← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١). قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٢). قال القرطبي: " قال علقمة: كل ما في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فهو مدني، و ﴿يا أيها الناس﴾ فهو مكي، وهذا خرج على الأكثر" (٣). واختلف في المخاطبين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١]، على قولين: أحدهما: أنهم المؤمنون من أمة محمد- ﷺ ، وهذا معنى قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وقتادة (٦)، والحسن (٧)، عبدالله بن عبيدة (٨)، ومحمد بن كعب القرظي (٩)، وابن زيد (١٠)، ومقاتل (١١)، واختاره ابن عطية (١٢)، والقرطبي (١٣)، وهو قول الجمهور (١٤). قال ابن عطية: " ولفظ «المؤمنين» يعم مؤمني أهل الكتاب، إذ بينهم وبين الله عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد ﷺ ولفظ «العقود» يعم عقود الجاهلية المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة" (١٥). والثاني: أنهم أهل الكتاب، وفيهم نزلت، وهذا قول ابن جريج (١٦)، . ويسنده قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ذكره ابن العربي (١٧). والصحيح، أنها عامة، لأن" لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب، لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد ﷺ ، فإنهم مأمورون بذلك في قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ وغير موضع" (١٨). قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، أي: " أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد ﷺ " (١٩). قال الواحدي: " يعني: بالعهود المؤكَّدة التي عاهدتموها مع الله والنَّاس" (٢٠).

стр. 3222

قال الطبري: أي: "أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها" (١). قال الزجاج: " خاطب الله جل وعز جميع المؤمنين بالوفاء بالعقود التي عقدها الله عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين ... و ﴿العقود﴾: العهود" (٢). قال الشافعي: " جماع الوفاء بالنذر وبالعهد، كان بيمين أو غيرها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية، وهذا من سعة لسان العرب الذي خوطبت به، وظاهره عام على كل عقد، ويشبه - واللَّه تعالى أعلم - أن يكون أراد اللَّه ، أن يوفى بكل عقد كان بيمين أو غير يمين، وكل عقد نذر، إذا كانت في العقد لله طاعة، ولم يكن فيما أمر بالوفاء منها معصية" (٣). قال الجصاص: " اشتمل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] " (٤). قال الزمخشري: "والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل وهو قوله أحلت لكم وما بعده" (٥). و«العقود»، جمع: «عَقْدٍ»، وأصل «العقد»، عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده، ومنه قول الحطيئة (٦): قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا وذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمان وذِمَّة، أو نصرة، أو نكاح، أو بيع، أو شركة، أو غير ذلك من العقود (٧). والمراد بالإيفاء بالعهد" إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة" (٨). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ستة أقاويل: أحدها: أنها عهود الله، التي أخذ بها الإِيمان، على عباده فيما أحله لهم، وحرمه عليهم، وهذا قول ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠).

стр. 3223

والثاني: أنها العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب أن يعملوا بما في التوراة، والإِنجيل من تصديق محمد ﷺ ، وهذا قول ابن جريج (١). قال، قال محمد بن مسلم: "قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: «هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، فكتب الآيات منها حتى بلغ، ﴿إن الله سريع الحساب﴾ " (٢). والثالث: أنها عهود الجاهلية وهي الحلف الذي كان بينهم على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءً. وهذا قول قتادة (٣). الرابع: عهود الدين كلها، وهذا قول الحسن (٤). والخامس: أنها العقود التى يتعاقدها الناس بينهم من بيع، أو نكاح، أو يعقدها المرء على نفسه من نذر، أو يمين، وهذا قول عبدالله بن عبيدة (٥)، ومحمد بن كعب القرظي (٦)، وابن زيد (٧). والسادس: يعني: بالعهود التي بينكم وبين المشركين. وهذا قول مقاتل (٨). والظاهر-والله أعلم- هو القول الأول، وأن معناه: "أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم، وألزمكم فرضه، وبيَّن لكم حدوده، لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه، مع أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه، فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض" (٩). قال السعدي: " هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع، فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها" (١٠). قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، أي: " وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم" (١١). قال الزجاج: اي: " أي: أحلت لكم الإبل والبقر والغنم والوحش" (١٢).

стр. 3224

قال مقاتل: " يعني: أحل لكم أكل لحوم الأنعام الإبل والبقر والغنم والصيد كله" (١). قال الزمخشري: " البهيمة: "كل ذات أربع في البر والبحر، وإضافتها إلى ﴿الأنعام﴾ للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى «من» كخاتم فضة. ومعناه: البهيمة من الأنعام" (٢). قال السعدي: " ﴿أحلت لكم﴾، أي: لأجلكم، رحمة بكم ﴿بهيمة الأنعام﴾ من الإبل والبقر والغنم، بل ربما دخل في ذلك الوحشي منها، والظباء وحمر الوحش، ونحوها من الصيود" (٣). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد: الأنعام كلها. وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، والضحاك (٦)، والربيع بن انس (٧)، والسدي (٨). والثاني: أنها أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها -إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً. وهذا قول ابن عباس (٩)، وابن عمر (١٠). والثالث: أنها وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر. وهذا قول الفراء (١١). والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، أي: "الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها، لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك «بهيمة وبهائم»، ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء، فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها" (١٢). و«النعم» عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً] [النحل: ٨]، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان (١٣). وأما «بهائم الأنعام»، فإنها أولادها، فيلزم الكبار منها اسم «بهيمة»، كما يلزم الصغار، لأن معنى قول القائل: «بهيمة الأنعام»، نظير قوله: «ولد الأنعام»، فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر (١٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، أي: " إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك" (١٥). قال ابن كثير: " أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال" (١٦). قال الزمخشري: أي: " إلا محرم ما يتلى عليكم من القرآن" (١٧). قال مقاتل: " يعني: غير ما نهى الله- عن أكله مما حرم الله- من الميتة والدم ولحم الخنزير والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة" (١٨).

стр. 3225

واختلف في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، على قولين أحدهما: معناه: إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)، الآية [سورة المائدة: ٣]. وهذا قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والسدي (٤). قال ابن كثير: " والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض" (٥). والثاني: أن الذي استثنى الله بقوله: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، الخنزير. وهذا قول ابن عباس-في رواية أخرى- (٦)، والضحاك (٧). والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، "لأن الله استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها. والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها. فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء" (٨). قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، أي: "ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون" (٩). قال مقاتل: " يقول: من غير أن تستحلوا الصيد ﴿وأنتم حرم﴾، يقول: إذا كنت محرما بحج أو عمرة فالصيد عليك حرام كله غير صيد البحر فإنه حلال لك" (١٠). قال الواحدي: " يعني: إلاَّ أن تحلُّوا الصَّيد في حال الإِحرام فإنَّه لا يحلُّ لكم" (١١). قال السعدي: " أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال، إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محلي الصيد وأنتم حرم، أي: متجرئون على قتله في حال الإحرام، وفي الحرم، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان صيدا، كالظباء ونحوه، والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش" (١٢). واختلف في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، والتقدير: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ (١٣). والمعنى: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه، لا محلّين الصيد وأنتم حرم (١٤). والثاني: ان المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر ﴿غير محلي الصيد﴾، غير مستحلِّي اصطيادها، وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم (١٥).

стр. 3226

والثالث: أن المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم. وهذا قول الربيع بن انس (١). والراجح من التفسير أن يقال: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ، لا محلين الصيد في حرمكم، ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم" (٢). -والله أعلم-. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، أي: "إن الله يحكم ما يشاء وَفْق حكمته وعدله" (٣). قال قتادة: " إن الله يحكم ما أراد في خلقه، وبيّن لعباده، وفرض فرائضه، وحدَّ حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته" (٤). قال مقاتل: " فحكم أن جعل ما شاء من الحلال حراما، وجعل ما شاء مما حرم في الإحرام من الصيد حلالا" (٥). قال الزجاج: " أي الخلق له ، يحل منه ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ما يريد" (٦). قال ابن الجوزي: " أي: الخلق له يحل ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ما يريد على من يريد" (٧). قال الطبري: أي: " إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه = فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم، وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها" (٨). قال السعدي: " أي: فمهما أراده تعالى حكم به حكما موافقا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود لحصول مصالحكم ودفع المضار عنكم، وأحل لكم بهيمة الأنعام رحمة بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها من ذوات العوارض، من الميتة ونحوها، صونا لكم واحتراما، ومن صيد الإحرام احتراما للإحرام وإعظاما" (٩). الفوائد: ١ - وجوب الوفاء بالعهود التي بين الله تعالى وبين العبد والمحافظة على العقود التي بين العبد وأخيه العبد لشمول الآية ذلك. ٢ - إباحة أكل لحوم الإبل والبقر والغنم إلا الميتة منها. ٣ - تحريم الصيد في حال الإحرام وحليته بعد التحلل من الإحرام وهو صيد البر لا البحر. ٤ - استدل بعض الصحابة بهذه الآية على إباحة الجنين الذي يموت في بطن أمه بعدما تذبح. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]

стр. 3227

التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تتعدَّوا حدود الله ومعالمه، ولا تستحِلُّوا القتال في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان ذلك في صدر الإسلام، ولا تستحِلُّوا حرمة الهَدْي، ولا ما قُلِّدَ منه; إذ كانوا يضعون القلائد، وهي ضفائر من صوف أو وَبَر في الرقاب علامةً على أن البهيمة هَدْيٌ وأن الرجل يريد الحج، ولا تَسْتَحِلُّوا قتال قاصدي البيت الحرام الذين يبتغون من فضل الله ما يصلح معايشهم ويرضي ربهم. وإذا حللتم من إحرامكم حلَّ لكم الصيد، ولا يحمِلَنَّكم بُغْض قوم من أجل أن منعوكم من الوصول إلى المسجد الحرام -كما حدث عام «الحديبية» - على ترك العدل فيهم. وتعاونوا -أيها المؤمنون فيما بينكم- على فِعْل الخير، وتقوى الله، ولا تعاونوا على ما فيه إثم ومعصية وتجاوز لحدود الله، واحذروا مخالفة أمر الله فإنه شديد العقاب. في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في شريح بن ضبيعة. وهذا قول ابن عباس (١)، والسدي (٢)، وعكرمة (٣)، وابن جريج (٤). قال السدي: أقبل الحُطم بن هند البكري، ثم أحد بني قيس بن ثعلبة (٥) حتى أتى النبي ﷺ وحده، وخَلَّف خيله خارجة من المدينة. فدعاه، فقال: إلام تدعو؟ فأخبره، وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة، يتكلم بلسان شيطان! ، فلما أخبره النبي ﷺ قال: انظر، ولعلّي أسلم ولي من أشاوره، فخرج من عنده، فقال رسول الله ﷺ ، لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعَقِب غادرٍ! فمرَّ بسَرْح من سَرْح المدينة فساقه، فانطلق به وهو يرتجز (٦): قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ... لَيْسَ بِرَاعِي إبِلٍ وَلا غَنَم وَلا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَمْ ... بَاتُوا نِيَامًا وَابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلامٌ كَالزَّلَمْ ... خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ ثم أقبل من عام قابلٍ حاجًّا قد قلَّد وأهدى، فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية، حتى بلغ: "ولا آمين البيت الحرام". قال له ناس من أصحابه: يا رسول

стр. 3228

الله، خلِّ بيننا وبينه، فإنه صاحبنا! قال: إنه قد قلَّد! قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية! فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية" (١). [ضعيف جدا] (٢). والثاني: أن ناسا من المشركين جاءوا يؤمون البيت يوم الفتح مهلين بعمرة، فقال المسلمون: لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم، فنزل قوله تعالى ولا آمين البيت الحرام (٣). وهذا قول ابن عباس أيضا (٤)، وقتادة (٥)، وابن زيد (٦). قال ابن عباس: " كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يَغِيرُوا عليهم؛ فقال الله : ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٧). [حسن]. والثالث: أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]، نزلت في النهي عن الطلب بذُحول الجاهلية. وهذا قول مجاهد (٨). أخرج الطبري عن مجاهد في قول الله: " ﴿أن تعتدوا﴾، رجل مؤمن من حلفاء محمد، قتل حليفًا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة، لأنه كان يقتل حلفاء محمد، فقال محمد ﷺ : لعن الله من قتل بذَحْل الجاهلية" (٩). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٢]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (١٠). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (١١). قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، أي: " لا تستحلوا حُرمات الله ولا تعتدوا حدوده" (١٢). قال الطبري: أي: " لا تستحلوا، أيها الذين آمنوا، معالم الله فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج" (١٣). قال الماوردي: " أى: معالم الله، مأخوذ من الإِشعار وهو الإِعلام" (١٤). الحرام" (١٥). وفي «شعائر الله»، خمسة تأويلات: أحدها: أنها مناسك الحج، وهو قول ابن عباس (١٦)، ومجاهد (١٧)، ومقاتل (١٨)، والإمام الشافعي (١٩).

стр. 3229

والثاني: أنها ما حرمه الله فى حال الإحرام، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً (١). والثالث: أنها حرم الله، وهو قول السدي (٢). والرابع: أنها حدود الله فيما أحل وحرَّم وأباح وحظَّر، وهو قول عطاء (٣)، واختيار الطبري (٤). والخامس: هي دين الله كله، وهو قول الحسن (٥)، كقوله تعالى: ﴿ذّلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٢٢]، أى: "دين الله" (٦). والراجح-والله اعلم- هو قول عطاء، والمعنى: " لا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا فرائضه، لأن «الشعائر» جمع: شعيرة، من قول القائل: قد شعر فلان بهذا الأمر، إذا علم به، فـ «الشعائر»، المعالم، من ذلك" (٧). قال الزجاج: " الشعائر: واحدتها شعيرة، ومعناه ما أشعر، أي: أعلم ليهدى إلى بيت الله" (٨). قال الزمخشري: " وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله" (٩). قال الجصاص: " فقوله تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾، قد انتظم جميع معالم دين الله وهو ما أعلمناه الله تعالى وحده من فرائض دينه وعلاماتها بأن لا يتجاوزوا حدوده ولا يقصروا دونها ولا يضيعوها فينتظم ذلك جميع المعاني التي رويت عن السلف من تأويلها فاقتضى ذلك حظر دخول الحرم إلا محرما وحظر استحلاله بالقتال فيه وحظر قتل من لجأ إليه ويدل أيضا على وجوب السعي بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الله على ما روي عن مجاهد (١٠)، لأن الطواف بهما كان من شريعة إبراهيم ﵇ وقد طاف النبي ﷺ بهما فثبت أنهما من شعائر الله" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: " ولا تستحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه" (١٢). قال ابن عباس: " يعني: لا تستحلوا قتالا فيه" (١٣). قال قتادة: " كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت" (١٤). وفي تفسير «الشَّهْر الْحَرَام» ثلاثة اقاويل: أحدها: أنه رَجَبُ مُضَر. اختاره الطبري (١٥).

стр. 3230

والثاني: أنه ذو العقدة، وهو قول عكرمة (١). والثالث: أنها الأشهر الحرم، وهو قول قتادة (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: "ولا تستحلوا ما أُهدي إِلى البيت أو قُلّد بقلادة -ليعرف أنه هدي- بالتعرض له ولأصحابه" (٣). الهدي: " فهو ما أهداه المرء من بعيرٍ أو بقرة أو شاة أو غير ذلك، إلى بيت الله، تقرُّبا به إلى الله، وطلبَ ثوابه" (٤). وأما «الهدي»، ففيه قولان: أحدهما: أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى (٥). والثاني: أنه ما لم يقلّد من النعم، وقد جعل على نفسه، أن يُهديه ويقلده، وهو قول ابن عباس (٦). وأما «القلائد»، ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها قلائد الهدْي، وهو قول ابن عباس (٧). قال ابن عباس: " القلائد، مقلَّدات الهدي. وإذا قلَّد الرجل هديه فقد أحرم. فإن فعل ذلك وعليه قميصه، فليخلَعْه (٨). والثاني: أنها قلائد من لحاء الشجر، كان المشركون إذا أرادوا الحج قلدوها فى ذهابهم إلى مكة، وعَوْدهم ليأمنوا، وهذا قول قتادة (٩). والثالث: أن المشركين كانوا يأخذون لحاء الشجر من الحرم إذا أرادوا الخروج منه، فيتقلدونه ليأمنوا، فَنُهوا أن ينزعوا شجر الحرم فيتقلدوه، وهذا قول عطاء (١٠)، ومجاهد (١١)، والسدي (١٢)، وابن زيد (١٣). قال قال عطاء: " كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لحاء السَّمُر، فيتقلدونها، فيأمنون بها من الناس. فنهى الله أن ينزع شجرها فَيُتَقَلَّد" (١٤). قال مُطرِّف بن الشخير: " كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لِحاء السمر، فيتقلدون، فيأمنون بها في الناس. فنهى الله عز ذكره أن يُنزع شجرها فيتقلَّد" (١٥). قال الزجاج: كانوا يقلدون بلحاء الشجر ويعتصمون بذلك وهذا كله كان للمشركين، وكان قد أمر المسلمون بأن لا يحلوا هذه الأشياء التي يتقرب بها المشركون إلى الله" (١٦). قال الطبري: " والذي هو أولى بتأويل قوله: " ولا القلائد " إذ كانت معطوفة على أول الكلام، ولم يكن في الكلام ما يدلّ على انقطاعها عن أوله، ولا أنه عنى بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء أن يكون معناه: ولا تُحِلّوا القلائد، فإذا كان ذلك بتأويله أولى، فمعلوم أنه نَهْيٌ من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلَّد، هديًا كان ذلك أو إنسانًا، دون حرمة القلادة.

стр. 3231

وإن الله عز ذكره، إنما دلّ بتحريمه حرمة القلادة، على ما ذكرنا من حرمة المقلَّد، فاجتزأ بذكره «القلائد» من ذكر «المقلد»، إذ كان مفهومًا عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به. وقد ذكر بعض الشعراء في شعره ما ذكرنا عمن تأوَّل " القلائد " أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه، فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك (١): أَلَمْ تَقْتُلا الْحِرْجَيْنِ إذْ أَعْوَراكُمَا (٢) ... يُمِرَّانِ بِالأيْدِي اللِّحَاءَ الْمُضَفَّرَا و«الحرجان»، المقتولان كذلك. ومعنى قوله: «أعوراكما»، أمكناكما من عورتهما" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: " ولا تَسْتَحِلُّوا قتال قاصدي البيت الحرام" (٤). قال ابن عباس: " يقول: من توجَّه حاجًّا" (٥). قال الضحاك: " يعني: الحاج" (٦). قال مطرِّف بن الشخّير: " الذين يريدون البيت" (٧). قال ابن جريج: ": ينهى عن الحجاج أن تُقطع سبلهم" (٨). قال الطبري: أي: " ولا تحلُّوا قاصدي البيت الحرام العامدية" (٩). قال ابن كثير: " أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا" (١٠). قال الزمخشري: "آموا المسجد الحرام: قاصدوه، وهم الحجاج والعمار" (١١). يقال: أممت كذا، إذا قصدته وعمدته، وبعضهم يقول: يَمَمْته، كما قال الشاعر (١٢): إنِّي كَذَاكَ إذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ ... يَمَمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا و﴿البيت الحرام﴾، بيت الله الذي بمكة (١٣).

стр. 3232

قال الطبري: " وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلُهم، أمُّوا البيت الحرام أو البيت المقدس، في أشهر الحرم وغيرها ما يُعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخٌ " (١). قال ابن كثير: " فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يمنع كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع - لما أمَّر الصديق على الحجيج - علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان (٢) " (٣). قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، أي: "الذين يبتغون من فضل الله ما يصلح معايشهم ويرضي ربهم" (٤). قال ابن كثير: " أي: وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه" (٥). قال الطبري: أي: " يلتمسون أرباحًا في تجاراتهم من الله، وأن يرضى الله عنهم بنسكهم" (٦). قال ابن عباس: " يعني: أنهم يترضَّون الله بحجهم" (٧). قال قتادة: " هم المشركون، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دُنياهم" (٨). وفي رواية اخرى عنه: " والفضل والرضوان اللذان يبتغون: أن يصلح معايشهم في الدنيا، وأن لا يعجَّل لهم العقوبة فيها" (٩). وعن أبي أميمة قال: " قال ابن عمر في الرجل يحج ويحمل معه متاعًا، قال: لا بأس به وتلا هذه الآية: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا﴾ " (١٠). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، قولان: أحدهما: الربح فى التجارة، وهو قول ابن عمر (١١)، ومطرّف بن الشِّخِّير (١٢). والثاني: الأجر والتجارة، وهو قول مجاهد (١٣). وقرأ حميد بن قيس والأعرج: «تبتغون»، بالتاء على خطاب المؤمنين (١٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، أي: " وإِذا تحللتم من الإِحرام فقد أُبيح لكم الصيد" (١٥). قال الماوردي: " وهذا وإن خرج مخرج الأمر، فهو بعد حظر، فاقتضى إباحة الاصطياد بعد الإِحلال دون الوجوب" (١٦).

стр. 3233

قال الزمخشري: " ﴿فاصطادوا﴾، إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا" (١). قال الشافعي: " فأخبر أنَّه أباح شيئاً كان حرَّمه، ولم يوجب الصيد عند الإحلال" (٢). وقرئ: «وإذا أحللتم»، يقال: حل المحرم وأحل. وقرئ: «فاصطادوا»، بكسر الفاء. وقيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]، أي: " ولا يحملنكم بغضُ قوم كانوا قد صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم" (٤). قال ابن كثير: " أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا في حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال" (٥). وقال بعض السلف: "ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٢]، ثلاثة اقوال. أحدها: لا يحملنكم، وهو قول ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، والكسائي (٩)، وأبي العباس المبرد (١٠)، والطبري (١١)، يقال: جرمني فلان على بغضك، أى حملني، قال الشاعر (١٢): وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبّا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أَنْ يَغْضَبُوا والثاني: ولا يكسبنكم، يقال جرمت على أهلي، أي كسبت لهم، قاله الفراء (١٣)، وأبو علي الفارسي (١٤)، وهو قول أكثر أهل اللغة والمعاني كما قاله الواحدي (١٥)، ومنه قول أبي خراش الهذلي (١٦):

стр. 3234

جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا قوله «جريمة»: أي كاسبة. والثالث: لا يُحِقَّنَّ لَكُمْ. لأَنَّ قَوْلَهُ ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ﴾ انما هو حَقٌّ أَنَّ لَهُمْ النّارَ. وهذا قول الأخفش (١). والاقوال الثلاثة متقاربة المعنى، لأنه من حمل رجلا على بغض رجل، فقد أكسبه بغضه، ومن أكسبه بغضه، فقد أحقَّه له، فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف، ما قاله ابن عباس وقتادة، وذلك توجيههما معنى قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾، ولا يحملنكم شنآن قومٍ على العدوان (٢). وفي قوله تعالى: ﴿شَنَئَانُ قَوُمٍ﴾ [المائدة: ٢]، تأويلان: أحدهما: معناه بغض قوم، وهذا قول ابن عباس (٣) وقتادة (٤)، وابن زيد (٥). والثاني: عداوة قوم، وهو قول قتادة أيضا (٦). وقرأ: يحيى بين وثّاب، والأعمش: «وَلا يُجْرِمَنَّكُمْ»، برفع «الياء»، من: أجرمته أجرمه، وهو يُجْرِمني (٧). وقراءة القرآن بأفصح اللغات، أولى وأحق منها بغير ذلك، ومن لغة من قال " جَرَمْتُ "، قول الشاعر (٨): يَا أَيُّهَا المُشْتَكِي عُكْلا وَمَا جَرَمَتْ ... إلى القَبَائِلِ مِنْ قَتْلٍ، وإبْآسُ (٩) وقرئ: «شَنْآنُ قَوْمٍ»، بتسكين «النون»، وفتح «الشين»، بمعنى: الاسم (١٠). والفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر «شَنَئَانُ» على «الفَعلان»، بفتح: «الفاء»، تحريك ثانيه دون تسكينه، من: شنئته أشنَؤُه شنآنًا، ومن العرب من يقول: «شَنَانٌ»، على تقدير «فعال»، ولم يقرأ ذلك كذلك، ومن ذلك قول الأحوص بن محمد الأنصاري (١١): وَمَا العَيْشُ إلا مَا تَلَذُّ وتَشْتَهِي ... وَإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا وهذا في لغة من ترك الهمز من «الشنآن»، فصار على تقدير: «فعال»، وهو في الأصل: «فَعَلان» (١٢). قراءة عبد الله: «إن صدوكم»، بكسر «الألف» (١٣).

стр. 3235

قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، أي: " وتعاونوا -أيها المؤمنون فيما بينكم- على فِعْل الخير، وتقوى الله" (١). قال ابن كثير: " يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى (٢). قال الزمخشري: أي: "على العفو والإغضاء، ، ويجوز أن يراد العموم لكل بر" (٣). قال ابن عباس: " «البر»: ما أمرت به، و «التقوى»: ما نهيت عنه" (٤). وروي عن أبي العالية مثل ذلك (٥). قال ابن خويز منداد في أحكامه: "والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه، فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة «المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» (٦)، ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، أي: " ولا تعاونوا على ما فيه إثم ومعصية وتجاوز لحدود الله " (٨). قال الزمخشري: أي: "على الانتقام والتشفي، ويجوز أن يراد به تقوى وكل إثم وعدوان" (٩). قال القرطبي: ﴿الإثم: ﴾ "وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن ﴿العدوان﴾: وهو ظلم الناس" (١٠). قال الطبري: "يعني: ولا يعن بعضكم بعضًا على ترك ما أمركم الله بفعله، ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم" (١١). قال ابن كثير: "ينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، أي: " واحذروا مخالفة أمر الله فإنه شديد العقاب" (١٣). قال الطبري: يعني: واحذروا الله، أيها المؤمنون، أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالفتم أمره فيما أمركم به، أو نهيه فيما نهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا أليم عذابه. ثم وصف عقابه بالشدة فقال عز ذكره: إن الله شديدٌ عقابه لمن عاقبه من خلقه، لأنها نار لا يطفأ حَرُّها، ولا يخمد جمرها، ولا يسكن لهبها، نعوذ بالله منها ومن عمل يقرِّبنا منها" (١٤). قال القرطبي: " ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ " (١٥). واختلفوا فيما نسخ من هذه الآية بعد إجماعهم على أن منها منسوخاً على ثلاثة أقاويل: أحدهما: ان جميعها منسوخ، وهذا قول الشعبي (١٦)، والضحاك (١٧)، وقتادة-في إحدى الروايات- (١٨)، وابن زيد (١٩)، واختيار الزجاج (٢٠). قال الشعبي: "لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية" (٢١). والثاني: أن الذى نسخ منها: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاءَآمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ﴾، وهذا قول ابن عباس (٢٢)، وقتادة (٢٣)، والسدي (٢٤). والثالث: أن الذي نسخ منها ما كانت الجاهلية تتقلده من لحاء الشجر، وهذا قول مجاهد (٢٥). والرابع: أن أن الذى نسخ منها: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا﴾، وهذا قول ابن زيد أيضا (٢٦). واعترض الطبري فقال: " غير منسوخ، لاحتماله: أن تعتدوا الحقَّ فيما أمرتكم به. وإذا احتمل ذلك، لم يجز أن يقال: هو منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها" (٢٧). والراجح من الاقوال هو القول الثاني، "قول من قال: نسخ الله من هذه الآية قوله: ﴿ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام﴾، لإجماع الجميع على أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها، وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قَلَّد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدَّم له عقد ذمة من المسلمين" (٢٨). الفوائد: ١ - وجوب احترام شعائر الدين كلها أداء لما وجب أداؤه، وتركاً لما وجب تركه. ٢ - حرمة الاعتداء مطلقاً على الكافر. ٣ - وجوب التعاون بين المؤمنين على إقامة الدين، ورحمة تعاونهم على المساس به. القرآن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]

стр. 3236

التفسير: حرَّم الله عليكم الميتة، وهي الحيوان الذي تفارقه الحياة بدون ذكاة، وحرَّم عليكم الدم السائل المُراق، ولحم الخنزير، وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح، والمنخنقة التي حُبِس نَفَسُها حتى ماتت، والموقوذة وهي التي ضُربت بعصا أو حجر حتى ماتت، والمُتَرَدِّية وهي التي سقطت من مكان عال أو هَوَت في بئر فماتت، والنطيحة وهي التي ضَرَبَتْها أخرى بقرنها فماتت، وحرَّم الله عليكم البهيمة التي أكلها السبُع، كالأسد والنمر والذئب، ونحو ذلك. واستثنى -سبحانه- مما حرَّمه من المنخنقة وما بعدها ما أدركتم ذكاته قبل أن يموت فهو حلال لكم، وحرَّم الله عليكم ما ذُبِح لغير الله على ما يُنصب للعبادة من حجر أو غيره، وحرَّم الله عليكم أن تطلبوا عِلْم ما قُسِم لكم أو لم يقسم بالأزلام، وهي القداح التي كانوا يستقسمون بها إذا أرادوا أمرًا قبل أن يقدموا عليه. ذلكم المذكور في الآية من المحرمات -إذا ارتُكبت- خروج عن أمر الله وطاعته إلى معصيته. الآن انقطع طمع الكفار من دينكم أن ترتدوا عنه إلى الشرك بعد أن نصَرْتُكم عليهم، فلا تخافوهم وخافوني. اليوم أكملت لكم دينكم دين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة، وأتممت عليكم نعمتي بإخراجكم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ورضيت لكم الإسلام دينًا فالزموه، ولا تفارقوه. فمن اضطرَّ في مجاعة إلى أكل الميتة، وكان غير مائل عمدًا لإثم، فله تناوله، فإن الله غفور له، رحيم به. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " حُرّم عليكم -أيها المؤمنون- أكل الميتة: وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة، والدم والمسفوح ولحم الخنزير" (١). قال مقاتل: " يعني: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير" (٢). قال الطبري: " فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير، فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصص منه شيء" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان (٤): أحدهما: أنه كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره. والثاني، أنه كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير ذكاة. وفي تفسير ﴿وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، قولان (٥): أحدهما: أن الحرام منه ما كان مسفوحاً، كقوله تعالى ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥]. الثاني: أنه كل دم مسفوح وغير مسفوح، إلا ما خصته اسنة من الكبد والطحال. قال الماتريدي: "فعلى القول الأول لا يحرم السمك، وعلى الثاني يحرم. قال الطبري: " فإنه الدم المسفوح، دون ما كان منه غير مسفوح، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥]، فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان: أحدهما: أن التحريم يختص بلحم الخنزير دون شحمه، وهذا قول داود (٧). والثاني: أنه يعم اللحم وما خالطه من شحم وغيره.

стр. 3237

قال الماوردي: [والثاني] هو قول الجمهور، ولا فرق بين الأهلي منه والوحشي (١). قال الطبري: " يعني: وحُرِّم عليكم لحم الخنزير، أهليُّه وبَرِّيّه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح" (٣). قال مقاتل: " يعني: الذي ذبح لأصنام المشركين ولغيرهم هذا حرام البتة، إن أدركت ذكاته أو لم تدرك ذكاته فإنه حرام البتة، لأنهم جعلوه لغير الله- " (٤). قال ابن عثيمين: "المراد: ما ذكر عليه اسم غير الله عند ذبحه مثل أن يقول: «باسم المسيح»، أو «باسم جبريل»، أو «باسم اللات»، ونحو ذلك" (٥). قال الزجاج: " أي: ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله عليه وهذا موجود في اللغة، ومنه الإهلال بالحج إنما هو رفع الصوت بالتلبية" (٦). قال أبو عبيدة: أي: " وما ذكر غير اسم الله عليه إذا ذبح أو نحر، وهى من استهلال الكلام" (٧). و«الإهلال»، هو رفع الصوت (٨). قال الأصمعي: "الإهلال: أصله رفع الصوت، فكل رافع صوته فهو مهل، قال ابن أحمر (٩): يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم: مهل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة، أي: أحرم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها" (١٠). ومنه الحديث: "إذا استهل المولود ورث" (١١). قال الطبري: قيل أن العرب كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر: (مُهِلٌّ)، فرفعهم أصواتهم بذلك هو (الإهلال) الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿وما أهِلَّ به لغير الله﴾، ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة

стр. 3238

﴿مُهِلّ﴾، لرفعه صوته بالتلبية، واستهلال المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض، كما قال الشاعر (١): ظَلَمَ البِطَاحَ لَهُ انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ المُقْلَعِ (٢) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان: أحدهما: أنه يعني: ما ذبح لغير الله. وهذا قول ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، ومجاهد (٥)، والضحاك (٦)، وعطاء (٧). والثاني: أن معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله. وهذا قول الربيع بن أنس (٨)، وابن زيد (٩)، وعقبة بن مسلم التُّجيبي (١٠)، وقيس بن رافع الأشجعي (١١). قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح" (١٢). قال مقاتل: " يعني: وحرم المنخنقة: الشاة والإبل والبقر التي تنخنق أو غيره حتى تموت" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: "والتي ضُربت بعصا أو حجر حتى ماتت" (١٤). قال مقاتل: " يعني: التي تضرب بالخشب حتى تموت" (١٥). قال ابن كثير: " هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخَشَب حتى تُوقَذَ بها فتموت" (١٦). وفي الصحيح: أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمِعراض الصيد فأصيب. قال: "إذا رميت بالمعراض فخَزَق فَكُلْه، وإن أصابه بعَرْضِه فإنما هو وَقِيذ فلا تأكله" (١٧). قال ابن كثير: "ففرق بين ما أصابه بالسهم، أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصابه بعرضه فجعله وقيذا فلم يحله، وقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم هاهنا، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحةُ الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه، على قولين، هما قولان للشافعي، ﵀: أحدهما: أنه لا يحل، كما في السهم، والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ.

стр. 3239

والثاني: أنه يحل؛ لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه؛ لأنه قد دخل في العموم" (١). قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " والتي سقطت من مكان عال أو هَوَت في بئر فماتت" (٢). قال مقاتل: " يعني: التي تردى من الجبل فتقع منه أو تقع في بئر فتموت" (٣). قال ابن كثير: " فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك، فلا تحل" (٤). قوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " والتي ضَرَبَتْها بهيمة أخرى بقرنها فماتت" (٥). قال مقاتل: " يعني: الشاة تنطح صاحبتها فتموت" (٦). قال ابن كثير: " هي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " وحرَّم الله عليكم البهيمة التي أكلها السبُع" (٨). قال مقاتل: "من الأنعام والصيد، يعني: فريسة السبع" (٩). قال ابن كثير: " أي: ما عدا عليها أسد، أو فهد، أو نمر، أو ذئب، أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدماء ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين" (١٠). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " إِلا ما أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه الذبح الشرعي قبل الموت" (١١). قال مقاتل: " يعني: إلا ما أدركتم ذكاته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ... حلال " (١٢). قال الزجاج: أي: " ما أذكيتم ذبحة على التمام" (١٣). قال الطبري: أي: " إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورًا" (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وجوه: أحدهما: يعني: من المنخنقة وما بعدها، وأنه من قبيل الإستثناء المتصل، وهذا قول علي ﵁ (١٥)، وابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧)، والحسن (١٨)، والضحاك (١٩)، وإبراهيم (٢٠)، وطاوس (٢١)، وعبيد بن عمير (٢٢)، وابن زيد (٢٣)، وواختيار الطبري (٢٤) والجمهور (٢٥).

стр. 3240

قال ابن كثير: " قوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه، مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ " (١). والثاني: أنه من الإستثناء المنقطع، وأنه عائد إلى ما أكل السبع خاصة، وهو محكي عن الظاهرية (٢). والراجح –والله أعلم- هو القول الاول، وهو اختيار الجمهور من الفقهاء، وبهذا الاعتبار يكون الاستثناء من قبيل الاستثناء المتصل، ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣]، يعني: مما أدركتم فيه الحياة من هذه المذكورات، كالتي سقطت في بئر، أو التي سقطت من السطح، أو التي صدمتها السيارة أو التي أصابها حجر أو نحو هذا فأدركتم فيها حياة، أي فيه رمق بأن تتحرك رجل أو يد أو نحو هذا وإن كانت في حال الاحتضار فإنها إذا ذكيت جاز أكلها، وإن كانت قد خرجت نفسها فلا يجوز أكلها، هذا الذي عليه عامة أهل العلم وهم الجمهور. وفي الصحيحين عن رافع بن خَدِيج أنه قال: "قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السنَّ والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السنُّ فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة" (٣). و«المُدَى»: جمع مُدْية، وهي السكين، وهذا مما يستدل به على أن متروك التسمية ولو نسيانًا لا يحل وإن ذبح لله قصدًا؛ لأنه ذكر هنا شرطين: - الشرط الأول لا بد منه، وهو ما أنهر الدم بقطع الأوداج، ولذلك الذي يقطع في الذبيحة أربعة أشياء: الودجان، وهما عرقان محيطان بالعنق، والحلقوم، وكذلك القصبة الهوائية، والمريء، فإذا قطعت الأوداج حلت الذبيحة، والأكمل في التذكية قطع الأربعة، ويليه قطع ثلاثة. - والثاني: ذكر اسم الله، وهو قوله: «بسم الله». فالحاصل أنه قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، «ليس السن والظفر»، يعني: سوى السن والظفر. قال الرسول- ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (٤). وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله ﷺ : "ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة" (٥).

стр. 3241

وقال عاصم عن عكرمة: "إن رجلا أضجع شاته وجعل يحد شفرته ليذبحها، فقال له النبي ﷺ : «تريد أن تميتها موتات قبل أن تذبحها! » " (١). وفى مأكولة السبع التي تحل بالذكاة قولان (٢): أحدهما: أن تكون لها عين تطرف أو ذنب يتحرك. والثاني: أن تكون فيها حركة قوية لا كحركة المذبوح، وهو قول الشافعي (٣)، ومالك (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " وحرَّم الله عليكم ما ذُبِح لغير الله على ما يُنصب للعبادة من حجر أو غيره" (٥). قال مقاتل: " يعني: وحرم ما ذبح على النصب وهي الحجارة التي كانوا ينصبونها في الجاهلية فيعبدونها فهو حرام البتة، وكان خزان الكعبة يذبحون لها وإن شاءوا بدلوا تلك الحجارة بحجارة أخرى وألقوا الأولى" (٦). قال ابن عباس: " و ﴿النصب﴾، أنصاب كانوا يذبحون ويُهِلُّون عليها" (٧). عن مجاهد: " ﴿وما ذبح على النصب﴾، قال: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية" (٨). قال قتادة: " ورالنصب﴾: حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها، ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك" (٩). قال ابن جريج: " قال ابن جريج: " ﴿النصب﴾، ليست بأصنام، «الصنم» يصوَّر وينقش، وهذه حجارة تنصب، ثلثمئة وستون حجرًا منهم من يقول ثلثمئة منها لخزاعة، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرَّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحقُّ أن نعظمه! فكأن النبي ﷺ لم يكره ذلك، فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [سورة الحج: ٣٧] " (١٠). وقال ابن زيد: " ﴿ما ذبح على النصب﴾، و ﴿ما أهل لغير الله به﴾، وهو واحد" (١١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " وحرَّم الله عليكم أن تطلبوا عِلْم ما قُسِم لكم أو لم يقسم بالأزلام" (١٢). قال مقاتل: " يعنى: وأن تستقسموا الأمور بالأزلام والأزلام قد حان في بيت أصنامهم، فإذا أرادوا أن يركبوا أمرا أتوا بيت أصنامهم فضربوا بالقدحين، فما خرج من شيء عملوا به، وكان كتب على أحدهما أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، فإذا أرادوا سفرا أتوا ذلك البيت فغطوا عليه ثوبا ثم يضربون بالقدحين فإن خرج السهم الذي فيه أمرني ربي خرج في سفره، وإن خرج السهم الذي فيه نهاني ربي لم يسافر فهذه الأزلام " (١٣). قال الماوردي: " معناه أن تطلبوا علم ما قُسِّمَ أو لم يُقَسَّم من رزق أو حاجة بالأزلام، وهي قداح ثلاثة مكتوبة على أحدها: أمرني ربي، والآخر: نهاني ربي، والثالث: غفل لا شيء عليه، فكانوا إذا أرادوا سفراً، أو غزواً، ضربوا بها واستسقسموا، فإن خرج أمرني ربي فعلوه،

стр. 3242

وإن خرج نهاني ربي تركوه، وإن خرج الأبيض أعادوه، فنهى الله عنه، فَسُمِّي ذلك استقساماً، لأنهم طلبوا به علم ما قُسِمَ لهم" (١). وقال أبو العباس المبرد: "بل هو مشتق من قَسَم اليمين، لأنهم التزموا ما يلتزمونه، باليمين" (٢). عن مجاهد: " ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها: القِداح" (٣). عن سعيد بن جبير: " ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، قال: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا" (٤). قال الحسن: " كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا، يعمَدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب: أؤمرني، وعلى الآخر: انهني، ويتركون الآخر محلَّلا بينهما ليس عليه شيء. ثم يجيلونها، فإن خرج الذي عليه: أؤمرني، مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه: انهني، كفُّوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها" (٥). قال قتادة: " كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافرًا، كتب في قدح: هذا يأمرني بالمكث، وهذا يأمرني بالخروج، وجعل معهما منيحة (٦)، شيء لم يكتب فيه شيئًا، ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج. فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القِدْحين" (٧). قال السدي: " ﴿الأزلام﴾، قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة، فإذا أراد الرجل أن يسافر، أو يتزوج، أو يحدث أمرًا، أتى الكاهن فأعطاه شيئًا، فضرب له بها. فإن خرج منها شيء يعجبه، أمره ففعل. وإن خرج منها شيء يكرهه، نهاه فانتهى، كما ضرب عبد المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل" (٨). وقال إبن إسحاق: " كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئْر هي التي يجمع فيها ما يُهدي للكعبة. وكانت عند هبل سبعة أقْدُح كل قِدْح منها فيه كتاب. قدح فيه: العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله وقدح فيه: نعم للأمر إذا أرادوه، يضرب به، فإن خرج قدح نعم عملوا به. وقدح فيه: لا، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقِدْح فيه: منكم. وقدح فيه: مُلْصَق. وقدح فيه: من غيركم. وقدح فيه: المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا أو أن ينكحوا مَنكحًا، أو أن يدفنوا ميتًا، أو شكوا في نسب واحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم، وبجَزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان بن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه منكم كان وسيطًا، وإن خرج عليه: من غيركم، كان حليفًا وإن خرج ملصق كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به نعم، عملوا

стр. 3243

به. وإن خرج لا، أخّروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى. ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح" (١). وقال الطبري: " قال لنا سفيان بن وكيع: هو الشطرنج" (٢). قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " ذلكم المذكور في الآية من المحرمات -إذا ارتُكبت- خروج عن أمر الله وطاعته إلى معصيته" (٣). قال ابن عباس: "، يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق" (٤). قال مقاتل: " يعني معصية حراما" (٥). قال الطبري: يعني: " هذه الأمور التي ذكرها، وذلك: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله، والاستقسام بالأزلام، فسق، يعني: خروج عن أمر الله عز ذكره وطاعته، إلى ما نهى عنه وزجر، إلى معصيته" (٦). قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أي: "الآن انقطع طمع الكفار من دينكم أن ترتدوا عنه إلى الشرك بعد أن نصَرْتُكم عليهم" (٧). قال ابن زيد: "هذا يوم عرفة" (٨). وقال الزجاج: " ﴿اليوم﴾، منصوب على الظرف، وليس يراد به - والله أعلم - يوما بعينه" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان: أحدهما: أن ترتدوا عنه راجعين إلى دينهم. وهذا قول ابن عباس (١٠)، والسدي (١١). والثاني: أن يقدروا على إبطاله ويقدحوا فى صحته (١٢). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: "، فلا تخافوهم وخافوني" (١٣). قال ابن جريج: " فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم" (١٤). قال الماوردي: أي: " أى لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، واخشونِ، أن تخالفوا أمري" (١٥). قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أي: "اليوم أكملت لكم دينكم دين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة" (١٦). قال مقاتل: " يعنى: شرائع دينكم: أمر حلالكم وحرامكم " (١٧). وفي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان: أحدهما: أنه يوم عرفة فى حجة الوداع ولم يعش [الرسول ﷺ ] بعد ذلك إلاَّ إحدى وثمانين ليلة، وهذا قول ابن عباس، والسدي.

стр. 3244

والثاني: أنه زمان النبي ﷺ كله إلى أنْ نَزَل ذلك عليه يوم عرفة، وهذا قول الحسن. وفي إكمال الدين قولان: أحدهما: يعني أكملت فرائضي وحدودي وحلالي وحرامي، ولم ينزل على النبي ﷺ من الفرائض من تحليل ولا تحريم، وهذا قول ابن عباس (١)، والسدي (٢). قال ابن جريج: " مكث النبي ﷺ بعد ما نزلت هذه الآية، إحدى وثمانين ليلة، قوله: اليوم أكملت لكم دينكم" (٣). عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: "لما نزلت: اليوم أكملت لكم دينكم، وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ : ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: صدقت" (٤). والثاني: يعني اليوم أكملت لكم حجتكم، أن تحجوا البيت الحرام، ولا يحج معكم مشرك، وهذا قول قتادة (٥)، وسعيد ابن جبير (٦)، والحكم (٧). والراجح من القول: أن الله أخبر نبيه ﷺ والمؤمنين به، أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية على نبيه دينَهم، بإفرادهم بالبلدَ الحرام وإجلائه عنه المشركين، حتى حجَّه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون، فأما الفرائض والأحكام، فإنه قد اختلف فيها: هل كانت أكملت ذلك اليوم، أم لا؟ فروي عن ابن عباس والسدّي ما ذكرنا عنهما قبل. وروي عن البراء بن عازب: " آخر آية نزلت من القرآن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ " (٨). ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعًا. فإذ كان ذلك كذلك وكان قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ آخرَها نزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض كان معلومًا أن معنى قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، على خلاف الوجه الذي من تأوَّله بكمال العبادات والأحكام والفرائض (٩). عن قبيصة قال، قال كعب: "لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية (١٠)، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه! فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ فقال: "اليوم أكملت لكم دينكم". فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه: يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ" (١١). قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، أي: "وأتممت عليكم نعمتي بإخراجكم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان" (١٢). قال مقاتل: " يعني: الإسلام إذ حججتم وليس معكم مشرك " (١٣).

стр. 3245

قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، أي: "ورضيت لكم الإسلام دينًا فالزموه، ولا تفارقوه" (١). قال مقاتل: " يعني: واخترت لكم الإسلام دينا فليس دين أرضى عند الله- من الإسلام قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) " (٣). قال الماوردي: " أي: رضيت لكم الاستسلام لأمري ديناً، اي طاعة" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]، أي: " فمن اضطرَّ في مجاعة إلى أكل الميتة، وكان غير مائل عمدًا لإثم، فله تناوله، فإن الله غفور له، رحيم به" (٥). قال مقاتل: " يعني: مجاعة وجهد شديد أصابه من الجوع، ﴿غير متجانف لإثم﴾: غير متعمد لمعصية، ﴿فإن الله غفور رحيم﴾، إذ رخص له في أكل الميتة ولحم الخنزير حين أصابه الجوع الشديد والجهد، وهو على غير المضطر حرام" (٦). قال الطبري: " فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله، في مخمصة، غير متجانف لإثم غفور رحيم، يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك، بعفوه عن مؤاخذته إياه، وصفحه عنه وعن عقوبته عليه رحيم، يقول: وهو به رفيق. ومن رحمته ورفقه به أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية، في حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرِّ الحاجة العارضة ببدنه" (٧). قال ابن كثير: " أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناول ذلك، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له. وفي المسند وصحيح ابن حبَّان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رُخْصته كما يكره أن تؤتى مَعْصِيته»، لفظ ابن حبان (٨). وفي لفظ لأحمد: «من لم يقبل رُخْصَة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة» (٩) ". ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على مهجته التلف ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال. واختلفوا: هل يتناول منها قدر ما يسد به الرَّمَق، أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزود؟ على أقوال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام. وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير، أو صيدًا وهو محرم: هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء، أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين، هما قولان للشافعي، ﵀. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له" (١٠). قال مسروق: "من اضطُرَّ فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار. وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة" (١١).

стр. 3246

قال أبو واقد الليثي: "قلنا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها" (١). وعن الحسن: "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: إلى متى يحلُّ لي الحرام؟ قال فقال: إلى أن يروَى أهلك من اللبن، أو تجيء مِيرَتُهم " (٢). وعن عروة بن الزبير، عمن حدثه: "أن رجلا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ : تحل لك الطيبات، وتحرُم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لا يحل لك، فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال الرجل: وما فقري الذي يُحِلّ لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ : إذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نِتاجك، أو كنت ترجو غنًى تطلبه، فتبلَّغ من ذلك شيئًا، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي: ما غِناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبي ﷺ : إذا أرويت أهلك غَبُوقًا من الليل، فاجتنب ما حرَّم الله عليك من طعام، وأمّا مالُك فإنه ميسور كله، ليس فيه حرام" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، قولان: أحدهما: غير متعمد لإِثم، وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧)، وابن زيد (٨). والثاني: غير مائل إلى إثم، والمتجانف لإثم، هو: المتمايل له، وأصله من: جنف القوم، إذا مالوا، وكل أعوج عند العرب أجنف. وهذا قول الطبري (٩). قال الشيخ ابن عثيمين: والله أباح لنا الميتة بثلاثة شروط (١٠): ١ - الضرورة. ٢ - أن لا يكون مبتغياً – أي طاباً لها -. ٣ - أن لا يكون متجاوزاً للحد الذي تندفع به الضرورة. وبناءً على هذا ليس له أن يأكل حتى يشبع إلا إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب؛ وهذا هو الصحيح؛ ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأكل ما يسد رمقه، ويأخذ شيئاً منها يحمله معه - إن اضطر إليه أكل، وإلا تركه - لكان قولاً جيداً. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير لله. ٢ - ومنها: أن التحريم والتحليل إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم﴾. ٣ - ومن فوائد الآية: تحريم جميع الميتات؛ لقوله تعالى: ﴿والميتة﴾؛ و «أل» هذه للعموم إلا أنه يستثنى من ذلك السمك، والجراد - يعني ميتة البحر، والجراد -؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ والمحرم هنا هو الأكل؛ لقول النبي ﷺ في الميتة: «إنما حرم أكلها» (١١)؛ ويؤيده

стр. 3247

أن الله قال هنا: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]، ثم قال تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾؛ لأن السياق في الأكل؛ ويدخل في تحريم أكل الميتة جميع أجزائها. ٤ - ومن فوائد الآية: تحريم الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿والدم﴾. ٥ - ومنها: تحريم لحم الخنزير؛ لقوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾؛ وهو شامل لشحمه، وجميع أجزائه؛ لأن اللحم المضاف للحيوان يشمل جميع أجزائه؛ لا يختص به جزء دون جزء؛ اللهم إلا إذا قُرن بغيره، مثل أن يقال: «اللحم، والكبد»، أو «اللحم، والأمعاء»، فيخرج منه ما خصص. ٦ - ومنها: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾، وهو أنواع: النوع الأول: أن يهل بها لغير الله فقط، مثل أن يقول: باسم جبريل، أو محمد، أو غيرهما؛ فالذبيحة حرام بنص القرآن - ولو ذبحها لله -. النوع الثاني: أن يهل بها لله، ولغيره، مثل أن يقول: «باسم الله واسم محمد»؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه اجتمع مبيح، وحاظر؛ فغلب جانب الحظر. النوع الثالث: أن يهل بها باسم الله، وينوي به التقرب، والتعظيم لغيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه شرك. وهل يكون ذبح الذبيحة للضيف إهلالاً بها لغير الله؟ الجواب: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل بلا شك، كما لو ذبح الذبيحة لأولاده ليأكلوها، وإن قصد بذلك التقرب إليه، وتعظيمه تعظيم عبادة فإنه شرك، كالمذبوح على النصب تماماً، فلا يحل أكلها؛ وقد كان بعض الناس - والعياذ بالله - إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين تعظيماً له - لا ليأكلها، ثم تترك للناس -؛ وهذا يكون قد ذبح على النصب؛ فلا يحل أكله - ولو ذكر اسم الله عليه -. النوع الرابع: أن لا يهل لأحد - أي لم يذكر عليها اسم الله، ولا غيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولقول النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" (١). ٧ - ومنها: تحريم ما ذبح لغير الله - ولو ذكر اسم الله عليه -، مثل أن يقول: «بسم الله والله أكبر؛ اللهم هذا للصنم الفلاني»؛ لأنه أهل به لغير الله. ٨ - ومنها: أن الشرك قد يؤثر الخبثَ في الأعيان - وإن كانت نجاسته معنوية -؛ هذه البهيمة التي أَهل لغير الله بها نجسة خبيثة محرمة؛ والتي ذكر اسم الله عليها طيبة حلال؛ تأمل خطر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوسات؛ وهو جدير بأن يكون كذلك؛ لهذا قال الله : ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] مع أن بدن المشرك ليس بنجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي، وفساد عقيدته وطويته صار مؤثراً حتى في الأمور المحسوسة. ٩ - ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله. ١٠ - ومنها: أن الضرورة تبيح المحظور؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ ولكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرم. الشرط الثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر. فإن كان يمكن دفع الضرورة بغيره لم يكن حلالاً، كما لو كان عنده ميتة ومذكاة، فإن الميتة لا تحل حينئذ؛ لأن الضرورة تزول بأكل المذكاة؛ ولو كان عطشان، وعنده كأس من خمر لم يحل له شربها؛ لأن ضرورته لا تزول بذلك؛ إذا لا يزيده شرب الخمر إلا عطشاً؛ ولهذا لو غص بلقمة، وليس عنده ما يدفعها به إلا كأس خمر كان شربها لدفع اللقمة حلالاً.

стр. 3248

١١ - ومن فوائد الآية: إثبات رحمة الله ؛ لأن من رحمة الله أن أباح المحَرَّمَ للعبد لدفع ضرورته. ١٢ - ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها على أحد الاحتمالين؛ فإن حل الميتة للمضطر يحتمل حالين: الأولى: أن نقول: إن الله على كل شيء قدير؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة، مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل حال حلها، ثم أصبحت بعد تحريمها خبيثة لا تؤكل؛ فالله هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء؛ فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطر عبده إليها طيبة. الحال الثانية: أنها ما زالت على كونها خبيثة؛ لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة؛ وتكون الضرورة واقية من مضرتها؛ فتناولها للضرورة مباح؛ وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية منه. والحالان بينهما فرق؛ لأنه على الحال الأولى انقلبت من الرجس إلى الطهارة؛ وعلى الحال الثانية هي على رجسيتها لكن هناك ما يقي مضرتها - وهو الضرورة -؛ وهذه الحال أقرب؛ لأنه لو كان عند الضرورة يزول خبثها لكانت طيبة تحل للمضطر، وغيره؛ ويؤيده الحس: فإن النفس كلما كانت أشد طلباً للشيء كان هضمه سريعاً، بحيث لا يتضرر به الجسم؛ وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعاماً على طعام يتأخر هضم الأول، والثاني - مع ما يحصل فيه من الضرر -؛ لكن إذا أكلت طعاماً وأنت جائع فإنه ينهضم بسرعة؛ ويشهد لهذا ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد؛ فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر؛ فأكل منه النبي ﷺ ، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي ﷺ : «تأكل تمراً وبك رمد» ـ لأن المعروف أن التمر يزيد في وجع العين - فقال: «إني أمضَغ من ناحية أخرى» (١)، أي: إذا كانت اليمنى هي المريضة بالرمد أمضغه على الجانب الأيسر؛ فضحك النبي ﷺ ، ومكنه من أكله؛ قال ابن القيم ﵀: «إن الحكمة في أن الرسول مكنه - مع أن العادة أن هذا ضرر -؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول بها الضرر: ينهضم سريعاً، ويتفاعل مع الجسم، ويذهب ضرره» (٢). ١٣ - ومن فوائد الآية: أن من تناول المحرم بدون عذر فهو آثم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾؛ فعُلم منها أن من كان غير مضطر فعليه إثم. ١٤ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الرحيم»، وما تضمناه من صفة. ١٥ - ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه: غفوراً رحيماً، غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته، ورحمه بحلها؛ فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و «الصفة»؛ و «الحكم»، كما قال بذلك أهل العلم ﵏. القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]

стр. 3249

التفسير: يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟ قل لهم: أُحِلَّ لكم الطيبات وصيدُ ما دَرَّبتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يُعَلَّم، تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن لكم، واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد، وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه. إن الله سريع الحساب. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: أنه لما أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، قالوا: يا رسول الله، فماذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت: "يسألونك ماذا أحل لهم"، الآية. وهذا قول أبي رافع (١)، وعكرمة (٢)، ومحمد بن كعب القرظي (٣). قال أبو رافع: " جاء جبريل إلى النبي ﷺ يستأذن عليه، فأذن له فقال: قد أذنَّا لك يا رسول الله! قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب! قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته. فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿يسألونك ماذا أحِل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علَّمتم من الجوارح مكلبين﴾ " (٤). [ضعيف]. والثاني: أخرج الطبري عن عامر: "أن عدي بن حاتم الطائي قال: أتى رجل رسول الله ﷺ يسأله عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول له، حتى نزلت هذه الآية: ﴿تعلمونهن مما علمكم الله " (٥). [ضعيف]. وفي السياق نفسه قال سعيد بن جبير: "نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله ﷺ "زيد الخير"، وذلك أنهما جاءا إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل ذريح وآل أبي جويرية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب، فمنه ما يدرك ذكاته ومنه ما يقتل فلا يدرك ذكاته وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ يعني الذبائح ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ يعني: وصيد ما علمتم من الجوارح، وهي الكواسب من الكلاب وسباع الطير" (٦). [ضعيف ومنقطع] قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤]، أي: " يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟ " (٧).

стр. 3250

قال الطبري: أي: " يسألك، يا محمد، أصحابك: ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل؟ " (١). قال الزمخشري: " معناه: ماذا أحل لهم من المطاعم، كأنهم حين تلا عليهم ما حرم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها" (٢). قال ابن كثير: " لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بَدَنِه، أو في دينه، أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة، كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كما قال في سورة الأعراف في صفة محمد ﷺ : أنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الآية: ١٥٧] " (٣). قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، أي: " قل لهم: أُحِلَّ لكم الطيبات" (٤). قال الطبري: اي: " فقل لهم: أحِل لكم منها الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح" (٥). قال الزمخشري: " الطيبات، أى: ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد" (٦). قال سعيد بن جبير: " يعني: الذبائح الحلال الطيبة لهم" (٧). قال مقاتل بن حيان: "فـ ﴿الطيبات﴾، ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات" (٨). وقال ابن وَهْبٍ: "سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس. فقال: ليس هو من الطيبات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، أي: " وصيدُ ما دَرَّبتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يُعَلَّم" (١٠). قال الطبري: أي: " وأحل لكم أيضًا مع ذلك، صيدُ ما علّمتم من الجوارح، وهن الكَواسب من سباع البهائم" (١١). و«الطير»: سميت جوارح، لجرحها لأربابها، وكسبها إيّاهم أقواتَهم من الصيد. يقال منه: جرح فلان لأهله خيرًا، إذا أكسبهم خيرًا، وفلان جارِحَة أهله، يعني بذلك: كاسبهم، ولا جارحة لفلانة، إذا لم يكن لها كاسب، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (١٢): ذاتَ حَدٍّ مُنْضِجٍ مِيسَمُهَا ... تُذْكِرَ الجَارِحَ مَا كَانَ اجْتَرَحْ يعني: اكتسب (١٣). واختلف في الجوارح التي عنى الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، على ثلاثة أقاويل:

стр. 3251

أحدها: يعني من الكلاب دون غيرها من السباع، وأنه لا يحل إلا صيد الكلاب وحدها، وهذا قول ابن عمر (١)، والضحاك (٢)، والسدي (٣). والثاني: أن التكليب من صفات الجوارح من كلب وغيره، ومعناه مُضْرِين على الصيد كما تَضْرِي الكلاب، وهو قول ابن عباس (٤)، وعلي بن الحسين (٥)، وعبيد بن عمير (٦)، والحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وخيثمة بن عبد الرحمن (٩)، وطاوس (١٠). والثالث: أن معنى التكليب من صفات الجارح: التعليم (١١). والراجح-والله اعلم- انه يشمل "كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وأنّ صيد جميع ذلك حلال إذا صادَ بعد التعليم، لأن الله جل ثناؤه عم بقوله: وما علمتم من الجوارح مكلبين، كلَّ جارحة، ولم يخصص منها شيئًا. فكل جارحة، كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع، فحلال أكل صيدها" (١٢). قال ابن كثير: " والمحكي عن الجمهور أن صيد الطيور كصيد الكلاب؛ لأنها تَكْلَبُ الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم" (١٣). قال عدي بن حاتم قال: "سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: ما أمسك عليك فَكُل" (١٤). واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يَقْطَع الصلاةَ الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ" فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان" وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بَهِيم" (١٥) (١٦). وقرئ: «مكلبين»، بالتخفيف (١٧). قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، أي: " تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله" (١٨). قال السدي: " يقول: تعلمونهن من الطَّلب كما علمكم الله" (١٩). قال الطبري: أي: " تؤدِّبون الجوارح فتعلمونهن طلب الصيد لكم مما علمكم الله، يعني بذلك: من التأديب الذي أدَّبكم الله، والعلم الذي علمكم" (٢٠).

стр. 3252

قال الماوردي: " أى: تعلمونهن من طلب الصيد لكم مما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم وصفات التعليم التي بيَّن حكمها لكم، فأما صفة التعليم، فهو أن يُشلَى إذا أُشلي، ويجيب إذا دعي ويمسك إذا أخذ" (١). قال ابن كثير: " وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه" (٢). وهل يكون إمساكه عن الأكل شرطاً فى صحة التعليم أم لا؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شرط في كل الجوارح، فإن أكلت لم تؤكل، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعطاء (٤). والثاني: أنه ليس بشرط فى كل الجوارح ويؤكل وإن أكلت، وهذا قول ابن عمر (٥)، وسعد بن أبي وقاص (٦)، وأبي هريرة (٧)، وسلمان (٨). والثالث: أنه شرط في جوارح البهائم فلا يؤكل ما أكلت، وليس بشرط في جوارح الطير، فيؤكل وإن أكلت، وهذا قول الشعبي (٩)، وإبراهيم النخعي (١٠)، والسدي (١١)، وحماد (١٢). والظاهر –والله أعلم- "أن التعليم الذي ذكره الله في هذه الآية للجوارح، إنما هو أن يعلِّم الرجل جارحَه الاستشلاء إذا أُشلي على الصيد وطلبه إياه إذا أغرى، أو إمساكه عليه، إذا أخذه من غير أن يأكل منه شيئًا، وألا يفرّ منه إذا أراده، وأن يجيبه إذا دعاه. فذلك، هو تعليم جميع الجوارح، طيرها وبهائمها. فإن أكل من الصيد جارحةُ صائد فجارحه حينئذ غير معلَّم، فإن أدرك صيده صاحبُه حيًّا فذكّاه، حلَّ له أكله. وإن أدركه ميتًا، لم يحلَّ له أكله، لأنه مما أكله السَّبُع الذي حرمه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ولم يدرك ذكاته، [وذلك] لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ ... عن عدي بن حاتم: أنه سأل النبي ﷺ عن الصيد فقال: «إذا أرسلتَ كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أدركته وقد قتل وأكل منه فلا تأكل منه شيئًا، فإنما أمسكَ على نفسه» (١٣) " (١٤). قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، أي: " فكلوا مما أمسكن لكم من الصيد" (١٥). قال الطبري: أي: " فكلوا مما أمسكن عليكم، فكلوا، أيها الناس، مما أمسكت عليكم جوارحكم" (١٦). قال ابن كثير: " فمتى كان الجارحة معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عند إرساله حل الصيد، وإن قتله بالإجماع" (١٧).

стр. 3253

واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، علة قولين (١): أحدهما: ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله، حلال أكل كلِّ ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلَّمة من الصيد الحلال أكله، أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه، أدركتْ ذكاته فذُكِّي أو لم تدرَك ذكاته حتى قتلته الجوارح بجرحها إياه أو بغير جَرْح. وهذا قول الذين قالوا: تعليم الجوارح الذي يحلّ به صيدها أن تعلَّم الاستشلاء على الصيد، وطلبه إذا أشْليت عليه، وأخذه، وترك الهرب من صاحبها، دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته والثاني: ذلك على الخصوص دون العموم. قالوا: ومعناه: فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الجوارح منه بعضًا وأمسكت بعضًا، فالذي أمسكت منه غير جائز أكلُه وقد أكلت بعضه، لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه، على أنفسها لا علينا، والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كلَ ما أمسكته جوارحنا المعلمة علينا بقوله: فكلوا مما أمسكن عليكم، دون ما أمسكته على أنفسها. وهذا قول من قال: تعليم الجوارح الذي يحلُّ به صيدها: أن تَستشلى للصيد إذا أشليت، فتطلبه وتأخذه، فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئًا، ولا تفر من صاحبها. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: " واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد" (٢). قال ابن عباس: " يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله، وإن نسيت فلا حَرَج" (٣). قال السدي: ": إذا أرسلته فسَمِّ عليه حين ترسله على الصيد" (٤). قال القرطبي: " قيل: المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل، وهو الأظهر" (٥). قال ابن كثير: " وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ عَلَّم رَبِيبه عمر بن أبي سلمة فقال: «سَمّ الله، وكُل بيمينك، وكل مما يليك» (٦)، وفي صحيح البخاري: عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا - حديث عهدهم بكفر - بلُحْمانٍ لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: «سَمّوا الله أنتم وكلوا» (٧) " (٨). وعن عائشة-﵂؛ أن رسول الله ﷺ كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ : «أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره» (٩). وفي رواية اخرى عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعاما في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين، فقال: «أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي اسم الله في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره» " (١٠).

стр. 3254

قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٤]، أي: " وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه" (١). قال الطبري: أي: " واتقوا الله، أيها الناس، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه، وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلَّمة، أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها، أو تطعَمُوا ما لم يسمَّ الله عليه من الصيد والذبائح مما صادَه أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوحِّد الله من خلقه، أو ذبحوه، فإن الله قد حرَّم ذلك عليكم فاجتنبوه" (٢). قال القرطبي: " أمر بالتقوى على الجملة، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: "فإن الله سريع المجازاة للعباد" (٤). قال الطبري: " ثم خوَّفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره. فقال: اعلموا أن الله سريعٌ حسابه لمن حاسبه على نِعَمه عليه منكم وشكرِ الشاكر منكم ربَّه على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى، لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم، فيحيط به، لا يخفى عليه منه شيء، فيجازي المطيعَ منكم بطاعته، والعاصيَ بمعصيته، وقد بيَّن لكم جزاء الفريقين" (٥). قال السعدي: " حذر من إتيان الحساب في يوم القيامة، وأن ذلك أمر قد دنا واقترب، فقال: ﴿واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾ " (٦). قال القرطبي: " وسرعة الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شي علما وأحصى كل شي عددا، فلا يحتاج إلى محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب، ولهذا قال: ﴿وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة. ويحتمل أن يكون وعيدا بيوم القيامة كأنه قال: إن حساب الله لكم سريع إتيانه، إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة، فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله" (٧). الفوائد: ١ - مشروعية سؤال من لا يعلم عما ينبغي له أن يعلمه. ٢ - حلية الصيد إن توفرت شروطه، وهي: أن يكون الجارح معلماً وأن يذكر اسم الله تعالى عند إرساله وأن لا يأكل منه الجارح، ويجوز أكل ما صيد برصاص أو بآلة حادة ١ بشرط ذكر اسم الله عند رميه ولو وجد ميتاً فلم يذك. ٣ - قال السعدي: " دلت هذه الآية على أمور: أحدها: لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث وسع عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يذكوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب، والفهود، والصقر، ونحو ذلك، مما يصيد بنابه أو بمخلبه. الثاني: أنه يشترط أن تكون معلمة، بما يعد في العرف تعليما، بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: ﴿تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ أي: أمسكن من الصيد لأجلكم. وما أكل منه الجارح فإنه لا يعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه.

стр. 3255

الثالث: اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما، لقوله: ﴿من الجوارح﴾ مع ما تقدم من تحريم المنخنقة. فلو خنقه الكلب أو غيره، أو قتله بثقله لم يبح [هذا بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب أي: المحصلات للصيد والمدركات لها فلا يكون فيها على هذا دلالة - والله أعلم-] (١). الرابع: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه. الخامس: طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد، لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلا فدل على طهارته. السادس: فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المعلم -بسبب العلم- يباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده. السابع: أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما، ليس مذموما، وليس من العبث والباطل. بل هو أمر مقصود، لأنه وسيلة لحل صيده والانتفاع به. الثامن: فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد، قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك. التاسع: فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يسم الله متعمدا، لم يبح ما قتل الجارح. العاشر: أنه يجوز أكل ما صاده الجارح، سواء قتله الجارح أم لا. وأنه إن أدركه صاحبه، وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها (١). القرآن ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥] التفسير: ومن تمام نعمة الله عليكم اليوم -أيها المؤمنون- أن أَحَلَّ لكم الحلال الطيب، وذبائحُ اليهود والنصارى -إن ذكَّوها حَسَبَ شرعهم- حلال لكم وذبائحكم حلال لهم. وأَحَلَّ لكم -أيها المؤمنون- نكاح المحصنات، وهُنَّ الحرائر من النساء المؤمنات، العفيفات عن الزنى، وكذلك نكاحَ الحرائر العفيفات من اليهود والنصارى إذا أعطيتموهُنَّ مهورهن، وكنتم أعِفَّاء غير مرتكبين للزنى، ولا متخذي عشيقات، وأمِنتم من التأثر بدينهن. ومن يجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله، وهو يوم القيامة من الخاسرين. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: قال قتادة: " ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم يعني: نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله عز ذكره: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فأحل الله تزويجهن على علم" (٢). والثاني: وقال مقاتل: " فلما أحل الله- نساء أهل الكتاب، قال المسلمون: كيف تتزوجوهن وهن على غير ديننا! ، وقالت نساء أهل الكتاب: ما أحل الله تزويجنا للمسلمين إلا وقد رضي أعمالنا! فأنزل الله- ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾، يعني: من نساء أهل الكتاب بتوحيد الله، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، يعنى: من الكافرين" (٣).

стр. 3256

قال السمرقندي: قيل: "لما نزلت هذه الآية قلن نساء أهل الكتاب: لولا إن الله تعالى قد رضي بديننا لم يبح للمسلمين نكاحنا، فنزل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ " (١). والثالث: لما "نزل قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ثم رخص من حالة الاضطرار، فقال بعضهم: لا نأخذ الرخصة من الاضطرار فنزل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " ومن تمام نعمة الله عليكم اليوم -أيها المؤمنون- أن أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها" (٣). قال مقاتل: "أى: الذبائح من الصيد" (٤). قال التستري: " الطيبات: الحلال من الرزق" (٥). قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: "، وذبائحُ اليهود والنصارى -إن ذكَّوها حَسَبَ شرعهم- حلال لكم" (٦). قال الماوردي: " يعني: ذبائحهم" (٧). قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وذبائحكم حلالٌ لهم فلا حرج أن تُطعموهم وتبيعوه لهم" (٨). قال الماوردي: " يعني: ذبائحنا" (٩). قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وأُبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات" (١٠). قال الطبري: أي: " أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات وهن الحرائر منهن أن تنكحوهن" (١١). قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " أي وزواج الحرائر من من اليهود والنصارى" (١٢). قال مقاتل: " يعني: وأحل تزويج العفائف من حرائر نساء اليهود والنصارى، نكاحهن حلال للمسلمين (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ثلاثة أقوال (١٤): أحدها: المعاهدات دون الحربيات، وهذا قول ابن عباس (١٥). والثاني: عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله (١٦).

стр. 3257

والثالث: عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات، وهذا قول سعي بن المسيب (١)، والحسن (٢)، والفقهاء وجمهور السلف (٣). والراجح-والله أعلم- أن نكاح عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات جائز ذميةً كانت أو حربيّةً، بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وجهان: أحدهما: أنهن الحرائر من الفريقين، سواء كن عفيفات أو فاجرات، فعلى هذا، لا يجوز نكاح إمائهن، وهذا قول مجاهد (٥)، والشعبي (٦)، وبه قال الشافعي (٧). قال عامر: " أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة" (٨). والثاني: أنهن العفائف، سواءٌ كن حرائر أم إماءً، فعلى هذا، يجوز نكاح إمائِهن، وهذا قول مجاهد (٩)، والشعبي (١٠) أيضاً، وبه قال أبو حنيفة (١١). قوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " إِذا دفعتم لهن مهورهن" (١٢). قال مقاتل: " يعني إذا أعطيتموهن مهورهن" (١٣). قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " حال كونكم أعفاء بالنكاح غير مجاهرين بالزنى" (١٤). قال الماوردي: " يعني: أَعفّاء غير زُناة" (١٥). قال ابن عباس: "يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة غير مسافحين متعالنين بالزنا ولا متخذي أخدان، يعني: يسرُّون بالزنا" (١٦). عن سليمان بن المغيرة، عن الحسن قال: "سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته" (١٧).

стр. 3258

قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وغير متخذين عشيقات وصديقات تزنون بهن سرا" (١). قال مقاتل: " يعني: لا تتخذ الخليل في السر فيأتيها" (٢). قال الزجاج: " وهن الصديقات والأصدقاء، فحرم الله الجماع على جهة السفاح، أو على جهة اتخاذ الصديقة، وأحلة على جهة الإحصان، وهو التزويج، على ما عليه جماعة العلماء" (٣). قال السمرقندي: " يقول: لا تتخذوا خدنا فتزنوا بها سرا، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سرا، فحرم الله زنى السر والعلانية" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " ومن يجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله" (٥). قال مجاهد: " من يكفر بالله" (٦). قال عطاء: " الإيمان، التوحيد" (٧). قال اللبي: " أي: بما أنزل على محمد ﷺ " (٨). قال ابن عباس: " أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه" (٩). قال الطبري: اي: " ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله، لأن «الكفر»: هو الجحود في كلام العرب، و «الإيمان»: التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به " (١٠). قال مقاتل بن حيان: "يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن شيئا وهي للناس عامة" (١١). وقرأ الحسن: «حَبِطَ عَمَلُهُ»، بفتح الباء (١٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وهو يوم القيامة من الهالكين" (١٣). قال مقاتل: "يعني: من الكافرين" (١٤). قال السمرقندي: " يعني: من المغبونين في العقوبة، ولهذا قال أصحابنا ﵏: إن الرجل إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في وقت تلك الصلاة، وجب عليه إعادة تلك الصلاة، ولو كان حج حجة الإسلام فعليه أن يعيد الحج، لأنه قد بطل ما فعل قبل ارتداده" (١٥). الفوائد: ١ - إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب.

стр. 3259

٢ - إباحة نكاح الكتابيات بشرط أن تكون حرة عفيفة، وأن يعقد عليها العقد الشرعي وهو القائم على الولي والشهود والمهر، والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي ووكيل: زوجني فلانة. فيقول له: قد زوجتكها. ٣ - حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة. ٤ - المعاصي قد تقود إلى الكفر. ٥ - المرتد عن الإسلام يحبط عمله فلو راجع الإسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة وإن مات قبل العودة إلى الإسلام خسر نفسه وأهله يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦] التفسير: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مع المرافق [والمِرْفَق: المِفْصَل الذي بين الذراع والعَضُد] وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين [وهما: العظمان البارزان عند ملتقى الساق بالقدم]، وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة. فإن كنتم مرضى، أو على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته فلم تجدوا ماء فاضربوا بأيديكم وجه الأرض، وامسحوا وجوهكم وأيديكم منه. ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم، بل أباح التيمم توسعةً عليكم، ورحمة بكم، إذ جعله بديلا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمُّم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم; بطاعته فيما أمر وفيما نهى. في سبب نزول الآية قولان: احدهما: عن علقمة بن وقاص الليثي؛ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه؛ فلا يكلمنا، ونسلم عليه؛ فلا يرد علينا، حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، فقلنا: يا رسول الله نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا، قال: حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية" (١). [ضعيف جداً] والثاني: عن عائشة: "أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلّوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله؛ فأنزل الله -تعالى- آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيراً؛ فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك والمسلمين فيه خيراً" (٢). [صحيح] وفي السياق نفسه روي عن عمار بن ياسر: "أن رسول الله ﷺ عرَّس بأولاتِ الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جَزْعِ ظِفَار؛ فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك، حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء؛ فتغيظ عليها أبو بكر، وقال: حبست الناس وليس

стр. 3260

معهم ماء؛ فأنزل الله -تعالى- على رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب. فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط" (١). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦]، أي: "يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٤). كما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٥). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٦). قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة" (٧). وللعلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أقوال: أحدها: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مُضْمَراً. وفي وجوب الوضوء شرطاً، وهو قول عبد الله بن عباس (٨)، وسعد بن أبي وقاص (٩)، وأبي موسى الأشعري (١٠)، والفقهاء (١١). والثاني: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة. وهذا قول زيد بن اسلم (١٢)، والسدي (١٣). قال ابن كثير: "وكلاهما قريب [اي: القول الاول والثاني] " (١٤). والثالث: أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة، محدثا كان، أو غير محدث، ولا يجوز أن يجمع بوضوء واحد بين فرضين، وهذا مروي عن علي ﵁ (١٥)، وعمر (١٦)، وعكرمة (١٧)، وابن سيرين (١٨). والرابع: أن الآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب (١٩). والخامس: أنه كان واجباً على كل قائمٍ إلى الصلاة، ثم نسخ إلاَّ على المحدث. روى سليمان بن بريدة عن أبيه: " كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: «عمدا فعلته يا عمر» " (٢٠). والصواب-والله أعلم- أن الله تعالى فرض غسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبل إحداث الوضوء منه وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته. ولذلك كان ﵇ يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة، ثم صلىّ يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد، ليعلّم أمته أن ما كان يفعل ﵇ من تجديد الطهر لكل صلاة، إنما كان منه أخذا بالفضل، وإيثارا منه لأحب الأمرين إلى الله، ومسارعةً منه إلى ما ندبه إليه ربّه لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا (٢١). قال الزمخشري: " فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة" (٢٢). أخرج الطبري عن محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري نه قال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: "أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّن هو؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، الغسيل حدَّثها: أن النبي ﷺ أُمِرَ بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمِر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدّث. فكان عبد الله يرى أنّ به قوة عليه، فكان يتوضأ" (٢٣). وعن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد" (٢٤). وعن ابن عمر أيضا، قال، " قال رسول الله ﷺ : «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» " (٢٥).
следующие страницы →