← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

أحدها: أنه وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة. وهذا القول رواه السدي عن عبد الله بن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ (١). والثاني: أنه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل. وهذا قول مجاهد (٢)، وابن جريج (٣). قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان. غير أن القتل قد كان لا شك فيه" (٤). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠]، أي: " فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم" (٥). قال النحاس: " أي ممن خسر حسناته و «الخسران»: النقصان" (٦). قال السمرقندي: " يعني: فصار من المغبونين في العقوبة" (٧). قال الواحدي: أي: " خسر دنياه بإسخاط والديه وآخرته بسخط الله عليه" (٨). قال الطبري: أي: " فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم" (٩). قال الزجاج: أي: " ممن خسر حسناته، وكان حين قتله سلبه ثيابه وتركه عاريا بالأرض القفار" (١٠). قال الجصاص: " يعني: خسر نفسه بإهلاكه إياها لقوله تعالى إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ولا دلالة في قوله فأصبح من الخاسرين على أن القتل كان ليلا وإنما المراد به وقت مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا وهو كقول الشاعر (١١): أصبحت عاذلتي معتله وليس المراد النهار دون الليل، وكقول الآخر (١٢): بكرت علىّ عواذلى ... يلحيننى وألومهنّه ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره وهذا عادة العرب في إطلاق مثله والمراد به الوقت المبهم" (١٣).

стр. 3362

قال الرازي: " قيل: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فإن عبدت النار أيضا حصل مقصودك، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار. وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال ما كنت عليه وكيلا، فقال بل قتلته، ولذلك اسود جسدك، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط" (١). الفوائد: ١ - أن قوله ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ يدل، على أنه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه، فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة. ٢ - قالت المعتزلة: لو كان خالق الكل هو الله تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافا إلى الله تعالى لا إلى النفس. وجوابه: أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي، وكان فاعل تلك الدواعي هو الله تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو الله تعالى (٢). القرآن ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١] التفسير: لما قتل قابيلُ أخاه لم يعرف ما يصنع بجسده، فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا; ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه؟ فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ فدَفَنَ قابيل أخاه، فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران. قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا" (٣). قال الطبري: أي: " فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول، غرابًا يحفر في الأرض، فيثير ترابها" (٤). قال عطية: " لما قتله ندم، فضَّمه إليه حتى أروح (٥)، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يَرْمي به فتأكله" (٦). قال قتادة: " قتل غرابٌ غرابًا، فجعل يحثُو عليه" (٧). قال مجاهد: " وارى الغراب الغراب. قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغرابَ" (٨). قال السدي بإسناده إلى الصحابة: " لما مات الغلام تَركه بالعراء، ولا يعلم كيف يَدْفن. فبعث الله جل وعزّ غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حَثا عليه. فلما رآه

стр. 3363

قال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي، فهو قول الله: فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه " (١). قال ابن عطية: " معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره، ومن هذا سميت سورة براءة البحوث لأنها فتشت عن المنافقين ومن ذلك قول الشاعر (٢): إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوني كان فيهم مباحث وفي مثل: لا تكن كالباحث عن الشفرة" (٣). وقال الشاعر (٤): فكانت كعنز السوء قامت برجلها ... إلى مدية مدفونة تستثيرها قوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه" (٥). قال الطبري: أي: " ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه" (٦). قال الرازي: " ﴿ليريه﴾، فيه وجهان: الأول: ليريه الله، أو ليريه الغراب، أي ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز" (٧). قال ابن عطية: " والضمير في قوله: ﴿سوأة أخيه﴾، يحتمل أن يعود على قابيل ويراد بالأخ هابيل، ويحتمل أن يعود على الغراب الباحث ويراد بالأخ الغراب الميت، والأول أشهر في التأويل" (٨). وفي معنى قوله تعالى: ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، وجوه (٩): أحدها: يعني: عورة أخيه. ذكره السمرقندي (١٠). قال الرازي: " ﴿سوأة أخيه﴾: عورة أخيه، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده، والسوأة الفضيحة لقبحها" (١١). قال ابن عطية: " السوأة: العورة، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، ولأن سترها أوكد" (١٢). والثاني: جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن، فقيل لجيفته سوأة (١٣). وهذا اختيار الإمام الطبري (١٤). والثالث: يعني: جسده الميت، فإنه مما يستقبح أن يرى. أفاده البيضاوي (١٥). والرابع: ويحتمل أن يراد «بالسوأة» هذه الحالة التي تسوء الناظر بمجموعها، وأضيفت إلى المقتول من حيث نزلت به النازلة لا على جهة الغض منه بل الغض حق للقاتل وهو الذي أتى «بالسوأة». أفاده ابن عطية (١٦). وفي الغراب المبعوث قولان:

стр. 3364

أحدهما: أنه كان ملكاً على صورة الغراب، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه. ذكره الماوردي (١). والثاني: أنه كان غراباً، بحث الأرض على غراب آخر. وفيه وجوه (٢): أحدها: أن قابيل لم يدر كيف يفعل بهابيل حتى بعث الله الغرابين، فتنازعا فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فبحث الأرض عليه. قال ابن عباس: " مكث يحمل أخاه في جِرابٍ على رقبته سنًة، حتى بعث الله جل وعز الغُرَابين، فرآهما يبحثان، فقال: أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب؟ فدفن أخاه" (٣). قال مجاهد: ": بعث الله غرابًا حتى حفر لآخر إلى جنبه ميت وابن آدم القاتل ينظر إليه ثم بحث عليه حتى غيَّبه" (٤). الثاني: أن الغراب إنما بعث ليري ابن آدم كيفية المواراة لهابيل خاصة. والثالث: وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأنه من عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل ذلك على مواراة أخيه. وهذا قول أبي مسلم (٥)، وذكره القرطبي (٦). قال أبو مسلم: "عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه" (٧). قال القرطبي: " وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة" (٨). قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ " (٩). قال السمرقندي: " يعني: أضعفت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأغطي عورة أخي" (١٠). قال قتادة: " أنه بعثه الله عز ذكره يبحثُ في الأرض، ذكر لنا أنهما غرابان اقتَتَلا فقتل أحدهما صاحبه، وذلك يعني ابن آدم ينظر، وجعل الحيّ يَحْثِي على الميت الترابَ، فعند ذلك قال ما قال: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾ الآية، إلى قوله: ﴿من النادمين﴾ " (١١). قال الضحاك: " بعث الله غرابًا حيًّا إلى غراب ميّت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾، الآية" (١٢). قال الرازي: " قوله: ﴿يا ويلتى﴾، اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، ولفظها لفظ النداء، كأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره، أي أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وذكر «يا» زيادة بيان كما في قوله: ﴿يا ويلتى أألد﴾ [هود: ٧٢] " (١٣).

стр. 3365

وقرأ الجمهور: «يا ويلتى» والأصل «يا ويلتي» لكن من العرب من يبدل من الياء ألفا ويفتح الياء لذلك فيقولون «يا ويلتى» ويا غلاما ويقف بعضهم على هاء السكت فيقول يا ويلتاه. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يا ويلتى» ونداء الويلة هو على معنى احضري فهذا أوانك، وهذا هو الباب في قوله: ﴿يا حسرة﴾ [يس: ٣٠] وفي قوله: يا عجبا وما جرى مجراه من نداء هذه الأمور التي لا تعقل وهي معان (١). وقرأ الجمهور: «أعجزت» بفتح الجيم. وقرأ ابن مسعود والحسن والفياض وطلحة بن سليمان: «أعجزت» بكسر الجيم، وهي لغة (٢). وقرأ طلحة بن مصرف والفياض بن غزوان: «فأواري» بسكون الياء، وهي لغة لتوالي الحركات (٣). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: " فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران" (٤). قال الحسن البصري: "علاه الله بندامة بعد خسران" (٥). قال السمرقندي: أي: على حمله حيث لم يدفنه حين قتله" (٦). قال الطبري: أي: " على ما فرط منه، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه" (٧). أخرج الطبري عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لما قتله سُقِط في يديه، ولم يَدْر كيف يواريه. وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أوَّل قتيل من بني آدم وأوّل ميت قال: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون﴾، قال: ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له جل ثناؤه: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا! فقال الله جل وعز له: إنّ صوت دم أخيك لينادِيني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرضِ التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك. فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثَها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي من أن تغفرها! قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدَّامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكل من لقيني قتلني! فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحدٍ سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة، وجعل الله في قابيل آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قابيل من قدام الله من شرقي عدن الجنة" (٨). وعن خيثمة قال: "لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعد" (٩). فان قيل: أليس الندم توبة، فلم لم يقبل منه؟ فعنه خمسة أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا، ويكون توبة لهذه الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن الفضل (١٠). والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله (١١).

стр. 3366

قال الرازي: " لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة" (١). والثالث: أنه ندم إذ لم يواره حين قتله (٢). قال الرازي: " أنه كان عالما منه بكيفية دفنه، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافا به، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال: إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض، أفأكون أقل شفقة من هذا الغراب" (٣). والرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب (٤). والخامس: أنه ندم ولم يستمر ندمه (٥). والسادس: أنه ندم عندما رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه. قال القرطبي: " وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: ﴿يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين﴾، حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة" (٦). والسابع: أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علما منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته، فندم وتلهف وتحسر على فعله. أفاده الرازي (٧). قال الرازي: " أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافا به بعد قتله، فلما رأى أن الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال: هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم" (٨). والثامن: أنه صار من النادمين على قتل أخيه، لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية (٩). قال ابن العربي: " كل من ندم فقد سلم، لكن الندم له شروط، فكل من جاء بشروطه قبل منه، ومن أخل بها أو بشيء منها لم يقبل" (١٠). قال ابن عطية: " لما رأى قابيل فعل الغراب تنبه على ما يجب أن يصنع بأخيه، ورأى قصور نفسه وجهل البشر بالأمور، فقال: ﴿يا ويلتى أعجزت﴾ الآية، واحتقر نفسه ولذلك ندم ... ثم إن قابيل وارى أخاه وندم على ما كان منه من معصية الله في قتله حيث لا ينفعه الندم، واختلف العلماء في قابيل هل هو من الكفار أو من العصاة، والظاهر أنه من العصاة" (١١). وقال أبو الليث عن ابن عباس: "لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه" (١٢).

стр. 3367

وإن قيل: أنه ومن الغريب أنّ الله أخبر عنه أنّه ندم وأنّه في النّار، وقال النّبيّ ﷺ : "النَّدِمُ تَوبَةٌ" (١). فقال علماؤنا عنه ثلاثة أَوْجُهٍ (٢): أحدها: أنّ الحديث لم يصحّ، ولكن المعنى صحيحٌ، وكلُّ من ندم سَلِمَ، لكن النَدم له شروطٌ، من جاء بها قُبِلَ منه، ومن أَخَلَّ بها ولم يأت بها لم يُقْبل منه. الثّاني - قيل: معناه نَدِمَ ولم يَستَمرّ نَدَمُه، وإنّما يُقْبَلُ النَّدَمُ إذا اسْتَمَرَّ. والثالث: قال علماؤنا: النَّدَمُ على المعاصي إنّما يقعُ بشرطِ العَزْمِ ألَّا يعود ولا يفعل في المستقبل. قال ابن كثير: "والظاهر أن قابيل عُوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد بن جَبْر أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلا به. وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من ذنب أجدر أن يُعَجَّل الله عقوبته في الدنيا مع ما يَدَّخر لصاحبه في الآخرة، من البَغْي وقطيعة الرحم» (٣). وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٤). وقال المقدم: " فالظاهر أن الله لم يعف عنه؛ لأنه لم يتب مما فعل بأخيه، فيلزم أن يفسر قوله تعالى: ﴿فأصبح من النادمين﴾، يعني: على حيرته حيث لم يهتد إلى ما اهتدى إليه الغراب الأعجم، فكان أخس وأقل من الغراب الأعجم، ولو كان نادماً على قتل أخيه لكانت الندامة توبة، لكنه لم يتب. وظاهر الآيات أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، وأنه تعلم ذلك من الغراب، ولا مانع من ذلك؛ إذ مثله مما يجوز خفاؤه على الإنسان، لاسيما والعالم في أول طور النشأة، وكان هابيل أول قتيل من بني آدم، فيكون أول ميت، فيحتمل أنه لم يكن يعرف ما ويصنع بالميت إذا مات أو بالقتيل إذا قتل" (٥). قال الطبري: " وكل ما ذكر الله في هذه الآيات، مثلٌ ضربه الله عز ذكره لبني آدم، وحرَّض به المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ على استعمال العفوِ والصفح عن اليهود الذين كانوا هموا بقتل النبي ﷺ وقتلهم من بني النضير، إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري، وعرَّفهم جل وعز رداءة سجيَّة أوائلهم، وسوء استقامتهم على منهج الحق، مع كثرة أياديه وآلائه عندهم. وضرب مثلهم في غَدْرهم، ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم، بابني آدم المقرِّبَين قرابينهما، اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات. ثم ذلك مثلٌ لهم على التأسِّي بالفاضل منهما دون الطالح، وبذلك جاء الخبر عن رسول الله ﷺ " (٦). وروي عن الحسن، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن ابني آدم ضُرِبا مثلا لهذه الأمة، فخذوا بالخير منهما" (٧). قال السمرقندي: " يقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه، ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به" (٨).

стр. 3368

ومن الإسرائيليات ما رواه الطبري، وابن كثير في تفسيرهما كذلك ذكره السيوطي في "الدر": من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر مكث مائة عام لا يضحك حزنًا عليه؛ فأتى على رأس المائة فقيل له: حياك الله وبياك، وبُشر بغلام؛ فعند ذلك ضحك، وكذلك ما ذكره من أن آدم ﵇ رثى ابنه بشعر. أخرج الطبري عن سالم بن أبي الجعد قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حيّاك الله وبيّاك! فقال: بياك، أضحكك" (١). وأخرج الطبري عن علي بن أبي طالب: "لما قتل ابن آدم أخاه، بكاه آدم فقال: تَغيَّرت البلاد ومَنْ عَلَيها ... فَلَوْنُ الأرض مُغْبر قَبيح تغيَّر كل ذي لون وطعم ... وقلَّ بَشَاشَة الوجْه المليح فأجيب آدم ﵇: أبَا هَابيل قَدْ قُتلا جَميعًا ... وصار الحي كالميْت الذبيح وجَاء بشرةٍ قد كان مِنْها ... عَلى خَوف فجاء بها يَصيح" (٢) وذكره ابن كثير في تفسيره (٣). وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: "ميزان الاعتدال"، وقال: فالآفة المخرمي أو شيخه" (٤). قال الزمخشري: " وروى أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك» وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون. وقد صح أن الأنبياء ﵈ معصومون من الشعر" (٥). قال الشيخ محمد أبو شهبة: "وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر ... قال الله ﵎: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء" (٦). قال الألوسي: "وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابن عباس، ﵄، أنه قال: «من قال: آدم ﵇ قد قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا ﷺ والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرًا عربيًا»، وذكر بعض علماء العربية: أن في ذلك لحنًا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة" (٧). الفوائد:

стр. 3369

١ - قال ابن الجوزي: " وفي هذه القصة تحذير من الحسد، لأنه الذي أهلك قابيل" (١). ٢ - أن الله تعالى بعث الغراب حكمة، ليرى ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره] [عبس: ٢١]، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين. وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال: " لما مات أبو طالب أتيت النبي ﷺ ، فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات، فقال: " انطلق فواره، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " قال: فانطلقت فواريته. فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما أحب أن لي بهن ما عرض من شيء» (٢) (٣). ٣ - أن دفن الميت لوجهين (٤): أحدهما: لستره. الثاني: لئلا يؤذي الأحياء بجيفته. روي عن يحيى بن زهدم قال: حدثني أبي عن أبيه عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «امتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث، بالريح بعد الروح فلولا إن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما، وبالدودة في الحبة فلولا أن الدودة تقع في الحبة لأكنزها الملوك وكانت حبا من الدنانير والدراهم. وبالموت بعد الكبر، فإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أيسر له" (٥). ٤ - ومنها: أن الندم إذا لم يكن لقبح المعصية فليس بتوبة، ففي الآية دلالة على أن الندم إذا لم يكن لقبح المعصية لم يكن توبة، فهو هنا لم يندم على قبح المعصية، أو لم يندم خوفاً من الله ﵎، ولذلك لم ينفعه هذا الندم، يقول الرازي: ندم على قساوة قلبه كونه دون الغراب في الرحمة فكان ندمه لذلك، لا لأجل الخوف من الله تعالى، فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم. ٥ - قال ابن العربي: " قوله تعالى: ﴿أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾ [المائدة: ٣١]: فيه دليل على قياس الشبه" (٦). القرآن ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢] التفسير: بسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حرَّمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا; فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم. ولقد أتت بني إسرائيل رسلُنا بالحجج والدلائل على صحة ما دعَوهم إليه من الإيمان بربهم، وأداء ما

стр. 3370

فُرِضَ عليهم، ثم إن كثيرًا منهم بعد مجيء الرسل إليهم لمتجاوزون حدود الله بارتكاب محارم الله وترك أوامره. قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: " بسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني اسرائيل" (١). قال الضحاك: " يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا" (٢). قال مقاتل: " يعنى: من أجل ابني آدم تعظيما للدم، ﴿كتبنا على بني إسرائيل﴾ في التوراة" (٣). قال الطبري: أي: " من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلمًا حكمنا على بني إسرائيل" (٤). قال ابن كثير: " يقول تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ قَتْل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانًا، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم" (٥). قال ابن عطية: " جمهور الناس على أن قوله: من أجل ذلك متعلق بقوله كتبنا أي بسبب هذه النازلة ومن جراها كتبنا، وقال قوم: بل هو متعلق بقوله: ﴿من النادمين﴾ [المائدة: ٣١]، أي ندم من «أجل» ما وقع، والوقف على هذا على ذلك، والناس على أن الوقف من النادمين" (٦). وقوله: ﴿من أجل ذلك﴾، من: جرِّ ذلك وجَريرته وجنايته، قال الشاعر (٧): وَأَهْلِ خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهمْ ... قَدِ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أَنَا آجِلُه يعني بقوله: أنا آجله، أنا الجارُّ ذلك عليه والجانِي (٨). قال ابن عطية: " ﴿كتبنا﴾، معناه: كتب بأمرنا في كتب منزلة عليهم تضمنت فرض ذلك، وخص الله تعالى: بني إسرائيل بالذكر وقد تقدمتهم أمم كان قتل النفس فيهم محظورا لوجهين: أحدهما: فيما روي أن بني إسرائيل أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب، وغلظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء. والآخر: لتلوح مذمتهم في أن كتب عليهم هذا وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون بل هموا بقتل النبي ﷺ ظلما، فخصوا بالذكر لحضورهم مخالفين لما كتب عليهم" (٩).

стр. 3371

وقرئ: «من اجل ذلك»، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها، وقرأ أبو جعفر: «من إجل ذلك»، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقيا لكسرة الهمزة عليها (١). قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: " أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة" (٢). قال مقاتل: " من قتل نفسا بغير نفس عمدا، ﴿أو فساد في الأرض﴾: أو عمل فيها بالشرك وجبت له النار ولا يعفى عنه حتى يقتل" (٣). قال الزمخشري: أي: " بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص، أو بغير فساد في الأرض وهو الشرك، وقيل: قطع الطريق" (٤). قال ابن كثير: " أي: ومن قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية" (٥). قال ابن عطية: " قوله تعالى: ﴿بغير نفس﴾، معناه: بغير أن تقتل نفسا فتستحق القتل، وقد حرم الله تعالى نفس المؤمن إلا بإحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس ظلما وتعديا. وهنا يندرج المحارب، و «الفساد في الأرض» بجميع الزنا والارتداد والحرابة" (٦). قال الطبري: "فسادها في الأرض، إنما يكون بالحرب لله ولرسوله، وإخافة السبيل" (٧). وقرأ الحسن: «أو فسادا في الأرض»، بنصب الفساد على فعل محذوف وتقديره أو أتى فسادا أو أحدث فسادا، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه (٨). قوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: " فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله" (٩). قال الزجاج: " أي: المؤمنون كلهم خصماء القاتل، وقد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعا" (١٠). قال ابن كثير: " لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس" (١١). قال البيضاوي: " من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسن القتل، وجرأ الناس عليه، أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله والعذاب العظيم" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: " أي ومن تسبَّب لبقاء حياتها واستنقذها من الهَلَكة فكأنه أحيا جميع الناس" (١٣). قال ابن كثير: " أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار" (١٤).

стр. 3372

قال الزمخشري: أي ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك" (١). قال البيضاوي: " أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيبا عن التعرض لها وترغيبا في المحاماة عليها" (٢). قال الزجاج: " أي: من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم، أو ما يميت لا محالة، أو استنقذها من ضلالة، أجره على الله أجر من أحياهم أجمعين، فإن قال قائل، كيف يكون ثوابه ثواب من أحياهم جميعا؟ فالجواب في هذا كالجواب في قوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فالتأويل: أن الثواب الذي إذا جعل للحسنة كان غاية ما يتمنى يعطى العامل لها عشرة أمثاله" (٣). عن أبي هريرة قال: "دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تَقْتُل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال فإنك إن قتلت رجلا واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا، فانْصَرِفْ مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزور. قال: فانصرفت ولم أقاتل" (٤). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وجوه: أحدها: يعني من قتل نبياً أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن شد على يد نبى أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعاً، وهذا قول ابن عباس (٥). قال ابن عطية: " وهذا قول لا تعطيه الألفاظ" (٦). والثاني: معناه فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها فاستنفذها من هلكة، فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنفذ، وهذا قول ابن مسعود (٧). والثالث: معناه أن قاتل النفس المحرمة يجب عليه من القود والقصاص مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها بالعفو عن القاتل، أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعاً، وهذا قول ابن زيد (٨)، وأبيه (٩). وروي عن الحسن: " في قوله: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعًا﴾، قال: من عفا" (١٠). وفي رواية أخرى له: " العفو بعد القدرة" (١١). والرابع: معناه أن قاتل النفس المحرمة يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتل الناس جيمعاً، ومن أحياها، يعني سلم من قتلها، فكأنما سلم من قتل الناس جميعاً، وهذا قول ابن عباس-في رواية اخرى- (١٢)، ومجاهد (١٣)، وذكر مقاتل نحوه (١٤).

стр. 3373

والخامس: أن على جميع الناس جناية القتل كما لو قتلهم جميعاً، ومن أحياها بإنجائها من غرق أو حرق أو هلكة، فعليهم شكره كما لو أحياهم جميعا. وهذا قول مجاهد أيضا (١). والسادس: أن الله تعالى عظم أجرها ووزرها فإحياؤها يكون بمالك أو عفوك، وهذا قول الحسن (٢)، وقتادة (٣). قال الطبري: "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: تأويل ذلك: أنه من قتل نفسًا مؤمنة بغير نفس قَتَلتها فاستحقت القَوَد بها والقتل قِصاصًا أو بغير فساد في الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٣]. وأما قوله: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعًا﴾، فأولى التأويلات به، قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عز ذكره قتله على نفسه، فلم يتقدّم على قتله، فقد حيى الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاجّ إبراهيم في ربّه إذ قال له إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٨]. فكان معنى الكافر في قيله: أنا أحيي، أنا أترك من قَدَرت على قتله - وفي قوله: وأميت، قتله من قتله، فكذلك معنى الإحياء في قوله: ومن أحياها، من سلِمَ الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله في قتله منهم فكأنما أحيى الناس جميعًا. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية، لأنه لا نفسَ يقومُ قتلُها في عاجل الضُّرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقامَ إحياء جميع النفوس في عاجل النفع. فكان معلومًا بذلك أن معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة، فقد سلم منه جميع النفوس - وأن الواحدة منها التي يقوم قتلُها مقام جميعها إنما هو في الوِزْر، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعمّ ضررًا من فقد بعض" (٤). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت: لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك. فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: " ولقد أتت بني إسرائيل رسلُنا بالحجج والدلائل على صحة ما دعَوهم إليه من الإيمان بربهم، وأداء ما فُرِضَ عليهم" (٦). قال مقاتل: " يعني: بالبيان في أمره ونهيه" (٧). قال ابن كثير: " أي: بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة" (٨). قال الطبري: " وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به: أن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قصَّ الله قَصَصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدَّمت، من قوله: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسُطوا إليكم أيديهم﴾، إلى هذا الموضع بالبينات، يعني: بالآيات الواضحة والحجج البيِّنة على حقيقة ما أرسلوا به إليهم، وصحة ما دعوهم إليه من الإيمان بهم، وأداء فرائضِ الله عليهم" (٩). قال ابن عطية: " أخبر الله تعالى عن «بني إسرائيل» أنهم جاءتهم الرسل من الله بالبينات في هذا وفي سواه" (١٠). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: " ثم إن كثيرًا منهم بعد مجيء الرسل إليهم لمتجاوزون حدود الله بارتكاب محارم الله وترك أوامره" (١١). قال مقاتل: " ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك البيان ﴿في الأرض لمسرفون﴾، يعني: إسرافا في سفك الدماء واستحلال المعاصي" (١٢). قال السعدي: أي: " ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا﴾ من الناس ﴿بعد ذلك﴾ البيان القاطع للحجة، الموجب للاستقامة في الأرض، في العمل بالمعاصي، ومخالفة الرسل الذين جاءوا بالبينات والحجج" (١٣). قال الزمخشري: " ﴿بعد ذلك﴾، بعد ما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات ﴿لمسرفون﴾، يعنى: في القتل لا يبالون بعظمته" (١٤). قال الطبري: " يعني: أنهم في الأرض لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمر الله ونهيه، ومحادُّو الله ورسله، باتباعهم أهواءَهم. وخلافهم على أنبيائهم، وذلك كان إسرافهم في الأرض" (١٥). قال القرطبي: " ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات، وأن أكثرهم مجاوزون الحد، وتاركون أمر الله" (١٦). قال البيضاوي: " أي: بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد كي يتحاموا عنها وكثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون به، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها والإسراف التباعد عن حد الاعتدال في الأمر" (١٧). قال ابن عطية: " ثم لم يزل الكثير منهم بعد ذلك في كل عصر يسرفون ويتجاوزون الحدود، وفي هذه الآية إشارة إلى فعل اليهود في همهم بقتل النبي ﷺ وغيره إلى سائر ذلك من أعمالهم" (١٨). قال ابن كثير: "وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قُرَيْظَة والنَّضير وغيرهم من بني قَيْنُقاع ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة، حيث يقول: ﴿وَإِذْ

стр. 3374

أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] " (١). قال الواحدي: " ﴿المسرفون﴾ أَيْ: مجاوزون حدَّ الحقِّ" (٢). أخرج ابن سلام من طريق أبو عبيد عن سليمان بن علي الرّبعي عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾، فقلت: يا أبا سعيد (٣) أهي علينا كما كانت على بني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله إلا هو وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم عليه من دمائنا، قال أبو عبيد: وقد كان بعض أهل العلم يتأول في آية النساء غير هذا المذهب" (٤). الفوائد: ١ - تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل، ومع الأسف لم ينتفعوا به. ٢ - قال السعدي: " ودلت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين: أحدهما: إما أن يقتل نفسا بغير حق متعمدا في ذلك، فإنه يحل قتله، إن كان مكلفا مكافئا، ليس بوالد للمقتول. والثاني: وإما أن يكون مفسدا في الأرض، بإفساده لأديان الناس أو أبدانهم أو أموالهم، كالكفار المرتدين والمحاربين، والدعاة إلى البدع الذين لا ينكف شرهم إلا بالقتل، وكذلك قطاع الطريق ونحوهم، ممن يصول على الناس لقتلهم، أو أخذ أموالهم" (٥). ٣ - أن القتل عمداً بغير حق أعظم الذنوب بعد الشرك بالله ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وفي الحديث: (لزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل رجل مسلم). ٤ - أن القتل عمداً يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق لأولياء القتيل، فإذا أداها برئت ذمته. فالحق الأول: حق لأولياء القتيل، فيأتي ويسلم نفسه إليهم، ويصطلح معهم، فإن شاءوا قتلوه قصاصاً وإن شاءوا طلبوا منه الدية أو أكثر من الدية صلحاً، فإذا سلم نفسه إليهم وقتلوه قصاصاً أو اتفقوا معه على نفس الدية أو أكثر منها سقط حقهم، وبقي حق الله وحق القتيل. والثاني: حق الله: فإذا تاب فيما بينه وبين الله توبةً نصوحاً، بأن أقلع عن هذه المعصية وندم على ما مضى وعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليها مرة أخرى تاب الله عليه وسقط حق الله، والثالث: حق القتيل يوم القيامة، فإذا أدى الحقين: حق أولياء القتيل وحق الله، فالله تعالى يرضي المقتول عنه يوم القيامة بما يعطيه من الثواب والدرجات في الآخرة، فيصفح عن أخيه فيتوب الله عليه. والصواب أن القاتل له توبة، وهذا هو الذي عليه الجماهير (٦). القرآن

стр. 3375

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣] التفسير: إنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله، ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال، أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبوا مع القتل (والصلب: أن يُشَدَّ الجاني على خشبة) أو تُقْطَع يدُ المحارب اليمنى ورجله اليسرى، فإن لم يَتُبْ تُقطعْ يدُه اليسرى ورجلُه اليمنى، أو يُنفَوا إلى بلد غير بلدهم، ويُحبسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهر توبتُهم. وهذا الجزاء الذي أعدَّه الله للمحاربين هو ذلّ في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد إن لم يتوبوا. في سبب نزول الآية بعدها خمسة أقوال: أحدها: قال أنس: " قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحّوا قتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم فلما ارتفع النهار جيء بهم؛ فأمر؛ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله" (١). وروي عن ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وسعيد بن المسيب (٥)، والسدي (٦)، وجرير بن عبدالله البجلي (٧)، نحو ذلك. وفي رواية الطبري عن أنس: "أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة، أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريفٍ، وإنا استوخمنا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بِذَوْدٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعيَ رسول الله ﷺ ، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتيَ بهم النبي ﷺ ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وَسَمل أعينهم (٨)، وتركهم في الحرَّة حتى ماتوا فذُكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ " (٩). وقال السدي (١٠)، ومحمد بن عجلان (١١): لم يسمُل النبي ﷺ أعين العرنيِّين، ولكنه كان أراد أن يسمُل، فأنزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه، يعرِّفه الحكم فيهم، ونهاه عن سمل أعينهم. والثاني: قال ابن عباس: "كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهدٌ وميثاق، فنقضوا العهدَ وأفسدوا في الأرض، فخيَّرَ الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ". رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (١٢)، وبه قال الضحاك (١٣). والثالث: أن أصحاب أبي بردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاءوا يريدون الاسلام، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس (١٤). وقال ابن السائب: "كان أبو بردة، واسمه هلال بن عويمر، وادع النبي ﷺ على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين لم يهج، ومن مر بهلال إلى رسول الله ﷺ لم يهج، فمر قوم من بني كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال، فنهدوا إليهم، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، ولم يكن هلال حاضرا، فنزلت هذه الآية" (١٥). [باطل] والرابع: أنها نزلت في المشركين، رواه عكرمة عن ابن عباس (١٦)، وبه قال الحسن (١٧)، وعكرمة (١٨). قال القرطبي: " وهذا ضعيف يرده قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقوله ﵊: «الإسلام يهدم ما قبله» (١٩) " (٢٠). والخامس: عن ابن سعد؛ قال: "نزلت هذه الآية في الحرورية (٢١): ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ. . .﴾ " (٢٢).

стр. 3376

قال ابن كثير: " والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قِلابة" (١). قال القرطبي: " فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين" (٢). قال الإمام الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية على نبيِّه ﷺ ، معرِّفَه حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيِّين ما فعل. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن القِصَص التي قصّها الله جل وعزّ قبلَ هذه الآية وبعدَها، من قَصَص بنى إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسِّطًا، من تعريف الحكم فيهم وفي نظرائهم، أولى وأحقّ. وقلنا: كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعلِ رسول الله ﷺ بالعرنيِّين ما فعل، لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: " إنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله" (٤). قال الواحدي: " أَيْ: يعصونهما ولا يطيعونهما يعني: الخارجين على الإِمام وعلى الأمَّة بالسَّيف نزلت هذه الآية في قصة العُرَنيين وهي معروفةٌ تعليماً لرسول الله ﷺ عقوبة مَن فعل مثل فعلهم" (٥). قال ابن كثير: " المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل" (٦). قال ابن عطية: قوله: " ﴿يحاربون الله﴾، تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة، وقيل التقدير يحاربون عباد الله، ففي الكلام حذف مضاف" (٧). قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: " ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال" (٨). قال الواحدي: أَيْ: "بالقتل وأخذ الأموال" (٩). قال الطبري: " يعني: ويعملون في أرض الله بالمعاصي: من إخافة سُبُل عباده المؤمنين به، أو سُبُل ذمتهم، وقطعِ طرقهم، وأخذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، والتوثُّب على حرمهم فجورًا وفُسُوقًا" (١٠). قال ابن كثير: " الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] " (١١).

стр. 3377

قال ابن عطية: قوله: "قوله تعالى: ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾، تبيين للحرابة، أي: ويسعون بحرابتهم، ويحتمل أن يكون المعنى: ويسعون فسادا منضافا إلى الحرابة، والرابط إلى هذه الحدود إنما هو الحرابة" (١). واختلف في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الزنى والسرقة وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل. وهذا قول مجاهد (٢). والثاني: أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية فى المِصْر وغيره، وهذا قول الشافعي (٣)، ومالك (٤)، والأوزاعي (٥)، والليث بن سعد (٦)، وابن لهيعة (٧). والثالث: أنه المجاهر بقطع الطريق دون المكابر فى المِصْر، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (٨)، وعطاء الخراساني (٩). والراجح-والله أعلم- أن" المحارب لله ورسوله، من حارب في سابلة المسلمين وذِمَّتهم، والمغير عليهم في أمصارهم وقراهم حِرَابة، لأنه لا خلاف بين الحجة أن من نصب حربًا للمسلمين على الظلم منه لهم، أنه لهم محارب، ولا خلاف فيه. فالذي وصفنا صفته، لا شك فيه أنه لهم نَاصبٌ حربًا ظلمًا. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان نصبه الحربَ لهم في مصرهم وقُراهم، أو في سُبلهم وطرقهم: في أنه لله ولرسوله محارب، بحربه من نَهَاه الله ورسوله عن حربه" (١٠). قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: " أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبوا مع القتل" (١١). قال الصابوني: أي: " أن يُقتلوا جزاء بغيهم، أو يُقتلوا ويُصلبوا زجراً لغيرهم، والصيغةُ للتكثير" (١٢). قال ابن عطية: " وأما قتل المحارب، فبالسيف ضربة العنق، وأما صلبه فجمهور من العلماء على أنه يقتل ثم يصلب نكالا لغيره، وهذا قول الشافعي، وجمهور من العلماء على أنه يصلب حيا ويقتل بالطعن على الخشبة، وروي هذا عن مالك وهو الأظهر من الآية وهو الأنكى في النكال" (١٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: " أن تُقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى" (١٤). قال ابن عطية: "وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقطع اليد من الأصابع ويبقي الكف والرجل من نصف القدم ويبقي العقب" (١٥). قال الواحدي: " معنى: ﴿أو﴾ -ها هنا-: الإباحة فللإمام أن يفعل ما أراد من هذه الأشياء" (١٦). وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن: «يقتلوا، ويصلبوا، تقطع»، بالتخفيف في الأفعال الثلاثة (١٧). قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: " أو يُنفَوا إلى بلد غير بلدهم، ويُحبسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهر توبتُهم" (١٨). قال السمرقندي: " يعني: يطلب حتى لا يجد قرارا في موضع، ويقال: ينفوا ﴿من الأرض﴾، يعني: يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي عن الأرض" (١٩). قال الواحدي: " معنى: النَّفي من الأرض الحبسُ في السجن لأن المجون بمنزلة المخرج من الدني" (٢٠). واختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكر الله في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، على وجوه: أحدها: أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام، وهذا قول ابن عباس (٢١)، وأنس بن مالك (٢٢)، والحسن (٢٣)، وسعيد بن جبير (٢٤)، والضحاك (٢٥)، وقتادة (٢٦)، والربيع بن أنس (٢٧)، والزهري (٢٨)، والليث بن سعد (٢٩)، ومالك بن أنس (٣٠)، والسدي (٣١). والثاني: أن معنى «النفي» في هذا الموضع: أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدةٍ أخرى غيرها. وهذا قول عمر بن عبدالعزيز (٣٢)، وسعيد بن جبير-في رواية أخرى- (٣٣). والثالث: أن المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٣٤). واختار الطبري: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه حتى تظهر توبته من فسوقه، ونزوعه عن معصيته ربَّه (٣٥). قال ابن عطية: " والظاهر أن الأرض في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدر، نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحا، وهذا هو صريح

стр. 3378

مذهب مالك: أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الراجح، لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفهم حاله سرح" (١). ومعنى «النفي»، في كلام العرب، هو الطرد، ومن ذلك قول أوس بن حجر (٢): يُنْفَوْنَ عَنْ طْرُقِ الكِرَامِ كَمَا ... تَنْفِي المَطَارِقُ مَا بَلِي القَرَدُ ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء: النُّفَاية، وأما المصدر من نفيت، فإنه النفي والنَّفَاية، ويقال: الدلو ينفي الماء، ويقال لما تطاير من الماء من الدلو: النّفِيُّ، ومنه قول الأخيل الطائي (٣): كأَنَّ مَتْنَيِه مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ ومنه قيل: نَفىَ شَعَرُه، إذا سقط، يقال: حَال لونُك، ونَفىَ شعرُك (٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: " وهذا الجزاء الذي أعدَّه الله للمحاربين هو ذلّ في الدنيا" (٥). قال الواحدي: أي: " هوانٌ وفضيحةٌ" (٦). قال البيضاوي: أي: " ذل وفضيحة" (٧). قال الطبري: " يعني: لهؤلاء المحاربين خزي في الدنيا، يقول: هو لهم شرٌّ وعار وذلةٌ، ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة" (٨). قال ابن كثير: " أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم - خزْي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا " (٩). قال ابن عطية: "وقوله تعالى: ﴿ذلك لهم خزي﴾، إشارة إلى هذه الحدود التي توقع بهم، وغلظ الله الوعيد في ذنب الحرابة بأن أخبر أن لهم في الآخرة عذابا عظيما مع العقوبة في الدنيا، وهذا خارج عن المعاصي الذي في حديث عبادة بن الصامت في قول النبي ﷺ ، «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو له كفارة» (١٠). ويحتمل: أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره، وهذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة، اما أن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وعظم الذنب، والخزي في هذه الآية الفضيحة والذل والمقت" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: " ولهم في الآخرة عذاب شديد إن لم يتوبوا" (١٢). قال الطبري: أي: " لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسولَه وسعوا في الأرض فسادًا، فلم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا في الآخرة، مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عذاب عظيم، يعني: عذاب جهنم" (١٣). قال البيضاوي: [وذلك]: " لعظم ذنوبهم" (١٤). قال ابن كثير: أي: " مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام فقد ثبت في الصحيح عند مسلم، عن عبادة بن الصامت قال: «أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا: ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَه بعضنا بعضًا، فمن وَفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمْرُه إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (١٥) " (١٦). قال الواحدي: " وهذا للكفَّار الذين نزلت فيهم الآية لأنَّ العُرنيين ارتدُّوا عن الدِّين والمسلم إذا عوقب في الدُّنيا بجنايته صارت مكفَّرةً عنه" (١٧). وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أذنب ذنبًا في الدنيا، فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه" (١٨). قال القرطبي: " ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية" (١٩). قال الزهري (٢٠)، وابن سلام (٢١)، والمقري (٢٢)، وابن حزم (٢٣)، " قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ

стр. 3379

أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، نسخت بالاستثناء بعدها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. قال الزهري: "يقول: فلا سبيل لكم عليهم بعد التوبة. أراد بذلك الرجل المسلم الذي يكون منه الفساد ثم يتوب من قبل أن يظفر به ربّ الأمر. وأمّا الكفار الذين يفسدون في الأرض وهم في دار الحرب فهؤلاء لا تقبل توبتهم، فإنّهم لو كانت توبتهم صادقة للحقوا ببلاد المسلمين" (١). وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي ﷺ في «العرنيين»، على قولين (٢): أحدهما: أن ذلك حكم منسوخ، نسخَه نهيُه عن المثلة وذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. وقالوا: أنزلت هذه الآية عِتابًا لرسول الله ﷺ فيما فعل بالعُرَنيين. وهذا قول محمد بن العجلان (٣)، والليث بن سعد (٤). والثاني: أن فِعْلُ النبيِّ ﷺ بالعرنيين، حكمٌ ثابت أبدًا، ولم ينسخ ولم يبدّل. وقوله: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، حكمٌ من الله فيمن حارب وسَعى في الأرض فسادًا بالحِرَابة. والعرنيون ارتدُّوا، وقتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام أو الذمة. قال القرطبي: "وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ " (٥). وقدر روي عن السدي: " فبعث رسول الله ﷺ ، فأتي بهم يعني العرنيين فأراد أن يسمُل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود، كما أنزلها الله عليه" (٦). الفوائد: ١ - بيان حكم الحرابة وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى الصحراء بعيداً عن المدن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض، هذه هي الحرابة وأهلها، يقال لهم: المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية. ٢ - أن الإمام مخير في إنزال العقوبة التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن، وهذا مذهب الجمهور من الأئمة، وهو أرفق وأصلح وأكثر تمثيلاً للآية وانسجامًا معها. وهذا إن قلنا ﴿أو﴾ في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً يُنفى. ومذهب الجمهور، وهو الحق لا تقطع يد المحارب إلا في مال تقطع فيه يد السارق، وهو زنة: ربع دينار ذهب فأكثر. وإن تعذر النفي فالسجن يقوم مقامه، إذ هو نفي من ظاهر الأرض إلى باطنها. كما قال بعض المسجونين (٧):

стр. 3380

خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدّنيا قال ابن قتيبة: ولا أرى شيئا اشبه بالنفي من الحبس، "لأنه إذا حبس ومنع من التصرّف والتقلّب في البلاد، فقد نفي منها كلّها وألجئ إلى مكان واحد" (١). وقال الشافعي: " في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا: طلبوا حتى يوجدوا، فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا: نفوا من الأرض" (٢). القرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤] التفسير: لكن مَن أتى من المحاربين من قبل أن تقدروا عليهم وجاء طائعًا نادمًا فإنه يسقط عنه ما كان لله، فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم. قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، أي: " لكن الذين تابوا من المحاربين وقُطّأع الطريق قبل القدرة على أخذهم وعقوبتهم " (٣). قال ابن شهاب الزهري: " يقول: فلا سبيل لكم عليهم بعد التوبة. أراد بذلك الرجل المسلم الذي يكون منه الفساد ثم يتوب من قبل أن يظفر به ربّ الأمر. وأمّا الكفار الذين يفسدون في الأرض وهم في دار الحرب فهؤلاء لا تقبل توبتهم، فإنّهم لو كانت توبتهم صادقة للحقوا ببلاد المسلمين" (٤). قال مقاتل: " يقول: من جاء منهم مسلما قبل أن يؤخذ فإن الإسلام يهدم ما أصاب في كفره من قتل أو أخذ مال" (٥). قال الإمام الشافعي: " فمن تاب قبل أن يقدر عليه سقط حق الله عنه، وأخذ بحقوق بني آدم" (٦). قال السمرقندي: " يعني: رجعوا عن صنيعهم قبل أن يؤخذوا ويردوا المال" (٧). قال الجصاص: " فاستثنى التائب قبل القدرة عليه من جملة من أوجب عليه الحد المذكور في الآية" (٨). قال الفراء: " المعنى: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم" (٩). قال ابن عطية: " استثنى التائب قبل أن يقدر عليه" (١٠). قال أبو حيان: ظاهره أنه استثناء من المعاقبين عقاب قاطع الطريق، فإذا تابوا قبل القدرة على أخذهم سقط عنهم ما ترتب على الحرابة، وهذا فعل علي ﵁ بحارثة بن بدر العراني (١١) " (١٢).

стр. 3381

قال ابن الجوزي: " هذا الاستثناء في المحاربين المشركين إذا تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم، وآمنوا قبل القدرة عليهم، فلا سبيل عليهم فيما أصابوا من مال أو دم، وهذا لا خلاف فيه. فأما المحاربون المسلمون، فاختلفوا فيهم، ومذهب أصحابنا: أن حدود الله تسقط عنهم من انحتام القتل والصلب والقطع والنفي. فأما حقوق الآدميين من الجراح والأموال، فلا تسقطها التوبة، وهذا قول الشافعي" (١). قال السمعاني: " وقوله ﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾ خطاب للأئمة، أي: من قبل الظفر بهم" (٢). قال الراغب: " الاستثناء [في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾] راجع إلى كل من تقدم ذكره، وهو في العذاب وفي إقامة الحدود، وقال بعض الفقهاء: كل حق لله مختص بقاطع الطريق فالتوبة قبل القدرة يزيل ما عليه إن كان من حقوق الله، وإن كان من حقوق الآدميين فلا يزول إذا طالب به صاحبه" (٣). وقوله: ﴿تاب﴾، يريد به المستقبل، قال الشاعر (٤): فإني لاتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد يريد به المستقبل: لذلك قال «كان في غد» ولو كان ماضيا لقال: ما كان في أمس، ولم يجز ما كان في غد. وأما قول الكميت (٥): ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق فمن ذلك إنما أراد: لم يذقها فيما مضى ولن يذوقها فيما يستقبل إذا كان لم يعشق (٦). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، ستة وجوه: أحدها: إلا الذين تابوا من شركهم وسعيهم فى الأرض فساداً بإسلامهم، فأما المسلمون فلا يتسقط التوبة عنهم حداً وجب عليهم، وهذا قول ابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وعكرمة (٩)، ومجاهد (١٠)، والضحاك (١١)، وقتادة (١٢)، وعطاء الخراساني (١٣)، واختيار الواحدي (١٤). الثاني: إلا الذين تابوا من المسلمين المحاربين بأمان من الإِمام قبل القدرة عليهم، فأما التائب بغير أمان فلا، وهذا قول عليّ ﵇ (١٥)، والشعبي (١٦)، والسدي (١٧)، ومكحول (١٨).

стр. 3382

وروى الشعبي: "كان حارثة بن بدر قد أفسد في الأرض وحارب، ثم تاب. وكُلِّم له عليّ فلم يُؤْمنه. فأتى سعيدَ بن قيس فكلّمه، فانطلق سعيدُ بن قيس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقولُ فيمن حارب الله ورسوله؟ فقرأ الآية كلها، فقال: أرأيت من تابَ من قبل أن تقدِر عليه؟ قال: أقول كما قال الله. قال: فإنه حارثة بن بدر! قال: فأمَّنه علي، فقال حارثة: أَلا أَبْلِغَا هَمْدَانَ إِمَّا لَقِيتَها ... عَلَى النَّأيِ لا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُهَا لَعَمْرُ أَبِيهَا إنَّ هَمَدَانَ تَتَّقِي ... الإلهَ وَيَقْضِي بِالْكِتَابِ خَطِيبُهَا" (١). والثالث: إلا الذين تابوا بعد أن لحقوا بدار الحرب وإن كان مسلماً ثم جاء تائباً قبل القدرة عليه، وهذا قول عروة بن الزبير (٢). وقد روي عن عروة خلاف هذا القول (٣). والرابع: إن كان في دار الإٍسلام في منعة وله فئة يلجأ إليها وتاب قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإن لم يكن له فئة يمتنع بها وتاب لم تسقط عنه توبته شيئاً من عقوبته، وهذا قول أبو عمرو (٤)، وربيعة (٥)، والحكم بن عيينة (٦). والخامس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه حدود الله تعالى دون حقوق الآدميين، وهذا قول الشافعي (٧). قال ابن قدامة: " فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم، سقطت عنهم حدود الله تعالى وأخذوا بحقوق الآدميين، من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى لهم عنها» قال الإمام الموفق: لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور، والأصل فيه قوله تعالى: إلا الذين تابوا ... فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح، وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه، فأما إن تاب بعد القدرة عليه لا يسقط عنه شيء من حدود الله تعالى. وإن فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص المحاربة: كالزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة، لأنها حدود الله تعالى، إلا حد القذف، لأنه حق آدمي، ويحتمل أن لا تسقط اه ملخصا" (٨). والسادس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه سائر الحقوق والحدود إلا الدماء، وهذا مذهب مالك (٩). قال الإمام الطبري: " وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القُدرة عليه، تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حربه وحِرَابته، من حدود الله، وغُرْم لازم، وقَوَدٍ وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه، فيردّ على أهله لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله، الساعيةِ في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام. فكذلك حكم كل ممتنع سَعَى في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا. فأمَّا المستخفي بسرقته، والمتلصِّصُ على وجه اغتفال من سرقه، والشاهرُ السلاحَ في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم الله عليه تاب أو لم

стр. 3383

يتب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله، أو أصاب وليَّه بدم أو خَتْلٍ مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعز قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حربًا، أن حربه إياهم لن يضعَ عنه حقًا لله عز ذكره، ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعةٌ منه. وفي قوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾، دليل واضح لمن وُفِّق لفهمه، أنّ الحكم الذي ذكره الله جل وعزّ في المحاربين، يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبُوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين ودون ذمتهم، لوجب أن لا يُسْقِطَ إسلامُهم عنهم إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين. وفي إجماع المسلمين أنّ إسلام المشرك الحربيِّ يضع عنه، بعد قدرة المسلمين عليه، ما كان واضعَه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: عنى بآية المحاربين في هذا الموضع، حُرَّاب أهل الملة أو الذمة، دون من سواهم من مشرِكي أهل الحرب" (١). قال ابن عطية: " ورجح الطبري القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب، وقول مالك أسد للذريعة وأحفظ للناس والطرق، والمخيف في حكم القاتل ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحسانا" (٢). قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، أي: " فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم" (٣). قال مقاتل: " ﴿غفور﴾ لما كان منه في كفره، ﴿رحيم﴾ به حين تاب ورجع إلى الإسلام" (٤). قال السمرقندي: أي: " فلا يعاقبون في الدنيا ولا فى الآخرة، ويغفر الله تعالى لهم ذنوبهم" (٥). قال النسفي: أي: " يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم" (٦). قال ابن عطية: " أخبر بسقوط حقوق الله عنه" (٧). قال الزجاج: " وجعل توبة المؤمنين من الزنا والقتل والسرقة لا ترفع عنهم إقامة الحدود عليهم، وتدفع عنهم العذاب في الآخرة، لأن في إقامة الحدود الصلاح للمؤمنين، والحياة، قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] " (٨). الفوائد: ١ - من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفى عنه إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذنوبه أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك. ٢ - عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له. ٣ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و «الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل. فـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء «فعول»: بناء المبالغة في الكثرة (٩).

стр. 3384

والفرق بين صيغتي: «الغفار»، و «الغفور»: أن " «الغفار» (١)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها" (٢). و«الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (٣). قال الشيخ ابن عثيمين: " «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده" (٤)، وهو "صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، فهي صفة حقيقية ثابتة لله ، وأهل التأويل -والأصح أن نسميهم أهل التحريف- يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق ؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به ؛ ولا تتضمن نقصاً؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين" (٥). ٤ - ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه غفوراً رحيماً غفر لمن تاب من المحاربين قبل التمكن منه فيعفو عنه، فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و «الصفة»؛ و «الحكم»، كما قال بذلك أهل العلم ﵏ (٦). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، خافوا الله، وتَقَرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وجاهدوا في سبيله; كي تفوزوا بجناته. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله" (٧).

стр. 3385

قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (١). وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: " إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٣). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٤). قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: " خافوا الله" (٥). قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: " وتَقَرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه" (٦). قال أبو عبيدة: " أي: القربة، أي اطلبوا، واتخذوا ذلك بطاعته" (٧). قال الزجاج: " معناه: اطلبوا إليه القربة" (٨). قال الثعلبي: أي: " واطلبوا إليه القربة، وهي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به" (٩). قال ابن عطية: " ﴿ابتغوا﴾، معناه: اطلبوا، و ﴿الوسيلة﴾، القربة وسبب النجاح في المراد" (١٠). قال مقاتل: " يعني: في طاعته بالعمل الصالح" (١١). قال السمرقندي: " يعني: اطلبوا القرابة والفضيلة بالأعمال الصالحة" (١٢). قال البيضاوي: " أي: ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي، من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه" (١٣). وفي معنى: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، ثلاثة اقوال: أحدها: أنها القربة، قاله ابن عباس (١٤)، وأبي وائل (١٥)، والحسن (١٦)، وعطاء (١٧)، ومجاهد (١٨)، وقتادة (١٩)، وعبدالله بن كثير (٢٠)، والسدي (٢١)، والفراء (٢٢)، وأبو عبيدة (٢٣)، والطبري (٢٤)، والزجاج (٢٥)، والسمرقندي (٢٦)، وابن عطية (٢٧)، والقرطبي (٢٨).

стр. 3386

وقال قتادة: " أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه" (١). قال أبو عبيدة: يقال: توسلت إليه تقرّبت" (٢). وأنشد (٣): إِذَا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا ... وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالوَسَائِلُ وقال لبيد (٤): أرَى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بَلَى كُلّ ذي لبّ إلى الله وَاسِلُ والثاني: أنها المحبة، يقول: تحببوا إلى الله، هذا قول ابن زيد (٥). والثالث: أنها الحاجة، وهذا قول ابن عباس أيضا، جاء في مسائل نافع (٦)، "قال نافع: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله : ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، الحاجة. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول (٧): إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ... إِنْ يَأْخُذُوكِ، تكَحَّلِي وتَخَضَّبي" (٨) قال الزمحشري: " الوسيلة: كل ما يتوسل به أى يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي" (٩). قال ابن كثير: " والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش" (١٠).

стр. 3387

قال ابن عطية: " وأما الوسيلة المطلوبة لمحمد ﷺ فهي أيضا من هذا، لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود" (١). وقد ثبت في صحيح البخاري، من طريق محمد بن المُنكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودا الذي وعدته، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة" (٢). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عَليّ، فإنه من صلى عَليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلًّتْ عليه الشفاعة" (٣). وعن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم عَليّ فَسَلُوا لي الوسيلة". قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعْلَى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رَجُلٌ واحد وأرجو أن أكون أنا هو" (٤). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا - أو: شفيعًا - يوم القيامة" (٥). وعن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله ﷺ : "إن الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسَلُوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه" (٦). قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: " وجاهدوا لإِعلاء دينه" (٧). قال مقاتل: " وجاهدوا العدو ﴿في سبيله﴾، يعني: في طاعته" (٨). قال ابن عطية: " خص الجهاد بالذكر لوجهين: أحدهما: نباهته في أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام، وقد دخل بالمعنى في قوله: وابتغوا إليه الوسيلة ولكن خصه تشريفا. والوجه الآخر: أنها العبادة التي تصلح لكل منهي عن المحاربة وهو معدلها من حاله وسنه وقوته وشره نفسه، فليس بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلا توفيق الله تعالى" (٩). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: " كي تفوزوا بجناته" (١٠). قال مقاتل: " ﴿لعلكم﴾ يعني: لكي، ﴿تفلحون﴾، يعني: تسعدون، ويقال تفوزون" (١١). قال الزجاج: " أي: لعلكم تظفرون بعدوكم، والمفلح الفائز بما فيه غاية صلاح حاله" (١٢). قال ابن كثير: " لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، التاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك

стр. 3388

بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تَبِيد ولا تَحُول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها يَنْعَم لا ييأس، ويحيا لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه" (١). قال ابن عطية: " هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة، وعادة البشر إذا رأى وسمع أمر ممتحن ببشيع المكاره أن يرق ويخشع، فجاء الوعظ في هذه الحال" (٢). الفوائد: ١ - وجوب تقوى الله وطلب القربة إليه والجهاد في سبيله. ٢ - مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالإيمان وصالح الأعمال. قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب: " إن المشي إلى الطاعة وسؤاله امتثالاً لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وقد أجمع العلماء أنها القربة ولا قربة أعظم من عمل الطاعة" (٣). ٤ - أن التوسل إما بما يناسب المطلوب عقلاً وأذن فيه شرعاً، وإما بغير ذلك، وتفصيله: أن المتوسل إما أن يتوسل بما لله من صفات وأسماء، وإما بما له من اعتقاد صحيح، وإما بما له من عمل صالح، وإما بما لغيره من دعاء أو جاه، وإما بطاعة تعمه وغيره؛ فتلك ستة أنواع فيما ياتي نفصل القول فيها (٤): اولا: - التوسل بصفات الله: النوع الأول: التوسل بصفات الله، وهو مشروع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ولما رواه الترمذي وحسَّنه عن عاذ بن جبل ﵁؛ أن النبي ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ! فَقَالَ: «قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ؛ فَسَلْ» (٥)، وله أمثلة: ١ - منها ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربع أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، عن أنس ﵁؛ أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: "اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! ". فَقَالَ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ» (٦). ٢ - ومنها ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ! رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ» (٧)؛ فإن إضافة لفظ الرب إلى تلك المخلوقات العظيمة مشعر بعظيم قدرته وكمال حكمته. ٣ - ومنها الأبيات المشهورة المنسوبة لابن القاسم السهيلي، ومطلعها: يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ ... أَنْتَ الْمُعِدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ ثانيا: - التوسل بالإِيمان:

стр. 3389

النوع الثاني: التوسل بالإِيمان الصحيح الصادق، وهو مشروع؛ لما فيه من تقوية التوحيد، وله أمثلة: ١ - منها ما حكاه الله عن أولي الألباب: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ٢ - ومنها ما رواه الترمذي وحسنه- بل صححه كما في " مدارج السالكين " (١) - وبقية أصحاب السنن الأربع، وصححه ابن حبان والحاكم؛ عن بريدة ﵁، أن النبي ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (٢). ٣ - ومنها: قول تميم بن المعز بن باديس الأمير الصنهاجي المالكي (٣): فَكَّرْتُ فِي نَارِ الْجَحِيمِ وَحَرِّهَا ... يَا وَيْلَتَاهُ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ فَدَعَوْتُ رَبِّي أَنَّ خَيْرَ وَسِيلَتِي ... يَوْمَ الْمَعَادِ شَهَادَةُ الْإِخْلَاص ثالثا: - التوسل بالعمل الخاص: النوع الثالث: توسل الداعي بطاعته وصالح عمله، وهو مشروع لما فيه من تغذية الخشوع المناسب للموضوع، وله أمثلة: ١ - منها: حديث الصخرة في " الصحيحين "؛ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «انْطَلَقَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَل فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُ ... » ثم ذكر برور الأول بأبويه وانفراج الصخرة قليلاً لدعائه، وعفة الثاني عمن أمكنته من نفسها بعد شوق طويل وانفراج الصخرة له أيضاً، ومبالغة الثالث في حفظ الأمانة وتمام انفراج الصخرة، وأنهم كلهم قالوا في أدعيتهم: «اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» (٤). ٢ - ومنها: تقديم الصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء، لما رواه أبو داود، والترمذي وصححه، أَنَ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَيَدْعُو، وَلَمْ يَحْمَدْ رَبَّهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا». ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، وَلْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (٥).

стр. 3390

٣ - ومنها: قول محمد بن عبد الله العبدري المالكي (١): تَوَسَّلْتُ يَا رَبِّي بِأَنِّيَ مُؤْمِنٌ ... وَمَا قُلْتُ إِنِّي سَامِعٌ وَمُطِيعٌ أَيُصْلَى بَحَرِّ النَّارِ عَاصٍ مُوَحِّدٌ ... وَأَنْتَ كَرِيمٌ وَالرَّسُولُ شَفِيعُ وهذه الأنواع الثلاثة لتقاربها قد تجتمع أو بعضها في الصيغة الواحدة. رابعا: - التوسل بالدعاء: النوع الرابع: تَوسُّل المرء بدعاء غيره، وهو على وجهين: أحدهما: أن تكتفي عن دعائك بدعاء من سألته الدعاء، وهذا تقدم في فصل الدعاء، وأنه مأذون فيه، ما لم يكن ذريعة إلى منهي عنه؛ كسؤال الدعاء من الميت والغائب؛ لما فيه من مظنة الاعتقاد بعلم الغيب. قال الشيخ محمد صالح العثيمين: " من الشرك أن يدعو غير الله؛ لأن الدعاء لا يكون إلا مع محبة وتعظيم وافتقار وتذلُّل، واعتقاد أن المدعو قادر" (٢). والوجه الثاني: أن تسأل الدعاء من الحي الحاضر، فيدعو لك، وتتوجه أنت إلى الله داعياً متوسلاً بدعائه. وهو مشروع لحديث الأعمى عند أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، وهو أن رجلاً ضريرا جاء إلى النبي ﷺ يسأله الدعاء ليرد الله عليه بصره، فخيره بين الصبر ودعائه له، فأصر على اختيار دعاء رسول الله ﷺ ، فأمره بالوضؤ وصلاة ركعتين، ثم الدعاء بهذا اللفظ: «اللَّهُمَّ! إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ! إنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ! فَشَفِّعْهُ فِيَّ» (٣). والتوجه بالنبي معناه التوجه بدعائه، دل على هذا المحذوف اختيار الأعمى لدعاء الرسول ﷺ بعد تخييره له بينه وبين الصبر، وأمره للأعمى بالدعاء بعد دعائه ﷺ ؛ نظير ما أخرجه مسلم وغيره من قوله ﷺ لمن سأله مرافقته في الجنة: «أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (٤)؛ فنصح لهما بعبادتي الصلاة والدعاء لمناسبتهما للمطلوب. ونظير حديث الأعمى ما رواه البخاري في " صحيحه " من استسقاء عمر بالعباس (٥) وقوله: " اللَّهُمَّ! إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بَنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا؛ فَاسْقِنَا "؛ ففيه إِثبات التوسل بالرسول في حياته، وبأهل الفضل- ولا سيما ذوو قرابته- بعد موته، والمقصود التوسل بدعائهم إذا كانوا معنا في عالمنا، أما من كان في العالم الغيبي؛ فكل شيء منه غائب علينا؛ فلا

стр. 3391

نعلم هل دعا لنا ولم يرد الشرع بدعائهم لنا، والعباس حاضر وقع منه الدعاء، وأنه قال - كما في " الفتح " -: " اللَّهُمَّ! إِنِّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلاءٌ إِلا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلا بِتَوْبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ الْقَوْمُ بِي إِلَيْكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيْدِينَا إِلَيْكَ بِالذُّنُوبِ، وَنَوَاصِينَا إِلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ، فَاسْقِنَا الْغَيْثَ" (١). خامسا: - التوسل بالطاعة المطلقة: النوع الخامس: التوسل بطاعة تعم المتوسل وغيره. ومن أمثلته: ١ - ما في " كبير الطبراني " من طريق فضال بن جبير المجمع على ضعفه عن أبي أمامة ﵁ مرفوعاً: " أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ؛ أَنْ تَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الْغَدَاةِ وَفِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ، وَأَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِقُدْرَتِكَ" (٢). ٢ - ومنها: ما رواه أحمد وابن ماجه عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: «وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وَلَكِنْ خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (٣). ٣ - ومنها: ما رواه محمد بن عوف عن جابر في دعاء الأذان مرفوعاً: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ» (٤).

стр. 3392

وعطية العوفي ضعفوه، وأطال السهسواني في " صيانة الإِنسان " القول في تعليل حديثه هذا، ومحمد بن عوف فيه مقال. فلم تسلم الأحاديث الثلاثة من الطعن. سادسا: - التوسل بالجاه: النوع السادس: توسل المرء بحق المخلوق وجاهه، وردت آثار لو صحت ولم تؤول لدلت على جوازه بكل معظم شرعاً، من ميت أو غائب أو حاضر لم يقع منه دعاء للمتوسل، ولنقتصر من الآثار على أحسنها إسناداً أو أشهرها على الألسنة. ومما ورد في التوسل بالجاه: ١ - روى ابن السني وأبو نعيم وأبو الشيخ الأصبهاني من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده؛ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ : إني أتعلم القرآن ويتفلت مني. فعلمه ﷺ أن يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِمُحَمَّدِ نَبِيِّك، وَبِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِك، وَبِمُوسَى نَجِيِّك، وَعِيسَى رُوحِك وَكَلِمَتِك، وَبِتَوْرَاةِ مُوسَى وَإِنْجِيلِ عِيسَى وَزَبُورِ دَاوُد وَفُرْقَانِ مُحَمَّدٍ، وَبِكُلِّ وَحْيٍ أَوْحَيْته وَقَضَاءٍ قَضَيْته ... » الحديث (١). ٢ - وروى الحاكم في " المستدرك " وصححه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: " لما اقترف آدم الخطيئة؛ قال: يا رب! أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال: وكيف عرفت محمداً؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم! ولولا محمد ما خلقتك " (٢).

стр. 3393

٣ - وأخرج الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " والحاكم وصححه من طريق روح بن صلاح المصري، عن أنس ﵁، في قصة وفاة فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ﵄؛ أن رسول الله ﷺ دخل لحدها، واضطجع فيه، ثم قال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اللهم! اغفر لي ولأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، حق نبيك والأنبياء الذين من قبلي؛ فإنك أرحم الراحمين» (١). ٤ - وجاء من طريق عمرو بن ثابت عن ابن عباس ﵁؛ قال: سألت النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، قال: " سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليَّ، فتيب عليه " (٢). ٥ - وروي: " إذا كانت لكم إلى الله حاجة؛ فسلوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم " (٣). ٦ - وفي الباب الثالث من القسم الثاني من الشفاء عن محمد بن حميد الرازي، أن مالكاً والخليفة المنصور اجتمعا، فسأل المنصور مالكاً: أيستقبل القبلة ويدعو أو يستقبل رسول الله ﷺ ؟ فأجابه: " ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامه، بل استقبله واستشفع به؛ يشفعه الله فيك. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] " (٤).

стр. 3394

قلت: والتوسل بحق الأنبياء، فهذا فيه نزاع، إذ منع التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقا وهو الذي يرشح به كلام المجد ابن تيمية ونقله عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام. قال أبو حنيفة: " "وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام" (١). وقال أيضا: "يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام" (٢). وقال بشير بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك (٣)، أو بحق خلقك" (٤). وقد ذكر أهل العلم أنه لم يصح في التوسل بجاه النبي- ﷺ دليل، والأخبار التي ذكرت لم ترد شيء منها من كتب المسلمين التي يعتمد عليها، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث، والتوسل من العبادة، والعبادات لا تثبت إلا بدليل صحيح صريح. قالوا: بأن جاه النبي ﷺ عند الله عظيم ولا شك، لكن التوسل به في الدعاء لم يدل عليه دليل صحيح فهو لا يجوز وهو من البدع في الدعاء (٥). قال ابن باز: " أما التوسل بمخلوقات فلا، جاه النبي، أو بحق النبي أو بجاه فلان، أو شرف فلان، وسيلة باطلة ما تنفع، ليست وسيلة شرعية" (٦). قال محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد وتبعه ابنه العلامة نعمان الآلوسي- واللفظ للوالد-: "إن معنى «الاستشفاع» به ﷺ طلب الدعاء منه، وليس معناه: الإقسام به على الله تعالى ... وعلى هذا لا يصلح «الخبر» [أي خبر التوسل والاستشفاع] ولا ما قبله [في آية الوسيلة]- دليلاً لمن ادعى جواز الإقسام [والتوسل] بذاته ﷺ حياً وميتاً، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقاً، قياساً عليه، ﵊" (٧). وقد أجازه بعض العلماء، منهم: الشيخ محمد العز بن عبدالسلام، إذ نقل عنه جواز التوسل في رسول الله- ﷺ خاصة، فقال: "أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ علم بعض الناس الدعاء فقال في أقواله: "قل: اللهم إني أقسم عليك بمحمد ﷺ نبي الرحمة" (٨).

стр. 3395

وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورا على رسول الله ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، وألا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيها على درجته ومرتبته" (١). قال بعض أهل العلم: " وأما جاه النبي ﷺ فورد فيه حديث مشكل، فإذا اجتهد أحد العلماء وأجاز ذلك -لا سيما أنه ورد عن بعض الصحابة أنه كان يجيز ذلك- فيكون هذا من الاجتهاد الذي يعذر فيه صاحبه، لا نبدعه ولا نعصمه في نفس الوقت، وإنما نقول: الصواب هو ترك هذا لضعف حديث الأعمى، ولغموض الاستدلال به (٢). القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة: ٣٦] التفسير: إن الذين جحدوا وحدانية الله، وشريعته، لو أنهم سلكوا جميع ما في الأرض، وملكوا مثله معه، وأرادوا أن يفتدوا أنفسهم يوم القيامة من عذاب الله بما ملكوا، ما تَقبَّل الله ذلك منهم، ولهم عذاب مُوجع. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: " إن الذين جحدوا وحدانية الله، وشريعته" (٣). قال المراغي: " أي إن الذين جحدوا ربوبية ربهم وعبدوا غيره من عجل أو صنم أو وثن وهلكوا وهم على هذه الحال قبل التوبة" (٤). قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: " لو أنهم سلكوا جميع ما في الأرض، وملكوا مثله معه" (٥). قال السمرقندي: " يقول: إن الكافر إذا عاين العذاب ثم تكون له الدنيا جميعا ومثلها معها" (٦). قال البيضاوي: أي: " من صنوف الأموال جميعا ومثله معه" (٧). قال ابن كثير: " أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا، وبمثله" (٨). قوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: " وأرادوا أن يفتدوا أنفسهم يوم القيامة من عذاب الله بما ملكوا" (٩). قال البيضاوي: أي: " ليجعلوه فدية لأنفسهم. من عذاب يوم القيامة" (١٠).

стр. 3396

قال مقاتل: " أي: فقدروا أن يفتدوا به من عذاب جهنم يوم القيامة" (١). قال السمرقندي: أي" فيقدر على أن يفتدي بها، من العذاب لافتدى بها" (٢). قال الراغب: " أي لو حصل كل واحد ما في الأرض ومثله قاصدا بإحرازه أن يجعل ذلك وقاية لنفسه" (٣). قال أبو حيان: " المعنى: لو أن ما في الأرض ومثله معه مستقر لهم على سبيل الملك ليجعلوه فدية لهم" (٤). قال ابن كثير: أي: " ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به وتيقن وصوله إليه " (٥). قال الزمخشري: " ﴿ليفتدوا به﴾، ليجعلوه فدية لأنفسهم" (٦). وقد وحّد الضمير في قوله: ﴿ليفتدوا به﴾، وإن كان قد تقدم شيئان معطوف عليه ومعطوف، وهو ﴿ما في الأرض ومثله معه]، لوجهين (٧): أحدهما: لفرض تلازمهما فأجريا مجرى الواحد، كما قالوا: رب يوم وليلة مر بي، قال الشاعر (٨): فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإنّي وَقيار بِهَا لَغَرِيبُ والثاني: وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال: ليفتدوا بذلك. قال الزمخشري: "ويجوز أن تكون الواو في: ومثله، بمعنى مع، فيوحد المرجوع إليه" (٩). قوله تعالى: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: " ما تَقبَّل الله ذلك منهم" (١٠). قال السعدي: أي: "ما تقبل منهم، ولا أفاد، لأن محل الافتداء قد فات" (١١). قال السمرقندي: أي: " لو كان ذلك لهم ففعلوه ما تقبل منهم ذلك النداء" (١٢). قال الراغب: أي: " لم ينفعه، وذلك حث على المبادرة بالامتناع عن الآثام وترك الاهتمام بالمال في المعاد" (١٣). قال البغوي: " أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء" (١٤). قال الزمخشري: " وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه" (١٥). قال ابن كثير: أي: " ما تُقُبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص" (١٦). وقرأ يزيد بن قطيب: «تقبل»، بفتحها على معنى: ما قبل الله (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: " ولهم عذاب مُوجع" (١٨). قال السمرقندي: "أي وجيع" (١٩). قال ابن كثير: " أي: موجع" (٢٠). قال أبو حيان: " لما أرشد المؤمنين إلى معاقد الخير ومفاتح السعادة، وذكر فوزهم في الآخرة وما آلوا إليه من الفلاح، شرح حال الكفار وعاقبة كفرهم، وما أعد لهم من العذاب" (٢١). روى أنس عن النبي ﷺ قال: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، قال: فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» (٢٢). الفوائد: ١ - أن سبب الفلاح والنجاة إنما يكون من نفس الإنسان لا من خارج عنها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. وهذا هو الفارق بين الإسلام وغيره من الأديان فالنصارى يعتقدون أن خلاصهم وسعادتهم يكون بالمسيح فدية لهم يفتديهم بنفسه مهما كانت حالهم، والمسلمون يعتقدون أن العمدة فى النجاة تزكية النفس بالفضائل والأعمال الصالحة. ٢ - أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل؛ قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾. ٣ - أن النار عذابها شديد، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب " (٢٣). إنها لحظات قليلة تُنسي أكثر الكفار نعيماً كلّ أوقات السعادة والهناء. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يقول الله ﵎ لأهون أهل النار عذاباً لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم. فيقول أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال: ) ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك " (٢٤). إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار، وأنى له النجاة: ﴿يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه* وصاحبته وأخيه* وفصيلته التي تؤيه* ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه* كلا إنها لظى * نزاعة للشوى﴾ [المعارج: ١١ - ١٦]. وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم، وألم مستمر. القرآن ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧]

стр. 3397

التفسير: يريد هؤلاء الكافرون الخروج من النار لما يلاقونه من أهوالها، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ولهم عذاب دائم. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: " يريد هؤلاء الكافرون الخروج من النار لما يلاقونه من أهوالها" (١). قال الطبري: أي: " يريد هؤلاء الذين كفروا بربهّم يوم القيامة، أن يخرجوا من النار بعد دخولها" (٢). قال المراغي: " أي: يتمنون الخروج من النار دار العذاب والشقاء بعد دخولهم فيها" (٣). قال ابن كثير: أي: " فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه" (٤). قال الماتريدي: " أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه" (٥). قال السمرقندي: " وذلك أنهم يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فتستقبلهم الملائكة فيضربونهم بمقامع من حديد ويردونهم إليها" (٦). قال النسفي: " ﴿يريدون﴾ يطلبون أو يتمنون" (٧). وقرأ أبو واقد: «أن يخرجوا»، بضم الياء، من: أخرج. ويشهد لقراءة العامة قوله: ﴿بخارجين﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: " ولا سبيل لهم إلى الخروج من النار" (٩). قال ابن كثير: أي: " ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعالي جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردونهم إلى أسفلها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: " ولهم عذاب دائم" (١١). قال السمرقندي: أي: "دائم أبدا " (١٢). قال ابن عاشور: " أي: دائم تأكيد لقوله: ﴿وما هم بخارجين منها﴾ " (١٣). قال ابن كثير: " أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها " (١٤). قال الطبري: " يقول: لهم عذابٌ دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدًا، كما قال الشاعر (١٥): فَإنَّ لَكُمْ بِيَوْمِ الشِّعْبِ مِنِّي ... عَذَابًا دَائِمًا لَكُمُ مُقِيمَا" (١٦). قال المراغي: " «المقيم»: هو الثابت الذي لا يرتحل أبدا" (١٧).

стр. 3398

قال ابن عطية: " أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد" (١). قال السعدي: " ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا" (٢). عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، خلود " (٣). وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار، يا أهل النار خلود لا موت " (٤). وهذا يقال بعد ذبح الموت كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادي: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم " (٥). وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : [وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩] " (٦). وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: " إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار " (٧) قال: حديث حسن صحيح. عن عكرمة: "أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵀: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وما هم بخارجين منها﴾؟ فقال ابن عباس: ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار" (٨). وعن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ -قال: " «يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا" (٩). عن يزيد الفقير قال: "جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث، فحدّث أن أُنَاسًا يخرجون من النار - قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! تزعمون أن الله يخرج ناسًا من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ

стр. 3399

مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد جمعته قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؟ [الإسراء: ٧٩]، فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به" (١). وعن طَلْق بن حبيب قال: "كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله تعالى فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتُرَاك أَقْرَأُ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله ﷺ مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صُمَّتًا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النار بعدما دخلوا». ونحن نقرأ كما قرأت" (٢). الفوائد: ١ - أن الشرك بالله عبادة غير الله معه، وهو أعظمُ ذنب عُصي الله به، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، وهو الذنب الذي يُخلَّد صاحبُه في النار أبد الآباد، ولا سبيل له للخروج منها، كما قال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وفي الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ : أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" (٣)، الحديث. ٢ - الرد على الذين نفوا الشفاعة من الخوارج والمعتزلة، وذلك لأنهم يكفرون الناس بالمعاصي، وعندهم أن من دخل النار من أصحاب الذنوب فإنه يخلد فيها، فالخوارج يكفرونه في الدنيا والآخرة، والمعتزلة يفسقونه في الدنيا ويحكمون بتخليده في الآخرة في النار، وينكرون على هذا شفاعة الشافعين، وينكرون أيضاً الأحاديث التي وردت في الشفاعة مع كثرتها، ويستدلون بمثل قول الله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فمثل هذه الآيات فيها نفي الشفاعة، فلذلك قالوا: ليس في الآخرة شفاعة، بل من دخل النار فهو مخلد فيها. وقد يستدلون بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] على أن من دخل النار فإنه لا يخرج منها، ولا دلالة في الآية، بل الآية فيها نفي الشفاعة التي هي بدون إذن الله، ولأجل ذلك أثبت الله تعالى الشفاعة بشرطين -وعليه قول أهل السنة-: الشرط الأول: الإذن للشافع. الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع. كما في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع، وذكر الرضا في سورة طه وفي سورة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، فهذه الآية ذكر فيها الشرطين: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، وذكر الإذن في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آية سورة سبأ: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فكل هذه أدلة على أن هناك شفاعة، ولكنها لا تكون إلا بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، وعلى هذا فإن العبد لا يطلبها إلا من الله، فيقول: يا رب! اجعلني ممن تنفعه شفاعة الشافعين، أسألك أن تُشَفِّع فيِّ أنبياءك ورسلك وملائكتك، أسألك عملاً صالحاً أكون به أهلاً أن يشفع فيّ الشافعون، وما أشبه ذلك (٤).

стр. 3400

٣ - ذكر اهل العلم في أبدية النار، آراء كثيرة، وقد أشار شارح الطحاوية في أبدية النار ودوامها ثمانية أقوال، وهي (١): أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم! وهذا قول ابن عربي الطائي (٢). الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ ، وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١]. الرابع: أن أهل النار يخرجون من النار بعد حين، ثم تبقى النار على حالها ليس فيها أحد (٣). الخامس: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه! ! وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار. السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥ هـ). السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه (٤). ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة من الصحابة، وابن تيمية، وابن القيم (٥)، وجماعة (٦). واستدل لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ هود: [١٠٦ - ١٠٧]، قالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وبقوله في الآية الثانية ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ولم يأتِ بعد الاستثناءين ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة، فإن الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾. وأما الأحاديث والآثار التي يستدل بها القائلون بفناء النار، فهي كالآتي: ١ - حديث: «ليأتين على جهنم يوم كأنها زرع هاج، وآخر تخفق أبوابها" (٧)، وهذا حديث باطل موضوع.
следующие страницы →