← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

٨، ٩] فـ التوقير هو التعظيم. وإذْ كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه: التعظيم وكان النصر قد يكون باليد واللسان، فأما باليد فالذبُّ بها عنه بالسيف وغيِره، وأما باللسان فحُسْن الثناء، والذبّ عن العرض صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولا مما حكينا عنه" (١). وقرأ عاصم الجحدري: «وعزرتموهم»، خفيفة الزاي حيث وقع، وقرأ في سورة الفتح «وتعزوه» [الفتح: ٩]، بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " وأنفقتم في سبيلي" (٣). قال ابن كثير: " وهو: الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته" (٤). قال السعدي: "وهو الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب" (٥). قال الطبري: أي: " وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم قرضا حسنًا يقول: وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدودَ الله وما ندبكم إليه وحثَّكم عليه إلى غيره" (٦). قال القرطبي: " ثم قيل: ﴿حسنا﴾، أي: طيبة بها نفوسكم. وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالا. وقيل: (قرضا) اسم لا مصدر" (٧). قال القرطبي: " أي: بعد الميثاق" (٨). قوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " أي لأمحونَّ عنكم ذنوبكم" (٩). قال الطبري: أي: " لأغطين بعفوي عنكم - وصفحي عن عقوبتكم، على سالف أجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم" (١٠). قال ابن كثير: " أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها، ولا أؤاخذكم بها" (١١). قال ابن عطية: " تكفير السيئات تغطيتها بالمحو والإذهاب فهي استعارة" (١٢). و«الكفر» معناه الجحود، والتغطية، والستر، ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر ويغطي بظلمته فلق النهار، ومنه قول ابن صُعَير المازني (١٣): فَتَذَكَّرَا ثَقلًا رثيدًا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ وكما قال لبيد (١٤): يعلو طريقة متنها متواترٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا يعني: غطاها، فـ التكفير التفعيل من الكَفْر (١٥).

стр. 3292

قوله تعالى: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " ولأدْخِلَنَّكُم جناتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار" (١). قال الطبري: أي: " ولأدخلنكم مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار" (٢). قال ابن كثير: " أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود " (٣). قال السعدي: " فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب عليها من العقوبات" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " فمن جحد هذا الميثاق منكم" (٥). قال السعدي: " العهد والميثاق المؤكد بالأيمان والالتزامات، المقرون بالترغيب بذكر ثوابه" (٦). قال الطبري: اي: " فمن جحد منكم، يا معشر بني إسرائيل، شيئا مما أمرته به فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي" (٧). قال ابن كثير: " أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عَقْده وتوكيده وشدَه، وجحده وعامله معاملة من لا يعرفه" (٨). قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: " فقد عدل عن طريق الحق إلى طريق الضلال" (٩). قال القرطبي: " أي: أخطأ قصد الطريق" (١٠). قال الطبري: أي: "فقد أخطأ قصدَ الطريق الواضح، وزلَّ عن منهج السبيل القاصد" (١١). قال ابن كثير: " أي: فقد أخطأ الطريق الحق، وعدل عن الهدى إلى الضلال" (١٢). قال أبو السعود: " أي: وسط الطريق الواضح ضلالا بينا وأخطأه خطأ فاحشا لا غذر معه أصلا بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن ان يكون له شبهة ويتوهم له معذرة" (١٣). قال ابن عطية: " سواء السبيل وسطه ومنه سواء الجحيم [الصافات: ٥٥]، ومنه قول الأعرابي: قد انقطع سوائي، وأوساط الطرق هي المعظم اللاحب منها" (١٤). قال السعدي: " أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون من حرمان الثواب، وحصول العقاب" (١٥). الفوائد: ١ - الحث على الوفاء بالالتزامات الشرعية.

стр. 3293

٢ - إبطال استغراب واستعظام من يستغرب من اليهود مكرهم ونقضهم وخبثهم ويستعظم ذلك منهم. ٣ - إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله تعبد الله بها من قبل هذه الأمة. ٤ - وجوب تعظيم الرسول ﷺ ونصرته في أمته ودينه. ٥ - في الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فتركب عليه الأحكام، ويرتبط به الحلال والحرام، وقد جاء أيضا [مثله في الإسلام، قال ﷺ لهوازن: "ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" (١) (٢). ٦ - قال القرطبي: "وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس. والتجسس: التبحث. وقد بعث رسول الله ﷺ بسبسة عينا (٣) " (٤). القرآن ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣] التفسير: فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة طردناهم من رحمتنا، وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان، يبدلون كلام الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة، وتركوا نصيبًا مما ذُكِّروا به، فلم يعملوا به. ولا تزال -أيها الرسول- تجد من اليهود خيانةً وغَدرًا، فهم على منهاج أسلافهم إلا قليلا منهم، فاعف عن سوء معاملتهم لك، واصفح عنهم، فإن الله يحب مَن أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة طردناهم من رحمتنا" (٥). قال الزجاج: " أي: باعدناهم من الرحمة" (٦). وفي المراد بهذه «اللعنة»، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التعذيب بالجزية، قاله ابن عباس (٧). والثاني: التعذيب بالمسخ، قاله الحسن (٨)، ومقاتل (٩). والثالث: الإبعاد من الرحمة، قاله عطاء (١٠)، والزجاج (١١)، والسمرقندي (١٢).

стр. 3294

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان" (١). قال أبو عبيدة: " أي: يابسة صلبة من الخير" (٢). قال النحاس: أي: " ليست بخالصة الايمان، أي: فيها نفاق" (٣). قال السمرقندي: " يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان" (٤). قال مقاتل: " يعني: قست قلوبهم عن الإيمان بمحمد- ﷺ " (٥). و«القاسية»: اسم فاعل، من قسوة القلب، من قول القائل: قَسَا قلبه، فهو يقسُو وهو قاسٍ، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابسًا صلبًا (٦)، كما قال الراجز (٧): وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي قال الزجاج: " أي: يابسة، يقال للرجل الرحيم: لين القلب، وللرجل غير الرحيم: قاسي القلب ويابس القلب، والقاسي في اللغة، والقاسح - بالحاء -: الشديد الصلابة" (٨). وقرأ حمزة والكسائي «قَسِيّةً» (٩)، وفيه تأويلان: أحدهما: أنها أبلغ من قاسية. اختاره الطبري (١٠)، والنحاس (١١). قال أبو جعفر النحاس: " وهذا قول حسن، لأنه يقال درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره قال أبو جعفر وأولى ما فيه أن تكون «قسية» بمعنى: قاسية، مثل زكية وزاكية، الا أن «فعيلة» أبلغ من «فاعلة»، فالمعنى جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الايمان والتوفيق لطاعتي لان القوم لم يوصفوا بشئ من الايمان فتكون قلوبهم موصوفة فان ايمانها خالطه كفر كالدراهم القسية التي خالطها غش " (١٢). كما قال أبو زُبَيْد الطائي (١٣):

стр. 3295

لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ يصف بذلك وقع مَسَاحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي السِّلام (١). قال الطبري: " وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك، قراءة من قرأ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً﴾ على فعيلة، لأنها أبلغ في ذم القوم من: قاسية، وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: فعيلة من القسوة، كما قيل: نفس زكيّة وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقَهم وكفرِهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التي يخالط فضَّتها غشٌّ" (٢). والثاني: أنها بمعنى قاسية. قاله السمرقندي (٣). وآخرون. قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " يبدلون كلام الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة" (٤). قال الثعلبي: أي"يغيرون ما فيه من الأحكام" (٥). قال ابن كثير: " أي: يتأولونه على غير تأويله " (٦). قال البيضاوي: " كنعت محمد ﷺ ، وآية الرجم، أو تأويله، فيفسرونه بما يشتهون" (٧). وتحريف الشيء: "إحالته من حال إلى حال" (٨). وفي تحريفهم «الكلم»، أقوال (٩): أحدها: تغيير حدود التوراة، قاله ابن عباس (١٠). والثاني: تغيير صفة محمد ﷺ ، قاله مقاتل (١١)، والسمرقندي (١٢). والثالث: تفسيره على غير ما أنزل، قاله الزجاج (١٣). والرابع: أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم. وهذا قول الجمهور (١٤). والخامس: أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل، ولفظ التوراة باق. قاله ابن عباس أيضا (١٥). قال مجاهد (١٦) والسدي (١٧)، وابن زيد (١٨): أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم. قال القرطبي: " وهذا توبيخ لهم" (١٩).

стр. 3296

قال ابن عطية: "وأن ذلك [التحريف] ممكن في التوراة، لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن، لأن الله تعالى ضمن حفظه" (١). قوله تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " وتركوا نصيبًا مما ذُكِّروا به، فلم يعملوا به" (٢). قال السدي: " تركوا نصيبًا" (٣). قال الزجاج: " تركوا نصيبا مما ذكروا به" (٤). قال الحسن: " تركوا عُرَى دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التي لا تُقْبل الأعمال إلا بها" (٥). قال الطبري: أي: " ونسوا حظًّا وتركوا نصيبا، وهو كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٧] أي: تركوا أمر الله فتركهم الله" (٦). قال السمرقندي: " يعني: تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم" (٧). قال ابن الجوزي: " «النسيان» هاهنا: الترك عن عمد. و «الحظ»: النصيب، وفي معنى ذكروا به قولان: أحدهما: أمروا. والثاني: أوصوا" (٨). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " ولا تزال -أيها الرسول- تجد من اليهود خيانةً وغَدرًا، فهم على منهاج أسلافهم إلا قليلا منهم" (٩). قال قتادة: "على خيانة وكذب وفجور" (١٠). قال الزجاج: " ﴿خائنة﴾، في معنى: خيانة، المعنى: لا تزال تطلع على خيانة منهم ... ويجوز أن يكون - والله أعلم - على خائنة أن على فرقة خائنة" (١١). قال مجاهد: " هم يهودُ مِثْلُ الذي هموا به من النبي ﷺ يوم دخل حائطهم" (١٢). قال السمرقندي: " يعني: لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد" (١٣). قال ابن قتيبة: " والخيانة والخائنة واحد" (١٤)، "أي: غدر ونكث، ويقال لعاصي المسلمين: خائن، لأنّه مؤتمن على دينه. قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: ٢٧]. يريد المعاصي، وقال الله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧] أي: رتخونونها بالمعصية" (١٥).

стр. 3297

قال أبو حيان: " أي: هذه عادتهم وديدنهم معك، وهم على مكان أسلافهم من خيانة الرسل وقتلهم الأنبياء. فهم لا يزالون يخوفونك وينكثون عهودك، ويظاهرون عليك أعداءك، ويهمون بالقتل بك، وأن يسموك" (١). وقال أبو عبيدة: " ﴿عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، أي: على خائن منهم، والعرب تزيد الهاء فى المذكّر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علّامة، وقال الكلابىّ (٢): حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفَاءِ ولَمْ تَكُنْ ... لِلغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ وقد قال قوم بل ﴿خائنة منهم﴾، هاهنا الخيانة، والعرب قد تضع لفظ «فاعلة» فى موضع المصدر كقولهم للخوان مائدة ... " (٣). وقرأ الأعمش: «على خيانة منهم» (٤). وفي الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، وجوه: أحدها: أن الاستثناء في الاشخاص، والمستثنون: عبد الله بن سلام وأصحابه. قاله: ابن عباس. والثاني: أن الاستثنا في الأفعال أي: إلا فعلا قليلا منهم، فلا تطلع فيه على خيانة. وهذا قول ابن عطية. والثالث: وقيل: الاستثناء من قوله: ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣]، والمراد به المؤمنون، فإن القسوة زالت عن قلوبهم، قال أبو حيان: "وهذا فيه بعد" (٥). والظاهر في الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، "أنه من الأشخاص في هذه الجملة، والمستثنون عبد الله بن سلام وأصحابه" (٦). قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " فاعف عن سوء معاملتهم لك، واصفح عنهم" (٧). وفي نسخ قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، قولان (٨): أحدهما: أن حكمها ثابت فى الصفح والعفو إذا رآه، لأنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد، فغدروا، وأرادوا قتل النبي ﷺ فأظهره الله عليهم، ثم أنزل الله هذه الآية، ولم تنسخ.

стр. 3298

والثاني: أنه منسوخ، قاله الجمهور (١)، وفى الذي نسخه ثلاثة أقوال (٢): أحدها: آية السيف. والثاني: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَومِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وهذا قول قتادة (٣). والثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافُنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيهِم عَلَى سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]. قال الطبري: يجوز أن يعفى عنهم في غدرة فعلوها، ما لم ينصبوا حربا، ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصغار، فلا يتوجه النسخ (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: " فإن الله يحب مَن أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه" (٥). الفوائد: ١ - حرمة نقض المواثيق ونكث العهود ولا سيما ما كان بين العبد وربه. ٢ - الخيانة وصف لازم لأكثر اليهود فقل من سلم منهم من هذا الوصف. ٣ - استحباب العفو عند القدرة، وهو من خلال الصالحين. ٤ - ومنها: أن أهل الزيغ هكذا يجدون سبيلا إلى مقاصدهم السيئة بتحريف كلام الله وتأويله على غير وجهه، فإن عجَزوا عن التحريف والتأويل تركوا ما لا يتفق مع أهوائهم مِن شرع الله الذي لا يثبت عليه إلا القليل ممن عصمه الله منهم. ٥ - أن الحقيقة التي لا شك فيها هي أن اليهود أضاعوا التوراة وتركوا العمل بها فضلوا عن سبيل الله القويم وصراطه المستقيم، وذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه. ٦ - أَنه لايسلم للْيَهُود صِحَة كتبهمْ المقدسة لديهم وَمَا احْتَجُّوا بهَا من نُصُوص، فقد أثبت الْقُرْآن الْكَرِيم أَنهم تجرؤا على كتب الله الْمنزلَة على أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل بالتحريف والتزوير والتغيير قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ أَنه لايسلم للْيَهُود صِحَة كتبهمْ المقدسة لديهم وَمَا احْتَجُّوا بهَا من نُصُوص، فقد أثبت الْقُرْآن الْكَرِيم أَنهم تجرؤا على كتب الله الْمنزلَة على أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل بالتحريف والتزوير والتغيير قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. القرآن ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤] التفسير: وأخذنا على الذين ادَّعوا أنهم أتباع المسيح عيسى -وليسوا كذلك- العهد المؤكد الذي أخذناه على بني إسرائيل: بأن يُتابعوا رسولهم وينصروه ويؤازروه، فبدَّلوا دينهم، وتركوا نصيبًا مما ذكروا به، فلم يعملوا به، كما صنع اليهود، فألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون يوم الحساب، وسيعاقبهم على صنيعهم. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: " وأخذنا على الذين ادَّعوا أنهم أتباع المسيح عيسى -وليسوا كذلك- العهد المؤكد الذي أخذناه على بني إسرائيل: بأن يُتابعوا رسولهم وينصروه ويؤازروه" (٦). قال القرطبي: " أي: في التوحيد والإيمان بمحمد ﷺ ، إذ هو مكتوب في الإنجيل" (٧).

стр. 3299

قال ابن كثير: " أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم ﵇، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي: ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق ونقضوا العهود" (١). وفي قولهم: ﴿إنا نصارى﴾، ولم يقل «من النصارى»، دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها، روي معناه عن الحسن (٢). قال ابن عطية: " علق كونهم نصارى بقولهم ودعواهم، من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين الله، وسموا به أنفسهم دون استحقاق ولا مشابهة بين فعلهم وقولهم، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم مزحزحة عن طريق نصر دين الله وأنبيائه" (٣). قوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: " فبدَّلوا دينهم، وتركوا نصيبًا مما ذكروا به، فلم يعملوا به، كما صنع اليهود" (٤). قال النحاس: " أي تركوا حظا من الكتاب الذي وعظوا به وذكروا به، وجعلوا ذلك الترك والتحريف سببا للكفر بمحمد ﷺ " (٥). قال القرطبي: " وهو الإيمان بمحمد ﵊، أي: لم يعملوا بما أمروا به وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد ﷺ " (٦). قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: " فألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" (٧). قال الطبري: أي: " حرّشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء" (٨). قال الزجاج: "صاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا، منهم النسطورية، واليعقوبية والملكانية، وهم الروم، فكل فرقة منهم تعادي الأخرى" (٩). قال السمعاني: " معناه: ألصقنا بهم العداوة حتى صاروا فرقا، وأحزابا، منهم اليعقوبية والملكائية، والنسطورية" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]، وجوه (١١): أحدها: أي: هيجنا. قاله القرطبي (١٢). والثاني: ألصقنا بهم، مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه، وهذا قول الاصمعي (١٣)، واختيار الزجاج (١٤)، والزمخشري (١٥)، وابن عطية (١٦). والثالث: أن الإغراء: تسليط بعضهم على بعض. حكاه الرماني (١٧).

стр. 3300

والرابع: أن الإغراء: التحريش، وأصله اللصوق، قال كثير (١): إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا ... غراء ومدتها حوافل نهل قال ابن كثير: " أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا؛ فكل فرقة تُحَرم الأخرى ولا تدعها تَلجُ معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (٢). واختلف أهل التأويل في صفة إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة، والبغضاء، وفيه قولان: أحدهما: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حَدَثت بينهم. وهذا قول إبراهيم النخعي (٣)، واختيار الطبري (٤). والثاني: أن ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء. وهذا قول قتادة (٥)، واختيار النحاس (٦)، والسمرقندي (٧).

стр. 3301

قال النحاس: " وأحسن ما قيل في معنى فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء أن الله تعالى أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار" (١). والراجح-والله أعلم-: أنه "أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم، كما قال إبراهيم النخعي، لأن عداوة النصارى بينَهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواءٌ، لا وحيٌ من الله" (٢). قال السمرقندي: "يقال: ألقى بينهم العداوة بالجدال والخصومات في الدين، وذلك يحبط الأعمال. وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال" (٣). واختلف أهل التفسير في المعنيِّ بـ «الهاء والميم» اللتين في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ [المائدة: ١٤]، وفيه وجهان: أحدهما: عني بذلك اليهود والنصارى. فمعنى الكلام على قولِهم وتأويلهم: فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظًّا مما ذكّروا به. وهذا قول مجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، وابن زيد (٧). والثاني: عنى الله بذلك النصارَى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بين النصارى، عقوبةً لها بنسيانها حظًّا مما ذكرت به. قالوا: وعليها عادت الهاء والميم في بينهم، دون اليهود. وهذا قول الربيع (٨)، والطبري (٩)، والزجاج (١٠)، والنحاس (١١). قال النحاس: " والأولى أن يكون للنصارى، لأنهم أقرب" (١٢). قال الإمام الطبري: ": وأولى التأولين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أنّ المعنيّ بالإغراء بينهم، النصارى، في هذه الآية خاصة وأنّ الهاء والميم عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر الإغراء في خبر الله عن النصارى، بعد تقضِّي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبَره عن النصارى، فلأنْ يكون ذلك معنيًّا به النصارى خاصًّة، أولى من أن يكون معنيًّا به الحزبان جميعًا، لما ذكرنا" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: " وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون يوم الحساب، وسيعاقبهم على صنيعهم" (١٤). قال الواحدي: " وعيدٌ لهم" (١٥). قال الطبري: أي: " وسينبئهم الله عند ورودهم عليه في معادهم، بما كانوا في الدنيا يصنعون، من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم" (١٦).

стр. 3302

قال مقاتل: " يعني: بما يقولون من الجحود والتكذيب وذلك أن النسطورية قالوا: إن عيسى ابن الله. وقالت: المار يعقوبية إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالت عبادة الملك: إن الله- ثالث ثلاثة- هو إله وعيسى إله، ومريم إله، افتراء على الله- ﵎ وإنما الله إله واحد وعيسى عبد الله ونبيه- ﷺ كما وصف الله- سبحانه- نفسه «أحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (١) " (٢). قال ابن كثير: "وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب، ، وتعالى وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا، من جعلهم له صاحبة وولدا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفوًا أحد" (٣). قال ابن عطية: " توعدهم الله تعالى بعقاب الآخرة إذ أنباؤهم بصنعهم إنما هو تقرير وتوبيخ للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار" (٤). الفوائد: ١ - ذم النصارى بنقض الميثاق، كما ذم اليهود وجعل عقوبتهم إيقاع العداوة والبغضاء بينهم. ٢ - أن حال النصارى لا تختلف كثيراً عن حال اليهود كأنهم شربوا من ماء واحد. وعليه فلا يستغرب منهم الشر ولا يؤمنون على سر، فهم على عداوة الإسلام والحرب عليه متعاونون متواصون. ٣ - ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من سننه تعالى في خلقه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء إذا تركوا شيئا من شرعه ولم يعملوا به، فقال عن النصارى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ [المائدة: ١٤]. وقد اختلفت هذه الأمة كما اختلف من قبلها من الأمم؛ مصداقا لقوله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (٥)، وظهرت فيها الفرق التي أخبر عنها النبي ﷺ في حديث الافتراق، وادعت كل فرقة أنها على الحق وما عداها على الباطل. ولكن مع وجود هذا الاختلاف والتفرق، فلا يزال في الأمة طائفة منصورة قائمة بالحق، داعية إليه، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك. ولذلك اهتم سلف هذه الأمة بالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والأهواء، وكثرت أقوالهم ومؤلفاتهم في هذه المسألة. فكتبت كتب كثيرة في السنة وبيان منهج السلف الصالح، وفي الرد على أهل الأهواء والبدع. ومن هذه الكتب الكثيرة، كتاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "الرد على الجهمية"، وكتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وكتاب "السنة" لمحمد بن نصر المروزي، وكتاب "الشريعة" للآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، وغير ذلك من كتب السلف رضوان الله عليهم (٦). وبعض هذه الكتب، عني فيها مؤلفوها بالكتابة في التحذير من الأهواء والبدع، فألف ابن وضاح القرطبي كتابه "البدع والنهي عنها"، وألف أبو بكر الطرطوشي كتابه "الحوادث والبدع"، وألف أبو شامة كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، ولكن اقتصرت هذه

стр. 3303

الكتب -في الغالب- على النقل المجرد للنصوص الواردة في التحذير من البدع والنهي عنها، دون تحليل لمعانيها، وتحقيق مسائلها، مما جعل الإمام الشاطبي يقوم بتصنيف كتابه الفذ "الاعتصام"، الذي أشار رحمه الله تعالى فيه إلى هذه الكتب السابقة، ومأخذه عليها، فقال: "وإذا استقام هذا الأصل -أي كتب العلم لحفظ الدين- فاحمل عليه كتب العلم من السنن وغيرها إذا خيف عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في الأحاديث؛ من الأمر بكتب العلم، وأنا أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه من هذا القبيل؛ لأني رأيت باب البدع في كلام العلماء مغفلا جدا إلا من النقل الجلي؛ كما نقل ابن وضاح، أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفي الغليل بالتفقه فيه كما ينبغي، ولم أجده على شدة بحثي عنه، إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشي، وهو يسير في جنب ما يحتاج إليه فيه، وإلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين والسبعين، وهو فصل من فصول الباب وجزء من أجزائه، فأخذت نفسي بالعناء فيه، عسى أن ينتفع واضعه، وقارئه، وناشره، وكاتبه، والمنتفع به، وجميع المسلمين" (١). القرآن ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥] التفسير: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ يبيِّن لكم كثيرًا مما كنتم تُخْفونه عن الناس مما في التوراة والإنجيل، ويترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين: وهو القرآن الكريم. سبب النزول: قال عكرمة: "إنّ نبيّ الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيتٍ، قال: أيُّكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صُوريا، فقال: أنت أعلمهم؟ قال، سل عما شئت، قال، أنت أعلمهم؟ قال: إنهم ليزعمون ذلك! قال: فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطُّور، وناشده بالمواثيق التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أفْكَل، فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل، فاختصرنا أُخصورةً، فجلدنا مئة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدواب أحسبه قال: الإبل قال: فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾، الآية وهذه الآية: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٧٦] " (٢). [ضعيف] وقال ابن جريج: "لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي ﷺ على الرجم أنه في كتابهم، وقال: لكنا نخفيه؛ فنزلت: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك" (٣). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: " يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى" (٤). قال الزمخشري: " خطاب لليهود والنصارى" (٥). قال السمعاني: " المراد به: أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل، لكن ذكر الكتاب، وهو اسم الجنس، فينصرف إلى الفريقين" (٦).

стр. 3304

قال البيضاوي: " يعني: اليهود والنصارى، ووحد الكتاب لأنه للجنس" (١). وقيل: أن المراد: اليهود خاصة (٢). قال القرطبي: " الكتاب: اسم جنس بمعنى الكتب، فجميعهم مخاطبون" (٣). قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: " قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ يبيِّن لكم كثيرًا مما كنتم تُخْفونه عن الناس مما في التوراة والإنجيل" (٤). عن قتادة: " ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا﴾، وهو محمد- ﷺ " (٥). قال الطبري: " يقول: يبين لكم محمّد رسولنا، كثيرًا مما كنتم تكتمونه الناسَ ولا تُبينونه لهم ممّا في كتابكم. وكان مما يخفونه من كتابهم فبيَّنه رسولُ الله ﷺ للناس: رَجْمُ الزَّانيين المحصنين" (٦). قال القرطبي: " يعني محمد ﷺ . ﴿يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾، أي: من كتبكم، من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة، فإنهم كانوا يخفونها" (٧). قال السمعاني: " يعني: اللذين أخفوا من نعت محمد وآية الرجم، ونحو ذلك" (٨). قال ابن كثير: " يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة: أنه قد أرسل رسوله محمدًا بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيّهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل .. يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه " (٩). قال ابن عباس: " من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسوُلنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾، فكان الرجمُ مما أخفوا" (١٠). وقرأ الحسن: «قد جاءكم رسولنا يبين لكم»، أدغم النون في اللام لقربها منها (١١). قوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: " ويترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة" (١٢). قال ابن كثير: " ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه" (١٣). قال القرطبي: " أي: يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه" (١٤). قال السمعاني: " يعني: يعرض عن كثير مما أخفوا، فلا يتعرض له" (١٥). قال الراغب: " أي: يتجافى من إظهار كثير مما يخفونه" (١٦).

стр. 3305

قال ابن الجوزي: أي: " يتجاوز، فلا يخبرهم بكتمانه" (١). قا البغوي: " أي: يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له ولا يؤاخذكم به" (٢). قال الزمخشري: " ﴿ويعفو عن كثير﴾ مما تخفونه، لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بد من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة" (٣). قال القرطبي: " يعني: يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي ﷺ فسأله فقال: يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله عليه وسلم ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبين له رسول الله ﷺ قام من عنده فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول: لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه" (٤). قال الشوكاني: " ﴿ويعفوا عن كثير﴾ مما تخفونه، فيترك بيانه لعدم اشتماله على ما يجب بيانه عليه من الأحكام الشرعية، فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرد افتضاحكم وقيل المعنى: إنه يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به وقيل: يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم" (٥). فان قيل: كيف كان له أن يمسك عن حق كتموه فلا يبينه؟ فعن ذلك جوابان، ذكرهما ابن الجوزي (٦): أحدهما: أنه كان متلقيا ما يؤمر به، فإذا أمر باظهار شيء من أمرهم، أظهره، وأخذهم به، وإلا سكت. والثاني: أن عقد الذمة إنما كان على أن يقروا على دينهم، فلما كتموا كثيرا مما أمروا به، واتخذوا غيره دينا، أظهر عليهم ما كتموه من صفته وعلامة نبوته، لتتحقق معجزته عندهم، واحتكموا إليه في الرجم، فأظهر ما كتموا مما يوافق شريعته، وسكت عن أشياء ليتحقق إقرارهم على دينهم. قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين: وهو القرآن الكريم" (٧). قال الزمخشري: " يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافيا عن الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز من اتبع رضوانه من آمن به سبل السلام طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله" (٨). قال ابن عطية: " قوله : ﴿نور وكتاب مبين﴾، يحتمل: أن يريد محمدا ﷺ والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل: أن يريد موسى ﵇ والتوراة، أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، إذ هي آمرة بذلك مبشرة به" (٩). وفى «النور»، ثلاثة أقوال: أحدها: محمد ﷺ ، وهو قول الزجاج (١٠)، والبغوي (١١).

стр. 3306

قال الزجاج: " النور هو: محمد ﷺ والهدى أو النور هو الذي يبين الأشياء، ويرى الأبصار حقيقتها، فمثل ما أتى به النبي ﷺ في القلوب في بيانه وكشفه الظلمات كمثل النور" (١). الثاني: القرآن. وهو قول بعض المتأخرين (٢). والثالث: الإسلام، وسمي نور، لأنه يهتدى به كما يهتدي بالنور. حكاه السمعاني (٣). الفوائد: ١ - عموم رسالته ﷺ لجميع الأمم. ٢ - إن هذه الآية من أعظم الأدلة على صحة رسالة محمد ﷺ حيث جاء بالدين القويم والصراط المستقيم. ٣ - أن القرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة، فاضح لما حرفه اليهود والنصارى، ولما كتموه من الحق. ٤ - أن نور القرآن والسنة لا يهتدي به إلا المؤمن الذي يتعلمهما، ليعمل بهما. ٥ - الاعتقاد الجازم بنسخ جميع الكتب والصحف التي أنزلها الله على رسله، بالقرآن الكريم، وأنه لا يسع أحدًا من الإنس أو الجن، لا من أصحاب الكتب السابقة، ولا من غيرهم، أن يعبدوا الله بعد نزول القرآن بغير ما جاء فيه أو يتحاكموا إلى غيره. ٦ - قال الراغب: " هذه الآية النعم الثلاث التي خص بها العباد وهي: - النبوة والعقل والكتاب" (٤). القرآن ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦] التفسير: يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضا الله تعالى، طرق الأمن والسلامة، ويخرجهم بإذنه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويوفقهم إلى دينه القويم. قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، أي: " يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضا الله تعالى، طرق الأمن والسلامة" (٥). قال السمعاني: " أي: يهدي به الله سبل السلام من اتبع رضوانه" (٦). قال الزمخشري: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، أي: " من آمن به، ﴿سبل السلام﴾، طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله" (٧). قال ابن عطية: " ﴿واتبع رضوانه﴾، معناه: بالتكسب والنية والإقبال عليه، و «السبل» الطرق" (٨). قال القرطبي: " ﴿من اتبع رضوانه﴾، أي: ما رضيه الله، ﴿سبل السلام﴾، طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة" (٩).

стр. 3307

قال السعدي: " أي: يهدي به من اجتهد وحرص على بلوغ مرضاة الله، وصار قصده حسنا -سبل السلام التي تسلم صاحبها من العذاب، وتوصله إلى دار السلام، وهو العلم بالحق والعمل به، إجمالا وتفصيلا" (١). قال الزجاج: " السبل: الطرق، فجائز أن يكون - والله أعلم - طرق السلام أي طرق السلامة التي من ملكها سلم في دينه، وجائز أن يكون - والله أعلم - سبل السلام، طرق الله، والسلام اسم من أسماء الله" (٢). قال أبو علي: " ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾، أي: سبل دار السلام، بدلالة قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام: ١٢٧]، وتكون إضافة الدار إلى السلام على أحد وجهين: إمّا أن يراد به الإضافة إلى السلام الذي هو اسم من أسماء الله على وجه التعظيم لها والرفع منها، كما قيل للكعبة: بيت الله، وللخليفة: عبد الله. وإمّا أن يراد بالسلام جمع سلامة، كأنّه: دار السلامة التي لا يلقون في حلولها عنتا ولا تعذيبا، كما قال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥]." (٣). عن السدي: " ﴿من اتبع رضوانه سبل السلام﴾، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية" (٤). وإن قلتَ: "كيف قال ذلكَ، مع أن العبد ما لم يهده الله لا يتَّبع رضوانه فيلزم الدَّورُ؟ قلتُ: فيه إِضْمارٌ تقديرُه: يهدي به اللَّهُ منْ علِم أنه يريد أن يتَّبع رضوانه، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، أي: والّذين أرادوا سبيل المجاهدة لنهدينهم سبيل مجاهدتنا" (٥). قال ابن عاشور: " و «سبل السلام»: طرق السلامة التي لا خوف على السائر فيها، وللعرب طرق معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة، مثل وادي السباع، الذي قال فيه سحيم بن وثيل الرياحي (٦): مررتُ على وادى السِّباعِ ولا أَرى ... كوادى السِّباع حين يُظلمُ وادِيا أقلَّ به ركْبٌ أتَوْه تَئيّةً ... وأخوفَ، إلاّ ما وَقى اللهُ، ساريا فسبيل السلام استعارة لطرق الحق" (٧). قال الحازمي: " طرق مرضاته يجمعها سبيله الواحد يعني ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾، المراد به أنواع العبادات الصلاة، والصيام، والزكاة هذه متعددة، لكنها تجمع قدرًا مشتركًا وهو عبادة الله تعالى وحده" (٨). وقرأ عبيد بن عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب: «به الله»، بضم الهاء حيث وقع مثله (٩). قوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]، أي: " ويخرجهم بإذنه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان" (١٠). قال الطبري: " يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه، بإذن الله جل وعز" (١١). قال القرطبي: " أي: من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات، بتوفيقه وإرادته" (١٢). قال ابن كثير: " أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أنجب الأمور، وينفي عنهم الضلالة" (١٣). قال السعدي: أي من: " ظلمات الكفر والبدعة والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور الإيمان والسنة والطاعة والعلم، والذكر. وكل هذه الهداية بإذن الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]، أي: " ويوفقهم إلى دينه القويم" (١٥). قال الطبري: أي: " ويرشدهم ويسددهم إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه" (١٦). قال ابن كثير: أي: "ويرشدهم إلى أقوم حالة" (١٧). قال المحاسبي: " فضمن الله لمتبعه: الْهَدْي لطريق السَّلامَة، والسلوك للطريق الْمُسْتَقيم" (١٨). قال ابن عاشور: " «الصراط المستقيم» مستعار للإيمان" (١٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]، وجهان: أحدهما: طريق الحق وهو دين الله، وهذا قول الحسن (٢٠). والثاني: طريق الجنة فى الآخرة، وهو قول بعض المتكلمين (٢١). الفوائد: ١ - أن الهداية والصلاح والفلاح لمن اتبع القرآن والسنة وتمسك بذلك، وأن اتباع السنة المحمدية يهدي صاحبه إلى سعادته وكماله. ٢ - القرآن حجة على الناس كافة لبيانه الحق في كل شيء. ٣ - طالب رضا الله بصدق يفوز بكل خبر وينجو من كل ضير. ٤ - لقد تميزت الرسالة الخاتمة بالشمول لجميع متطلبات البشر، والعموم لجميع أجناسهم في كل مكان وزمان، فهي تحمل التعريف الصحيح بالله وحقه والكون والحياة، وعن مبدأ الإنسان ودوره في الحياة، ومصيره بعد الممات. كما تضمنت النظام الكامل السديد لعلاقة البشر مع خالقهم ومع بعضهم البعض ٥ - وذكر سبحانه للكتاب ثلاث فوائد: احدها: إن المتبع لما يرضى الله بالإيمان بهذا الكتاب- يهديه إلى الطرق التي يسلم بها فى الدنيا والآخرة من كل ما يبعده عن الشقاء والهلاك، فيقوم فى الدنيا بحقوق الله

стр. 3308

والحقوق الواجبة عليه لنفسه (روحية كانت أو جسدية) وللناس، ويكون فى الآخرة منعما نعيما روحيا وجسديا. وخلاصة ذلك: إنه يتبع دينا يجد فيه ما يوصله إلى السلامة من الشقاء فى الدنيا والآخرة، لأنه دين الإخلاص والعدل والمساواة. والثاني: إنه يخرج معتنقيه من ظلمات الوثنية والأوهام والخرافات التي أفسد بها الرؤساء جميع الأديان- إلى نور التوحيد الخالص الذي يجعل صاحبه حرا كريما بين يدى الخلق خاضعا للخاللق وحده. والثالث: إنه يهدى إلى الطريق الموصل إلى المقصد والغاية من الدين إذا اعتصم به من اتبعه على الوجه الصحيح الذي أنزل لأجله، كما عمل بذلك أهل الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. أفاده المراغي (١). القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧] التفسير: لقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح بن مريم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح إلهًا كما يدَّعون لقَدرَ أن يدفع قضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا، وقد ماتت أم عيسى فلم يدفع عنها الموت، كذلك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه; لأنهما عبدان من عباد الله لا يقدران على دفع الهلاك عنهما، فهذا دليلٌ على أنه بشر كسائر بني آدم. وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله، يخلق ما يشاء ويوجده، وهو على كل شيء قدير. سبب النزول: قال مقاتل: " نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما" (٢). أخرج الطبري (٣)، وابن المنذر عن ابن جريج (٤)، في قوله جل وعز: " ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ قال: بلغنا أن نصارى نجران قدم وفدهم على النبي ﷺ بالمدينة منهم السيد، والعاقب، وأخبرت أن معهما عبد المسيح، وهما يومئذ سيدا أهل نجران، فقالوا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا؟ قال: " ومن صاحبكم "، قالوا: عيسى بن مريم، تزعم أنه عبد، قال النبي ﷺ : " أجل هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم "، فغضبوا، وقالوا: إن كنت صادقا فأرنا عبدا يحيي الموتى يبرئ الأكمه، والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ولكنه الله، فسكت النبي ﷺ حتى جاءه جبريل ﵉، فقال: يا محمد ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ هذه الآية قال النبي ﷺ : " إنهم قد سألوني أن أخبرهم مثل عيسى "، قال جبريل: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون إلى قوله: فمن حاجك فيه﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، أي: " لقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح بن مريم" (٦).

стр. 3309

قال الطبري: " يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، و «كفرهم» في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه، [و] هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام واحتجاجٌ منه لنبيه محمد ﷺ في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا" (١). قال عبدالقاهر الجرجاني: " دخل في [الآية] كل نصراني اعتقد أن المسيح أو شيء فيه حادث غير محدث، أو ادعى ثلاث أقنومات أو أقنومين" (٢). قال الزمخشري: " قولهم: ﴿إن الله هو المسيح﴾، معناه بت القول، على أن حقيقة الله هو المسيح لا غير، قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك. وقيل: ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدى إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيى ويميت ويدبر أمر العالم" (٣). قال البيضاوي: " هم الذين قالوا بالاتحاد منهم، وقيل: لم يصرح به أحد منهم ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتا وقالوا لا إله إلا الله واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم" (٤). وفي تسميته بالمسيح أقوال: أحدها: أنه سمّي بذلك لكثرة سياحته. حكاه ابن كثير عن بعض السلف (٥). والثاني: لأنه مُسِحَ بالبركة، وهذا قول الحسن (٦) وسعيد (٧). والثالث: أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب. وأن المسيح: الصدّيق. قاله إبراهيم (٨) وهو اختيار الإمام الطبري (٩). والرابع: وقيل: لأنه كان مسيح القدمين: أي لا أخْمَص لهما (١٠). والخامس: وقيل: المسيح بمعنى الماسح، لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى، فيمسح عين الأعمى والأعور فيبصر (١١). والسادس. ان المسيح: الملك. قاله الكلبي (١٢)، وأبو عمرو بن علاء (١٣). والسابع: وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. قاله أبو سليمان الدمشقي (١٤). والثامن: أن المسيح ضد المسيخ، يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. قاله أبو الهيثم (١٥). والتاسع: وقيل: أن المسيح أصله بالعبرانية "مشيحا" بالشين، فعرّب كما عرّب: موشى بموسى. قاله أبو عبيدة (١٦). والقول الأول أشهر، وعليه الأكثر، فـ"سمي به، لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبئت المقدس، فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض

стр. 3310

محنة، وابن مريم يمسحها منحة، وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول (١). ومنه قول الشاعر (٢): إنَّ الْمَسِيحَ يَقْتُلُ الْمَسِيحَا قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧]، أي: " قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح إلهًا كما يدَّعون لقَدرَ أن يدفع قضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا" (٣). قال مقاتل: " قل لهم يا محمد: فمن يقدر أن يمتنع من الله شيئا من شيء من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا بعذاب أو بموت فمن الذي يحول بينه وبين ذلك" (٤). قال الثعلبي: " أي: من يطيق أن يدفع من أمر الله شيئا فيرده إذا أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا" (٥). قال الزمخشري: أي: " فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئا إن أراد أن يهلك من دعوه إلها من المسيح وأمه دلالة على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد، وأراد بعطف ﴿من في الأرض﴾ على: ﴿المسيح ابن مريم وأمه﴾ أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية" (٦). قال القرطبي: " أي: فمن يقدر أن يمنع من ذلك شيئا؟ فأعلم الله تعالى أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع الموت عنها، فلو أهلكه هو أيضا فمن يدفعه عن ذلك أو يرده" (٧). قال ابن عطية: " أي: لا مالك ولا راد لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره فهذا مما تقضي العقول معه أن من تنفذ الإرادة فيه ليس بإله" (٨). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٧]، أي: " وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله" (٩). قال الطبري: أي: " والله له تصريف ما في السموات والأرض وما بينهما" (١٠). قال مقاتل: " يقول: إليه سلطان السموات والأرض وما بينهما من الخلق، ﴿يخلق ما يشاء﴾، يعني: عيسى شاء أن يخلقه من غير بشر" (١١). قال القرطبي: أي: "والمسيح وأمه بينهما مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للإلهية" (١٢). قال ابن عطية: " ثم قرر تعالى ملكه في السموات والأرض وما بينهما فحصل المسيح ﵇ أقل أجزاء ملك الله تعالى" (١٣).

стр. 3311

قال عبدالقاهر الجرجاني: " وإنما خصّ [السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، لاستيعاب غاية جهات فوق وغاية جهات تحت ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الحيوان والنبات وغيرهما" (١). قال السمعاني: " فيه إشارة إلى أن المستحق للألوهية من له ملك السموات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا" (٢). وقد ذكر ﴿السموات﴾ بلفظ الجمع، ولم يقل: "وما بينهن"، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي (٣): طَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَاهِمِي، أَقْرِيهِمَا ... قُلُصًا لَوَاقِحَ كَالقِسِيِّ وَحُولا فقال: "طرقا"، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: "فتلك هَمَاهمي"، فرجع إلى معنى الكلام (٤). قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٧]، أي: " يخلق ما يشاء ويوجده" (٥). قال مقاتل: " من خلق عيسى من غير بشر وغيره من الخلق" (٦). قال الزمخشري: أي: " أى يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم. أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك. فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده" (٧). قال الطبري: أي: " وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟ " (٨). قال ابن عطية: " قوله تعالى: ﴿يخلق ما يشاء﴾ ـ إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعا كآدم ﵇" (٩). قال السمرقندي: " ثم قال: ﴿يخلق ما يشاء﴾، لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون: لو كان عيسى بشرا كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب" (١٠). قال عبدالقاهر الجرجاني: قوله: : ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ " يدل على أنه يخلق اختيارًا واقتدارًا من غير احتياج واضطرار" (١١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]، أي: " وَاللَّه عَلَى كُلّ شيْء قَدِيرٌ فلا يعجزه شيء" (١٢).

стр. 3312

قال ابن عطية: " عموم معناه الخصوص في ما عدا الذات والصفات والمحالات، و «الشيء» في اللغة هو الموجود" (١). قال الطبري: أي: " الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا، لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك" (٢). قال الرازي: " في الآية سؤال، وهو أن أحدا من النصارى لا يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به. وجوابه: أن كثيرا من الحلولية يقولون: إن الله تعالى قد يحل في بدن إنسان معين، أو في روحه، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إن قوما من النصارى ذهبوا إلى هذا القول، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى، وذلك لأنهم يقولون: أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى ﵇، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتا أو صفة، فإن كان ذاتا فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول" (٣). الفوائد: ١ - مواجهة القرآن الكريم للوثنيات التي تسربت إلى المسيحية، وهي ثنيات تتشابه وتتشابك في الشكل والموضوع، فسجل كفر النصارى وقولهم إن المسيح هو الله. ٢ - كفر من ينسب إلى الله تعالى ما هو منزه عنه من سائر النقائص، وفي الآية الرد على شبه النصارى وأكاذيبهم. ٣ - أن كل ما سوى الله فقير إليه لذاته وكل من في السموات والأرض عبيد له مقهورون لقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته والهيته مثقال ذرة. ٤ - إن حقيقة التوحيد توجب تفرُّد الله تعالى بصفات الربوبية والألوهية، فلا يشاركه أحد من خلقه في ذلك، وكثيرًا ما يقع الناس في الشرك والضلال بغلوهم في الأنبياء والصالحين، كما غلا النصارى في المسيح، فالكون كله لله، والخلق بيده وحده، وما يظهر من خوارق وآيات مَرَدُّه إلى الله. يخلق سبحانه ما يشاء، ويفعل ما يريد. ٢ - ومن اسمائه تعالى: «القدير»: إذ "وصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور" (٤). القرآن ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة: ١٨] التفسير: وزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قل لهم -أيها الرسول-: فَلأيِّ شيء يعذِّبكم بذنوبكم؟ فلو كنتم أحبابه ما عذبكم، فالله لا يحب إلا من أطاعه، وقل لهم: بل أنتم خلقٌ مثلُ سائر بني آدم، إن أحسنتُم جوزيتم بإحسانكم خيرا، وإن أسَأْتُم جوزيتم بإساءتكم شرًّا، فالله يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو مالك الملك، يُصَرِّفه كما يشاء، وإليه المرجع، فيحكم بين عباده، ويجازي كلا بما يستحق.

стр. 3313

سبب النزول: قال ابن عباس-﵄: "أتى رسول الله ﷺ نعمان بن أُحي وبحري بن عمرو وشاس بن عدي، فكلموه؛ فكلمهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى؛ فأنزل الله -جل وعزّ- فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية" (١). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: " وزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه" (٢). قال النسفي: " أي أعزة عليه كالابن على الأب أو أشياع ابني الله عزير والمسيح كما قيل لأشباع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون كما كان يقول رهط مسيلمة نحن أبناء الله ويقول أقرباء الملك وحشمه نحن أبناءالملوك أو نحن أبناء رسل الله" (٣). قال السدي: " أما أبناء الله، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة آل عمران: ٢٤]. وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله" (٤). وعن السدي ايضا: " أما قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك - بكرك من الولد - فيدخلهم النار فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم يناد مناد أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل. فأخرجوهم، فذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] " (٥). قال السعدي: " والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح" (٦). والعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: نحن الأجواد الكرام، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير (٧): نَدَسْنَا أَبَا مَنْدُوسَةَ القَيْنَ بِالقَنَا ... وَمَارَ دَمٌ مِنْ جَارِ بَيْبَةَ نَاقعُ فقال: نَدَسْنَا، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه (٨).

стр. 3314

قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: " قل لهم -أيها الرسول-: فَلأيِّ شيء يعذِّبكم بذنوبكم؟ فلو كنتم أحبابه ما عذبكم، فالله لا يحب إلا من أطاعه" (١). قال السعدي: أي: " فلو كنتم أحبابه ما عذبكم لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضيه" (٢). قال النسفي: " أي: فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أياماً معدودة على زعمكم وهل يمسخ الأب ولده وهل يعذب الوالد ولده بالنار" (٣). قال أبو السعود: " أي: إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وقد عرفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم" (٤). قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: " وقل لهم: بل أنتم خلقٌ مثلُ سائر بني آدم" (٥). قال النسفي: " أي: أنتم خلق من خلقه لا بنوه" (٦). قال أبو السعود: " أي: لستم كذلك بل أنتم بشر من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم" (٧). قال ابن كثير: " أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو تعالى هو الحاكم في جميع عباده" (٨). قال الطبري: أي: " قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه بل أنتم بشر ممن خلق، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها" (٩). قال السعدي: اي: " تجري عليكم أحكام العدل والفضل" (١٠). قال القرطبي: " فرد عليهم قولهم فقال: ﴿فلم يعذبكم بذنوبكم﴾، فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين: - إما أن يقولوا: هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم إذا أبناءه وأحباءه، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرون بعذابه، فذلك دليل على كذبكم- وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف-. - أو يقولوا: لا يعذبنا، فيكذبوا ما في كتبهم، وما جاءت به رسلهم، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم. وقيل: معنى ﴿يعذبكم﴾ عذبكم، فهو بمعنى المضي، أي فلم مسخكم قردة وخنازير؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم؟ لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا، بل يحتج عليهم بما عرفوه" (١١). قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: " فالله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" (١٢).

стр. 3315

قال السدي: " يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه" (١). قال السعدي: اي: " إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب" (٢). قال الطبري: أي: " يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها، ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه" (٣). قال أبو السعود: " ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله ﴿ويعذب من يشاء﴾ أن يعذبه منهم وهم الذين كفروا به وبرسله مثلكم" (٤). قال ابن كثير: " أي: هو فعال لما يريد، لا مُعَقِّب لحكمه وهو سريع الحساب " (٥). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٨]، أي: " وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله" (٦). قال النسفي: " فيه تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والنبوة متنافيان" (٧). قال الطبري: أي: " لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك" (٨). قال ابن كثير: " أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه" (٩). قال السعدي: " أي: فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة، وأنتم من جملة المماليك" (١٠). قال أبو السعود: أي: "من الموجودات لا ينتمي إليه سبحانه شيء منها إلا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيهم كيف يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وايماتة وايثابة وتعذيبا فأنى لهم ادعاء ما زعموا" (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: " وإليه المرجع، فيحكم بين عباده، ويجازي كلا بما يستحق" (١٢). قال القرطبي: " أي: يئول أمر العباد إليه في الآخرة" (١٣). قال ابن كثير: " أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور" (١٤). قال الطبري: أي: " وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف" (١٥).

стр. 3316

قال أبو السعود: أي: " في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلال أو اشتراكا فيجازي كلا من المحسن والمسيء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه" (١). قال السعدي: أي: وانتم "من جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم" (٢). قال الحسن البصري: " ابن آدم! لا يغرنك أن تقول: المرء مع من أحب؛ فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم، وإن اليهود والنصارى ليحبون أنبياءهم، ولا والله؛ ما يحشرون معهم، ولا يدخلون في زمرتهم، وإنهم لحطب جهنم هم لها واردون " (٣). الفوائد: ١ - بطلان دعوى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه بالدليل العقلي. ٢ - نسبة المخلوقات لله تعالى لا تتجاوز كونها مخلوقة له مملوكة يتصرف فيها كما شاء ويحكم فيها بما يريد. ٣ - تحريف اليهود والنصارى لمفهوم علاقة البشرية بالله إلى بنوة-والعياذ بالله- ٤ - يستفاد من الآية: أن المحبة نوعان: أحدهما: المحبة الشكرية: وهي كل محبة تغر في الدين وتبعث على الاكتفاء بها دون الجد في الصالحات وتحري المشروع منها، ولا تثمر ربط القلوب وصلتها بعضها ببعض إذا اتحدت على الشهادتين، ولا توجب النفور من كل من يحاول هدم تعاليم الإِسلام، ولا تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تعود صاحبها على استعذاب العذاب في خدمة المبدإ الحق المجمل في الشهادتين، وهذه المحبة الشركية هي التي ردها الله على مشركي قريش وضلال اليهود والنصارى بآية آل عمران المتقدمة، وبقوله في المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]. والثاني: المحبة الشرعية: وهي المبنية على الإيمان والعمل الصالح، وأنها النجاة من العذاب، وأفاد حديث " الصحيحين " عن أنس ﵁؛ أنه ﷺ قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (٤). وقد نقل في " كشف الخفاء " عن بعض العلماء بعدما أورد حديث «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ورواياته أنه: " مشروط بشرط، وعنى ﷺ : أنه إذا أحبهم عمل بمثل أعمالهم " (٥). وفي هذا المعنى قال عبدالله بن المبارك (٦): تعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه ... هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه ... إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ قال السمرقندي: " والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حبا له" (٧). وحكى عن البيهقي، "أن رجلًا من أهل بغداد سأل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقاً في حب مولاه؛ فقال: إذا خلا من خلافه كان صادقاً في حبه، فوضع الرجل التراب على رأسه وصاح وقال: كيف أدعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه؟ ! فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: صادق في حبه، مقصر في حقه" (٨).

стр. 3317

القرآن ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة: ١٩] التفسير: يا أيها اليهود والنصارى قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ ، يُبيِّن لكم الحق والهدى بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله بإرسال عيسى ابن مريم; لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فلا عُذرَ لكم بعد إرساله إليكم، فقد جاءكم من الله رسولٌ يبشِّر مَن آمن به، ويُنذِر مَن عصاه. والله على كل شيء قدير من عقاب العاصي وثواب المطيع. سبب النزول: قال ابن عباس ﵄: "قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود اتقوا الله؛ فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهودا: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده؛ فأنزل الله في قولهما: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: " يا أيها اليهود والنصارى" (٢). قال ابن عطية: " خطاب لليهود والنصارى" (٣). قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: " قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ ، يُبيِّن لكم الحق والهدى بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله بإرسال عيسى ابن مريم " (٤). قال السمعاني: " أي: على انقطاع من الرسل" (٥). قال الزمخشري: " أى: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحى" (٦). قال الزجاج: " ﴿على فترة من الرسل﴾، أي: على انقطاع، لأن النبي ﷺ بعث بعد انقطاع الرسل لأن الرسل كانت إلى وقت رفع عيسى تترى، أي متواترة، يجيء بعضها في إثر بعض" (٧). قال القرطبي: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾: "أي سكون، يقال فتر الشيء سكن. وقيل: ﴿على فترة﴾ على انقطاع ما بين النبيين، عن أبي علي وجماعة أهل العلم، حكاه الرماني، قال: والأصل فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه، من قولهم: فتر عن عمله وفترته عنه، ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى البرد، وامرأة فاترة الطرف أي

стр. 3318

منقطعة عن حدة النظر، وفتور البدن كفتور الماء، والفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتهما، والمعنى، أي: مضت للرسل مدة قبله" (١). والمشهور أن: ﴿على فترة﴾، أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، على أقوال: أحدها: أنها كانت ستمائة سنة. وهذا قول أبو عثمان النَّهْديّ (٢)، وقتادة - في رواية عنه- (٣). والثاني: أنها كانت خمسمائة وستون سنة. وهذا مروي عن سلمان الفارسي، وقتادة أيضا (٤). والثالث: أنها خمسمائة وأربعون سنة. وهذا قول معمر عن بعض اصحابه (٥). والرابع: أنها كانت أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. قاله الضحاك (٦). والخامس: وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى، ﵇ عن الشعبي أنه قال: "ومنْ رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة" (٧). والسادس: قال الكلبي: "كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبى وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم أربعة أنبياء، ثلاث من بنى إسرائيل، وواحد من العرب: خالد بن سنان العبسي (٨) " (٩). وأشهر الأقوال أنها ستمائة سنة (١٠). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: " ; لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فلا عُذرَ لكم بعد إرساله إليكم" (١١). قال البيضاوي: أي: " كراهة أن تقولوا ذلك وتعتذروا به" (١٢). قال القرطبي: " أي لئلا أو كراهية أن تقولوا، ﴿ما جاءنا من بشير﴾، أي: مبشر، ﴿ولا نذير﴾، أي: منذر" (١٣). قال الطبري: " يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على انقطاع من الرسل" (١٤). قال المراغي: " أي إننا إنما بعثناه إليكم كراهة أن تقولوا ما جاءنا من بشير يبشرنا بحسن العاقبة للمؤمنين، وينذرنا بسوء عاقبة المفسدين الضالين" (١٥).

стр. 3319

قال الزمخشري: " أى: لا تعتذروا فقد جاءكم ... والمعنى: الامتنان عليهم، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحى أحوج ما يكون إليه، ليهشوا إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله، وفتح باب إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غدا بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم" (١). قال الكوفيون: "معناه: أن لا تقولوا: وقال البصريون معناه: كراهة أن تقولوا" (٢). قال الزجاج: " قال بعضهم: معناه: أن لا تقولوا ما جاءنا من بشير، أي بعث الله النبي ﷺ لئلا تقولوا ما جاءنا من بشير، ومثله قوله : ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، معناه: أن لا تضلوا. وقال بعضهم: أن تقولوا: معناه كراهة أن تقولوا، وحذفت كراهة، كما قال جل وعز: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، معناه: سل أهل القرية" (٣). قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: " فقد جاءكم من الله رسولٌ يبشِّر مَن آمن به، ويُنذِر مَن عصاه" (٤). قال البيضاوي: "أي: لا تعتذروا بـ ﴿ما جاءنا﴾، فقد جاءكم" (٥). قال المراغي: أي: " يبين لكم أمر النجاة والخلاص والسعادة الأبدية، وأنها منوطة بالإيمان والأعمال، وأن الله لا يحابى أحدا" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: " والله على كل شيء قدير من عقاب العاصي وثواب المطيع" (٧). قال القرطبي: " أي: على إرسال من شاء من خلقه. وقيل: قدير على إنجاز ما بشر به وأنذر منه" (٨). قال البيضاوي: " وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكونون إليه" (٩). قال المراغي: " ومن دلائل قدرته نصر نبيه ﷺ وإعلاء كلمته فى الدنيا، وفى ذلك رمز لكم إن كنتم من ذوى الأحلام إلى ما يكون له من المنزلة فى الدار الآخرة" (١٠). الفوائد: ١ - أن الله تعالى قد أرسل رسوله محمدا ﷺ إلى اليهود والنصارى وغيرهم من العرب والعجم فكان خاتم النبيين المعقب لهم. ٢ - قطع عذر أهل الكتاب بإرسال الرسول محمد ﷺ على حين فترة من الرسل. ٣ - ومن الفوئاد: أنه لن يدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فخاطب -سبحانه- أهل الكتاب من اليهود والنصارى في هذه الآية بأنه بعث إليهم رسوله محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم، والحاجة إليه أعم.

стр. 3320

٤ - ومنها: أن النبوة قد ختمت، وفيه الرد على الإمامية الذين يعتقدون أنه لا يخلو زمان من نبي أو وصي قائم مقامه، وهو يعلمون أن بعث النبي أو نصب الوصي واجب عليه تعالى، ولا يعتقد أهل السنة وجوب شيء على البارى تعالى. وعقيدة الشيعة هذه مخالفة للكتاب والعترة، أما الكتاب فلأن كثيرا من آياته تدل على وجود زمن الفترة وخلوه عن النبوة وآثارها، كما قال الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترةٍ من الرسل﴾ وغيرها من الآيات. وأيضا تدل آيات كثيرة بالصراحة على ختم النبوة كقوله تعالى ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وأما أخبار الأئمة في هذا الباب فأزيد من الحد والإحصاء، وقد تواتر عن الإمام علي-﵁ في صفة الصلاة على النبي في كتب الإمامية هذه العبارة «اللَّهُمَّ داحي المدحوات وبارىء المسموكات وجبار الْقُلُوب على فطراتها شقيها وسعيدها اجْعَل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق» (١). وأيضا ورد في بعض خطب الإمام علي-﵁-المتواترة عند الشيعة هذه العبارة «أرسله على فترة من الرسل، وطول هجعه بين الأمم» (٢)، إلى أن قال «وأمين وحيه وخاتم وبشير رحمته ونذير نقمته» (٣)، وهذه الخطبة كما تدل على ختم النبوة كذلك تدل على وقوع الفترة أيضا (٤). ٥ - ومن اسمائه تعالى: «القدير»: إذ "وصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور" (٥). روي البيهقي عن عبد العزيز قال الحليمي، قال: "و «القدير»: التام القدرة لا يلابس قدرته عجز بوجه" (٦). القرآن ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠] التفسير: واذكر -أيها الرسول- إذ قال موسى ﵇ لقومه: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكًا تملكون أمركم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه، وقد منحكم من نعمه صنوفًا لم يمنحها أحدًا من عالَمي زمانكم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: " واذكر -أيها الرسول- إذ قال موسى ﵇ لقومه" (٧). قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم" (٨). قال ابن عباس: " يقول: عافية الله " (٩). قال ابن عيينة: " أيادي الله عندكم وأيَّامه" (١٠).

стр. 3321

قال المراغي: " أي: واذكر أيها الرسول الكريم لبنى إسرائيل وسائر من تبلغهم دعوتك حين قول موسى لقومه بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه وأخرجهم من ذلك البلد الظالم أهله يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم واشكروه على ذلك بالطاعة له، لأن ذلك يوجب مزيدها كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وتركها يوجب المؤاخذة والعذاب الشديد كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ [إبراهيم: ٧] " (١). قال الطبري: و"الله لم يخصص من النعم شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها" (٢). قال السعدي: " ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾، بقلوبكم وألسنتكم. فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة" (٣). قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: " إذ جعل فيكم أنبياء" (٤). قال ابن كثير: " أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده. وكذلك كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى، ﵇، ثم أوحى الله تعالى إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم، ﵇، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم ﷺ " (٥). وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، وجهان (٦): أحدهما: أنهم الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى. والثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: " وجعلكم ملوكًا تملكون أمركم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه" (٧). قال قتادة: " كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَم من بني آدم ومَلَكوا" (٨). وقال ابن شَوْذَب: "كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم، واستؤذن عليه، فهو ملك" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، أقوال: أحدها: لأنهم مَلَكوا أنفسهم بأن خلصهم من استعباد القبط لهم، وهذا قول الحسن (١٠). والثاني: لأن كل واحد ملك نفسه وأهله وماله، وهذا قول السدي (١١). والثالث: لأنهم كانوا أول من ملك الخدم من بني آدم، وهو قول قتادة (١٢). والرابع: أنهم جُعِلُوا ملوكاً بالمَنِّ والسَّلْوَى والحَجَر، وهذا قول ابن عباس (١٣). والخامس: وقيل: المعنى: جعلكم ذوي منازل لا يُدْخَلُ عليكم فيها إلا بإذن (١٤).

стр. 3322

والسادس: أن الملك مركب وخادم ودار. وهذا قول الحسن أيضا (١). والسابع: أن كل من ملك داراً وزوجة وخادماً، وفهو ملك من سائر الناس، وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص (٢)، وابن عباس-في ر رواية عنه- (٣)، والحسن (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦). وقد روى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له بيت يأوي إليه وزوجة وخادم، فهو ملك" (٧). قال ابن كثير: " هذا مرسل غريب. وقال مالك: بيت وخادم وزوجة" (٨). وعن أبو عبد الرحمن الحبلي قال: "سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك" (٩). وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: "كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كُتِب ملكا" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: " وقد منحكم من نعمه صنوفًا لم يمنحها أحدًا من عالَمي زمانكم" (١١). قال ابن كثير: " يعني عالمي زمانكم، فكأنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]، وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠] " (١٢). واختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين على ثلاثة أقوال: أحدها: المن والسلوى والغمام والحجر، وهو قول مجاهد (١٣). الثاني: أنه الدَّار والخادِم والزوجة. وهذا قول ابن عباس (١٤). والثالث: كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم (١٥). والصواب-والله أعلم- هو قولُ من قال: " ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين﴾، في سياق قوله: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾، ومعطوفٌ عليه، ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله: "وآتاكم ما

стр. 3323

لم يؤت أحدًا من العالمين" مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية. فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم" (١). واختلف فيمن عنوا بالخطاب في وفي قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، على قولين: أحدهما: عني به أمة محمد ﷺ . وهذا قول أبي مالك (٢)، وسعيد بن جبير (٣). والثاني: عُنِي به قوم موسى ﷺ . وهذا قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥). والراجح-والله أعلم- انه خطاب من موسى ﷺ لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان. ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه ﷺ ، أحد من العالمين (٦). قال ابن كثير: " الجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم، والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا، وأكرم نبيا، وأعظم ملكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، وأدوم عزا، قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها، عند الله، عند قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ من سورة آل عمران" (٧). ويمكن القول بأن المقصود بالتفضيل الوارد في هذه الآية الكريمة ثلاثة وجوه، وهي: أحدها: إنّ المقصود بالعالم في الآية الجمع الكثير من الناس، وعلى هذا يكون تفضيل بني إسرائيل على مجموعةٍ من الناس لا على جميع البشر، والدليل على ذلك مأخوذٌ من قولِ الله في سورة الأنبياء: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]، فالمُراد بالعَالمين الواردة في الآية لا يشمل جَميع الناس، إنّما هو مَخصوصٌ بفئةٍ مُعيّنة من الخلق، وكذلك الأمر بالنسبة للأرض لا يُراد بها كلّ بقاعها وإنّما إشارة إلى أرض مُعيّنة ومخصوصة. والثاني: المقصود بالتفضيل هنا أي بما أفاض الله عليهم من النعم دون غيرهم، والتي خصَّهم بها عن الناس، بالإضافة إلى جعل النبوة والملك في أسلافهم، وذلك باعتبار أنّ الخطاب كان موجهاً لهم وقت نزول القرآن الكريم، ودليل ذلك قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. والثالث: المقصود بالتفضيل الوارد في الآية هو فقط في زمانهم، والدليل على ذلك قول الله : ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. وبه قال قتادة (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبو العالية (١١). وهذا مذهب الجمهور (١٢). الفوائد:

стр. 3324

١ - أن شعب بني إسرائيل تفضّل الله عليهم بكثير من النعم، وبعث فيهم كثيراً من الأنبياء والرسل لدعوتهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر والفساد. ٢ - من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمداً ﷺ . ٣ - ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾. ٤ - وقد بين لهم موسى أصناف هذه النعم التي منحها لهم مولاهم وحصرها فى ثلاثة أشياء: أحدها: -وهو أرفعها قدرا وأعلاها ذكرا-، أنه جعل كثيرا منهم أنبياء كموسى وهرون ومن كان قبلهما، وقد حكى ابن جرير أن السبعين الذين اختارهم موسى ليصعدوا معه الجبل حين يصعده لمناجاة ربه صاروا كلهم أنبياء، والمعروف أن النبوة عند أهل الكتاب المراد منها الإخبار ببعض الأمور الغيبية التي تقع فى المستقبل بوحي أو إلهام من الله ، وقد كان جميع أنبيائهم من بعد موسى يحكمون بما فى التوراة ويعملون بها حتى المسيح ﵇. والثاني: أنه جعلهم ملوكا، والمراد من الملك هنا الحرية فى تدبير أمورهم وأمور أسرهم بأنفسهم، وفى هذا من تعظيم هذه النعمة ما لا يخفى. لا شك أن من كان متمتعا بمثل هذا كان متمتعا بنحو ما يتمتع به الملوك من الراحة والحرية فى التصرف فى سياسة بيته، والناس يقولون إلى الآن لمن كان مخدوما مع عشيرته هانئا فى معيشته مالكا لمسكنه "هذا ملك- أو ملك زمانه" يريدون أنه يعيش عيشة الملوك. والثالث: أنه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، أي عالمى زمانهم وشعوبه التي كانت مستعبدة للطغاة من الملوك فقد خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام، فقد فلق البحر لهم وأهلك عدوهم، وأورثهم أموالهم، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأظل فوقهم الغمام. ٥ - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحداً بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾، خصها بالذكر لأهميتها. ٦ - ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥]. القرآن ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾ [المائدة: ٢١] التفسير: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة -أي المطهرة، وهي «بيت المقدس» وما حولها- التي وعد الله أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار، ولا ترجعوا عن قتال الجبارين، فتخسروا خير الدنيا وخير الآخرة. قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة -أي المطهرة، وهي «بيت المقدس» وما حولها" (١). قال ابن كثير: " أي: المطهرة" (٢). قال المراغي: " ﴿المقدسة﴾، المطهرة من الوثنية، لما بعث الله فيها من الأنبياء الدعاة إلى التوحيد" (٣).

стр. 3325

قال الزجاج: " وإنما سمي بالمقدس لأن المقدس: المكان الذي يتطهر فيه. فتأويله البيت الذي يطهر الإنسان من العيوب، ومن هذا قيل: القدس، أي: الذي يتطهر منه، كما قيل: مطهرة لما يتوضأ منه، إنما هي مفعلة من الطهر" (١). أخرج الطبري عن مجاهد: " ﴿الأرض المقدسة﴾، قال: المباركة" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، وجوه: أحدها: أرض بيت المقدس (أرض اريحا)، وهذا قول ابن عباس (٣)، والسدي (٤)، وابن زيد (٥). قال القاسمي: " يعني: أرض بيت المقدس التي كانت مقدسة بمساكنة من مضى من الأنبياء. ثم تلوّثت بمساكنة الأعداء من جبابرة الكنعانيين، فأراد تطهيرها بإخراجهم وإسكان قومه" (٦). والثاني: طور وما حوله. وهذا قول مجاهد (٧). والثالث: هي الشام، وهذا قول قتادة (٨). والرابع: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، ذكره الطبري (٩)، والزجاج (١٠). قال الإمام الطبري: ": وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك" (١١). قوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: " - التي وعد الله أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار" (١٢). قال ابن كثير: " أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل: أنه وراثة من آمن منكم" (١٣). قال الزمخشري: أي: " قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم" (١٤). قال القاسمي: أي: " التي وعدكموها على لسان أبيكم إبراهيم، بأن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجره" (١٥). أخرج الطبري عن محمد بن إسحاق، " ﴿التي كتب الله لكم﴾، التي وهب الله لكم" (١٦). وعن السدي: " ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾، التي أمركم الله بها" (١٧).

стр. 3326

قال السعدي: " أخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على عدوهم" (١). قال السمرقندي: " ﴿التي كتب الله لكم﴾، يعني: التي أمركم الله أن تدخلوها، ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثا منه حين خرج إبراهيم- ﵇ فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم. فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك (٢). وهي: أرض فلسطين وأردن وما حولهما. فقال موسى لقومه: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم- ﵇ ولكم ميراث منه" (٣). وقال القتبي: "أصل «الكتاب»: ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني. ويقال: «كتب»، يعني: قضى، كما قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. ويقال: «كتب»، أي: فرض كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أي فرض. ويقال: ﴿كتب عليكم﴾، أي: جعل، كما قال: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين﴾ [آل عمران: ٥٣]. ويقال: «كتب»، أي: أمر. كما قال: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾، يعني: أمر الله لكم بدخولها. قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: " ولا ترجعوا عن قتال الجبارين" (٥). قال السعدي: " أي: لا ترجعوا" (٦). قال السمرقندي: " يعني: لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول" (٧). قال ابن كثير: " أي: ولا تنكلوا عن الجهاد" (٨). قال القاسمي: " أي: لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا" (٩). قال المراغي: " أي: لا نرجعوا عما جئتكم به من التوحيد والعدل والهدى والرشاد إلى الوثنية والفساد فى الأرض، بالظلم والبغي واتباع الأهواء" (١٠). قال الطبري: أي: " امضُوا، أيها القوم، لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة ولا ترتدوا يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين على أدباركم يعني: إلى ورائكم، ولكن امضوا قُدُمًا لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا" (١١). قال الزمخشري: أي: " ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر. وقالوا:

стр. 3327

تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم" (١). قال قتادة: " أمروا بها، كما أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وجهان (٣): أحدهما: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها. قوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: "، فتخسروا خير الدنيا وخير الآخرة" (٤). قال القاسمي: " أي: فترجعوا مغبونين بالعقوبة" (٥). قال السمرقندي: أي: " فتصيروا خاسرين بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة" (٦). قال السعدي: أي: "قد خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على الأعداء وفتح بلادكم. وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم -بمعصيتكم- من العقاب" (٧). قال المراغي: " أي: فإن فى هذا الرجوع خسرانا لكم، إذ تخسرون فيه هذه النعم، ومنها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء شكركم، فتحرمون من خيراتها وبركاتها" (٨). الفوائد: ١ - أن موسى ﵇ أُمر بالجهاد لنشر التّوحيد ومحاربة الشرك والكفر بالله وتخليص الأماكن المقدَّسة من قبضة الوثنييِّن، وهذا من أغراض الجهاد في سبيل الله. ٢ - بيان فضل الشام. القرآن ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ [المائدة: ٢٢] التفسير: قالوا: يا موسى، إن فيها قومًا أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم، وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلون. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: " قالوا: يا موسى، إن فيها قومًا أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم" (٩). قال مقاتل: " يعني: قتالين أشداء يقتل الرجل منهم العصابة منا" (١٠). قال قتادة: " ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم " (١١). وعن الضحاك: " ﴿إن فيها قومًا جبارين﴾، قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم" (١٢). قال ابن كثير: " أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة - التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها - قوما جبارين، أي: ذوي خلَقٍ هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مُصَاولتهم" (١٣).

стр. 3328

قال الطبري: " سموهم جبّارين، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم" (١). قال الزجاج: " تأويل «الجبار» من الآدميين: العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد، والله- الجبار العزيز، وهو الممتنع من أن يزل، والله يأمر بما أراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما وصفوهم بالقدرة والتكبر، والمنعة" (٢). قال القرطبي: ﴿جبارين﴾، " أي: عظام الأجسام طوال، وقد تقدم، يقال: نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر ... وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل. وقيل: إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه" (٣). وأصل «الجبار»، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه جبار، وإنما هو فعّال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول العجاج (٤): قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْ ... وَعَوَّرَ الرَّحمنُ مَنْ وَلَّي العَوَرْ يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح. ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته (٥). قال ابن عباس: " أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم. فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم" (٦). قال ابن كثير: " وفي هذا الإسناد نظر" (٧). وقال الربيع: " إن موسى ﵇ قال لقومه: إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال: سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم: فإنّ

стр. 3329

هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم! ! وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى ﵇ فحدّثوه العجب" (١). وقرأ ابن السميفع: «قالوا يا موسى فيها قوم جبارون» (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: " وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها" (٣). قال النسفي: أي: " بالقتال" (٤). قال الطبري: أي: " فقالوا: إنا لن ندخلها حتى يخرج من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم" (٥). قال ابن كثير: أي: " ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها" (٦). قال القرطبي: " أي: حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان، فإنهم قالوا: ﴿فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ " (٧). قال أبو حيان: " هذا تصريح بالامتناع التام من أن يقاتلوا الجبابرة، ولذلك كان النفي بلن. ومعنى حتى يخرجوا منها: بقتال غيرنا، أو بسبب يخرجهم الله به فيخرجون" (٨). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: " فإِن خرجوا منها هؤلاء الجبارون دخلناها" (٩). قال النسفي: أي: " بغير قتال، ﴿فإنا داخلون﴾ بلادهم حينئذ" (١٠). قال ابن كثير: أي: " فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم" (١١). قال أبو حيان: "قال أكثر المفسرين: لم يشكوا فيما وعدهم الله به، ولكن كان نكوصهم عن القتال من خور الطبيعة والجبن الذي ركبه الله فيهم، ولا يملك ذلك إلا من عصمه الله وقال تعالى: ﴿افَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقيل: قالوا ذلك على سبيل الاستبعاد أن يقع خروج الجبارين منها كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] " (١٢). أخرج الطبري عن ابن إسحاق، "أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى ﷺ فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر! وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة! ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر" (١٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا - وهم النقباء الذين ذكر الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قَدْر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا: يا موسى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ " (١٤). وعن يحيى بن عبد الرحمن قال: "رأيت أنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء، لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق" (١٥). وقال مقاتل: " طول كل رجل منهم سبعة أذرع ونصف من بقايا قوم عاد وكان عوج بن عناق بنت آدم فيهم" (١٦). وقال الكلبي: "طول كل رجل منهم ثمانون ذراعا" (١٧). وقد ذكر القرطبي من الإسرائيليات التي لايعول عليها، فقال: " قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف «٢» ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا، قاله ابن عمر، وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح ﵇ ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى ﵇ وطوله عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم (١٨) سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم. وقال الكلبي: عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت" (١٩). قال ابن كثير: "وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن عنق، بنت آدم، ﵇، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب! وهذا شيء يستحي من ذكره. ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" (٢٠). ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زِنْية، وأنه امتنع من ركوب السفينة، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ (١٤) [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى: قَال ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟ ! هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: «عوج بن عنق» نظر، والله أعلم" (٢١).

стр. 3330

الفوائد: ١ - فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم. ٢ - أن بني اسرائيل خذلوا أنبياءهم ولم يقوموا بنصرهم. ٣ - أن بني إسرائيل كانوا قوماً جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾، وقالوا: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾، وهذا منتهى المهانة ومنتهى السُّخرية، لأن الكفار ليسوا بخارجين إلاَّ بالجهاد والجلاد والاستشهاد في سبيل الله. القرآن ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣] التفسير: قال رجلان من الذين يخشون الله تعالى، أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيِّه، لبني إسرائيل: ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم، أخْذًا بالأسباب، فإذا دخلتم الباب غلبتموهم، وعلى الله وحده فتوكَّلوا، إن كنتم مُصدِّقين رسوله فيما جاءكم به، عاملين بشرعه. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: " قال رجلان من الذين يخشون الله تعالى، أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيِّه، لبني إسرائيل" (١). قال السمرقندي: " يعني: يوشع بن نون وكالب من الذين يخافون الله تعالى أنعم الله عليهما بالإسلام" (٢). قال الزمخشري: " هما كالب ويوشع من الذين يخافون من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين" (٣). قال ابن عباس: " والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن النون، وكالوب بن يوفنة" (٤). وروي عن قتادة مثل ذلك (٥). قال عطاء: " كالوب، ويوشع بن النون فتى موسى" (٦). قال مجاهد: ": كلاب بن يافنا، ويوشع بن نون" (٧). " وهما من النقباء" (٨). قال السدي: " وهما اللذان كتماهم: يوشع بن نون فتى موسى، وكالوب بن يوفنة ختَنُ موسى" (٩). وعن مجاهد أيضا في قصة ذكرها، قال: "فرجع النقباء، كلُّهم ينهى سِبْطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يافنة، يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما" (١٠). وأخرج الطبري عن ابن عباس في قصة ذكرها. قال: "فرجعوا يعني النقباء الاثنى عشر إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحدًا من أهل العسكر، فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فَشِلوا ولم يدخلوا المدينة، قال: فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابنَ عمه، إلا هذين الرجلين يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنة فإنهما كتما ولم
следующие страницы →