← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

قال مقاتل: " أي: فقدروا أن يفتدوا به من عذاب جهنم يوم القيامة" (١). قال السمرقندي: أي" فيقدر على أن يفتدي بها، من العذاب لافتدى بها" (٢). قال الراغب: " أي لو حصل كل واحد ما في الأرض ومثله قاصدا بإحرازه أن يجعل ذلك وقاية لنفسه" (٣). قال أبو حيان: " المعنى: لو أن ما في الأرض ومثله معه مستقر لهم على سبيل الملك ليجعلوه فدية لهم" (٤). قال ابن كثير: أي: " ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به وتيقن وصوله إليه " (٥). قال الزمخشري: " ﴿ليفتدوا به﴾، ليجعلوه فدية لأنفسهم" (٦). وقد وحّد الضمير في قوله: ﴿ليفتدوا به﴾، وإن كان قد تقدم شيئان معطوف عليه ومعطوف، وهو ﴿ما في الأرض ومثله معه]، لوجهين (٧): أحدهما: لفرض تلازمهما فأجريا مجرى الواحد، كما قالوا: رب يوم وليلة مر بي، قال الشاعر (٨): فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإنّي وَقيار بِهَا لَغَرِيبُ والثاني: وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال: ليفتدوا بذلك. قال الزمخشري: "ويجوز أن تكون الواو في: ومثله، بمعنى مع، فيوحد المرجوع إليه" (٩). قوله تعالى: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: " ما تَقبَّل الله ذلك منهم" (١٠). قال السعدي: أي: "ما تقبل منهم، ولا أفاد، لأن محل الافتداء قد فات" (١١). قال السمرقندي: أي: " لو كان ذلك لهم ففعلوه ما تقبل منهم ذلك النداء" (١٢). قال الراغب: أي: " لم ينفعه، وذلك حث على المبادرة بالامتناع عن الآثام وترك الاهتمام بالمال في المعاد" (١٣). قال البغوي: " أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء" (١٤). قال الزمخشري: " وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه" (١٥). قال ابن كثير: أي: " ما تُقُبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص" (١٦). وقرأ يزيد بن قطيب: «تقبل»، بفتحها على معنى: ما قبل الله (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: " ولهم عذاب مُوجع" (١٨). قال السمرقندي: "أي وجيع" (١٩). قال ابن كثير: " أي: موجع" (٢٠). قال أبو حيان: " لما أرشد المؤمنين إلى معاقد الخير ومفاتح السعادة، وذكر فوزهم في الآخرة وما آلوا إليه من الفلاح، شرح حال الكفار وعاقبة كفرهم، وما أعد لهم من العذاب" (٢١). روى أنس عن النبي ﷺ قال: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، قال: فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» (٢٢). الفوائد: ١ - أن سبب الفلاح والنجاة إنما يكون من نفس الإنسان لا من خارج عنها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. وهذا هو الفارق بين الإسلام وغيره من الأديان فالنصارى يعتقدون أن خلاصهم وسعادتهم يكون بالمسيح فدية لهم يفتديهم بنفسه مهما كانت حالهم، والمسلمون يعتقدون أن العمدة فى النجاة تزكية النفس بالفضائل والأعمال الصالحة. ٢ - أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل؛ قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾. ٣ - أن النار عذابها شديد، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب " (٢٣). إنها لحظات قليلة تُنسي أكثر الكفار نعيماً كلّ أوقات السعادة والهناء. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يقول الله ﵎ لأهون أهل النار عذاباً لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم. فيقول أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال: ) ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك " (٢٤). إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار، وأنى له النجاة: ﴿يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه* وصاحبته وأخيه* وفصيلته التي تؤيه* ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه* كلا إنها لظى * نزاعة للشوى﴾ [المعارج: ١١ - ١٦]. وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم، وألم مستمر. القرآن ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧]

стр. 3397

التفسير: يريد هؤلاء الكافرون الخروج من النار لما يلاقونه من أهوالها، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ولهم عذاب دائم. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: " يريد هؤلاء الكافرون الخروج من النار لما يلاقونه من أهوالها" (١). قال الطبري: أي: " يريد هؤلاء الذين كفروا بربهّم يوم القيامة، أن يخرجوا من النار بعد دخولها" (٢). قال المراغي: " أي: يتمنون الخروج من النار دار العذاب والشقاء بعد دخولهم فيها" (٣). قال ابن كثير: أي: " فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه" (٤). قال الماتريدي: " أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه" (٥). قال السمرقندي: " وذلك أنهم يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فتستقبلهم الملائكة فيضربونهم بمقامع من حديد ويردونهم إليها" (٦). قال النسفي: " ﴿يريدون﴾ يطلبون أو يتمنون" (٧). وقرأ أبو واقد: «أن يخرجوا»، بضم الياء، من: أخرج. ويشهد لقراءة العامة قوله: ﴿بخارجين﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: " ولا سبيل لهم إلى الخروج من النار" (٩). قال ابن كثير: أي: " ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعالي جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردونهم إلى أسفلها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: " ولهم عذاب دائم" (١١). قال السمرقندي: أي: "دائم أبدا " (١٢). قال ابن عاشور: " أي: دائم تأكيد لقوله: ﴿وما هم بخارجين منها﴾ " (١٣). قال ابن كثير: " أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها " (١٤). قال الطبري: " يقول: لهم عذابٌ دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدًا، كما قال الشاعر (١٥): فَإنَّ لَكُمْ بِيَوْمِ الشِّعْبِ مِنِّي ... عَذَابًا دَائِمًا لَكُمُ مُقِيمَا" (١٦). قال المراغي: " «المقيم»: هو الثابت الذي لا يرتحل أبدا" (١٧).

стр. 3398

قال ابن عطية: " أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد" (١). قال السعدي: " ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا" (٢). عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، خلود " (٣). وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار، يا أهل النار خلود لا موت " (٤). وهذا يقال بعد ذبح الموت كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادي: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم " (٥). وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : [وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩] " (٦). وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: " إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار " (٧) قال: حديث حسن صحيح. عن عكرمة: "أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵀: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وما هم بخارجين منها﴾؟ فقال ابن عباس: ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار" (٨). وعن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ -قال: " «يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا" (٩). عن يزيد الفقير قال: "جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث، فحدّث أن أُنَاسًا يخرجون من النار - قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! تزعمون أن الله يخرج ناسًا من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ

стр. 3399

مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد جمعته قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؟ [الإسراء: ٧٩]، فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به" (١). وعن طَلْق بن حبيب قال: "كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله تعالى فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتُرَاك أَقْرَأُ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله ﷺ مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صُمَّتًا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النار بعدما دخلوا». ونحن نقرأ كما قرأت" (٢). الفوائد: ١ - أن الشرك بالله عبادة غير الله معه، وهو أعظمُ ذنب عُصي الله به، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، وهو الذنب الذي يُخلَّد صاحبُه في النار أبد الآباد، ولا سبيل له للخروج منها، كما قال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وفي الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ : أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" (٣)، الحديث. ٢ - الرد على الذين نفوا الشفاعة من الخوارج والمعتزلة، وذلك لأنهم يكفرون الناس بالمعاصي، وعندهم أن من دخل النار من أصحاب الذنوب فإنه يخلد فيها، فالخوارج يكفرونه في الدنيا والآخرة، والمعتزلة يفسقونه في الدنيا ويحكمون بتخليده في الآخرة في النار، وينكرون على هذا شفاعة الشافعين، وينكرون أيضاً الأحاديث التي وردت في الشفاعة مع كثرتها، ويستدلون بمثل قول الله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فمثل هذه الآيات فيها نفي الشفاعة، فلذلك قالوا: ليس في الآخرة شفاعة، بل من دخل النار فهو مخلد فيها. وقد يستدلون بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] على أن من دخل النار فإنه لا يخرج منها، ولا دلالة في الآية، بل الآية فيها نفي الشفاعة التي هي بدون إذن الله، ولأجل ذلك أثبت الله تعالى الشفاعة بشرطين -وعليه قول أهل السنة-: الشرط الأول: الإذن للشافع. الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع. كما في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع، وذكر الرضا في سورة طه وفي سورة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، فهذه الآية ذكر فيها الشرطين: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، وذكر الإذن في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آية سورة سبأ: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فكل هذه أدلة على أن هناك شفاعة، ولكنها لا تكون إلا بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، وعلى هذا فإن العبد لا يطلبها إلا من الله، فيقول: يا رب! اجعلني ممن تنفعه شفاعة الشافعين، أسألك أن تُشَفِّع فيِّ أنبياءك ورسلك وملائكتك، أسألك عملاً صالحاً أكون به أهلاً أن يشفع فيّ الشافعون، وما أشبه ذلك (٤).

стр. 3400

٣ - ذكر اهل العلم في أبدية النار، آراء كثيرة، وقد أشار شارح الطحاوية في أبدية النار ودوامها ثمانية أقوال، وهي (١): أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم! وهذا قول ابن عربي الطائي (٢). الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ ، وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١]. الرابع: أن أهل النار يخرجون من النار بعد حين، ثم تبقى النار على حالها ليس فيها أحد (٣). الخامس: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه! ! وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار. السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥ هـ). السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه (٤). ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة من الصحابة، وابن تيمية، وابن القيم (٥)، وجماعة (٦). واستدل لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ هود: [١٠٦ - ١٠٧]، قالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وبقوله في الآية الثانية ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ولم يأتِ بعد الاستثناءين ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة، فإن الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾. وأما الأحاديث والآثار التي يستدل بها القائلون بفناء النار، فهي كالآتي: ١ - حديث: «ليأتين على جهنم يوم كأنها زرع هاج، وآخر تخفق أبوابها" (٧)، وهذا حديث باطل موضوع.

стр. 3401

٢ - وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور، بسنده إلى عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه" (١). ٣ - واستدلوا أيضا بالأثر المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً" (٢). ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ [النبأ: ٢٣]. ٤ - أثر أبي سعيد الخدري ﵁ في قوله - تعالى -: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] قال: "هذه الآية قاضية على القرآن كله" (٣). ويجاب على هذا الأثر من وجهين (٤): أحدهما: أن هذا الأثر وإن كان صحيحاً موقوفاً، إلا أنه لا دلالة فيه على فناء النار، بل كما يقول الإمام الصنعاني ﵀: "غاية ما فيه أن كل وعيد في القرآن ذكر فيه الخلود لأهل النار، فإن آية الاستثناء حاكمة عليه، وهي عبارة مجملة لا تدل على المدعى بنوع من الدلالات الثلاث" (٥). والثاني: أن هذا الأثر محمول على عصاة المؤمنين من الموحدين الذي يبقون في النار - ما شاء الله - ثم يخرجون منها بهذه المشيئة الربانية، وعلى هذا يبطل الاستدلال به على فناء النار.

стр. 3402

٥ - أثر عبد الله بن مسعود-﵁ قال: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد". وهذا الأثر رواه الطبري باسناد تالف (١)، وذكره البغوي بدون إسناد ثم قال: " ومعناه عند أهل السنة - إن ثبت - أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان، وأما مواضع الكفار فممتلئة أبداً" (٢). ٦ - الأثر المروي عن أنس بن مالك ﵁: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، وما فيها من أمة محمد أحد" (٣). وهو اثر موضوع. ٧ - الأثر المروي عن أبي هريرة- ﵁ قوله-: "ما أنا بالذي لا أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد".قد ذكره بسنده ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح (٤)، وإسناده صحيح (٥). وقد قال أحد رواة الحديث -وهو عبيد الله بن معاذ (٦) - كما في تتمة الأثر: "كان أصحابنا يقولون: يعني به الموحدين" (٧). وأجاب الإمام الصنعاني على هذا الأثر بقوله: "فإن قوله: «ليس فيها أحد» دال على بقائها، فإنك إذا قلت: ليس في الدار أحد، فإنه دال على بقاء الدار لا على فنائها" (٨). ٨ - واستدلوا بأن النار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته. وقد قال ﷺ : «لما قضى الله الخلق، كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي». وفي رواية: «تغلب غضبي» (٩). قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: ﴿عذاب يوم عظيم﴾ [الأنعام: ١٥]، و ﴿أليم﴾ [هود: ٢٦]، و ﴿عقيم﴾ [الحج: ٥٥]، ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد قال تعالى: ﴿عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته. وقد ثبت في الصحيح

стр. 3403

تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيما سرمدا - فمن مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأبيد، وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام - كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه (١). الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار، بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ ﵀. إذ يرى جمهور السلف: أن النار باقية لا تفنى، ومن دخل بقي مخلدا فيها أبدا إلا من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم يخرجون منها. واستدلوا على بقائها ومن بها من الكافرين بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة: ٣٦]، وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ الزخرف: ٧٥، قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]، وقوله: قال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، أي مقيما لازما. وغيرها من الآيات. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: "لا إله إلا الله"، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما (٢). وقول الجماعة بدوامها وبقاء الكفار فيها، وهو القول الحق الذي تسنده الأدلة-كما تقدم-. إلا أن أقبح الأقوال وأشدها شذوذاً ونكراناً: قول الجهم بن صفوان إمام المعطلة، الذي ذهب إلى القول بفناء الجنة والنار جميعاً، وليس له في هذا القول سلف، وأنكر عليه عامة أهل السنة. القرآن ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] التفسير: والسارق والسارقة فاقطعوا -يا ولاة الأمر- أيديهما بمقتضى الشرع، مجازاة لهما على أَخْذهما أموال الناس بغير حق، وعقوبةً يمنع الله بها غيرهما أن يصنع مثل صنيعهما. والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه. سبب النزول: نقل الواحدي والماوردي وابن الجوزي عن ابن السائب: أنها "نزلت في طعمة بن أبيرق سارق الدرع وقد مضت قصته" (٣).

стр. 3404

قلت: وابن السائب هو الكلبي، وهو متهم بالوضع، فخبره باطل، لا أصل له. قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: " والسارق والسارقة فاقطعوا -يا ولاة الأمر- أيديهما بمقتضى الشرع" (١). قال أبو السعود: " أي: حكمهما" (٢). قال السدي: " فاقطعوا أيديهما اليمنى" (٣). قال مقاتل: "يعني: أيمانهما من الكرسوع" (٤). قال البيضاوي: " السرقة: أخذ مال الغير في خفية" (٥). قال الزمخشري: " والسارق في الشريعة: من سرق من الحرز: والمقطع: الرسغ، وعند الخوارج: المنكب" (٦). قال ابن عرفة: "السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس (٧)، فإن تمنع بما في يده فهو غاصب" (٨). قال السعدي: " السارق: هو من أخذ مال غيره المحترم خفية، بغير رضاه. وهو من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة، وهو قطع اليد اليمنى، كما هو في قراءة بعض الصحابة" (٩). قال ابن الجوزي: " السارق: إنما سمي سارقا، لأنه يأخذ الشيء في خفاء، واسترق السمع: إذا تسمع مستخفيا ... وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق، وبينت السنة أن المراد به السارق لنصاب من حرز مثله" (١٠). قال الإمام الموفق: "وجملته أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده، وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم، والابن والبنت، والجد والجدة، من قبل الأب والأم وهذا قول عامة أهل العلم منهم: مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور وابن المنذر: القطع على كل سارق بظاهر الكتاب ... والعبد إذا سرق من مال سيده فلا قطع عليه في قولهم جميعا، ووافقهم أبو ثور، وحكي عن داود أنه يقطع لعموم الآية اه ملخصا" (١١). واختلفوا في السارق الذي عناه الله عز ذكره في قوله: : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، على وجوه (١٢): أحدها: أنه سارقَ ثلاثة دراهم فصاعدًا. وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجّوا لقولهم ذلك، بأنّ رسولَ الله ﷺ ، قطَع في مِجَنّ قيمته ثلاثةُ دَرَاهم (١٣).

стр. 3405

والثاني: أنه سارق رُبع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك، الأوزاعيّ ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "القطعُ في ربع دِينارٍ فصاعدًا" (١). والثالث: انه سارقَ عشرة دراهم فصاعدًا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس: "أن النبي ﷺ قَطَع في مِجَنّ قيمته عَشْرة دراهم" (٢). والرابع: أنه سارقَ القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنْ ليس لأحد أنَ يخُصَّ منها شيئًا، إلا بحجة يجب التسليم لها، وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله ﷺ خبرٌ بأن ذلك في خاصّ من السُرَّاق، قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله ﷺ مضطربة مختلفة، ولم يروِ عنه أحد أنه أتي بسارق درهمٍ فَخلَّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانقٌ أن يَقْطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في دِرْهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: الآيةُ على العموم. عن نجدة الحنفي قال: "سألت ابن عباس عن قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾، أخاصّ أم عام؟ فقال: بل عام" (٣). والخامس: أنه سارق درهم. وهذا قول الحسن (٤). وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم" (٥). قال الإمام الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: الآية معنيّ بها خاصٌّ من السراق، وهم سُرَّاق ربع دينار فصاعدًا أو قيمت، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «القطعُ في ربع دينار فصاعدًا» (٦) " (٧). قال الماوردي: " إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به، لثلاثة معانٍ: أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. والثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر فى الزنى باطن. والثالث: أن فى قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله" (٨). وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد ابن المغيرة، فأمر الله تعالى بقطعه فى الإِسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإِسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من

стр. 3406

بني مخزوم، وقال: "لَو كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ" (١)، وقطع عمر ابن سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة (٢). والقطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإِمام به، لقول رسول الله ﷺ في سارق رداء صفوان حين أمر بقطعه، فقال صفوان: قد عفوت عنه، فقال النبي ﷺ : "هَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ " (٣). وروي: "أن معاوية بن أبي سفيان أُتِيَ بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال (٤): يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها (٥) يدي كانت الحسناء لو تم سبرها ... ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها (٦) فقال معاوية: كيف أصنع وقد قطعت أصحابك، فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها، فَخَلَّى سبيله، فكان أول حد ترك في الإٍسلام" (٧). وفي قراءة عبد الله ابن مسعود: «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما» (٨). وقرأ عيسى بن عمر: «السارق والسارقة» بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر، لأن «زيدا فاضربه» أحسن من «زيد فاضربه» (٩). قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: " مجازاة لهما على أَخْذهما أموال الناس بغير حق" (١٠). قال مقاتل: " يقول: القطع جزاء ﴿بما كسبا﴾، يعنى: سرقا" (١١). قال الطبري: "يقول: مكافأةً لهما على سرقتهما وعملهما في التلصصّ بمعصية الله" (١٢). قال السعدي "أي: ذلك القطع جزاء للسارق بما سرقه من أموال الناس" (١٣). واختلفوا هل يجب مع القطع غُرْم المسروق إذا استهلك على مذهبين: أحدهما: أنه لا غرم، وهذا قول أبي حنيفة (١٤). والثاني: يجب فيه الغرم، وهو مذهب الشافعي (١٥).

стр. 3407

قوله تعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: " وعقوبةً يمنع الله بها غيرهما أن يصنع مثل صنيعهما" (١). قال مقاتل: " يعنى: عقوبة من الله: قطع اليد" (٢). قال الطبري: "يقول: عقوبة من الله على لُصُوصيتهما" (٣). قال السعدي: " أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: " والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه" (٥). قال السعدي "أي: عز وحكم فقطع السارق" (٦). قال أبو السعود: " ﴿والله عزيز﴾ غالب على أمره يمضيه كيف يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد يمانعه ﴿حكيم﴾ في شرائعه لا يحكم إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون الحكم والمصالح" (٧). قال الطبري: أي: " والله عزيزٌ في انتقامه من هذا السارق والسارقةِ وغيرهما من أهل معاصيه حكيم، في حكمه فيهم وقضائه عليهم، يقول: فلا تفرِّطوا أيها المؤمنون، في إقامة حكمي على السرَّاق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودًا في الدنيا عقوبةً لهم، فإني بحكمتي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم" (٨). قال قتادة: "لا تَرْثُوا لهم أن تقِيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قَطُّ إلا وهو فساد" (٩). وكان عمر بن الخطاب يقول: "اشتدُّوا على السُّرَّاق، فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلا رجلا" (١٠). قال السيد احمد محمد شاكر: " ولكننا قد أظلنا زمان عطلت فيه الحدود، بزعم الرثاء لمن أصاب حدًا من حدود الله. وطالت ألسنة قوم من أهل الدخل، فاجترأوا على الله بافترائهم، وزعموا أن الذي يدعونه من الرحمة لأهل الحدود هو الصلاح، وأن ما أمر الله به هو الفساد! ! فاللهم نجنا من زمان تبجح فيه الأشرار بسلطانهم، وتضاءل فيه أهل الإيمان بمعاصيهم" (١١). الفوائد: ١ - بيان حكم حد السرقة، وهو قطع يد السارق والسارقة. ٢ - ومنها: إثبات العزة، والحكمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ٣ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما «العزيز» «الحكيم»، وما تضمناه من مناسبة العزة، والحكمة في سياق الآية. فـ «العزيز»: هو المنيع الذي لا يغلب. والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه. أحدها: بمعنى الغلبة، ومنه قولهم: من عز بز، أي: من غلب سلب، يقال منه: عز يعز -بضم العين- من يعز. ومنه قول الله سبحانه: ﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣].

стр. 3408

والثاني: بمعنى الشدة والقوة. يقال منه: عز يعز -بفتح العين- من "يعز"، كقول الهذلي -يصف العقاب- (١): حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف جعلها عزيزة، لأنها من أقوى جوارح الطير. والوجة الثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر. يقال منه: عز الشيء يعز -بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير" (٢). و«الحكيم»: "هو المحكم لخلق الأشياء. صرف عن مفعل إلى فعيل، كقولهم: أليم بمعنى: مؤلم، وسميع بمعنى: مسمع؛ كقوله -جل وعز-: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١]، فدل على أن المراد بـ «الحكيم هنا الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل. ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها. إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ [السجدة: ٧] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله [تعالى]: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ [الفرقان: ٢] " (٣). القرآن ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩] التفسير: فمن تاب مِن بعد سرقته، وأصلح في كل أعماله، فإن الله يقبل توبته. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم. سبب النزول: عن عبد الله بن عمرو قال: "سرقت امرأة حُليًّا، فجاء الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله، سرقتنا هذه المرأة! فقال رسول الله ﷺ : اقطعوا يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ : أنتِ اليومَ من خطيئتك كيوم ولدتك أمك! قال: فأنزل الله جل وعز: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ " (٤). [ضعيف]

стр. 3409

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: " فمن تاب مِن بعد سرقته" (١). قال مقاتل: " يقول: من تاب من بعد سرقته" (٢). قال ابن كثير: " أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله" (٣). قال ابن عباس: " يقول: الحدُّ" (٤). قال مجاهد: " يقول: «الحد كفارة عنه» (٥). قال ابن عطية: " وهذا تشديد وقد جعل الله للخروج من الذنوب بابين أحدهما الحد والآخر التوبة" (٦). وقال الشافعي: إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاكم بأخذه فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياسا على توبة المحارب" (٧). وقال السمعاني: "الصحيح أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: ﴿جزاء بما كسبا﴾ فلا بد من التوبة بعده، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل" (٨). قال البغوي: " فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين، ولا بد من التوبة بعده، وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما صرف من المال عند أكثر أهل العلم" (٩). قال الراغب: " قيل: إن تاب في الدنيا قبل القدرة عليه، وأصلح سقط عنه الحد، ورجى له الغفران، وإن تاب بعد القدرة عليه رجي له الغفران، ولم يسقط عنه الحد" (١٠). قال السمرقندي: " والظلم في هذا الوجه يرجع إلى النقصان؛ لأن السارق ينقص مال المسروق، ويجوز أن يكون سمى الله السارق ظالما لأنه يدخل الضرر على من لا يستحقه، وكل ضرر غير مستحق ولا معقب نفعا ظلم، وقد سمي أيضا ظالما؛ لظلمه لنفسه" (١١). قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: " وأصلح في كل أعماله" (١٢). قال مقاتل: " وأصلح العمل فيما بقي" (١٣). قال الزمخشري: " بالتفصى عن التبعات" (١٤). قال الراغب: " واشترط إصلاح العمل تنبيها أن التوبة باللفظ غير مغنية ما لم يضامها ما يحققها من الفعل" (١٥). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: " فإن الله يقبل توبته" (١٦). قال الواحدي: أي: " يعود عليه بالرَّحمة" (١٧). قال السعدي "أي: فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب" (١٨). قال الثعلبي: " هذا ما بينه وبين الله تعالى فأما القطع فواجب" (١٩). قال ابن كثير: " فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: "متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها " (٢٠). قال الزمخشري: أي: "ويسقط عنه عقاب الآخرة. وأما القطع فلا تسقطه التوبة عند ابى حنيفة وأصحابه وعند الشافعي في أحد قوليه تسقطه من يشاء من يجب في الحكمة تعذيبه والمغفرة له من المصرين والتائبين. وقيل: يسقط حد الحربي إذا سرق بالتوبة، ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقطه عن المسلم، لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] " (٢١). قال ابن عطية: " المعنى عند جمهور أهل العلم أن من تاب من السرقة فندم على ما مضى وأقلع في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله وأصلح أيضا في سائر أعماله وارتفع إلى فوق فإن الله يتوب عليه ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو في المشيئة مرجو له الوعد وليس تسقط عنه التوبة حكم الدنيا من القطع إن اعترف أو شهد عليه" (٢٢). عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة فقال: "ما إخَاله سرق"! فقال السارق: بلى يا رسول الله. قال: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به". فقطع فأتي به، فقال: "تب إلى الله". فقال: تبت إلى الله. فقال: "تاب الله عليك" (٢٣). عن عائشة-﵂: "أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت، في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال «أتشفع في حد من حدود الله ؟ » فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال «أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها»، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ " (٢٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: " إن الله غفور لعباده، رحيم بهم" (٢٥). قال مقاتل: " إن الله غفور لذنبه رحيم به" (٢٦). قال الراغب: "جعل علة قبول توبته كونه تعالى غفورا رحيما" (٢٧). الفوائد: ١ - بيان أن التائب من السراق إذا اصلح يتوب الله عليه، أي: يقبل توبته. ٢ - إذا لم يرفع السارق إلى الحاكم تصح توبته ولو لم تقطع يده، وإن رفع فلا توبة له إلا بالقطع، فإذا قطعت يده خرج من ذنبه كأن لم يذنب.

стр. 3410

٣ - وجوب التسليم لقضاء الله تعالى والرضا بحكمه لأنه عزيز حكيم. ٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و «الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل. فـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (١). والفرق بين صيغتي: «الغفار»، و «الغفور»: أن " «الغفار» (٢)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها" (٣). و«الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (٤). قال الشيخ ابن عثيمين: " «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده" (٥)، القرآن ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله خالق الكون ومُدبِّره ومالكه، وأنه تعالى الفعَّال لما يريد، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء، وهو على كل شيء قدير. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: " ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله خالق الكون ومُدبِّره ومالكه" (٦). قال الصابوني: " أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر والملك الباهر وبيده ملكوت السماوات والأرض والاستفهام للتقرير" (٧). قال المراغي: " أي: ألم تعلم أيها الرسول أن الله له ملك السموات والأرض يدبر الأمر فيها بحكمته وعدله ورحمته وفضله، ومن حكمته أنه وضع هذا العقاب لكل من يسرق ما يعد به سارقا كما وضع العقاب للمحاربين المفسدين فى الأرض" (٨). قال الطبري: " يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : ألم يعلم هؤلاء [يعني القائلين]: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، الزاعمين أنهم أبناء الله وأحباؤه أن الله مدبِّر ما في السموات وما في الأرض، ومصرفه وخالقه، لا يمتنع شيء مما في واحدة منهما مما أرادَه، لأن كل ذلك ملكه، وإليه أمره، ولا نسب بينه وبين شيء مما فيهما ولا مما في واحدة منهما، فيحابيه بسبب قرابته منه، فينجيه من عذابه، وهو به كافر، ولأمره ونهيه مخالف أو يدخله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه ... وخرج قوله: ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض، خطابًا له ﷺ ، والمعنيُّ به من ذكرتُ من فرق بني إسرائيل الذين كانوا بمدينة رسول

стр. 3411

الله ﷺ وما حَوَاليها. وقد بيَّنا استعمال العرب نظيرَ ذلك في كلامها بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع" (١). قال السمرقندي: " يعني: خزائن السموات والارض، يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات. ويقال: له ملك السماوات والأرض يحكم فيها ما يشاء" (٢). قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: " وأنه تعالى الفعَّال لما يريد، يعذب من يشاء" (٣). قال السدي: " يقول: يميت منكم من يشاء على كفره فيعذب" (٤). قال السمرقندي: " يعذب من يشاء إذا أصر على ذنوبه" (٥). قال الطبري: أي: " يعذّب من يشاء من خلقه في الدنيا على معصيته بالقتل والخسف والمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه" (٦). قال المراغي: " أي: وأنه يعذب من يشاء تعذيبه من العصاة تربية له وتأمينا لعباده من أذاه وشره " (٧). وقال الواحدي: " ﴿يعذب مَنْ يشاء﴾، على الذَّنب الصَّغير" (٨). وقال الضحاك: "يعذب من يشاء على الصغير إذا قام عليه" (٩). قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: " وأنه تعالى الفعَّال لما يريد، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء" (١٠). قال السدي: " يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له" (١١). قال السمرقندي: " ويغفر لمن يشاء إذا تاب ورجع" (١٢). قال الطبري: أي: "ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتّوبة عليه من كفره ومعصيته، فينقذه من الهلكة، وينجيه من العقوبة" (١٣). قال المراغي: " أي: وأنه يغفر للتائبين من هؤلاء وهؤلاء ويرحمهم إذا صدقوا فى التوبة وأصلحوا عملهم " (١٤). وقال الواحدي: " ﴿ويغفر لمن يشاء﴾ الذَّنب العظيم" (١٥). وقال الضحاك: " ويغفر لمن يشاء على الكبير إذا نزع عنه" (١٦). قال الزمخشري: " إن قلت: لم قدم التعذيب على المغفرة (١٧)؟ قلت: لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة" (١٨).

стр. 3412

وقال الراغب: " وإنما قال يعذب من يشاء فقدم ذكر العقوبة على الغفران، لأن القصد بما تقدم الردع عن ارتكاب ما يقتضى عقوبة الدارين فكان تقديم ما يقتضي ذلك أولى" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: " وهو القادر على كل شيء الذي لا يعجزه شيء" (٢). قال محمد بن إسحاق: " إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير" (٣). قال الطبري: يقول" والله جل وعز على تعذيب من أرَاد تعذيبه من خلقه على معصيته، وغفرانِ ما أراد غفرانه منهم باستنقاذه من الهلكة بالتوبة عليه وغير ذلك من الامور كلها قادرٌ، لأن الخلق خلقُه، والملك ملكه، والعباد عباده" (٤). قال المراغي: " أي: وهو القادر على كل شىء من التعذيب والرحمة لا يعجزه شىء فى تدبير ملكه" (٥). وذكر السمرقندي وجها ىخر من التأويل للآية فقال: " ومعناه: أن السارق إذا تاب، ورد المال لا يقطع ويتجاوز عنه، وإن لم يتب قطعت يده، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿له ملك السماوات والأرض﴾ يعذب إذا لم يتب ويتجاوز إذا تاب، فافعلوا أنتم مثل ذلك، لأن الله تعالى مع قدرته يتجاوز عن عباده، وهو قوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴾، من المغفرة والعذاب" (٦). الفوائد: ١ - أن أن عقاب السراق والعفو عن التائبين جاء وفق الحكمة والعدل والرحمة. ٢ - وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغيرة مغفورة ليس له أن يعذب عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار ليس له أن يعفو عنها. فلو كان على ما قالوا لذهب معنى التخيير بقوله - تعالى -: ﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء﴾ إذا ما عفا: عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب: عذب ما عليه أن يعذب؛ فيذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه ﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء﴾ (٧). ٣ - ومن اسمائه تعالى: «القدير»: إذ "وصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور" (٨). روي البيهقي عن عبد العزيز قال الحليمي، قال: "و «القدير»: التام القدرة لا يلابس قدرته عجز بوجه" (٩). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ

стр. 3413

لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة: ٤١] التفسير: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وقلوبهم خالية منه، فإني ناصرك عليهم. ولا يحزنك تسرُّع اليهود إلى إنكار نبوتك، فإنهم قوم يستمعون للكذب، ويقبلون ما يَفْتَريه أحبارُهم، ويستجيبون لقوم آخرين لا يحضرون مجلسك، وهؤلاء الآخرون يُبَدِّلون كلام الله من بعد ما عَقَلوه، ويقولون: إن جاءكم من محمد ما يوافق الذي بدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به، وإن جاءكم منه ما يخالفه فاحذروا قبوله، والعمل به. ومن يشأ الله ضلالته فلن تستطيع -أيها الرسول- دَفْعَ ذلك عنه، ولا تقدر على هدايته. وإنَّ هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من دنس الكفر، لهم الذلُّ والفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم. في سبب نزول الآيات [٤١ - ٤٧] خمسة أقوال: أحدها: قال البراء بن عازب: " مرَّ النبي ﷺ بيهوديٍّ محمَّم (١) مجلود، فدعا النبي ﷺ رجلا من علمائهم فقال: أهكذا تجِدُون حدَّ الزاني فيكم؟ قال: نعم! قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزنى فيكم؟ قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أحدِّثك، ولكن الرجم، ولكن كثرُ الزنا في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع فنضع شيئًا مكان الرجم، فيكون على الشريف والوضيع، فوضعنا التحميم والجلد مكان الرجم! فقال النبى ﷺ : أنا أوّل من أحيي أمرك إذ أماتوه! فأمر به فرجم، فأنزل الله: ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ الآية" (٢). [صحيح] والثاني: أنها نزلت في ابن صوريا آمن ثم كفر، وهذا المعنى مروي عن أبي هريرة (٣). والثالث: أنها نزلت في يهودي قتل يهوديا، ثم قال: سلوا محمدا فإن كان بعث بالدية، اختصمنا إليه، وإن كان بعث بالقتل، لم نأته، قاله عامرالشعبي (٤). والرابع: أنها نزلت في المنافقين، قاله ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والضحاك (٧)، وعبدالله بن كثير (٨). والخامس: أن رجلا من الأنصار زعموا أنه أبو أبي لُبابة بن عبد المنذر أشارت إليه بنو قريظة يوم حصارهم: على ماذا ننزل؟ فأشار إليهم: أنه الذبح، قاله السدي (٩)، ومقاتل (١٠).

стр. 3414

قال مقاتل: "نزلت في أبي لبابة: اسمه مروان بن عبد المنذر الأنصاري من بني عمرو بن عوف. وذلك أنه أشار إلى أهل قريظة إلى حلقه (١) أن محمدا جاء يحكم فيكم بالموت فلا تنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان حليفا لهم" (٢). قال ابن عطية: " وهذا ضعيف وأبو لبابة من فضلاء الصحابة وهو وإن كان أشار بتلك الإشارة فإنه قال فو الله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ثم جاء إلى مسجد النبي ﷺ في المدينة فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه ويرضى رسول الله ﷺ عنه، فإنما كانت تلك الإشارة منه زلة حمله عليها إشفاق ما على قوم كانت بينه وبينهم مودة ومشاركة قديمة ﵁ وعن جميع الصحابة" (٣). قال ابن عطية: " وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها، ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتمرسهم بالدين، والروايات في هذا كثيرة ومختلفة ... وظاهر حديث بيت المدارس (٤) أنه كان في صدر الهجرة اللهم إلا أن يكون ذلك من النبي ﷺ مع عزة كلمته من حيث أراد أن يخرج حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من كتابهم فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها ﷺ " (٥). وقال القرطبي: " وقيل إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم وهذا أصح الأقوال" (٦). وقال ابن كثير: " والصحيح أنها نزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ ، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه،

стр. 3415

واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك" (١). قال الطبري: "وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: عني بقوله: ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾، قومٌ من المنافقين. وجائزٌ أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابنُ صوريا وجائز أن يكون أبو لبابة وجائز أن يكون غيرُهما، غير أن أثبت شيء روي في ذلك، ما ذكرناه من الرواية قبلُ عن أبي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ . وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ من القول فيه أن يقال: عُنِي به عبد الله بن صوريَا، وإذا صحّ ذلك، كان تأويل الآية: يا أيُّها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوّتك، والتكذيبِ بأنك لي نبي، من الذين قالوا: صدَّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينًا، بوجودنا صِفَتك في كتابنا. وذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق عن الزهري: أن ابن صُوريا قال لرسول الله ﷺ : أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعلمون أنك نبى مُرسْل، ولكنهم يحسدونك، فذلك كان على هذا الخبر من ابن صوريا إيمانًا برسول الله ﷺ بفيه، ولم يكن مصدِّقًا لذلك بقلبه، فقال الله جل وعزّ لنبيه محمد ﷺ ، مُطْلِعَه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدِّق قلبه بأنك لله رسول مرسل" (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك" (٣). قال ابن عباس: "هم اليهود" (٤). قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وقلوبهم خالية منه، فإني ناصرك عليهم " (٥). قال ابن عباس: " هم المنافقون" (٦). قال مجاهد: ": ﴿آمنا بأفواههم﴾، يقول: هم المنافقون" (٧). قال الزمخشري: " المعنى: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أى في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين، فإنى ناصرك عليهم وكافيك شرهم. يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنى: وقع فيه سريعا، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه، أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها" (٨). قال السمرقندي: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ " أي: يبادرون ويقعون في الكفر، ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني: ذلك بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم في السر " (٩). وقرئ «لا يحزنك»، بضم الياء، و «يسرعون» (١٠). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " ولا يحزنك تسرُّع اليهود إلى إنكار نبوتك" (١١).

стр. 3416

قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " فإنهم قوم يستمعون للكذب، ويقبلون ما يَفْتَريه أحبارُهم" (١). قال جابر بن عبدالله: " يهود المدينة" (٢). قال مقاتل بن حيان: " فهم يهود أهل قريظة والنضير فيهم لبابة بن سعفة وكعب بن الأشرف، وسعيد بن عمرو" (٣). قال السدي: " هم أبو بسرة وأصحابه" (٤). قال الماوردي: " أى: قائلون للكذب عليك" (٥). قال الزمخشري: أي: " قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان. ومنه «سمع الله لمن حمده» " (٦). قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " ويستجيبون لقوم آخرين لا يحضرون مجلسك" (٧). قال الزمخشري: "يعنى: اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله ﷺ وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من شدة البغضاء وتبالغ من العداوة قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان. ومنه «سمع الله لمن حمده» " (٨). عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: " ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين﴾ قال: لقوم آخرين لم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوا، يقولون لهم الكذب محمد كاذب وليس من التوراة، فلا تؤمنوا به وليس يحرفون هؤلاء الذين لم يأتوك" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١]، وجهان: احدهما: يعني: ﴿سماعون لقوم آخرين﴾: أهل فدك. وهذا قول جابر بن عبدالله (١٠). وروي عن مجاهد: "انهم هم اليهود" (١١). والثاني: أنهم يهود خيبر، وذلك حين زنت المرأة. وهذا قول مقاتل بن حيان (١٢). قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " وهؤلاء الآخرون يُبَدِّلون كلام الله من بعد ما عَقَلوه" (١٣). قال ابن زيد: " هؤلاء كلهم يهود بعضهم من بعض" (١٤). قال مقاتل بن حيان: " قوله: ﴿يحرفون الكلم﴾، يزيدون فيه وينقصونه" (١٥). قال ابن عباس: " ﴿يحرفون الكلم﴾، يعني: يحرفون حدود الله في التوراة" (١٦).

стр. 3417

قال السدي: " حرفوا الرجم فجعلوه جلدا" (١). وفي قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، وجوه: أحدها: أنهم إذا سمعوا كلام النبي ﷺ غيروه بالكذب عليه، وهذا قول الحسن (٢). والثاني: المراد: تغير حدود الله في التوراة، وهو تغيير حكم الله تعالى في جَلْد الزاني بدلاً من رجمه، وهذا قول ابن عباس (٣)، والسدي (٤). والثالث: وقيل: في إسقاط القود عند استحقاقه (٥). قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " ويقولون: إن جاءكم من محمد ما يوافق الذي بدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به" (٦). قال جابر: " يقولون: إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه" (٧). قال مجاهد: " إن وافقكم فخذوه، يهود يقوله للمنافقين" (٨). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " وإن جاءكم منه ما يخالفه فاحذروا قبوله، والعمل به" (٩). قال جابر: " وإن لم تؤتوه فاحذروا الرجم" (١٠). قال مجاهد: " إن لم يوافقكم فاحذروا، يهود يقوله للمنافقين" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]، قولان: أحدهما: أنه يريد بذلك حين زنى رجل منهم بامرأة فأنفذوه إلى النبي ﷺ ليحكم بينهم وقالوا: إن حكم عليكم بالجلد فاقبلوه وإن حكم عليكم بالرجم فلا تقبلوه، فقام النبي ﷺ إلى مدارس توارتهم وفيها أحبارهم يتلون التوراة، فأتى عبد الله بن صوريا، وكان أعور، وهو من أعلمهم فقال له أسألك بالذي أنزل التوراة بطور سيناء على موسى بن عمران هل فى التوراة الرجم؟ فأمسك، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر بهما النبي ﷺ فَرُجِمَا، قال عبد الله: وكنت فيمن رجمه وأنه ليقيها الأحجار بنفسه حتى ماتت، ثم إن ابن صوريا أنكر وفيه أنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول ابن عباس (١٢)، والبراء بن عازب (١٣)، وجابر (١٤)، وسعيد بن المسيب (١٥)، والسدي (١٦)، وابن زيد (١٧). والقول الثاني: أن ذلك في قتيل منهم، وهذا قول قتادة (١٨)، والكلبي (١٩).

стр. 3418

قال قتادة: " ذكر لنا أن هذا كان في قتيلٍ من بني قريظة، قتلته النضير. فكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يُقِيدوهم، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم. وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتيلا لم يرضوا إلا بالقَوَد لفضلهم عليهم في أنفسهم تعزُّزًا. فقدم نبيُّ الله ﷺ المدينة على تَفِئَةِ قتيلهم هذا، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيل عَمْدٍ، متى ما ترفعونه إلى محمد ﷺ أخشى عليكم القَوَد، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ! " (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " ومن يشأ الله ضلالته فلن تستطيع -أيها الرسول- دَفْعَ ذلك عنه، ولا تقدر على هدايته" (٢). قال ابن عباس: " يقول: لن تغير عنه شيئا" (٣). قال الطبري: أي: " ومن يرد الله، يا محمد، مَرْجعه بضلالته عن سبيل الهدى، فلن تملك له من الله استنقاذًا مما أراد الله به من الحيرة والضلالة.، فلا تشعر نفسك الحزنَ على ما فاتك من اهتدائه للحق وهذا تسلية من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ من حزنه على مسارعة الذين قصَّ قصتهم من اليهود والمنافقين في هذه الآية ... ومعنى «الفتنة» في هذا الموضع: الضلالة عن قصد السبيل" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١]، أربعة تاويلات: أحدها: عذابه، وهذا قول الحسن (٥). والثاني: معنه: من يرد الله ضلالته، وهو قول ابن عباس (٦)، والسدي (٧). والثالث: فضيحته، وهو قول الزجاج (٨). والرابع: اختباره بما يظهر به أمره، يقال فتنت الحديد إذا أحميته، وفتنت الرجل إذا أزلته عما كان عليه، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، أي: وإن كادوا ليزيلونك. أفاده الزجاج (٩). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " وإنَّ هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من دنس الكفر" (١٠). قال الطبري: أي: " هؤلاء الذين لم يرد الله أن يطهِّر من دنس الكفر ووَسخ الشرك قُلوبَهم، بطهارة الإسلام ونظافة الإيمان، فيتوبوا" (١١). قال الزجاج: " أي: أن يهينهم (١٢). قال ابن عباس: " إنما سمي: «القلب»، لتقلبه" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وجهان: أحدهما: لم يطهرها من الضيق والحرج عقوبة لهم. ذكره الماوردي (١٤). والثاني: لم يطهرها من الكفر. قاله الطبري (١٥)، والزجاج (١٦).

стр. 3419

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: " لهم الذلُّ والفضيحة في الدنيا" (١). قال الطبري: أي: "بل أراد بهم الخزي في الدنيا وذلك الذلّ والهوان" (٢). قال الزجاج: " قيل لهم في الدنيا فضيحة بما أظهر الله من كذبهم، وقيل لهم في الدنيا خزي بأخذ الجزية منهم، وضرب الذلة والمسكنة عليهم" (٣). قال عكرمة: " مدينة في الروم تُفْتح فَيُسْبَوْن" (٤). قال ابن السدي: " أما خزيهم في الدنيا، إذا قام المهدي فتح القسطنطينية فقتلهم وذلك الخزي" (٥). وروي عن قتادة قال: "مدينة تفتح بالروم" (٦). وفي رواية اخرى عن قتادة: " يعني: ما أنزل الله بأهل قريظة من السبي والقتل، وبأهل النضير من الجلاء" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: "ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو الخلود في نار جهنم" (٨). قال مقاتل بن حيان: عذاب عظيم يعني: عذابا وافرا" (٩). قال الطبري: أي: " وفي الآخرة عذابُ جهنم خالدين فيها أبدًا" (١٠). الفوائد: ١ - استحباب ترك الحزن باجتناب أسبابه ومثيراته. ٢ - حرمة سماع الكذب لغير حاجة تدعو إلى ذلك. ٣ - حرمة تحريف الكلام وتشويهه للإفساد. ٤ - أن الهدى نوعان: أحدهما: الهدى العام: وهو البيان والدلالة والإرشاد، وقد فعل ذلك ﷺ فبين المحجة البيضاء، حتى تركها ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها هالك. والثاني: الهدى الخاص: وهو التفضل بالتوفيق ; لأن ذلك بيد الله وحده، وليس بيده ﷺ كما قال - تعالى -: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم الآية﴾ [المائدة: ٤١]. وقوله - تعالى -: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. ٥ - أن هذه الآية منطبقة على عقيدة أهل السنة في أن الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين، ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر، لا كما تزعم المعتزلة من أنه تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل أحد الايمان وطهارة القلب، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته، وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد ولكن لم يقع، فحسبهم هذه الآية وأمثالها، لو أراد الله أن يطهر قلوبهم من وضر البدع، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها.

стр. 3420

وقد قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾: أي: " أولئك الذين لم يرد الله أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٤]، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] " (١). وما أبشع صرف الزمخشري هذه الآية عن ظاهرها بقوله: لم يرد الله أن يمنحهم ألطافه، لعلمه أن ألطافه لا تنجع فيهم ولا تنفع، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وإذا لم تنجع ألطاف الله تعالى ولم تنفع، فلطف من ينفع وإرادة من تنجع؟ وليس وراء الله للمرء مطمع (٢). القرآن ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢] التفسير: هؤلاء اليهود يجمعون بين استماع الكذب وأكل الحرام، فإن جاؤوك يتحاكمون إليك فاقض بينهم، أو اتركهم، فإن لم تحكم بينهم فلن يقدروا على أن يضروك بشيء، وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل. إن الله يحب العادلين. قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: " هؤلاء اليهود يجمعون بين استماع الكذب وأكل الحرام" (٣). قال الحسن: " تلك الحكام، سمعوا كِذْبَةً وأكلوا رِشْوَةً" (٤). قال قتادة: " كان هذا في حكّام اليهودِ بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرُّشَى" (٥). قال الطبري: أي: " هؤلاء اليهود الذين وصفتُ لك، يا محمد، صفتَهم، سَمَّاعون لقِيل الباطل والكذب، ومن قيل بعضهم لبعض: محمد كاذب، ليس بنبي، وقيل بعضهم: إن حكم الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم، وغير ذلك من الأباطيل والإفك ويقبلون الرُّشَى فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه" (٦). قال الواحدي: "يعني: حكَّام اليهود يسمعون الكذب ممَّنْ يأتيهم مُبطلاً ويأخذون الرِّشوة منه فيأكلونها" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وجوه: أحدها: أن السحت الرشوة، رواه ابن عمرعن النبي ﷺ (٨). والثاني: إن مهر البغي وثمن الكلب والسنور وكسب الحجام من السحت. رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ (٩) والثالث: أنه الرشوة فى الحكم، وهو قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، والضحاك (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)، والحسن (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وعكرمة (١٦)، وابن زيد (١٧).

стр. 3421

والرابع: أنه الرشوة في الدين. قاله عبدالله (١). والخامس: أنه مهر البغي، وعسب الفحل، وكسب الحجّام، وثمن الكلب. وهو مروي عن أبي هريرة (٢). والسادس: أن للسحت خصال ست: الرشوة في الحكم، وثمن الكلب، وثمن الميتة وثمن الخمر، وكسب البغي، وعسب الفحل. وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٣). والسابع: أنه: مهرُ البغي، والرشوة في الحكم، وما كان يُعطى الكُهان في الجاهلية. وهذا قول عبد الله بن هبيرة السَّبائي (٤). والثامن: أنه في كسب الحجام ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستجْعَال في القضية، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، والرشوة في الحكم، وثمن الخمر، وثمن الميتة. وهذا مروي عن علي-﵁ (٥). والتاسع: وقال عبد الله بن شقيق: " هذه الرغف الذي يأخذها المعلمون من السحت. يعني: إذا احتسب بتعليمه فجائز أن يأخذ كرى مثله سمعت أبي يقول: إذا لم يحتسب بالتعليم فله أيأخذ الكرى وإذا احتسب بالتعليم فذاك السحت" (٦). قال ابن عطية: " وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة، ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس، وهو لفظ يعم كل كسب لا يحل ... والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو هذا" (٧). قال الزمخشري: " السحت: كل ما لا يحل كسبه، وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام" (٨). وروي عن النبي- ﷺ : " كُلُّ لحم أنبَته السُّحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم " (٩). وأصل السحت الاستئصال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]، أي: يستأصلكم، وقال الفرزدق (١٠):

стр. 3422

وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع ... مِنَ الْمَالِ إلا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ فسمي سحتاً لأنه يسحت الدين والمروءة (١). قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر: «السحت» مضمومة الحاء مثقلة، وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: «السحت» ساكنة الحاء خفيفة، وروى خارجة بن مصعب عن نافع: «أكالون للسحت» بفتح السين وجزم الحاء (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: " فإن جاؤوك يتحاكمون إليك فاقض بينهم، أو اتركهم" (٣). قال ابن عطية: " تخيير للنبي ﷺ ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم" (٤). قال البيضاوي: " تخيير لرسول الله ﷺ إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإعراض ولهذا قيل: لو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول للشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميا لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم، والآية ليست في أهل الذمة، وعند أبي حنيفة يجب مطلقا" (٥). فيمن أريد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، وجهان: أحدهما: اليهوديان اللذان زنيا خيّر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهما بالرجم أو يدع، وهذا قول ابن عباس (٦)، والحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وابن شهاب الزهري (٩)، وعبدالله بن كثير (١٠). والثاني: أنها في نفسين من بني قريظة وبني النضير قتل أحدهما صاحبه فخّير رسول الله ﷺ عند احتكامهما إليه بين أن يحكم بالقود أو يدع، وهذا قول ابن عباس-في رواية أخرى (١١)، وقتادة (١٢)، وابن زيد (١٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: " فإن لم تحكم بينهم فلن يقدروا على أن يضروك بشيء" (١٤). قال قتادة: "يقول: إن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله له في ذلك رُخْصة، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم" (١٥). روي عن إبراهيم والشعبي، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك فيما بينهم، فاحكم بينهم بحكم المسلمين ولا تعدُه إلى غيره، أو أعرض عنهم وخلِّهم وأهلَ دينهم" (١٦).

стр. 3423

قال ابن عطية: " أمن الله تعالى نبيه –ص-لى الله عليه وسلم من ضررهم إذ أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال، وهذا نحو من قوله تعالى للمؤمنين: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ [آل عمران: ١١١] " (١). قال البيضاوي: " بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإن الله يعصمك من الناس" (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل" (٣). قال البيضاوي: " أي: بالعدل الذي أمر الله به" (٤). قال ابن عطية: " أي: إن اخترت أن تحكم بينهم في نازلة ما ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾، أي: بالعدل، يقال: أقسط الرجل إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار، ومنه قوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] " (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: " إن الله يحب العادلين" (٦). قال أبو مالك: " يعني: المعدلين في القول والفعل" (٧). قال البيضاوي: " فيحفظهم ويعظم شأنهم" (٨). واختلفوا في التخيير في الحكم بينهم، هل هو ثابت أو منسوخ؟ على قولين (٩): أحدهما: أن التخيير منسوخ بقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وهذا قول ابن عباس (١٠)، وعمر بن عبدالعزيز (١١)، والحسن (١٢)، وعكرمة (١٣)، ومجاهد (١٤)، وقتادة (١٥)، والسدي (١٦)، وزيد بن أسلم (١٧)، وعطاء الخراساني (١٨)، والزهري (١٩). وعلى هذا القول َيجب أن الحكم بينهم واجب على من تحاكموا إليه من حكام المسلمين. قال ابن عباس: " آيتان نسختا من هذه الآية السورة- يعني المائدة- آية القلائد. وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢٠)، وكان النبي ﷺ مخير إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٢١)، فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا" (٢٢).

стр. 3424

والثاني: أن التخيير ثابت، وأن كل حاكم من حكام المسلمين مخير فى الحكم بين أهل الذمة بين أن يحكم أو يدع وهذا قول عامر الشعبي (١)، وإبراهيم النخعي (٢). قال الزجاج: " أجمعت العلماء على أن هذه الآية تدل على أن النبي ﷺ مخير بها في الحكم بين أهل الذمة" (٣). قال ابن عطية: " وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله" (٤). قال الإمام الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله ﷺ من ذلك في هذه الآية. وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ، زَعموا أنه نسخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٩]، والنسخ لا يكون نسخًا، إلا ما كان نفيًا لحكمٍ غَيْرِه بكلِّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صِحّته بوجه من الوجوه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذْ كان ذلك كذلك وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إذا حكمت بينهم، باختيارك الحكم بينهم، إذا اخترت ذلك، ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائِله: إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، أنه ناسخٌ قوله: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾، لما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنَّا، بل هو دليل على مثل الذي دلَّ عليه قوله: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط. وإذْ لم يكن في ظاهر التنزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر ولم يكن عن رسول الله ﷺ خبٌر يصحُّ بأن أحدهما ناسخ صاحبَه ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ صحَّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيِّد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمَه، ولا نسخ في أحدهما للآخر" (٥). الفوائد: ١ - أن الرشوة سُحْتٌ وحرام وباطل، والآية فيها على أن الرشوة عند اليهود أيضا حرام ولولا حرمته عندهم ما عَيَّرَهم الله بقوله: ﴿أكالون للسحت﴾، وهو حرام عند جميع أهل الكتاب. والرشوة وباء خطير، إذا فشت في المجتمع خرب نظامه، واستطال الأشرار على الأخيار، وأهين الحق، فهي سحت وباطل، وهي من أعظم الحرام- والعياذ بالله-. ٢ - ومنها أن الأوضاع الدينية للأقليات يحكمها المبدأ القرآني العام، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة، آية: ٢٥٦]. والأوضاع المدنية والأحوال الشخصية للأقليات، تحكمها شريعة الإسلام إن هم تحاكموا إلينا، قال تعالى: ﴿فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة، آية: ٤٢]، فإن لم يتحاكموا إلينا كان عليهم أن يتحاكموا إلى شرائعهم ما دامت تنتمي ـ عندهم ـ لأصل إلهي: كما سياتي في الآية التالية: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة، آية: ٤٣].

стр. 3425

٢ - أن الحاكم المسلم مخير في الحكم بين أهل الكتاب، إن شاء حكم بينهم وإن شاء أحالهم على علمائهم. ٢ - وجوب العدل في الحكم ولو كان المحكوم عليه غير مسلم. ٣ - أن حكم الله أحسن الأحكام، والشرع هو ما أنزل الله، فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل، لكن العدل قد يتنوع بتنوع الشرائع والمناهج، فيكون العدل في كل شرعة بحسبها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾. القرآن ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾ [المائدة: ٤٣] التفسير: إنَّ صنيع هؤلاء اليهود عجيب، فهم يحتكمون إليك -أيها الرسول- وهم لا يؤمنون بك، ولا بكتابك، مع أن التوراة التي يؤمنون بها عندهم، فيها حكم الله، ثم يتولَّون مِن بعد حكمك إذا لم يُرضهم، فجمعوا بين الكفر بشرعهم، والإعراض عن حكمك، وليس أولئك المتصفون بتلك الصفات، بالمؤمنين بالله وبك وبما تحكم به. قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، أي: " كيف يحكّمك يا محمد هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الله يرونه ولا يعملون به؟ " (١). قال ابن عباس: " يعني: حدود الله، فأخبر الله بحكمه في التوراة" (٢). قال قتادة: " أي: بيان الله ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم ثم يتولون من بعد ذلك، الآية" (٣). قال السدي: " قال -يعني الرب تعالى ذكره- يعيِّرهم: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله، يقول: الرجم" (٤). قال الزمخشري: " وكيف يحكمونك تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به" (٥). قال الواحدي: " عجَّب الله نبيه ﵇ من تحكيم اليهود إيَّاه بعد علمهم بما في التَّوراة من حكم الزَّاني وحدِّه" (٦). قال عبدالقاهر الجرجاني: " ﴿وكيف﴾ أداة تعجب، وهو استبقاء درجة وجودة تحكيمهم النبي ﵇ وتسليمهم له وهم به منكرون مع مخالفتهم التوراة وهم به مقرُّون" (٧). قال الراغب: " أنكر الله تعالى تحكيمهم للنبي ﷺ وهم لا يؤمنون به وعندهم الحكم في التوراة، والمعنى هاتين الحالتين مستنكر بتحكيمهم إياك" (٨). قال الطبري: أي: "وكيف يحكمك هؤلاء اليهود، يا محمد، بينهم، فيرضون بك حكمًا بينهم وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى، التي يقرُّون بها أنها حق، وأنها كتابي الذي أنزلته إلى نبيي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه، ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع عملهم بذلك يتولون، يقول: يتركون الحكم

стр. 3426

به، بعد العلم بحكمي فيه، جراءة عليّ وعصيانًا لي، وهذا، وإن كان من الله تعالى ذكره خطابًا لنبيه ﷺ ، فإنه تقريعٌ منه لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية. يقول لهم تعالى ذكره: كيف تقرّون، أيها اليهود، بحكم نبيّي محمد ﷺ ، مع جحودكم نبوته وتكذيبكم إياه، وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ، جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذْ كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرّون بنبوّته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبيِّي محمد أنه حكمي - أحْرَى، مع جحودكم نبوَّته " (١). قال الجصاص: " قوله تعالى: ﴿وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾ يدل على أن حكم التوراة فيما اختصموا فيه لم يكن منسوخا, وأنه صار بمبعث النبي ﷺ شريعة لنا لم ينسخ; لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله, كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت. وهذا يدل على أن شرائع من قبلنا من الأنبياء لازمة لنا ما لم تنسخ, وأنها حكم الله بعد مبعث النبي ﷺ " (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، ثلاثة أقوال (٣): أحدها: حكم الله بالرجم، لأنهم اختصموا إليه في حد الزنا. وهذا قول الحسن (٤)، والسدي (٥)، واختيار الواحدي (٦). والثاني: حكم الله بالقود، لأنهم اختصموا في ذلك. وهذا قول قتادة (٧). والثالث: حكم الله بالرجم للمحصن والمحصنة، والإيمان بمحمد ﷺ والتصديق له. وهذا قول مقاتل بن حيان (٨). قال الجصاص: " وجائز أن يكونوا تحاكموا إليه فيهما جميعا من الرجم والقود ... فأخبر تعالى أنهم لم يتحاكموا إليه تصديقا منهم بنبوته, وإنما طلبوا الرخصة; ولذلك قال: ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾، يعني: هم غير مؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم بنبوتك وعدولهم عما يعتقدونه حكما لله مما في التوراة. ويحتمل أنهم حين طلبوا غير حكم الله ولم يرضوا به فهم كافرون غير مؤمنين " (٩). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٤٣]، أي: "ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد أن وضح لهم الحق وبان" (١٠). قال مقاتل بن حيان: " يعني: يتولون عن الحق" (١١)، "بعد البيان" (١٢). قال الزمخشري: أي: " ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به" (١٣). قال مكي: " أي: [ثم] يتركون حكم التوراة جرأة على الله، وهذا تقريع لليهود، لأنهم تركوا حكم ما في أيديهم من كتابهم، ورجعوا إلى حكم النبي ﵇ وهم يجحدون نبوته" (١٤).

стр. 3427

وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٤٣]، قولان: أحدهما: : أن توليهم، ما تركوا من كتاب الله، أي: بعد حكم الله في التوراة. وهذا قول عبدالله بن كثير (١). والثاني: بعد تحكيمك. ذكره الماوردي (٢)، واختاره الواحدي (٣). والثالث: بعد البيان. وهذا قول مقاتل بن حيان (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]، أي: "وليس أولئك المتصفون بتلك الصفات، بالمؤمنين بالله وبك وبما تحكم به" (٥). قال مقاتل بن حيان: "يعني: اليهود" (٦). قال مكي: " أي: ما من فعل هذا بمؤمن" (٧). قال الزمخشري: أي: " بكتابهم كما يدعون. أو وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم" (٨). قال الراغب: " أي: لا يصدقونك فيما تحكم به، والواو واو حال" (٩). قال الطبري: " يقول: ليس من فعل هذا الفعل - أي: من تولّى عن حكم الله، الذي حكم به في كتابه الذي أنزله على نبيه، في خلقه بالذي صدَّق الله ورسوله فأقرّ بتوحيده ونبوّة نبيه ﷺ ، لأن ذلك ليس من فِعل أهل الإيمان" (١٠). قال السعدي: " أي: ليس هذا دأب المؤمنين، وليسوا حريين بالإيمان. لأنهم جعلوا آلهتهم أهواءهم، وجعلوا أحكام الإيمان تابعة لأهوائهم" (١١). وأصل التولى عن الشيء، الانصرافُ عنه (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]، قولان (١٣): أحدهما: أي فى تحكيمك أنه من عند الله مع جحودهم نبوتك. والثاني: يعني فى توليهم عن حكم الله غير راضين به. الفوائد: ١ - تقرير كفر اليهود وعدم إيمانهم. ٢ - ومن الفوائد: أنه كان حتى عهد الرسول ﷺ نسخ غير محرفة من التوراة والإنجيل بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] وقوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، وقوله: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. فقد كانت هناك نسخ كثيرة محرفة وبعض النسخ لم يصبها التحريف، ولكن اليهود كانوا يخفونها، ولعلّ بعضاً من هذه النسخ لا تزال إلى يومنا يخفيها بعض علماء اليهود والنصارى،

стр. 3428

ويذكر صاحب كتاب "محمد نبي الإسلام" (١)، نقلاً عن مجلة "أيكونومست" البريطانية أن أول عمل يؤديه المرشح لوظيفة في "الكوريا"، أي: الإدارية المركزية للكنيسة الكاثولوكية هو أن يقسم اليمين المقدسة على كتمان كل شيء يصل إلى علمه أو يقع تحت بصره، من معلومات خصوصاً عن ثروة الكنيسة ومواردها إلى جانب ما يملكه الفاتيكان من تحف وثروة فنية تعتبر من أثمن الثروات في العالم. ولا شك أن عبارة ثروة فنية تشمل مكتبة الفاتيكان الضخمة بما تحويه من كتب في الديانة المسيحية لو تركت للبحث العلمي الحر لألقت أضواءً لامعة على حقبة مجهولة من تاريخ المسيحية في قرونها الأولى المظلمة. القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] التفسير: إنا أنزلنا التوراة فيها إرشاد من الضلالة، وبيان للأحكام، وقد حكم بها النبيُّون -الذين انقادوا لحكم الله، وأقروا به- بين اليهود، ولم يخرجوا عن حكمها ولم يُحَرِّفوها، وحكم بها عُبَّاد اليهود وفقهاؤهم الذين يربُّون الناس بشرع الله; ذلك أن أنبياءهم قد استأمنوهم على تبليغ التوراة، وفِقْه كتاب الله والعمل به، وكان الربانيون والأحبار شهداء على أن أنبياءهم قد قضوا في اليهود بكتاب الله. ويقول تعالى لعلماء اليهود وأحبارهم: فلا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ولكن اخشوني فإني أنا النافع الضار، ولا تأخذوا بترك الحكم بما أنزلتُ عوضًا حقيرًا. الحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، فالذين يبدلون حكم الله الذي أنزله في كتابه، فيكتمونه ويجحدونه ويحكمون بغيره معتقدين حله وجوازه فأولئك هم الكافرون. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " إنا أنزلنا التوراة على موسى فيها بيانٌ واضح ونور ساطع يكشف ما اشتبه من الأحكام" (٢). قال القرطبي: " أي: بيان وضياء وتعريف أن محمدا ﷺ حق" (٣). قال الماوردي: "يعني بالهدى: الدليل. وبالنور: البيان" (٤). قال المراغي: " أي: إنا أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على هدى وإرشاد للناس إلى الحق، ونور وضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم، وبهذا الهدى خرج بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم، وبذلك النور أبصروا طريق الاستقلال فى أمر دينهم ودنياهم" (٥). قال السعدي: " ﴿فيها هدى﴾: يهدي إلى الإيمان والحق، ويعصم من الضلالة، ﴿ونور﴾: يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك، والشبهات والشهوات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] " (٦). قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " يحكم بالتوراة أنبياء بني إِسرائيل الذين انقادوا لحكم الله لليهود، فلا يخرجون عن حكمها ولا يُبدّلونها ولا يُحرّفونها" (٧). قال ابن كثير: "أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها" (٨).

стр. 3429

قال المراغي: " أي: أنزلناها قانونا يحكم به النبيون الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين- موسى ومن بعده من أنبياء بنى إسرائيل إلى عيسى ﵇، للذين هادوا أي لليهود خاصة، لأنها شريعة خاصة بهم لا عامة، ولم يكن لداود وسليمان وعيسى شريعة دونها" (١). قال الزمخشري: " المعنى: يحكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى، وكان بينهما ألف نبى وعيسى، للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول الله ﷺ من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد" (٢). قال السعدي: " ﴿يحكم بها﴾ بين الذين هادوا، أي: اليهود في القضايا والفتاوى ﴿النبيون الذين أسلموا﴾ لله وانقادوا لأوامره، الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم، وهم صفوة الله من العباد. فإذا كان هؤلاء النبيون الكرام والسادة للأنام قد اقتدوا بها وائتموا ومشوا خلفها، فما الذي منع هؤلاء الأراذل من اليهود من الاقتداء بها؟ وما الذي أوجب لهم أن ينبذوا أشرف ما فيها من الإيمان بمحمد ﷺ ، الذي لا يقبل عمل ظاهر وباطن، إلا بتلك العقيدة؟ هل لهم إمام في ذلك؟ نعم لهم أئمة دأبهم التحريف، وإقامة رياستهم ومناصبهم بين الناس، والتأكل بكتمان الحق، وإظهار الباطل، أولئك أئمة الضلال الذين يدعون إلى النار" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وجوه (٤): أحدها: أنهم جماعة أنبياء منهم محمد ﷺ . والثاني: المراد نبينا محمد ﷺ وحده وإن ذكر بلفظ الجمع. والثالث: وقيل: كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة. وفي الذي يحكم به من التوراة قولان (٥): أحدهما: أنه أراد رجم الزاني المحصن، والقود من القاتل العامد. والقول الثاني: أنه الحكم بجميع ما فيها من غير تخصيص ما لم يرد به نسخ. قال الماوردي: وقوله: " ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، يعني: على الذين هادوا، وهم اليهود" (٦). وقد اختلفت آراء اللغويين والمفسرين في أصل الكلمة التي اشتقت منها كلمة «يهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (٧): أحدها: أنها من (هاد) بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل. والثاني: أنما سميت اليهود (يهود)، من أجل قولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (٨)، والهائد (٩): التائب، قال الشاعر (١٠): إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ

стр. 3430

أي تائب، وقال ابن عرفة: "هدنا إليك" أي سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾، وقرأ أبو السمال: «هادوا»، بفتح الدال (١). والثالث: نُسِبُوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب، فقلبت العربُ الذال دالاً، لأن الأعجمية إذا عُرِّبت، غيرت من لفظها. والرابع: أنها مشتقة من هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه. والخامس: أنه من التهويد، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (٢)، وأنشد قول الراعي النميري (٣): وخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى ... قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ والسادس: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ ﴿هدنا إليك﴾، أي: خضعنا إليك. والسابع: «هاد يهيد»، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (٤). وأما من حيث نسبة هذا الاسم فقيل: نسبة إلى يهوذا بالذال المعجمة، وهو ابن يعقوب ﵇، فغيرته العرب من الذال المعجمة إلى الدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يهود (٥). وقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة يهوذا الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (١٣٩ - ٦٨٥ ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى ﵇ إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (٦). وقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام: " أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفاراً من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد" (٧).

стр. 3431

ولهذا فإن لفظ اليهود هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة "عبرانيين" (١) و"بني إسرائيل" (٢) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة "يهود" أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم. قوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " وكذلك حكم العلماء منهم والفقهاء، بسبب أمر الله إِياهم بحفظ كتابه من التحريف والتضييع" (٣). قال ابن كثير: " أي: وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء، والأحبار وهم العلماء، بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به" (٤).

стр. 3432

قال الزمخشري: أي: " وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون، بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء. ويجوز أن يكون الضمير في: ﴿استحفظوا﴾ للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا ويكون الاستحفاظ من الله، أى كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء" (١). قال المراغي: " أي: ويحكم بها الربانيون والأحبار فى الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء معهم أو يحكمون مع وجودهم بإذنهم بسبب ما أودعوه من الكتاب وائتمنوا عليه وطلب منهم أنبياؤهم حفظه، كالعهد الذي أخذه موسى بأمر الله على شيوخ بنى إسرائيل بعد أن كتب التوراة أن يحفظوها ولا يحيدوا عنها" (٢). قال السعدي: " أي: وكذلك يحكم بالتوراة للذين هادوا أئمة الدين من الربانيين، أي: العلماء العاملين المعلمين الذين يربون الناس بأحسن تربية، ويسلكون معهم مسلك الأنبياء المشفقين. و «الأحبار»، أي: العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم، وترمق آثارهم، ولهم لسان الصدق بين أممهم" (٣). و«الأحبار»: جمع حَبْر، بالفتح والكسر، وهو العالم (٤)، وفي سبب تسميته أقوال: أحدها: أنه سُمِّي بذلك اشتقاقاً من التحبير، وهو التحسين، لأن العالم يحسن الحسن ويقبح القبيح، ويحتمل أن يكون ذلك لأن العلم فى نفسه حسن. وهذا قول الفراء (٥). والثاني: وقال الثوري سألت الفراء: لم سمي الحبر حبرا؟ فقال: يقال للعالم: حَبر، وحِبر، والمعنى: مداد حبر، ثم حذف كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (٦). والثالث: أنه سمي حبرا، لتأثيره يقال على أسنانه حبرة أي صفرة أو سواد. وهذا قول الأصمعي (٧). وفي قوله تعالى: ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، تأويلان: أحدهما: استودعوا، وهو قول الزجاج (٨)، والأخفش (٩)، والنحاس (١٠). والثاني: العلم بما حفظوا، وهو قول الكلبي (١١). قال السعدي: " وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق ﴿بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه، وهم شهداء عليه، بحيث أنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: "وكانوا رقباء على الكتاب لئلا يبدل" (١٣). قال ابن عباس: " هم الشهداء لمحمد ﷺ بما قاله إنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد ﷺ أتته اليهود فقضى بينهم بالحق" (١٤).

стр. 3433

قال الماوردي: " يعني: على حكم النبي ﷺ أنه في التوراة" (١). قال القاسمي: " أي: رقباء يحمونه من أن يحوم حوله التغيير والتبديل بوجه من الوجوه. أو بأنه حق وصدق من عند الله" (٢). قال المراغي: " أي: وكان السلف الصالح منهم رقباء على الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به كما فعل عبد الله بن سلام فى مسألة الرجم، لا كما فعل الخلف من كتمان بعض أحكامه اتباعا للهوى، أو خوفا من أشرافهم إن أقاموا عليهم حدوده، وطمعا فى صلاتهم إذا هم حابوهم، ومما كتموه صفة النبي ﷺ والبشارة به" (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " فلا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ولكن اخشوني فإني أنا النافع الضار" (٤). قال مقاتل بن حيان: " ﴿فلا تخشوا الناس﴾، في أمر محمد ﷺ والرجم، يقول: أظهروا أمر محمد ﷺ والرجم" (٥)، " واخشون في كتمان محمد ﷺ والرجم" (٦). قال ابن كثير: " أي: لا تخافوا منهم وخافوني" (٧). قال مقاتل: " يقول: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم ونعت محمد- ﷺ واخشون إن كتمتموه " (٨). قال الزمخشري: "نهى للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم (٩) فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء" (١٠). قال المراغي: ثم خاطب الله تعالى رؤساء اليهود الذين كانوا زمن التنزيل لا يخافون الله فى الكتمان والتبديل بعد أن قص سيرة السلف الصالح من بنى إسرائيل لعلهم يعتبرون ويرعوون عن غيهم فقال: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾، أي: وإذا كان الحال كما ذكر أيها الأحبار ولا شك أنكم لا تنكرونه كما تنكرون غيره مما قصه الله على رسوله من سير أسلافهم- فلا تخشوا الناس فتكتموا ما عندكم من الكتاب خشية أحد، أو طمعا فى منفعة عاجلة منه، واخشوني واقتدوا بمن كان قبلكم من الربانيين والأحبار واحفظوا التوراة ولا تعدلوا عن ذلك، فإن النفع والضر بيدي" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، تأويلان: أحدهما: فلا تخشوهم فى كتمان ما أنزلت، وهذا قول السدي (١٢). والثاني: في الحكم بما أنزلت (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " ولا تأخذوا بترك الحكم بما أنزلتُ عوضًا حقيرًا" (١٤).

стр. 3434

قال مقاتل: " عرضا يسيرا مما كانوا يصيبون من سفلة اليهود من الطعام والثمار" (١). قال الطبري: أي: " ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى، أيها الأحبار، عوضًا خسِيسًا وذلك هو الثمن القليل، وإنما أراد تعالى ذكره، نهيَهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله، وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدَّلوها طلبًا منهم للرشَى" (٢). قال المراغي: " أي: ولا تتركوا بيانها للناس والعمل بها لقاء منفعة دنيوية قليلة تأخذونها من الناس كرشوة أو جاه أو غيرهما من الحظوظ العاجلة التي تصدكم عن الاهتداء بآيات الله وتمنعكم عن الخير العظيم الذي تنالونه من ربكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" (٣). قال السعدي: أي: " فتكتمون الحق، وتظهرون الباطل، لأجل متاع الدنيا القليل، وهذه الآفات إذا سلم منها العالم فهو من توفيقه وسعادته، بأن يكون همه الاجتهاد في العلم والتعليم، ويعلم أن الله قد استحفظه ما أودعه من العلم واستشهده عليه، وأن يكون خائفا من ربه، ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم من القيام بما هو لازم له، وأن لا يؤثر الدنيا على الدين. كما أن علامة شقاوة العالم أن يكون مخلدا للبطالة، غير قائم بما أمر به، ولا مبال بما استحفظ عليه، قد أهمله وأضاعه، قد باع الدين بالدنيا، قد ارتشى في أحكامه، وأخذ المال على فتاويه، ولم يعلم عباد الله إلا بأجرة وجعالة، فهذا قد من الله عليه بمنة عظيمة، كفرها ودفع حظا جسيما، محروما منه غيره" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، وجوه من التفسير: أحدها: معناه لا تأخذوا على كتمانها أجراً. ذكره الماوردي (٥). والثاني: معناه لا تأخذوا على القرآن أجراً. وهذا قول الربيع بن أنس (٦). والثالث: معناه: لا تأكلوا علينا السحت كما صنعت اليهود. وهذا قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم (٧). والرابع: معناه: لا تأخذوا طعما قليلا وتكتموا اسم الله فذلك الطمع وهو الثمن. وهذا قول السدي (٨). قال سعيد بن جبير: " وإن آيات كتابه الذي أنزل إليهم وإن الثمن القليل هو الدنيا وشهواتها" (٩). قال الحسن: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " أي من لم يحكم بشرع الله كائناً من كان فقد كفر" (١١). قال ابن عباس: " من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ" (١٢).

стр. 3435

قال مقاتل: " ومن لم يحكم بما أنزل الله في التوراة: بالرجم ونعت محمد- ﷺ ، ويشهد به ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ " (١). قال الزمخشري: أي: " ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينا به فأولئك هم الكافرون" (٢). قال الطبري: أي: "ومن كتم حُكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكمًا يين عباده، فأخفاه وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقِصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سوَّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة فهؤلاء هم الذين سَتَروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينُه، وغطَّوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به، لسحتٍ أخذوه منهم عليه" (٣). قال المراغي: " أي: وكل من رغب عن الحكم بما أنزل الله وأخفاه وحكم بغيره كحكم اليهود فى الزانيين المحصنين بالتحميم، وكتمانهم الرجم وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفى بعضها بنصف الدية، والله قد سوى بين الجميع فى الحكم فأولئك هم الكافرون الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه، وغطوه وأظهروا لهم غيره وقضوا به" (٤). قال السعدي: " فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه. وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ، ثم قال تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وفي اختلاف هذه الآي الثلاث أربعة أقاويل: أحدها: أنها واردة في اليهود دون المسلمين، وهذا قول ابن مسعود (٦)، وحذيفة (٧)، والبراء (٨)، وقتادة (٩)، وعكرمة (١٠). الثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، وحكمها عام في جميع الناس، وهذا قول الحسن (١١)، وإبراهيم (١٢)، والسدي (١٣). والثالث: أنه أراد بالكافرين أهل الإِسلام، وبالظالمين اليهود، وبالفاسقين النصارى، وهذا قول الشعبي (١٤). والرابع: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، فهو كافر، ومن لم يحكم مقراً به فهو ظالم فاسق، وهذا قول ابن عباس (١٥).
следующие страницы →