له صاحبةً ولا ولدًا. إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق، وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله: «كن»، فكان، وهي نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه، فَصدِّقوا بأن الله واحد وأسلموا له، وصدِّقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله واعملوا به، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين. انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه، إنما الله إله واحد سبحانه. ما في السموات والأرض مُلْكُه،

стр. 3192

فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ وكفى بالله وكيلا على تدبير خلقه وتصريف معاشهم، فتوكَّلوا عليه وحده فهو كافيكم. سبب النزول: قال الواحدي: " نزلت في طوائف من النصارى حين قالوا عيسى ابن الله، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ الآية" (١). قال البغوي: " نزلت في النصارى وهم أصناف: اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى هو ابن الله، وقالت: المرقوسية ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم" (٣). قال البغوي: أي: " لا تشددوا في دينكم فتفتروا على الله" (٤). عن قتادة: في قوله: " ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، قال: لا تبتدعوا" (٥). وقال الحسن: " لا تعتدوا (٦). وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: " الغلو: فراق الحق وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا " (٧). قال التستري: " أي لا تجاوزوا دينكم بالبدع، وتعدلوا عن الحق، وهو الكتاب والسنة والإجماع، ميلا إلى هوى نفوسكم" (٨). قال الزجاج: " الغلو: مجاوز القدر في الظلم" (٩). قال الماوردي: "والغلو: مجاوزة الحد، ومنه غلاء السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة، وغلا في الدين، إذا فرط في مجاوزة الحق" (١٠). قال السمعاني: "الغلو: غير محمود في الدين" (١١). روى ابن عباس عن النبي- ﷺ أنه قال: " إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو" (١٢). قال الماتريدي: " والغلو في الدين: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وكذلك الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي أحد لهم، في الفعل وفي النطق جميعا. وقال بعضهم: تفسير الغلو ما ذكر: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾؛ فالقول على الله بما لا يليق به غلو. وقيل: لا تغلوا: أي: لا تعمقوا في دينكم، ولا تشددوا؛ فيحملكم ذلك على الافتراء على الله، والقول بما لا يحل ولا يليق" (١٣). وفي الخطاب الموجه في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، قولان: أحدهما: أنه خطاب للنصارى خاصة (١٤)، اختاره السمعاني (١٥).

стр. 3193

والثاني: أنه خطاب لليهود والنصارى، لأن الفريقين غلوا في المسيح، فقالت النصارى: هو الرب، وقالت اليهود: هو لغير رشدة، وهذا قول الحسن (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " ولا تقولوا على الله إلا الحق" (٢). قال الماوردي: " يعني: في غلوهم في المسيح" (٣). قال الثعلبي: أي: " لا تقولوا أن لله شركاء أو ابنا" (٤). قال البغوي: أي: " لا تقولوا إن له شريكا وولدا" (٥). قال الزمخشري: " وهو تنزيهه عن الشريك والولد" (٦). قال أبو حيان: " وهو تنزيهه عن الشريك والولد والحلول والاتحاد" (٧). قال أبو السعود: " أي: لا تصفوه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق" (٩). قال الزجاج: " أي، فكيف يكون إلها وهو ابن مريم، وكيف يكون إلها وأمه قبله والله القديم الذي لم يزل" (١٠). قال إبراهيم: ": المسيح: الصديق" (١١). وروي عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي: " أن عيسى ابن مريم كان سائحا، ولذلك سمي المسيح. قال: يمشي بأرض، ويصبح بأخرى" (١٢). قال ابن عباس: " لم يكن من الأنبياء من له اسمين إلا عيسى ومحمد ﷺ " (١٣). وقرأ جعفر بن محمد: «إنما المسيح»، بوزن: السكيت (١٤). قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله: «كن»، فكان" (١٥). قال البغوي: "وهي قوله ﴿كن﴾ فكان بشرا من غير أب" (١٦). قال قتادة: " قال له: كن فكان" (١٧). قال شاذ بن يحيى: " ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى" (١٨). قال البغوي: " ﴿ألقاها إلى مريم﴾، أي: أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة" (١٩). قال الزمخشري: " وقيل لعيسى: ﴿كلمة الله﴾، ﴿وكلمة منه﴾ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة، ومعنى: ﴿ألقاها إلى مريم﴾، أوصلها إليها وحصلها فيها" (٢٠).

стр. 3194

قال أبو السعود: " ﴿ألقاها إلى مريم﴾، أي: أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ جبريل ﵇ وقيل أعلمها إياها وأخبرها بها بطريق البشارة" (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]، ثلاثة أقوال: أحدها: لأن الله كَلَّمَه حين قال له كن، وهذا قول الحسن (٢)، وقتادة (٣). الثاني: لأنه بشارة الله التي بشر بها، فصار بذلك كلمة الله (٤). والثالث: لأنه يهتدى به كما يُهْتَدَى بكلام الله (٥). قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " وهو ذو روح مبتدأةٍ من الله، أثر نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه" (٦). قال مجاهد: " رسول منه" (٧). قال الزمخشري: " وقيل له: روح الله، وروح منه، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذى روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحى وإنما اخترع اختراعا من عند الله وقدرته خالصة" (٨). قال أبو السعود: " قيل هو الذي نفخ جبريل ﵇ في درع مريم فحملت بإذن الله تعالى سمي النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح" (٩). قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال، فقالوا: عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا" (١٠). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ثلاثة أوجه (١١): أحدها: سُمِّي بذلك لأنه رُوح من الأرواح، وأضافه الله إلى نفسه تشريفاً له. والثاني: أنه سُمِّي روحاً؛ لأنه يحيا به الناس كما يُحْيَون بالأرواح. والثالث: أنه سُمِّي بذلك لنفخ جبريل ﵇، لأنه كان ينفخ فيه الروح بإذن الله، والنفخ يُسَمَّى في اللغة روحاً، فكان عن النفخ فسمي به. يحكى: "أن طبيبا حاذقا نصرانيا للرشيد ناظر علي بن حسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له إن في كتابكم ما يدل على إن عيسى ﵇ جزء منه تعالى وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فقال: إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا من الله تعالى علوا كبيرا، فانقطع النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا" (١٢). قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " فَصدِّقوا بأن الله واحد وأسلموا له، وصدِّقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله واعملوا به" (١٣). قال المراغي: " أي: فآمنوا بالله إيمانا يليق به، وهو أنه واحد أحد تنزه عن صفات الحوادث، وأن كل ما فى الكون مخلوق له، وهو الخالق له، وأن الأرض فى مجموع ملكه أقل من حبة رمل بالنسبة إلى اليابس منها، ومن نقطة ماء بالنسبة إلى بحارها وأنهارها، وآمنوا برسله كلهم إيمانا يليق بشأنهم وهو أنهم عبيد له خصهم بضروب من التكريم والتعظيم، وألهمهم بضرب من العلم والهداية بالوحى ليعلموا الناس كيف يوحدون ربهم ويعبدونه ويشكرونه" (١٤).

стр. 3195

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " ولا تقولوا الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم، انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه" (١). قال المراغي: أي: " ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الآب والابن وروح القدس، انتهوا عنه وقولوا قولا آخر خيرا لكم منه، وهو قول جميع النبيين والمرسلين الذين جاءوا بتوحيد الله وتنزيهه " (٢). قال القرطبي: " كأنه قال: ائتوا خيرا لكم، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم" (٣). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وجهين: أحدهما: هو قول النصارى: أب وابن وروح القدس، وهذا قول بعض البصريين (٤). والثاني: هو قول من قال: آلهتنا ثلاثة، وهو قول الزجاج (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " إنما الله منفرد في ألوهيته ليس كما تزعمون أنه ثالث ثلاثة" (٦). قال الزجاج: " أي: ما هو إلا إله واحد" (٧). قال المراغي: أي: " منزه عن التعدد، فليس له أجزاء ولا أقانيم، ولا هو مركب ولا متحد بشىء من المخلوقات" (٨). قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " تنزّه الله عن أن يكون له ولد" (٩). قال الطبري: " يقول: علا الله وجل وعز وتعظمَّ وتنزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة" (١٠). قال ابن كثير: " أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا" (١١). قال الزمخشري: أي: " سبحه تسبيحا من أن يكون له ولد" (١٢). قال النسفي: أي: " أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد" (١٣). قال القرطبي: " أي تنزيها عن أن يكون له ولد، أي كيف يكون له ولد؟ وولد الرجل مشبه له، ولا شبيه لله " (١٤). قال المراغي: " أي: تقدس عن أن يكون له ولد كما قلتم فى المسيح إنه ابنه، أو إنه هو عينه، فإنه ﵎ ليس له مماثل فيكون له منه زوج يتزوجها فتلد له ولدا" (١٥). قال الفراء: " معنى «سبحانه»: تبرئته من أن يكون له ولد، وهذا قول أهل العربية" (١٦). روي عن ابن عباس قال: "سبحان الله، قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، قال: ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده: لا إله إلا الله قد عرفناه فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه ورضيها وأحب أن تقال" (١٧). عن النضر بن عربي قال: "سأل رجل ميمون بن مهران عن سبحان الله، فقال: اسم يعظم الله به ويحاشا به من السوء" (١٨).

стр. 3196

قال الحسن: " «سبحان الله»: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه" (١). وقرأ الحسن: «إن يكون»، بكسر الهمزة ورفع النون: أى: سبحانه ما يكون له ولد (٢). قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، أي وله ما في السماوات والارض" خلقاً وملكاً وعبيدا، فكيف يكون له منهم صاحبة اول ولد" (٣). قال الطبري: " لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا، وهو يرزقهم ويَقُوتهم ويدبِّرهم، فكيف يكون المسيح ابنًا لله، وهو في الأرض أو في السموات، غيرُ خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن؟ " (٤). قال ابن كثير: " أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨: ٩٥] " (٥). قال الزمخشري: " بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض" (٦). قال أبو حيان: " إخبار لملكه بجميع من فيهن، فيستغرق ملكه عيسى وغيره. ومن كان ملكا لا يكون جزءا من المالك على أن الجزئية لا تصح إلا في الجسم، والله تعالى منزه عن الجسم والعرض" (٧). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]، أي: " وكفى بالله وكيلا على تدبير خلقه وتصريف معاشهم، فتوكَّلوا عليه وحده فهو كافيكم" (٨). قال القرطبي: " أي: لأوليائه" (٩). قال الزمخشري: أي: " يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه" (١٠). قال أبو حيان: " أي كافيا في تدبير مخلوقاته وحفظها، فلا حاجة إلى صاحبة ولا ولد ولا معين" (١١). قال النسفي: أي: " حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه" (١٢). قال المراغي: " أي: كفى به حافظا ووكيلا إذا وكلوا أمورهم إليه، فهو غنى عن الولد، فإن الولد إنما يحتاج إليه أبوه ليعينه فى حياته، ويقوم مقامه بعد وفاته، والله تعالى منزه عن كل ذلك" (١٣). قال البيضاوي: " تنبيه على غناه عن الولد فإن الحاجة إليه ليكون وكيلا لأبيه والله قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلقه أو يعينه" (١٤). الفوائد: ١ - حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال. ٢ - تضمنت الآية إثبات الوحدانية لله تعالى. ٣ - حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة. ٤ - نفي الولد لله .

стр. 3197

٥ - بيان المعتقد الحق في عيسى ﵇، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة جبريل-﵇. ٦ - إثبات الصفات ما تضمنه قوله ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه يقتضي الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فاقتضت الآية أيضا إثبات الكلام فإن هذا من القرآن وهو كلام الله، أما القدرة فخلقه السماوات والأرض وتخصيص أحدهما بصفة دون الأخرى دليل على الإرادة وكون فاعلها عالما (١). ٧ - إثبات اسمه تعالى «الوكيل»، فهو سبحانه المتولّي لتدبير خلقه، بعلمه، وكمال قدرته، وشمول حكمته، الذي تولى أولياءه، فيسَّرهم لليُسرى، وجنّبهم العُسرى، وكفاهم الأمور، فمن اتخذه وكيلاً كفاه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (٢). قال الفراء: " وقوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]، يقال: ربا، ويقال: كافيا" (٣)، .. وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤]، يقول: حافظا وربا" (٤) ... وقوله : ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، كفيلا بما وعدك" (٥). قال الخطابي: " ويقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه ومن هذا قول المسلمين: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها" (٦). القرآن ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧٢] التفسير: لن يَأْنف ولن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله، وكذلك لن يأنَفَ الملائكة المُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى. ومن يأنف عن الانقياد والخضوع ويستكبر فسيحشرهم كلهم إليه يوم القيامة، ويفصلُ بينهم بحكمه العادل، ويجازي كلا بما يستحق. سبب النزول: نقل الواحدي عن الكلبي: "إن وفد نجران قالوا: يا محمد تعيب صاحبنا؟ قال: «ومن صاحبكم؟ » قالوا: عيسى، قال: «وأي شيء أقول فيه؟ » قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: «إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبد الله»، قالوا: بلى، فنزلت: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله﴾ الآية" (٧). قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: " لن يَأْنف ولن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله" (٨). قال ابن قتيبة: " أي: لن يأنف" (٩). قال الزجاج: " أي: ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدا لله، فتأويل ﴿لن يستنكف﴾: لن ينقبض " (١٠). قال الطبري: أي: " لن يأنف ولن يستكبر المسيح من أن يكون عبدًا لله" (١١). قال قتادة: " لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا الله" (١٢). وقال الكلبي: " ﴿لن يستنكف﴾: لن يتعظم" (١٣).

стр. 3198

وقال مقاتل: "لن يأنف" (١). وقال ابن عباس: " لن يستكبر" (٢). وروي عن عطاء الخراساني نحو ذلك (٣). ومعنى «يستنكف»: أي: لن يأنف، وأصله في اللغة من «نكفت الدمع»، إذا نحيته بإصبعك من خدك، قال الشاعر (٤): فبانوا فلولا ما تذكر منهم ... من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع (٥) قوله تعالى: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: " وكذلك لن يأنَفَ الملائكة المُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى" (٦). قال الطبري: أي: " ولن يستنكف أيضًا من الإقرار لله بالعبودة والإذعان له بذلك، رسلُه ﴿المقربون﴾، الذين قرَّبهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه" (٧). قال مقاتل: " ولايستنكف ملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا لله ليعتبروا بكون الملائكة أقرب إلى- الله منزلة من عيسى ابن مريم وغيره، فإن عيسى عبد من عباده" (٨). عن الأجلح قال: "قلت للضحاك: ما ﴿المقربون﴾؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: " ومن يأنف عن الانقياد والخضوع لله تعالى" (١٠). قال الطبري: أي: " ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنفْ من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك" (١١). قال مقاتل: " يعني: ومن يأنف عن عبادة الله، يعني: التوحيد، ﴿ويستكبر﴾، يعنى: ويتكبر عن العبادة" (١٢). قال السمرقندي: " أي يتعظم ن عبادته ويستكبر، والاستكبار هو الاستنكاف، يقال: استنكف واستكبر يعني استكبر عن طاعته" (١٣). قال السمعاني: " الفرق بين الاستنكاف والاستكبار: أن الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو الغلو، والتكبر من غير أنفة" (١٤). قوله تعالى: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: " فسيحشرهم كلهم إليه يوم القيامة، ويفصلُ بينهم بحكمه العادل، ويجازي كلا بما يستحق" (١٥). قال الطبري: " يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعدهم عنده" (١٦). قال النسفي: أي: " فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم" (١٧). عن الضحاك , في قوله: " ﴿جميعا﴾ [البقرة: ٢٩] قال: البر والفاجر" (١٨).

стр. 3199

قال ابن عطية: " أخبر تعالى عمن يستنكف أي يأنف عن عبادة الله ويستكبر، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى الله، وقوله ﴿سيحشرهم﴾، عبارة وعيد" (١). قرأ جمهور الناس: «فسيحشرهم» بالياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «فسنحشرهم» بنون الجماعة، وقرأ مسلمة: «فسيحشرهم» (٢). الفوائد: ١ - حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله. ٢ - ومن هذه الآية يفهم أن الملائكة أعظم من المسيح خلقا وأفعالا، ومنهم روح القدس الذي بنفخة منه خلق المسيح، ومن ثم استدل بها كثير من العلماء على تفصيل الملائكة المقربين على الأنبياء (٣). القرآن ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾ [النساء: ١٧٣] التفسير: فأمَّا الذين صَدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستقاموا على شريعته فيوفيهم ثواب أعمالهم، ويزيدُهم من فضله، وأما الذين امتنعوا عن طاعة الله، واستكبروا عن التذلل له فيعذبهم عذابًا موجعًا، ولا يجدون لهم وليًّا ينجيهم من عذابه، ولا ناصرًا ينصرهم من دون الله. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: " فأمَّا الذين صَدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستقاموا على شريعته" (٤). قال الطبري: " فأما المؤمنون المقرّون بوحدانية الله، الخاضعون له بالطاعة، المتذلِّلون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال، وذلك: أن يَرِدُوا على ربهم قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه" (٥). قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: " فيوفيهم ثواب أعمالهم" (٦). قال الطبري: " يقول: فيؤتيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة وافيًا تامًّا" (٧). قال ابن الجوزي: " أي: ثواب أعمالهم" (٨). قال الأعمش: " ﴿أجورهم﴾، أن يدخلهم الجنة" (٩). قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: " ويزيدُهم من فضله وإحسانه وسعة رحمته" (١٠). قال ابن الجوزي: أي: "مضاعفة الحسنات" (١١). قال الثعلبي: " في التضعيف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (١٢). قال الطبري: أي: " ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها، من الفضل والزيادة ما لم يعرّفهم مبلغه، ولم يحدّ لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشرَ أمثالها من الثواب والجزاء. فذلك هو أجر كلِّ عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضُّل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده. غيرَ أن الذي وعد عبادَه المؤمنين أن يُوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حَدُّ مبلغه من

стр. 3200

العَشْر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء، لا حدّ لقَدْره يوقف عليه" (١). عن الأعمش: " قوله: ﴿ويزيدهم من فضله﴾، قال: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا" (٢). وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ -في قوله تعالى: ﴿فيوفيهم أجورهم﴾، قال: "يدخلون الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا" (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: " وأما الذين امتنعوا عن طاعة الله" (٤). قال مقاتل: " يعنى: أنفوا" (٥). قال الطبري: أي: " وأما الذين تعظَّموا عن الإقرار لله بالعبودة، والإذعان له بالطاعة" (٦). قال ابن كثير: " أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: " واستكبروا عن التذلل لله " (٨). قال مقاتل: " واستكبروا عن عبادة الله بالتوحيد" (٩). قال الطبري: أي: " واستكبروا عن التذلّل لألوهته وعبادته، وتسليم الربوبيّة والوحدانية له" (١٠). قال ابن كثير: أي: "واستكبروا عن طاعة الله وعبادته" (١١). قال الماتريدي: " والاستنكاف والاستكبار واحد في الحقيقة، وقال الكساني: وإنما جمع بينهما؛ لاختلاف اللفظين، وهذا من حسن كلام العرب: كقول العرب: كيف حالك؟ وبالك؟ والحال والبال واحد، ومثله في القرآن والشعر كثير، لكن الاستنكاف -والأنفة- لا يضاف إلى الله تعالى، والاستكبار يضاف، فهما من هذا المعنى مختلفان، وأما في الحقيقة فهما واحد" (١٢). قوله تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: " فيعذبهم عذابًا موجعًا" (١٣). قال مقاتل: " يعني: وجيعا" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: " ولا يجدون لهم وليًّا ينجيهم من عذابه، ولا ناصرًا ينصرهم من دون الله" (١٥). قال مقاتل: " ﴿وليا﴾: يعني قريبا ينفعهم، ﴿ولا نصيرا﴾، يعني: مانعا يمنعهم من الله- " (١٦). قال السمرقندي: " يعني من عذاب الله ﴿وليا﴾ يعينهم، ﴿ولا نصيرا﴾، مانعا يمنعهم" (١٧). قال الطبري: " يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها، إذا عذبهم الله الأليم من عذابه، سوى الله لأنفسهم وليًّا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه، ﴿ولا نصيرًا﴾، يعني: ولا ناصرًا ينصرهم فيستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوّته ما أحلَّ بهم من نقمته، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء، من نصرتهم والمدافعة عنهم" (١٨).

стр. 3201

عن ابن عباس , قوله: ﴿ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ [النساء: ١٧٣] إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه" (١). قال ابو حيان: " هذا وعيد شديد للذين يتركون عبادة الله أنفة تكبرا" (٢). قال ابن عطية في هذه الآية: " هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة الله أنفة وتكبرا، وهذا الاستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه، كفعل حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بمحمد ﵇، وكفعل أبي جهل وغيره، وإلا فإذا فرضت أحدا من البشر عرف الله تعالى، فمحال أن تجده يكفر به تكبرا عليه، والعناد المجوز إنما يسوق إليه الاستكبار عن البشر، ومع تقارب المنازل في ظن المتكبر" (٣). الفوائد: ١ - بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم. ٢ - إثبات اسمين من أسماءه تعالى، وهما: «الولي»: و"هو الناصر. ينصر عباده المؤمنين" (٤). يوصف الله بأنه ولي الذين آمنوا ومولاهم، و «الولي» و «المولى»: اسمان لله تعالى، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: "نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه" (٥). جاء في الحديث: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (٦). ويوصف الله بأنه «الناصر» و «النصير»، واللَّه هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم. و«النصير»: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصراً، إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (٧)، واللَّه النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٨). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤] التفسير: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم، وهو رسولنا محمد، وما جاء به من البينات والحجج القاطعة، وأعظمها القرآن الكريم، مما يشهد بصدق نبوته ورسالته الخاتمة، وأنزلنا إليكم القرآن هدًى ونورًا مبينًا. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤]، أي: " يا أيها الناس قد أتاكم حجة من ربكم، وهو رسولنا محمد رسول الله المؤيد بالمعجزات الباهرة" (٩). قال السمرقندي: " أي: بيانا من ربكم وحجة من ربكم، وهو محمد ﷺ والقرآن" (١٠). عن مجاهد , قوله: " ﴿برهان من ربكم﴾ قال: حجة" (١١). وروي عن السدي مثل ذلك (١٢). وعن قال سفيان في قوله: " ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ [النساء: ١٧٤] قال: النبي ﷺ " (١٣). وقال قتادة: " بينة من ربكم (١٤).

стр. 3202

قال الراغب: " عنى بالـ ﴿برهان﴾: الآيات القاهرة المبنية عن المعجزات" (١). قال الزمخشري: " البرهان: القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله ﷺ " (٢). قال ابن عطية: " الآية إشارة إلى محمد رسول الله، و «البرهان»: الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، والمعنى: قد جاءكم مقترنا بمحمد برهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه وفساد ما أنتم عليه من النحل" (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، أي: " وأنزلنا إليكم القرآن هدًى ونورًا مبينًا" (٤). قال السمرقندي: " أي: بيانا من العمى وبيان الحلال من الحرام، وهو القرآن" (٥). قال قتادة: " وهو هذا القرآن" (٦). وروي عن ابن جريج نحو ذلك (٧). قال الراغب: " عنى بالـ ﴿نور﴾: القرآن، لأنه به يعرف الطريق إلى الله" (٨). قال ابن الجوزي: " وإنما سماه: نورا، لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء بالنور" (٩). الفوائد: ١ - أن الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء. ٢ - إطلاق لفظ البرهان على النبي ﷺ ؛ لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشري أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته. القرآن ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٥] التفسير: فأمَّا الذين صدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم، فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: " فأمَّا الذين صدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا" (١٠). قال السمرقندي: " أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى" (١١). قال الطبري: أي: " فأما الذين صدَّقوا الله وأقرّوا بوحدانيته، وما بعث به محمدًا ﷺ من أهل الملل" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: " واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم" (١٣). قال مقاتل: " يعني احترزوا بالله- " (١٤). قال الماتريدي: " جعل الاعتصام به ما به ينال رحمته وفضله. و «الاعتصام»: هو أن يلتجأ إليه في كل الأمور، وبه يوكل، لا يلتجأ بمن دونه" (١٥).

стр. 3203

قال الطبري: " يقول: وتمسكوا بالنور المبين الذي أنزله إلى نبيه" (١). قال السمرقندي: " أي: تمسكوا بدينه" (٢). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ [النساء: ١٧٥]، وجهين: أحدهما: اعتصموا بالقرآن، وهذا قول ابن جريج (٣)، واختيار النحاس (٤). قال النحاس: " أي: امتنعوا بكتابه عن معاصيه وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به" (٥). والثاني: اعتصموا بالله من زيغ الشيطان وهوى الإنسان. وهذا معنى قول مقاتل (٦)، واختيار البغوي (٧). قال ابن عطية: " ثم وعد ﵎ المؤمنين بالله، المعتصمين به، والضمير في به يحتمل أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود على القرآن الذي تضمنه قوله تعالى: نورا مبينا و «الاعتصام» به التمسك بسببه وطلب النجاة والمنعة به، فهو يعصم كما تعصم المعاقل" (٨). وهذا قد فسره قول النبي ﷺ : «كتاب الله: هو حبل الله المتين» (٩). قال قتادة: "حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: " فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا" (١١). قال الزمخشري: أي: "في ثواب مستحق وتفضل" (١٢). قال ابن عطية: " «الرحمة» و «الفضل»: الجنة وتنعيمها" (١٣). قال الطبري: أي: " فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحَقهم من فضله ما لَحِق أهل الإيمان به والتصديق برسله" (١٤). وفي تفسير «الرحمة» في الآية، قولان: أحدهما: أنها الجنة، قاله ابن عباس (١٥)، ومقاتل (١٦). والثاني: أنها نفس الرحمة، والمعنى: سيرحمهم، قاله أبو سليمان (١٧). وفي تفسير «الفضل» في الآية، قولان: أحدهما: أنه الرزق في الجنة، قاله مقاتل (١٨). والثاني: أنه الإحسان، قاله أبو سليمان (١٩). قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: " ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات" (٢٠). قال الواحدي: أي: " ديناً مستقيماً" (٢١). قال ابن الجوزي: " أي: يوفقهم لإصابة الطريق المستقيم" (٢٢).

стр. 3204

قال الطبري: " يقول: ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه، ويسدِّدهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته، ولاقتفاء آثارهم واتباع دينهم. وذلك هو «الصراط المستقيم»، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام" (١). قال الزمخشري: " ﴿ويهديهم إليه﴾، إلى عبادته، ﴿صراطا مستقيما﴾، وهو طريق الإسلام. والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم." (٢). قال ابن عطية: " معناه: إلى الفضل، وهذه هداية طريق الجنان، كما قال تعالى: ﴿سيهديهم ويصلح بالهم﴾ [محمد: ٥]، لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين آمنوا بالله واعتصموا بكتابه" (٣). قال النحاس: " ﴿ويهديهم إليه﴾، أي: إلى ثوابه" (٤). قال علي-﵁: " سمعت رسول الله ﷺ , يقول: «الصراط المستقيم كتاب الله» " (٥). وفي تفسير «الهداية» في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، وجهان: أحدهما: أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة، وهذا قول الحسن (٦). والثاني: هو الأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو قول بعض المفسرين البصريين (٧). قال السمرقندي: " أي يرشدهم إلى دينه، ويوفقهم لذلك. وفي الآية تقديم وتأخير فكأنه يقول: يهديهم في الدنيا صراطا مستقيما أي دينا لا عوج فيه، ويثيبهم على ذلك ويدخلهم في الآخرة في رحمة منه وفضل وهو الجنة والكرامة" (٨). الفوائد: ١ - تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام. ٢ - القرآن نور لما يحصل به من الإهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال. ٣ - ثمن السعادة ودخول الجنة الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام.

стр. 3205

القرآن ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦] التفسير: يسألونك -أيها الرسول- عن حكم ميراث الكلالة، وهو من مات وليس له ولدٌ ولا والد، قل: الله يُبيِّن لكم الحكم فيها: إن مات امرؤ ليس له ولد ولا والد، وله أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط، فلها نصف تركته، ويرث أخوها شقيقًا كان أو لأب جميع مالها إذا ماتت وليس لها ولد ولا والد. فإن كان لمن مات كلالةً أختان فلهما الثلثان مما ترك. وإذا اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث فللذكر مثل نصيب الأنثيين من أخواته. يُبيِّن الله لكم قسمة المواريث وحكم الكلالة، لئلا تضلوا عن الحقِّ في أمر المواريث. والله عالم بعواقب الأمور، وما فيها من الخير لعباده. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أنها نزلت في جابر بن عبد الله. أخرج البخاري (١)، وأحمد (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنَّسَائِي (٦)، وابن ماجه (٧)، وغيرهم (٨)، عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: " مرضت، فعادني رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وهما يمشيان، فأغمي علي، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ، ثم صبه علي فأفقت، فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ ، حتى نزلت آية الميراث". [صحيح]. والثاني: وقال قتادة: " ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، فسألوا عنها نبيَّ الله، فأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ " (٩). [مرسل صحيح الإسناد]. والثالث: وقال سعيد بن المسيب: "سأل عمر بن الخطاب النبيَّ ﷺ عن الكلالة، فقال: أليس قد بيَّن الله ذلك؟ قال: فنزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ " (١٠). [ضعيف]. والراجح- والله أعلم- أن سبب نزول الآية قصة جابر، وذلك لصحة سندها، وصراحة لفظها، وموافقتها للفظ الآية، وقواعد الفرائض، واتفاق أكثر المفسرين على ذلك (١١). واختلف في مكان الذي نزلت فيه هذه الآية على قولين: أحدها: أنها نزلت في المدينة. وهذا قول جابر بن عبدالله (١٢). والثاني: أنها أنزلت في مسيرٍ كان فيه رسول الله ﷺ وأصحابه. وهذا قول ابن سيرين (١٣).

стр. 3206

قال ابن سيرين: " نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، والنبيّ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلَّغها النبي ﷺ حُذيفة، وبلّغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه. فلما استُخلف عمر سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدِّثك فيها بما لم أحدِّثك يومئذ! فقال عمر: لم أرِد هذا، رحمك الله! " (١). وفي رواية اخرى: "فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقّانيها رسول الله فلقَّيْتُكها كما لقَّانيها، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا! قال: وكان عمر يقول: اللهم مَن كنتَ بيّنتها له، فإنها لم تُبَيَّن لي" (٢). قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: " يسألونك -أيها الرسول- عن حكم ميراث الكلالة، وهو من مات وليس له ولدٌ ولا والد، قل: الله يُبيِّن لكم الحكم فيها" (٣). قال الطبري: أي: " يسألونك، يا محمد، أن تفتيهم في الكلالة" (٤). قال ابن كثير: " وكأن معنى الكلام - والله أعلم - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: عن الكلالة قل: الله يفتيكم فيها، فدل المذكور على المتروك" (٥). واختلفوا في الكلالة على أقوال: أحدها: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب (٦)، وهو قول طاوس (٧). والثاني: أن الكلالة ما عدا الوالد، وهو قول الحكم بن عيينة في أحد قوليه (٨). والثالث: أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، وهو قول أبي بكر (٩)، وعمر (١٠)، والمشهور عن ابن عباس (١١)، وسليم بن عبد (١٢)، وقتادة (١٣)، والحكم (١٤)، وابن زيد (١٥)، والزهيري (١٦)، وأبي إسحاق (١٧)، والضحاك (١٨)، والحسن (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، واختيار الفراء (٢١)، والزجاج (٢٢). والرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي (٢٣). والخامس: أنهم الأخوة للأم. قاله عطية (٢٤). والسادس: أنهم الأخوة للأب. قاله عبيد بن عمير (٢٥). والسابع: وقيل: هم الأخوة والأخوات (٢٦). قال الواحدي: " والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد" (٢٧). قال الزجاج: " زعم أهل اللغة أن الكلالة من قولك: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أباه. والكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر (٢٨): فإنّ أَبَا الْمَرْء أحْمَى لَهُ ... ومَوْلَى الكَلالَة لَا يَغضَبُ وإنما هو كالإكليل الذي على الرأس" (٢٩). ويجدر القول بأن الوارث يسمى "كلالة". قاله سعيد بن جبير (٣٠)، وكما جاء في حديث جابر أنه قال: "ليس يرثني إلا كلالة" (٣١). وكذلك أن الموروث أي: الميت، يسمى "كلالة"، قاله الضحاك والسدي (٣٢)، ومنه قول الفرزدق (٣٣): ورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم وقال الطرماح (٣٤): يهز سلاحا لم يرثه كلالة ... يشك به منها جلود المغابن يصف ثورا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث (٣٥). وقال النضر بن شميل: أن الكلالة "هو المال" (٣٦). نستنتج بأن كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (٣٧). قال ابن عطية: " ان المترجح أن «الكلالة»، هي: الوراثة التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي فيها من يتكلل، أي: يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل" (٣٨). قال الشافعي: " والكلالة في هاتين الآيتين (٣٩): الميت لا الوارث، وقد قيل للورثة الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد: كلالة أيضاً، ألا ترى أن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مرضت فأتيت النبي ﷺ فقلت: "إني رجل لا يرثنى إلا كلالة" (٤٠) الحديث، فجعل الكلالة: ورثته، فأما الآيتان: فالكلالة فيهما - الميت - الموروث لا الوارث" (٤١). وروى أنس عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فرد عليه السائل فقال ﷺ : «لست بزائدك حتى أزاد» (٤٢).

стр. 3207

والكلالة: " مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء: بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، أي: مات، ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ " (١). وقد أُشْكِل حُكْم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "أيها الناس، ثلاثٌ ودِدت أن رسول الله ﷺ لم يفارِقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا يُنتهى إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب الربا" (٢). عن معدان بن أبي طلحة: "أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: إنيّ والله ما أدع بعدي شيئًا هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة، وقد سألت عنها رسول الله ﷺ ، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال: «تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء»، وإن أعِش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحدٌ قرأ القرآن" (٣). وعن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب كتب في الجدّ والكلالة كتابًا، فمكث يستخير الله فيه يقول: اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه، حتى إذا طُعِن، دعا بكتاب فَمُحي، فلم يدر أحدٌ ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه " (٤). وعن طارق بن شهاب قال: "أخذ عمر كتِفًا وجمع أصحاب محمد ﷺ ، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاءً تحدَّثُ به النساء في خدورهن! فخرجت حينئذ حيَّة من البيت، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمَّه" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: " إن مات امرؤ ليس له ولد ولا والد، وله أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط" (٦). قال الطبري: أي: " إن إنسان من الناس مات ﴿ليس له ولد﴾، ذكر ولا أنثى، ﴿وله أخت﴾، يعني: وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه " (٧). عن السدي: قوله: " ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، يقول: مات" (٨). وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (٩). عن سعيد بن جبير , في قول الله تعالى: " ﴿ليس له ولد وله أخت﴾: من أبيه وأمه , أو من أبيه" (١٠). قال ابن كثير: " ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، أي: مات، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله، ، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] " (١١). وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ "تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد" (١٢). قوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: "فلها نصف تركته" (١٣). قال سعيد بن جبير: " من الميراث، والبقية للعصبة" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: " ويرث أخوها شقيقًا كان أو لأب جميع مالها إذا ماتت وليس لها ولد ولا والد" (١٥).

стр. 3208

قال الطبري: أي: " وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله، إذا وُرِثت كلالة، ولم يكن لها ولد ولا والد" (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: " فإن كان لمن مات كلالةً أختان فلهما الثلثان مما ترك" (٢). قال الطبري: أي: " فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه ﴿اثنتين﴾، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت، إذا لم يكن له ولد، وورث كلالة " (٣). قال سعيد بن جبير: " فلو مات الأخ وكانت له أختان فصاعدا من أبيه وأمه أو من أبيه" (٤)، " ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء: ١٧٦] يعني: الأخ" (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: " وإذا اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث، فللذكر مثل نصيب الأنثيين من أخواته" (٦). قال الطبري: " يعني: وإن كان المتروكون من إخوته ﴿رجالا ونساء فللذكر﴾ منهم بميراثهم عنه من تركته مثل نصيب اثنتين من أخواته، وذلك إذا ورث كلالةً، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو: لأبيه" (٧). عن سعيد: " ﴿وإن كانوا إخوة﴾، يعني: إخوة الميت" (٨)، " ﴿رجالا ونساء﴾ من أبيه وأمه , أو من أبيه فللذكر مثل حظ الأنثيين" (٩). عن ابن عباس , قوله: " ﴿فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾، صغيرا أو كبيرا" (١٠). قال السدي: " ﴿حظ﴾: يقول: نصيب" (١١). قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: " يُبيِّن الله لكم قسمة المواريث وحكم الكلالة، لئلا تضلوا عن الحقِّ في أمر المواريث" (١٢). قال ابن جريج: " في شأن المواريث" (١٣). قال سعيد بن جبير: " يقول أن لا تحطوا قسمة الميراث" (١٤). قال مقاتل بن حيان: " يقول: أن تحفظوا قسمة المواريث , فهذه الضلالة التي يكون فيها الإخوة عصبة , إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة" (١٥). قال مالك: " فهذه الضلالة التي يكون فيها الإخوة عصبة إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة" (١٦). قال الطبري: أي: " يبين الله لكم قسمة مواريثكم، وحكم الكلالة، وكيف فرائضهم، لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها، أي: لئلا تجوروا عن الحق في ذلك وتخطئوا الحكم فيه، فتضلّوا عن قصد السبيل" (١٧). قال ابن كثير: "أي: يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه، لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان " (١٨).

стр. 3209

قال السعدي: أي: " يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها ويشرحها لكم فضلا منه وإحسانا لكي تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلكم وعدم علمكم" (١). قال الماتريدي: " قيل: ألا تضلوا في قسمة المواريث. وقيل: ألا تخطئوا. وقيل: ألا تخلطوا، وهو واحد" (٢). قال ابن سيرين: " كان عمر إذا قرأ: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾، قال: اللهم مَنْ بَيَّنت له الكلالة، فلم تُبَيَّن لي" (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وجهان (٤): أحدهما: أن المعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا، فأضمرت «لا». وهذا قول الفراء (٥)، والكسائي (٦)، وابن قتيبة (٧)، والطبري (٨)، والزجاج (٩)، والماتريدي (١٠)، والنحاس (١١)، وغيرهم. ومثل هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا، ومثله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]. ومنه قول القطامي في صفة ناقة (١٢): رَأَيْنَا مَا يَرَى البُصَراءُ فِيهَا ... فَآلَيْنَا عَلَيْها أَنْ تُبَاعَا بمعنى: أن لا تباع. والثاني: أن المعنى: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، وحذفت " كراهة "، لأن في الكلام دليلا عليها، وإنما جاز الحذف عندهم على أحد، ومن ذلك قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمعنى واسأل أهل القرية. وهذا قول البصريين (١٣). قال الواحدي: " وهذا القول يبعد، لأنه لم يدل على الاجتناب شيء" (١٤). والذي عليه البصريون أظهر، وفي حديث ابن عمر: «لا يدعو أحدكم على ولده أن يوافق من الله ساعة إجابة» (١٥)، قيل: معناه: لئلا يوافق ساعة إجابة، والأظهر تقدير البصريين: أي كراهة أن يوافق ساعة إجابة، وفي معنى الكراهة الحذر والتفادي، وهو استعمال معروف وتكرر في القرآن (١٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: " والله عالم بعواقب الأمور، وما فيها من الخير لعباده" (١٧). قال سعيد بن جبير: " يعني: من قسمة المواريث وغيرها عليم" (١٨). قال الطبري: أي: "من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها، وجميع الأشياء، فهو بذلك كله ذو علم" (١٩). قال ابن كثير: " أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى" (٢٠).

стр. 3210

قال الشوكاني: أي: " والله بكل شيء من الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها ﴿عليم﴾، أي: كثير العلم (١). قال السعدي: " أي: عالم بالغيب والشهادة والأمور الماضية والمستقبلة، ويعلم حاجتكم إلى بيانه وتعليمه، فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم على الدوام في جميع الأزمنة والأمكنة" (٢). قال المراغي: أي: " فهو لم يشرع لكم من الأحكام إلا ما علم أن فيه الخير لكم لصلاح أنفسكم، وذلك شأنه فى جميع أفعاله وأحكامه، فكلها موافقة للحكمة، دالة على واسع العلم وعظيم الرحمة" (٣). قال الماتريدي: "وعيد" (٤). قال الخطابي: " إن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين؛ إحداهما في الشتاء، وهي الآية التي في سورة النساء -يعني في أولها [آية: ١٢]- وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي التي في آخر سورة النساء [آية: ١٧٦] وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها" (٥). قال البراء: " آخر سورة نزلت: «براءة»، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ " (٦). والمراد -والله أعلم- آخر آية نزلت في الميراث. الفوائد: ١ - جواز سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له. ٢ - إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً، وتقرير نبوة محمد ﷺ ، إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته. ٣ - بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة؛ فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والاختان لهما الثلثان، والأخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والإخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد. ٤ - ومن صفاته تعالى: «العليم»، قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق" (٧). ------------------------------------------------------ انتهى المجلد السابع من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد الثامن بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة المائدة.

стр. 3211

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء الثامن سورة المائدة الآية الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 3212

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 3213

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 3214

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة المائدة سورة المائدة هي السورة الخامسة من سور القرآن الكريم في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء. وعدد آياتها عشرون ومائة آية عند الكوفيين، ويرى الحجازيون والشاميون أن عدد آياتها اثنتان وعشرون ومائة آية، ويرى البصريون أن عدد آياتها ثلاث وعشرون ومائة آية (١). اختلافها ثلاث آيات: - ﴿بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]ـ تركهما كوفي. - ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، عدها بصري. أسماء السورة: ولهذه السورة الكريمة أسماء أشهرها: ١ - المائدة وهو الاسم التوقيفي لهذه السوورة، وسميت بهذا الاسم، لأنها انفردت بذكر قصة المائدة التي طلب الحواريون من عيسى- ﵇ نزولها من السماء، وقد حكى الله- تعالى- ذلك في آخر السورة في قوله- تعالى-: ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الآيات من ١١٢: ١١٥]. قال المهايميّ: "سميت بها، لأن قصتها أعجب ما ذكر فيها، لاشتمالها على آيات كثيرة ولطف عظيم على من آمن، وعنف شديد على من كفر" (٢). وقد سميت هذه السورة «سورة المائدة» في كتب التفسير، وكتب الستة، وهي أشهر أسمائها، ووقعت تسميتها في كلام الصحابة كعبدالله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، وابن عباس، وأسماء بنت يزيد، وغيرهم، كما ورد في كتب السنة، منها: أما رواه بن نفير، قال: "حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه" (٣). ب وقد جاء عن أسماء بنت يزيد ﵂، قالت: "إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة" (٤). ت كما جاء من حديث عبد الله بن عمرو، قال: "أنزلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 3215

وَسَلَّمَ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها" (١). ث وعن ابن عباس-﵁: "أن النبي- ﷺ قرأ في خطبته سورة المائدة والتوبة" (٢). ٢ - سورة العقود وتسمى أيضا بسورة «العقود»، لأنها السورة الوحيدة التي افتتحت بطلب الإيفاء بالعقود، قال- تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ذكر هذه التسمية بعض المفسرين كأبي حيان (٣)، والآلوسي (٤)، والسخاوي (٥)، والسيوطي (٦)، والبقاعي (٧). ٣ - سورة المنقذة وتسمى- أيضا- «المنقذة»، ووجه تسميته بذلك أنها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب، واستندوا في تسميتها بسورة"المنقذة" على حديث ذكره ابن عطية (٨)، والقرطبي (٩)، في تفسيرهما، وهو ما روي عن النبي- ﷺ ، أنه قال: «سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة. تنقذ صاحبها من أيدى ملائكة العذاب" (١٠). وقد ذكر هذا الاسم بعض المفسرين في كتبهم، كابن عطية (١١)، وأبي حيان (١٢)، والآلوسي (١٣)، كما ذكره السيوطي في الإتقان (١٤). ٤ - سورة الأحبار ورد تسميتها بسورة «الأحبار»، لاشتالها على ذكرهم في قوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] (١٥). والأحبار هم العلماء، قال جرير (١٦): إن البعيث وعبد آل مقاعس ... لا يقرآن بسورة الأحبار أي: لا يفيان بالعهود، يعني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (١٧). ٥ - تسميات أخرى وقد وردت تسميات أخرى أقل شهرة، منها: أولا: - سورة الأخيار قال ابن عاشور: " وفي كتاب «كنايات الأدباء» لأحمد الجرجاني (١): «يقال: فلان لا يقرأ سورة الأخيار، أي لا يفي بالعهد، وذلك أن الصحابة- ﵃ كانوا يسمون سورة المائدة سورة الأخبار" (٢).

стр. 3216

ثانيا: سورة المبعثرة ورد هذه التسمية عند أبي حيان، ولم يعلل سبب تسميتها بـ «المبعثرة»، ودون ذكر سنده في ذلك (٣). ثالثا: -سورة المائة وعشرون آية جاءت تسميتها بذلك في مصحفين، احدها نسخت سنة (١٢٥٨ هـ) (٤)، والآخر في القرن الثالث عشر الهجري (٥)، ولم أقف على هذا الاسم عند السادة المفسرين، كما انه من الغريب تسمية السورة بعدد آياتها- والله أعلم-. ننستنتج مما سبق بأن اسم السورة التوفيقي، هو: سورة «المائدة»، وأما الأسماء الاخرى، فجميعها من إجتهاد العلماء ولم يرد فيها حديث من النبي- ﷺ ، أو اثر من صحابته-رضوان الله تعالى عليهم-. مكان نزول السورة: في مكان نزول السورة أقوال: القول الاول: أنها مدنية. وهذا قول ابن عباس (٦)، والضحاك (٧)، وقتادة (٨)، وجمهور العلماء (٩)، وذلك بناء على سببين: أحدهما: القول الذي رجحه العلماء من أن القرآن المدني هو الذي نزل على رسول الله ﷺ بعد الهجرة ولو كان نزوله في غير المدينة. قال ابن عطية: " هذه السورة مدنية بإجماع ... ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾ [المائدة: ٢] الآية، وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي ﷺ فهو مدني سواء ما نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة، وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة" (١٠). قال القرطبي: " وهي مدنية بإجماع ... وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي ﷺ فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار. وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة" (١١). والثاني: أن السورة بدأت بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١]، وهذه الخصلة لاتكون غلا في السور المدنية. قال ابن العربي: " قال علماؤنا: قال علقمة: إذا سمعت: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [المائدة: ١] فهي مدنية، وإذا سمعت: ﴿يا أيها الناس﴾ [النساء: ١] فهي مكية؛ وهذا ربما خرج على الأكثر" (١٢).

стр. 3217

وقد أورد الإمام السيوطي كثيرا من الأحاديث والآثار تدل صريحا على أنها آخر ما نزل من القرآن (١). والقول الثاني: أنها مدنية كلها إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣]، فإنها نزلت بـ «عرفات». وهذا قول مقاتل بن حيان (٢)، وشهاب الخفاجي (٣). قال أبو سليمان الدمشقي: "فيها من المكي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣] " (٤). قال ابن الجوزي: "والصحيح أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، نزلت بعرفة يوم عرفة، فلهذا نسبت إلى «مكة» " (٥). واعترض القاسمي على القول الثاني، من خلال نظرين (٦): الأول: - إن هذا بناء على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة. والمدني ما نزل بالمدينة، وهو اصطلاح لبعض السلف. ولكن الأشهر كما في "الإتقان" أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار (٧). الثاني: - بقي عليه، لو مشي على ذاك الاصطلاح، آيات آخر. القول الثالث: أنها مدنية كلها إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣]، وهذا قول أبي سليمان الدمشقي (٨). قال السدي: " عن السدي قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله ﷺ فمات" (٩). القول الرابع: أنها نزلت عند منصرف رسول الله ﷺ من الحديبية. ذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال: "لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية قال: «يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة» " (١٠). قال ابن عطية: "وهذا عندي لا يشبه كلام النبي ﷺ " (١١). قال ابن العربي: "هذا حديث موضوع، لا يحل لمسلم اعتقاده، أما أنا نقول: سورة المائدة نعمت الفائدة فلا نؤثره عن أحد، ولكنه كلام حسن" (١٢). القول الخامس: أنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة. وهذا قول محمد القرظي (١٣). وأخرج الطبري عن الربيع بن أنس قال: "نزلت «سورة المائدة» على رسول الله ﷺ في المسير في حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها" (١٤). والراجح-والله أعلم- انهما مدنية، وهذا قول الجمهور، باعتبار أن السور المدنية هي ما نزلت بعد الهجرة، وهذه السورة نزلت بعد سورة «الفتح»، وكان نزول سورة «الفتح» بعد

стр. 3218

صلح «الحديبية» فى السنة السادسة من الهجرة، فيكون نزول سورة «المائدة» فيما بين صلح «الحديبية» وغزوة «تبوك». والظاهر أن سورة المائدة لم تنزل دفعة واحدة في وقت معين أو في زمان معين، وإنما نزل بعضها في السنوات التي سبقت صلح الحديبية، ونزل معظمها بعد هذا الوقت، وأن الروايات التي تقول بنزولها دفعة واحدة أو في وقت معين وزمان معين من الممكن أن تحمل على أن المراد بها مجموع السورة لا جميعها (١). والله أعلم. أغراض السورة ومقاصدها: وفيما يأتي مجمل ما اشتملت عليه سورة النساء: اولا: - تعد سورةالمائدة أجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم، والأمر والنهي حيث تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكملات الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أُخذ على الأمة، وبها تم الدين، فهي سورة التكميل؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السُّراق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة الله تعالى، ولهذا ذُكر فيها ما يختص بشريعة محمد ﷺ ؛ كالوضوء والتيمم، والحكم بالقرآن على كل دين، ولهذا كثر فيها لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها أن من ارتد عوض الله بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملا. الثاني: - تطرقت السورة أيضا إلى جوانب العقيدة وقصص أهل الكتاب، وتناولت أحكام العقود، والذبائح، والصيد، والإحرام، ونكاح الكتابيات، والردة، وأحكام الطهارة، وحد السرقة، والبغي، والإفساد في الأرض، وتحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وكفارة اليمين، وحكم من ترك تحكيم شريعة الله تعالى، والوصية عند الموت، وغير ذلك من الأحكام والتشريعات. والثالث: - تضمنت السورة قصة موسى ﵇ مع بني إسرائيل في دخول بيت المقدس وردهم القبيح ومفارقة موسى ﵇ لهم، وفيها أيضاً قصة ابني آدم «قابيل وهابيل»، وهي تعرض نموذجين من نماذج البشر: نموذج النفس الشريرة الأثيمة، ونموذج النفس الخيِّرة الكريمة. وتطرقت السورة لقصة المائدة التي كانت من معجزات عيسى ﵇. والرابع: - ختمت السورة بالموقف الرهيب يوم الحشر حيث يُدعى المسيح عيسى ﵇ رؤوس الأشهاد، ويسأله ربه تبكيتاً للنصارى الذين عبدوه من دون الله تعالى، ويا له من موقف مخزٍ لأعداء الله تشيب لهوله الرؤوس، وتتفطر من فزعه النفوس! وجوه المناسبة بين سورة النساء والتي قبلها: ومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة "آل عمران" التي قبلها (٢): أولا: - لما كانت سورة النساء مشتملة على عدة عقود، بدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود. ثانيا: -اتحدت سورة النساء والمائدة في تقرير الفروع الحكمية. ثالثا: - مهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمته سورة المائدة البتة. رابعا: - بدأت سورة النساء ببدء الخلق، وختمت سورة المائدة بالانتهاء من البعث والجزاء.

стр. 3219

فضائل السورة: ورد في فضل هذه السورة مجموعة من الأخبار: أحدها: - ورد في فضلها حديث أسماء بنت يزيد ﵂، قالت: "إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة" (٣). والثاني: - تعدّ سورة المائدة من طوال سور القرآن، ومن أجلها منزلة وأعلاها مكانة، وكغيرها من السور المدنية تناولت القضايا التشريعية، كما هو شأن سورة البقرة، والنساء، والأنفال، إلى جانب احتضانها موضوع العقيدة، وقصص أهل الكتاب. والثالث: - أنها آخر سورة نزلت من القرآن الكريم. قال الرازي: "أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وليس فيها منسوخ" (١). قال أبو ميسرة: "المائدة من آخر ما نزل من القرآن، ليس فيها منسوخ وفيها ثمان عشرة فريضة" (٢). وكذلك يقول ابن تيمية: " سورة المائدة أجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم والأمر والنهي؛ ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: «هِيَ آخِرُ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا"، وهذا افتتحت بقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والعقود هي العهود وذكر فيها من التحليل والتحريم والإيجاب ما لم يذكر في غيرها" (٣). هذا ما تيسر من التمهيد للسورة، وسوف نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل، والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم.

стр. 3220

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد ﷺ . وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم، إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك، ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون. إن الله يحكم ما يشاء وَفْق حكمته وعدله. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (١). قال الطبري: أي: " يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهة وصدَّقوا رسوله محمدًا ﷺ في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). قال الزجاج: " أي: يا أيها الذين صدقوا النبي ﷺ " (٤). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله" (٥). قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٦).

стр. 3221

قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١). قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٢). قال القرطبي: " قال علقمة: كل ما في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فهو مدني، و ﴿يا أيها الناس﴾ فهو مكي، وهذا خرج على الأكثر" (٣). واختلف في المخاطبين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١]، على قولين: أحدهما: أنهم المؤمنون من أمة محمد- ﷺ ، وهذا معنى قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وقتادة (٦)، والحسن (٧)، عبدالله بن عبيدة (٨)، ومحمد بن كعب القرظي (٩)، وابن زيد (١٠)، ومقاتل (١١)، واختاره ابن عطية (١٢)، والقرطبي (١٣)، وهو قول الجمهور (١٤). قال ابن عطية: " ولفظ «المؤمنين» يعم مؤمني أهل الكتاب، إذ بينهم وبين الله عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد ﷺ ولفظ «العقود» يعم عقود الجاهلية المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة" (١٥). والثاني: أنهم أهل الكتاب، وفيهم نزلت، وهذا قول ابن جريج (١٦)، . ويسنده قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ذكره ابن العربي (١٧). والصحيح، أنها عامة، لأن" لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب، لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد ﷺ ، فإنهم مأمورون بذلك في قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ وغير موضع" (١٨). قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، أي: " أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد ﷺ " (١٩). قال الواحدي: " يعني: بالعهود المؤكَّدة التي عاهدتموها مع الله والنَّاس" (٢٠).

стр. 3222

قال الطبري: أي: "أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها" (١). قال الزجاج: " خاطب الله جل وعز جميع المؤمنين بالوفاء بالعقود التي عقدها الله عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين ... و ﴿العقود﴾: العهود" (٢). قال الشافعي: " جماع الوفاء بالنذر وبالعهد، كان بيمين أو غيرها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية، وهذا من سعة لسان العرب الذي خوطبت به، وظاهره عام على كل عقد، ويشبه - واللَّه تعالى أعلم - أن يكون أراد اللَّه ، أن يوفى بكل عقد كان بيمين أو غير يمين، وكل عقد نذر، إذا كانت في العقد لله طاعة، ولم يكن فيما أمر بالوفاء منها معصية" (٣). قال الجصاص: " اشتمل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] " (٤). قال الزمخشري: "والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل وهو قوله أحلت لكم وما بعده" (٥). و«العقود»، جمع: «عَقْدٍ»، وأصل «العقد»، عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده، ومنه قول الحطيئة (٦): قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا وذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمان وذِمَّة، أو نصرة، أو نكاح، أو بيع، أو شركة، أو غير ذلك من العقود (٧). والمراد بالإيفاء بالعهد" إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة" (٨). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ستة أقاويل: أحدها: أنها عهود الله، التي أخذ بها الإِيمان، على عباده فيما أحله لهم، وحرمه عليهم، وهذا قول ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠).

стр. 3223

والثاني: أنها العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب أن يعملوا بما في التوراة، والإِنجيل من تصديق محمد ﷺ ، وهذا قول ابن جريج (١). قال، قال محمد بن مسلم: "قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: «هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، فكتب الآيات منها حتى بلغ، ﴿إن الله سريع الحساب﴾ " (٢). والثالث: أنها عهود الجاهلية وهي الحلف الذي كان بينهم على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءً. وهذا قول قتادة (٣). الرابع: عهود الدين كلها، وهذا قول الحسن (٤). والخامس: أنها العقود التى يتعاقدها الناس بينهم من بيع، أو نكاح، أو يعقدها المرء على نفسه من نذر، أو يمين، وهذا قول عبدالله بن عبيدة (٥)، ومحمد بن كعب القرظي (٦)، وابن زيد (٧). والسادس: يعني: بالعهود التي بينكم وبين المشركين. وهذا قول مقاتل (٨). والظاهر-والله أعلم- هو القول الأول، وأن معناه: "أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم، وألزمكم فرضه، وبيَّن لكم حدوده، لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه، مع أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه، فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض" (٩). قال السعدي: " هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع، فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها" (١٠). قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، أي: " وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم" (١١). قال الزجاج: اي: " أي: أحلت لكم الإبل والبقر والغنم والوحش" (١٢).

стр. 3224

قال مقاتل: " يعني: أحل لكم أكل لحوم الأنعام الإبل والبقر والغنم والصيد كله" (١). قال الزمخشري: " البهيمة: "كل ذات أربع في البر والبحر، وإضافتها إلى ﴿الأنعام﴾ للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى «من» كخاتم فضة. ومعناه: البهيمة من الأنعام" (٢). قال السعدي: " ﴿أحلت لكم﴾، أي: لأجلكم، رحمة بكم ﴿بهيمة الأنعام﴾ من الإبل والبقر والغنم، بل ربما دخل في ذلك الوحشي منها، والظباء وحمر الوحش، ونحوها من الصيود" (٣). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد: الأنعام كلها. وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، والضحاك (٦)، والربيع بن انس (٧)، والسدي (٨). والثاني: أنها أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها -إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً. وهذا قول ابن عباس (٩)، وابن عمر (١٠). والثالث: أنها وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر. وهذا قول الفراء (١١). والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، أي: "الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها، لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك «بهيمة وبهائم»، ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء، فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها" (١٢). و«النعم» عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً] [النحل: ٨]، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان (١٣). وأما «بهائم الأنعام»، فإنها أولادها، فيلزم الكبار منها اسم «بهيمة»، كما يلزم الصغار، لأن معنى قول القائل: «بهيمة الأنعام»، نظير قوله: «ولد الأنعام»، فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر (١٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، أي: " إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك" (١٥). قال ابن كثير: " أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال" (١٦). قال الزمخشري: أي: " إلا محرم ما يتلى عليكم من القرآن" (١٧). قال مقاتل: " يعني: غير ما نهى الله- عن أكله مما حرم الله- من الميتة والدم ولحم الخنزير والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة" (١٨).

стр. 3225

واختلف في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، على قولين أحدهما: معناه: إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)، الآية [سورة المائدة: ٣]. وهذا قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والسدي (٤). قال ابن كثير: " والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض" (٥). والثاني: أن الذي استثنى الله بقوله: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، الخنزير. وهذا قول ابن عباس-في رواية أخرى- (٦)، والضحاك (٧). والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، "لأن الله استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها. والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها. فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء" (٨). قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، أي: "ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون" (٩). قال مقاتل: " يقول: من غير أن تستحلوا الصيد ﴿وأنتم حرم﴾، يقول: إذا كنت محرما بحج أو عمرة فالصيد عليك حرام كله غير صيد البحر فإنه حلال لك" (١٠). قال الواحدي: " يعني: إلاَّ أن تحلُّوا الصَّيد في حال الإِحرام فإنَّه لا يحلُّ لكم" (١١). قال السعدي: " أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال، إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محلي الصيد وأنتم حرم، أي: متجرئون على قتله في حال الإحرام، وفي الحرم، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان صيدا، كالظباء ونحوه، والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش" (١٢). واختلف في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، والتقدير: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ (١٣). والمعنى: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه، لا محلّين الصيد وأنتم حرم (١٤). والثاني: ان المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر ﴿غير محلي الصيد﴾، غير مستحلِّي اصطيادها، وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم (١٥).
следующие страницы →