← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والثالث: وهو قول بعض الكوفيين: أن معناه: إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله: ﴿إلى﴾ مستعملاً في موضع لا يصح الكلام إلا به. قال الإمام الطبري: "وهذا القول-أي الأخير- عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ولِـ (إلى) في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها" (١). واختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه اشتقاق (الشيطان)، على قولين (٢): أحدهما: أنه مشتق من (شَطَنَ)، بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، وشَطَنَتْ دارُه، أي بعدت، فسمي شيطاناً، إما لبعده عن الخير، وإما لبعد مذهبه في الشر، فعلى هذا النون أصلية (٣). والقول الثاني: أنه يرجع إلى الجذر (شَيَطَ)، مشتق من شاط يشيط، أي هلك يهلك، كما قال الأعشى (٤): قد نَخْضِبُ العَيْرَ من مَكْنُونِ فائلِه ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ أي يهلك، فعلى هذا يكون النون فيه زائدة (٥). والقول الأول هو الأرجح؛ أي: اشتقاقه من (شطن)؛ وذلك لأنَّها أقرب إلى وصف أعمال الشيطان التي تَهدف إلى إبعاد الناس عن عمَل الخير واتِّباع الحق؛ "لأنَّ اشتقاق الشيطان من شطن؛ بمعنى: بَعُد عن الخير ومال عن الحقِّ - أقرب إلى الحقيقة من اشتقاقه من شاط؛ بمعنى: احترق؛ ذلك أنَّ عمل الشيطان هو إبعاد الناس عن الحقِّ، والذي يبعد الناس عن الحقِّ والخير يكون هو بعيدًا عنه" (٦). قوله تعالى: ﴿قالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، أي أي قالوا لهم نحن"على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة" (٧). قال ابن عباس: " أي إنا على مثل ما أنتم عليه" (٨). قال الثعلبي: "أي: على دينكم وأنصاركم" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، أي: " وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان" (١٠). قال الطبري: أي: "إنما نحن ساخرون" (١١). قال الثعلبي: أي: "بمحمد وأصحابه" (١٢). قال الماوردي: " أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة" (١٣).

стр. 352

روي "عن ابن عباس: قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ساخرون بأصحاب محمد ﷺ " (١). وفي رواية أخرى له: " إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعبُ بهم" (٢). وروي عن قتادة (٣) والربيع (٤) مثل ذلك. الفوائد: من فوائد الآية ذلّ المنافق؛ فالمنافق ذليل؛ لأنه خائن؛ فهم ﴿إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ خوفاً من المؤمنين؛ و ﴿إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ خوفاً منهم؛ فهم أذلاء عند هؤلاء، وهؤلاء؛ لأن كون الإنسان يتخذ من دينه تَقيَّة فهذا دليل على ذله؛ وهذا نوع من النفاق؛ لأنه تستر بما يُظَن أنه خير وهو شر القرآن ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٥] التفسير: الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال، ويزيدهم -بطريق الإِمهال والترك -في ضلالهم وكفرهم وكذبهم يتخبطون ويتردّدون ويتحيرون (٥). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، " أي: الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال" (٦) قال القرطبي: أي: الله "ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم" (٧). قال الثعلبي: " أي يجازيهم جزاء استهزائهم" (٨). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، على وجوه (٩): أحدها: معناه أنه يحاربهم على استهزائهم (١٠)، فسمي الجزاء باسم المجازى عليه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وليس الجزاء اعتداءً، قال عمرو بن كلثوم (١١): أَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينا فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة (١٢). والثاني: أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين. والثالث: أنه لما حسن أن يقال للمنافق: ﴿ذُقْ إِنًّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، صار القول كالاستهزاء به.

стр. 353

والرابع: ما حكي: أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم، فيرون أنهم يخرجون منها، فيزدحمون للخروج، فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة، بمقامع النيران، حتى يرجعوا، وهذا نوع من العذاب، وإن كان كالاستهزاء. والخامس: : أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة، وكانوا فيه اغترار به، صار كالاستهزاء [بهم] (١). وإلى هذا القول ذهب الطبري (٢) والسعدي (٣). وبنحو هذا المعنى روي الخبر عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: " يسخر منهم للنقمة منهم" (٤) (٥). والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، فسمى العقوبة باسم الذنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم. قوله : ﴿وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهم يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، أي: أن الله يبقيهم ضالين في طغيانهم" (٦). قال القرطبي: " أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران: ١٧٨] " (٧). وفي ﴿َيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ثلاثة أقوال: أحدهما: يملي لهم، وهو قول ابن مسعود (٨)، والسدي (٩). والثاني: يزيدهم، وهو قول مجاهد (١٠). والثالث: وقيل: يَمُدُّ لَهُم " (١١). والراجح هو ما قاله مجاهد، بأن معنى ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يزيدهم، على وجه الإملاء والترك لهم في عُتوِّهم وتمردهم، كما وصف ربُّنا أنه فعل بنظرائهم في قوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١١٠]، يعني نذرُهم ونتركهم فيه، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم، ولا وجه لقول من قال: ذلك بمعنى " يَمُدُّ لهم "، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها أن يستجيزوا قول القائل: " مدَّ النهرَ نهرٌ آخر "، بمعنى: اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل -

стр. 354

من غير تأوُّل منهم. ذلك أن معناه: مدّ النهرَ نهرٌ آخر. فكذلك ذلك في قول الله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، يعني في: "كفرهم وضلالهم" (٢). قال ابن عباس: " في كفرهم يترددون" (٣). وروي عن ابن مسعود (٤) وقتادة (٥) والربيع (٦) وابن زيد (٧) مثل ذلك. و(الطُّغيان)، أصله مجاوزة الحد، من قولك: طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا، إذا تجاوز في الأمر حده فبغى، ومنه قوله الله: ﴿كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق: ٦، ٧]، أي يتجاوز حدّه، وقوله في فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] أي أسرف في الدعوى حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] (٨)، ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت (٩): وَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا ... بَعْدَ طُغْيَانِه، فَظَلَّ مُشِيرَا وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، فيه ثلاثة أقوال (١٠): أحدها: يترددون، قاله ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع (١٣)، ومنه قول ابن بري (١٤): مَتى تَعْمَهْ إلى عُثْمانَ تَعْمَه ... إلى ضَخْم السُّرادِقِ والقِبابِ أَي تُرَدِّدُ النظرَ. والثاني: معناه يتحيرون، قاله ابن عباس (١٥)، ومنه قول رؤية بن العجاج (١٦): ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه والثالث: يعمهون عن رشدهم، فلا يبصرونه، لأن من عمه عن الشيء كمن كمه عنه، قال الأعشى (١٧): أراني قد عمهت وشاب رأسي ... وهذا اللعب شين للكبير والرابع: يتمادَوْن. قاله ابن عباس (١٨). قال الثعلبي: ﴿يعمهون﴾، أي: " يمضون، يترددون في الضلالة متحيرين، يقال: عمه يعمه عمها وعموها، وعمها فهو عمه، وعامه: إذا كان جائرا عن الحق" (١٩). ثم استشهد بقول رؤبة السابق. الفوائد:

стр. 355

من فوائد الآية: أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، أو برسله، أو بشرعه جزاءً وفاقاً؛ واعلم أن ها هنا أربعة أقسام: القسم الأول: قسم هو صفة كمال لكن قد ينتج عنه نقص: هذا لا يسمى الله تعالى به؛ ولكن يوصف الله به، مثل "المتكلم"، و"المريد"؛ فـ"المتكلم"، و"المريد" ليسا من أسماء الله؛ لكن يصح أن يوصف الله بأنه متكلم، ومريد على سبيل الإطلاق؛ ولم تكن من أسمائه؛ لأن الكلام قد يكون بخير، وقد يكون بشر؛ وقد يكون بصدق، وقد يكون بكذب؛ وقد يكون بعدل، وقد يكون بظلم؛ وكذلك الإرادة. القسم الثاني: ما هو كمال على الإطلاق، ولا ينقسم: فهذا يسمى الله به، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير .. وما أشبه ذلك؛ وهو متضمن للصفة؛ وليس معنى قولنا: "يسمى الله به" أن نُحْدِث له اسماً بذلك؛ لأن الأسماء توقيفية؛ لكن معناه أن الله تَسَمَّى به. القسم الثالث: ما لا يكون كمالاً عند الإطلاق؛ ولكن هو كمال عند التقييد؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيداً، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول: إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل: إن الله ماكر بمن يمكر به، وبرسله، ونحو ذلك. مسألة: - هل "المنتقم" من جنس الماكر، والمستهزئ؟ الجواب: مسألة "المنتقم" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقول: إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بـ"العفوّ"؛ فيقال: "العفوُّ المنتقم"؛ لأن "المنتقم" على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بـ"العفوّ"؛ ومثله أيضاً المُذِل: قالوا: لا يوصف الله به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بـ"المُعِز"؛ فيقال: "المعزُّ المُذل"؛ ومثله أيضاً "الضار": قالوا: لا يوصف الله به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن "النافع"؛ فيقال: "النافع الضار"؛ ويسمون هذه: الأسماء المزدوجة. ويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق. ولو مقروناً بما يقابله. أي إنك لا تقول: العفوّ المنتقم؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله "المنتقم"؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام؛ ولهذا يقول : ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢]، وقال : ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ [آل عمران: ٤]؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح؛ بل هو مدرج؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله. مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ . القسم الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق: فهذا لا يوصف الله به أبداً، ولا يسمى به، مثل: العاجز؛ الضعيف؛ الأعور .. وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يوصف الله بصفة عيب مطلقاً. والاستهزاء هنا في الآية على حقيقته؛ لأن استهزاء الله بهؤلاء المستهزئين دال على كماله، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى: ﴿إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً﴾ [الطارق: ١٥، ١٦] أي أعظمَ منه كيداً؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره؛ فتفسيره بغير ظاهره محرم؛ وكل من فسر شيئاً من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم؛ والقول على الله بلا علم حرام، كما قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]؛ فكل قول على الله بلا علم في شرعه، أو في فعله، أو في وصفه غير جائز؛ بل نحن نؤمن بأن الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقياً؛ لكن ليس كاستهزائنا؛ بل أعظم من استهزائنا، وأكبر، وليس كمثله شيء. وهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وصف الله به نفسه؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم: "إنه حلال"، فكذلك لا تقول لما وصف به نفسه أن هذا ليس المراد؛ فكل ما وصف الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره، لكن تعلم أن ظاهره ليس كالذي ينسب لك؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزائنا؛ وقرب الله ليس كقربنا؛ واستواء الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على

стр. 356

ظاهرها، ولا نقول على الله ما لا نعلم؛ ولكن ننزه ربنا عما نزَّه نفسه عنه من مماثلة المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. أما الخيانة فلا يوصف بها الله مطلقاً؛ لأن الخيانة صفة نقص مطلق؛ و"الخيانة" معناها: الخديعة في موضع الائتمان. وهذا نقص؛ ولهذا قال الله : ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم؛ لكن لما قال تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ [النساء: ١٤٢] قال: ﴿وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]؛ لأن الخديعة صفة مدح مقيدة؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "الحرب خدعة" (١)، وقال ﷺ : "لا تخن من خانك" (٢)؛ لأن الخيانة تكون في موضع الائتمان؛ أما الخداع فيكون في موضع ليس فيه ائتمان؛ والخيانة صفة نقص مطلق. ٣ ومن فوائد الآيتين: أن الله قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانه. فيستفاد من هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي تحذير الإنسان الطاغي أن يغتر بنعم الله ؛ فهذه النعم قد تكون استدراجاً من الله؛ فالله يملي، كما قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. كما جاء في الحديث (٣). فإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟ فالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج. ٤ ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ [الحجرات: ١]. القرآن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦] التفسير: أولئك المنافقون باعوا أنفسهم في صفقة خاسرة، فأخذوا الكفر، وتركوا الإيمان، فما كسبوا شيئًا، بل خَسِروا الهداية، وهذا هو الخسران المبين. قلت: إن المنافقين الموصوفبن بتلك الصفات، بذلوا الهدى ثمناً للضلالة، فاختاروا واستحبوا الضلالة وهي الكفر والنفاق بالهدى الذي هو الإيمان بالله تعالى، وما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، "أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى" (٤). وقوله ﴿أُولَئِكَ﴾، اسم إشارة؛ والمشار إليهم المنافقون"الموصوفون بتلك الصفات" (٥)؛ وجاءت الإشارة بصيغة البُعد لبُعد منزلة المنافق سفولاً (٦).

стр. 357

قال السعدي: " أي: رغبوا في الضلالة، رغبة المشتري بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة، وهذا من أحسن الأمثلة، فإنه جعل الضلالة، التي هي غاية الشر، كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم، فبئس التجارة، وبئس الصفقة صفقتهم، وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟ " فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة، واختار الشقاء على السعادة، ورغب في سافل الأمور عن عاليها" (١). وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، على أربعة أوجه (٢): أحدها: أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. قاله ابن عباس (٣). والثاني: أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان. قاله قتادة (٤). إذ عّبر عنه بالشراء، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا، فيبيعوا إيمانهم. وهؤلاء وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه ﴿اشْتَرَوا﴾ إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه (٥). ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة (٦): فَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا ... ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ الْقِمَارَ يعني بالمستراة: المختارة. وقال ذو الرُّمة، في الاشتراء بمعنى الاختيار (٧): يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا ... جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ يعني بالشَّراة: المختارة. وقال آخر في مثل ذلك (٨): إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الأَمْوَالِ ... وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ وضعّف الطبري هذا القول، وذلك" لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، فدل بذلك على أن معنى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس، من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عِوَض على عوض" (٩). والثالث: أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود (١٠)، واختاره الطبري (١١).

стр. 358

والرابع: أنهم: آمنوا ثم كفروا. قاله مجاهد (١). وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق: ﴿اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ﴾، بكسر الواو، لأنّ الجزم يحرّك الى الكسرة العدوى بفتحها حركة إلى أخف الحركات (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، "أي ما ربحت صفقتُهم في هذه المعارضةِ والبيع" (٣). قال قتادة: " قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفُرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنة إلى البدعة" (٤). قال الثعلبي: أي: فما ربحوا في تجارتهم" (٥). قال ابن عثيمين: " أي ما زادت تجارتهم، وهي اشتراؤهم الضلالة بالهدى" (٦). قال الطبري: " بشرائهم الضلالةَ بالهدى - خسروا ولم يربحوا، لأن الرابح من التجّار: المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذي يبتاعها به. فأما المستبدِلُ من سلعته بدلا دُونها ودونَ الثمن الذي ابتاعها به، فهو الخاسر في تجارته لا شكّ. فكذلك الكافر والمنافق، لأنهما اختارَا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى، والخوفَ والرعبَ على الحفظ والأمن" (٧). وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة: ﴿فما ربحت تجاراتهم﴾ بالجمع (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ " أي وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين" (٩). قال الثعلبي: يعني" من الضلالة" (١٠). قال الطبري: " ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى، واستبدالهم الكفرَ بالإيمان، واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار" (١١). قال ابن عثيمين: " أي ما كانوا متصفين بالاهتداء حينما اشتروا الضلالة بالهدى؛ بل هم خاسرون في تجارتهم ضالون في منهجهم" (١٢). قال السعدي: " وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾، تحقيق لضلالهم، وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء، فهذه أوصافهم القبيحة" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، ثلاثة أوجه (١٤): أحدها: وما كانوا مهتدين، في اشتراء الضلالة. والثاني: وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون. والثالث: أنه لما كان التاجر قد لا يربح، ويكون على هدى في تجارته، نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء، مبالغة في ذمهم.

стр. 359

الفوائد: ١ من فوائد الآية: بيان سفه هؤلاء المنافقين، حيث اشتروا الضلالة بالهدى. ٢ ومنها: شغف المنافقين بالضلال؛ لأنه ﵎ عبر عن سلوكهم الضلال بأنهم اشتروه؛ والمشتري مشغوف بالسلعة محب لها. ٣ ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه أحسنَ عملاً وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظناً منهم أنهم على صواب، وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾. ٤ ومنها: خسران المنافقين فيما يطمعون فيه بالربح؛ لقوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم). ٥ ومنها: أن المدار في الربح، والخسران على اتباع الهدى؛ فمن اتبعه فهو الرابح؛ ومن خالفه فهو الخاسر؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: ١. ٣]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الصف: ١٠، ١١]: تقف على ﴿خير لكم﴾؛ لأن ﴿إن كنتم تعلمون﴾ إذا وصلناها بما قبلها صار الخير معلقاً بكوننا نعلم. وهو خير علمنا أم لم نعلم. ٦. ومن فوائد الآية: أن هؤلاء لن يهتدوا؛ لقوله تعالى: ﴿وما كانوا مهتدين﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ ولذلك لا يرجعون؛ وهكذا كل فاسق، أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع؛ فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب. وليس على صواب. القرآن ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨] التفسير: إن مثل المنافقين في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يُبصر ولا يهتدي. قال ابن عباس: " هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يتعزون بالإسلام فينا المسلمين ويقاسمونهم الفيء فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه" (١). وروي عن أبي العالية (٢)، وعطاء الخراساني (٣) مثل ذلك. قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ [البقرة: ١٧]، "أي مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد ناراً ليستدفئ بها ويستضيء" (٤). وذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، أربعة أوجه (٥): أحدها: أنه أراد كمثل الذي أوقد، فدخلت السين زائدة في الكلام (٦)، وهو قول الأخفش (٧). ومن ذلك قال الشاعر (٨): وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ فقوله: لم يستجبه، أي: لم يجبه.

стр. 360

والثاني: أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء (١). والثالث: وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له (٢). والرابع: وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها (٣). قال الواحدي: والأول الصحيح" (٤). أي بمعنى (أوقد). و(النار) مشتقة من النور وجمعها نيران، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة (٥). وقوله ﴿الذي﴾ في قوله: ﴿الذي استوقد نارا﴾، المراد به الجماعة، وهو مذهب ابن قتيبة وابن الأنباري، واحتج ابن قتيبة بقول الشاعر (٦): فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (٧) وقال ابن الأنباري: " (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (٨)، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا واحد له، ولكن المراد منه الجمع (٩). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]، "أي فلما أنارتْ المكان الذي حوله فأبصر وأمِن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة" (١٠). قال مجاهد: " أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى" (١١). وروي "عن السدي: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾، : زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مقدم النبي- ﷺ المدينة ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فلما أضاءت ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منها فبينما هو كذلك إذ أطفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من الشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر" (١٢). قال أبو عبيد: "أضاءت النار، وأضاءها غيرها" (١٣). قال الواحدي: "والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر (١٤):

стр. 361

أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ويقال: ضاءت النار، وأضاءت، لغتان (١)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (٢)، والذي في الآية واقع" (٣). قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، "أي أطفأهم الله بالكلية، فتلاشت النار وعُدم النور" (٤). قال مجاهد: "ذهاب نورهم: إقبالهم إلى الكفار والضلالة" (٥). وقوله : ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فيه وجهان (٦): أحدهما: نور المستوقِد، لأنه في معنى الجمع، وهذا قول الأخفش. والثاني: بنور المنافقين، لأن المثل مضروب فيهم، قاله الزجاج (٧) والفراء (٨)، وإليه ذهب الطبري (٩)، وهو قول الجمهور. وفي ذهاب نورهم، وجوه: أحدها: إقبالهم إلى الكافرين والضلالة. قاله مجاهد (١٠)، والربيع (١١)، وابن زيد (١٢)، وروي عن ابن عباس (١٣) مثل ذلك. والثاني: ذهب الله بنورهم عند الموت، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه. قاله قتادة (١٤)، وروي عن ابن عباس (١٥) مثلل ذلك. وفي المراد بـ ﴿نورهم﴾ وجهان (١٦) أحدهما: أنه عَنّى إيمانهم الذي تكلموا به وأظهروه للنبي ﷺ . قاله الضحاك (١٧). والثاني: ذهب الله بنورهم في الآخرة، حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها. وهو قول الأصم (١٨). قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ "أي: وأبقارهم في ظلماتٍ كثيفة وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون" (١٩). روي عن ابن عباس: " ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، يقول: في عذاب (٢٠) إذا ماتوا" (٢١).

стр. 362

وعنه كذلك: " ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾: أي لا يبصرون الحق يقولون" (١). وفي قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، قولان (٢): أحدهما: معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به. والثاني: أنه لم يخرجهم منه، كما يقال تركته في الدار، إذا لم تَخرجْهُ منها، وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة، فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين. وفيما كانوا فيه من الضياء، وجعلوا فيه من الظلمة قولان (٣): أحدهما: أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم. روي نحوه عن ابن مسعود (٤)، والضحاك (٥). والثاني: أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة، وهذا قول ابنِ عباسٍ (٦) وقتادةَ (٧) وروي عن الحسن (٨) مثل لك. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾: إذ جمعها لتضمنها ظلمات عديدة (٩): ١ - ظلمة الليل؛ لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل؛ لأنك إذا استوقدت ناراً بالنهار فإنها لا تضيء. ٢ - ظلمة الجو إذا كان غائماً. ٣ - الظلمة التي تحدث بعد فقد النور؛ فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة؛ و (لَا يُبْصِرُونَ) تأكيد من حيث المعنى لقوله تعالى: (فِي ظُلُمَاتٍ) دال على شدة الظلمة (١٠). قال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين هذا المثل، "فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله، فبينا هو كذلك إِذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغيَّ على الرشد، وفي هذا المثل دلالةً على أنهم آمنوا ثم كفروا" (١١)، ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إِلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة (١٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالاً محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيداً، كما قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣].

стр. 363

٢ ومنها: ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس. ٣ ومنها: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل الذي استوقد ناراً﴾؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءل، ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول. ٤ ومن فوائد الآيتين: أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾: الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين. وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم﴾ [المنافقون: ٣]. ٥ ومنها: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلت الظلمة الشديدة؛ بل الظلمات. ٦ ومنها: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، كأنه أخذه قهراً. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد بسببهم؛ وتذكَّر دائماً قول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]. حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه ٧ ومن فوائد الآيتين: تخلي الله عن المنافقين؛ لقوله تعالى: [وتركهم] ويتفرع على ذلك: أن من تخلى الله عنه فهو هالك. ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح؛ لقوله تعالى: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) القرآن ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] التفسير: هم صُمٌّ عن سماع الحق سماع تدبر، بُكْم عن النطق به، عُمْي عن إبصار نور الهداية؛ لذلك لا يستطيعون الرجوع إلى الإيمان الذي تركوه، واستعاضوا عنه بالضلال. قوله تعالى: ﴿صُمٌّ﴾ [البقرة: ١٨]، "أي هم كالصم لا يسمعون خيراً" (١). قال ابن عباس: " لا يسمعون الهدى" (٢). وروي نحوه عن السدي (٣)، وقتادة (٤)، وأبي مالك (٥). و(الصمم) في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، (٦) قال الشاعر (٧): فليت لساني كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب قوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]، " أي" كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم" (٨). قال قتادة: " بكم عنه [أي الحق]، فهم لا ينطقون به" (٩). وقال أبو مالك: ، قوله: ﴿بكم﴾، يعني خرسا عن الكلام بالإيمان، فلا يستطيعون الكلام" (١٠).

стр. 364

قوله تعالى: ﴿عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، "أي: كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله" (١). قال ابن عباس: "لا يبصرونه" (٢). أي الهدى. وروي نحوه عن السدي (٣)، وقتادة" (٤). والعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله، وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] (٥). وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا، كما قالوا (٦): أصم عما ساءه سميع أي: لا يسمع ما ساءه مع كونه سميعا، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره. وقال آخر (٧): وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا ... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ وقال مسكين الدارمي (٨): أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم. قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، "أي: لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال" (٩). قال الثعلبي: أي: " عن الضلالة والكفر الى الهداية والإيمان" (١٠). قال ابن عثيمين: " الفاء هذه عاطفة، لكنها تفيد السببية، أي: بسبب هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عن غيِّهم؛ فلا ينتفعون بسماع الحق، ولا بمشاهدته، ولا ينطقون به" (١١). وتعددت عبارات أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] على وجوه: أحدها: معناه: " لا يرجعون إلى هدى" قاله ابن عباس (١٢). وكذلك فسره الربيع بن أنس (١٣)، والسدي (١٤). والثاني: معناه: " أي لا يتوبون ولا يذكرون" (١٥). قال ابن كثير: " أي لا يرجعون الى الهدى والاسلام (١٦)، لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال كالنصارى ونحوهم، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعاً منهم (١٧).

стр. 365

وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة: ﴿صماً بكماً عمياً﴾، فيجوز النصب على الذم، كما قال تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]، وكما قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، ومن ذلك قول عروة بن الورد (١): سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور فنصب "عداة الله" على الذم. فالوقف على "يبصرون" على هذا المذهب صواب حسن. ويجوز أن ينصب صما بـ ﴿تركهم﴾، كأنه قال: وتركهم صما بكما عميا، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على "يبصرون" (٢). الفوائد: ١ - ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق؛ ولو سمعوا ما انتفعوا؛ ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ (الأنفال: ٢١) ٢ - ومنها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق. كالأبكم. ٣ - ومنها: أنهم لا يبصرون الحق. كالأعمى. ٤ - ومنها: أنهم لا يرجعون عن غيِّهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحاباً للمؤمنين، وأصحاباً للكافرين: هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن؛ ومن استحسن شيئاً فإنه لا يكاد أن يرجع عنه. القرآن ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩] التفسير: أو تُشْبه حالُ فريق آخر من المنافقين يظهر لهم الحق تارة، ويشكون فيه تارة أخرى، حالَ جماعة يمشون في العراء، فينصب عليهم مطر شديد، تصاحبه ظلمات بعضها فوق بعض، مع قصف الرعد، ولمعان البرق، والصواعق المحرقة، التي تجعلهم من شدة الهول يضعون أصابعهم في آذانهم؛ خوفًا من الهلاك، والله تعالى محيط بالكافرين لا يفوتونه ولا يعجزونه. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، "أي أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قومٍ أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوبٍ بالبرق والرعد والصواعق" (٣). واختلف في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، على قولين: أحدهما: أنه المطر: قاله ابن عباس (٤). قال ابن أبي حاتم: "وكذلك فسره أبو العالية والحسن وسعيد بن جبير (٥) ومجاهد (٦)، وعطاء وعطية العوفي، وقتادة (٧)، وعطاء الخراساني والسدي والربيع بن أنس" (٨). والثاني: أنه: السحاب. قاله الضحاك (٩)، ومنه قول علقمة بن عبدة (١٠): كَأَنَهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ ... سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ

стр. 366

و (السماء): كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: المطر، سمي به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت: (١) ديار من بني الحَسْحَاس قَفْر ... تُعفِّيها الرَّوامِسُ والسماءُ فقوله: السماء: أي المطر. وقال معاوية بن مالك (٢): إذا سقط السماءُ بأرض قوم ... رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضابا أراد للسماء المطر، لقربه من السماء (٣). ويسمى الطين والكلأ أيضا سماء، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يريدون الكلأ والطين، ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه، وينسب لطفيل الغنوي (٤): وأحمرَ كالدِّيباج أما سماؤُه ... فرَيَّا وأما أرضه فمُحُولُ والسماء: ما علا. والأرض: ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه. قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩]، "أي في ذلك السحاب ظلماتٌ داجية" (٥). واختلف في قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩]، على أوجه: أحدهما: فيه ابتلاء. قاله ابن عباس (٦). والثاني: "أي هم في ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل- على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب". قاله ابن عباس (٧). والثالث: الظلمة، والضلالة. قاله الضحاك (٨). قوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ﴾ [البقرة: ١٩]، أي: " ورعدٌ قاصف" (٩). وفي تفسير قوله تعالى ﴿وَرَعْدٌ﴾ [البقرة: ١٩] ثلاثة أوجه: أحدها: أن الرعد: التخويف. قاله. ابن عباس (١٠). والثاني: إن الرعد ريح. قاله أبو الجلد (١١).

стр. 367

والثالث: أنه مَلَكٌ ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه، فَسُمِّيَ الصوتُ رعداً باسم ذلك المَلك، قاله أبو خطاب البصري (١)، وابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، والخليل، وروي عن أبي صالح (٥) وقتادة (٦)، وعلي بن أبي طالب (٧)، مثل ذلك. و(الرعد) (٨): هو الصوت الذي يسمع من السحاب، وروي "أنه ملك يسوق السّحاب" (٩)، وقيل رَعَدَتِ السّماءُ وبرقت، وأَرْعَدَتْ وأبرقت، ويكنّى بهما عن التّهدّد. ويقال: صلف تحت رَاعِدَةٍ (١٠): لمن يقول ولا يحقّق. والرِّعْدِيدُ: المضطرب جبنا، وقيل: أُرْعِدَتْ فرائصه خوفا (١١). قوله تعالى: ﴿وبرقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، أي: " وبرقٌ خاطف" (١٢). قال ابن زيد: " هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنارَ هذا بنور هذا البرق" (١٣). وقال عطاء: " مثَل ضُرِبَ للكافر" (١٤). قال الضحاك: "البرق فالإيمان. عني بذلك أهل الكتاب" (١٥). وفي تفسير (البرق) أقوال: أحدهما: أن البرق ماء. قاله ابن عباس (١٦). والثاني: أن البرق مخاريق الملائكة. قاله. علي (١٧)، وابن عباس (١٨)، وروي عن أبي هريرة (١٩) والربيع (٢٠)، وكعب (٢١) ومجاهد (٢٢)، وابن جريج (٢٣)، مثل ذلك. والثالث: وقيل: هو سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحابَ. قاله ابن عباس (٢٤). قال الطبري: " وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد. وذلك أن تكون المخاريقُ التي ذكر عليّ ﵁ أنها هي البرق، هي السياط التي هي من نور، التي يُزجي

стр. 368

بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه، وذلك أن المِصَاعَ عند العرب، أصله: المجالَدَةُ بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به في حرب وغير حرب، كما قال أعشى بني ثعلبة، وهو يصف جَواريَ يلعبن بِحلْيهنَّ ويُجالدْن به (١): إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ ... وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ يقال منه: ماصَعه مصاعًا. وكأن مجاهدًا إنما قال: " مَصْعُ ملك "، إذْ كان السحاب لا يماصع الملك، وإنما الرعد هو المماصع له، فجعله مصدرًا من مَصَعه يَمْصَعه مَصِْعًا" (٢). و(البرق): وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب (كصيب) الصيب المطر، وبَرَقَ يقال في كل ما يلمع، نحو: سيف بَارِقٌ، وبَرَقَ وبَرِقَ يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف قال : (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) [القيامة/ ٧]، وقرئ: (برق) (٣)، وتصوّر منه تارة اختلاف اللون فقيل البُرْقَة للأرض ذات حجارة مختلفة الألوان، والأبرق: الجبل فيه سواد وبياض، وسمّوا العين بَرْقَاء لذلك، وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها، والبَرُوقَة: شجرة تخضر إذا رأت السحاب، وهي التي يقال فيها: أشكر من بروقة (٤). وبَرَقَ طعامه بزيت: إذا جعل فيه قليلا يلمع منه، والبارقة والأُبَيْرِق: السيف، للمعانه، والبُرَاق، قيل: هو دابة ركبها النبيّ ﷺ لمّا عرج به، والله أعلم بكيفيته، والإِبْريق معروف، وتصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه، وقيل: بَرَقَ فلان ورعد، وأَبْرَقَ وأرعد: إذا تهدّد (٥). قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق﴾ [البقرة: ١٩]، "أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم" (٦). قال ابن مسعود: " وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي ﷺ ، أن يَنزِل فيهم شيء أو يُذكَروا بشيء فيقتَلوا" (٧). قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الموت﴾ [البقرة: ١٩]، أي خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة" (٨). قال الثعلبي: أي: مخافة الموت" (٩). قال القاسمي: أي: خوف الموت من سماعها" (١٠). قوله تعالى: ﴿والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ [البقرة: ١٩]، "أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوتُ من أحاط به الأعداء من كل جانب" (١١). قال القاسمي: " علما وقدرة فلا يفوتونه" (١٢). قال الواحدي: " والله مهلكهم وجامعهم في النار" (١٣).

стр. 369

وقال الثعلبي: " أي عالم بهم، يدل عليه قوله: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق: ١٢] " (١). و(الإحاطة)، تستعمل بمعان عديدة، منها (٢): أحدها: العلم، كقوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: لم يشذ عن علمه شيء (٣). والثاني: القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (٤)، فلا محيص لهم عنه. والثالث: الهلاك، أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو محاط به، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (٥). ومنه قوله: وله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي تهلكوا جميعاً (٦). وفي تشبيه المثل في هذه الآية أقاويل (٧): أحدها: أنه مَثَلٌ للقرآن، شُبِّهَ المطرُ المُنَزَّلُ من السماء بالقرآن، وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر، وما فيه من البرق بما في القرآن من البيان، وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد الآجل، والدعاء إلى الجهاد في العاجل، وهذا المعنى عن ابن عباس (٨). والثاني: أنه مَثَلٌ، لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم، وما فيه من البرق بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم ومناكحهم ومواريثهم، وما فيه من الصواعق بما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل. والثالث: أنه ضَرَبَ الصيِّب مَثَلاً بظاهر إيمان المنافق، ومثل ما فيه من الظلمات بضلالته، وما فيه من البرق بنور إيمانه، وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه. قاله ابن عباس (٩). وقد اختلف العلماء في هذا المثل، هل هو لطائفتين من المنافقين أم لطائفة واحدة (١٠): القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا بمعنى الواو، فالمعنى على هذا أن للمنافقين مثلين، مثل الذي استوقد ناراً، ومثل أصحاب الصيب، وكون (أو) تأتي بمعنى (الواو) صحيح كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. الثول الثاني: وذهب البعض إلى أن (أو) هنا للتنويع، فمن المنافقين من مثله مثل الذي استوقد ناراً، ومنهم من مثله كمثل أصحاب الصيب، والذي يؤيد هذا القول أن المنافقين أصناف، والكفار أصناف. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، أي: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر (١١). الفوائد: ١. من فوائد الآية: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿والله محيط بالكافرين﴾. ٢. إن عدم التفات الكفار للنفع الحقيقي، وهو منهج الله، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة الله في الدنيا والآخرة. القرآن ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ٢٠] التفسير:

стр. 370

يقارب البرق -من شدة لمعانه- أن يسلب أبصارهم، ومع ذلك فكلَّما أضاء لهم مشَوْا في ضوئه، وإذا ذهب أظلم الطريق عليهم فيقفون في أماكنهم. ولولا إمهال الله لهم لسلب سمعهم وأبصارهم، وهو قادر على ذلك في كل وقتٍ، إنه على كل شيء قدير. قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، "أي يقارب البرقُ لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة" (١). قال ابن كثير: " أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان" (٢). وقال ابن عطية: "كاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم" (٣). قال ابن عباس: " يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم" (٤). وعنه أيضا: ": "يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين" (٥). و(الخطف): الأخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته، فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم (٦). وقوله تعالى: ﴿يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠]، فيه وجهان من القراءة (٧): أحدهما: ﴿يخْطَف﴾، بفتح الطاء، قرأ بها علي بن الحسين ويحيى بن وثاب والحسن، وهي اللغة الجيدة. والثاني: ﴿يخْطِف﴾ بكسر الطاء، قرأ بها يونس، قال الأخفش: " وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف" (٨). قال أبو علي: "حدثنا أحمد بن موسى: قال: اتفقوا على يَخْطَفُ [البقرة: ٢٠]، أنّ طاءه مفتوحة" (٩). قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠]، "أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه" (١٠). قال الراغب: كلما" رأوا لامعاً لهم إما راشدا تدركه بصائرهم وإما رفداً ينفعهم اهتزوا له، فمضوا بنوره" (١١). قال ابن كثير: " أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه" (١٢). قال الواحدي: كلما" كثرت الغنائم، وأصابوا الخير، رضوا به" (١٣). قال ابن عباس: "إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا" (١٤). وعنه أيضا: " كلما أصابَ المنافقون من الإسلام عِزًّا اطمأنوا" (١٥). وروي عن ابن مسعود: " فإذا كثرت أموالهم، ووُلد لهم الغلمان، وأصابوا غنيمةً أو فتحًا، مشوْا فيه، وقالوا: إن دين محمد ﷺ دينُ صدق. فاستقاموا عليه" (١٦). وقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها" (١٧). قال الواحدي: " كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين" (١٨). وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿كلما ضاء﴾، بغير همز، وهي لغة (١٩)، وفي مصحف أُبيّ: ﴿مرّوا فيه﴾، وفي مصحف ابن مسعود: ﴿مضوا فيه﴾ (٢٠). قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]، "أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم" (٢١). قال الراغب: "ثم بين أنه إن اعترض لهم شبهة أو عن لهم مصيبة تحيروا، فوقفوا" (٢٢). قال ابن كثير: " وتارة تعْرِض لهم الشكوك، أظلمت قلوبَهم، فوقفوا حائرين" (٢٣). قال ابن عباس: "وإذا سمعوا شيئاً من شرائع النبي ﷺ مما يكرهون وقفوا عنه" (٢٤). وعنه أيضا: " وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر" (٢٥). قال الواحدي: " ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم﴾: الغنيمة وكانت بدلها الهزيمة، اعتلوا وقعدوا عن نصرة الرسول" (٢٦). قال ابن عطية: " وقامُوا معناه ثبتوا، لأنهم كانوا قياما، ومنه قول الأعرابي: «وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره» يريد أثبت الدهر" (٢٧). وقرأ يزيد بن قطيب والضحاك: ﴿وإذا أظلم﴾، بضم الهمزة وكسر اللام، مبنياً للمفعول (٢٨). قال الراغب: "والآية تأولت على وجهين: أحدهما: أنه شبه حال المتحرين الذين اشتروا الضلالة بالهدى بمن حصل في ليلة مطيرة ومظلمة راعدة بارقة يخاف من أهوالها وصاعقتها ويسد أذنه خوفاً من أن يصعق ويكون هذا في شغل الكلام بالمشبه به ووصفه بما يعظم من غير أن يكون في تفاصيل صفة المشبه به ما يرجع إلى المشبه طريقة العرب، على ذلك قول لبيد (٢٩): أَفَتِلْكَ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ... خَذَلَتْ وَهَادِيَةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَا

стр. 371

فشبه الناقة بالوحشية ثم ذكر أنها مسبوعة مخذولة، ولا اختصاص للناقة بهذا الوصف. والثاني: أنه شبه ما أتى الله الإنسان من المعاون التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي فيه خياة كل ذي حياة، وما فيه من المشاق المبهمة والعوارض المشكلة بظلمات، وجمع الظلمات تنبيهاً على كثرة العوارض، وشبه ما فيه من الوعيد بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، ثم ذكر كل واحد من هذه الأشياء فقال: إذا سمعوا وعيداً تصاموا عنه كحال من تهوله الرعد فيخاف من صواعقه، فيسد أذنه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهذا معنى قوله: " ﴿الله محيط بالكافرين﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، أي: لو أراد الله" لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم" (٢). قال الشوكاني: ذهب بهما" بالزيادة في الرعد والبرق" (٣). قال ابن عثيمين: " دون أن تحدث الصواعق، ودون أن يحدث البرق" (٤). قال الصابوني: "أي: لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم" (٥). قال الراغب: تنبيه" على أنهم يصرفون أسماعهم وأبصارهم عما فيه نجاتهم وتأمل ما فيه صلاحهم وإنما جعل الله لهم السمع والأبصار لينفعهم ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي أنفسهم عليها يسدهما وتعطيلهما، وذلك تنبيه على أنه إنما أعطاهم هذه الآلات لينتفعوا بها" (٦). قال أبو العالية: " ذكر أسماعهم وأبصارهم التي عاثوا بها في الناس" (٧). قال القرطبي: " ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان" (٨). وقرى ﴿بأسماعهم﴾، على الجمع (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، " أي: لا يعتريه عجز في كل شيء فعله" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير" (١١). قال ابن عباس: " أي لما تركوا من الحق بعد معرفته، إن الله على كل شيء قدير" (١٢). قال ابن عثيمين: "فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب: فيذهب السمع بدون صواعق، والبصر بدون برق" (١٣). قال القرطبي: " وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر" (١٤). قال الطبري: " وإنما وصف الله نفسه جل ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ثم قال: فاتقوني أيها المنافقون واحذروا خداعي وخداع رسولي وأهل الإيمان بي لا أحل بكم نقمتي فإني على ذلك وعلى غيره من

стр. 372

الأشياء قدير. ومعنى قدير: قادر، كما معنى عليم: عالم، على ما وصفت فيما تقدم من نظائره من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم" (١). وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم قَامُوا﴾، وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنافقين، وفيه تأويلان (٢): أحدهما: معناه كلما أضاء لهم الحق اتبعوه، وإذا أظلم عليهم بالهوى تركوه. والثاني: معناه كلما غنموا وأصابوا من الإسلام خيراً، اتبعوا المسلمين، وإذا أظلم عليهم فلم يصيبوا خيراً، قعدوا عن الجهاد. الفوائد: ١ - ومنها: أن البرق الشديد يخطف البصر؛ ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. ٢ - ومنها: أن من طبيعة الإنسان اجتناب ما يهلكه؛ لقوله تعالى: (وإذا أظلم عليهم قاموا) ٣ - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) ٤ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله أن يمتعه بسمعه، وبصره؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾؛ وفي الدعاء المأثور: "متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا" (٣). ٦ - ومنها: أن من أسماء الله أنه قدير على كل شيء. ٧ - ومنها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهو جلّ وعلا قادر على إيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد، والفاسد إلى صالح، وغير ذلك القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] التفسير: أيها الناس (الكفار والمؤمنون) اخضعوا وذلوا لله ، الذي أوجدكم من العدم، وأوجد من قبلكم من الأمم الماضية، إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى. أخرج أبو الحسن الواحدي " عن علقمة قال: كل شيء نزل فيه: ﴿يا أيها الناس﴾ فهو مكي، و ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو مدني يعني أن يا أيها الناس خطاب أهل مكة و ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ خطاب أهل المدينة قوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ خطاب لمشركي مكة إلى قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا﴾، وهذه الآية نازلة في المؤمنين وذلك أن الله تعالى لما ذكر جزاء الكافرين بقوله: ﴿النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ ذكر جزاء المؤمنين" (٤). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، أي: يا أيها الناس، تذللوا لربكم بالطاعة (٥). قال ابن عباس: "أي: وحدوا ربكم" (٦). قال ابن عثيمين: "وذلك بفعل الأوامر، واجتناب النواهي ذلاً تاماً ناشئاً عن المحبة، والتعظيم؛ و "الرب" هو الخالق المالك المدبر لشؤون خلقه" (٧).

стр. 373

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] النداء هنا وجِّه لعموم الناس مع أن السورة مدنية؛ والغالب في السور المدنية أن النداء فيها يكون موجهاً للمؤمنين، والله أعلم بما أراد في كتابه؛ ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جعلت في السورة المدنية؟ فالجواب: أن الأصل عدم ذلك - أي عدم إدخال الآية المكية في السور المدنية، أو العكس؛ ولا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح؛ وعلى هذا فما نراه في عناوين بعض السور أنها مدنية إلا آية كذا، أو مكية إلا آية كذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح صريح؛ وإلا فالأصل أن السورة المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية إلا بدليل ثابت (١). واختلف في ﴿الناس﴾، في قوله تعالى ﴿يا أيها الناسُ اعبدُوا رَبكم﴾ [البقرة: ٢١]، على وجهين: أحدهما: أنه: للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين (٢). قاله ابن عباس (٣). أي وَحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم. قال الطبري: والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله- وحِّدوه، أي أفردُوا ربكم بالطاعة والعبادة دون سائر خلقه .. وكذا أمر سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراده بالربوبية والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة وسائر ما يُعبد من دونه وهو الراجح في تفسير الطاغوت في قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ

стр. 374

﴾ [النحل: ٣٦] (١). يقول لهم: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفعٍ ولا ضرٍّ .. وإفراد الله تعالى بالعبادة من أجل تتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين ﵃. ﴿لعلكم تتقون﴾ (٢). والثاني: وقيل المراد بالناس الكفار الذين لم يعبدوه، يدل عليه قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] (٣). والقول الأول أصح (٤)، لأنه هذا أمر عام لكل الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، "أي الذي "أوجدكم من العدم" (٦). وتجدر الإشارة بأن قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، صفة كاشفة تبين بعض معنى الربوبية؛ وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق، والثاني غير خالق؛ بل ربنا هو الخالق (٧). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، " يعني: وخلق الذين من قبلكم" (٨). قال ابن عثيمين: " والمراد بـ "من قبلنا": سائر الأمم الماضية" (٩). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، "أي لأجل أن تتقوا الله " (١٠). قال الضحاك: " لعلكم تتقون النار بالصلوات الخمس" (١١). واختلف في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] على وجهين (١٢): أحدهما: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكُم له العبادة، لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم. روي عن الضحاك (١٣) مثل ذلك. والثاني: لغلكم تُطيعونه. قاله مجاهد (١٤). وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، فيه ثلاثة تأويلات (١٥): أحدها: أن العرب استعملت "لعل" مجردة من الشك بمعنى لام كي (١٦)، فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، فـ (لعل) في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من الله تعالى بمعنى ترج وتوقع (١٧) والمعنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة، كما قال الشاعر (١٨): وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ، لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ

стр. 375

فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ يريد بذلك: قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ. وذلك أن " لعل " في هذا الموضع لو كان شَكًّا، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق. وبه قال أكثر المفسرين. والثاني: أن "لعل" على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا. والثالث: أن تكون "لعل" بمعنى التعرض للشيء، كأنه قيل: افعلوا متعرضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله "لعلكم تتقون" أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. وهذا من قول العرب: اتقاه بحقه إذا استقبله به، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة، ومنه قول علي ﵁: كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي ﷺ ، أي جعلناه وقاية لنا من العدو (١). وقال عنترة (٢): ولقد كررت المهر يدمى نحره ... حتى اتقتني الخيل بابني حِذيم قال ابن عثيمين: " "لعل" هنا للتعليل. أي لتصلوا إلى التقوى؛ ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله في الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ [البقرة: ١٩٤] " (٣). وقد ذكر السمين الحلبي، إذا وردت (لعلّ)، في كلام الله فللناس فيها ثلاثة أقوال (٤): أحدها: أنها على بابها من الترجي والطمع، قاله سيبويه (٥). الثاني: للتعليل، قاله قطرب و"الطبري" وغيرهما (٦). والثالث. أنها للتعرض للشيء، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء. وقال البعض: إن (لعل) إذا جاءت من الله فهي واجبة (٧). الفوائد: ١ من فوائد الآية: العناية بالعبادة؛ يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء؛ والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس مما يدل على أن العبادة أهم شيء؛ بل إنّ الناس ما خُلقوا إلا للعبادة، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: ٥٦) ٢ ومنها: أن الإقرار بتوحيد الربوبية مستلزم للإقرار بتوحيد الألوهية؛ لقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾. ٣ ومنها: وجوب عبادة الله وحده. وهي التي خُلق لها الجن، والإنس؛ و"العبادة" تطلق على معنيين؛ أحدهما: التعبد. وهو فعل العابد؛ والثاني: المتعبَّد به. وهي كل قول، أو فعل ظاهر، أو باطن يقرب إلى الله . ٤ ومنها: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾؛ فإن الرب يستحق أن يُعبد وحده، ولا يعبد غيره؛ والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم ضراء، وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين﴾ [لقمان: ٣٢]؛ لأن فطرهم تحملهم على ذلك ولابد. ٥. ومن فوائد الآية: إثبات أن الله هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: (الذي خلقكم والذين من قبلكم)

стр. 376

٦ ومنها: أن من طريق القرآن أنه إذا ذَكر الحكم غالباً ذَكر العلة؛ الحكم: ﴿اعبدوا ربكم﴾؛ والعلة: كونه رباً خالقاً لنا، ولمن قبلنا. ٧ ومنها: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله ؛ لقوله تعالى: (لعلكم تتقون). ٨ وربما يستفاد التحذير من البدع؛ وذلك؛ لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعباد؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الوحي والشرع: كيف نتوضأ، كيف نصلي .. يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام للصلاة يقرأ، ثم يركع، ثم يسجد .. إلخ، إلا بعد الوحي. ٩ ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري. ﵀. على هذه المسألة بقوله: "باب: العلم قبل القول، والعمل. القرآن ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] التفسير: جعل الله الأرض فراشاً موطئاً يستقر عليها استقراراً كاملاً، وجعل السماء بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، وأنزل من السماء مطراً عذباً فراتاً أنزله سبحانه بقدرته، فأخرج بذلك المطر أنواع الثمر والفواكه والخضار، فلا تجعلوا لله أشباهاً ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون مرزوقون مدبرون، وأنتم تعلمون أن الله ليس له شريك ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في الألوهية والكمال. قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: " جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً وقرارًا يُستقرّ عليها" (١). عن قتادة: " ﴿الذي جَعل لكم الأرض فراشًا﴾، قال: مهادًا لكم" (٢). وروي عن الربيع بن أنس (٣) مثل ذلك. وقوله ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ معناه هنا (صير) لتعديه إلى مفعولين، ويأتي (جعل) بمعان أخرى منها (٤): ١ - (جعل) يأتي معنى (خلق)، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] وقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. ٢ - ويأتي بمعنى (سمى)، ومنه قوله تعالى: ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف: ١ - ٣]. وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ [الزخرف: ١٥]. ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ [الزخرف: ١٩] أي سموهم. ٣ - ويأتي بمعنى (أخذ)، كما قال غلِّس بن لقيط الأسدي (٥):

стр. 377

وقد جعلتْ نفسي تطيب لضَغْمَةٍ ... لضَغْمِهِماها يقرَعُ العظمُ نابُها ضغمة: عضة، أراد بها الشدة. ٤ - وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر: وقد جعلت أرى الاثنين أربعة ... والواحد اثنين لما هدني الكبر وقد قيل في قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: إنها زائدة، وجعل واجتعل بمعنى واحد، قال بشر بن أبي خازم (١): ناط أمر الضعاف واجتعل الليـ ... ـل كحبل العاديّة الممدود أي: يسير الليل كله لا ينثني. قال الواحدي: " الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي: بسطت، وهذا كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها" (٢). قال ابن عثيمين: " هذا من باب تعديد أنواع من مخلوقاته ؛ جعل الله لنا الأرض فراشاً مُوَطَّأة يستقر الإنسان عليها استقراراً كاملاً مهيأة له يستريح فيها. ليست نشَزاً؛ وليست مؤلمة عند النوم عليها، أو عند السكون عليها، أو ما أشبه ذلك؛ والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة: وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبأنها مهاد" (٣). قوله تعالى: ﴿والسماء بِنَآءً﴾ [البقرة: ٢٢]، " أي وسقفاً للأرض مرفوعاً فوقها كهيئة القبة" (٤). قال ابن مسعود: " فبناءُ السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض" (٥). وقال قتادة: " جعل السماء سَقفًا لكَ" (٦). وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوةٌ (١)، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه. ولذلك قيل: سَمَا فلان لفلان، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه، كما قال الفرزدق (٧): سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ ... وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ وكما قال نابغة بني ذُبيانَ (٨): سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ، فَرَأيتُ مِنْهَا ... تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ يريد بذلك: أشرفتْ لي نظرةٌ وبدت، فكذلك السماء سُميت للأرض: سماءً، لعلوها وإشرافها عليها (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: " أنزل من السماء مطرًا" (١٠). قال الصابوني: "أي: مطراً عذباً فراتاً أنزله بقدرته من السحاب" (١١).

стр. 378

قال الواحدي: "فإن قيل: كيف قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، والماء ينزل من السحاب؟ قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء، كقول الشاعر (١): أَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ اللَّيْلَ أَرْقُبُهُ ... كَأنَّه في عِرَاضِ الشَّأْمِ مِصْباحُ أي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير. وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب) (٢) لم يكن من باب حذف المضاف" (٣). قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: أي: " فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات" (٤). قال الصابوني: "أي: فأخرج بذلك المطر أنواع الثمار والفواكه والخضار " (٥). قوله تعالى: ﴿رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: " عطاء لكم" (٦). قال الصابوني: أي: " غذاءً لكم" (٧). قال الطبري: "غذاءً وأقواتًا" (٨). فنبههم الله تعالى بذلك على قدرته وسُلطانه، وذكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة، ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا، مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه (٩). قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: لا تُصَيِّروا لله نظراء ومشابهين في العبادة (١٠). قال الصابوني: "أي فلا تتخذوا معه شركاء من الأصنام والبشر تشركونهم مع الله في العبادة" (١١). قال أبو إسحاق: "هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله أمثالًا وأنتم تعلمون أنهم لا يخلقون والله الخالق" (١٢). وقال ابن زيد: " الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له" (١٣). روي عن عكرمة: " ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، أن تقولوا: لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ، لولا كلبنا صَاح في الدار، ونحو ذلك" (١٤). وعن ابن عباس في قوله: فلا تجعلوا لله أندادا قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء، في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك" (١٥). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أنْداداً﴾ [البقرة: ٢٢]، ثلاثة تأويلات (١٦): أحدها: أنَّ الأنداد الأكْفَاءُ، وهذا قول ابن مسعود (١٧).

стр. 379

والثاني: الأشباه، وهو قول ابن عباس (١)، وروي عن أبي العالية (٢)، والربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبي مالك وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك (٣). والثالث: الأضداد، وهو قول المفضل (٤). والأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، كما قال حسان بن ثابت (٥): أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ؟ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ يعني بقوله: " ولستَ له بند "، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند (٦). و(النِّد) المثل المناوئ، وأصله من قولهم: (ندّ) إذا نفر، ولهذا يقال للضد: ند، ثم استعمل في المثل وإن لم يكن هناك مخالفة (٧)، قال جرير (٨): أتَيْماً يَجْعَلُونَ إليَّ نِدّاً ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ أي مثل (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: " وأنتم تعلمون أنها لا تَخْلُق شيئاً ولا تَرْزق، وأنَّ الله هو الخالق الرازق وحده، ذو القوة المتين" (١٠). قال ابن عثيمين: " لأن المشركين يقرُّون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله إقراراً تاماً، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا؛ لكن في العبادة ينكرون التوحيد: يشركون؛ يجعلون مع الله إلهاً آخر؛ وينكرون على من وحّد الله حتى قالوا في الرسول ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾؛ وإقرارهم بالخلق، والرزق أن الله منفرد به يستلزم أن يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإن لم يفعلوا فهم متناقضون؛ ولهذا قال العلماء. ﵏: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ عني من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ ومن أقر بتوحيد الألوهية فإنه لم يقرَّ بها حتى كان قد أقر بتوحيد الربوبية" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ثلاثة تأويلات (١٢): أحدها: وأنتم تعلمون أن الله خلقكم، وهذا قول ابن عباس وقتادة (١٣). والثاني: معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد، وهذا قول مجاهد (١٤). والثالث: معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم.

стр. 380

واختلف في الذين عُنُوا بهذه الآية، على قولين (١): أحدهما: عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب. قاله ابن عباس (٢)، وقتادة (٣). وقال بعضهم: عنى بذَلك أهلَ الكتابين، أهلَ التوراة والإنجيل. قاله مجاهد (٤). وقال ابن الأنباري: قوله: ﴿وَأَنتُم تَعلَمُونَ﴾، لا تتنافى مع قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم الأرض، ولم ترزقكم رزقا. فعبدة الأصنام وغيرهم يتساوى علمهم في هذا المعنى، وإنما وصفهم الله جل ذكره بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا بشىء يعلمون أن الحق فى سواه" (٥). الفوائد: ١ من فوائد الآية: بيان رحمة الله تعالى، وحكمته في جعل الأرض فراشاً؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال؛ لكن من رحمته، ولطفه، وإحسانه جعلها فراشاً. ٢ ومنها: جعْل السماء بناءً؛ وفائدتنا من جعل السماء بناءً أن نعلم بذلك قدرة الله ؛ لأن هذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جداً، وواسعة، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ (الذاريات: ٤٧). ٣ ومنها: بيان قدرة الله بإنزال المطر من السماء؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾؛ لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال: ادع الله يغيثنا، فرفع ﷺ يديه، وقال: "اللهم أغثنا" (٦)، وما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته. ٤ ومنها: حكمة الله ، ورحمته بإنزال المطر من السماء؛ وجه ذلك: لو كان الماء الذي تحيى به الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراضٍ كثيرة. الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أن ينزل من السماء؛ ثم هناك شيء آخر أيضاً: أنه ينزل رذاذاً. يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزل كأفواه القرب لأضر بالناس. ٥ ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم). ٦ ومنها: أن الأسباب لا تكون مؤثرة إلا بإرادة الله ؛ لقوله تعالى: (فأخرج به). ٧ ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يضيف الشيء إلى سببه أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب، مثل لو أن أحداً من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه. أنقذه من الغرق؛ فليقل: أنقذني الله بفلان؛ وله أن يقول: أنقذني فلان؛ لأنه فعلاً أنقذه؛ وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان؛ وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله؛ ويدل لهذا. أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله مقروناً بالسبب. أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي ﷺ أن يسلم، فأسلم؛ لكنه أسلم بعد أن استشار أباه: التفت إليه ينظر إليه يستشيره؛ قال: "أطع أبا القاسم". أمر ولده أن يسلم، وهو لم يسلم في تلك الحال، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار" (٧)، وهكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى مقروناً ببيان السبب؛ وذلك؛ لأن السبب موصل فقط.

стр. 381

٨. ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله ، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءاً فتصبح الأرض مخضرَّة﴾ [الحج: ٦٣]؛ وأما الفضل فبما يمن الله به من الثمرات؛ ولذلك قال تعالى: ﴿رزقاً لكم﴾. ٩ ومنها: أن الله منعم على الإنسان كافراً كان، أو مؤمناً؛ لقوله تعالى: ﴿لكم﴾، وهو يخاطب في الأول الناس عموماً؛ لكن فضل الله على المؤمن دائم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا. ١٠ ومنها: تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾؛ وهل الأنداد شرك أكبر، أو شرك أصغر؛ وهل هي شرك جلي، أو شرك خفي؛ هذا له تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصته: إن اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرك أكبر؛ وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، كقول الرجل لصاحبه: "ما شاء الله وشئت". ١١. ومن فوائد الآية: أنه ينبغي لمن خاطب أحداً أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾، ولقوله تعالى في صدر الآية الأولى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ فإن قوله تعالى: ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١] فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده. القرآن ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣﴾ [البقرة: ٢٣] التفسير: وإن كنتم -أيها الكافرون المعاندون- في شَكٍّ من القرآن الذي نَزَّلناه على عبدنا محمد ﷺ ، وتزعمون أنه ليس من عند الله، فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم، إن كنتم صادقين في دعواكم. قوله تعالى: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣]، " أي: وإِذا كنتم أيها الناس في شك وارتياب" (١). والخطاب لمن جعل لله أنداداً؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. و(الريب)، يفسره كثير من الناس بالشك؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن "الريب" يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك؛ وذلك؛ لأن ما جاء به الرسول حق؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال: "ريب"؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقاً، واضطراباً (٢). قال ابن كثير: " وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] وقال في سورة سبحان: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم [الله تعالى] (٤) بذلك - أيضًا - في المدينة، فقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، أي: في شكّ" (٣). قوله تعالى: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، "أي: من صدق هذا القرآن، المعجز في بيانه، وتشريعه، ونظمه" (٤). قال ابن عثيمين: " المراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد ﷺ " (٥). قوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، أي: " على عبدنا ورسولنا محمد ﷺ " (٦). قال الحسن: "فهذا قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد ﷺ " (٧). وقوله تعالى ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ فيه عظيم منزلة العبودية، إذ وصف الله ﵎ نبيه بهذا الوصف في مقام التحدي، فسمى المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه، قال طرفة (٨): إلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا ... وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ المُعَبَّدُ: أي) المُذَلَّلُ)، يُقالُ: بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ: مُذَلَّلٌ قدْ طُلِيَ بالهِناءِ، وَبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ: مُكْرَمٌ، وهوَ مِن الأَضْدَاد. قال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط، سمى نبيه عبدا، وأنشدوا (٩): يَا قَوْمِ قَلْبِي عِنْدَ زَهْرَاءَ ... يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي. وقد وصف الله نبيه بالعبودية في أعلى المقامات: ١ - في مقام التحدي: كما في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]. ٢ - وفي مقام الإسراء والمعراج: قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. ٣ - وفي مقام الإيحاء: قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]. ٤ - وفي مقام الدعوة: قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. وقد قال تعالى عن المسيح ابن مريم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]، وقال ﷺ "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، "أي فأتوا بسورةٍ واحدةٍ من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان" (١١). قال قتادة: " يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب" (١٢). قال الفراء: " (الهاء)، كناية عن القرآن، فأتوا بسورة من مثل القرآن" (١٣). واختلف في قوله تعالى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، على قولين:

стр. 382

أحدهما: يعني من مثل هذا القرآن، وهذا قول مجاهد (١) وقتادة (٢)، واختاره الطبري (٣)، وابن كثير (٤)، ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]. والثاني: من مثل محمد ﷺ ، يعني: من رجل أمي مثله (٥). والقول الراجح هو الأول، لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم (٦). قال أبو الهيثم: والسورة من سور القرآن عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة سابقة للغرف، وأنزل الله القرآن على نبيه ﷺ شيئاً بعد شيء، وجعله مفصلاً، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها" (٧). قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]، أي: وادعوا "الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله" (٨). قال الصابوني: " أي: وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن" (٩). قال ابن عثيمين: " وهذا غاية ما يكون من التحدي: أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله" (١٠). قا أبو علي الجرجاني: معنى (ادعوا): استعينوا" (١١). قال الواحدي: " (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهداً: لأنه يخبر عما شاهد" (١٢). واختلفوا في ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، على أقوال: أحدها: يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، وهذا قول ابن عباس (١٣). قيل: "سمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (١٤) " (١٥). كما أن (الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيراً ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء. من ذلك قول الشاعر (١٦): دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ... خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ أي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ. وقالت امرأة من طيء (١٧): دَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ... ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ أي استعان بهم فلم ينصروه (١٨). والثاني: ناساً يشهدون لكم، وهو قول مجاهد (١٩). والثالث: شهداءكم عليها إذا أتيتم بها أنها مثلُه، مثل القرآن، وهو قول ابن جُريج (٢٠). والرابع: آلهتكم، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم (٢١)، وهذا قول الفراء (٢٢)، وأبو مالك (٢٣)، وابن قتيبة (٢٤). قال الواحدي: "والدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها" (٢٥). والراجح هو القول الأول: أي شُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم (٢٦). قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، "أي: مما سوى الله" (٢٧). قال الصابوني: أي: "غير الله سبحانه" (٢٨). قال البيضاوي: " والمعنى وَادْعُوا للمعارضة من حضركم، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله ، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله" (٢٩).

стр. 383

قال الواحدي: أي: "وادعوا من اتخذتموه معاونين من غير الله على تفسير ابن عباس (١) وعلى قول الفراء (٢) يقول: ادعوا من اتخذتم إلها من دونه، وعلى قول القرظي (٣) ومجاهد (٤)، يقول: ادعوا من يشهد لكم دون الله، فإن الله تعالى لا يشهد لكم بالصدق، كما يشهد لمحمد، فاطلبوا غيره شهداء إن كنتم صادقين في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه، وأنه ليس من عند الله، وفي قولكم: لو أردنا لأتينا بمثله" (٥). وقوله ﴿فادعوا﴾، يعني: استنصروا واستغيثوا، كما قال الراعي النميري (٦): فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ ... دَعَوْا: يَا لَكَعْبٍ! وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ يعني بقوله: " دعوْا يالكعب "، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم (٧). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، "أي: أنه مختلق وأنه من كلام البشر" (٨). قال ابن عثيمين: "أي في أن هذا القرآن مفترًى على الله، والجواب على هذا: أنه لا يمكن أن يأتوا بسورة مثله مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين" (٩). الفوائد: ١ من فوائد الآية: دفاع الله عن رسوله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾؛ لأن الأمر هنا للتحدي؛ فالله يتحدى هؤلاء بأن يأتوا بمعارضِ لما جاء به الرسول ﷺ . ٢ ومنها: فضيلة النبي ﷺ ؛ لوصفه بالعبودية؛ والعبودية لله هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره؛ فإذا لم يعبد الله . الذي هو مستحق للعبادة. عَبَدَ الشيطان، كما قال ابن القيم. ﵀. في النونية: . هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان ٣. ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿مما نزلنا﴾؛ ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام؛ والكلام صفة للمتكلم، وليس شيئاً بائناً منه؛ وبهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن مخلوق. ٤ ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به؛ وعلو الله ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته؛ لأنه أمر فطري؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع. ٥ ومن فوائد الآية: أن القرآن معجز حتى بسورة. ولو كانت قصيرة؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله). ٦ ومنها: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم؛ وهذا أشد ذلًّا مما لو تُحدوا وحدهم. القرآن ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤] التفسير:

стр. 384

فإن عجَزتم الآن -وستعجزون مستقبلا لا محالة- فاتقوا النار بالإيمان بالنبي ﷺ وطاعة الله تعالى. هذه النار التي حَطَبُها الناس والحجارة، أُعِدَّتْ للكافرين بالله ورسله. قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، "أي فإِن لم تقدروا على الإِتيان بمثل سورةٍ من سوره، وعجزتم في الماضي عن الإِتيان بما يساويه أو يدانيه، مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء" (١). قال قتادة: "فإن لم تطيقوه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، "أي ولن تقدروا في المستقبل أيضاً على الإِتيان بمثله" (٣). قال قتادة: " ولن تطيقوه" (٤). قال ابن كثير: تحداهم القرآن" مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك" (٥). قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، "أي فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين" (٦). قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، "أي اتقوا النار التي مادتُها التي تُشعل بها وتُضرم لإِيقادها هي الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله" (٧). وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ الوَقود بالفتح الحطب، والوُقود بالضم التوقُّد، والحجارة من كبريتٍ أسود، وفيها قولان (٨): أحدهما: أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار، التي وقودها الناس، وهذا قول ابن مسعود (٩)، والسدي (١٠). والثاني: أن الحجارة وقود النار مع الناس، ذكر ذلك تعظيماً للنار، كأنها تحرق الحجارة مع إحراقها الناس. قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، "أي هُيّئت تلك النارُ وأُرصدت للكافرين الجاحدين، ينالون فيها ألوان العذاب المهين" (١١). قال الطبري: " أعدّت النارُ للجاحدين أنّ الله رَبُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم" (١٢). قال ابن عباس: " أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر" (١٣). وقد ذكروا في قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ للْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وجهين (١٤): أحدهما: أنها وإن أعدت للكافرين، فهي معدة لغيرهم من مستحقي العذاب من غير الكافرين، وهي نار واحدة، وإنما يتفاوت عقابهم فيها. والثاني: أن هذه النار معدة للكافرين خاصة، ولغيرهم من مستحقي العذاب نارٌ غيرها.

стр. 385

وقوله ﴿أُعِدَّتْ﴾ استدلّ به كثير من أئمة السنة على أن النار موجودة الآن، لأن: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك (١)، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس (٢). وقد اتفق الجمهور أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان وهما باقيتان، وأن الله تعالى قد أعدهما وهيأهما ليكونا مستقراً لعباده، الجنة لأهل الطاعة والإيمان، والنار لأهل الكفر والعصيان، ولم يخالف ذلك إلا بعض ممن ضعف إيمانهم وتضاءلت عقولهم عن فهم النصوص القطعية الثابتة الدالة على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان وما تمسكوا به من أدلة لا ينظر إليه ولا يؤبه به لذلك أذكر هنا فقط الأدلة التي تمسك بها العلماء المحققون من أهل السنة والجماعة. يقول ابن القيم: "لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم أليها وأخبروا بها، إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة الله فيما يفعله (٣)، ويقول ابن حزم (٤): "ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقها بعد، وذهب جمهور المسلمين إلى أنهما قد خلقتا وما نعلم لمن قال أنهما لم يخلقا" (٥). وتجدر الإشارة بأنه لم يقع خلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة على حقية الجنة والنار وثبوتهما، لأنَّها من المسائل العقدية التي لا تحتمل الخلاف، لورودها بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، بل الخلاف وقع في أنهما موجودتان أم ستوجدان في يوم الجزاء، فقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بثبوت خلق الجنة والنار ووجودهما، وذهب المعتزلة إلى القول بنفي خلق الجنة والنار وعدم وجودهما، بل ستوجدان يوم الجزاء، مع العلم بأنه لم يذهب المعتزلة إلى ذاك القول بسبب اتباع الهوى، بل أرادوا أنْ يدفعوا تعارضاً ظهر لهم بين النصوص الشرعية، فخذلهم فهمهم وعقلهم، وما أغنت عنهم فلسفتهم العوراء المتهافتة من الحق شيئاً. والصحيح في هذه المسألة هو قول أهل السنة والجماعة، لأن ما ذهب إليه المعتزلة، فيه خرق لإجماع الأمة (٦).

стр. 386

الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن من عارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله تعالى: (فاتقوا النار) ٢ ومنها: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب؛ فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضاً توقد بهم؛ فيجتمع العذاب عليهم من وجهين. ٣ ومنها: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم، وطرحها في النار. على أحد الاحتمالين في قوله تعالى: ﴿الحجارة﴾؛ لأن من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده، ولا يريد أن يصيبه أذًى؛ فإذا أحرق هؤلاء المعبودون أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم، وخزيهم. ٤ ومنها: أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت﴾؛ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض؛ والماضي يدل على وجود الشيء؛ وهذا أمر دلت عليه السنة أيضاً؛ فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة، والنار، ورأى أهلها يعذبون فيها: رأى عمرو بن لحيّ الخزاعي يجر قصبه. أي أمعاءه. في النار؛ ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعاً: فلم تكن أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ ورأى فيها صاحب المحجن. الذي كان يسرق الحُجَّاج بمحجنه. يعذب: وهو رجل معه محجن. أي عصا محنية الرأس. كان يسرق الحُجاج بهذا المحجن؛ إذا مر به الحجاج جذب متاعهم؛ فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ وإن لم يتفطن أخذه؛ فكان يعذب. والعياذ بالله. بمحجنه في نار جهنم (١). مسألة: هل النار باقية؛ أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى، ولا تفنى؛ وذكر بعضهم خلافاً عن بعض السلف أنها تفنى؛ والصواب أنها تبقى أبد الآبدين؛ والدليل على هذا من كتاب الله في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ فأما الآية التي في النساء فهي قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ والتي في سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ والتي في سورة الجن قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [الجن: ٢٣]؛ وليس بعد كلام الله كلام؛ حتى إني أذكر تعليقاً لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم؛ ذكر أن هذا من باب: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة". وهو صحيح؛ كيف إن المؤلف ﵀ يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ ! غريب على ابن القيم ﵀ أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى! وعلى كل حال، كما قال شيخنا في هذه المسألة: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة"؛ والصواب الذي لا شك فيه. وهو عندي مقطوع به. أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان يخلد فيها تخليداً أبدياً لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبدياً لابد أن تكون الدار أيضاً أبدية. وأما قوله تعالى في أصحاب النار: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٧] فهي كقوله تعالى في أصحاب الجنة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٨] لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم، وثوابهم فضلاً ومنَّة، بيَّن أن هذا الفضل غير منقطع، فقال تعالى: ﴿عطاءً غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨]؛ ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل، والسلطان المطلق للرب قال تعالى في آخر الآية: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]؛ وليس المعنى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧] أنه سوف يخرجه من النار، أو سوف يُفني النار. ٥ ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت للكافرين﴾؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار داراً لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي. إذا لم يعف الله عنه. فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة.

стр. 387

مسألة: إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ . الجواب: أنه معجز بجميع وجوه الإعجاز؛ لأنه كلام الله، وفيه من وجوه الإعجاز ما لا يدرك؛ فمن ذلك: . أولاً: قوة الأسلوب، وجماله؛ والبلاغة، والفصاحة؛ وعدم الملل في قراءته؛ فالإنسان يقرأ القرآن صباحاً، ومساءً. وربما يختمه في اليومين، والثلاثة. ولا يمله إطلاقاً؛ لكن لو كرر متناً من المتون كما يكرر القرآن ملّ. ثانياً: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى. ثالثاً: صدق أخباره بحيث يشهد لها الواقع؛ وكمال أحكامه التي تتضمن مصالح الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً﴾ (الأنعام: ١١٥) رابعاً: تأثيره على القلوب، والمناهج؛ وآثاره، حيث ملك به السلف الصالح مشارق الأرض، ومغاربها. وأما كيفية الإعجاز فهي تحدي الجن، والإنس على أن يأتوا بمثله، ولم يستطيعوا. مسأل. ثانية: حكى الله عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندهم أقوالاً؛ وهذه الحكاية تحكي قول من حُكيت عنه؛ فهل يكون قول هؤلاء معجزاً. يعني مثلاً: فرعون قال لموسى: ﴿لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩]: هذا يحكيه الله عن فرعون؛ فيكون القول قول فرعون؛ فكيف كان قول فرعون معجزاً والإعجاز إنما هو قول الله ؟ فالجواب: أن الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظه؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآن كلام الله . وهو معجز. القرآن ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥] التفسير: وبشر -أيها الرسول- الذين آمنوا بالله وبمحمد ﷺ ، وبما جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة من واجبات ومستحبات، أن لهم جنات تجري من تحت أشجارها أنهار، كلما أعطوا عطاء ورزقوا رزقاً من ثمار الجنة قالوا قد رَزَقَنا الله هذا النوع من قبل، فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته، وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم، ولهم في الجنَّات زوجات مطهَّرات. قال ابن كثير: " لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني" على أصح أقوال العلماء. وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه" (١). قال الزمخشري: " من عادته في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب" (٢). قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: "وأخبر" (٣) يا محمد الذين آمنوا. قال الصابوني: " أي وبَشِّرْ يا محمد المؤمنين المتقين" (٤).

стр. 388

قال ابن عثمين: " أي [الذين آمنوا] بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به، ورسوله؛ وقد بيَّن الرسول ﷺ أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول، وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان" (١). قال الطبري: " هذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد ﷺ وبما جاء به من عند ربه، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة" (٢). والخطاب في قوله تعالى: ﴿بشِّر﴾ يحتمل وجهين (٣): أحدهما: أنه خطاب للرسول ﷺ . يعني بشِّر أيها النبي. وهو الظاهر. والثاني: أو أنه لكل من يتوجه إليه الخطاب، ؛ يعني: بشِّر أيها المخاطَب، من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات. قال النسفي: " والمأمور بقوله " وبشر " الرسول ﵇ أو كل أحد، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمة وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به" (٤). قال البغوي: " والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب" (٥). قال ابن عثيمين: " و "البشارة" هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بَشَرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يُسِرُّه استنار وجهه، وطابت نفسه، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل "البشارة" في الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]: إمَّا تهكماً بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتَسودَّ به وجوههم، وتُظلِم، كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩] " (٦). وقرئ ﴿وَبَشّرِ﴾، على البناء للمفعول عطفاً على: أعدت، فيكون استئنافاً (٧). قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: "وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه " (٨). قال البغوي: " أي أخلصوا الأعمال" (٩). قال البيضاوي: ﴿الصالحات]، "هي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه. وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أَسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناءَ بأْسٍ لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطفُ على نفسه ولا على ما هو داخل فيه" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي عملوا الأعمال الصالحات. وهي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١١)؛ وما لم

стр. 389

يكن على الاتِّباع فهو مردود لا يقبل؛ لقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) " (٢). قال الزمخشري: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة: ٢٥]، "كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس" (٣). قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥]، " أي بأن لهم حدائق وبساتين ذاتِ أشجار ومساكن" (٤). قوله تعالى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: " تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة" (٥). قال ابن كثير: " أي: من تحت أشجارها وغرفها" (٦). قال البغوي: "أي من تحت أشجارها ومساكنها" (٧). قال ابن عثيمين: "أي تسيح من تحتها الأنهار" (٨). و﴿الأنْهَار﴾ أي "المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل ﴿من تحتها﴾ أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون "وهذه الأنهار تجري من تحتي" (٥١ - الزخرف) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" (٩) " (١٠). قوله تعالى ﴿جتّات﴾ جمع (جَنّة) وهي لغة: "كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض" (١١)، وعرفها صاحب لسان العرب، بقوله: "والجنة: البستان، ومنه الجنات، والعرب تسمي النخيل جنة .. والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها جنان .. لاتكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة .. وقد ورد ذكر الجنة في القرآن العزيز والحديث الكريم في غير موضع .. وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنه جنا إذا ستره، فكأنما سَترةٌ واحدة لشدة التفافها وإظلالها" (١٢). و(الجنة) اصطلاحا كما قال الرازي: "ذكر الجنة بلام التعريف، فينصرف إلى ما هو المعلوم عند المسلمين، وليس ذلك إلا دار الثواب" (١٣). ويقول الصاوي: "والمراد منها دار الثواب" (١٤). وإن الجنة من المسائل الغيبية، ومنهج أهل السنة والجماعة في إثبات هذه المسائل، يبينه صاحب تبصرة الأدلة، فيقول: " إن الدلائل السمعية وردت بثبوت عذاب القبر، فلا بد من القول بثبوته، ثم هو من الممكنات" (١٥).

стр. 390

يفهم من الكلام السابق، أن المسائل الغيبية، والتي منها عذاب القبر والجنة والنار، المنهج في إثباتها يكون على نقطتين، وهما: ١ - أن الدليل السمعي ورد بها. ٢ - أنها من جملة الممكنات عقلاً. وكل ما هو كذلك وجب الثبوت له، وأنه حق لا مرية فيه ولا شك، وهذا ما فعله العلماء بالفعل عند إثباتهم لحقية الجنة، فعند حديثهم عن النقطة الأولى وهي ورود الدليل السمعي بالجنة، يقول اللقاني: "الجنة .. حق ثابتة بالكتاب والسنة واتفاق عظماء علماء الأمة، وكل ما هو كذلك فالإيمان به واجب" (١). وعند حديثهم عن النقطة الثانية، بأن الجنة من جملة الممكنات العقلية، يقول صاحب تحرير المطالب: "أما الإمكان (٢) فأمر ضروري من جهة العقل" (٣)، فالجنة أمر ممكن، بل الإمكان ضروري، لا يتوقف على نظر أو استدلال، بل يعتبر الإمام السنوسي أن ثبوت حقية الجنة من المسائل التي تعلم من الدين بالضرورة، أي أن منكرها كافر، وفي ذلك يقول: "وأما الجنة .. فثبوتها مما علم من الدين ضرورة" (٤). ويقول القاضي عبد الجبار: "فإن الأمة أجمعت على أن لا دار غير الجنة والنار" (٥)، فأهل السنة والمعتزلة لا خلاف بينهم في حقية الجنة والنار وثبوتهما. وعند حديثنا عن مكان الجنة، نجد أن العلماء اختلفوا في مكانها، وفي هذا يقول الكومي: " اختلف العلماء في محلهما " (٦)، ويمكن أن نحصر أقوال العلماء في مكان الجنة بأربعة أقوال، وهي: ١ - إن الجنة في العلو، دون الخوض في تحديد مكان في ذاك العلو، فيقول البزدوي: "الجنة في العلو" (٧). ٢ - إن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، وقد مال الأكثرون من العلماء إلى هذا القول، حيث يقول العرياني: "والأكثرون على أن الجنة فوق السبع وتحت العرش، تمسكاً بقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (النجم: ١٤ – ١٥)، وقوله ﵇: (سقف الجنة عرش الرحمن) (٨) " (٩). ٣ - ويرى بعض العلماء التوقف في هذه المسألة، وذلك بسبب تعارض ظواهر النصوص التي عينت مكاناً للجنة، فيقول القاري: "وقيل: بالوقف حيث لا يعلمه إلا الله تعالى" (١٠). ٤ - في حين يرى بعض العلماء أن الأسلم في مثل هذه المسألة أن نفوض علم ذلك إلى الله تعالى، وممن ذكر من العلماء التفويض في هذه المسألة الكومي، حيث يقول: "والحق في ذلك تفويض العلم إلى الله" (١١). بعد هذا العرض لأقوال العلماء في مكان الجنة، فالذي نراه أن الجنة لها مكان محدد بحدود علوية وسفلية، وذلك من خلال النقاط الثلاث الآتية:
следующие страницы →