← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

ولهذا فإن لفظ اليهود هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة "عبرانيين" (١) و"بني إسرائيل" (٢) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة "يهود" أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم. قوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " وكذلك حكم العلماء منهم والفقهاء، بسبب أمر الله إِياهم بحفظ كتابه من التحريف والتضييع" (٣). قال ابن كثير: " أي: وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء، والأحبار وهم العلماء، بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به" (٤).

стр. 3432

قال الزمخشري: أي: " وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون، بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء. ويجوز أن يكون الضمير في: ﴿استحفظوا﴾ للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا ويكون الاستحفاظ من الله، أى كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء" (١). قال المراغي: " أي: ويحكم بها الربانيون والأحبار فى الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء معهم أو يحكمون مع وجودهم بإذنهم بسبب ما أودعوه من الكتاب وائتمنوا عليه وطلب منهم أنبياؤهم حفظه، كالعهد الذي أخذه موسى بأمر الله على شيوخ بنى إسرائيل بعد أن كتب التوراة أن يحفظوها ولا يحيدوا عنها" (٢). قال السعدي: " أي: وكذلك يحكم بالتوراة للذين هادوا أئمة الدين من الربانيين، أي: العلماء العاملين المعلمين الذين يربون الناس بأحسن تربية، ويسلكون معهم مسلك الأنبياء المشفقين. و «الأحبار»، أي: العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم، وترمق آثارهم، ولهم لسان الصدق بين أممهم" (٣). و«الأحبار»: جمع حَبْر، بالفتح والكسر، وهو العالم (٤)، وفي سبب تسميته أقوال: أحدها: أنه سُمِّي بذلك اشتقاقاً من التحبير، وهو التحسين، لأن العالم يحسن الحسن ويقبح القبيح، ويحتمل أن يكون ذلك لأن العلم فى نفسه حسن. وهذا قول الفراء (٥). والثاني: وقال الثوري سألت الفراء: لم سمي الحبر حبرا؟ فقال: يقال للعالم: حَبر، وحِبر، والمعنى: مداد حبر، ثم حذف كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (٦). والثالث: أنه سمي حبرا، لتأثيره يقال على أسنانه حبرة أي صفرة أو سواد. وهذا قول الأصمعي (٧). وفي قوله تعالى: ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، تأويلان: أحدهما: استودعوا، وهو قول الزجاج (٨)، والأخفش (٩)، والنحاس (١٠). والثاني: العلم بما حفظوا، وهو قول الكلبي (١١). قال السعدي: " وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق ﴿بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه، وهم شهداء عليه، بحيث أنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: "وكانوا رقباء على الكتاب لئلا يبدل" (١٣). قال ابن عباس: " هم الشهداء لمحمد ﷺ بما قاله إنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد ﷺ أتته اليهود فقضى بينهم بالحق" (١٤).

стр. 3433

قال الماوردي: " يعني: على حكم النبي ﷺ أنه في التوراة" (١). قال القاسمي: " أي: رقباء يحمونه من أن يحوم حوله التغيير والتبديل بوجه من الوجوه. أو بأنه حق وصدق من عند الله" (٢). قال المراغي: " أي: وكان السلف الصالح منهم رقباء على الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به كما فعل عبد الله بن سلام فى مسألة الرجم، لا كما فعل الخلف من كتمان بعض أحكامه اتباعا للهوى، أو خوفا من أشرافهم إن أقاموا عليهم حدوده، وطمعا فى صلاتهم إذا هم حابوهم، ومما كتموه صفة النبي ﷺ والبشارة به" (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " فلا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ولكن اخشوني فإني أنا النافع الضار" (٤). قال مقاتل بن حيان: " ﴿فلا تخشوا الناس﴾، في أمر محمد ﷺ والرجم، يقول: أظهروا أمر محمد ﷺ والرجم" (٥)، " واخشون في كتمان محمد ﷺ والرجم" (٦). قال ابن كثير: " أي: لا تخافوا منهم وخافوني" (٧). قال مقاتل: " يقول: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم ونعت محمد- ﷺ واخشون إن كتمتموه " (٨). قال الزمخشري: "نهى للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم (٩) فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء" (١٠). قال المراغي: ثم خاطب الله تعالى رؤساء اليهود الذين كانوا زمن التنزيل لا يخافون الله فى الكتمان والتبديل بعد أن قص سيرة السلف الصالح من بنى إسرائيل لعلهم يعتبرون ويرعوون عن غيهم فقال: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾، أي: وإذا كان الحال كما ذكر أيها الأحبار ولا شك أنكم لا تنكرونه كما تنكرون غيره مما قصه الله على رسوله من سير أسلافهم- فلا تخشوا الناس فتكتموا ما عندكم من الكتاب خشية أحد، أو طمعا فى منفعة عاجلة منه، واخشوني واقتدوا بمن كان قبلكم من الربانيين والأحبار واحفظوا التوراة ولا تعدلوا عن ذلك، فإن النفع والضر بيدي" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، تأويلان: أحدهما: فلا تخشوهم فى كتمان ما أنزلت، وهذا قول السدي (١٢). والثاني: في الحكم بما أنزلت (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " ولا تأخذوا بترك الحكم بما أنزلتُ عوضًا حقيرًا" (١٤).

стр. 3434

قال مقاتل: " عرضا يسيرا مما كانوا يصيبون من سفلة اليهود من الطعام والثمار" (١). قال الطبري: أي: " ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى، أيها الأحبار، عوضًا خسِيسًا وذلك هو الثمن القليل، وإنما أراد تعالى ذكره، نهيَهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله، وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدَّلوها طلبًا منهم للرشَى" (٢). قال المراغي: " أي: ولا تتركوا بيانها للناس والعمل بها لقاء منفعة دنيوية قليلة تأخذونها من الناس كرشوة أو جاه أو غيرهما من الحظوظ العاجلة التي تصدكم عن الاهتداء بآيات الله وتمنعكم عن الخير العظيم الذي تنالونه من ربكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" (٣). قال السعدي: أي: " فتكتمون الحق، وتظهرون الباطل، لأجل متاع الدنيا القليل، وهذه الآفات إذا سلم منها العالم فهو من توفيقه وسعادته، بأن يكون همه الاجتهاد في العلم والتعليم، ويعلم أن الله قد استحفظه ما أودعه من العلم واستشهده عليه، وأن يكون خائفا من ربه، ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم من القيام بما هو لازم له، وأن لا يؤثر الدنيا على الدين. كما أن علامة شقاوة العالم أن يكون مخلدا للبطالة، غير قائم بما أمر به، ولا مبال بما استحفظ عليه، قد أهمله وأضاعه، قد باع الدين بالدنيا، قد ارتشى في أحكامه، وأخذ المال على فتاويه، ولم يعلم عباد الله إلا بأجرة وجعالة، فهذا قد من الله عليه بمنة عظيمة، كفرها ودفع حظا جسيما، محروما منه غيره" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، وجوه من التفسير: أحدها: معناه لا تأخذوا على كتمانها أجراً. ذكره الماوردي (٥). والثاني: معناه لا تأخذوا على القرآن أجراً. وهذا قول الربيع بن أنس (٦). والثالث: معناه: لا تأكلوا علينا السحت كما صنعت اليهود. وهذا قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم (٧). والرابع: معناه: لا تأخذوا طعما قليلا وتكتموا اسم الله فذلك الطمع وهو الثمن. وهذا قول السدي (٨). قال سعيد بن جبير: " وإن آيات كتابه الذي أنزل إليهم وإن الثمن القليل هو الدنيا وشهواتها" (٩). قال الحسن: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: " أي من لم يحكم بشرع الله كائناً من كان فقد كفر" (١١). قال ابن عباس: " من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ" (١٢).

стр. 3435

قال مقاتل: " ومن لم يحكم بما أنزل الله في التوراة: بالرجم ونعت محمد- ﷺ ، ويشهد به ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ " (١). قال الزمخشري: أي: " ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينا به فأولئك هم الكافرون" (٢). قال الطبري: أي: "ومن كتم حُكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكمًا يين عباده، فأخفاه وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقِصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سوَّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة فهؤلاء هم الذين سَتَروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينُه، وغطَّوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به، لسحتٍ أخذوه منهم عليه" (٣). قال المراغي: " أي: وكل من رغب عن الحكم بما أنزل الله وأخفاه وحكم بغيره كحكم اليهود فى الزانيين المحصنين بالتحميم، وكتمانهم الرجم وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفى بعضها بنصف الدية، والله قد سوى بين الجميع فى الحكم فأولئك هم الكافرون الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه، وغطوه وأظهروا لهم غيره وقضوا به" (٤). قال السعدي: " فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه. وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ، ثم قال تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وفي اختلاف هذه الآي الثلاث أربعة أقاويل: أحدها: أنها واردة في اليهود دون المسلمين، وهذا قول ابن مسعود (٦)، وحذيفة (٧)، والبراء (٨)، وقتادة (٩)، وعكرمة (١٠). الثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، وحكمها عام في جميع الناس، وهذا قول الحسن (١١)، وإبراهيم (١٢)، والسدي (١٣). والثالث: أنه أراد بالكافرين أهل الإِسلام، وبالظالمين اليهود، وبالفاسقين النصارى، وهذا قول الشعبي (١٤). والرابع: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، فهو كافر، ومن لم يحكم مقراً به فهو ظالم فاسق، وهذا قول ابن عباس (١٥).

стр. 3436

قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيُّون بها. وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى. فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟ قيل: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ" (١). الفوائد: ١ - وجوب خشية الله بأداء ما أوجب وترك ما حرم. ٢ - كفر من جحد أحكام الله فعطلها أو تلاعب بها فحكم بالبعض دون البعض. ٣ - قال السعدي: إن" الله تعالى قد حمل أهل العلم، ما لم يحمله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حملوا، وأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا. وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصا الأمور الأصولية والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم" (٢). القرآن ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥] التفسير: وفَرَضنا عليهم في التوراة أن النفس تُقْتَل بالنفس، والعين تُفْقَأ بالعين، والأنف يُجْدَع بالأنف، والأذُن تُقْطع بالأذُن، والسنَّ تُقْلَعُ بالسنِّ، وأنَّه يُقْتَصُّ في الجروح، فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي فذلك تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه وإزالةٌ لها. ومن لم يحكم بما أنزل الله في القصاص وغيره، فأولئك هم المتجاوزون حدود الله. قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " وفَرَضنا عليهم في التوراة أن النفس تُقْتَل بالنفس" (٣). قال ابن عباس: "يقول: تقتل النفس بالنفس" (٤). قال سعيد بن جبير: " يعني نفس المسلم الحر بنفس المسلم الحر وبالمسلمة إذا كان عمدا وقال النبي ﷺ : «لا يقتل مؤمن بكافر» (٥) " (٦). قال مقاتل: " يعني قضى، أن النفس بالنفس" (٧). قال ابن الجوزي: أي: " فرضنا على اليهود في التوراة" (٨).

стр. 3437

قال السمرقدي: " يعني: فرضنا على بني إسرائيل، في التوراة أن النفس بالنفس إذا كان القتل عمدا" (١). قال الزمخشري: أي: " فرضنا عليهم فيها أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق" (٢). قال الطبري: أي: " وفرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النَّفس إذا قتلت نفسًا بغير حق بالنفس، يعني: أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة" (٣). قال ابن كثير: " وهذا أيضًا مما وُبّخَتْ به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة: أن النفس بالنفس. وهم يخالفون ذلك عمدًا وعنادًا، ويُقيدون النضري من القرظي، ولا يُقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار" (٤). عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قرأها: " ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ نصب النفس ورفع العين" (٥). قال ابن عباس: " كان على بني إسرائيل القصاصُ في القتلى، ليس بينهم دية في نفسٍ ولا جُرْحٍ. قال: وذلك قول الله تعالى ذكره: وكتبنا عليهم فيها في التوراة، فخفف الله عن أمّة محمد ﷺ ، فجعل عليهم الدية في النَّفس والجِراح، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن تصدَّق به فهو كفارة له" (٦). في مصحف أبى: «وأنزل الله على بنى إسرائيل فيها» (٧). قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " والعين تُفْقَأ بالعين" (٨). قال ابن عباس: " وتفقأ العين بالعين" (٩). قال السمرقدي: " يعني: والعين بالعين إذا كان عمدا" (١٠). قال الطبري: أي: "وفرضنا عليهم فيها أن يفقأوا العين التي فقأ صاحبها مثلَها من نفس أخرَى بالعين المفقوءة" (١١). قال الزمخشري: أي: " وكذلك العين مفقوءة بالعين" (١٢). قال عقيل: " سألت بن شهاب عن رجل أعور فقأ عين صحيح أتفقأ عينه الباقية فيكون أعمى؟ قال: قضاء الله في كتابه أن العين بالعين فعينه وإن كانت بقية بصره" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " والأنف يُجْدَع بالأنف" (١٤). قال ابن عباس: "ويقطع الأنف بالأنف" (١٥).

стр. 3438

قال الطبري: أي: " ويجدع الأنف بالأنف" (١). قال الزمخشري: أي: " والأنف مجدوع بالأنف" (٢). قوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " والأذُن تُقْطع بالأذُن" (٣). قال الطبري: أي: " وتقطع الأذن بالأذن " (٤). قال الزمخشري: أي: " والأذن مصلومة بالأذن" (٥). روي عن ربيعة: " أنه قال في رجل وقع به قوم فقطعوا أذنيه، قال: أرى أن يصنع لهم مثل الذي صنعوا به" (٦). قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " والسنَّ تُقْلَعُ بالسنِّ" (٧). قال ابن عباس: "وتنزع السنّ بالسن" (٨). قال الطبري: أي: " وتقلع السنّ بالسنّ" (٩). قال الزمخشري: أي: " والسن مقلوعة بالسن" (١٠). قال أنس: " أمر رسول الله ﷺ بالاقتصاص من السن، وقال: كتاب الله القصاص" (١١). قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " وأنَّه يُقْتَصُّ في الجروح" (١٢). قال ابن عباس: "وتقتصّ الجراح بالجراح" (١٣). وعن ابن عباس ايضا: " يقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونسائهم فيما بينهم إذا كان عمدا في النفس وكما دون النفس ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس" (١٤). قال الطبري: أي: " ويُقْتَصَّ من الجارِح غيره ظلمًا للمجروح" (١٥). قال الزمخشري: أي: " ذات قصاص، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة" (١٦). والقصاص: "مقابلة الفعل بمثله، مأخوذ من: قص الأثر" (١٧). وإن قيل: "كيف يكون القصاص فرضا والولي مخير بينه وبين العفو؟ فالجواب: أنه فرض على القاتل للولي، لا على الولي" (١٨). وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، فنزلت" (١٩).

стр. 3439

في مصحف أبى: «وأن الجروح قصاص»، والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتب كما تقع عليه القراءة. تقول: كتبت الحمد لله (١). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي فذلك تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه وإزالةٌ لها" (٢). قال ابن عباس: " فمن عفى عنه وتصدق عليه، فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب" (٣). قال الزمخشري: أي: " فمن تصدق من أصحاب الحق به بالقصاص وعفا عنه فهو كفارة له فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيئاته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، تاويلان: أحدهما: أنه كفارة للجروح، وهو قول عبد الله بن عمر (٥)، وإبراهيم (٦)، والحسن (٧)، وقتادة (٨)، والشعبي (٩)، وجابر بن زيد (١٠). روى الشعبي عن ابن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ جُرِحَ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ" (١١). والثاني: أنه كفارة للجارح، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وهذا قول ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣)، وزيد بن اسلم (١٤)، وهذا محمول على من عفى عنه بعد توبته. قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: عني به: فمن تصدّق به فهو كفارة له، المجروحَ فلأن تكون الهاء في قوله: ﴿له﴾، عائدةً على ﴿مَنْ﴾، أولى من أن تكون مِنْ ذِكْر من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح، وأحرَى، إذ الصدقة هي المكفِّرة ذنبَ صاحبها دون المتصدَّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه سبيلَ غيرها من الصدَّقات" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: " ومن لم يحكم بما أنزل الله في القصاص وغيره، فأولئك هم المتجاوزون حدود الله" (١٦). قال ابن كثير: " لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال هاهنا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدى بعضهم على بعض" (١٧).

стр. 3440

عن البراء قوله: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، قال: أنزلت في اليهود" (١). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن عباس والشعبي والحسن ومقاتل بن حيان نحو ذلك" (٢). وروي عن عطاء قوله: " ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، قال: ظلم دون ظلم" (٣). قال ابن كثير: " وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة. وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبي حاتم. وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالا عن الشافعي ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا. وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ، ﵀، في كتابه "الشامل" إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة. وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم: «أن الرجل يقتل بالمرأة» (٤). وفي الحديث الآخر: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (٥)، وهذا قول جمهور العلماء" (٦). وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: " أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية؛ لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في روايته عنه وحكي هذا عن الحسن البصري وعطاء، وعثمان البتي، ورواية عن أحمد به أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، بل تجب ديتها. وهكذا احتج أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" (٧). وأما العبد فعن السلف في آثار متعددة: أنهم لم يكونوا يُقيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حرًا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة. ويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك: عن أنس بن مالك: «أن الرُّبَيع عَمّة أنس كسرت ثَنيَّة جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: "القصاص". فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس، كتاب الله القصاص". قال:

стр. 3441

فقال: لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضي القوم، فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبَّره» (١) " (٢). الفوائد: ١ - حكم القصاص في الإسلام وهو المساواة والمماثلة فيقتل الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة والمرأة بالرجل والرجل بالمرأة، ويقتل القاتل بما قتل به مماثلة لحديث: "المرء مقتول بما قتل به". ولما كان العبد مقوماً بالمال فإنه لا يقتل به الحر، بل يدفع إلى سيده مال. وبهذا حكم الصحابة والتابعون وعليه الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف أبو حنيفة فرأى القود فيقتل الحر بالعبد أخذاً بظاهر هذه الآية. ٢ - وجوب القود في النفس والقصاص في الجراحات؛ لأن ما كتب على بني إسرائيل كتب على هذه الأمة. ٣ - من الظلم أن يعتدى في القصاص بأن يقتل الواحد اثنان أو يقتل غير القاتل أو يفقأ بالعين الواحدة عينان مثلاً، وهو كفر مع الاستحلال وظلم في نفس الوقت. ٤ - محاسن الشرع الإسلامي وما فيه من اليسر والرحمة حيث أجاز العفو والدية بدل القصاص. القرآن ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦] التفسير: وأتبعنا أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم مؤمنًا بما في التوراة، عاملا بما فيها مما لم ينسخه كتابه، وأنزلنا إليه الإنجيل هاديا إلى الحق، ومبيِّنًا لما جهله الناس مِن حكم الله، وشاهدًا على صدق التوراة بما اشتمل عليه من أحكامها، وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله وزاجرًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات. قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: " وأتبعنا أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم" (٣). قال البغوي: " أي: على آثار النبيين الذين أسلموا، ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ " (٤). قال القرطبي: " أي: جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي: آثار النبيين الذين أسلموا" (٥). قال الواحدي: " أَيْ: جعلناه يقفو آثار النَّبيِّين يعني: بعثناه بعدهم على آثارهم" (٦). قال ابن كثير: " ﴿وَقَفَّيْنَا﴾، أي: أتبعنا ﴿َلَى آثَارِهِمْ﴾، يعني: أنبياء بني إسرائيل ﵇" (٧). قال القاسمي: " أي: أتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، أي: أرسلناه عقبهم مصدقا" (٨). قال السعدي: " أي: وأتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين، الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا عيسى ابن مريم، روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم" (٩). يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا، قال الشاعر (١٠): إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب ومنه: قافية الشعر (١١). قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: " عاملا بما فيها مما لم ينسخه كتابه" (١٢). قال القرطبي: " يعني: التوراة، فإنه رأى التوراة حقا، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ" (١٣). قال ابن كثير: " أي: مؤمنا بها حاكما بما فيها" (١٤). قال السعدي: " بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة، فهو شاهد لموسى ولما جاء به من التوراة بالحق والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية، وقد يكون عيسى ﵇ أخف في بعض الأحكام، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] " (١٥). قال الواحدي: أَيْ: "يُصدِّق أحكامها ويدعو إليها" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: " وأنزلنا إليه الإنجيل هاديا إلى الحق، ومبيِّنًا لما جهله الناس مِن حكم الله" (١٧). قال ابن كثير: "أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات" (١٨). قال القاسمي: " ﴿فِيهِ هُدًى﴾، أي: إلى الحق ﴿وَنُورٌ﴾، أي: بيان للأحكام" (١٩). قال السعدي: أي: " يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق من الباطل" (٢٠). وقرأ الحسن: «الإنجيل»، بفتح الهمزة/ فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زناة العربية، كما خرج: هابيل، وآجر (٢١). قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: " وشاهدًا على صدق التوراة بما اشتمل عليه من أحكامها" (٢٢). قال السعدي: أي: " بتثبيتها والشهادة لها والموافقة" (٢٣). قال القاسمي: "أي: لما فيها من الأحكام. وتكرير ذلك لزيادة التقرير" (٢٤).

стр. 3442

قال ابن كثير: " أي: متبعًا لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]؛ ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بَعْضَ أحكام التوراة" (١). وفي قوله تعالى: : ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ [المائدة: ٤٦]، وجهان (٢): أحدهما: أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقا الأول. والثاني: أن يكون حالا من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقرا فيه هدى ونور ومصدقا. قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: " وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله وزاجرًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات" (٣). قال الواحدي: " معناه: وهادياً وواعظاً" (٤). قال ابن كثير: " أي: وجعلنا الإنجيل ﴿هُدًى﴾ يهتدى به، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه" (٥). قال القرطبي: أي: " هاديا وواعظا ﴿للمتقين﴾، وخصهم لأنهم المنتفعون بهما" (٦). قال السعدي: أي: " فإن [المتقين] الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ، ويرتدعون عما لا يليق" (٧). قال الشيخ ابن عثيمين: " و «التقوى»: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٨). الفوائد: ١ - أن التوراة والإنجيل: كتابان أنزلا على موسى وعيسى ﵉، - على الترتيب - إلى بني إسرائيل. ٢ - ومن الفوائد أن التوراة كانت مضموماً إليها تعديلات الإنجيل شريعة وعقيدة، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧]، لكن الذي حدث هو أن هذه الشريعة لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين: الأول: أنه لم يقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، إذ من المعلوم أن عيسى ﵇، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة. والثاني: أنه، ﵇، قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءاً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق. وكان أول من وضع العراقيل أمام دعوة المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنت الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية، وقد

стр. 3443

جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه (١). ٣ - ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء والاتعاض. ٤ - ومنها: أن المواعظ قسمان: - كونية: وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالاً لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين. - وشرعية: وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور﴾ [يونس: ٥٧]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيراً لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيراً في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات (٢). القرآن ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] التفسير: وليحكم أهل الإنجيل الذين أُرسِل إليهم عيسى بما أنزل الله فيه. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن أمره، العاصون له. قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]، أي: " وليحكم أهل الإنجيل الذين أُرسِل إليهم عيسى بما أنزل الله فيه" (٣). قال مقاتل: " من الأحبار والرهبان بما أنزل الله فيه يعني في الإنجيل من العفو عن القاتل أو الجارح والضارب" (٤). قال الخطيب الإسكافي: " قيل لهم في ذلك الزمان وأمروا أن يحكموا به" (٥). قال الواحدي: " أَيْ: وقلنا لهم: ليحكموا بهذا الكتاب في ذلك الوقت" (٦). قال الزمخشري: " ومعنى أمره لهم بالحكم أي هكذا يجب عليهم" (٧). قال ابن كثير: "، أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد ﷺ والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] " (٨). قال مقاتل بن حيان: " فأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة قبل أن ينزل الإنجيل فكفر من كفر من أهل التوراة والإنجيل، فكذبهم محمدا ﷺ بقولهم: أن عزير ابن الله، والمسيح ابن مريم ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة، وأن عيسى هو الله،

стр. 3444

وأن يد الله مغلولة، وأن الله فقير وهم أغنياء، ولو أنهم حكموا بالرجم والقصاص والجراحات لكانوا كفارا بالله بتكذيبهم محمدا ﷺ وقولهم على الله الكذب والبهتان" (١). وقيل: "إن عيسى ﵇ كان متعبدا بما في التوراة من الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ يرد ذلك، وكذلك قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وإن ساغ لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة" (٢). قال الجصاص: " قوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه﴾: فيه دلالة على أن ما لم ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت, على معنى أنه صار شريعة للنبي ﷺ لقوله: ﴿وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه﴾ ومعلوم أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل إلا على أنهم يتبعون النبي ﷺ لأنه صار شريعة له; لأنهم لو استعملوا ما في الإنجيل مخالفين للنبي ﷺ غير متبعين له لكانوا كفارا, فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على معنى أنها قد صارت شريعة للنبي ﵇" (٣). قرأ الأعمش وحمزة: «وليحكم»، بكسر اللام وفتح الميم، على معنى «كي»، فكأنه قال: وآتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. قال القرطبي: " ومن قرأه على الأمر فهو كقوله: ﴿وأن احكم بينهم﴾ [المائدة: ٤٩]، فهو إلزام مستأنف يبتدأ به، أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت، فأما الآن فهو منسوخ. وقيل: هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد ﷺ ، فإن في الإنجيل وجوب الإيمان به، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأصول" (٤). وقرأ الباقون ﴿وليحكم﴾ بإسكان اللام وجزم الميم، على معنى الأمر، تقديره: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه (٥). قال مكي: "والاختيار الجزم، لأن الجماعة عليه، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل" (٦). قال الطبري: " قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ" (٧). وقال النحاس: " والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان، لأن الله تعالى لم ينزل كتابا إلا ليعمل فيما فيه وأمر بالعمل بما فيه فصحتا جميعا" (٨). قال الزجاج: " و «الإنجيل»، القراءة فيه بكسر الهمزة، ورويت عن الحسن: «الأنجيل»، بفتح الهمزة، وهذه قولة ضعيفة، لأن «أنجيل»، أفعيل، وليس في كلام العرب هذا المثال" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، أي: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن أمره، العاصون له" (١٠). قال مقاتل: " ومن لم يحكم بما أنزل الله في الإنجيل من العفو واقتص من القاتل والجارح والضارب، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ ـ يعنى: العاصين لله- " (١١).

стр. 3445

قال ابن كثير: " أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق" (١). قال البراء: " فأنزل الله فأولئك هم الفاسقون في الكفار كلها" (٢). قال عبدالرحمن بن زيد بن اسلم: " هذا الحكم لكتابه قال: ومن لم يحكم أيضا في أهل الإنجيل بذلك فأولئك هم الفاسقون" (٣). وقال أيضا: " كل شيء في القرآن إلا قليلا ﴿فاسق﴾، فهو كاذب. وقرأ قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [سورة الحجرات: ٦] قال: «الفاسق»، ههنا، كاذب " (٤). وقال الحسن: " أنزلت في أهل الكتاب أنهم تركوا أحكام الله كلها في هذه الآية: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ " (٥). وعن الشعبي: " ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، قال: أنزلت في النصارى" (٦). وعن عطاء في قوله: " ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾، قال: فسق دون فسق" (٧). وروي عن ابن طاوس مثل ذلك (٨). وعن مجاهد: " ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، العاصون" (٩). وعن إبراهيم: " ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، الآيات. قال: نزلت في بني إسرائيل ورضي بها لهؤلاء" (١٠). قال الزمخشري: " وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل الله ... وتقريره: هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التأكيد، وأصوب ما يقال فيها أنها تعم كل مؤمن وكل كافر، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها" (١١). و«الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقاً: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (١٢). وأما المقصود بالفسق اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي:

стр. 3446

أولا: - قال ابن عطية: 'الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان " (١). وكذا قاله الطبري (٢)، والقرطبي (٣). وقد روي "عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري" (٤). قال الشوكاني: عن هذا التعريف: " وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض " (٥). والثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (٦). وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (٧). والثالث: - وقال البيضاوي: " الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة " (٨). والرابع: - وقال الألوسي: "الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة " (٩). ومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١٠) حيث يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: " والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيراً" (١١). الفوائد: ١ - أن أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله ، وهو كفر وظلم وفسق. ٢ - الرد على من يقول: إننا نجد في القرآن الكريم آيات تشهد بصدق التوراة -كما هي اليوم- وتشهد بصدق الإنجيل -كما هو اليوم- وتؤكد أن الكتابين لم يصابا بتحريف، ولا تزييف، من مثل قول القرآن ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]. قلنا له (١٢):

стр. 3447

أولًا: نصدر الإجابة بآيات كريمة من القرآن الكريم تؤكد أن أصابع العبث امتدت إلى هذه الكتب، كقوله تعالى: - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩]. وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٣ - ١٥]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]. وقد روى أحمد من حديث جابر - مرفوعًا-: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا» (١). فهذه النصوص الكريمة- قرآنية أو حديثية- تفيد أن القوم قد حرفوا كتبهم، ونسوا حظًّا من وحي الله وهداه، . . . وإن هذه الكتب- بعد أن أصابها ما أصابها- لم تعد قادرة على إعطاء الإنسان رشده وهداه وتقواه. . .! ثانيًا: أنه ما زال في كتب القوم شيء من الحق، وإن كان قد بدلت وغيرت ألفاظه، إما بحكم الترجمة، أو بدافع الأغراض الشخصية. وإذا قرأنا الآيتين الثالثة والأربعين، والسابعة والأربعين من سورة المائدة، وهما الآيتان اللتان استدل بهما المستدل، في سياقهما من السورة، لزال كثير من الغموض، ولاتضحت الحقيقة جلية سافرة. والله أعلم. القرآن

стр. 3448

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨] التفسير: وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن، وكل ما فيه حقّ يشهد على صدق الكتب قبله، وأنها من عند الله، مصدقًا لما فيها من صحة، ومبيِّنًا لما فيها من تحريف، ناسخًا لبعض شرائعها، فاحكم بين المحتكمين إليك من اليهود بما أنزل الله إليك في هذا القرآن، ولا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهوائهم وما اعتادوه، فقد جعلنا لكل أمة شريعة، وطريقة واضحة يعملون بها. ولو شاء الله لجعل شرائعكم واحدة، ولكنه تعالى خالف بينها ليختبركم، فيظهر المطيع من العاصي، فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين بالعمل بما في القرآن، فإن مصيركم إلى الله، فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون، ويجزي كلا بعمله. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن، وكل ما فيه حقّ" (١). قال ابن عباس: " فهو: القرآن" (٢). قال مقاتل: " يعني: القرآن بالحق، لم ننزله عبثا ولا باطلا لغير شيء" (٣). قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " أي مصدّقاً للكتب السماوية التي سبقته" (٤). قال الماوردي: " يعني: لما قبله من الكتاب " (٥). قال السمعاني: " يعني: سائر الكتب المنزلة قبله" (٦). قال ابن عباس: " فهو القرآن شاهد على التوراة والإنجيل مصدقا بهما" (٧). وروي عن قتادة قال: "الكتب التي خلت قبله" (٨). وقال الكلبي: " موافقا لها" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " ومبيِّنًا لما فيها من تحريف، ناسخًا لبعض شرائعها" (١٠). قال مقاتل: " يقول: وشاهدا عليه وذلك إن قرآن محمد- ﷺ شاهد بأن الكتب التي أنزلت قبله أنها من الله- " (١١). قال السعدي: " أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو

стр. 3449

المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وجوه من التفسير: أحدها: يعني مؤتمنًا عليه، وهو قول ابن عباس (٢)، وعكرمة (٣)، والحسين (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، وعطاء الخراساني (٦). والثاني: يعني شاهداً عليه، وهو قول ابن عباس في رواية أخرى (٧)، والسدي (٨). والثالث: أمينا وشاهدا على الكتب التي خلت من قبله. وهذا قول قتادة (٩). والرابع: مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا. وهذا قول مجاهد في إحدى الروايات (١٠). والخامس: مصدقا عليه، والمهيمن: المصدق، فكل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك. وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق. وهذا قول ابن زيد (١١). والسادس: وقال مجاهد: " محمد ﷺ ، مؤتمنٌ على القرآن" (١٢). قال الطبري: " وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ. وذلك أنّ المهيمن عطفٌ على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدِّق صفةً له. ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد، لقيل: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه، لأنه لم يتقدم من صفة الكاف التي في إليك بعدَها شيءٌ يكون مهيمنًا عليه عطفًا عليه، وإنما عطف به على المصدق، لأنه من صفة الكتاب الذي من صفته المصدق" (١٣). والسابع: حاكما على ما قبله من الكتب. وهذا قول ابن عباس (١٤)، وعبدالله بن الزبير (١٥). والثامن: رقيبا حفيظاً عليه. قاله أبو عبيدة (١٦). قال ابن كثير: " وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم "المهيمن" يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها. وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فأما ما حكاه ابن أبي حاتم، عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وابن أبي نَجيح عن مجاهد؛ أنهم قالوا في قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ أمين على القرآن، فإنه صحيح في المعنى، ولكن في

стр. 3450

تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر. وبالجملة فالصحيح الأول (١) " (٢). قال السمعاني: " والمعاني متقاربة، ومعنى الكل أن كل كتاب يصدقه القرآن، ويشهد بصدقه، فهو كتاب الله" (٣). وقرئ: «ومهيمنا» - بفتح الميم الثانية – قال الزجاج: "وهي عربية ولا أحب القراءة بها، لأن الإجماع في القراءة على كسر الميم في قوله: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] " (٤). قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " فاحكم بين المحتكمين إليك من اليهود بما أنزل الله إليك في هذا القرآن" (٥). قال السدي: " أمر محمدا على أن يحكم بينهم" (٦). وعن بن عباس قوله: " ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾، قال: بحدود الله " (٧). قال السعدي: " أي: من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك" (٨). قال ابن كثير: " أي: فاحكم يا محمد بين الناس: عَرَبهم وعجمهم، أُميهم وكتابيهم ﴿بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك " (٩) قال الماوردي: " هذا يدل على وجوب الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا، وألا نحكم بينهم بتوراتهم ولا بإنجيلهم " (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " ولا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهوائهم وما اعتادوه" (١١). قال مقاتل: " يعني: أهواء اليهود عما جاءك من الحق وهو القرآن" (١٢). قال ابن كثير: " أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسوله؛ ولهذا قال: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾، أي: لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء" (١٣) قال السعدي: " أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير" (١٤). قال ابن عباس: " كان النبي ﷺ مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم. فردهم إلى أحكامهم فنزلت: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾، فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا" (١٥). قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: "، فقد جعلنا لكل أمة شريعة، وطريقة واضحة يعملون بها" (١٦).

стр. 3451

قال الزمخشري: أي: " شريعة وطريقا واضحا في الدين تجرون عليه، وقيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا" (١). قال ابن عباس: " يعني: سبيلا وسنةً " (٢)، وروي عن الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، والضحاك (٥)، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، نحو ذلك. قال السعدي: " ﴿لكل جعلنا منكم﴾ أيها الأمم جعلنا ﴿شرعة ومنهاجا﴾ أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع" (٨). قال مقاتل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: " يعنى: من المسلمين وأهل الكتاب ﴿شرعة﴾، يعني: سنة، ﴿ومنهاجا﴾، يعني: طريقا وسبيلا، فشريعة أهل التوراة في قتل العمد القصاص ليس لهم عقل (٩) ولا دية، والرجم على المحصن والمحصنة إذا زنيا. وشريعة الإنجيل في القتل العمد العفو ليس لهم قصاص ولا دية، وشريعتهم في الزنا الجلد بلا رجم. وشريعة أمة محمد- ﷺ في قتل العمد القصاص والدية والعفو، وشريعتهم في الزنا: إذا لم يحصن الجلد، فإذا أحصن فالرجم" (١٠). و«الشرعة»: هي الشريعة، وهي الطريقة الظاهرة، وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة، ومنه قيل لشريعة الماء: شريعة، لأنها أظهر طرقه إليه، ومنه قولهم: أُشْرِعَتِ الأسنة إذا ظهرت، ومنه سميت شرائع الإسلام شرائع، لشروع أهله فيه (١١). وأما «المنهاج»: فإنّ أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال: طريق نهج ومنهج، قال الزاجر (١٢): مَن يَكُ ذَا شَكٍّ فهذَا فَلْجُ ... مَاءٌ رُوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ ثم يستعمل في كل شيء كان بينًا واضحًا سهلا فيكون معنى قوله: ﴿شرعة ومنهاجاً﴾، لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلا واضحًا يعمل به (١٣).

стр. 3452

وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وجهان: أحدهما: أنه عنى بذلك أهلَ الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا. وهذا قول علي (١)، وقتادة (٢). عن قتادة قوله: " ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾، يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل" (٣). رجحه ابن كثير، وقال: " ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة لما صح أن يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرْعة على حدَة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم" (٤). والثاني: أنه عنى بذلك أمَّةَ محمد ﷺ . ومعنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ ﷺ ، أيها الناس، لكُلِّكم أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد ﷺ أنه لي نبيٌّ شرعةً ومنهاجا. وهذا قول مجاهد (٥). عن مجاهد قوله: " ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾، قال: سنة، ومنهاجًا، السبيل لكلكم، من دخل في دين محمد ﷺ ، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج" (٦). قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ولو كان عنى بقوله: لكل جعلنا منكم، أمة محمد، وهم أمّة واحدةٌ، لم يكن لقوله: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد ﷺ : أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا ﷺ ، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم - في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه - واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم" (٧). وقرأ يحيى بن وثاب: «شرعة» بفتح الشين (٨).

стр. 3453

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " ولو شاء الله لجعل شرائعكم واحدة" (١). قال ابن ابي زمنين: " يعني: ملة واحدة" (٢). قال الزمخشري: أي: " جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوى أمة واحدة أى دين واحد لا اختلاف فيه" (٣). قال السعدي: أي: " تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف متأخرها ولا متقدمها" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]، وجهان: أحدهما: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى. وهذا قول الضحاك (٥). الثاني: لجمعكم على الحق، وهذا قول الحسن (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " ولكنه تعالى خالف بينها ليختبركم، فيظهر المطيع من العاصي" (٧). قال: ابن جريج: " قال ابن كثير: ما أعمله إلا في ما آتاكم من الكتاب" (٨). قال ابن ابي زمنين: أي: "ليختبركم فيما أعطاكم من الكتاب والسنة" (٩). قال السعدي: أي: " فيختبركم وينظر كيف تعملون، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته، ويؤتي كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم فكل أمة تحرص على سبق غيرها" (١٠). قال الزمخشري: أي: " من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذغنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟ " (١١). قال ابن كثير: " أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله " (١٢). قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: " فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين بالعمل بما في القرآن" (١٣). قال الضحاك: " أمة محمد ﷺ " (١٤). قال مقاتل: " يقول: سارعوا في الأعمال الصالحة «يا أمة محمد» فيما ذكر من السبيل والسنة" (١٥). قال الزمخشري: أي: " فابتدروها وتسابقوا نحوها" (١٦).

стр. 3454

قال ابن كثير: " وهي طاعة الله واتباع شرعه، الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله " (١). قال السعدي: " أي: بادروا إليها وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله وحقوق عباده، لا يصير فاعلها سابقا لغيره مستوليا على الأمر، إلا بأمرين: المبادرة إليها، وانتهاز الفرصة حين يجيء وقتها ويعرض عارضها، والاجتهاد في أدائها كاملة على الوجه المأمور به. ويستدل بهذه الآية، على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزئ في الصلاة وغيرها من العبادات من الأمور الواجبة، بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات، التي يقدر عليها لتتم وتكمل، ويحصل بها السبق" (٢). قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: "فإن مصيركم إلى الله" (٣). قال الضحاك: " البر والفاجر" (٤). قال الزمخشري: "استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات" (٥). قال ابن كثير: " أي: معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة" (٦). قال السعدي: أي: " الأمم السابقة واللاحقة، كلهم سيجمعهم الله ليوم لا ريب فيه" (٧). قوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: "فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون، ويجزي كلا بعمله" (٨). قال ابن كثير: " أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة" (٩). قال الزمخشري: "فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل" (١٠). قال السعدي: أي: " من الشرائع والأعمال، فيثيب أهل الحق والعمل الصالح، ويعاقب أهل الباطل والعمل السيئ" (١١). قال الربيع بن أنس: "يبعثهم الله من بعد الموت فيبعث أولياءه وأعداءه فينبئهم بأعمالهم" (١٢). الفوائد: ١ - وجوب الحكم وفي كل القضايا بالكتاب والسنة. ٢ - لا يحوز تحكيم أية شريعة أو قانون غير الوحي الإلهي الكتاب والسنة. ٣ - أن القرآن جاء بموافقة التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء في الخبر عن الله -تعالى- وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك تفصيلا وبيانا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين

стр. 3455

بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها. وهذا معنى كون القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب كما قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. ٤ - أن الله تعالى حفظ القرآن من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل، فبقي كما أنزله الله إلى يوم القيامة، فهو كله حق من عند الله، ولم يحفظ غيره من الكتب فدخلت عليها الزيادة والنقص والتحريف والتبديل ففيها حق وفيها باطل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾. ٥ - بيان الحكمة من اختلاف الشرائع، وهو الابتلاء. القرآن ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩] التفسير: واحكم -أيها الرسول- بين اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن، ولا تتبع أهواء الذين يحتكمون إليك، واحذرهم أن يصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك فتترك العمل به، فإن أعرض هؤلاء عمَّا تحكم به فاعلم أن الله يريد أن يصرفهم عن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها من قبل. وإن كثيرًا من الناس لَخارجون عن طاعة ربهم. في سبب نزول الآية والتي بعدها وجهان: أحدهما: عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس-﵄: " قال كعب بن أسد، وابن صوريا وشأس بن قيس، بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلّنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنَّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنَّا إن اتّبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومِنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) " (٢). [ضعيف] والثاني: عن مجاهد عن ابن عباس ﵄؛ قال: "كان النبي ﷺ مخيراً: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم؛ فردهم إلى أحكامهم؛ فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ

стр. 3456

بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا" (١). [صحيح] قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: " واحكم -أيها الرسول- بين اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن" (٢). عن ابن عباس: " ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، قال: بحدود الله" (٣). وعن عطية: " ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، قال: في كتابه" (٤). عن ابن عباس: " ﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾، قال: كان النبي ﷺ مخيرا في هذه الآية حتى نزلت: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ " (٥). قال قتادة: " فأمر الله نبيه ﷺ أن يحكم بينهم بعد ما كان قد رخص له أن يعرض عنهم إن شاء، فنسخت هذه الآية التي كانت قبلها" (٦). قال السعدي: " هذه الآية هي التي قيل: إنها ناسخة لقوله: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾. والصحيح: أنها ليست بناسخة، وأن تلك الآية تدل على أنه ﷺ مخير بين الحكم بينهم وبين عدمه، وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق. وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم، فإنه يحكم بينهم بما أنزل الله من الكتاب والسنة، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ ودل هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط، وما خالف ذلك فهو جور وظلم" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: " ولا تتبع أهواء الذين يحتكمون إليك" (٨). قال الشافعي: " يحتمل: تساهلهم في أحكامهم، ويحتمل: ما يهوون، وأيهما كان فقد نهي عنه، وأمر أن يحكم بينهم بما أنزل الله على نبيه ﷺ –" (٩). قال السعدي: " كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها. ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: " واحذرهم أن يصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك فتترك العمل به" (١١). قال ابو يزيد بن اسلم: " أن يقولوا في التوراة كذا، قال: وبين له ما في التوراة" (١٢).

стр. 3457

قال ابن كثير: " أي: احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما يُنْهُونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كَذبة كَفَرة خونة" (١). قال السعدي: " أي: إياك والاغترار بهم، وأن يفتنوك فيصدوك عن بعض ما أنزل [الله] إليك، فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب، والفرض اتباعه" (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: " فإن أعرض هؤلاء عمَّا تحكم به" (٣). عن ابن عباس: " ﴿فإن تولوا﴾، يعني: الكفار" (٤). قال الواحدي: " أي: فإن أعرضوا عن الإِيمان والحكم بالقرآن" (٥). قال ابن كثير" أي: عما تحكم به بينهم من الحق، وخالفوا شرع الله " (٦). قال الزمخشري: أي: " فإن تولوا عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره" (٧). قال السعدي: أي: "عن اتباعك واتباع الحق " (٨). قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: "فاعلم أن الله يريد أن يصرفهم عن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها من قبل" (٩). قال ابن كثير" أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قَدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم" (١٠). قال الواحدي: أي: " فاعلم أنَّ ذلك من أجل أنَّ الله يريد أن يعجِّل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم، ويجازيهم في الآخرة بجميعها ثمَّ كان تعذيبهم في الدُّنيا الجلاء والنَّفي" (١١). قال السمعاني: " وقيل: معناه: بكل ذنوبهم، فعبر بالبعض عن الكل، وقيل: معناه: يصيبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا" (١٢). قال السعدي: "فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة، ومن أعظم العقوبات أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه" (١٣). قال الزمخشري: " يعنى: بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها، وهذا الإيهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد (١٤): أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُها

стр. 3458

أراد نفسه: وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفسا كبيرة، ونفسا أى نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: " وإن كثيرًا من الناس لَخارجون عن طاعة ربهم " (٢). عن عبدالرحمن زيد بن اسلم: " ﴿لفاسقون﴾، يقول: الكاذبون" (٣). قال الزمخشري: أي: " المتمردون في الكفر معتدون فيه، يعنى أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر" (٤). قال الواحدي: " يعني: اليهود" (٥). قال ابن كثير" أي: أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناؤون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦] " (٦). قال السعدي: أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله واتباع رسوله" (٧). الفوائد: ١ - التحذير من اتباع أهواء الناس خشية الإضلال عن الحق. ٢ - أكثر المصائب في الدنيا ناتجة عن بعض الذنوب. ٣ - ومن الفوائد: سنة الله في الخلق: أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل؛ لقوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾. وقد يشعر المؤمن المتقي بغربته في هذا الزمان وهو بين أهله، وبوحدته وهو بين أترابه، ليست غربة اتخذها اختياراً، ولا وحدة اصطفاها لنفسه استئثاراً، وإنما سيق لها اضطراراً، سنة اقتضتها حكمة رب عليم حكيم؛ قال النبي ﷺ : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٨). ٤ - أن أن أمر هداية التوفيق والقبول، إلى الله وحده وهو القادر عليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وأما هداية الدلالة والبيان، فالرسول- ﷺ المبين عن الله والدال على دينه وشرعه. القرآن ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] التفسير: أيريد هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عبدةُ الأوثان من الضلالات والجهالات؟ ! لا يكون ذلك ولا يليق أبدًا ومَن أعدل مِن الله في حكمه لمن عقل عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟ قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، أي: " أيريد هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عبدةُ الأوثان من الضلالات والجهالات؟ ! " (٩). قال مقاتل: " يعني: حكمهم الأول" (١٠).

стр. 3459

قال السمرقندي: " يعني: يطلبون منك شيئا لم ينزله الله إليك في حكم الزنى والقصاص كما يفعل أهل الجاهلية" (١). قال المراغي: " أي: أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله، فيبغون حكم الجاهلية المبنى على التحيز والهوى لجانب دون آخر وترجيح القوى على الضعيف؟ " (٢). قال البيضاوي: " المراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى" (٣). قال السعدي: " أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى" (٤). عن مجاهد: قوله: " ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، يهود" (٥). قال الحسن: " يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية" (٦). عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كانت تسمى الجاهلية العالمية حتى جاءت امرأة قالت: يا رسول الله، كان في الجاهلية كذا وكذا، فأنزل الله ذكر الجاهلية" (٧). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وجوه (٨): أحدها: أن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى، وروى أن رسول الله ﷺ قال لهم: «القتلى بواء» (٩)، فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك، فنزلت. والثاني: أن يكون تعبيرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحى من الله تعالى. والثالث: أنه عام في كل من يبغى غير حكم الله، والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان. وهذا قول الحسن (١٠). وسئل طاوس: عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية (١١). وقوله: ﴿يبغون﴾، يقرأ بالياء والتاء، ومعناهما واحد، يعني: أنهم إذا لم يرضوا بحكم الله، وأرادوا خلاف حكم الله، فقد طلبوا حكم الجاهلية (١٢). وقرأ الحسن، وقتادة والأعمش، والأعرج: «أفحكم الجاهلية»، بمعنى: الحاكم (١٣). قال الزمخشري: " على أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام" (١٤).

стр. 3460

وقرأ السلمى: «أفحكم الجاهلية يبغون»، برفع «الحكم»، على الابتداء (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، أي: " ومَن أعدل مِن الله في حكمه لمن عقل عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟ " (٢). قال مقاتل: " يقول: فلا أحد أحسن من الله حكما، «لقوم يوقنون» " (٣). قال السمرقندي: أي: " ومن أعدل من الله قضاء، لقوم يوقنون يعني: يصدقون بالقرآن" (٤). قال الزمخشري: " فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه" (٥). قال القرطبي: " هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن، ﴿لقوم يوقنون﴾، أي: عند قوم يوقنون" (٦). قال البيضاوي: " ﴿لقوم يوقنون﴾: هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من الله " (٧). قال المراغي: " أي: لا أحد أحسن حكما من حكم الله لقوم يوقنون بدينه ويذعنون لشرعه، لأنه حكم جامع بين منتهى العدل والحق من الحاكم، والقبول والإذعان من المحكوم له والمحكوم عليه، وبهذا يحصل التفاضل بين الشرائع الإلهية والقوانين البشرية. والخلاصة- إن مما ينبغى التعجب منه من أحوالهم أنهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر، ويؤثرونه على حكم الله العادل، وفى الأول تفضيل القوى على الضعيف واستذلاله واستئصال شأفته، وفى الثاني العدل الذي يستقيم به أمر الخلق، وبه يستتب الأمن والرضا والطمأنينة بين الناس ويشعر كل منهم بالهدوء وراحة الضمير" (٨). قال الآلوسي: " إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله تعالى إليك فيبغون حكم الجاهلية، وقيل: محل الهمزة بعد الفاء، وقدمت أن لها الصدارة، وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجب لأن التولي عن حكم رسول الله ﷺ وطلب حكم آخر منكر عجيب، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب، والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، أو الأمة الجاهلية، وحكمهم: ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى، وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي أهل الجاهلية" (٩). قال السعدي: " فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل" (١٠). عن ابن أبي نجيح قال: "كان طاوس إذا سأله رجل أفصل بين ولدين في النحل، قرأ ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ " (١١). الفوائد: ١ - أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية, إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون (١٢).

стр. 3461

٢ - ومنها: أن أن حكم الجاهلية ليس حكماً من الله، فكذلك كل حكمٍ قبيحٍ. ٣ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهو سبيل المؤمنين ٤ - تتنوع الجاهلية من حيث متعلقها أنواعا كثيرة جدا, يصعب حصرها, فمنها جاهلية المعتقد, ومنها جاهلية الأخلاق, ومنها جاهلية الاقتصاد, ومنها جاهلية الحكم والسياسة, ومنها جاهلية الفن .... إلخ. وبالجملة, فكل أمر من الأمور خولف فيه رسول الله ﷺ فهو أمر جاهلي. وأن الجاهلية تتنوع من حيث الحكم نوعين (١): النوع الأول: جاهلية كفر. ومن هذا النوع قوله-تعالى-: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٢, وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. النوع الثاني: جاهلية معصية, وهي ما تكون بترك واجب أو فعل محرم دون الكفر (٢) , وهذه لا يكفر صاحبها (٣). ومن هذا النوع قوله ﷺ لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (٤). وكذا الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة على الميت. ٥ - وفي الآية دليل على وجوب إطراح الرأي مع السنة، وإن ادعى صاحبه أنه مصلح، وأن دعوى الإصلاح ليس بعذر في ترك ما أنزل الله، والحذر من العجب بالرأي، قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون﴾. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١] التفسير: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى حلفاءَ وأنصارًا على أهل الإيمان; ذلك أنهم لا يُوادُّون المؤمنين، فاليهود يوالي بعضهم بعضًا، وكذلك النصارى، وكلا الفريقين يجتمع على عداوتكم. وأنتم -أيها المؤمنون- أجدرُ بأن ينصر بعضُكم بعضًا. ومن يتولهم منكم فإنه يصير من جملتهم، وحكمه حكمهم. إن الله لا يوفق الظالمين الذين يتولون الكافرين. اختلف أهل التفسير في سبب نزول الآيات [٥١ - ٥٣] على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في عُبادة بن الصامت، وعبد بن أبي ابن سلول، حين تبرأ عُبادة من حِلْف اليهود وقال: أتولى الله ورسوله حين ظهرت عداوتهم لله ولرسوله. وقال عبد الله بن أبي: لا

стр. 3462

أتبرأ من حلفهم وأخاف الدوائر، وهذا قول ابن عباس (١)، والزهري (٢)، وعطية العوفي (٣)، وعبادة بن الوليد (٤). وقال عبادة بن الصامت" فيّ نزلت هذه الآية حين أتيت رسول الله ﷺ فبرأت إليه من حلف يهود، وظاهرت رسول الله ﷺ والمسلمين عليهم " (٥). والثاني: أنها نزلت فى أبي بلابة بن عبد المنذر حين بَعَثَه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة لما نقضوا العهد أطاعوا بالنزول على حكم سعد أشار إلى حلقه إليهم أنه الذبح، وهذا قول عكرمة (٦). والثالث: أنها نزلت فى رجلين من الأنصار خافا من وقعة أحد فقال أحدهما لصاحبه: أَلْحَقُ باليهود وأتهود معهم، وقال الآخر: ألحق بالنصارى فأتنصر معهم ليكون ذلك لهما أماناً من إدالة الكفار على المسلمين، وهذا قول السدي (٧)، ومقاتل (٨). قال الإمام الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرَّجلين اللذين ذكر السدي أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلك اليهودي، والآخر بنصرانيّ بالشأم ولم يصحّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة، فيسلّم لصحته القولُ بأنه كما قيل. فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه. غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك، وذلك قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾، الآية" (٩). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥١]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (١٠).

стр. 3463

قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (١). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٢) (٣). قال الشوكاني: " الظاهر أنه خطاب للمؤمنين حقيقة وقيل: المراد بهم المنافقون، ووصفهم بالإيمان باعتبار ما كانوا يظهرونه. وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى فنهوا عن ذلك، والأولى أن يكون خطابا لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهرا وباطنا أو ظاهرا فقط، فيدخل المسلم والمنافق، ويؤيد هذا قوله: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾، والاعتبار بعموم اللفظ" (٤). قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: " لا تتخذوا اليهود والنصارى حلفاءَ وأنصارًا على أهل الإيمان" (٥). قال ابن كثير: " ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله" (٦). قال الزمخشري: " ﴿لا تتخذوهم أولياء﴾: تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين" (٧). قال السعدي: " يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء" (٨). قال الشوكاني: " المراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة، ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم" (٩). قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: "فاليهود يوالي بعضهم بعضًا، وكذلك النصارى، وكلا الفريقين يجتمع على عداوتكم. وأنتم -أيها المؤمنون- أجدرُ بأن ينصر بعضُكم بعضًا" (١٠). قال سعيد حوى: " دلّ هذا على أن الكفر ملّة واحدة تجاه الإسلام والمسلمين، فما أسخف من ينسى هذا" (١١). قال الطبري: أي: " أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم وأن النصارى كذلك، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين: أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع وَلايتهم" (١٢).

стр. 3464

قال الزمخشري: " علل النهى بقوله: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾، أى إنما يوالى بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم" (١). قال الجزائري: " تعليل لتحريم موالاتهم، لأن اليهودي ولي لليهودي والنصراني ولي للنصراني على المسلمين فكيف تجوز إذاً موالاتهم، وكيف يصدقون أيضاً فيها فهل من المعقول أن يحبك النصراني ويكره أخاه، وهل ينصرك على أخيه؟ " (٢). قال السعدي: أي: " فإن بعضهم أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم" (٣). قال الشوكاني: " تعليل للنهي، والمعنى: أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق، وقيل: المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي ﷺ وعداوة ما جاء به وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: " ومن يتولهم منكم فإنه يصير من جملتهم، وحكمه حكمهم" (٥). قال الزمخشري: أي: "من جملتهم وحكمه حكمهم" (٦). قال الشوكاني: " أي: فإنه من جملتهم وفي عدادهم، وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية" (٧). قال السعدي: " التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، "تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله ﷺ «لا تراءى ناراهما» (٩). ومنه قول عمر رضى الله عنه لأبى موسى في كاتبه النصراني: "لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله" (١٠).

стр. 3465

وروى أنه قال له أبو موسى: «لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام» (١)، يعنى: هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره" (٢). قال شيخ الإسلام: " وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : أن مشركاً لحقه ليقاتل معه، فقال له: «إني لا أستعين بمشرك» (٣) " (٤). أخرج سفيان عن بن عباس: " أنه سئل عن ذبايح مشركي العرب، فقرأ: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ " (٥). قال هشام: " كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسًا، وكان يتلو هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهَّم منكم فإنه منهم﴾ " (٦). قال إبراهيم: " سئل ابن سيرين عن رجل يبيع دارَه من نصارَى يتخذونها بِيعَةً، قال: فتلا هذه الآية: لا تتَّخِذوا اليهود والنصارى أولياء " (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: " إن الله لا يوفق الظالمين الذين يتولون الكافرين" (٨). قال محمد بن إسحاق: " أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية" (٩). قال الطبري: أي: "إن الله لا يوفِّق من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين، وكان لهم ظهيًرا ونصيرًا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حَرْبٌ" (١٠). قال الزمخشري: " يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتا لهم" (١١). قال السعدي: " أي: الذين وصفهم الظلم، وإليه يرجعون، وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك" (١٢). قال الشوكاني: " تعليل للجملة التي قبلها أي أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين" (١٣)، إذ"حكم على من يتولى من

стр. 3466

استحب الكفر على الإيمان بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدها" (١). عن أبي العالية قوله: " ﴿الظالمين﴾، يعني: من أبا أن يقول لا إله إلا الله" (٢). وروي عن عكرمة وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٣). الفوائد: ١ - نفي الولاية بين أهل الحق وأهل الباطل. ٢ - حرمة موالاة اليهود والنصارى وسائر الكافرين، هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة، ، وقد خص في هذه الآية باليهود والنصارى; لأن المقام يقتضيه. ٣ - الولاء والبراء أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، إذ يجب على كل مسلم أن يكون ولاؤه لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب أن يكون براؤه من أعداء الملة والدين. وكما حرم الله موالاة أعداء الملة والدين، فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم، قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ [الحجرات: ١٠]. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير" (٤). القرآن ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢] التفسير: يخبر الله تعالى عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح «مكة» - وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم. سبب النزول: قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فقال رسول الله ﷺ "يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت

стр. 3467

فهو لك دونه"، فقال: قد قبلت، فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ " (١)، «يعني: عبد الله بن أبي ﴿يسارعون فيهم﴾ في ولايتهم ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ الآية» (٢). وقال عبادة بن الوليد: " فأنزل الله فيهم: ﴿الذين في قلوبهم مرض﴾، يعني: عبد الله بن أبي" (٣). وفي هذا السياق قال مقاتل: " هم المنافقون يسارعون فيهم يعني في ولاية اليهود بالمدينة يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة يعني دولة اليهود على المسلمين وذلك، أن نفرا من المنافقين: أربعة وثمانين رجلا منهم عبد الله بن أبي، وأبو نافع، وأبو لبابة، قالوا: نتخذ عند اليهود عهدا ونواليهم فيما بيننا وبينهم، فإنا لا ندري ما يكون في غد ونخشى ألا ينصر محمد- ﷺ فينقطع الذي بيننا وبينهم ولا نصيب منهم قرضا ولا ميرة فأنزل الله- : ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾، يعني بنصر محمد- ﷺ الذي يئسوا منه، ﴿أو يأتي أمر من عنده﴾: قتل قريظة وجلاء النضير إلى أذرعات، فلما رأى المنافقون ما لقي أهل قريظة والنضير ندموا على قولهم، قال: ﴿فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " فترى الذين في قلوبهم شك ونفاق يسارعون في مُوالات اليهود ومُعاونتهم" (٥). قال عطية: " يعني: عبد الله بن أبي في ولاية اليهود" (٦). قال الزمخشري: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي: "ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها" (٧). قال ابن كثير: ﴿مَرَضٌ﴾ " أي: شك، وريب، ونفاق، يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر" (٨). عن السدي قوله: " ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾، قال: الشك" (٩). قال الواحدي: " يعني: عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه ﴿يسارعون فيهم﴾ في مودَّة أهل الكتاب ومعاونتهم على المسلمين بإلقاء أخبارهم إليهم" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢]، وجوه من التاويل: أحدها: أن المعنيّ به عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سلول، كما تقدم في سبب النزول، وهذا قول عطية بن سعد (١١). والثاني: أنهم قوم من المنافقين، في قلوبهم مرض الشك، يسارعون في ولاية اليهود بالمدينة. وهذا قول مقاتل (١٢).

стр. 3468

والثالث: أنهم المنافقون يسارعون في المعصية وملاحات اليهود، أو مناجاتهم واسترضاعهم أولادهم إياهم. وهذا قول مجاهد (١). والرابع: أنهم المنافقون، يوافقون أهل الكتاب في السر. وهذا قول ابن أبي زمنين (٢). قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم" (٣). قال عبادة بن الصامت: "يعني: عبد الله بن أبي، لقوله: إني أخشى الدوائر" (٤). قال مجاهد: " يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ" (٥). عن السدي قوله: " ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾، ظهور المشركين عليهم" (٦). قال مقاتل: " يعني: دولة اليهود على المسلمين" (٧). قال الزجاج: " أي: نخشى ألا يتم الأمر للنبي ﷺ ، ومعنى: ﴿دائرة﴾، أي: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها" (٨). قال الواحدي: " أَيْ: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها يعنون: الجدب فتنقطع عنا الميرة والقرض" (٩). قال السمرقندي: " يعني: ظهور المشركين، ويقال: شدة وجدوبة فاحتجنا إليهم، ويقال: نخشى الدائرة على المسلمين، فلا ننقطع عنهم" (١٠). قال ابن كثير: " أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك" (١١). قال الزمخشري: أي: " ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أى صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم" (١٢). قال القرطبي: " أي: يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميروننا ولا يفضلوا علينا، وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد ﷺ . وهذا القول أشبه بالمعنى، كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور الأمر، ويدل عليه قوله : ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ " (١٣). قال أبو عبيدة: " ﴿دائِرَةٌ﴾، أي: دولة، والدوائر قد تدور، وهى الدولة، والدوائل تدول، ويديل الله منه، قال حميد الأرقط (١٤): تَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَا ... وَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا " (١٥) قوله: «دَائِرَاتِ الدَّهْرِ» يعني: "دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم" (١٦).

стр. 3469

قال الراغب: " «الدائرة»: دوران الأمر من قولهم والدهر بالإنسان دواري، والدورة والدولة يتقاربان" (١). قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " فعسى الله أن يأتي بالفتح، وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار" (٢). قال الزجاج: " أي: فعسى الله أن يظهر المسلمين، و «عسى» من الله -جل وعز- واجبة" (٣). قال الزمخشري: أي: " فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله ﷺ على أعدائه وإظهار المسلمين" (٤). قال السعدي: أي: " الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أربعة أقاويل: أحدها: يريد فتح مكة، قاله السدي (٦). والثاني: فتح بلاد المشركين على المسلمين (٧). والثالث: أنه القضاء الفصل، قاله قتادة (٨). والرابع: يعني به: نصر محمد- ﷺ الذي يئسوا منه. قاله مقاتل (٩). و«الفتح»: في كلام العرب، هو «القضاء»، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى ذكره ومنه قوله تعالى: ﴿افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَومِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين (١٠). قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين" (١١). قال الزمخشري: أي: " أو أمر من عنده يقطع شأفة اليهود (١٢) ويجلبهم عن بلادهم" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، ستة أقاويل: أحدها: هو دون الفتح الأعظم (١٤). الثاني: أنه موت من تقدم ذكره من المنافقين (١٥). الثالث: أنه الجزية، قاله السدي (١٦). والرابع: أنه قتل قريظة وجلاء النضير إلى أذرعات. وهذا قول مقاتل (١٧).

стр. 3470

والخامس: أي: أو أن يؤمر النبي ﷺ بإظهار أسماء المنافقين والأمر بقتلهم. قاله الحسن (١)، والزجاج (٢)، والزمخشري (٣). والسادس: أنه الخصب والسعة للمسلمين (٤). قال الطبري: " وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدًا ﷺ أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها، غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم. وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين" (٥). قوله تعالى: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم" (٦). قال ابن الزبير: " يقول: فيصبح الفساق على ما أسروا به أنفسهم نادمين" (٧). قال قتادة: " من موادّتهم اليهود، ومن غِشِّهم للإسلام وأهله" (٨). قال القرطبي: " أي: فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، وإذا عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب" (٩). قال الطبري: " يعني: هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى. يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم، نادمين" (١٠). قال الزمخشري: أي: " فيصبح المنافقون نادمين، على ما حدثوا به أنفسهم: وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله ﷺ ويقولون: ما نظن أن يتم له أمر، وبالحرى أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء" (١١). قال السعدي: أي: " على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم" (١٢). قال ابن كثير: " يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين، ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ من الموالاة ﴿نَادِمِينَ﴾ أي: على ما كان منهم، مما لم يُجْد عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فضحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم" (١٣).
следующие страницы →