← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

قال السمرقندي: قيل: "لما نزلت هذه الآية قلن نساء أهل الكتاب: لولا إن الله تعالى قد رضي بديننا لم يبح للمسلمين نكاحنا، فنزل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ " (١). والثالث: لما "نزل قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ثم رخص من حالة الاضطرار، فقال بعضهم: لا نأخذ الرخصة من الاضطرار فنزل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " ومن تمام نعمة الله عليكم اليوم -أيها المؤمنون- أن أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها" (٣). قال مقاتل: "أى: الذبائح من الصيد" (٤). قال التستري: " الطيبات: الحلال من الرزق" (٥). قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: "، وذبائحُ اليهود والنصارى -إن ذكَّوها حَسَبَ شرعهم- حلال لكم" (٦). قال الماوردي: " يعني: ذبائحهم" (٧). قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وذبائحكم حلالٌ لهم فلا حرج أن تُطعموهم وتبيعوه لهم" (٨). قال الماوردي: " يعني: ذبائحنا" (٩). قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وأُبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات" (١٠). قال الطبري: أي: " أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات وهن الحرائر منهن أن تنكحوهن" (١١). قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " أي وزواج الحرائر من من اليهود والنصارى" (١٢). قال مقاتل: " يعني: وأحل تزويج العفائف من حرائر نساء اليهود والنصارى، نكاحهن حلال للمسلمين (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ثلاثة أقوال (١٤): أحدها: المعاهدات دون الحربيات، وهذا قول ابن عباس (١٥). والثاني: عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله (١٦).

стр. 3257

والثالث: عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات، وهذا قول سعي بن المسيب (١)، والحسن (٢)، والفقهاء وجمهور السلف (٣). والراجح-والله أعلم- أن نكاح عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات جائز ذميةً كانت أو حربيّةً، بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وجهان: أحدهما: أنهن الحرائر من الفريقين، سواء كن عفيفات أو فاجرات، فعلى هذا، لا يجوز نكاح إمائهن، وهذا قول مجاهد (٥)، والشعبي (٦)، وبه قال الشافعي (٧). قال عامر: " أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة" (٨). والثاني: أنهن العفائف، سواءٌ كن حرائر أم إماءً، فعلى هذا، يجوز نكاح إمائِهن، وهذا قول مجاهد (٩)، والشعبي (١٠) أيضاً، وبه قال أبو حنيفة (١١). قوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " إِذا دفعتم لهن مهورهن" (١٢). قال مقاتل: " يعني إذا أعطيتموهن مهورهن" (١٣). قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " حال كونكم أعفاء بالنكاح غير مجاهرين بالزنى" (١٤). قال الماوردي: " يعني: أَعفّاء غير زُناة" (١٥). قال ابن عباس: "يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة غير مسافحين متعالنين بالزنا ولا متخذي أخدان، يعني: يسرُّون بالزنا" (١٦). عن سليمان بن المغيرة، عن الحسن قال: "سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته" (١٧).

стр. 3258

قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وغير متخذين عشيقات وصديقات تزنون بهن سرا" (١). قال مقاتل: " يعني: لا تتخذ الخليل في السر فيأتيها" (٢). قال الزجاج: " وهن الصديقات والأصدقاء، فحرم الله الجماع على جهة السفاح، أو على جهة اتخاذ الصديقة، وأحلة على جهة الإحصان، وهو التزويج، على ما عليه جماعة العلماء" (٣). قال السمرقندي: " يقول: لا تتخذوا خدنا فتزنوا بها سرا، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سرا، فحرم الله زنى السر والعلانية" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " ومن يجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله" (٥). قال مجاهد: " من يكفر بالله" (٦). قال عطاء: " الإيمان، التوحيد" (٧). قال اللبي: " أي: بما أنزل على محمد ﷺ " (٨). قال ابن عباس: " أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه" (٩). قال الطبري: اي: " ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله، لأن «الكفر»: هو الجحود في كلام العرب، و «الإيمان»: التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به " (١٠). قال مقاتل بن حيان: "يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن شيئا وهي للناس عامة" (١١). وقرأ الحسن: «حَبِطَ عَمَلُهُ»، بفتح الباء (١٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: " وهو يوم القيامة من الهالكين" (١٣). قال مقاتل: "يعني: من الكافرين" (١٤). قال السمرقندي: " يعني: من المغبونين في العقوبة، ولهذا قال أصحابنا ﵏: إن الرجل إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في وقت تلك الصلاة، وجب عليه إعادة تلك الصلاة، ولو كان حج حجة الإسلام فعليه أن يعيد الحج، لأنه قد بطل ما فعل قبل ارتداده" (١٥). الفوائد: ١ - إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب.

стр. 3259

٢ - إباحة نكاح الكتابيات بشرط أن تكون حرة عفيفة، وأن يعقد عليها العقد الشرعي وهو القائم على الولي والشهود والمهر، والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي ووكيل: زوجني فلانة. فيقول له: قد زوجتكها. ٣ - حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة. ٤ - المعاصي قد تقود إلى الكفر. ٥ - المرتد عن الإسلام يحبط عمله فلو راجع الإسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة وإن مات قبل العودة إلى الإسلام خسر نفسه وأهله يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦] التفسير: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مع المرافق [والمِرْفَق: المِفْصَل الذي بين الذراع والعَضُد] وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين [وهما: العظمان البارزان عند ملتقى الساق بالقدم]، وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة. فإن كنتم مرضى، أو على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته فلم تجدوا ماء فاضربوا بأيديكم وجه الأرض، وامسحوا وجوهكم وأيديكم منه. ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم، بل أباح التيمم توسعةً عليكم، ورحمة بكم، إذ جعله بديلا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمُّم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم; بطاعته فيما أمر وفيما نهى. في سبب نزول الآية قولان: احدهما: عن علقمة بن وقاص الليثي؛ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه؛ فلا يكلمنا، ونسلم عليه؛ فلا يرد علينا، حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، فقلنا: يا رسول الله نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا، قال: حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية" (١). [ضعيف جداً] والثاني: عن عائشة: "أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلّوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله؛ فأنزل الله -تعالى- آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيراً؛ فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك والمسلمين فيه خيراً" (٢). [صحيح] وفي السياق نفسه روي عن عمار بن ياسر: "أن رسول الله ﷺ عرَّس بأولاتِ الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جَزْعِ ظِفَار؛ فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك، حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء؛ فتغيظ عليها أبو بكر، وقال: حبست الناس وليس

стр. 3260

معهم ماء؛ فأنزل الله -تعالى- على رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب. فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط" (١). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦]، أي: "يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٤). كما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٥). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٦). قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة" (٧). وللعلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أقوال: أحدها: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مُضْمَراً. وفي وجوب الوضوء شرطاً، وهو قول عبد الله بن عباس (٨)، وسعد بن أبي وقاص (٩)، وأبي موسى الأشعري (١٠)، والفقهاء (١١). والثاني: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة. وهذا قول زيد بن اسلم (١٢)، والسدي (١٣). قال ابن كثير: "وكلاهما قريب [اي: القول الاول والثاني] " (١٤). والثالث: أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة، محدثا كان، أو غير محدث، ولا يجوز أن يجمع بوضوء واحد بين فرضين، وهذا مروي عن علي ﵁ (١٥)، وعمر (١٦)، وعكرمة (١٧)، وابن سيرين (١٨). والرابع: أن الآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب (١٩). والخامس: أنه كان واجباً على كل قائمٍ إلى الصلاة، ثم نسخ إلاَّ على المحدث. روى سليمان بن بريدة عن أبيه: " كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: «عمدا فعلته يا عمر» " (٢٠). والصواب-والله أعلم- أن الله تعالى فرض غسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبل إحداث الوضوء منه وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته. ولذلك كان ﵇ يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة، ثم صلىّ يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد، ليعلّم أمته أن ما كان يفعل ﵇ من تجديد الطهر لكل صلاة، إنما كان منه أخذا بالفضل، وإيثارا منه لأحب الأمرين إلى الله، ومسارعةً منه إلى ما ندبه إليه ربّه لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا (٢١). قال الزمخشري: " فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة" (٢٢). أخرج الطبري عن محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري نه قال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: "أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّن هو؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، الغسيل حدَّثها: أن النبي ﷺ أُمِرَ بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمِر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدّث. فكان عبد الله يرى أنّ به قوة عليه، فكان يتوضأ" (٢٣). وعن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد" (٢٤). وعن ابن عمر أيضا، قال، " قال رسول الله ﷺ : «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» " (٢٥).

стр. 3261

وعن عمرو بن عامر، عن أنس: "أن النبي ﷺ أتي بقَعْبٍ صغير فتوضأ. قال: قلت لأنس: أكان رسول الله ﷺ يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم! قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد" (١). وعن أبي غطيف، قال: "صليت مع ابن عمر الظهر، فأتى مجلسا في داره فجلس وجلست معه. فلما نُودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ، ثم خرج إلى الصلاة، ثم رجع إلى مجلسه. فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ، فقلت: أسنة ما أراك تَصنع؟ قال، لا وإن كان وَضوئي لصلاة الصبح كافيَّ للصلوات كلها ما لم أحدِث، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ على طهرٍ كتب له عشر حسنات، ، فأنا رغبت في ذلك" (٢). قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " فاغسلوا الوجوه والأيدي مع المرافق" (٣). قال السمرقندي: " يعني: مع المرافق" (٤). قال المبرد: "إذا مد الشيء إلى جنسه تدخل فيه الغاية، وإذا مد إلى خلاف جنسه، لا تدخل فيه الغاية، فقوله: ﴿إلى المرافق﴾ مد إلى جنسه، فتدخل فيه الغاية، وأما قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مد إلى خلاف جنسه، فلا تدخل فيه الغاية. والمرفق سمى بذلك؛ لارتفاق الإنسان به بالاتكاء عليه" (٥). قال الطبري: " قال الشافعي: لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل، كأنه يذهب إلى أن معناها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تُغْسَل المرافق حدثنا بذلك عنه الربيع" (٦). قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين" (٧). قال السمرقندي: " يعني: مع الكعبين" (٨). قال الواحدي: " وهما النَّاشزان من جانبي القدم" (٩). واختلف العلماء في وجوب غسل الرجل، والأصح-والله أعلم- "أنه يجب الغسل، وقد دلت السنة عليه، إذ روى عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبيّ ﷺ في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال: ويل للأعقاب من النار" (١٠) (١١). قال ابن كثير: " وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختلفوا في هذه "الباء" هل هي للإلصاق، وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة (١٢)، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ :

стр. 3262

«هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» (١). وفي حديث عبد خير، عن علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ نحو هذا، وروى أبو داود، عن معاوية والمقدام بن معد يكرب، في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله (٢). ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن. وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية. وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، لا يتقدر ذلك بحدٍّ، بل لو مسح بعض شعره من رأسه أجزأه. واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة، قال: تخلف النبي ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: "هل معك ماء؟ " فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى خفيه ... وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم، وغيره (٣). فقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة" (٤). وقُرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالنصب عطفا على: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٥). أخرج ابن ابي حاتم عن عِكَرِمة، عن ابن عباس؛ "أنه قرأها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يقول: رجعت إلى الغسل" (٦). وروي عن عبد الله بن مسعود، وعُرْوَة، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، والضحاك، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حيان، والزهري، وإبراهيم التيمي، نحو ذلك (٧). قال ابن كثير: " وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف، ومن هاهنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب كما هو مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب" (٨). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، أي: " وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة" (٩).

стр. 3263

قال الطبري: أي: " وإن كنتم أصابتكم جنابة قبل أن تقوموا إلى صلاتكم فقمتم إليها="فاطَّهَّروا"، يقول: فتطهّروا بالاغتسال منها قبل دخولكم في صلاتكم التي قمتم إليها" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦]، أي: " وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء" (٢). قال الطبري: أي: " إن كنتم جرحى أو مُجَدَّرين (٣) وأنتم جنب" (٤). قال ابن مسعود: " المريض: الذي قد أُرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها" (٥). قال أبو مالك: " هي للمريض الذي به الجراحةُ التي يخاف منها أن يغتسل، فلا يغتسل. فرُخِّص له في التيمم" (٦). قال مجاهد: " والمرض: أن يصيب الرجل الجرح والقرح والجدريّ، فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء" (٧). قال السدي: " والمرض: هو الجراح. والجراحة التي يتخوّف عليه من الماء، إن أصابه ضرَّ صاحبه، فذلك يتيمم صعيدًا طيبًا" (٨). قال سعيد بن جبير: " إذا كان به جروح أو قُروح يتيمم" (٩). وقال إبراهيم: " من القروح تكون في الذراعين" (١٠). قال الضحاك: " صاحب الجراحة التي يتخوّف عليه منها، يتيمم" (١١). وروي عن عاصم يعني الأحول عن الشعبي: "أنه سئل عن [قوله]: المجدور تُصيبه الجنابة؟ قال: ذهب فرسان هذه الآية" (١٢). وقال ابن زيد: " المريضُ الذي لا يجد أحدًا يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، فإذا لم يستطع أن يتناول الماء، وليس عنده من يأتيه به، ولا يحبو إليه، تيمم وصلَّى إذا حلَّت الصلاة قال: هذا كله قولُ أبي إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به، لا يترك الصلاة، وهو أعذَرُ من المسافر" (١٣).

стр. 3264

وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] ثلاثة أقاويل (١): أحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ، وهذا قول داود بن علي (٢). الثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر، وهذا قول مالك (٣)، وأحد قولي الشافعي (٤). والثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ، وهو القول الثاني من قولي الشافعي (٥). قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " أو كنتم على سفر في حال الصحة" (٦). قال الطبري: أي: " أو [كنتم] مسافرين وأنتم جنب" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، ثلاثة أقاويل (٨): أحدها: ما انطلق عليه اسم السفر من قليل وكثير، وهو قول داود. والثاني: مسافة يوم وليلة فصاعداً، وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله. والثالث: مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة. قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " أو قضى أحدكم حاجته" (٩). قال الطبري: " يقول: أو جاء أحدكم وقد قضى حاجته فيه وهو مسافر. وإنما عنى بذكر مجيئه منه قضاء حاجته فيه" (١٠). قال ابن كثير: " الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر" (١١). قال مجاهد: " الغائط، الوادي" (١٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " أو جامع زوجته" (١٣). قال الطبري: " يقول: أو جامعتم النساء وأنتم مسافرون" (١٤). وفي هذه الملامسة قولان: أحدهما: أنها كناية عن الجماع، لقوله ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وهو قول عليّ (١٥)، وابن عباس (١٦)، والحسن (١٧) وقتادة (١٨)، ومجاهد (١٩).

стр. 3265

والثاني: أن الملامسة باليد والإفضاء ببعض الجسد، وهو قول ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢)، وعبيدة (٣)، والنخعي (٤)، والشعبي (٥)، وعطاء (٦)، وابن سيرين (٧)، والحكم (٨)، وحماد (٩)، وبه قال الشافعي (١٠). والراجح أن أنّ " اللمس " في هذا الموضع، لمس الجماع، لا جميع معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله- ﷺ أنه قَبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ (١١)، وكما قال الشاعر (١٢): وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا يعني بذلك: ننك لماسًا (١٣) (١٤). أخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ" (١٥). وفي رواية أخرى: " أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (١٦).

стр. 3266

قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، أي: " أي ولم تجدوا الماء بعد طلبه فاقصدوا التراب الطاهر للتيمم به" (١). و«التيمم»، في اللغة هو: "القصد. تقول العرب: تيممك الله بحفظه، أي: قصدك. ومنه قول امرئ القيس (٢): وَلَمَّا رَأتْ أنَّ المَنِية ورِدُها ... وأن الحصَى من تحت أقدامها دَامِ تيممت العين التي عند ضارج (٣) ... يفيء عليها الفيء عَرْمَضها طام (٤) وفي الصعيد أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غِراس، وهو قول قتادة (٥). والثاني: أنها الأرض المستوية، وهو قول ابن زيد (٦). والثالث: هو التراب، وهو قول عليّ، وابن مسعود، وعمرو بن قيس الملائي (٧)، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما (٨). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها

стр. 3267

لنا طهورا إذا لم نجد الماء» (١)، وفي لفظ: "وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء". قالوا: فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه (٢). والرابع: أنه وجه الأرض ذات التراب والغبار (٣)، وهذا قول أبي عبيدة (٤)، ومنه قول ذي الرُّمة (٥): كَأنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ يعني: تضرب به وجه الأرض (٦). وفي قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، أربعة أقاويل: أحدها: حلالاً، وهو قول سفيان (٧)، واختاره ابن كثير (٨). والثاني: أن الطيب: ما أتت عليه الأمطار وطهرته، و ﴿طيبا﴾، أي: طاهرا. وهذا قول سعيد بن بشر (٩)، والطبري (١٠)، والزجاج (١١). عن أبي ذر قال: "قال رسول الله ﷺ : «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده، فليمسه بَشرته، فإن ذلك خير له» " (١٢). والثالث: تراب الحرث، وهو قول ابن عباس (١٣). والرابع: أنه مكان حَدِرٌ غير بَطِحٍ، وهو قول ابن جريج (١٤). قال ابن كثير: " استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد تطلبه، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين، من حديث عِمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (١٥) " (١٦). قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالتراب" (١٧). قال الطبري: " المسح منه بالوجه، أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر، أو ما قام مقامه، فيمسَح بما علق من الغُبار وجهه. فإن كان الذي علق به من الغُبار كثيرًا فنفخ عن يديه أو نفضه، فهو جائز. وإن لم يعلَق بيديه من الغبار شيء وقد ضرب بيديه أو إحداهما

стр. 3268

الصعيد، ثم مسح بهما أو بها وجهه، أجزأه ذلك، لإجماع جميع الحجَّة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد وهو أرض رمل فلم يعلق بيديه منها شيء فتيمم به، أن ذلك مجزئَه، لم يخالف ذلك من يجوز أن يُعْتَدّ خلافًا، فلما كان ذلك إجماعًا منهم، كان معلومًا أن الذي يراد به من ضَرْب الصعيد باليدين، مباشرةُ الصعيد بهما، بالمعنى الذي أمرً الله بمباشرته بهما، لا لأخْذِ ترابٍ منه" (١). واختلفوا في المسح باليدين على أقوال: أحدها: أن حدّ ذلك الكفّان إلى الزَّندين، وليس على المتيمم مسح ما وراء ذلك من الساعدين. وهذا مروي عن عمار (٢)، والشعبي والشعبي في أحد قوليه (٣)، وعكرمة (٤)، ومكحول (٥)، وبه قال مالك في أحد قوليه (٦)، والشافعي في القديم (٧). وقالوا: أمر الله في التيمم بمسح الوجه واليدين، فما مسح من وجهه ويديه في التيمم أجزأه، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من أصل أو قياس (٨). وقد روي عن عمار بن ياسر: "أنه سأل رسول الله ﷺ عن التيمم، فقال: «مرة للكفين والوجه»، وفي حديث ابن بشر: أن عمارًا سأل النبيّ ﷺ عن التيمم" (٩). وعن ابن أبزى، قال: "جاء رجل إلى عمر فقال: إنّي أجنبت فلم أجد الماء! فقال عمر: لا تصل. فقال له عمار: أما تذكر أنّا في مسيرٍ على عهد رسول الله ﷺ ، فأجنبت أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعَّكت في التراب وصلَّيت، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك، وضرَب كفّيه الأرض، ونفخ فيهما، ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة؟ " (١٠). والثاني: ان حدُّ المسح الذي أمر الله به في التيمم، أن يمسح جميع الوجه واليدين إلى المرفقين. وهذا مروي عن ابن عمر (١١)، والحسن (١٢)، وعامر الشعبي (١٣)، وسالم بن عبدالله (١٤)، والشافعي في الجديد (١٥). وقالوا: " لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] قالوا: وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية" (١٦).

стр. 3269

وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (١). واعتلوا من الأثر بما عن أبي جهيم قال: "رأيت رسول الله ﷺ يبول، فسلَّمت عليه، فلم يرد عليَّ. فلما فرغ قام إلى حائط فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه إلى الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردَّ عليَّ السلام" (٢). والثالث: أن الحدّ الذي أمر الله أن يبلغ بالتراب إليه في التيمم: الآباط. وهذا قول الزهري (٣)، (٤)، وحكي نحوه عن أبي بكر (٥). وعلة من قال ذلك: أن الله أمر بمسح اليد في التيمم، كما أمر بمسح الوجه. وقد أجمعوا أن عليه أن يمسح جميع الوجه، فكذلك عليه جميع اليد، ومن طرف الكفّ إلى الإبط يدٌ (٦). واعتلوا من الخبر بما روي عن أبي اليقظان قال: "كنا مع رسول الله ﷺ ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الصبح، فتغيَّظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه الرخصة، المسح بالصعيد. فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة! نزل فيك رخصة! فضربنا بأيدينا: ضربة لوجوهنا، وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط" (٧). والراجح-والله أعلم- "أن الحدّ الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصِّر عنه في مسحه بالتراب من يديه: الكفان إلى الزّندين، لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز. ثم هو فيما جاوز ذلك مخيّر، إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرًا فيما جاوز الكفين: أن الله لم يحدَّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدًّا لا يجوز التقصير عنه. فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أُجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه. وقد أجمع الجميعُ على أن التقصير عن الكفين غير مجزئ، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه. وإذا كان مختلفًا فيه، وكان الماسح بكفيه داخلا في عموم الآية كان خارجًا مما لزمه من فرض ذلك" (٨). واختلف أهل العلم في الجنب، هل هو ممن دخل في رخصة التيمم إذا لم يجد الماء أم لا؟ ، وفيه قولان (٩): أحدهما: أنه يجوز، وأن حكم الجنب فيما لزمه من التيمم إذا لم يجد الماء، حكم من جاء من الغائط وسائر من أحدَث ممن جُعل التيمم له طهورًا لصلاته. وهو قول الجمهور (١٠). وذلك أن للجنب التيمم إذا لم يجد الماء في سفره، بإجماع الحجة على ذلك نقلا عن نبيها ﷺ ، الذي يقطع العذر ويزيل الشك. وقائلوا هذا المقال: تاوّلوا ﴿أو لامستم النساء﴾، أو جامعتموهن (١١)، وممن تأول الملامسة بالجماع: الإمام عليّ-﵁ (١٢)، وابن عباس (١٣)، والحسن (١٤) وقتادة (١٥)، ومجاهد (١٦).

стр. 3270

والثاني: أنه لايجوز، ولا يجزئ الجنب غيرُ الاغتسال بالماء، وليس له أن يصلي بالتيمم، والتيمم لا يطهره. وهذا مروي عن عمر بن الخطاب-﵁ (١).وعبدالله بن مسعود (٢)، وإبراهيم النخعي (٣). وعلى هذا القول: إنما جعل التيمم رخصة لغير الجنب. وتأولوا قول الله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، قالوا: وقد نهى الله الجنب أن يقرب مصَلَّى المسلمين إلا مجتازًا فيه حتى يغتسل، ولم يرخِّص له بالتيمم. قالوا: وتأويل قوله: ﴿أو لامستم النساء﴾، أو لامستموهن باليد، دون الفرج، ودون الجماع، وومن تأول الملامسة في الآية بالملامسة باليد: ابن مسعود (٤)، وابن عمر (٥)، وعبيدة (٦)، والنخعي (٧)، والشعبي (٨)، وعطاء (٩)، وابن سيرين (١٠)، والحكم (١١)، وحماد (١٢)، وبه قال الشافعي (١٣). والراجح-والله أعلم- هو قول الجمهور، بأن الجنب ممن أمره الله بالتيمم للصلاة إذا لم يجد الماء، لأن الملامسة، في هذا الموضع: لمس الجماع (١٤)، لا جميع معاني اللمس (١٥)، كما سبق بيان ذلك. أخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ" (١٦). وفي رواية أخرى: " أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (١٧).

стр. 3271

قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم" (١). قال مجاهد: ": ﴿من حرج﴾، من ضيق" (٢). وروي عن عكرمة مثل ذلك (٣). قال القرطبي: " أي: من ضيق في الدين، دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] " (٤). قال الطبري: أي: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ما يريد الله بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى صلاتكم، والغُسل من جنابتكم والتيمم صعيدا طيبا عند عدمكم الماء ليجعل عليكم من حرج ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولا ليعنتكم فيه" (٥). قال ابن كثير: " أي: فلهذا سهل عليكم ويسَّر ولم يعسِّر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء، توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع الله يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " بل يريد ليطهركم من الذنوب وأدناس الخطايا بالوضوء والتيمم" (٧). قال القرطبي: " أي: من الذنوب كما ذكرنا من حديث أبي هريرة (٨)، والصنابحي (٩). وقيل: من الحدث والجنابة. وقيل: لتستحقوا الوصف بالطهارة التي يوصف بها أهل الطاعة" (١٠). قال الطبري: أي: " ولكن الله يريد أن يطهِّركم بما فرض عليكم من الوضوء من الأحداث والغسلِ من الجنابة، والتيمم عند عدم الماء، فتنظفوا وتطهّروا بذلك أجسامكم من الذنوب" (١١).

стр. 3272

عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة: "أنّ رسول الله ﷺ قال: إن الوضوء يكفّر ما قبله، ثم تصير الصلاة نافلة. قال قلت: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غيرَ مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا خمس" (١). وفي رواية أخرى عن أبي إمامة قال، "قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه» " (٢). وعن كعب بن مرة قال، "قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو: ذراعيه إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه» " (٣). وعن عمرو بن عبسة: أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا غسل المؤمن كفّيه انتثرت الخطايا من كفَّيه، وإذا تمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه ومنخريه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت من يديه، فإذا مسح رأسه وأذنيه خرجت من رأسه وأذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت حتى تخرج من أظفار قدميه، فإذا انتهى إلى ذلك من وضوئه كان ذلك حظّه منه، فإذ قام فصلى ركعتين مقبلا فيهما بوجهه وقلبه على ربه، كان من خطاياه كيوم ولدته أمّه» " (٤). وعن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ ، قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، أو نحو هذا. وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشت بها يداه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب» " (٥). و، عن حمران مولى عثمان قال: "أتيت عثمان بن عفان بوضوء وهو قاعد، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ كوضوئي هذا. ثم قال: من توضأ وضوئي هذا كان من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكانت خُطاه إلى المساجد نافلة" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " وليتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإِسلام" (٧). قال الطبري: أي: يريد" أن يتم نعمته عليكم بإباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورا، رخصة منه لكم في ذلك مع سائر نِعَمه التي أنعم بها عليكم، أيها المؤمنون" (٨). قال القرطبي: " أي بالترخيص في التيمم عند المرض والسفر. وقيل: بتبيان الشرائع. وقيل: بغفران الذنوب، وفي الخبر «تمام النعمة دخول الجنة والنجاة من النار» (٩) " (١٠). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، أي: " لتشكروه على نعمه" (١١).

стр. 3273

قال القرطبي: " أي: لتشكروا نعمته فتقبلوا على طاعته" (١). قال الطبري: " يقول: لكي تشكروا الله على نعمه التي أنعمها عليكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم" (٢). قال ابن كثير: " أي: لعلكم تشكرون نعمَه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة" (٣). وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء، بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة (٤)، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، عن عقبة بن عامر قال: "كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نَوْبَتي فَرَوَّحتها بعَشِيّ، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وُضُوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقْبلا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة". قال: قلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها. فنظرت فإذا عمر، ﵁، فقال: إني قد رأيتك جئت آنفا قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو: فيسبغ - الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" (٥). عن أبي مالك الأشعري؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الطَّهور شَطْر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة بُرهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة لك أو عليك، كل الناس يَغْدُو، فبائع نفسه فَمعتِقهَا، أو مُوبِقُهَا" (٦). عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صدقة من غُلُول، ولا صلاة بغير طهور" (٧). الفوائد: ١ - الأمر بالطهارة وبيان كيفية الوضوء وكيفية الغسل، وكيفية التيمم. ٢ - بيان الأعذار الناقلة للمؤمن من الوضوء إلى التيمم. ٣ - بيان موجبات الوضوء والغسل. ٤ - الشكر هو علة الإنعام. ٥ - أن هذه الآية الكريمة اشتملت على جملة من الاحكام (٨): أحدها: أن هذه المذكورات فيها امتثالها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأنه صدرها بقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ إلى آخرها. أي: يا أيها الذين آمنوا، اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم. الثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾. الثالث: الأمر بالنية للصلاة، لقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي: بقصدها ونيتها. الرابع: اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب. الخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة.

стр. 3274

السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر. السابع: الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا. ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه. لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها. الثامن: الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و"إلى" كما قال جمهور المفسرين بمعنى "مع" كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق. التاسع: الأمر بمسح الرأس. العاشر: أنه يجب مسح جميعه، لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس. الحادي عشر: أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه. الثاني عشر: أن الواجب المسح. فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به. الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين. الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين. الخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح الخفين، على قراءة الجر في ﴿وأرجلكم﴾. وتكون كل من القراءتين، محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف. السادس عشر: الأمر بالترتيب في الوضوء، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة. ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب. السابع عشر: أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية. وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين. الثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة، لتوجد صورة المأمور به. التاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة. العشرون: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء. الحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة. الثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء. الثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل. الرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بللا فإنه لا غسل عليه، لأنه لم تتحقق منه الجنابة. الخامس والعشرون: ذكر منة الله تعالى على العباد، بمشروعية التيمم. السادس والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء، فيجوز له التيمم.

стр. 3275

السابع والعشرون: أن من جملة أسباب جوازه، السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يجوز التيمم مع وجود الماء لحصول التضرر به، وباقيها يجوزه العدم للماء ولو كان في الحضر. الثامن والعشرون: أن الخارج من السبيلين من بول وغائط، ينقض الوضوء. التاسع والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره. الثلاثون: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾. الحادي والثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء. الثاني والثلاثون: اشتراط عدم الماء لصحة التيمم. الثالث والثلاثون: أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء. الرابع والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء، فإنه يلزمه طلبه في رحله وفيما قرب منه، لأنه لا يقال "لم يجد" لمن لم يطلب. الخامس والثلاثون: أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته، فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك. السادس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم، أي: يكون طهورا، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾. السابع والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم لقوله: ﴿فتيمموا﴾ أي: اقصدوا. الثامن والثلاثون: أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره. فيكون على هذا، قوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادا للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو أولى. التاسع والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثا. الأربعون: أنه يمسح في التيمم الوجه واليدان فقط، دون بقية الأعضاء. الحادي والأربعون: أن قوله: ﴿بوجوهكم﴾ شامل لجميع الوجه وأنه يعممه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور، ولو خفيفة. الثاني والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك. فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء. الثالث والأربعون: أن الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد [وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء]. الرابع والأربعون: أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان. الخامس والأربعون: أنه لو نوى من عليه حدثان التيمم عنهما، فإنه يجزئ أخذا من عموم الآية وإطلاقها. السادس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، لأن الله قال ﴿فامسحوا﴾ ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء. السابع والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين. الثامن والأربعون: أن الله تعالى -فيما شرعه لنا من الأحكام- لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده ليطهرهم، وليتم نعمته عليهم. وهذا هو التاسع والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب، تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد، والتوبة النصوح.

стр. 3276

الخمسون: أن طهارة التيمم، وإن لم يكن فيها نظافة وطهارة تدرك بالحس والمشاهدة، فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى. الحادي والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحكم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له، على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة. القرآن ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧] التفسير: واذكروا نعمة الله عليكم فيما شَرَعه لكم، واذكروا عهده الذي أخذه تعالى عليكم من الإيمان بالله ورسوله محمد ﷺ ، والسمع والطاعة لهما، واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه. إن الله عليمٌ بما تُسِرُّونه في نفوسكم. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٧]، أي: " واذكروا نعمة الله عليكم فيما شَرَعه لكم" (١). قال مجاهد: "، النعم: آلاءُ الله" (٢). قال مقاتل: " يعني: بالإسلام" (٣). قال الزمخشري: " وهي نعمة الإسلام" (٤). قال أبو علي: " أي: تلقّوها بالشكر" (٥). قال ابن الجوزي: " يعني النعم كلها. وفي هذا حث على الشكر" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: ٧]، أي: " واذكروا عهده الذي أخذه تعالى عليكم من الإيمان بالله ورسوله محمد ﷺ " (٧). قال الزمخشري: " أى: عاقدكم به عقدا وثيقا هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره، وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان" (٨). قال مقاتل: "يوم أخذ ميثاقكم على المعرفة بالله- والربوبية" (٩). قال ابن أبي زمنين: " وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم" (١٠). قال السعدي: أي: "واذكروا عهده الذي أخذه عليكم، وليس المراد بذلك أنهم لفظوا ونطقوا بالعهد والميثاق، وإنما المراد بذلك أنهم بإيمانهم بالله ورسوله قد التزموا طاعتهما" (١١). واختلف أهل التأويل في الميثاق الذي ذكر الله في هذه الآية على أقوال: أحدها: أنه ميثاقَ الله الذي واثقَ به المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ ، حين بايعوا رسولَ الله ﷺ على السمع والطاعة له فيما أحبّو وكرهوا، والعمل بكل ما أمرهم الله به ورسوله. وهذا قول ابن عباس (١٢)، والسدي (١٣).

стр. 3277

والثاني: أن المراد: ميثاقه الذي أخذ على عباده حين أخرجهم من صُلب آدم ﷺ ، وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ فقالوا: بلى شهدنا. رواه أبو صالح عن ابن عباس (١)، وبه قال مجاهد (٢)، وابن زيد (٣). والثالث: أنه الميثاق الذي أخذ من الصحابة على السمع والطاعة في بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، ذكره بعض المفسرين (٤). والرابع: أنه إقرار كل مؤمن بما آمن به. ذكره ابن الجوزي (٥). والراجح –والله أعلم- هو قول ابن عباس، وأن معناه: "واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم للإسلام وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا ﷺ على السمع والطاعة له في المنشَط والمكرَه، والعُسر واليُسر، وذلك لأن الله جل ثناؤه ذكرَ بعقب تذكرة المؤمنين ميثاقَه الذي واثقهم به، ميثاقَه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنزل كتابه على نبيه موسى ﷺ فيما أمرهم به ونهاهم فيها، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، الآيات بعدها [سور المائدة: ١٢] مُنبِّهًا بذلك أصحاب رسول الله ﷺ محمد على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه ومعرِّفَهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه، وتعزير أنبيائه ورسله زاجرًا لهم عن نكث عهودهم، فيُحلّ بهم ما أحلَّ بالناكثين عهوده من أهل الكتاب قبلهم" (٦). وقال الراغب: " الميثاق: العهد المستوثق منه وميثاق الله تعالى: المأخوذ من عباده على أضرب: الأول: ما أخذه عليهم بالفطرة: وهو ما ركزه فيهم من المعارف. الثاني: ما أخذه عليهم بما أفادهم من العلوم المكتسبة. الثالث: ما أخذه عليهم ببعثة الأنبياء وإلزامهم بالشرائع. الرابع: ما يلزم بعضهم عن بعض بما يجب عليهم الوفاء به، وقد حمل الآية على كل ذلك" (٧). قوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]، أي: " إذ قلتم: سمعنا ما قلت لنا، وأخذت علينا من المواثيق وأطعناك فيما أمرتنا به ونهيتنا عنه " (٨). قال الزمخشري: " فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا" (٩). قال الصابوني: أي: "حين بايعتموه على السمع والطاعة" (١٠). قال الطبري: أي: " وأنعم عليكم أيضا بتوفيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له: سمعنا وأطعنا، يقول: ففُوا لله، أيها المؤمنون بميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التي أنعم عليكم في ذلك بإقراركم على أنفسكم بالسمع له والطاعة فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمن لكم الوفاءَ به

стр. 3278

إذا أنتم وفيتم له بميثاقه، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته وإنعامكم بالخلود في دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وأليم عذابه" (١). قال السعدي: " أي: سمعنا ما دعوتنا به من آياتك القرآنية والكونية، سمع فهم وإذعان وانقياد. وأطعنا ما أمرتنا به بالامتثال، وما نهيتنا عنه بالاجتناب. وهذا شامل لجميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، وأن المؤمنين يذكرون في ذلك عهد الله وميثاقه عليهم، وتكون منهم على بال، ويحرصون على أداء ما أمروا به كاملا غير ناقص" (٢). قال أبوبكر الجزائري: " وأما قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، قد قالها الصحابة بلسان الحال عندما بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقد قالها كل مسلم بلسان الحال لما شهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة" (٣). قال مقاتل: " ذلك أن الله- أخذ الميثاق الأول على العباد حين خلقهم من صلب آدم- ﵇ فذلك قوله- : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٤)، على أنفسنا فمن بلغ منهم العمل وأقر لله- بالإيمان به وبآياته وكتبه ورسله والكتاب والملائكة والجنة والنار والحلال والحرام والأمر والنهي أن يعمل بما أمر وينتهي عما نهى. فإذا أوفى الله تعالى بهذا، أوفى الله له بالجنة، فهذان ميثاقان: ميثاق بالإيمان بالله وميثاق بالعمل. فذلك قوله- سبحانه-: في البقرة: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ (٥)، سمعنا بالقرآن الذي جاء من عند الله وأطعنا الله- فيه، وذلك قوله- سبحانه- في التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (٦)، يقول: اسمعوا القرآن الذي جاء به محمد- ﷺ من عند الله- وأطيعوا الله فيما أمركم فمن بلغ الحلم والعمل ولم يؤمن بالله- ولا بالرسول والكتاب فقد نقض الميثاق الأول بالإيمان بالله- وبما أخذ الله- تعالى- عليه حين خلقه وصار من الكافرين. ومن أخذ الله- عليه الميثاق الأول ولم يبلغ الحلم فإن الله- أعلم به. قال: وسئل عبد الله بن عباس عن أطفال المشركين فقال: لقد أخذ الله- الميثاق الأول عليهم فلم يدركوا أجلا ولم يأخذوا رزقا ولم يعملوا سيئة ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (٧) وماتوا على الميثاق الأول فالله أعلم بهم" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٧]، أي: " واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه" (٩). قال السعدي: أي: "في جميع أحوالكم" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (١١). قال مقاتل: " وَلا تنقضوا ذَلِكَ الميثاق" (١٢). قال ابوبكر الجزائري: " أمر بالتقوى التي هي لزوم الشريعة والقيام بها عقيدة وعبادة وقضاء وأدبا" (١٣).

стр. 3279

قال الطبري: أي: "واتقوا الله، أيها المؤمنون، فخافوه أن تبدِّلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقكم به، أو تخالفوا ما ضمنتم له بقولكم: سمعنا وأطعنا، بأن تضمروا له غير الوفاء بذلك في أنفسكم، وهذا وعيد من الله جل اسمه للمؤمنين كانوا برسوله ﷺ من أصحابه وتهدُّدًا لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به في رسول وعهدهم الذي عاهدوه فيه بأن يضمروا له خِلاف ما أبدوا له بألسنتهم " (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧]، أي: " إن الله عليمٌ بما تُسِرُّونه في نفوسكم" (٢). قال مقاتل: " يعني: بما فِي قلوبهم من الْإِيمَان والشك" (٣). قال الطبري: اي: " فإن الله مطلع على ضمائر صدوركم وعالم بما تخفيه نفوسكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيُحّل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به، كالذي حلَّ بمن قبلكم من اليهود من المسخ وصنوف النّقم، وتصيروا في معادِكم إلى سخط الله وأليم عقابه" (٤). قال السعدي: " أي: بما تنطوي عليه من الأفكار والأسرار والخواطر. فاحذروا أن يطلع من قلوبكم على أمر لا يرضاه، أو يصدر منكم ما يكرهه، واعمروا قلوبكم بمعرفته ومحبته والنصح لعباده. فإنكم -إن كنتم كذلك- غفر لكم السيئات، وضاعف لكم الحسنات، لعلمه بصلاح قلوبكم" (٥). قال ابو بكر الجزائري: " يذكرهم بعلم الله تعالى بخفايا أمورهم حتى يراقبوه ويخشوه في السر والعلن، وهذا من باب تربية الله تعالى لعباده المؤمنين لإكمالهم وإسعادهم فله الحمد وله المنة" (٦). الفوائد: ١ - ذكر العهود يساعد على التزامها والمحافظة عليها. ٢ - أن الله تعالى أمر عباده بذكر نعمه الدينية والدنيوية، بقلوبهم وألسنتهم، فإن في استدامة ذكرها داعيا لشكر الله تعالى ومحبته، وامتلاء القلب من إحسانه. وفيه زوال للعجب من النفس بالنعم الدينية، وزيادة لفضل الله وإحسانه (٧). ٣ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٤ - ومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٨). قال الخطابي: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] " (٩).

стр. 3280

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨] التفسير: يا أيها الذين آمَنوا بالله ورسوله محمد ﷺ كونوا قوَّامين بالحق، ابتغاء وجه الله، شُهداء بالعدل، ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا، اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء، فذلك العدل أقرب لخشية الله، واحذروا أن تجوروا. إن الله خبير بما تعملون، وسيجازيكم به. في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت من أجل كفار قريش أيضا، وقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢]، روى نحو هذا أبو صالح، عن ابن عباس (١)، وبه قال مقاتل (٢). والثاني: أنها "نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام". وهذا قول الحسن (٣) (٤). قال الجصاص: " قد ذكر الله تعالى هذا المعنى في هذه السورة في قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾ [المائدة: ٢]، فحمله الحسن على معنى الآية الأولى, والأولى أن تكون نزلت في غيرهم وأن لا تكون تكرارا" (٥). والثالث: أن النبي ﷺ ذهب إلى يهود بني النضير يستعينهم في دية، فهموا بقتله، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد (٦)، وقتادة (٧)، وعبدالله بن كثير (٨). أخرج الطبري عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: " ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، نزلت في يهود خيبر، أرادوا قتل النبيّ ﷺ ، وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: ذهب رسول الله ﷺ إلى يهود يستعينهم في دية، فهمُّوا أن يقتلوه، فذلك قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ... ﴾، الآية" (٩). [ضيف جداً] قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨]، أي: " يا أيها الذين آمَنوا بالله ورسوله محمد ﷺ " (١٠). أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (١١). قال الطبري: أي: " يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهة وصدَّقوا رسوله محمدًا ﷺ في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه" (١٢).

стр. 3281

قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (١). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله" (٢). قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٣). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٤). قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٥). قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة: ٨]، أي: "كونوا مبالغين في الإِستقامة بشهادتكم لله" (٦). قال مقاتل: " يعني: قوّالين بالعدل" (٧). قال السمعاني: " أي: كونوا قوامين بالعدل" (٨). قال الجصاص: " معناه: كونوا قوامين لله بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به والنهي عن المنكر واجتنابه, فهذا هو القيام لله بالحق" (٩). قال الراغب: " أي خلفاءه شهداء بالعدالة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ١٣٥] " (١٠). قال المراغي: " أي: ليكن من دأبكم وعادتكم القيام بالحق فى أنفسكم بالإخلاص لله فى كل ما تعملونه من أمر دينكم وأمر دنياكم، بأن تريدوا بعملكم الخير والتزام الحق بدون اعتداء على أحد، وفى غيركم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ابتغاء مرضاة الله" (١١). قوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]، أي: " شُهداء بالعدل" (١٢). قال السمعاني: " أي: قوالين، للصدق" (١٣). قال المراغي: " الشهادة هنا عبارة عن إظهار الحق للحاكم ليحكم به، أو إظهاره هو له بالحكم به أو الإقرار به لصاحبه، وفى كل حال تكون بالعدل بلا محاباة لمشهود له ولا لمشهود عليه، لأجل قرابة أو مال أو جاه، ولا تركه لفقر أو مسكنة. فالعدل هو ميزان الحقوق، إذ متى وقع الجور فى أمة لأى سبب زالت الثقة من الناس وانتشرت المفاسد، وتقطعت روابط المجتمع، فلا يلبث أن يسلط الله عليهم بعض عباده الذين هم أقرب منهم إلى العدل فيذيقوهم الوبال والنكال، وتلك سنة الله فى حاضر الأمم وغابرها، ولكن الناس لا يعتبرون" (١٤).

стр. 3282

وفى هذه الشهادة ثلاثة أربعة أقوال: أحدها: أنها الشهادة بحقوق الناس، وهذا قول الحسن (١). والثاني: الشهادة بما يكون من معاصي العباد، وهذا قول بعض البصريين (٢). وهو كقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣] فكان معناه: أن كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله بأن مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة (٣). الثالث: الشهادة لأمر الله تعالى بأنه حق (٤). والرابع: أي: تبيّنون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه. وهذا قول الزجاج (٥). قال الجصاص: " وجائز أن تكون هذه المعاني كلها (٦) مرادة لاحتمال اللفظ لها" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، أي: " ولا يحملنكم شدة بغضكم للأعداء على ترك العدل فيهم والاعتداء عليهم" (٨). قال مقاتل: " يَقُولُ: لا تحملنكم عداوة المشركين، يعني: كفار مكة، ﴿عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ عَلَى حُجّاج رَبِيعَة وتستحلوا منهم محرما" (٩). قال الزمخشري: " المعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك" (١٠). قال السعدي: أي: " كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لأنه حق لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق" (١١). وقرئ: «شنآن»، بالسكون (١٢). قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، أي: " اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء، فذلك العدل أقرب لخشية الله" (١٣). قال مقاتل: "فاعدلوا فَإِن العدل أقرب للتقوى، يعني: لخوف اللَّه- " (١٤). قال الطبري: أي: " اعدلوا أيها المؤمنون، على كل أحد من الناس وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه، والعدلُ عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، وإنما وصف جل ثناؤه العَدْل بما وصفه به من أنه أقرب للتقوى من الجور، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعا، كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرا كان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيا، كان بعيدًا من تقواه" (١٥). قال المراغي: "هذه الجملة توكيد للجملة السالفة للعناية بأمر العدل وأنه فريضة لا هوادة فيها، لأنه أقرب لتقوى الله والبعد عن سخطه. وتركه من أكبر المعاصي، لما ينشأ عنه من المفاسد التي تقوض نظم المجتمعات، وتقطع الروابط بين الأفراد، وتجعل بأسهم بينهم شديدا" (١٦). قال السعدي: " أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى" (١٧). قال الزمخشري: " نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله: ﴿هو أقرب للتقوى﴾، أى: العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها، أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفا فيها. وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ " (١٨). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٨]، أي: " واخشوا الله بما أمركم به" (١٩). قال الماتريدي: أي: واتقوا الله "في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه" (٢٠). قال المراغي: " أي: واتقوا سخطه وعقابه" (٢١). قال الطبري: أي: " واحذروا أيها المؤمنون، أن تجوروا في عباده فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءَه الذين بيّن لكم، فيحلّ بكم عقوبته، وتستوجبوا منه أليم نكاله" (٢٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]، أي: " إن الله مطلع على أعمالكم، وسيجازيكم به" (٢٣). قال السمرقندي: أي: "من الطاعة وغيره" (٢٤). قال مقاتل: " يعظهم ويحذرهم" (٢٥). قال الثعلبي: أي: " عالم بما تعملون مجازيكم به" (٢٦). قال ابن كثير: " أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر" (٢٧). قال الطبري: أي: " إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، من عمل به أو خلافٍ له، مُحْصٍ ذلكم عليكم كلّه، حتى يجازيكم به جزاءَكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوا أن تسيئوا" (٢٨). قال المراغي: لأن الله "لا يخفى عليه شىء من أعمالكم ظاهرها وباطنها، واحذروا أن يجازيكم بالعدل على ترككم للعدل، وقد مضت سنته فى خلقه بأن يجعل جزاء ترك العدل فى الدنيا الذلة والمهانة للأمم والأفراد، وفى الآخرة الخزي يوم الحساب" (٢٩). الفوائد:

стр. 3283

١ - وجوب القيام بحق الله تعالى على العبد، وهو ذكره وشكره بطاعته. ٢ - وجوب العدل في الحكم والقول والشهادة والفعل ومع الولي والعدو سواء. ٣ - تأكيد الأمر بتقوى الله . القرآن ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ [المائدة: ٩] التفسير: وعد الله الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثيبهم على ذلك الجنة، والله لا يخلف وعده. سبب النزول: قال السمرقندي: " يقال: إن أهل مكة قالوا بعد ما أسلموا: ما لنا في الآخرة وقد أخرجناك وأصحابك! . فقالوا: ﴿وعد الله الذين آمنوا﴾ بالله وبمحمد ﷺ ، ﴿وعملوا الصالحات﴾، بعد الإسلام، ﴿لهم مغفرة﴾، لما فعلوا في حال الشرك، ﴿وأجر عظيم﴾، في الآخرة" (١). قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩]، أي: " وعد الله الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات" (٢). قال مقاتل: " ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾، يعني: وأدوا الفرائض" (٣). قال السمرقندي: " ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾، يعني: الطاعات" (٤). قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، أي: " أن يغفر لهم ذنوبهم" (٥). قال الزجاج: "أي: تغطية على ذنوبهم" (٦). قال ابن كثير: " ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، أي: لذنوبهم " (٧). قال الطبري: أي: " لهؤلاء الذين وفوا بالعقود والميثاق الذي واثقهم به ربهم ﴿مغفرة﴾، وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها" (٨). قال الثعلبي: " تقديرها: وقال لهم مغفرة، لأن الوعد قول، فلذلك جمع الكلام" (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]، أي: " وأن يثيبهم على ذلك الجنة" (١٠). قال مقاتل: "يعني: جزاء حسنا وَهُوَ الجنة" (١١). قال الزجاج: أي: " جزاء على إيمانهم" (١٢). قال ابن كثير: " ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهو: الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة " (١٣).

стр. 3284

قال الطبري: "يقول: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم، جزاءً على أعمالهم التي عملوها ووفائهم بالعقود التي عاقدوا ربهم عليها، ﴿أجر عظيم﴾، و «العظيم» من خيره غير محدود مبلغه، ولا يعرف منتهاه غيره تعالى ذكره" (١). قال الزمخشري: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، " بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدم لهم وعدا فقيل: أى شيء وعده لهم؟ فقيل: لهم مغفرة وأجر عظيم، وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهون عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب" (٢). علّق أبو حيان على كلام الزمخشري قائلا: " هي تقادير محتملة، والأول أوجهها" (٣). قال القرطبي: في معنى قوله ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: ، "أي: لا تعرف كنهه أفهام الخلق، كما قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وإذا قال الله تعالى: ﴿أجر عظيم﴾، و ﴿أجر كريم﴾ [يس: ١١]، و ﴿أجر كبير﴾ [هود: ١١]، فمن ذا الذي يقدر قدره؟ " (٤). وذكر ابن الجوزي في تفسير هذه الآية قولين (٥): أحدهما: أن المعنى: وعدهم الله أن يغفر لهم ويأجرهم، فاكتفى بما ذكر عن هذا المعنى. والثاني: أن المعنى: وعدهم فقال: لهم مغفرة. الفوائد: ١ - الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد. ٢ - قال ابن عطية: " هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم وبالجنة فهي الأجر العظيم" (٦). القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ١٠] التفسير: والذين جحدوا وحدانية الله الدالة على الحق المبين، وكذَّبوا بأدلته التي جاءت بها الرسل، هم أهل النار الملازمون لها. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ١٠]، أي: " والذين جحدوا وحدانية الله الدالة على الحق المبين" (٧). قال المراغي: " الكفر هنا هو الكفر بالله ورسله، لا فارق فى ذلك بين كفر بالجميع وكفر بالبعض" (٨). قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [المائدة: ١٠]، أي: " وكذَّبوا بأدلته التي جاءت بها الرسل" (٩). قال السعدي: الآيات " الدالة على الحق المبين، فكذبوا بها بعد ما أبانت الحقائق" (١٠). قال المراغي: " وآيات الله قسمان: - آياته المنزلة على رسله. - وآياتها التي أقامها فى الأنفس والآفاق للدلالة على وحدانيته وكماله وقدرته وإرادته، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه" (١١). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠]، أي: " أهل النار الملازمون لها" (١٢). قال النسفي: " أى: لا يفارقونها" (١٣). قال السعدي: أي: " الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه" (١٤). قال ابن كثير: " وهذا من عدله تعالى، وحكمته وحُكْمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحَكَمُ العدل الحكيم القدير" (١٥). قال المراغي: " الجحيم النار العظيمة كما قال تعالى حكاية عن قوم إبراهيم: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] " (١٦). قال الشيخ ابن عثيمين: والجحيم هي النار، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمة مرءاها" (١٧). قال الشربيني: ﴿الجحيم﴾ " أي: النار التي اشتدّ توقدها فاشتدّ احمرارها فلا يراها أحد إلا أحجم عنها فيلقون فيها ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب وهذا من عادة الله إنه يتبع حال أحد الفريقين حال الفريق الآخر وفاء بحق الدعوة وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم" (١٨). قال الزجاج: " الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقد جحم فلان النار إذا شدد وقودها، - ويقال لعين الأسد جحمة لشدة توقدها، ويقال لوقود الحرب، وهو شدة القتال فيها: جاحم. قال الشاعر (١٩): والخيل لا يبقى لجاحمها ... التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في ... النجدات والفرس الوقاح" (٢٠). قال أبو حيان: " في «المؤمنين» (٢١) جاءت الجملة فعلية متضمنة الوعد بالماضي الذي هو دليل على الوقوع، فأنفسهم متشوقة لما وعدوا به، متشوفة إليه مبتهجة طول الحياة بهذا الوعد الصادق. وفي «الكافرين» جاءت الجملة اسمية دالة على ثبوت هذا الحكم لهم، وأنهم أصحاب النار، فهم دائمون في عذاب، إذ حتم لهم أنهم أصحاب الجحيم، ولم يأت بصورة الوعيد، فكان يكون الرجاء لهم في ذلك" (٢٢). الفوائد: ١ - الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد. ٢ - أن هؤلاء الكافرين نفوسهم قد فسدت، وسوء أعمالهم قد ران على قلوبهم، فأصبحوا صما عميا لا يبصرون، لذلك استحقوا العذاب فى نار عظيمة أعدها الله لمن كفر وكذب بآياته.

стр. 3285

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ [المائدة: ١١] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اذكروا ما أنعم الله به عليكم من نعمة الأمنِ، وإلقاءِ الرعب في قلوب أعدائكم الذين أرادوا أن يبطشوا بكم، فصرفهم الله عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم، واتقوا الله واحذروه، وتوكلوا على الله وحده في أموركم الدينية والدنيوية، وثِقوا بعونه ونصره. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أن النبي خرج إلى يهود بني النضير، يستعين بهم في دية، فهمّوا أن يقتلوه، فنزل ذلك فيه، وهذا قول قتادة (١)، وأبي مالك (٢)، ومجاهد (٣)، وعبدالله بن كثير (٤)، ويزيد بن أبي زياد (٥)، وعكرمة (٦)، وذكره مقاتل (٧). وأخرج الطبري عن ابن عباس: " أن قوما من اليهود صَنَعوا لرسول الله وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأتِ الطعام، وأمرَ أصحابه فلم يأتوه" (٨). قال ابن عطية: " أدخل الطبري تحت هذه الترجمة عن ابن عباس خلاف ما ترجم به من أن قوما من اليهود صنعوا للنبي ﷺ وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فيشبه أن ابن عباس إنما وصف قصة بني النضير المتقدمة" (٩). والثاني: روي عن قتادة قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسُطوا إليكم أيديهم ..... ﴾ الآية، ذكر لنا أنها نزلت على رسول الله ﷺ وهو ببَطْنِ نخل في الغَزْوة السابعة، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتِكوا، فأطلعه الله على ذلك. ذكر لنا أن رجلا انتدب لقتله، فأتى نبيَّ الله ﷺ وسيفُه موضوع، فقال: آخذه، يا نبي الله؟ قال: خذه! قال: أستلُّه؟ قال: نعم! فسلَّه، فقال، من يمنعك منِّي؟ قال: الله يمنعُني منك! . فهدّده أصحاب رسول الله ﷺ وأغلظوا له القول، فشامَ السَّيف وأمر نبيُّ الله ﷺ أصحابَه بالرحيل، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك " (١٠). [ضعيف] وروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري: "أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: نعم، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قال فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمد أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: «نعم»، فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فكبته الله ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: «لا»، قال: ألا تخافني وفي يدي السيف؟ قال: «يمنعني الله منك»، ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ " (١١). [ضعيف] وفي السياق نفسه قال الضحاك: "كان سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ خرج ذات ليلة إلى البقيع إلى قبور الشهداء وحده، فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال: إن كنت نبيا كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به. فلم يجترئ للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ثم رد عليه السيف فنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم﴾ " (١٢). قال القرطبي: " وذكر الواقدي وابن أبي حاتم أنه أسلم. وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات" (١٣). قال ابن كثير: " وقصة هذا الأعرابي - وهو غَوْرَث بن الحارث - ثابتة في الصحيح" (١٤). والثالث: أنها نزلت في حق اليهود حين ظاهروا المشركين على رسول الله ﷺ ، هذا قول ابن زيد (١٥). والرابع: وحكى ابن فورك عن الحسن بن أبي الحسن: "أن الآية نزلت بسبب أن قريشا بعثت إلى النبي ﷺ رجلا ليغتاله ويقتله، فأطلعه الله تعالى على ذلك وكفاه شره" (١٦). قال ابن عطية: " ويحسن على هذا القول أن تكون الآية نزلت عقب غزوة الخندق وحين هزم الله الأحزاب" (١٧). والخامس: أنها نزلت في معنى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ [المائدة: ٣]، أي قد أعطيتم الظفر عليهم، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾. قاله الزجاج (١٨). قال أبو حيان: " وقد طولوا بذكر أسباب أخر. وملخص ما ذكروه أن قريشا، أو بني النضير، أو قريظة، أو غورثا، هموا بالقتل بالرسول، أو المشركين هموا بالقتل بالمسلمين، أو نزلت في معنى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ [المائدة: ٣]، قاله الزجاج (١٩)، أو عقيب الخندق حين هزم الله الأحزاب: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب: ٢٥]، والذي تقتضيه الآية أن الله تعالى ذكر المؤمنين بنعمه إذ أراد قوم من الكفار لم يعينهم الله بل أبهمهم أن ينالوا المسلمين بشر، فمنعهم الله، ثم أمرهم بالتقوى والتوكل عليه" (٢٠). قال الطبري: " وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك، قولُ من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية، نعمتَه على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيّهم محمدا ﷺ مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يومَ سار إليهم نبيّ الله ﷺ في الدية التي كان تحمَّلها عن قتيلي عمرو بن أمية، وإنما قلنا

стр. 3286

ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله جل ثناؤه عقًّب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها، وخيانتها ربَّها وأنبياءها. ثم أمر نبيَّه ﷺ بالعفو عنهم، والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلوما بذلك أنه ﷺ لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عَقِيب قوله: ﴿إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ وغيرُهم كان يبسط الأيدي إليهم، لأنه لو كان الذين همُّوا ببسط الأيدي إليهم غيرَهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم، لا عمَّن لم يجر لهم بذلك ذكر ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع، لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك، دون ما خالف " (١). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١١]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله" (٤). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٥). قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]، أي: " اذكروا فضل الله عليكم بحفظه إِياكم من أعدائكم" (٦). قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]، أي: " إذ أراد قوم أن يبطشوا بكم بالقتل والإِهلاك" (٧). قال مجاهد: " هم يهود" (٨). قال السمرقندي: أي: " أرادوا وتمنوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل" (٩). قال البيضاوي: أي: " بالقتل والإهلاك، يقال بسط إليه يده إذا بطش به وبسط إليه لسانه إذا شتمه" (١٠). قال الزمخشري: " معنى: «بسط اليد» مدها إلى المبطوش به" (١١). قوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]، أي: " فصرفهم الله عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم" (١٢). قال السمرقندي: أي: " فكف أيديهم عنكم بالمنع" (١٣). قا البيضاوي: أي: " منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١]، أي: " واتقوا الله واحذروه" (١٥).

стр. 3287

قال المراغي: " أي: واتقوا الله الذي أراكم قدرته على أعدائكم وقت ضعفكم وقوتهم" (١). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]، أي: " وتوكلوا على الله وحده في أموركم الدينية والدنيوية، وثِقوا بعونه ونصره" (٢). قال السمرقندي: " يعني: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم" (٣). قال البيضاوي: أي: " فإنه الكافي لإيصال الخير ودفع الشر" (٤). قال السعدي: " أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم، ويثقوا بالله تعالى في حصول ما يحبون. وعلى حسب إيمان العبد يكون توكله، وهو من واجبات القلب المتفق عليها" (٥). قال المراغي: أي: " وتوكلوا عليه وحده فقد أراكم عنايته بمن يكلون أمورهم إليه بعد مراعاة سننه والسير عليها في اتقاء كل ما يخشى ضره وتسوء عاقبته، لا على أوليائكم وحلفائكم، لأن الأولياء قد تنقطع بهم الأسباب ويجيبون داعى اليأس إذا اشتد البأس، والحلفاء قد يغدرون كما غدر بنو النضير وغيرهم، ولكن المؤمن المتوكل على الله إذا هم أن ييأس تذكر أن الله وليه وهو الذي بيده ملكوت كل شىء، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، فتتجدد قوته ويفر منه اليأس فينصره الله ويخذل أعداءه كما حدث لأولئك الكملة المتوكلين مع سيد المرسلين أيام ضعفهم وقلتهم وفقرهم وتألب الناس كلهم عليهم" (٦). قال ابو حيان: " وجاء الأمر بالتوكل أمر غائب لأجل الفاصلة، وإشعارا بالغلبة، وإفادة لعموم وصف الإيمان، أي: لأجل تصديقه بالله ورسوله يؤمر بالتوكل كل مؤمن، ولابتداء الآية بمؤمنين على جهة الاختصاص وختمها بمؤمنين على جهة التقريب" (٧). الفوائد: ١ - وجوب ذكر النعمة حتى يؤدى شكرها. ٢ - وجوب التوكل على الله تعالى والمضي في أداء ما أوجب الله تعالى. ٣ - قال السعدي: " يذكر تعالى عباده المؤمنين بنعمه العظيمة، ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان، وأنهم -كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم، وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمة - فليعدوا أيضا إنعامه عليهم بكف أيديهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم نعمة. فإنهم الأعداء، قد هموا بأمر، وظنوا أنهم قادرون عليه. فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم، فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك، ويعبدوه ويذكروه، وهذا يشمل كل من هم بالمؤمنين بشر، من كافر ومنافق وباغ، كف الله شره عن المسلمين، فإنه داخل في هذه الآية" (٨). القرآن ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢] التفسير:

стр. 3288

ولقد أخذ الله العهد المؤكَّد على بني إسرائيل أن يخلصوا له العبادة وحده، وأمر الله موسى أن يجعل عليهم اثني عشر عريفًا بعدد فروعهم، يأخذون عليهم العهد بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، وقال الله لبني إسرائيل: إني معكم بحفظي ونصري، لئن أقمتم الصلاة، وأعطيتم الزكاة المفروضة مستحقيها، وصدَّقتم برسلي فيما أخبروكم به ونصرتموهم، وأنفقتم في سبيلي، لأكفِّرنَّ عنكم سيئاتكم، ولأدْخِلَنَّكُم جناتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، فمن جحد هذا الميثاق منكم فقد عدل عن طريق الحق إلى طريق الضلال. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " ولقد أخذ الله العهد المؤكَّد على بني إسرائيل أن يخلصوا له العبادة وحده" (١). قال الحسن: ": اليهود من أهل الكتاب" (٢). قال ابو العالية: " أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له، ولا يعبدُوا غيره" (٣). قال الطبري: ": وهذه الآية أنزلتْ إعلامًا من الله جلّ ثناؤه نبيَّه ﷺ والمؤمنين به، أخلاقَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليهم من اليهود، وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه، من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقِهم وأخلاقِ أسلافهم قديما واحتجاجا لنبيه ﷺ على اليهود، بإطلاعه إيَّاه على ما كان علمه عندَهم دون العرب من خفيّ أمورهم ومكنون علومهم وتوبيخا لليهود في تمادِيهم في الغيّ، وإصرارهم على الكفر، مع علمهم بخطأ ما هم عليه مقيمون، يقول الله لنبيه ﷺ : لا تستعظموا أمرَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما همُّوا به لكم، ولا أمرَ الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسْلافهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على منهاج أوَّلهم وطريق سَلَفِهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " وأمر الله موسى أن يجعل عليهم اثني عشر عريفًا بعدد فروعهم، يأخذون عليهم العهد بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه" (٥). قال أبو عبيدة: " أي: ضامنا ينقب عليهم وهو الأمين والكفيل على القوم" (٦). قال الطبري: أي: " وبعثنا منهم اثنى عشر كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه" (٧). قال ابن عطية: " ونحو هذا كان النقباء ليلة بيعة العقبة مع محمد ﷺ ، وهي العقبة الثالثة بايع فيها سبعون رجلا وامرأتان فاختار رسول الله ﷺ من السبعين اثني عشر رجلا وسماهم النقباء" (٨). وفي معنى «النقيب» هنا ثلاثة اقوال: أحدها: أنه الضمين، وهو قول الحسن (٩). الثاني: الأمين، وهو قول الربيع (١٠). والثالث: الشاهد على قومه، وهو قول قتادة (١١). وأصل «النقيب» فى اللغة: الواسع، فنقيب القوم هو الذي ينقب أحوالهم (١٢).

стр. 3289

والنقيب في كلام العرب، كالعَرِيف على القوم، غير أنه فوق العريف. يقال منه: نَقَب فلان على بني فلان فهو ينقُبُ نَقْبًا، فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا، قيل: قد نَقُبَ فهو ينقُب نَقَابة ومن العريف: عَرُف عليهم يَعْرُف عِرَافَةً. فأما المناكب فإنهم كالأعوان يكونون مع العُرفاء، واحدهم مَنْكِب (١). وفيما بعث فيه هؤلاء النقباء قولان: أحدهما: أنهم بُعِثُوا إلى الجبارين، ليقفوا على أحوالهم ورجعوا بذلك إِلى موسى، فرجعوا عن قتالهم، لمَّا رأوا من شدة بأسهم، وعظم خلقهم، إلا اثنين منهم، وهذا قول مجاهد (٢)، والسدي (٣). والثاني: أنهم بعثوا لقومهم بما أخذ به ميثاقهم منهم، وهذا قول الحسن (٤). قال أبو حيان: "ذكر محمد بن حبيب في «المحبر» (٥) أسماء هؤلاء النقباء الذين اختارهم موسى في هذه القصة، بألفاظ لا تنضبط حروفها ولا شكلها، وذكرها غيره مخالفة في أكثرها لما ذكره ابن حبيب لا تنضبط أيضا (٦). وفي هامش الطبري: وقع تحريف واختلاف بين كتب التاريخ في أسماء الأسباط والنقباء منهم فلتحرر (٧). وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة ابن إسحاق فلينظروا هناك (٨). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " وقال الله لبني إسرائيل: إني معكم بحفظي ونصري" (٩). قال ابن كثير: " أي: بحفظي وكَلاءتي ونصري" (١٠). قال ابن عطية: " معناه بنصري وحياطتي وتأييدي" (١١). قال أبو السعود: " أي: بالعلم والقدرة والنصرة لا بالنصرة فقط فإن تنبيههم على علمه تعالى بكل ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قدرته وملوته مما يحمله على الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه كأنه قيل إني معكم أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك" (١٢). قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " لئن أقمتم الصلاة، وأعطيتم الزكاة المفروضة مستحقيها" (١٣). قال السعدي: أي: ﴿أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: " ظاهرا وباطنا، بالإتيان بما يلزم وينبغي فيها، والمداومة على ذلك، ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾، لمستحقيها" (١٤).

стр. 3290

قال ابن عطية: " وإقامة الصلاة توفية شروطها، والزكاة هنا شيء من المال كان مفروضا فيما قال بعض المفسرين ويحتمل أن يكون المعنى وأعطيتم من أنفسكم كل ما فيه زكاة لكم حسبما ندبتم إليه وقدم هذه على الإيمان تشريفا للصلاة والزكاة وإذ قد علم وتقرر أنه لا ينفع عمل إلا بإيما" (١). قال الربيع بن أنس: "أنّ موسى ﷺ قال للنقباء الاثنى عشر: سيروا إليهم يعني: إلى الجبارين فحدثوني حديثهم، وما أمْرهم، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنًا" (٢). قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " وصدَّقتم برسلي فيما أخبروكم به" (٣). قال ابو السعود: " أي: بجميعهم" (٤). قال السعدي: أي: " جميعهم، الذين أفضلهم وأكملهم محمد ﷺ " (٥). قال ابن كثير: " أي: صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي" (٦). وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «برسلي» ساكنة السين، في كل القرآن (٧). قوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: "ونصرتموهم" (٨). قال ابن عطية: " معناه: وقرتموهم وعظمتموهم ونصرتموهم" (٩). قال أبو السعود: " أي: نصرتموهم وقويتموهم" (١٠). قال السعدي: أي: "عظمتموهم، وأديتم ما يجب لهم من الاحترام والطاعة" (١١). قال ابن كثير: " أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق" (١٢). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، على وجوه: أحدها: ونصرتموهم. وهذا قول مجاهد (١٣)، والسدي (١٤). والثاني: أنه الطاعة والنصرة. وهذا قول عبدالرحمن بن زيد (١٥). والثالث: معناه: أثنيتم عليهم. وهذا قول يونس الحرمري (١٦). والرابع: معناه: نصرتموهم وأعنتموهم ووقّرتموهم وأيّدتموهم، وهذا قول ابي عبيدة (١٧)، وأنشد قول الشاعر (١٨): وَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ... وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ والراجح –والله أعلم- ان معناه: " نصرتموهم. وذلك أن الله جل ثناؤه قال في سورة الفتح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [سورة الفتح:

стр. 3291

٨، ٩] فـ التوقير هو التعظيم. وإذْ كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه: التعظيم وكان النصر قد يكون باليد واللسان، فأما باليد فالذبُّ بها عنه بالسيف وغيِره، وأما باللسان فحُسْن الثناء، والذبّ عن العرض صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولا مما حكينا عنه" (١). وقرأ عاصم الجحدري: «وعزرتموهم»، خفيفة الزاي حيث وقع، وقرأ في سورة الفتح «وتعزوه» [الفتح: ٩]، بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " وأنفقتم في سبيلي" (٣). قال ابن كثير: " وهو: الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته" (٤). قال السعدي: "وهو الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب" (٥). قال الطبري: أي: " وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم قرضا حسنًا يقول: وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدودَ الله وما ندبكم إليه وحثَّكم عليه إلى غيره" (٦). قال القرطبي: " ثم قيل: ﴿حسنا﴾، أي: طيبة بها نفوسكم. وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالا. وقيل: (قرضا) اسم لا مصدر" (٧). قال القرطبي: " أي: بعد الميثاق" (٨). قوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " أي لأمحونَّ عنكم ذنوبكم" (٩). قال الطبري: أي: " لأغطين بعفوي عنكم - وصفحي عن عقوبتكم، على سالف أجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم" (١٠). قال ابن كثير: " أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها، ولا أؤاخذكم بها" (١١). قال ابن عطية: " تكفير السيئات تغطيتها بالمحو والإذهاب فهي استعارة" (١٢). و«الكفر» معناه الجحود، والتغطية، والستر، ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر ويغطي بظلمته فلق النهار، ومنه قول ابن صُعَير المازني (١٣): فَتَذَكَّرَا ثَقلًا رثيدًا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ وكما قال لبيد (١٤): يعلو طريقة متنها متواترٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا يعني: غطاها، فـ التكفير التفعيل من الكَفْر (١٥).

стр. 3292

قوله تعالى: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " ولأدْخِلَنَّكُم جناتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار" (١). قال الطبري: أي: " ولأدخلنكم مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار" (٢). قال ابن كثير: " أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود " (٣). قال السعدي: " فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب عليها من العقوبات" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " فمن جحد هذا الميثاق منكم" (٥). قال السعدي: " العهد والميثاق المؤكد بالأيمان والالتزامات، المقرون بالترغيب بذكر ثوابه" (٦). قال الطبري: اي: " فمن جحد منكم، يا معشر بني إسرائيل، شيئا مما أمرته به فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي" (٧). قال ابن كثير: " أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عَقْده وتوكيده وشدَه، وجحده وعامله معاملة من لا يعرفه" (٨). قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " فقد عدل عن طريق الحق إلى طريق الضلال" (٩). قال القرطبي: " أي: أخطأ قصد الطريق" (١٠). قال الطبري: أي: "فقد أخطأ قصدَ الطريق الواضح، وزلَّ عن منهج السبيل القاصد" (١١). قال ابن كثير: " أي: فقد أخطأ الطريق الحق، وعدل عن الهدى إلى الضلال" (١٢). قال أبو السعود: " أي: وسط الطريق الواضح ضلالا بينا وأخطأه خطأ فاحشا لا غذر معه أصلا بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن ان يكون له شبهة ويتوهم له معذرة" (١٣). قال ابن عطية: " سواء السبيل وسطه ومنه سواء الجحيم [الصافات: ٥٥]، ومنه قول الأعرابي: قد انقطع سوائي، وأوساط الطرق هي المعظم اللاحب منها" (١٤). قال السعدي: " أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون من حرمان الثواب، وحصول العقاب" (١٥). الفوائد: ١ - الحث على الوفاء بالالتزامات الشرعية.

стр. 3293

٢ - إبطال استغراب واستعظام من يستغرب من اليهود مكرهم ونقضهم وخبثهم ويستعظم ذلك منهم. ٣ - إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله تعبد الله بها من قبل هذه الأمة. ٤ - وجوب تعظيم الرسول ﷺ ونصرته في أمته ودينه. ٥ - في الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فتركب عليه الأحكام، ويرتبط به الحلال والحرام، وقد جاء أيضا [مثله في الإسلام، قال ﷺ لهوازن: "ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" (١) (٢). ٦ - قال القرطبي: "وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس. والتجسس: التبحث. وقد بعث رسول الله ﷺ بسبسة عينا (٣) " (٤). القرآن ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣] التفسير: فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة طردناهم من رحمتنا، وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان، يبدلون كلام الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة، وتركوا نصيبًا مما ذُكِّروا به، فلم يعملوا به. ولا تزال -أيها الرسول- تجد من اليهود خيانةً وغَدرًا، فهم على منهاج أسلافهم إلا قليلا منهم، فاعف عن سوء معاملتهم لك، واصفح عنهم، فإن الله يحب مَن أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة طردناهم من رحمتنا" (٥). قال الزجاج: " أي: باعدناهم من الرحمة" (٦). وفي المراد بهذه «اللعنة»، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التعذيب بالجزية، قاله ابن عباس (٧). والثاني: التعذيب بالمسخ، قاله الحسن (٨)، ومقاتل (٩). والثالث: الإبعاد من الرحمة، قاله عطاء (١٠)، والزجاج (١١)، والسمرقندي (١٢).

стр. 3294

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان" (١). قال أبو عبيدة: " أي: يابسة صلبة من الخير" (٢). قال النحاس: أي: " ليست بخالصة الايمان، أي: فيها نفاق" (٣). قال السمرقندي: " يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان" (٤). قال مقاتل: " يعني: قست قلوبهم عن الإيمان بمحمد- ﷺ " (٥). و«القاسية»: اسم فاعل، من قسوة القلب، من قول القائل: قَسَا قلبه، فهو يقسُو وهو قاسٍ، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابسًا صلبًا (٦)، كما قال الراجز (٧): وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي قال الزجاج: " أي: يابسة، يقال للرجل الرحيم: لين القلب، وللرجل غير الرحيم: قاسي القلب ويابس القلب، والقاسي في اللغة، والقاسح - بالحاء -: الشديد الصلابة" (٨). وقرأ حمزة والكسائي «قَسِيّةً» (٩)، وفيه تأويلان: أحدهما: أنها أبلغ من قاسية. اختاره الطبري (١٠)، والنحاس (١١). قال أبو جعفر النحاس: " وهذا قول حسن، لأنه يقال درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره قال أبو جعفر وأولى ما فيه أن تكون «قسية» بمعنى: قاسية، مثل زكية وزاكية، الا أن «فعيلة» أبلغ من «فاعلة»، فالمعنى جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الايمان والتوفيق لطاعتي لان القوم لم يوصفوا بشئ من الايمان فتكون قلوبهم موصوفة فان ايمانها خالطه كفر كالدراهم القسية التي خالطها غش " (١٢). كما قال أبو زُبَيْد الطائي (١٣):

стр. 3295

لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ يصف بذلك وقع مَسَاحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي السِّلام (١). قال الطبري: " وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك، قراءة من قرأ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً﴾ على فعيلة، لأنها أبلغ في ذم القوم من: قاسية، وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: فعيلة من القسوة، كما قيل: نفس زكيّة وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقَهم وكفرِهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التي يخالط فضَّتها غشٌّ" (٢). والثاني: أنها بمعنى قاسية. قاله السمرقندي (٣). وآخرون. قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " يبدلون كلام الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة" (٤). قال الثعلبي: أي"يغيرون ما فيه من الأحكام" (٥). قال ابن كثير: " أي: يتأولونه على غير تأويله " (٦). قال البيضاوي: " كنعت محمد ﷺ ، وآية الرجم، أو تأويله، فيفسرونه بما يشتهون" (٧). وتحريف الشيء: "إحالته من حال إلى حال" (٨). وفي تحريفهم «الكلم»، أقوال (٩): أحدها: تغيير حدود التوراة، قاله ابن عباس (١٠). والثاني: تغيير صفة محمد ﷺ ، قاله مقاتل (١١)، والسمرقندي (١٢). والثالث: تفسيره على غير ما أنزل، قاله الزجاج (١٣). والرابع: أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم. وهذا قول الجمهور (١٤). والخامس: أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل، ولفظ التوراة باق. قاله ابن عباس أيضا (١٥). قال مجاهد (١٦) والسدي (١٧)، وابن زيد (١٨): أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم. قال القرطبي: " وهذا توبيخ لهم" (١٩).
следующие страницы →