← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

قال السعدي: " أخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على عدوهم" (١). قال السمرقندي: " ﴿التي كتب الله لكم﴾، يعني: التي أمركم الله أن تدخلوها، ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثا منه حين خرج إبراهيم- ﵇ فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم. فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك (٢). وهي: أرض فلسطين وأردن وما حولهما. فقال موسى لقومه: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم- ﵇ ولكم ميراث منه" (٣). وقال القتبي: "أصل «الكتاب»: ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني. ويقال: «كتب»، يعني: قضى، كما قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. ويقال: «كتب»، أي: فرض كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أي فرض. ويقال: ﴿كتب عليكم﴾، أي: جعل، كما قال: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين﴾ [آل عمران: ٥٣]. ويقال: «كتب»، أي: أمر. كما قال: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾، يعني: أمر الله لكم بدخولها. قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: " ولا ترجعوا عن قتال الجبارين" (٥). قال السعدي: " أي: لا ترجعوا" (٦). قال السمرقندي: " يعني: لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول" (٧). قال ابن كثير: " أي: ولا تنكلوا عن الجهاد" (٨). قال القاسمي: " أي: لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا" (٩). قال المراغي: " أي: لا نرجعوا عما جئتكم به من التوحيد والعدل والهدى والرشاد إلى الوثنية والفساد فى الأرض، بالظلم والبغي واتباع الأهواء" (١٠). قال الطبري: أي: " امضُوا، أيها القوم، لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة ولا ترتدوا يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين على أدباركم يعني: إلى ورائكم، ولكن امضوا قُدُمًا لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا" (١١). قال الزمخشري: أي: " ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر. وقالوا:

стр. 3327

تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم" (١). قال قتادة: " أمروا بها، كما أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وجهان (٣): أحدهما: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها. قوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: "، فتخسروا خير الدنيا وخير الآخرة" (٤). قال القاسمي: " أي: فترجعوا مغبونين بالعقوبة" (٥). قال السمرقندي: أي: " فتصيروا خاسرين بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة" (٦). قال السعدي: أي: "قد خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على الأعداء وفتح بلادكم. وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم -بمعصيتكم- من العقاب" (٧). قال المراغي: " أي: فإن فى هذا الرجوع خسرانا لكم، إذ تخسرون فيه هذه النعم، ومنها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء شكركم، فتحرمون من خيراتها وبركاتها" (٨). الفوائد: ١ - أن موسى ﵇ أُمر بالجهاد لنشر التّوحيد ومحاربة الشرك والكفر بالله وتخليص الأماكن المقدَّسة من قبضة الوثنييِّن، وهذا من أغراض الجهاد في سبيل الله. ٢ - بيان فضل الشام. القرآن ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ [المائدة: ٢٢] التفسير: قالوا: يا موسى، إن فيها قومًا أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم، وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلون. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: " قالوا: يا موسى، إن فيها قومًا أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم" (٩). قال مقاتل: " يعني: قتالين أشداء يقتل الرجل منهم العصابة منا" (١٠). قال قتادة: " ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم " (١١). وعن الضحاك: " ﴿إن فيها قومًا جبارين﴾، قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم" (١٢). قال ابن كثير: " أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة - التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها - قوما جبارين، أي: ذوي خلَقٍ هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مُصَاولتهم" (١٣).

стр. 3328

قال الطبري: " سموهم جبّارين، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم" (١). قال الزجاج: " تأويل «الجبار» من الآدميين: العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد، والله- الجبار العزيز، وهو الممتنع من أن يزل، والله يأمر بما أراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما وصفوهم بالقدرة والتكبر، والمنعة" (٢). قال القرطبي: ﴿جبارين﴾، " أي: عظام الأجسام طوال، وقد تقدم، يقال: نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر ... وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل. وقيل: إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه" (٣). وأصل «الجبار»، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه جبار، وإنما هو فعّال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول العجاج (٤): قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْ ... وَعَوَّرَ الرَّحمنُ مَنْ وَلَّي العَوَرْ يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح. ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته (٥). قال ابن عباس: " أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم. فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم" (٦). قال ابن كثير: " وفي هذا الإسناد نظر" (٧). وقال الربيع: " إن موسى ﵇ قال لقومه: إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال: سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم: فإنّ

стр. 3329

هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم! ! وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى ﵇ فحدّثوه العجب" (١). وقرأ ابن السميفع: «قالوا يا موسى فيها قوم جبارون» (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: " وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها" (٣). قال النسفي: أي: " بالقتال" (٤). قال الطبري: أي: " فقالوا: إنا لن ندخلها حتى يخرج من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم" (٥). قال ابن كثير: أي: " ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها" (٦). قال القرطبي: " أي: حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان، فإنهم قالوا: ﴿فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ " (٧). قال أبو حيان: " هذا تصريح بالامتناع التام من أن يقاتلوا الجبابرة، ولذلك كان النفي بلن. ومعنى حتى يخرجوا منها: بقتال غيرنا، أو بسبب يخرجهم الله به فيخرجون" (٨). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: " فإِن خرجوا منها هؤلاء الجبارون دخلناها" (٩). قال النسفي: أي: " بغير قتال، ﴿فإنا داخلون﴾ بلادهم حينئذ" (١٠). قال ابن كثير: أي: " فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم" (١١). قال أبو حيان: "قال أكثر المفسرين: لم يشكوا فيما وعدهم الله به، ولكن كان نكوصهم عن القتال من خور الطبيعة والجبن الذي ركبه الله فيهم، ولا يملك ذلك إلا من عصمه الله وقال تعالى: ﴿افَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقيل: قالوا ذلك على سبيل الاستبعاد أن يقع خروج الجبارين منها كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] " (١٢). أخرج الطبري عن ابن إسحاق، "أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى ﷺ فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر! وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة! ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر" (١٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا - وهم النقباء الذين ذكر الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قَدْر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا: يا موسى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ " (١٤). وعن يحيى بن عبد الرحمن قال: "رأيت أنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء، لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق" (١٥). وقال مقاتل: " طول كل رجل منهم سبعة أذرع ونصف من بقايا قوم عاد وكان عوج بن عناق بنت آدم فيهم" (١٦). وقال الكلبي: "طول كل رجل منهم ثمانون ذراعا" (١٧). وقد ذكر القرطبي من الإسرائيليات التي لايعول عليها، فقال: " قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف «٢» ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا، قاله ابن عمر، وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح ﵇ ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى ﵇ وطوله عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم (١٨) سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم. وقال الكلبي: عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت" (١٩). قال ابن كثير: "وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن عنق، بنت آدم، ﵇، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب! وهذا شيء يستحي من ذكره. ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" (٢٠). ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زِنْية، وأنه امتنع من ركوب السفينة، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ (١٤) [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى: قَال ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟ ! هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: «عوج بن عنق» نظر، والله أعلم" (٢١).

стр. 3330

الفوائد: ١ - فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم. ٢ - أن بني اسرائيل خذلوا أنبياءهم ولم يقوموا بنصرهم. ٣ - أن بني إسرائيل كانوا قوماً جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾، وقالوا: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾، وهذا منتهى المهانة ومنتهى السُّخرية، لأن الكفار ليسوا بخارجين إلاَّ بالجهاد والجلاد والاستشهاد في سبيل الله. القرآن ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣] التفسير: قال رجلان من الذين يخشون الله تعالى، أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيِّه، لبني إسرائيل: ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم، أخْذًا بالأسباب، فإذا دخلتم الباب غلبتموهم، وعلى الله وحده فتوكَّلوا، إن كنتم مُصدِّقين رسوله فيما جاءكم به، عاملين بشرعه. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: " قال رجلان من الذين يخشون الله تعالى، أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيِّه، لبني إسرائيل" (١). قال السمرقندي: " يعني: يوشع بن نون وكالب من الذين يخافون الله تعالى أنعم الله عليهما بالإسلام" (٢). قال الزمخشري: " هما كالب ويوشع من الذين يخافون من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين" (٣). قال ابن عباس: " والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن النون، وكالوب بن يوفنة" (٤). وروي عن قتادة مثل ذلك (٥). قال عطاء: " كالوب، ويوشع بن النون فتى موسى" (٦). قال مجاهد: ": كلاب بن يافنا، ويوشع بن نون" (٧). " وهما من النقباء" (٨). قال السدي: " وهما اللذان كتماهم: يوشع بن نون فتى موسى، وكالوب بن يوفنة ختَنُ موسى" (٩). وعن مجاهد أيضا في قصة ذكرها، قال: "فرجع النقباء، كلُّهم ينهى سِبْطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يافنة، يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما" (١٠). وأخرج الطبري عن ابن عباس في قصة ذكرها. قال: "فرجعوا يعني النقباء الاثنى عشر إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحدًا من أهل العسكر، فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فَشِلوا ولم يدخلوا المدينة، قال: فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابنَ عمه، إلا هذين الرجلين يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنة فإنهما كتما ولم

стр. 3331

يخبرا به أحدًا، وهما اللذان قال الله : ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾، إلى قوله: ﴿وبين القوم الفاسقين﴾ " (١). وروي عن ابن عباس ايضا، قوله: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾، قال: "هي مدينةُ الجبارين. لما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثَنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبَّة من عِنب بوِقْر الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قَدْر فاكهتهم! فلما أتوهم قالوا لموسى: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون! قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، وكانا من أهل المدينة أسلَما واتّبعا موسى وهارون، فقالا لموسى: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكَّلوا إن كنتم مؤمنين﴾ " (٢). روي عن الربيع: "أن موسى قال للنقباء لمَّا رجعوا فحدثوه العجبَ: لا تحدثوا أحدًا بما رأيتم، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، كان أحدهما، فيما سمعنا، يوشع بن نون وهو فتى موسى، والآخر كالب - فقالا ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾، إلى ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ " (٣). قال الطبري: " وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصَّالحين من قوم موسى: يوشع بن نون وكالب بن يافنا، أنهما وفَيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومِه بني إسرائيل الذين أمرَهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعِظم خلقهم، ووصفهما الله بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه ... وأما قوله: أنعم الله عليهما، فإنه يعني: أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه، وانتهائهم إلى أمره، والانزجار عما زجرهما عنه ﷺ ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل، الذي حدّث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء، وقد قيل إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف" (٤). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ثلاثة وجوه أحدهم: يخافون الله، ويسنده قراءة قتادة: «يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا» (٥).وهو الصحيح. الثاني: يخافهم بنو إسرائيل، ويشهد له قراءة سعيد بن جبير «يُخَافُونَ»، بضم الياء (٦)، وكذلك، قوله: ﴿أنعم الله عليهما﴾، كأنه قيل: من الخوفين (٧). قال الطبري: " وكأن سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتَّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل، وإن كانوا لهم في الدين مخالفين" (٨). والثالث: يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم. ذكره القرطبي (٩). والرابع: يخافون الجبارين، أنعم الله عليهما فلم يخافا وصدقا في مقالتهما، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق (١٠). اختاره القرطبي (١١).

стр. 3332

والخامس: وقال الضحاك: "هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى" (١)، فمعنى ﴿يخافون﴾، على هذا، أي: من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم ولكن وثقا بالله (٢). والسادس"وقيل: هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة. أو يخوفهم وعيد الله بالعقاب. أفاده الزمخشري (٣). قال أبو السعود: " أي: يخافون الله تعالى دون العدو ويتقونه في مخالفة أمره ونهيه، وبه قرأ ابن مسعود وفيه تعريض بأن من عداهما لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣]، وجوه: أحدهما: بالتوفيق للطاعة (٥). والثاني: بالإِسلام، وهو قول الحسن (٦). وقال الزجاج: " بالإيمان" (٧). والثالث: بالخوف، قاله سهل بن علي (٨). والرابع: بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبّارين. وهذا قول الضحاك (٩). قال أبو السعود: " ﴿أنعم الله عليهما﴾، أي: بالتثبيت وربط الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده أو بالإيمان وهو صفة ثانية لرجلان أو اعتراض (١٠). قال سهل: " أنعم الله عليهما بالخوف والمراقبة، إذ الخوف والهم والحزن يزيد في الحسنات، والأشر والبطر يزيد في السيئات" (١١). وفي هذين الرجلين قولان: أحدهما: أنهما من النقباء يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهذا قول ابن عابس (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، والسدي (١٥). والثاني: أنهما رجلان، كانا من أهل مدينة الجبارين أنعم الله عليهما بالإِسلام، واتّبعا موسى وهارون. وهذا مروي عن ابن عباس (١٦). قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: " ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم، أخْذًا بالأسباب، فإذا دخلتم الباب غلبتموهم" (١٧). قال السمرقندي: " يعني: أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين" (١٨).

стр. 3333

قال القرطبي: " قالا لبني إسرائيل: لا يهولنكم عظم أجسامهم فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، وكانوا قد علموا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب. ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله" (١). قال الزجاج: " فكأنهما علما أن ذلك الباب إذا دخل منه وقع الغلب" (٢). قال الطبري: أي: " فقالا لهم: ادخلوا عليهم، أيها القوم بابَ مدينتهم، فإن الله معكم، وهو ناصركم، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم" (٣). قال الزمخشري: " قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، يشجعانهم على قتالهم" (٤). قال ابن عطية: " المعنى: اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب، وقوله: ﴿فإنكم غالبون﴾ ظن منهما ورجاء وقياس أي إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم" (٥). عن مجاهد في قول الله: " ﴿عليهم الباب﴾، قرية الجبَّارين" (٦). قال أبو السعود: " أي: قالوا: مخاطبين لهم ومشجعين: ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ أي باب بلدهم وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي باغتوهم وضاغضوهم في المضيق وامنعوهم في البروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا ﴿فإذا دخلتموه﴾ أي بلدهم وهم فيه ﴿فإنكم غالبون﴾ من غير حاجة إلى القتال فان قد رأيناهم وشاهدنا أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسادهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر وقيل إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى ﵇ ومن قوله تعالى كتب الله لكم أو لما علما من سنته تعالى في نصره رسله وما عهدا من صنعه تعالى لموسى ﵇ من طهر أعدائه والأول أنسب بتعليق الغلبة بالدخول" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وجهان: أحدهما: إنما قالوه لعلمهم بأن الله كتبها لهم، لقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] (٨). والثاني: علما أنهم غالبون، من جهة إخبار موسى بذلك. أفاده الزمخشري (٩). والثالث: انهما علما بذلك، من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة. ذكره الزمخشري (١٠). والرابع: لعلمهم بأن الله ينصرهم على أعادئه، ولم يمنعهم خوفهم من القول الحق، وقد قال النبي ﷺ : " ألا لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا رآه" (١١). قال قتادة: ": ذكر لنا أنهم بعثوا اثنى عشر رجلا من كل سبط رجلا عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبار القوم. فأمَّا عشرة فجبَّنُوا قومهم وكرَّهوا إليهم الدخول عليهم. وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها، وأن يتبعوا أمر الله، ورغَّبا في ذلك، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك" (١٢).

стр. 3334

أخرج الطبري عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر، حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خرَّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدِّام جماعة بني إسرائيل، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يافنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل: إن الأرض مررنا بها وحسِسْناها صالحًة، رضيها ربُّنا لنا فوهبها لنا، وإنها .. تفيض لبنًا وعسلا ولكن افعلوا واحدة: لا تعصُوا الله، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم خُبْزُنا، ومُدَفَّعون في أيدينا، إن كبرياءهم ذهبت منهم، وإن الله معنا فلا تخشوهم. فأراد جماعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة " (١). وفي قراءة ابن مسعود: «عليهما ويلكم ادخلوا» (٢). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: " وعلى الله وحده فتوكَّلوا، إن كنتم مُصدِّقين رسوله فيما جاءكم به، عاملين بشرعه" (٣). قال القرطبي: أي: " مصدقين به، فإنه ينصركم" (٤). قال السمرقندي: " يعني: فثقوا بأنه ناصركم إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى" (٥). قال أبو السعود: أي: " ﴿وعلى الله﴾ تعالى خاصة ﴿فتوكلوا﴾ بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزل من التأثير وإنما التأثير من عند الله العزيز القدير ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما" (٦). قال ابن عطية: " قولهما: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر" (٧). الفوائد: ١ - بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلو زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس. ٢ - فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار. ٣ - الإعتماد على الله في تحقيق النصر، وعدم الإغترار بقوة الأعداء؛ فإن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد وعد به المؤمنين والله لا يخلف الميعاد. ٤ - فضيلة التوكل على الله، وهو اعتماد القلب على الله إيمانا بكفايته سبحانه لعبده. قال البيهقي: "وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله والثقة بحسن النظر فيما أمر به وأباحه، واحده من وكل يكل، إلا أنه يقال: وكل الأمر إلى فلان وقد توكل على الله. لأن المعنى يحمل ذلك ويكله اعتمادًا على الله جل ثناؤه وهو من باب الاختصار. واختلف أهل المصائر في ذلك: - فقال قائلون: التوكل الصحيح ما كان من قطع الأسباب، فإذا جاء السبب إلى المراد ارتفع التوكل. - وقال آخرون: كل أمر بين الله تعالى لعباده فيه طريقًا ليسلكوه إذا عرض لهم والتوكل يقع منهم في سلوك تلك السبيل والتسبب به إلى المراد، فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه، ومن جرد التوكل عن السبب بما جعله الله سببًا، فلم يفعل ما أمر به ولم يأت الأمر من بابه" (٨).

стр. 3335

ويكفي في فضيلة التوكل على الله، ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" (١). القرآن ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤] التفسير: قال قوم موسى له: إنا لن ندخل المدينة أبدًا ما دام الجبارون فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلاهم، أما نحن فقاعدون هاهنا ولن نقاتلهم. وهذا إصرارٌ منهم على مخالفة موسى ﵇. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة: ٢٤]، أي: " قال قوم موسى له: إنا لن ندخل المدينة أبدًا ما دام الجبارون فيها" (٢). قال الزجاج: " أي: لسنا نقبل مشورة في دخوولها، ولا أمرا، وفيها هؤلاء الجبارون، فأعلم الله جل ثناؤه أن أهل الكتاب هؤلاء غير قابلين من الأنبياء قبل النبي ﷺ ، وأن الخلاف شأنهم، وفي هذا الإعلام دليل على تصحيح نبوة النبي ﷺ لأنه أعلمهم ما لا يعلم إلا من قراءة كتاب أو إخبار، أو وحي، والنبي ﷺ منشؤه معروف بالخلو من ذكر أقاصيص بني إسرائيل، وبحيث لا يقرأ كتبهم، فلم يبق في علم ذلك إلا الوحي" (٣). قال الزمخشري: " ﴿لن ندخلها﴾، نفى لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس، و ﴿أبدا﴾: تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، و ﴿ما داموا فيها﴾: بيان للأبد" (٤). قال الراغب: " إن قيل: ما فائدة الجمع بين قوله: ﴿أبدا﴾، وقوله: ﴿ما داموا فيها﴾؟ قيل: إن امتناعهم من دخولها لكون هؤلاء فيها، وإن اعتبار ذلك ليس في وقت دون وقت بل كل وقت، ما يدخلونها من كونهم فيها" (٥). قوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، أي: " فاذهب أنت وربك فقاتلاهم" (٦). قال مقاتل: " ينصرك عليهم فقاتلا" (٧). قال الطبري: أي: " لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربُّك فتقاتلانهم" (٨). وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، وجوه (٩): أحدها: أنهم قالوه على وجه المجاز، بمعنى: اذهب أنت فقاتل وليعنك ربك، أو وربك معين لك. وهذا قول أبي عبيدة (١٠)، وابن عطية (١١).

стр. 3336

قال ابن عطية: المعنى: "يعينك الله ويقاتل معك ملائكته ونصره، فعسى أن بني إسرائيل أرادت ذلك، أي: اذهب أنت ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئذ ندخلها، لكن قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها" (١). والثاني: معناه: أن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا، وقتاله معك- إن كنت رسوله- أولى من قتالنا. قال القرطبي: "فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر، لأنهم شكوا في رسالته" (٢). والثالث: أنهم أرادوا: الذهاب الذي هو النقلة. قال الجصاص: "وهذا تشبيه وكفر من قائله وهو أولى بمعنى الكلام، لأن الكلام خرج مخرج الإنكار عليهم والتعجب من جهلهم، وقد يقال على المجا: ز قاتله الله، بمعنى: أن عداوته لهم كعداوة المقاتل المستعلي عليهم بالاقتدار وعظم السلطان" (٣). قال القرطبي: " وصفوه بالذهاب والانتقال، والله متعال عن ذلك. وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة، وهو معنى قول الحسن، لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر في معنى الكلام" (٤). قال أبو حيان: " ظاهر الذهاب الانتقال، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة" (٥). والرابع: أرادوا بالـ «ربّ»، هارون. ذكر بعض المفسرين: " أن المراد بالـ «ربّ»، هنا: هارون، لأنه كان اسن من «موسى»، وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه، وكان معظما في بني إسرائيل محببا لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا: اذهب أنت وكبيرك" (٦). قال ابن عطية: "وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيرا لموسى وتابعا له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر" (٧). قلت: وأن تمثيل الصحابي الجليل مقداد بن الأسود بالآية-كما سيأتي- يقتضي أن قوله «ربك»، إنما أريد به الله تعالى. والله أعلم. قال القرطبي: " وبالجملة فقد فسقوا بقولهم، لقوله تعالى: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾، أي: لا تحزن عليهم" (٨). قال الراغب: " ذكر جهلهم وقلة معرفتهم بالله، وأنهم ما قدروا الله حق قدره حيث أمروه أن يستصحبه إلى الجواب استصحاب الأشخاص وبكتهم بامتناعهم من الدخول إما جبنا وإما قصدا إلى العصيان، وأيهما كان فمذموم" (٩). قال الزمخشري: "والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله جهرة. والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أن موسى وهرون ﵉ خرا لوجوههما قدامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما. ولأمر ما قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] " (١٠). قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، أي: " أما نحن فقاعدون هاهنا ولن نقاتلهم" (١١). قال مقاتل: "يعني: مكاننا، فإننا لا نستطيع قتال الجبابرة" (١٢). قال القرطبي: " أي: لا نبرح ولا نقاتل" (١٣). قال النسفي: أي: " ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم" (١٤). قال الشوكاني: " أي: لا نبرح هاهنا، لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع، وقيل: أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر" (١٥). قال الإمام ابن كثير: " وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى بلادهم، سجد موسى وهارون، ﵉، قُدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاما لما هموا به، وشَق "يوشع بن نون" و "كالب بن يوفنا" ثيابهما ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما. وجرى أمر عظيم وخطر جليل. وما أحسن ما أجاب به الصحابة، ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العِير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف، في العُدة والبَيْض واليَلب، فتكلم أبو بكر، ﵁، فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله ﷺ يقول: "أشيروا عليَّ أيها المسلمون". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ. فقال سعد بن معاذ ﵁: كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو اسْتَعرضْتَ بنا هذا البحر فخُضْتَه لخُضناه معك، وما تخلَّف منا رجل واحد، وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصُبُر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونَشَّطه ذلك" (١٦). وروي عن حميد عن أنس: "أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله ﷺ . قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْت أكبادها إلى بَرْك الغمَاد لاتبعناك" (١٧). وعن عتبة بن عبد السلمي قال: "قال النبي ﷺ لأصحابه: "ألا تقاتلون؟ " قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون" (١٨). أخرج الطبري عن قتادة قال: "ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صَدّ المشركون الهَدْيَ وحيل بينهم وبين مناسكهم: «إني ذاهب بالهَدْيِ فناحِرُه عند البيت! »، فقال له المقداد بن الأسود: أمَا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذْ قالوا

стр. 3337

لنبيهم: «اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا ههنا قاعدون»، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتِلا إنّا معكم مقاتلون! فلما سمعها أصحابُ نبيِّ الله ﷺ تتابعوا على ذلك" (١). روي عن عن طارق بن شهاب، قال: "سمعت ابن مسعود، يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك «فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره» يعني: قوله" (٢). وقول المقداد "وإن كان محفوظا يوم الحديبية، فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بَدْر" (٣). قال الضحاك: " أمر الله جل وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهِّم موسى ﵇، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: "ادخلوها"، فأبوا وجبُنوا، وبعثوا اثنى عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوِقْر الرجل، فقالوا: اقدُرُوا قوّة قوم وبأسُهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك قالوا لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ " (٤). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٥). الفوائد: ١ - بيان جبن اليهود وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم. ٢ - نكال اليهود عن قتال الجبابرة. ٣ - مع غلو اليهود في أنبيائهم، إلا أنهم خذلوهم وتركوا نصرتهم في أصعب المواقف وفي وقت كانوا في أمس الحاجة لمؤازرتهم , فقد خذل اليهود موسى ﵇ وذلك عندما أمرهم بالقتال ودخول الأرض المقدسة بعد أن أخرجهم من مصر وحررهم من ذل العبودية لفرعون , فكان جوابهم -أي اليهود- له كما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: ٢٤]. القرآن ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾ [المائدة: ٢٥] التفسير: توجَّه موسى إلى ربه داعيًا: إني لا أقدر إلا على نفسي وأخي، فاحكم بيننا وبين القوم الفاسقين. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥]، أي: " توجَّه موسى إلى ربه داعيًا: إني لا أقدر إلا على نفسي وأخي" (٦). قال الطبري: أي: " لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي" (٧). قال المراغي: " أي: قال موسى باثا شكواه إلى ربه، معتذرا من فسق قومه عن أمره الذي يبلغه عنه- إنى لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسى وأمر أخى ولا أثق بغيرنا أن يطيعك فى اليسر والعسر والمنشط والمكره" (٨).

стр. 3338

قال القرطبي: أي: " لأنه كان يطيعه. وقيل المعنى: إني لا أملك إلا نفسي، ثم ابتدأ فقال: ﴿وأخي﴾، أي: وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه، وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء، أي إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا. وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا" (١). قال الزمخشري: " لما عصوه وتمردوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق به إلا هرون قال رب إني لا أملك لنصرة دينك إلا نفسي وأخي، وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة، ونحوه قول يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. وعن على رضى الله عنه أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء (٢)، ودعا لهما وقال: أين تقعان مما أريد؟ " (٣). قوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، أي: " فاحكم بيننا وبين القوم الفاسقين" (٤). قال ابن عباس: "، يقول: اقض بيني وبينهم" (٥). قال الضحاك: " يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم كلّ هذا يقول الرجل: اقض بيننا" (٦). قال الطبري: أي: " افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا" (٧). قال المراغي: أي: " أي: فافصل بيننا -يريد نفسه وأخاه-، وبين القوم الفاسقين عن طاعتك بقضاء تقضيه بيننا، فتحكم لنا بما نستحق، وعليهم بما يستحقون، فقد صرنا خصما لهم وصاروا خصما لنا، وقيل إن المعنى: إنك إذا أخذتهم بالعقاب على قسوتهم فلا تعاقبنا معهم فى الدنيا" (٨). و﴿الفاسقين﴾: أي: " الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه" (٩). قال أبو عبيدة: " ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾، أي باعد وافصل وميّز ... ﴿الفاسقين﴾، هاهنا: الكافرين" (١٠). و«الفرق»: الفصل، يقال: فَرَقت بين هذين الشيئين، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز (١١): يَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ (١٢) قال السدي: " غضب موسى ﷺ حين قال له القوم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون، فدعا عليهم فقال: ﴿رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها" (١٣). وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ: «فافرق»، بكسر الراء (١٤).

стр. 3339

قال الزمخشري: " إن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره. ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد: ومن يؤاخينى على دينى ﴿فافرق﴾: فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم" (١). وقال القرطبي: " وإن قيل: بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة: الأول: بما يدل على بعدهم عن الحق، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان، ولذلك ألقوا في التيه. الثاني- بطلب التمييز، أي: ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب. والثالث: وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به، ومنه قول تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، أي: يقضى، وقد فعل لما أماتهم في التيه. والرابع: وقيل: إنما أراد في الآخرة، أي: اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار، والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر (٢): يَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ" (٣) الفوائد: ١ - وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم. ٢ - حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم. ٣ - أن الاختلاف على الأنبياء سبب الفتن والهلاك، فعندما دعى نبي الله موسى ﵇ قومه لأمر الله أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فاختلفوا عليه، وَقَالُوا: إن فيها قوماً جبارين، إِلَى أن آل به الحال أن يقول ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥]. ٤ - ومنها: أن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، إذ كانت تجمع بين موسى وبين قومه رابطة القومية الإسرائيلية، أما وقد كفروا بالله وتمردوا على سلطانه وأمره، تبرئ موسى منهم وقال: ﴿فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾. ٤ - ومن الفوائد: أن جميع الأنبياء ﵈ لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن يملكوا لغيرهم، وأنهم عباد محتاجون فقراء إلى الله تعالى، وأنهم كانوا يدعونه لدفع المضرات وجلب الخيرات، وأنهم كانوا يخافون ربهم، ولا يملكون التصرف في الكون. القرآن ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢٦] التفسير: قال الله لنبيه موسى ﵇: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين، فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي.

стр. 3340

قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، أي: " قال الله لنبيه موسى ﵇: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين" (١). قال ابن الجوزي: " الإشارة إلى: «الأرض المقدسة»، ومعنى تحريمها عليهم: منعهم منها" (٢). قال مقاتل: " فأوحى الله- إلى موسى- ﵇ أما إذ سميتهم فاسقين فالحق أقول لا يدخلونها أبدا، وذلك قوله- ﴿قال فإنها محرمة عليهم﴾، دخولها البتة أبدا. ﴿أربعين سنة﴾، فيها تقديم ﴿يتيهون في الأرض﴾، في البرية" (٣). قال الزجاج: " قيل: عذبهم الله بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة لا يقرهم قرار إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار وولد من لم يدخل في جملتهم في المعصية. وقيل: إن موسى وهارون كانا معهم في التيه. قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون في التيه لأن التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون. وجائز أن يكون كانا في التيه وأن الله جل اسمه سهل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم الناررفجعلها عليه بردا وسلاما وشأنها الإحراق" (٤). قال ابن كثير: " لما دعا عليهم موسى، ﵇، حين نكَلُوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرًا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغَمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان" (٥). وفي مسافة أرض التيه قولان: أحدهما: تسعة فراسخ، قاله ابن عباس (٦). قال مقاتل: " فتاه القوم في تسع فراسخ عرض وثلاثين فرسخا طول" (٧). والثاني: ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا، حكاه مقاتل أيضا (٨). قال القرطبي: "ويقال: كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ فالجواب- قال أبو علي: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدءوا منه. وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة" (٩). قال أبو عبيدة، وأبوبكر السجستاني: " ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يحورن ويحارون ويضلون" (١٠). قال الطبري: " معنى: ﴿يتيهون في الأرض﴾، يحارون فيها ويضلُّون ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: تائه. وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه" (١١).

стр. 3341

قال مجاهد: " تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم" (١). قال القرطبي: " استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. وأصل «التيه» في اللغة: الحيرة، يقال منه: تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير. وتيهته وتوهته بالياء والواو، والياء أكثر. والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها، وأرض تيه وتيهاء ومنها قال (٢): تيهٍ أتاويهَ على السُّقّاطِ وقال آخر (٣): بتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيَّ كأَنّها ... قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِرَاخًا بُيُوضُها فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة- قيل: في قدر ستة فراسخ- يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا، فكانوا سيارة لا قرار لهم" (٤). واختلف هل كان معهم موسى وهرون في التيه؟ وفيه قولان (٥): أحدهما: لم يكن معهم موسى وهارون-﵉، لأن التيه عقوبة. وقد قال: ﴿فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾. والثاني: وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم. واختلف في نوع التحريم في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٦]، على قولين (٦): أحدهما: أنه تحريم منع، أي أنهم ممنوعون من دخولها، كما يقال: حرم الله وجهك على النار، وحرمت عليك دخول الدار. وهذا القول حكاه الجصاص والقرطبي عن اكثر المفسرين (٧). ومنه قول امرئ القيس (٨): جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام يخاطب فرسه: أي: أنا فارس فلا يمكنك صرعي (٩). قال الجصاص: " فهذا هو أصل التحريم ثم أجرى تحريم التعبد عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع إذ كان من حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم منع في الحقيقة، ويستحيل اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شيء واحد، لأن الممنوع لا يجوز حظره ولا إباحته إذ هو غير مقدور عليه، والحظر والإباحة يتعلق بأفعالنا ولا يكون فعل لنا إلا وقد كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا" (١٠).

стр. 3342

والثاني: أنه يجوز أن يكون تحريم التعبد، أجازه أبو علي (١)، لأن التحريم أصله المنع قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، قال الجصاص: "يعني: به المنع" (٢). قال الشنقيطي: " ومن إطلاق التحريم بمعناه اللغوي في القرآن: قوله في بني إسرائيل وهم في التيه، قال: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾ [المائدة: آية ٢٦]، فإنه تحريم كوني قدري؛ لأن الله منعهم إياه، لا تحريم شرعي على التحقيق" (٣). واختلف في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، على قولين: أحدهما: أنها محرمة عليهم أبدا، وأن قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله ﴿يَتِيهُونَ﴾. وهذا قول عكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، واختيار الزجاج (٧). قال الزجاج: " أما نصبه بـ ﴿محرمة﴾ فخطأ، لأن التفسير جاء بأنها محرمة عليهم أبدا" (٨). والثاني: أنها حرمت عليهم أربعين سنة، ثم أمروا بالسير إليها، وعليه فإن قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾. وهذا قول الربيع (٩)، واختيار ابن جرير الطبري (١٠). قال الطبري: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن «الأربعين» منصوبة بـ «التحريم»، وإنّ قوله: ﴿محرمة عليهم أربعين سنة﴾، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى ﷺ ، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى ﷺ . فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم. وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها" (١١). وفيما يأتي نسرد بعض الاخبار التي وردت في القولين: قال الربيع: " لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل. فجعلهم فاسقين بما عصوا. فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي

стр. 3343

منها ارتحلوا وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عَيْنٌ، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى: أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد: أن يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا: حطة وإنما قولهم: حطة، أن يحطَّ عنهم خطاياهم فأبى عامة القوم وعصوا، وسجدوا على خدِّهم، وقالوا: حنطة، فقال الله جل ثناؤه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩] " (١). وعن عكرمة عن ابن عباس: " قال الله جل وعز: لما دعا موسى: ﴿فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾، قال: فدخلوا التيه، فكلُّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنًة مات في التيه، قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينةَ الجبارين، فافتتح يوشع المدينة" (٢). وعن قتادة، "قال الله جل وعزّ: ﴿إنها محرّمة عليهم أربعين سنة﴾، حرمت عليهم القُرَى، فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، وذكر لنا أن موسى ﷺ مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا" (٣). وأخرج الطبري عن ابن إسحاق، قال: "حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم نبيّهم، وهّمهم بكالب ويوشع، إذْ أمرَاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلِّها التي وضَعتُ بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، وأجعل لك شعبًا أشد وأكبر منهم. فقال موسى: يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا الشعب بقوّتك من بينهم، ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البّرية، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، وإنك تحفظ ذنب الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة. فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكَلمتك، ولكن حيٌّ أنا، وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني، لا يرون الأرض التي حلفت لآبائهم، ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خَلَفه. وكان العماليق والكنْعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بحر سوف، وكلم الله موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعتُ وسوسة بني إسرائيل. وقال، لأفعلن بكم كما قلت لكم، ولتلقينَّ جِيَفكم في هذه القفار، وكحسابكم، من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليّ، فلا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي إليها، ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر،

стр. 3344

فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي بأن يتيهوا في القفار، فيها يموتون. فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض. فلما قال موسى ﵇ هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لم تعتدون في كلام الله؟ من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم. فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة يعني من الخيمة حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتيّهم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان - فيما يزعمون - على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق" (١). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، أي: " فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي" (٢). قال ابن عباس: " يقول: فلا تحزن" (٣). قال مقاتل: " يعني: لا تحزن على قوم أنت سميتهم فاسقين أن تاهوا" (٤). قال السدي: ": لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى ﷺ ، فلما نَدِم أوحى الله إليه: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم فاسقين، فلم يحزن" (٥). قال الزجاج: " جائز أن يكون هذا خطابا لموسى، وجائز أن يكون خطابا لمحمد ﷺ أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل" (٦). قال ابو عبيدة: " ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾، لا تحزن، يقال: أسيت عليه، قال العجّاج (٧): وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى " (٨)

стр. 3345

قال ابن كثير: " وقوله تعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، تسلية لموسى، ﵇، عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم، به فإنهم يستحقون ذلك" (١). الفوائد: ١ - قدرة الله تعالى يليق بمسلم أن يشك في الأخبار الصحيحة، أو يتوقف فيها، أو يظن فيها الظنون بناء على أقاويل قوم كفار، أو بناء على النظريات والمكتشفات الحديثة؛ فإنَّ الله قادر على كل شيء، وهو قادر سبحانه على أن يُعجز الناس عن الوقوف على مكانهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]. وإذا أراد المسلم عبرة في هذا الباب فليقرأ قصة بني إسرائيل عندما قضى الله عليهم أن يتيهوا في الأرض، فتاهوا في أرض سيناء أربعين سنة. قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، وإذا نظرت إلى الخريطة تجدها منطقة صغيرة، فهي الزاوية التي في رأس البحر الأحمر، فلولا أنَّ الله أعمى قلوبهم وصرفهم عن الاهتداء لما ضاعوا في مثل هذا المكان الصغير هذه المدة الطويلة. فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو على كلِّ شيء قدير. ٢ - أن التحريم نوعان (٢): أحدهما: - التحريم الكوني: ويطلق على منع الشيء، فكل شيء منعته بالقوة فقد حرمته (٣)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، يعني: حرم الله على سيدنا موسى، الإرضاع من غير أمه، وهذا تحريم كوني. والثاني: - والتحريم الديني: يطلق في الشرع على ما حرمه الله؛ أي: منعه على لسان نبيه، وتوعد مرتكبه بالعقاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]. وقد تناولناهما في تفسير الآية بشيء من التفصيل. ٣ - قال ابن كثير: " هذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما، فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﷺ وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا وقد شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لتَقَرَّ به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعُدَدهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون، وفي غَيِّهم يترددون، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود" (٤). القرآن ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧] التفسير:

стр. 3346

واقصص -أيها الرسول- على بني إسرائيل خَبَر ابنَيْ آدم قابيل وهابيل، وهو خبرٌ حقٌ: حين قَدَّم كلٌّ منهما قربانًا -وهو ما يُتَقرَّب به إلى الله تعالى- فتقبَّل الله قُربان هابيل; لأنه كان تقيًّا، ولم يتقبَّل قُربان قابيل; لأنه لم يكن تقيًّا، فحسد قابيلُ أخاه، وقال: لأقتلنَّك، فَردَّ هابيل: إنما يتقبل الله ممن يخشونه. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: " واقصص -أيها الرسول- على بني إسرائيل خَبَر ابنَيْ آدم قابيل وهابيل، وهو خبرٌ حقٌ: حين قَدَّم كلٌّ منهما قربانًا" (١). قال الطبري: أي: "واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معك وعرِّفهم مكروهَ عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبَّة الخَتْر ونقض العهد، وما جزاء الناكثِ وثوابُ الوافي خبرَ ابني آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربَّه الخاتِر الناقضِ عهده، فلتعرف بذلك اليهود وخَامِة غِبّ غَدْرهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، وهمَّهم بما همُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم في حسن ثوابي وعِظَم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتولَ الوافِيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده عزاءً جميلا" (٢). قال السعدي: " أي: قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، أي: اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، الذي أداهما إلى الحال المذكورة، إذ أخرج كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله" (٣). قال ابن عطية: " ﴿اتل﴾، معناه: اسرد وأسمعهم إياه، وهذه من علوم الكتب الأول التي لا تعلق لمحمد ﷺ بها إلا من طريق الوحي، فهو من دلائل نبوته" (٤). والضمير في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٧]، ظاهر أمره أنه يراد به بنو إسرائيل لوجهين (٥): أحدهما أن المحاورة فيما تقدم إنما هي في شأنهم وإقامة الحجج عليهم بسبب همهم ببسط اليد إلى محمد ﷺ . والثاني: أن علم نبأ ابني آدم إنما هو عندهم وفي غامض كتبهم، وعليهم تقوم الحجة في إيراده والنبأ الخبر. أخرج الطبري عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: "أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أختَه تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته تُؤْمَه قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكره، تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحنَ وِلادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي! ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه. فالله أعلم أيّ ذلك كان فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحلُّ لك! فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فأيُّكما قَبِل الله قربَانه فهو أحق بها. وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رِعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرّب هابيل أبْكارًا من أبكار غنمه وبعضهم يقول: قرب بقرة فأرسل الله جل وعز نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله" (٦).

стр. 3347

قال مقاتل: " يقول: اتل -يا محمد- على أهل مكة نبأ ابني آدم بالحق ليعرفوا نبوتك، يقول: اتل عليهم حديث ابني آدم هابيل وقابيل، وذلك أن حواء ولدت في بطن واحد غلاما وجارية قابيل وإقليما، ثم ولدت في البطن الآخر غلاما وجارية، هابيل وليوذا، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فلما أدركا قال آدم- ﵇ ليتزوج كل واحد منهما أخت الآخر قال قابيل لكن يتزوج كل واحد منهما أخته التي ولدت معه، قال آدم- ﵇: قربا قربانا فأيما تقبل قربانه كان أحق بهذه الجارية وخرج آدم- ﵇ إلى مكة فعمد قابيل وكان صاحب زرع فقرب أخبث زرعه البر المأكول فيه الزوان، وكان هابيل صاحب ماشية فعمد فقرب خير غنمه مع زبد ولبن ثم وضعا القربان على الجبل وقاما يدعوان الله- فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فحسده قابيل، فقال لهابيل: لأقتلنك. قال هابيل: يا أخي لا تلطخ يدك بدم بريء فترتكب أمرا عظيما، إنما طلبت رضا والدي ورضاك فلا تفعل فإنك إن فعلت أخزاك الله بقتلك إياي بغير ذنب ولا جرم فتعيش في الدنيا أيام حياتك في شقوة ومخافة في الأرض حتى تكون من الخوف والحزن أدق من شعر رأسك ويجعلك إلهي ملعونا. فلم يزل يحاوره حتى انتصف النهار، وكان في آخر مقالة هابيل لقابيل: إن أنت قتلتني كنت أول من كتب عليه الشقاء، وأول من يساق إلى النار من ذرية والدي، وكنت أنا أول شهيد يدخل الجنة، فغضب قابيل فقال: لا عشت في الدنيا. ويقال قد تقبل قربانه ولم يتقبل قرباني، فقال له هابيل: فتشقى آخر الأبد، فغضب عند ذلك قابيل فقتله بحجر دق رأسه وذلك بأرض الهند عشية وآدم- ﵇ بمكة " (١). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧]، على قولين: أحدهما: أنهما من بني إسرائيل، وهذا قول الحسن (٢). والثاني: أنهما ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل وقابيل، وهو قول ابن عباس (٣)، وابن عمر (٤)، ومجاهد (٥)، وقتادة (٦)، وعطية (٧)، واختيار الطبري (٨)، والزمخشري (٩)، وابن عطية (١٠)، وهو قول الجمهور (١١). والقول الثاني هو الصحيح، وذلك لوجهين: أحدهما: لقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، إذ ولو كان من بني إسرائيل، لكان قد عرف الدفن. والثاني: ولأن النبي ﷺ قال عنه: «إنه أول من سن القتل» (١٢).

стр. 3348

قال ابن عطية: " و ﴿ابنا آدم﴾ هما في قول جمهور المفسرين لصلبه. وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: «ابنا آدم» ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور" (١). قال السعدي: "والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين" (٢). قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل. وذلك أن الله يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم. فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بِ ابني آدم اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره ﷻ إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى بـ ﴿ابني آدم﴾، ابني آدم لصلبه، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا" (٣). وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧]، يحتمل وجوها (٤): أحدها: تلاوة ملتبسة بالحق والصحة. والثاني: اتله نبأ ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين. والثالث: بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد، لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله ﷺ ويبغون عليه. والرابع: اتل عليهم وأنت محق صادق. قال الراغب: " «القربان»: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وكثر استعماله في النسيكة" (٥). قال الزمخشري: " و «القربان»: اسم ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أن الحلوان اسم ما يحلى أى يعطى، يقال: قرب صدقة وتقرب بها، لأن تقرب مطاوع قرب: قال الأصمعى: تقربوا قرف القمع (٦) فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب" (٧). قوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: " فتقبَّل الله قُربان هابيل; لأنه كان تقيًّا، ولم يتقبَّل قُربان قابيل; لأنه لم يكن تقيًّا" (٨). قال السعدي: " بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه" (٩). قال قتادة: " هما هابيل وقابيل، كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله. فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر ... " (١٠).

стр. 3349

قال مجاهد: " قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق" (١). اختلف فى السبب الذي قربا لأجله قرباناً على قولين: أحدهما: أنهما فعلاه لغير سبب (٢). قال ابن عطية: " وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان تحنثا وتطوعا" (٣). والثاني: أن ذلك لسبب، - وهو أشهر القولين- وهو أن حواء كانت تضع في كل عام غلاماً وجارية، فكان الغلام يتزوج من أحد البطنين بالجارية من البطن الآخر، وكان لكل واحد من ابني آدم هابيل وقابيل توأمة، فأراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل فمنعه، وقال أنا أحق بها منك. وهذا قول ابن مسعود (٤). واختلف فى سبب منعه على قولين (٥): أحدهما: أن قابيل قال لهابيل: أنا أحق بتوأمتي منك، لأننا من ولادة الجنة وأنت من ولادة الأرض. ذكره ابن إسحاق (٦). الثاني: أنه منعه منها لأن توأمته كانت أحسن من هابيل ومن توأمته، فقربا قرباناً وكان قابيل حراثاً، وهابيل راعياً، فقرب هابيل سخلة سمينة من خيار ماله، وقرب قابيل حزمة سنبل من شر ماله، فنزلت نار بيضاء فرفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وكان ذلك علامة القبول ولم يكن فيهم مسكين يتقرب بالصدقة عليه وإنما كانت قُرَبُهُم هكذا. وهذا معنى قول ابن مسعود (٧). أخرج الطبري عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي- ﷺ : "وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا! قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه. فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ. فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي! فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين" (٨). واختلف في سبب قبول قربان هابيل على وجهين: أحدهما: لأنه كان أتقى لله من قابيل، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، والتقوى ها هنا الصلاة على ما ذكره المفسرون (٩).

стр. 3350

الثاني: لأن هابيل تقرب بخيار ماله فَتُقُبِّل منه، وقابيل تقرب بشر ماله، فلم يُتَقَبَّل منه، وهذا قول عبد الله بن عمر (١)، واسماعيل بن رافع (٢)، وأكثر المفسرون (٣). قال عبدالله بن عمر: " إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [الكوزن] والزُّوان، غير طيبةٍ بها نفسه وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه. وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه" (٤). قال اسماعيل بن رافع: " بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما" (٥). واختلف في قربانهما هل كان بأمر، أو من قبل أنفسهما على قولين: أحدهما: أنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا وذلك حين اختصما إلى أبيهما آدم. وهذا قول عبدالله بن عمر (٦)، واسماعيل بن رافع (٧)، وذكره ابن إسحاق (٨)، واختيار والزمخشري (٩). والثاني: أنهما قربا من قِبَل أنفسهما. وهذا معنى قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، وعطية (١٢). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف كان قوله إنما يتقبل الله من المتقين جوابا لقوله: ﴿لأقتلنك﴾؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم" (١٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: " فحسد قابيلُ أخاه، وقال: لأقتلنَّك" (١٤). قال الطبري: أي: " قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه: لأقتلنك" (١٥). قال قتادة: " .... فحسده فقال: لأقتلنك! " (١٦). وروى زيد عن يعقوب: «لأقتلنك»، بسكون النون وتخفيفها (١٧).

стр. 3351

قال ابن الجوزي: " القائل: هو الذي لم يتقبل منه. قال الفراء: إنما حذف ذكره، لأن المعنى يدل عليه، ومثل ذلك في الكلام أن تقول: إذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت، وإذا اجتمع السفيه والحليم حمد، وإنما كان ذلك، لأن المعنى لا يشكل، فلو قلت: مر بي رجل وامرأة، فأعنت، وأنت تريد أحدهما، لم يجز، لأنه ليس هناك علامة تدل على مرادك" (١). قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: " فَردَّ هابيل: إنما يتقبل الله ممن يخشونه" (٢). عن ابن عباس: "قال لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين" (٣). قال ابن زيد: " يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي. قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني! " (٤). وفي المراد بـ «الْمُتَّقِينَ» قولان: أحدهما: أنهم الذين يتقون المعاصي، قاله ابن عباس (٥). والثاني: أنهم الذين يتقون الشرك، قاله الضحاك (٦). قال السعدي: " وأصح الأقوال في تفسير ﴿المتقين﴾ هنا، أي: المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله ﷺ " (٧). قال ابن عطية: " وإجماع أهل السنة في معنى [التقوى]، أنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا، وقال عدي بن ثابت وغيره: «قربان متقي هذه الأمة الصلاة» (٨) " (٩). قال الطبري: " ويعني بقوله: ﴿من المتقين﴾، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته" (١٠). قال ابن عطية: " كلام قبله محذوف تقديره: ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ولا ذنب لي في قبول الله قرباني؟ أما إني اتقيته وكنت على لا حب الحق. وإنما يتقبل الله من المتقين" (١١). واختلف في قابيل هل كان عند قتل أخيه كافراً أو فاسقاً؟ فقال قوم: كان كافراً، وقال آخرون: بل كان رجل سوء فاسقاً (١٢). قال ابن جريج: " أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سَمُرَةَ الصوّاف، وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، وينكحها غيره من إخوتها. وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة. فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة. فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي. فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله حتى

стр. 3352

أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصَّفا في ثَبِير، عند منزل سمرة الصواف، وهو على يمينك حين ترمي الجمار. قال ابن جريج، وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنةَ عمه، وذهب نكاح الأخوات" (١). الفوائد: ١ - مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يجب أن يتقرب به إليه تعالى. ٢ - عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة. ٣ - قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإخلاص فيها لله تعالى. ٤ - بيان أول من سن جريمة القتل، وهو قابيل. ٥ - أن من قتل واحدا فقد سن لغيره أن يقتدي به، فكل من يقتل يأخذ بحظه من إثم، وكذلك من أحيا مثله في الأجر، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها» (٢)؛ لأنه أول من سن القتل (٣). القرآن ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ [المائدة: ٢٨] التفسير: وقال هابيلُ واعظًا أخاه: لَئنْ مَدَدْتَ إليَّ يدكَ لتقتُلني لا تَجِدُ مني مثل فعْلك، وإني أخشى الله ربَّ الخلائق أجمعين. قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨]، أي: " قال هابيلُ واعظًا أخاه: لَئنْ مَدَدْتَ إليَّ يدكَ لتقتُلني" (٤). قال القرطبي: أي: لئن قصدت قتلي" (٥). قال الطبري: "وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه لما قال له أخوه القاتل: لأقتلنك: والله لئن مددت إليَّ يدك لتقتلني" (٦). قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]، أي: " لا تَجِدُ مني مثل فعْلك" (٧). قال الطبري: " يقول: ما أنا بمادٍّ يدي إليك لأقتلك" (٨). قال ابن عباس: " ما أنا بمنتصر، ولأمسكنَّ يدي عنك" (٩). قال ابن كثير: " يقول له أخوه الرجل الصالح، الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾، أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة" (١٠).

стр. 3353

قال القرطبي: أي: " فأنا لا أقصد قتلك، فهذا استسلام منه ... وقيل: المعنى: لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا قيل: كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي" (١). قال الزمخشري: " قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تخرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفا من الله لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت" (٢). وإن قيل: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: ﴿لئن بسطت ..... ﴾ ﴿ما أنا بباسط﴾؟ الجواب: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي (٣). وفي قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]، قولان: أحدهما: أما أنا بمنتصر لنفسي، قاله ابن عباس (٤). والثاني: ما كنت لأبتدئك، قاله عكرمة (٥). وفي سبب امتناعه من دفعه عنه قولان: أحدهما: أنه منعه التحرج مع قدرته على الدفع وجوازه له، قاله ابن عمر (٦)، وابن عباس (٧)، وجمهور الناس (٨). قال ابن عمر: " وايم الله، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه" (٩). والثاني: أن دفع الانسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزا، قاله الحسن (١٠)، ومجاهد (١١). قال ابن عطية: " والقول الأول هو الأظهر، ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان ﵁" (١٢). وقال الإمام الطبري: " وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلمًا، وأن المقتول قال لأخيه: ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك، لأنه كان حرامًا عليه من قتل أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه، كان المقتول عالمًا بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعَه عن نفسه. بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ (١٣)، فإذْ كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله، يكون جائزًا ادعاءُ ما ليس في الآية، إلا ببرهان يجب تسليمُه" (١٤).

стр. 3354

وقال القرطبي: " قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن يريد قتله، قال علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر (١)، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة" (٢). قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]، أي: " إني أخشى الله ربَّ الخلائق أجمعين" (٣). قال الطبري: أي: " إنّي أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك، ﴿رب العالمين﴾، يعني: مالك الخلائق كلها أن يعاقبني على بسط يدي إليك" (٤). قال ابن كثير: " أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب" (٥). قال السعدي: أي: " وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني ﴿أخاف الله رب العالمين﴾ والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار. وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه" (٦). ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (٧). قال الجصاص: " فإنما أراد بذلك إذا قصد كل واحد منهما صاحبه ظلما على نحو ما يفعله أصحاب العصبية والفتنة" (٨). وعن بُسْر بن سعيد؛ أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: "أشهد أن رسول الله ﷺ قال: «"إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني قال: «كن كابن آدم» " (٩). قال أيوب السَّخْتَياني: "إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لَعُثْمان بن عفان ﵁" (١٠). عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: «ركب النبي ﷺ حمارا وأردفني خلفه، وقال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوعٌ شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ ". قال: قال الله ورسوله أعلم. قال: "تعفف" قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موتٌ شديد، ويكون البيت فيه بالعبد، يعني القبر، كيف تصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "اصبر". قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك". قال: فإن لم أتْرَك؟ قال: "فأت من أنت منهم، فكن فيهم قال: فآخذ سلاحي؟ قال: "إذًا تشاركهم فيما

стр. 3355

هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك"» (١). عن رِبْعِيّ قال: "كنا في جنازة حُذَيفة، فسمعت رجلا يقول: سمعت هذا يقول في ناس: مما سمعت من رسول الله ﷺ : "لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري، فلألجنَّه، فلئن دخل عَليّ فلان لأقولن: ها بؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم" (٢). الفوائد: ١ - لا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك للجماعة " (٣). وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ". قال ابن: " إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " (٤). وقد حذر الرسول ﷺ المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضاً، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قال: فقلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (٥). ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخي. ٢ - أنه ما عبد الله بمثل الخوف من الله، وطريق الخوف والحزن والشفقات والحياء من الله ﵎ (٦)، قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]. ٣ - أن الخوف من الله تعالى إيمان، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه، فأما من أخلص للخوف له، فإنه جل جلاه مدحه وأثنى عليه ووعده إلا من يوم الفزع، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]. وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]. وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (٣) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٤] وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع" (٧) (٨). وقد جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه عبارة تصور موقف علي من مقتل عثمان أحسن تصوير قال سعيد الخزاعي: "لقيت عليًّا بعد الجمل، فقلت له: إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غدًا إن شاء الله، قال: سل عما بدا لك، قلت: أخبرني أي

стр. 3356

منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إن عثمان كان إمامًا وأنه نهى عن القتال، وقال: من سلَّ سيفه فليس مني، فلو قاتلنا دونه عصيناه، قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذا استسلم؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ " (١). وما أروع ما قاله محمد بن سيرين في هذا الموضوع: "ما علمت أن عليًّا اتُّهِم في دم عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس، وذلك أمر مركوز في الطبائع" (٢). القرآن ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [المائدة: ٢٩] التفسير: إني أريد أن ترجع حاملا إثم قَتْلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك، فتكون من أهل النار وملازميها، وذلك جزاء المعتدين. قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، أي: " إني أريد أن ترجع حاملا إثم قَتْلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك" (٣). قال الواحدي: أي: " أن تحمل إثم قتلي وإثم الذي كان منك قبل قتلي" (٤). قال السمرقندي: " يعني: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني: بقتلك إياي، وبإثمك الذي عملت قبل قتلي، وهي الخيانة في القربان وغيره" (٥). قال الزجاج: " أي: أن ترجع إلى الله بإثمي وإثمك" (٦). قال السمعاني: " فكأنه مريد لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة" (٧). قال الزمخشري: " المراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب" (٨). قال المراغي: " أي: إنى أريد بالابتعاد من مقابلة الجريمة بمثلها أن ترجع إن فعلتها ملتبسا بإثمى وإثمك أي بإثم قتلك إياى، وإثمك الخاص بك الذي كان من آثاره عدم قبول قربانك" (٩). قال ابن عطية: " قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾ الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوما سيستنصر الله لي في الآخرة، و ﴿تبوء﴾، معناه: تمضي متحملا. وقوله: ﴿بإثمي وإثمك﴾، قيل معناه: بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك" (١٠). قال الراغب: " قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾، [المائدة: ٢٩] أي: تقيم بهذه الحالة. قال (١١):

стр. 3357

أنكرت باطلها وبؤت بحقها وأصل البواء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النبو الذي هو منافاة الأجزاء. يقال: مكان بواء: إذا لم يكن نابيا بنازله، وبوأت له مكانا: سويته فتبوأ، وباء فلان بدم فلان يبوء به أي: ساواه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [يونس: ٨٧]، وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]، تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران/ ١٢١]، يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ [يوسف: ٥٦]. وروي أنه: «كان ﵇ يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله» (١). وبَوَّأْتُ الرمح: هيأت له مكانا، ثم قصدت الطعن به، وقال ﵇: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار» (٢)، وقال الراعي في صفة إبل (٣): لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا أي: يتركها الراعي حتى إذا وجدت مكانا موافقا للرعي طلب الراعي لنفسه متبوّأ لمضجعه. ويقال: تَبَوَّأَ فلان كناية عن التزوّج، كما يعبّر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله. ويستعمل البَوَاء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء لفلان إذا ساواه، وقوله : ﴿باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]، أي: حلّ مبّوأ ومعه غضب الله، أي: عقوبته، وقوله: ﴿بِغَضَبٍ﴾ في موضع حال، كخرج بسيفه، أي: رجع، لا مفعول نحو: مرّ بزيد. واستعمال (باء) تنبيها على أنّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة؟ وذلك على حدّ ما ذكر في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ... " (٤). وفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، وجوه: أحدها: أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي عليك من معاصيك وذنوبك، وهذا قول ابن عباس (٥)، وابن مسعود (٦)، والضحاك (٧)، وقتادة (٨)، ومجاهد-في أحدى الروايات- (٩). والثاني: وقيل: كأنه كان يمنعه عن القتل، وأراد ترك القتل؛ كيلا يبوء بالإثم. ذكره السمعاني (١٠). والثالث: وقيل ﴿بإثمي﴾، أي: بإثم قتلى، ﴿وإثمك﴾، أي: الذي من أجله لم يتقبل قربانك. قاله الزجاج (١١). والرابع: وقيل: ﴿بإثمي﴾: أن تقتلني، ﴿وإثمك﴾: ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة. حكاه الماتريدي عن القتبي (١٢).

стр. 3358

والخامس: وقال الحسن: "ترجع ﴿بإثمي﴾ بقتلك إياي، ﴿وإثمك﴾، يعني: الكفر الذي كان عليه" (١)؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافرا فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر (٢). والسادس: وقيل المعنى: ﴿بإثمي﴾، إن لو قاتلتك وقتلتك، وإثم نفسك في قتالي وقتلي. حكاه ابن عطية، وقال: " وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي ﷺ «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (٣)، فكأن هابيل أراد: أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي" (٤). والسابع: يعني: أن تبوء بإثمي فى خطاياي، وإثمك بقتلك لي، فتبوء بهما جميعاً، وهذا قول مجاهد (٥). قال ابن كثير: " وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب .... عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «قتل الصَّبْر لا يمر بذنب إلا محاه» (٦). وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا. ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العَرَصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطُرِحَت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها" (٧). والراجح-والله أعلم- أن يقال في تفسير قوله تعالى: : ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾: " إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي﴾، وأما معنى: ﴿وإثمك﴾، فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصيته الله جل ثناؤه في أعمالٍ سِوَاه، وذلك لإجماع أهل التأويل عليه. لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه. وإذا كان ذلك حكمه في خلقه، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه" (٨). قال ابن كثير: " وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر" (٩). قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩]، أي: " فتكون من أهل النار وملازميها" (١٠). قال الطبري: أي: " فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها" (١١). قال المراغي: " أي: فتكون بما حملت من الإثمين من أهل النار فى الآخرة جزاء ظلمك" (١٢).

стр. 3359

قال القرطبي: قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، " دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد استدل بقول هابيل لأخيه قابيل: ﴿فتكون من أصحاب النار﴾ على أنه كان كافرا، لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن، وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية (١)، ومعنى: ﴿من أصحاب النار﴾، مدة كونك فيها " (٢). قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]، أي: " وذلك جزاء المعتدين" (٣). قال الطبري: أي: " والنار ثوابُ التاركين طريق الحق، الزائلين عن قصد السبيل، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يجعل لهم" (٤). قال المراغي: أي: " والنار جزاء كل ظالم" (٥). قال ابن عطية: " يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى لمحمد ﷺ " (٦). قال عبد الله بن عمرو: "وإنا لنجد ابنَ آدم القاتلَ يقاسِم أهل النار قسمًة صحيحًة العذابَ، عليه شطرُ عذابهم" (٧). وروى الأعمش، عند عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: " قال النبي ﷺ : ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوَّلَ كفلٌ منها، ذلك بأنه أول من سَنَّ القتل" (٨). وقال إبراهيم النخعي: " ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه" (٩). وعن حكيم بن حكيم، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلا لابْنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سُفِك دم في الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أوَّل من سنَّ القتل" (١٠). الفوائد: ١ - أن فيما قصه علينا الوحي من قتل قابيل لأخيه هابيل بيان لما في استعداد البشر من التنازع بين غرائز الفطرة بالتعارض بين عاطفة وشيجة الرحم، وحب العلو والرجحان، والامتياز على الأقران في رغائب النفس ومنافعها، وما قد يلد من الحسد، وما قد يتبع الحسد من البغي والعدوان. فضرب الله لنا مثلا لبيان هاتين الحقيقتين ; ليرتب عليه بيان كون غريزة الدين بل هدايته هي المهذبة للفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل والخير على الشر، فكان قابيل مثلا لمن غلبت عليه النزعة الثانية، وهابيل مثلا لمن غلبت عليه الأولى بترجيح هداية الدين. ٢ - أن مثوى الظالمين هو عذاب النار. القرآن

стр. 3360

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠] التفسير: فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، فقتله، فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم. قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]، أي: " فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، فقتله" (١). قال الزجاج: أي: " تابعته" (٢). قال الواحدي: أي: " سهَّلته وزيَّنت له ذلك" (٣). قال السمرقندي: " يعني: تابعت له نفسه على قتل أخيه" (٤). قال ابن كثير: " أي: فحسنت وسوّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر" (٥). قال الزمخشري: أي: " فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع. وقرأ الحسن: فطاوعت" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]، اقوال: أحدها: يعنى شجعت له نفسه قتل أخيه، وهو قول مجاهد (٧). والثاني: يعني: زيَّنَت له، وهو قول قتادة (٨). والثالث: يعني فساعدته (٩). والرابع: يعني: فغلت، من الطوع. حكاه الزجاج عن المبرد (١٠). قال الجصاص: " والمعنى في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له ويقال إن العرب تقول طاع لهذه الظبية أصول الشجر وطاع فلان كذا أي أتاه طوعا ويقال انطاع بمعنى انقاد ويقال طوعت له نفسه ولا يقال أطاعته نفسه على هذا المعنى لأن قولهم أطاع يقتضى قصد أمنه لموافقة معنى الأمر وذلك غير موجود في نفسه وليس كذلك الطوع لأنه لا يقتضي أمرا ولا يجوز أن يكون آمر لنفسه ولا ناهيا لها إذ كان موضوع الأمر والنهي ممن هو أعلى لمن دونه وقد يجوز أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى غيره كقولك حرك غيره وقتل نفسه كما يقال حرك غيره وقتل غيره" (١١). قال الرازي: " قال المفسرون: سهلت له نفسه قتل أخيه. ومنهم من قال شجعته، وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر، فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله، فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه البتة، فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه" (١٢). ثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله، وفيه وجوه:

стр. 3361

أحدها: أنه وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة. وهذا القول رواه السدي عن عبد الله بن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ (١). والثاني: أنه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل. وهذا قول مجاهد (٢)، وابن جريج (٣). قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان. غير أن القتل قد كان لا شك فيه" (٤). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠]، أي: " فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم" (٥). قال النحاس: " أي ممن خسر حسناته و «الخسران»: النقصان" (٦). قال السمرقندي: " يعني: فصار من المغبونين في العقوبة" (٧). قال الواحدي: أي: " خسر دنياه بإسخاط والديه وآخرته بسخط الله عليه" (٨). قال الطبري: أي: " فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم" (٩). قال الزجاج: أي: " ممن خسر حسناته، وكان حين قتله سلبه ثيابه وتركه عاريا بالأرض القفار" (١٠). قال الجصاص: " يعني: خسر نفسه بإهلاكه إياها لقوله تعالى إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ولا دلالة في قوله فأصبح من الخاسرين على أن القتل كان ليلا وإنما المراد به وقت مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا وهو كقول الشاعر (١١): أصبحت عاذلتي معتله وليس المراد النهار دون الليل، وكقول الآخر (١٢): بكرت علىّ عواذلى ... يلحيننى وألومهنّه ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره وهذا عادة العرب في إطلاق مثله والمراد به الوقت المبهم" (١٣).

стр. 3362

قال الرازي: " قيل: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فإن عبدت النار أيضا حصل مقصودك، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار. وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال ما كنت عليه وكيلا، فقال بل قتلته، ولذلك اسود جسدك، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط" (١). الفوائد: ١ - أن قوله ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ يدل، على أنه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه، فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة. ٢ - قالت المعتزلة: لو كان خالق الكل هو الله تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافا إلى الله تعالى لا إلى النفس. وجوابه: أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي، وكان فاعل تلك الدواعي هو الله تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو الله تعالى (٢). القرآن ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١] التفسير: لما قتل قابيلُ أخاه لم يعرف ما يصنع بجسده، فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا; ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه؟ فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ فدَفَنَ قابيل أخاه، فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران. قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا" (٣). قال الطبري: أي: " فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول، غرابًا يحفر في الأرض، فيثير ترابها" (٤). قال عطية: " لما قتله ندم، فضَّمه إليه حتى أروح (٥)، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يَرْمي به فتأكله" (٦). قال قتادة: " قتل غرابٌ غرابًا، فجعل يحثُو عليه" (٧). قال مجاهد: " وارى الغراب الغراب. قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغرابَ" (٨). قال السدي بإسناده إلى الصحابة: " لما مات الغلام تَركه بالعراء، ولا يعلم كيف يَدْفن. فبعث الله جل وعزّ غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حَثا عليه. فلما رآه

стр. 3363

قال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي، فهو قول الله: فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه " (١). قال ابن عطية: " معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره، ومن هذا سميت سورة براءة البحوث لأنها فتشت عن المنافقين ومن ذلك قول الشاعر (٢): إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوني كان فيهم مباحث وفي مثل: لا تكن كالباحث عن الشفرة" (٣). وقال الشاعر (٤): فكانت كعنز السوء قامت برجلها ... إلى مدية مدفونة تستثيرها قوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه" (٥). قال الطبري: أي: " ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه" (٦). قال الرازي: " ﴿ليريه﴾، فيه وجهان: الأول: ليريه الله، أو ليريه الغراب، أي ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز" (٧). قال ابن عطية: " والضمير في قوله: ﴿سوأة أخيه﴾، يحتمل أن يعود على قابيل ويراد بالأخ هابيل، ويحتمل أن يعود على الغراب الباحث ويراد بالأخ الغراب الميت، والأول أشهر في التأويل" (٨). وفي معنى قوله تعالى: ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، وجوه (٩): أحدها: يعني: عورة أخيه. ذكره السمرقندي (١٠). قال الرازي: " ﴿سوأة أخيه﴾: عورة أخيه، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده، والسوأة الفضيحة لقبحها" (١١). قال ابن عطية: " السوأة: العورة، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، ولأن سترها أوكد" (١٢). والثاني: جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن، فقيل لجيفته سوأة (١٣). وهذا اختيار الإمام الطبري (١٤). والثالث: يعني: جسده الميت، فإنه مما يستقبح أن يرى. أفاده البيضاوي (١٥). والرابع: ويحتمل أن يراد «بالسوأة» هذه الحالة التي تسوء الناظر بمجموعها، وأضيفت إلى المقتول من حيث نزلت به النازلة لا على جهة الغض منه بل الغض حق للقاتل وهو الذي أتى «بالسوأة». أفاده ابن عطية (١٦). وفي الغراب المبعوث قولان:

стр. 3364

أحدهما: أنه كان ملكاً على صورة الغراب، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه. ذكره الماوردي (١). والثاني: أنه كان غراباً، بحث الأرض على غراب آخر. وفيه وجوه (٢): أحدها: أن قابيل لم يدر كيف يفعل بهابيل حتى بعث الله الغرابين، فتنازعا فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فبحث الأرض عليه. قال ابن عباس: " مكث يحمل أخاه في جِرابٍ على رقبته سنًة، حتى بعث الله جل وعز الغُرَابين، فرآهما يبحثان، فقال: أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب؟ فدفن أخاه" (٣). قال مجاهد: ": بعث الله غرابًا حتى حفر لآخر إلى جنبه ميت وابن آدم القاتل ينظر إليه ثم بحث عليه حتى غيَّبه" (٤). الثاني: أن الغراب إنما بعث ليري ابن آدم كيفية المواراة لهابيل خاصة. والثالث: وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأنه من عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل ذلك على مواراة أخيه. وهذا قول أبي مسلم (٥)، وذكره القرطبي (٦). قال أبو مسلم: "عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه" (٧). قال القرطبي: " وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة" (٨). قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ " (٩). قال السمرقندي: " يعني: أضعفت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأغطي عورة أخي" (١٠). قال قتادة: " أنه بعثه الله عز ذكره يبحثُ في الأرض، ذكر لنا أنهما غرابان اقتَتَلا فقتل أحدهما صاحبه، وذلك يعني ابن آدم ينظر، وجعل الحيّ يَحْثِي على الميت الترابَ، فعند ذلك قال ما قال: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾ الآية، إلى قوله: ﴿من النادمين﴾ " (١١). قال الضحاك: " بعث الله غرابًا حيًّا إلى غراب ميّت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾، الآية" (١٢). قال الرازي: " قوله: ﴿يا ويلتى﴾، اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، ولفظها لفظ النداء، كأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره، أي أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وذكر «يا» زيادة بيان كما في قوله: ﴿يا ويلتى أألد﴾ [هود: ٧٢] " (١٣).

стр. 3365

وقرأ الجمهور: «يا ويلتى» والأصل «يا ويلتي» لكن من العرب من يبدل من الياء ألفا ويفتح الياء لذلك فيقولون «يا ويلتى» ويا غلاما ويقف بعضهم على هاء السكت فيقول يا ويلتاه. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يا ويلتى» ونداء الويلة هو على معنى احضري فهذا أوانك، وهذا هو الباب في قوله: ﴿يا حسرة﴾ [يس: ٣٠] وفي قوله: يا عجبا وما جرى مجراه من نداء هذه الأمور التي لا تعقل وهي معان (١). وقرأ الجمهور: «أعجزت» بفتح الجيم. وقرأ ابن مسعود والحسن والفياض وطلحة بن سليمان: «أعجزت» بكسر الجيم، وهي لغة (٢). وقرأ طلحة بن مصرف والفياض بن غزوان: «فأواري» بسكون الياء، وهي لغة لتوالي الحركات (٣). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران" (٤). قال الحسن البصري: "علاه الله بندامة بعد خسران" (٥). قال السمرقندي: أي: على حمله حيث لم يدفنه حين قتله" (٦). قال الطبري: أي: " على ما فرط منه، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه" (٧). أخرج الطبري عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لما قتله سُقِط في يديه، ولم يَدْر كيف يواريه. وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أوَّل قتيل من بني آدم وأوّل ميت قال: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون﴾، قال: ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له جل ثناؤه: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا! فقال الله جل وعز له: إنّ صوت دم أخيك لينادِيني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرضِ التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك. فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثَها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي من أن تغفرها! قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدَّامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكل من لقيني قتلني! فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحدٍ سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة، وجعل الله في قابيل آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قابيل من قدام الله من شرقي عدن الجنة" (٨). وعن خيثمة قال: "لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعد" (٩). فان قيل: أليس الندم توبة، فلم لم يقبل منه؟ فعنه خمسة أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا، ويكون توبة لهذه الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن الفضل (١٠). والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله (١١).
следующие страницы →