← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

استحب الكفر على الإيمان بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدها" (١). عن أبي العالية قوله: " ﴿الظالمين﴾، يعني: من أبا أن يقول لا إله إلا الله" (٢). وروي عن عكرمة وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٣). الفوائد: ١ - نفي الولاية بين أهل الحق وأهل الباطل. ٢ - حرمة موالاة اليهود والنصارى وسائر الكافرين، هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة، ، وقد خص في هذه الآية باليهود والنصارى; لأن المقام يقتضيه. ٣ - الولاء والبراء أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، إذ يجب على كل مسلم أن يكون ولاؤه لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب أن يكون براؤه من أعداء الملة والدين. وكما حرم الله موالاة أعداء الملة والدين، فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم، قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ [الحجرات: ١٠]. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير" (٤). القرآن ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢] التفسير: يخبر الله تعالى عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح «مكة» - وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم. سبب النزول: قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فقال رسول الله ﷺ "يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت

стр. 3467

فهو لك دونه"، فقال: قد قبلت، فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ " (١)، «يعني: عبد الله بن أبي ﴿يسارعون فيهم﴾ في ولايتهم ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ الآية» (٢). وقال عبادة بن الوليد: " فأنزل الله فيهم: ﴿الذين في قلوبهم مرض﴾، يعني: عبد الله بن أبي" (٣). وفي هذا السياق قال مقاتل: " هم المنافقون يسارعون فيهم يعني في ولاية اليهود بالمدينة يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة يعني دولة اليهود على المسلمين وذلك، أن نفرا من المنافقين: أربعة وثمانين رجلا منهم عبد الله بن أبي، وأبو نافع، وأبو لبابة، قالوا: نتخذ عند اليهود عهدا ونواليهم فيما بيننا وبينهم، فإنا لا ندري ما يكون في غد ونخشى ألا ينصر محمد- ﷺ فينقطع الذي بيننا وبينهم ولا نصيب منهم قرضا ولا ميرة فأنزل الله- : ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾، يعني بنصر محمد- ﷺ الذي يئسوا منه، ﴿أو يأتي أمر من عنده﴾: قتل قريظة وجلاء النضير إلى أذرعات، فلما رأى المنافقون ما لقي أهل قريظة والنضير ندموا على قولهم، قال: ﴿فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " فترى الذين في قلوبهم شك ونفاق يسارعون في مُوالات اليهود ومُعاونتهم" (٥). قال عطية: " يعني: عبد الله بن أبي في ولاية اليهود" (٦). قال الزمخشري: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي: "ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها" (٧). قال ابن كثير: ﴿مَرَضٌ﴾ " أي: شك، وريب، ونفاق، يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر" (٨). عن السدي قوله: " ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾، قال: الشك" (٩). قال الواحدي: " يعني: عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه ﴿يسارعون فيهم﴾ في مودَّة أهل الكتاب ومعاونتهم على المسلمين بإلقاء أخبارهم إليهم" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢]، وجوه من التاويل: أحدها: أن المعنيّ به عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سلول، كما تقدم في سبب النزول، وهذا قول عطية بن سعد (١١). والثاني: أنهم قوم من المنافقين، في قلوبهم مرض الشك، يسارعون في ولاية اليهود بالمدينة. وهذا قول مقاتل (١٢).

стр. 3468

والثالث: أنهم المنافقون يسارعون في المعصية وملاحات اليهود، أو مناجاتهم واسترضاعهم أولادهم إياهم. وهذا قول مجاهد (١). والرابع: أنهم المنافقون، يوافقون أهل الكتاب في السر. وهذا قول ابن أبي زمنين (٢). قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم" (٣). قال عبادة بن الصامت: "يعني: عبد الله بن أبي، لقوله: إني أخشى الدوائر" (٤). قال مجاهد: " يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ" (٥). عن السدي قوله: " ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾، ظهور المشركين عليهم" (٦). قال مقاتل: " يعني: دولة اليهود على المسلمين" (٧). قال الزجاج: " أي: نخشى ألا يتم الأمر للنبي ﷺ ، ومعنى: ﴿دائرة﴾، أي: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها" (٨). قال الواحدي: " أَيْ: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها يعنون: الجدب فتنقطع عنا الميرة والقرض" (٩). قال السمرقندي: " يعني: ظهور المشركين، ويقال: شدة وجدوبة فاحتجنا إليهم، ويقال: نخشى الدائرة على المسلمين، فلا ننقطع عنهم" (١٠). قال ابن كثير: " أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك" (١١). قال الزمخشري: أي: " ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أى صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم" (١٢). قال القرطبي: " أي: يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميروننا ولا يفضلوا علينا، وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد ﷺ . وهذا القول أشبه بالمعنى، كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور الأمر، ويدل عليه قوله : ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ " (١٣). قال أبو عبيدة: " ﴿دائِرَةٌ﴾، أي: دولة، والدوائر قد تدور، وهى الدولة، والدوائل تدول، ويديل الله منه، قال حميد الأرقط (١٤): تَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَا ... وَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا " (١٥) قوله: «دَائِرَاتِ الدَّهْرِ» يعني: "دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم" (١٦).

стр. 3469

قال الراغب: " «الدائرة»: دوران الأمر من قولهم والدهر بالإنسان دواري، والدورة والدولة يتقاربان" (١). قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " فعسى الله أن يأتي بالفتح، وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار" (٢). قال الزجاج: " أي: فعسى الله أن يظهر المسلمين، و «عسى» من الله -جل وعز- واجبة" (٣). قال الزمخشري: أي: " فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله ﷺ على أعدائه وإظهار المسلمين" (٤). قال السعدي: أي: " الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أربعة أقاويل: أحدها: يريد فتح مكة، قاله السدي (٦). والثاني: فتح بلاد المشركين على المسلمين (٧). والثالث: أنه القضاء الفصل، قاله قتادة (٨). والرابع: يعني به: نصر محمد- ﷺ الذي يئسوا منه. قاله مقاتل (٩). و«الفتح»: في كلام العرب، هو «القضاء»، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى ذكره ومنه قوله تعالى: ﴿افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَومِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين (١٠). قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين" (١١). قال الزمخشري: أي: " أو أمر من عنده يقطع شأفة اليهود (١٢) ويجلبهم عن بلادهم" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، ستة أقاويل: أحدها: هو دون الفتح الأعظم (١٤). الثاني: أنه موت من تقدم ذكره من المنافقين (١٥). الثالث: أنه الجزية، قاله السدي (١٦). والرابع: أنه قتل قريظة وجلاء النضير إلى أذرعات. وهذا قول مقاتل (١٧).

стр. 3470

والخامس: أي: أو أن يؤمر النبي ﷺ بإظهار أسماء المنافقين والأمر بقتلهم. قاله الحسن (١)، والزجاج (٢)، والزمخشري (٣). والسادس: أنه الخصب والسعة للمسلمين (٤). قال الطبري: " وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدًا ﷺ أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها، غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم. وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين" (٥). قوله تعالى: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: " فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم" (٦). قال ابن الزبير: " يقول: فيصبح الفساق على ما أسروا به أنفسهم نادمين" (٧). قال قتادة: " من موادّتهم اليهود، ومن غِشِّهم للإسلام وأهله" (٨). قال القرطبي: " أي: فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، وإذا عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب" (٩). قال الطبري: " يعني: هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى. يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم، نادمين" (١٠). قال الزمخشري: أي: " فيصبح المنافقون نادمين، على ما حدثوا به أنفسهم: وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله ﷺ ويقولون: ما نظن أن يتم له أمر، وبالحرى أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء" (١١). قال السعدي: أي: " على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم" (١٢). قال ابن كثير: " يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين، ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ من الموالاة ﴿نَادِمِينَ﴾ أي: على ما كان منهم، مما لم يُجْد عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فضحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم" (١٣).

стр. 3471

قال الكلبي: "فجاء الله بالفتح؛ فنصر نبيه، وجاء أمر الله من عنده بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة، وسبي ذراريهم؛ فندم المنافقون حتى ظهر نفاقهم، وأجلي أهل ودهم عن أرضهم" (١). الفوائد: ١ - موالاة الكافرين ناجمة عن ضعف الإيمان، فلذا تؤدى إلى الكفر. ٢ - التحذير من موالاة المشركين ولو كان بسبب متاع زائل، أو دنيا فانية، أو خوف دوائر الدهر. وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "المرء مع من أحب" (٢)، ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطراً على المسلم لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم. القرآن ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [المائدة: ٥٣] التفسير: وحينئذ يقول بعض المؤمنين لبعض مُتعجِّبين من حال المنافقين -إذا كُشِف أمرهم-: أهؤلاء الذين أقسموا بأغلظ الأيمان إنهم لَمَعَنا؟ ! بطلت أعمال المنافقين التي عملوها في الدنيا، فلا ثواب لهم عليها; لأنهم عملوها على غير إيمان، فخسروا الدنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: " وحينئذ يقول بعض المؤمنين لبعض مُتعجِّبين من حال المنافقين -إذا كُشِف أمرهم-" (٣). قال مجاهد: "حينئذ، يقول الذين آمنوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ " (٤). قال ابن كثير: " فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم" (٥). قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: " أهؤلاء الذين أقسموا بأغلظ الأيمان إنهم لَمَعَنا؟ ! " (٦).

стр. 3472

قال ابن عطية: " المعنى: أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الأيمان إنهم لمعكم ثم قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم" (١). قال المراغي: " أي: ويقول بعض المؤمنين لبعض متعجبين من حال المنافقين، إذا أقسموا بأغلظ الأيمان لهم إنهم معكم وإنهم معاضدوكم على أعدائكم اليهود، فلما حل بهم ما حل أظهروا ما كانوا يسرونه من موالاتهم وممالأتهم على المؤمنين كما قال فى سورة براءة «ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون» أي فهم لفرقهم وخوفهم يظهرون الإسلام تقية" (٢). وفي معنى قوله تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، وجهان: أحدهما: أن جهد أيمانهم: القسم بالله. قاله مقاتل (٣). والثاني: المراد: أنهم حلفوا وأكدوا أيمانهم أنهم مؤمنون وأنهم معكم أعوانكم على من خالفكم. قاله الزجاج (٤). قال القرطبي: أي: "حلفوا واجتهدوا في الأيمان" (٥). قال الراغب: " قوله: ﴿جهد أيمانهم﴾، أي: أبلغ الإيمان وأقصاها من قولهم جهد في الأمر" (٦). قال الزمخشري: " فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟ قلت: إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من حالهم واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص أهؤلاء الذين أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار. وإما أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة، كما حكى الله عنهم: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] " (٧). قال الرازي: " الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عند ما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى، وقالوا: إنهم يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟ " (٨). وقد ذهب كثير من المفسرين: إلى "أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا﴾ [المائدة: ٥٣] الآية. وتحتمل الآية: أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض: ﴿نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ [المائدة: ٥٢]، وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي ﷺ بني قينقاع لعبد الله بن أبي رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطنا يحسن أن يقول فيه المؤمنون: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا﴾ الآية" (٩).

стр. 3473

قرأ أبو عمرو وحده: «ويقول الذين ءامنوآ»، بنصب «اللام»، ورفعه الباقون، فجعلوا الكلام مستأنفا. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «يقول»، بغير «واو»، مع رفع «اللام»، وكذلك في مصاحف أهل مكة والمدينة (١). قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: " بطلت أعمال المنافقين التي عملوها في الدنيا، فلا ثواب لهم عليها" (٢). قال السمرقندي: أي: " فلا ثواب لهم في الآخرة" (٣). قال القرطبي: أي: "بطلت نفاقهم" (٤). قال الزجاج: " أي: ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل خير عملوه بكفرهم وصدهم، عن سبيل الله كما قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١] " (٥). قال الزمخشري: " أى: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس. وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول الله شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم" (٦). قال النسفي: أي: " ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة لا إيمانا وعقيدة وهذا من قول الله عزوجل شهادة لهم بحبوط الأعمال لهم وتعجيبا من سوء حالهم" (٧). قال المراغي: " أي: ويقول المؤمنون: حبطت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها نفاقا كالصلاة والصوم والجهاد معنا ليقنعونا بأنهم منا" (٨). قال البيضاوي: " فيه معنى التعجب كأنه قيل أحبط أعمالهم فما أخسرهم" (٩). قال ابن عطية: " وحبط العمل: إذا بطل بعد أن كان حاصلا، وقد يقال: حبط في عمل الكفار وإن كان لم يتحصل على جهة التشبيه" (١٠). وقوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، يحتمل ثلاثة وجوه (١١): أحدها: أن يكون إخبارا من الله تعالى وشهادة لهم بحبوط أعمالهم. والثاني: ويحتمل: أن يكون من قول المؤمنين على جهة الإخبار بما حصل في اعتقادهم إذ رأوا المنافقين في هذه الأحوال. والثالث: ويحتمل: أن يكون قوله ﴿حبطت أعمالهم﴾، على جهة الدعاء إما من الله تعالى عليهم وإما من المؤمنين. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: " فخسروا الدنيا والآخرة" (١٢). قال السمرقندي: "يعني: صاروا خاسرين في الدنيا وفي الآخرة" (١٣). قال البغوي: " خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب" (١٤).

стр. 3474

قال القرطبي: " أي خاسرين الثواب. وقيل: خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وأجلائهم" (١). قال النسفي: أي: " في الدنيا والعقبى، لفوات المعونة ودوام العقوبة" (٢). قال القاسمي: " أي: في الدنيا، إذ ظهر نفاقهم عند الكل. وفي الآخرة، إذ لم يبق لهم ثواب" (٣). قال المراغي: أي: "فخسروا بذلك ما كانوا يرجون لها من أجر وثواب لو صلحت حالهم وقوى إيمانهم" (٤). قال السعدي: " حيث فاتهم مقصودهم، وحضرهم الشقاء والعذاب" (٥). قال الرازي: " لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في الإتيان بتلك الأعمال، ولم يحصل لهم شيء من ثمراتها ومنافعها، بل استحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة" (٦). وقرأ جمهور الناس: «حبطت»، بكسر الباء، وقرأ أبو واقد والجراح: «حبطت» بفتح الباء وهي لغة (٧). الفوائد: ١ - بيان حبوط أعمال المنافقين، ليكون المؤمن لذلك من الحذرين. ٢ - ومنها: أن الردة مبطلة للأعمال إذا مات عليها. ٣ - إن الولاء لغير الله ولو مَوَّه أصحابه عليه بادعاء الإيمان وأخوة أهل الإسلام كما بينته هذه الآية الكريمة ردة واضحة وكفر صراح مهما جادلوا، وما النص فيها على إحباط العمل وخسران الآخرة إلا زيادة تأكيد لهذا الكفر وتخويف منه. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من يرجع منكم عن دينه، ويستبدل به اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك، فلن يضرُّوا الله شيئًا، وسوف يأتي الله بقوم خير منهم يُحِبُّهم ويحبونه، رحماء بالمؤمنين أشدَّاء على الكافرين، يجاهدون أعداء الله، ولا يخافون في ذات الله أحدًا. ذلك الإنعام مِن فضل الله يؤتيه من أراد، والله واسع الفضل، عليم بمن يستحقه من عباده. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٨). قال الطبري: أي: "أي: صدّقوا لله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمد ﷺ " (٩). قوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: " من يرجع منكم عن دينه الحق ويبدّله بدينٍ آخر ويرجع عن الإِيمان إِلى الكفر" (١٠).

стр. 3475

قال الطبري: "يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدِّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر" (١). قال الواحدي: " علم الله تعالى أنَّ قوماً يرجعون عن الإِسلام بعد موت نبيِّهم ﷺ " (٢). قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: " فسوف يأتي الله مكانهم بقوم خير منهم، يحبّهم الله ويحبّون الله" (٣). قال الحسن: "هذا والله أبو بكر وأصحابه" (٤). قال ابن عباس: " إنه وعيد من الله أنه من ارتد منهم سنستبدل بهم خيرا منهم" (٥). قال الطبري: أي: " فلن يضر الله شيئا، فسوف يجيء الله بدلا منهم، بقومٍ خير من الذين ارتدُّوا وابدَّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله، وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدُّ بعد وفاةِ نبيّه محمد ﷺ . وكذلك وعدُه من وعدَ من المؤمنين ما وعدَه في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه، ولا يرتدّ. فلما قَبَض الله نبيَّه ﷺ ، ارتدّ أقوام من أهل الوبَرِ، وبعضُ أهل المَدَر، فأبدل الله المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدَّ منهم وعيدَه" (٦). قال الواحدي: " أخبرهم تعالى أنَّه سـ ﴿يأتي اللَّهُ بقوم يحبهم ويحبونه﴾، وهم أبو بكر ﵁ وأصحابه الذين قاتلوا أهل الرِّدة" (٧). قال الزمخشري: " محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثنى عليهم ويرضى عنهم " (٨). عن محمد بن كعب: "أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة! قال محمدٌ: وما هي، أيها الأمير؟ قال: قول الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾، حتى بلغ: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾، فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا، الولاةَ من قريش، من يرتدَّ عن الحق" (٩). قال قتادة: " أنزل الله هذه الآية وقد علم أن سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلما قبض الله نبيَّه محمدًا ﷺ ، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس قالوا: نصلي ولا نزكِّي، والله لا تُغصب أموالنا! فكُلِّم أبو بكر في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا أعطوها أو: أدَّوها، فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقالا مما فرضَ الله ورسوله لقاتلناهم عليه! فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله ﷺ ، حتى سبَى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون وهي الزكاة صَغرة أقمياء، فأتته وفود العرب، فخيَّرهم بين خُطَّة مخزية أو حرب مُجْلية. فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقرُّوا: أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال" (١٠).

стр. 3476

وفي وفي المراد بهؤلاء القوم أقوال: أحدها: أنهم أبو بكر وأصحابه ﵃ الذين قاتلوا معه أهل الردة، قاله: علي (١)، والحسن (٢)، وابن جريج (٣)، والضحاك (٤). قال أنس بن مالك ﵁: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره" (٥). قال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء" (٦). والثاني: أبو بكر، وعمر، روي عن الحسن، أيضا (٧). والثالث: أنهم قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن، لأنه كان لهم في نصرة الإِسلام أثر حسن. وهذا قول عياض الأشعري (٨)، ومجاهد (٩)، وشريح بن عبيد (١٠). عن عياض الأشعري قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: أومأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: هم قومُ هذا! " (١١). قال شريح: " لما أنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾، إلى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم، يا رسول الله؟ قال: «لا بل هذا وقومه! » يعني: أبا موسى الأشعري" (١٢). والرابع: أنهم أهل اليمن، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، ومحمد بن كعب القرظي (١٥)، وشهر بن حوشب (١٦). قال ابن عباس: "هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب" (١٧). قال ابن كثير: " وهذا حديث غريب جدا" (١٨). عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي: "أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال محمد: ﴿يأتي الله بقوم﴾، وهم أهل اليمن! قال عمر: يا ليتني منهم! قال: آمين! " (١٩).

стр. 3477

والخامس: أنهم الأنصار، قاله السدي (١). والسادس: انهم أهل القادسية. قاله أبو بكر بن عياش (٢). والسابع: المهاجرون والأنصار، ذكره أبو سليمان الدمشقي (٣). والثامن: أنهم الفرس؛ ذكره الثعلبي (٤)، والسمعاني (٥)، والزمخشري (٦)، والرازي (٧)، وغيرهم. وذكروا أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما سئل عن هذه الآية ضرب يده على عاتق سلمان الفارسي وقال: «هذا وذووه، »، ثم قال: «لو كان الدين معلقا بالثريا لتناوله ناس من أبناء فارس» (٨). قال الشيخ ولي الدين العراقي: "لم أقف عليه هكذا، ولعله وهم، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى آخر سورة القتال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة" (٩). والتاسع: وقالت الإمامية: نزلت في علي ﵁ وكرم الله وجهه وشيعته يوم وقعة الجمل وصفين، وعنهم أنهم المهدي ومن يتبعه. ذكره الرازي (١٠)، والنيسابوري (١١)، والآلوسي (١٢)، وغيرهم. قال الآلوسي: " ولا سند لهم في ذلك إلا مروياتهم الكاذبة" (١٣). وقال الرازي: " ويدل عليه وجهان: الأول: أنه ﵇ لما دفع الراية إلى علي ﵇ يوم خيبر قال: «لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» (١٤)، وهذا هو الصفة المذكورة في الآية. والوجه الثاني: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ [المائدة: ٥٥]، وهذه الآية في حق علي، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا في حقه" (١٥).

стр. 3478

قال الإمام الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما رُوي به الخبر عن رسول الله ﷺ : أنهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري. ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله ﷺ بالخبر الذي روي عنه، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال: هم أبو بكر وأصحابه، وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله ﷺ ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله ﷺ . ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله ﷺ : أنْ كان ﷺ مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآيِ كتابه" (١). قال الراغب: " وقيل: هى فيمن ارتد في زمن أبي بكر ﵁، وقيل: فيمن كانوا مع النبي ﷺ ، والأظهر أنه فيهم وفي غيرهم، وأنه وعد تعالى أنه يحفظ دينهم بقوم رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويتحرى مرضاتهم ويتحروا مرضاته، وذلك كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩] " (٢). قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «يرتد»، بإدغام الدال الأولى في الأخرى، وقرأ نافع، وابن عامر: «يرتدد»، بدالين (٣). قال الزجاج: وأما: «من يرتدد» فهو الأصل، لأن التضعيف إذا سكن الثاني من المضعفين ظهر التضعيف، نحو قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ولو قرئت: إن يمسكم قرح، كان صوابا، ولكن لا تقرأن به لمخالفته المصحف، ولأن القراءة سنة" (٤). قوله تعالى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: " أي رحماء متواضعين للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين" (٥). عن ابن عباس قوله: " ﴿أذلة على المؤمنين﴾، يعني: بالأذلة الرحمة" (٦). عن مجاهد: " ﴿أعزة على الكافرين﴾، أشداء عليهم" (٧). قال الواحدي: " ﴿أذلة على المؤمنين﴾ كالولد لوالده والعبد لسيِّده، ﴿أعزة على الكافرين﴾ غلاظٍ عليهم كالسَّبع على فريسته" (٨). قال الراغب: " ﴿أذلة على المؤمنين﴾، أي: ليني الجانب على المؤمنين" (٩). قال ابن كثير: " هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي صفة النبي ﷺ أنه: "الضحوك القتال" فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه" (١٠). قال الزمخشري: " أذلة جمع ذليل. وأما ذلول فجمعه ذلل. ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة، فقد غبي عنه أن ذلولا لا يجمع على أذلة. فإن قلت: هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف «كأنه قيل:

стр. 3479

عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ونحوه قوله : ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] " (١). وقرئ: «أذلة»، «وأعزة»، بالنصب على الحال (٢). قوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: " يجاهدون لإِعلاء كلمة الله ولا يبالون بمن لامهم، فهم صلاب في دين الله لا يخافون في ذات الله أحداً" (٣). قال مجاهد: " يسارعون في الحرب" (٤). قال السمعاني: " يعني: لا يخافون في الله لوم الناس" (٥). قال ابن كثير: " أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل (٦). قال الزمخشري: " يحتمل أن تكون الواو للحال، على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود- لعنت- فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف، على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكر أو أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم، يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. واللومة: المرة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام" (٧). قال القرطبي: قوله ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾، أي: بخلاف المنافقين يخافون الدوائر، فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، لأنهم جاهدوا في الله في حياة رسول الله ﷺ ، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة" (٨). قال أبو ذر: " أمرني خليلي ﷺ بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش" (٩). وفي رواية اخرى عن ابي ذر أيضا: " بايعني رسولُ الله ﷺ خمسا وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، أني لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: "هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ " قلت: نعم، قال: وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط: على ألا تسأل الناس شيئا؟ قلت: نعم قال: "ولا سوطك وإن سقط منك يعني: تنزل إليه فتأخذه" (١٠).

стр. 3480

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا لا يمنعن أحدكم رَهْبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم" (١). وعن أبي سعيد الخدري أيضا عن النبي ﷺ قال: "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أيْ عبدي، رأيت منكرًا فلم تنكره؟ فإذا لَقَّن الله عبدًا حجته، قال: أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس" (٢). وعنه- ﷺ : "ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه"، قالوا: وكيف يذلّ نفسه يا رسول الله؟ قال: "يتحمل من البلاء ما لا يطيق" (٣). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: " ذلك الإنعام مِن فضل الله يؤتيه من أراد" (٤). قال السدي: " يختص به من يشاء" (٥). قال ابن كثير: " أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له" (٦). قال الواحدي: " أَيْ: محبَّتهم لله ولين جانبهم للمسلمين وشدَّتهم على الكفَّار بفضلٍ من الله عليهم" (٧). قال الزمخشري: " و ﴿ذلك﴾، إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة، ﴿يؤتيه﴾، يوفق له ﴿من يشاء﴾، ممن يعلم أن له لطفا" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: " والله واسع الفضل، عليم بمن يستحقه من عباده" (٩). قال ابن كثير: " أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يَحْرمه إياه" (١٠). قال القرطبي: " أي واسع الفضل، عليم بمصالح خلقه" (١١). قال الزمخشري: " ﴿واسع﴾: كثير الفواضل والألطاف، ﴿عليم﴾: بمن هو من أهلها" (١٢). الفوائد: ١ - بيان الله سبحانه لأولياء الله وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار. ٢ - الآية تدل على اشتراط المحبة في شهادة أن لا إله إلا الله التي لاتنفع قائلها إلا باجتماعها فيه (١٣)، ومنه قوله- ﷺ : " «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن

стр. 3481

يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (١). ٣ - فضيلة أبي بكر والصحابة والأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم من أهل اليمن. ٤ - فضل حب الله والتواضع للمؤمنين وإظهار العزة على الكافرين، وفضل الجهاد في سبيل الله وقول الحق والثبات عليه وعدم المبالاة بمن يلوم ويعذل في ذلك. ٤ - أرشدت هاته الآية إلى آية الصدق في دعوى حب العبد ربه، وأثبتت لهؤلاء المحبين أربع صفات على النحو الآتي (٢): - الوصف الأول: أنهم أذلة على المؤمنين فلا يحاربونهم ولا يقفون ضدهم ولا ينابذونهم. - الوصف الثاني: أنهم أعزة على الكافرين أي أقوياء عليهم غالبون لهم. - الوصف الثالث: أنهم يجاهدون في سبيل الله أي يبذلون الجهد في قتال أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا. - الوصف الرابع: أنهم لا يخافون في الله لومة لائم. أي إذا لامهم أحد على ما قاموا به من دين الله لم يخافوا لومته، ولم يمنعهم ذلك من القيام بدين الله ع وجل. ومجموع ما أفادته من صفات هي الدلائل على صدق المحبة لله، وهي: اتباع الرسول ﷺ ، والتراحم مع الإِخوان في الدين، والشدة على الأعداء فيه، والقيام بكل ما يؤيد الدين، وعدم التقصير في الصدع بالحق مراعاة للناس. ٥ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما «الواسع»، و «العليم»: - «الواسع»: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده ووسع رزقه جميع خلقه. والسعة في كلام العرب: الغنى. ويقال: الله يعطي عن سعة، أي: عن غنى، ومن هذا قول الشاعر (٣): رعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله عن يشقيك أغنى وأوسع (٤) - و «العليم»: من أسمائه ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٥). قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من

стр. 3482

الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] " (١). القرآن ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥] التفسير: إنما ناصركم -أيُّها المؤمنون- الله ورسوله، والمؤمنون الذين يحافظون على الصلاة المفروضة، ويؤدون الزكاة عن رضا نفس، وهم خاضعون لله. اختلف فيمن نزلت الآية على خمسة أقوال: أحدها: انها نزلت في علي-﵁ تصدق علي بخاتمه وهو راكع. وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعتبة بن أبي حكيم (٤)، وسلمة بن كهيل (٥)، ومقاتل (٦). والثاني: قال جابر بن عبد الله: "جاء عبد الله بن سلام إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن قوما من قريظة والنضير قد هاجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، وشكى ما يلقى من اليهود، فنزلت هذه الآية، فقرأها

стр. 3483

عليه رسول الله ﷺ فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء" (١). وروي عن الكلبي نحوه (٢). والثالث: أن عبادة بن الصامت لما تبرأ من حلفائه اليهود نزلت هذه الآية في حقه، وهذا قول عبادة بن الوليد (٣)، وعطية العوفي (٤). والرابع: أنها نزلت في أبي بكر الصديق، قاله ابن عباس أيضا (٥)، وعكرمة (٦). والخامس: أنها نزلت فيمن مضى من المسلمين ومن بقي منهم، قاله الحسن (٧). قال ابن كثير: " قد تقدم في الأحاديث التي أوردنا أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت، ﵁، حين تبرأ من حلْف يَهُود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، أي: "إنما ناصركم -أيُّها المؤمنون- الله ورسوله والمؤمنون" (٩). قال ابن عباس: " يعني: إنه من أسلم تولاه الله ورسوله والذين آمنوا" (١٠). قال الطبري: أي: " ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله" (١١). قال ابن كثير: "أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين" (١٢). قال المراغي: " أي لا ولى لكم أيها المؤمنون ولا ناصر ينصركم إلا الله ورسوله والمؤمنون الصادقون" (١٣). قال الزمخشري: " عقب النهى عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، ومعنى «إنما» وجوب اختصاصهم بالموالاة" (١٤). قال أبو السعود: " لما نهاهم الله عن موالاة الكفرة وعلله بأن بعضهم أولياء بعض لا يتصور ولايتهم للمؤمنين وبين أن من يتولاهم يكون من جملتهم بين ههنا من هو وليهم بطريق قصر الولاية عليه كأنه قيل لا تتخذوهم أولياء لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم إنما أوليائكم الله ورسوله والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى غيرعم وإنما أفرد الولي مع تعدده للإيذان بأن الولاية أصالة لله تعالى وولايته ﵇ وكذا ولاية المؤمنين بطريق التبعية لولايته " (١٥).

стр. 3484

قال السعدي: " فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، فأداة الحصر في قوله ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم " (١). قال البيضاوي: " الولاية لله أصل ولغيره تبع ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ومحل" (٢). قال التستري: " ولا تتم الولاية من الله تعالى إلا بالتبري ممن سواه" (٣). عن عقبة بن أبي حكيم في قوله: " ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، قال: علي بن أبي طالب" (٤). عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: " سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، قلت: نزلت في علي، قال: علي من الذين آمنوا" (٥). قال السدي: " هم المؤمنون وعلي منهم" (٦). وفي قراءة عبد الله: «إنما مولاكم» (٧). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، أي: "الذين يحافظون على الصلاة المفروضة، ويؤدون الزكاة عن رضا نفس، وهم خاضعون لله" (٨). قال ابن كثير: " أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين" (٩). قال السعدي: أي: "وأخلصوا للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم" (١٠). قال الزهري: "إقامتها: أن تصلي الأوقات الخمس لوقتها" (١١).

стр. 3485

قال الزجاج: " وإقامتها تمامها بجميع فرضها، وأول فروضها صحة الإيمان بها وهذا كقولك: فلان قائم بعلمه الذي وليه، تأويله إنه يوفي العمل حقوقه، ومعنى: ﴿يقيمون﴾ من قولك هذا قوام الأمر" (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، أي: " وهم خاضعون لله" (٢). قال السعدي: " أي: خاضعون لله ذليلون" (٣). قال الزمخشري: "الواو فيه للحال، أى: يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا" (٤). قال ابو السعود: " حال مع فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى" (٥). والمراد بالركوع هاهنا التواضع والخضوع، ومن قول الشاعر (٦): لا تُهينَ الفقير علَّك أَنْ ... تركع يوما والدهرُ قد رفعَهْ فقوله: "تركع"، أي: تخضع وتنقاد، والمراد انحطاط الحال. قال ابن كثير: " توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب: أن هذه الآية نزلت فيه: ذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه" (٧). الفوائد: ١ - أن المؤمنين أولياء الله، يتولون أمره ويقيمون دينه، والله تعالى وليهم، يتولاهم بالمعونة والتسديد والحفظ والتوفيق، والميزان لهذه الولاية قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، [يونس: ٦٢ - ٦٣]. وبذلك فغن الولاية تنقسم إلى: - ولاية من الله للعبد: ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، [البقرة: من الآية ٢٥٧]. - ولاية من العبد لله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، [المائدة: من الآية ٥٦]. والولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى عامة وخاصة: - فالولاية العامة: هي الولاية على العباد بالتدبير والتصريف، وهذه تشمل المؤمن والكافر وجميع الخلق; فالله هو الذي يتولى عباده بالتدبير والتصريف والسلطان وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، [الأنعام: ٦٢]. - والولاية الخاصة: أن يتولى الله العبد بعنايته وتوفيقه وهدايته، وهذه خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، [البقرة: من الآية ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَلا

стр. 3486

إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، [يونس: ٦٢ - ٦٣]. ٢ - ومن الفوائد: إثبات موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم, فالله يتولى عباده المؤمنين، فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليا فقد بارزه بالمحاربة, وهذه الولاية من رحمته وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه، قال تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ [الإسراء: ١١١]. فالله تعالى ليس له ولي من الذل، بل لله العزة جميعا، خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه ١ لذله وحاجته إلى ولي ينصره (١). ٣ - فضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشوع والتواضع. ٢ - استدل الروافض بهذه الآية على أن الخليفة بعد رسوله الله ﷺ هو علي بن أبي طالب-﵁ ثم الأئمة من آل البيت على ترتيبهم لديهم. فالرد على استدلالهم بها ما يلي: أولا: - أن الآية عامة فمن ناحية لفظها ليس فيها تخصيص لأحد. ثانيا: - أن سبب نزول الآية ذكر فيه العلماء أقوالا: كما سبق، وقيل: أنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ حيث تصدق بخاتمه على مسكين وهو راكع، وروي ذلك عن مجاهد وعتبة بن أبي حكيم وغيرهم، إلا أن هذه الروايات لا يصح منها شيء، قال ابن كثير عنها: "وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف إسنادها وجهالة رجالها" (٢). فهذه الأقوال تبين أن الآية ليست خاصة بعلي ﵁، وأن الروايات الواردة في أنها نزلت في علي ضعيفة، وكذلك يتبين كذب الرافضة حين يدعون أن الروايات واردة لدى أهل السنة في الصحاح الستة حيث لم ترد في أي من الصحاح. ثالثا: - أن حمل الآية على الخلافة غير صحيح لأن التولي من معانيه النصرة والتأييد والمحبة فحملها على الخلافة يحتاج إلى دليل خاص وليس عندهم دليل خاص. قال الرازي: " وأما استدلالهم بأن هذه الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين" (٣). القرآن ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٦] التفسير: ومن وثق بالله وتولَّى الله ورسوله والمؤمنين، فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون المنتصرون. سبب النزول: قال عبادة بن الصامت: "نزلت: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وذاك لقول عبادة بن الصامت: أتولى الله ورسوله، وتبرئه من بني قينقاع من حلفهم وولايتهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٦]، أي: " ومن وثق بالله وتولَّى الله ورسوله والمؤمنين" (٥).

стр. 3487

قال السمرقندي: " يعني: يجعل الله ناصره ويجالس النبي ﷺ وأصحابه" (١). قال الواحدي: " يعني: يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين" (٢). قال القرطبي: " أي من فوض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من حزب الله. وقيل: أي ومن يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين" (٣). قال الشيخ محمد رشيد رضا: أي: " ومن يتول الله تعالى بالإيمان به والتوكل عليه، ويتول الرسول والمؤمنين بنصرهم وشد أزرهم، وبالاستنصار بهم دون أعدائهم" (٤). قال ابن عباس ﵄: "يريد المهاجرين والأنصار" (٥). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، أي: "، فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون المنتصرون" (٦). قال السدي: " أخبرهم، يعني: الرب تعالى ذكره مَنِ الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾، والحزب، هم الأنصار" (٧). قال السمرقندي والسمعاني: " يعني: جند الله هم الغالبون" (٨). قال المراغي: أي: " فإنهم هم الغالبون، ولا يغلب من يتولاهم، لأنهم حزب الله" (٩). قال الشيخ محمد رشيد رضا: أي: " فإنهم هم الغالبون، فلا يغلب من يتولاهم ; لأنهم حزب الله تعالى، ففيه وضع المظهر موضع الضمير، ونكتته بيان علة كونهم هم الغالبين" (١٠). قال السعدي: " أي: فإنه من الحزب المضافين إلى الله إضافة عبودية وولاية، وحزبه هم الغالبون الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]. وهذه بشارة عظيمة، لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده، أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى، فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا" (١١). قال الزمخشري: " وأصل «الحزب»: القوم يجتمعون لأمر حزبهم، ويحتمل أن يريد بحزب الله: الرسول والمؤمنين، ويكون المعنى: ومن يتولهم فقد تولى حزب الله، واعتضد بمن لا يغالب" (١٢). قال الواحدي: " معنى ﴿هم الغالبون﴾: أنهم غلبوا اليهود فقتلوا قريظة، وأجلوا بني النضير من ديارهم، وغلبوهم عليها، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله والذين آمنوا" (١٣). قال الطبري: " وهذا إعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه جميعًا الذين تبرأوا من حلف اليهود وخلعوهم رضًى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، والذين تمسكوا بحلفهم وخافوا دوائر السوء

стр. 3488

تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم أنّ مَن وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادّهم، لأنهم حزب الله، وحزبُ الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان" (١). قال ابن كثير: " فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة [ومنصور في الدنيا والآخرة" (٢). وفي معنى قوله: ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٦]، وجوه: أحدها: جند الله، قاله الحسن (٣). والثاني: أولياء الله. قاله أبو روق (٤). والثالث: شيعة الله، قاله أبو العالية (٥). والرابع: أنصار الله (٦). والخامس: أن حزب الله هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم. قاله الأخفش (٧). قال الواحدي: "معنى: «الحزب» في اللغة: الجماعة، وحزب الرجل: أصحابه الذين معه على رأيه، والمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان " (٨). قال رؤبة بن العجاج (٩): أَلَقَيتُ أَقْوَالَ الرِّجَالِ الكُذْبِ ... ولست أَضْوَى وَبِلالٌ حِزْبِي! يعني بقوله: أضوى، أستضْعَفُ وأضام من الشيء الضاوي، وقوله: وبلال حزبي، يعني: ناصري (١٠). قال القرطبي: " والمؤمنون حزب الله، فلا جرم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية. والحزب: الصنف من الناس، وأصله من النائبة من قولهم: حزبه كذا أي نابه، فكأن المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة عليها، وحزب الرجل أصحابه. والحزب: الورد، ومنه الحديث «من فاته حزبه من الليل» (١١)، وقد حزبت القرآن.

стр. 3489

والحزب: الطائفة، وتحزبوا اجتمعوا، والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء، وحزبه أمر، أي: أصابه" (١). الفوائد: ١ - أن ولاية الله ورسوله والمؤمنين الصادقين توجب لصاحبها النصر والغلبة على أعدائه. ٢ - ومنها: بيان لما تثمره الموالاة لله ورسوله والمؤمنين، فإن من يوالى الله يكون من حزب الله، ومن كان فى حزب الله فهو من الفائزين، لأنه فى ضمان الله، وفى جنده الذين لا يغلب أبدا .. ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ [المجادلة: ٢١]. ٣ - استدل الشيعة بالآية على ثبوت إمامة علي-﵁ بالنص، بناء على ما روي من نزول الآية فيه، وجعلوا الولي فيها بمعنى المتصرف في أمور الأمة، وقد بينا في تفسير الآية السابقة ضعف كون المؤمنين في الآية يراد به شخص واحد. وعلمنا من السياق أن الولاية هاهنا ولاية النصر، لا ولاية التصرف والحكم ; إذ لا مناسبة له في هذا السياق. وقد رد عليهم الرازي، وغيره بوجوه (٢)، وهذه المجادلات ضارة غير نافعة، فهي التي فرقت الأمة وأضعفتها، فلا نخوض فيها، ولو كان في القرآن نص على الإمامة لما اختلف الصحابة فيها ; أو لاحتج به بعضهم على بعض، ولم ينقل ذلك (٣). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [المائدة: ٥٧] التفسير:

стр. 3490

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الذين يستهزئون ويتلاعبون بدينكم من أهل الكتاب والكفارَ أولياءَ، وخافوا الله إن كنتم مؤمنين به وبشرعه. سبب النزول: قال ابن عباس: " كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادُّونهما، فأنزل الله فيهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٧]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٣). قال الطبري: أي: " يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله" (٤). قال مقاتل: " يعني: المنافقين الذين أقروا باللسان وليس الإيمان في قلوبهم" (٥). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٦). قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٧). قال ابن عثيمين: " إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٨). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٩). قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥٧]، أي: " لا تتخذوا الذين يستهزئون ويتلاعبون بدينكم من أهل الكتاب والكفارَ أولياءَ" (١٠). قال السدي: " نهاهم وتقدم إليهم" (١١). قال الطبري: أي: " لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هُزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، يعني اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنزلت عليهم الكتب من قبل بَعْث نبينا ﷺ ، ومن قبل نزول كتابنا أولياء، يقول: لا تتخذوهم، أيها

стр. 3491

المؤمنون، أنصارًا أو إخوانًا أو حُلفاء، فإنهم لا يألونكم خَبَالا وإن أظهروا لكم مودّة وصداقة" (١). قال الزمخشري: " يعنى أن اتخاذهم دينكم هزوا ولعبا لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة، وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار- وإن كان اهل الكتاب من الكفار- إطلاقا للكفار على المشركين خاصة، والدليل عليه قراءة عبد الله: «ومن الذين أشركوا» " (٢). قال السمرقندي: " يعني: الذين آمنوا بلسانهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم. ويقال: أراد به المخلصين نهاهم الله تعالى عن ولاية الكفار" (٣). قال أبو السعود: " بيان للمستهزئين والتعرض لعنوان إيتاء الكتاب لبيان كمال شناعتهم وغاية ضلالتهم لما أن إيتاء الكتاب وازع لهم عن الاستهزاء بالدلين المؤسس على الكتاب المصدق لكتابهم ﴿والكفار﴾ أي المشركين خصوا به لتضاعف كفرهم وهو عطف على الموصول الأول ففيه إشعار بأنهم ليسوا بمستهزئين كما ينبىء عنه تخصيص الخطاب بأهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب هل تنقمون منا﴾، الآية" (٤). قال مكي: " أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ووصفهم تعالى بأنهم اتخذوا الإسلام هزواً ولعباً، وهم قد أوتوا الكتاب من قبلنا، يعني التوراة والإنجيل، و [حذرهم] ألا يتخذوا الكفار أولياء، وهم مشركو قريش" (٥). قال الراغب: " نهاهم عن موالاة المتهكمين بدين الحق أي عن الاستعانة بالمشركين" (٦). قال الواحدي: " معنى اتخاذهم الدين هزو ولعبا: تلاعبهم بالدين وإظهارهم ذلك باللسان واستبطانهم الكفر" (٧). قال البغوي: " بإظهار ذلك بألسنتهم قولا وهم مستبطنون الكفر" (٨). قال ابن عطية: " نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على تجنبهم، وذلك اتخاذهم دين المؤمنين هزوا ولعبا والهزء السخرية والازدراء" (٩). قال الجصاص: " فيه نهي عن الاستنصار بالمشركين; لأن الأولياء هم الأنصار" (١٠). قال ابن كثير: " وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يستهزئون بها، ﴿وَلَعِبًا﴾ يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد كما قال القائل (١١): وَكَمْ مِنْ عَائبٍ قَولا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ مِن الْفَهم السَّقِيمِ" (١٢) قال الشوكاني: " هذا النهي عن موالاة المتخذين الدين هزؤا ولعبا يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام، والبيان بقوله: ﴿من الذين

стр. 3492

أوتوا الكتاب﴾، إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي" (١). قال السعدي: " ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن سائر الكفار أولياء يحبونهم ويتولونهم، ويبدون لهم أسرار المؤمنين، ويعاونونهم على بعض أمورهم التي تضر الإسلام والمسلمين، وأن ما معهم من الإيمان يوجب عليهم ترك موالاتهم، ويحثهم على معاداتهم" (٢). قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة: ﴿والكفار﴾ نصبا، وقرأ أبو عمرو والكسائى: «والكفار» خفضا، وروى حسين الجعفى عن أبي عمرو: ﴿الكفار﴾ نصبا (٣). قال الطبري: " إنهما قراءتان متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرأة، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب" (٤). وقرأ ابن مسعود: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» (٥). ويقرأ «هزؤا» بضم الزاي والهمز، و «هزؤا» بسكون الزاي والهمز ويوقف عليه هزا بتشديد الزاي المفتوحة، و «هزوا» بضم الزاي وتنوين الواو، و «هزا» بزاي مفتوحة منونة (٦). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، أي: " وخافوا الله إن كنتم مؤمنين به وبشرعه" (٧). قال مقاتل: " يعني: إن كنتم مصدقين فلا تتخذوهم أولياء، يعني: كفار العرب حين، قال عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نتيل وأبو لبابة وغيرهم من اليهود: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، حين كتبوا إليهم" (٨). قال الطبري: أي: " وخافوا الله، أيها المؤمنون الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار، أن تتخذوهم أولياء ونصراء، وارهبوا عقوبته في فعل ذلك إن فعلتموه بعد تقدُّمه إليكم بالنهي عنه، إن كنتم تؤمنون بالله وتصدِّقونه على وعيده على معصيته" (٩). قال الزمخشري: أي: "واتقوا الله في موالاة الكفار وغيرها، إن كنتم مؤمنين حقا لأن الإيمان حقا يأبى موالاة أعداء الدين اتخذوها الضمير للصلاة أو للمناداة" (١٠). قال ابن عطية: " ثم أمر تعالى بتقواه ونبه النفوس بقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، أي: حق مؤمنين" (١١). قال البيضاوي: أي: " واتقوا الله بترك المناهي. إن كنتم مؤمنين لأن الإيمان حقا يقتضي ذلك. وقيل إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده" (١٢). قال ابو السعود: " ﴿واتقوا الله﴾ في ذلك بترك موالاتهم أو بترك المناهي على الإطلاق فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا أوليا ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، أي: حقا فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة" (١٣).

стр. 3493

قال أبو حيان: " لما نهي المؤمنون عن اتخاذهم أولياء، أمرهم بتقوى الله، فإنها هي الحاملة على امتثال الأوامر واجتناب النواهي. أي: اتقوا الله في موالاة الكفار، ثم نبه على الوصف الحامل على التقوى وهو الإيمان أي: من كان مؤمنا حقا يأبى موالاة أعداء الدين" (١). قال السعدي: أي: كذلك أن"التزامهم لتقوى الله التي هي امتثال أوامره واجتناب زواجره مما تدعوهم إلى معاداتهم" (٢). الفوائد: ١ - حرمة اتخاذ اليهود والنصارى والمشركين أولياء لا سيما أهل الظلم منهم، إذ ينفر الله تعالى المؤمنين من موالاة أعداء الإسلام، من أهل الكتاب ومن المشركين، الذين يتخذون شرائع الإسلام المطهرة، هزوا يستهزئون بها، ويعدونها نوعا من اللعب، ويتمنون زوال الإسلام وأهله، ويأمر الله المؤمنين بتقواه، وبألا يتخذوا هؤلاء الأعداء أولياء إن كانوا مؤمنين بشرع الله حقا وصدقا (٣). وهؤلاء الأعداء يسخرون من الأذان، ومن الصلاة، ومن العبادة، ويتخذونها هزوا ولعبا وسخرية، لأنهم قوم لا يعقلون معنى العبادة، ولا معنى شرع الله، والصلاة أكرم شيء وأفضله لمن يعقل ويعلم ٢ - سوء أخلاق اليهود وفساد عقولهم. ٣ - مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، لأن موالاتهم تنافي الإيمان. ٤ - جاء في شرح المسائل للسعيدي: وقد اختلف المفسرون في معنى اتخاذ الكفار دينهم لهوًا ولعبًا على أقوال منها (٤): أولاً: أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو الإسلام لعبًا ولهوًا حيث سخروا به واستهزؤوا به، إذًا المراد بكونهم جعلوا دينهم لهوًا ولعبًا سخروا بالإسلام واستهزؤوا به، فإذا دعاهم الداعي إلى الإسلام سخروا به وهزءوا به، وهذا موجود في كل زمان ومكان، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٧، ٥٨]. ثانيًا: أنهم اتخذوا ما هو لهوٌ ولعبٌ من عبادة الأصنام وغيرها دينًا لهم وتركوا دين الحق وهو الإسلام. والأول أقرب من هذا لكنه هذا غير مستبعد، بمعنى أن اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا أن يعبد الأصنام، ولذلك قد يتخذوا الصنم من تمر وعجين ثم إذا جاع أكله، هذا لَعِب كيف أنت تعبده من دون الله وتستغيث به وتستفتح به الأمور ويكشف لك الضر ويجلب لك النفع ويدفع عنك الضر ثم بعد ذلك تأكله؟ هذا لعب ولهو. ثالثًا: أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني وما تزينه لهم شياطينهم ونفوسهم من تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو تعبد بما لم يشرعه الله، وهذا له أمثلة كثيرة وذكرها في الشرح هناك. رابعًا: وهو أن المراد به الإشارة إلى من يتوصل بدينه إلى دنياه، يعني: يجعل الدين وسيلة إلى تحصيل الدنيا، وهذا اختلاف تنوع لا تضاد وتشترك في أمر واحد وهو: عدم الاهتمام بأمر الدين، كلها أقوال للمفسرين وكلها داخلة فيما ذكروا، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. ﴿قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ هذا لعب،

стр. 3494

رسولهم قد أنزل عليه الكتاب من الله ثم ينفون ذلك، هذا يعتبر من اللعب، وقال تعالى في اليهود: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]. يعني: تؤمنون بما اشتهته الأنفس وأما ما لم تقدروا عليه أو تشتهيه الأنفس فحينئذٍ يكفر به، وقال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]. تحريف الكلم يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]. لبس الحق بالباطل وكتمان الحق يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]. يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، وقال في النصارى أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] المسيحُ ابن الله أو المسيحَ ابن الله، نقول: هذا كله يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، لأنه تبديل وتحريف عما أنزله الله ، وكذلك الابتداع وعده دينًا ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، كذلك مشركو قريش قالوا: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]. إذًا اللعب كذلك من شأن قريش، وقال جل وعلا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩]. وقال مهددًا لهم: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. إذًا كل من أعرض عن الدين وتلبس بغيره فهو ممن اتخذ دينه لهوًا ولعبًا، ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ هذا يعتبر وعيد من الله تعالى بمن اتخذ آياته ودينه هزوًا قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوَا آيَاتِ اللهِ هُزُواً﴾ [البقرة: ٢٣١]. وقال ﷺ : «أَيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم» (١). وقال ﵊: «ما بال أقوام يَلْعَبُون بحدود الله» (٢). إذًا امتثال ما أراده الله من البشر يُعتبر من أخذ الدين بقوة ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. قال: ﴿يُمَسَّكُونَ﴾. بصيغة التفعيل ولم يقل يُمْسِكُونَ، لأن الذي يأتي بالدين على وجهه يعتبر مستمسكًا أبلغ استمساك بالدين، إذًا ﴿أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا﴾. ٥ - إن المتتبع لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية يجد من الآيات والأحاديث ما تدل دلالة قطعية على غش الكفار للمسلمين وعداوتهم لهم وخيانتهم لقضاياهم، وتمنيهم السوء للمسلمين ومسرتهم بذلك، وعداوتهم لله ورسوله، فمن والاهم وأعزهم وولاهم أمور المسلمين، فقد خالف ما أمر الله بحقهم من وجوب الغلظة والشدة عليهم، ومن اعتقد فيهم النصح والإخلاص فقد كذب بما أخبر الله به عنهم من خيانة وغش وإرادة السوء بالمسلمين. واما الاستعانة بالكفار في الحرب فقد اختلف العلماء في هذه مسألة على قولين: القول الأول: هو قول من قال بعدم جواز الاستعانة بالكفار في الحرب وهو مذهب المالكية (٣). وبه قال الإمام أحمد ﵀ (٤) وقد استدل المانعون بعدد من الآيات والأحاديث هي كما يلي (٥): ١ - قول الله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]. قيل: إنها نزلت في عبادة ابن الصامت ﵁ فقد كان له حلفاء من اليهود فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال: له عبادة، يا

стр. 3495

نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فاستظهر بهم على العدو فأنزل الله هذه الآية (١). ٢ - قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]. فقد رجح القرطبي عدم جواز الاستعانة بالكفار حيث يقول: إن الله قد وضح لنا العلة في النهي عن اتخاذهم بطانة بقوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فهل نكذب بيان الله فيهم ونصدقهم فنقربهم ونتقرب إليهم؟ (٢). وفي زاد المسير قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في أمر من أمور المسلمين (٣). ٣ - قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]. قال ابن خويز منداد: "هذه الآية تضمنت مع مثيلاتها المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك" (٤). ويقول القرطبي: "إن الصحيح من مذهب الشافعي هو منع الاستعانة بالكفار في القتال" (٥). وهو ما ذهب إليه القرطبي أيضًا (٦). وقد ذكر أن الشافعي علل ذلك بأنه طريق لأن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا (٧). وأجاب من يرى الجواز بأن السبيل هو اليد وهي للإمام الذي استعان بالكفار (٨). ٤ - ومن الأحاديث ما روى مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان بحرّة الوبر أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك، وأصيب معك قال له رسول الله ﷺ «تؤمن بالله ورسوله؟ قال لا ... قال فارجع: فلن أستعين بمشرك» قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل ... فقال له كما قال أول مرة. فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة. قال: «فارجع فلن نستعين بمشرك». قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء. فقال كما قال أول مرة «تؤمن بالله ورسوله؟ » قال: نعم. فقال له رسول الله ﷺ «فانطلق» (٩). روى الواقدي أن خبيب بن يساف، كان رجلاً شجاعًا وكان يأبى الإسلام فلما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، خرج هو وقيس بن محرث، فعرضا على رسول الله ﷺ أن يخرجا معه، فقال «لا يخرج معنا رجل ليس على ديننا» فقال

стр. 3496

خبيب: قد علم قومي أني عظيم الغناء في الحرب فأقاتل معك للغنيمة قال: «لا، ولكن أسلم ثم قاتل» (١). ٦ - روى الإمام أحمد عن خبيب عن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: " أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزوًا أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم «قال أو اسلمتما» قلنا لا! «قال فلا نستعين بالمشركين على المشركين» قال فأسلمنا وشهدنا معه، فقتلت رجلاً وضربني ضربة وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت تقول: لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح فأقول: لا عدمت رجلاً عجل أباك النار" (٢). القول الثاني: قول من جوَّز الاستعانة بالكفار عند الحاجة إلى ذلك وهو قول جمهور الشافعية والحنابلة والأحناف (٣). وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث هي كما يلي: ١ - ما روي أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين حتى قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر» (٤). ٢ - وفي صلح الحديبية كان الرسول ﷺ قد بعث أثناء توجهه إلى مكة عندما كان بذي الحليفة عينًا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن أبي سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة، وبشر بن أبي سفيان كان مشركًا من قبيلة خزاعة، وفي هذا تأكيد لجواز الاستعانة بالمشركين، عند الطمأنينة إليهم (٥). ٣ - وقد شارك في معركة أحد مع المسلمين مخريق بن ثعلبة اليهودي عقيدة وديانة العربي نسبًا وعرقًا، وكان قتاله تنفيذًا للمعاهدة المبرمة بين النبي ﷺ وبين اليهود، فدعا اليهود إلى حمل السلاح مع المسلمين فقالوا اليوم يوم السبت، فأخذ سلاحه ولحق برسول الله ﷺ فقاتل حتى قتل، وقال إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء وكان له سبعة بساتين وقد جعلها رسول الله ﷺ أوقافًا بالمدينة (٦). ٤ - إن النبي ﷺ قد استعان بيهود بني قينقاع وقسم لهم، واستعان بصفوان بن أمية في يوم حنين (قبل إسلامه) فدل ذلك على الجواز (٧). ٥ - وعن ذي مخبر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم» (٨). ٦ - وعن الزهري أن النبي ﷺ استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم (٩).

стр. 3497

وقد رد أصحاب هذا القول على أصحاب القول الأول القائلين بعدم جواز الاستعانة بالكفار بردود هي: - أ- إن أدلة النهي عن الاستعانة بالكفار منسوخة بفعل الرسول ﷺ وعمله كما تقدم ذكر ذلك (١). ب- إن القائلين بالجواز لم يذكروا أنه يجوز الاستعانة بالكفار مطلقًا وإنما قيدوا ذلك بشرطين هما: - ١ - الحاجة إلى الكفار في حالة عدم وجود من يحل محلهم من المسلمين. ٢ - الوثوق بهم، وغلبة الظن على أمانتهم، وعدم مكرهم. أما بدون هذين الشرطين فلا تجوز الاستعانة بهم بحال من الأحوال وهذا هو الراجح، وعلى ذلك يحمل حديث عائشة ﵂ المذكور في صحيح مسلم، ويحصل الجمع بين الأدلة أدلة المنع وأدلة الجواز (٢). وقد نقل عن الشافعي ﵀ ما يوافق هذا المعنى حيث روي أنه قال: «إن رأى الإمام أن الكافر حسن النية، حسن الرأي مأمون الجانب على المسلمين، وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ذلك وإلا فلا» (٣). ولعل هذا هو المتفق مع أدلة النهي وأدلة الجواز، إذ روي أنه ﷺ قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين، وهو مشرك، فتكون المسألة في ذلك داخلة تحت مفهوم السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة الإسلامية (٤). والظاهر لي من الأدلة عدم جواز الاستعانة بالمشركين إلا عند توفر الشرطين المتقدمين وذلك لسببين: السبب الأول: إن الأحاديث التي استدل بها على جواز الاستعانة بالكفار لا تسلم من مقال أو توجيه يجعل العمل بها غير ملزم. فمقاتلة قزمان مع المسلمين لم يثبت أنه ﷺ أذن له بذلك في ابتداء الأمر، وغاية ما فيه، أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين (٥). وأما استعانته ﷺ ببشر بن أبي سفيان عينا له على قريش وهو مشرك فإنما استعان به بما دون القتال، وهذه المسألة أقرب في الجواز من مسألة القتال والحرب (٦). وأما ما روي عن الزهري مرسلاً، فإن مراسيل الزهري ضعيفة والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف (٧). وأما استعانته ﷺ بابن أبي من المنافقين فليس من قبيل الاستعانة بالكفار لأنه مظهر للإسلام، والمنافق يحكم عليه بحسب ظاهره والله يتولى سره (٨). السبب الثاني: إن توجيه أدلة الجواز وأدلة المنع ممكن باتباع الأوجه التالية: - الوجه الأول: ما قال الشافعي ﵁ إن النبي ﷺ غرس الرغبة في الذين ردهم، فردهم رجاء أن يسلموا فصدّق الله ظنه فيهم، وفيه نظر لأن قوله ﷺ «فارجع فلن نستعين بمشرك» نكرة في سياق النفي وهي تفيد العموم (٩).

стр. 3498

الوجه الثاني: قول الجماعة إن الاستعانة كانت ممنوعة، ثم رخص فيها قال: ذلك الحافظ في التلخيص، وعليه نص الإمام الشافعي (١). الوجه الثالث: ما ذكر في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا عندما يستقيمون على أوامر الولي المسلم ونواهيه، واستدلوا بأن استعانته ﷺ بمن سبق ذكرهم إنما كانت بهذا الوصف، بمعنى أن يكون الكفار مأمورين منهيين، لا آمرين ناهين (٢). أما استعانته ﷺ بالمنافقين فقد انعقد الإجماع على جواز الاستعانة بهم على الكفار، فقد استعان النبي ﷺ بابن أبي وأصحابه، وكذلك الاستعانة بالفساق على الكفار (٣). ومن هذا الباب الاستعانة بالفساق على البغاة حيث يرى الإمام الشوكاني جواز ذلك (٤). الوجه الرابع: اشتراط بعض أهل العلم ومنهم الهادوية، أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا إذا كان مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية، على الذين استعان بهم ليكون المستعان بهم مغلوبين لا غالبين، كما كان وضع المنافقين مع رسول الله ﷺ . وبناء على ما تقدم فقد اشترط القائلون بجواز الاستعانة بالكفار شروطًا تجعل الاستعانة بالكفار عند الضرورة القصوى، وفي مجالات لا تؤثر في عقيدة الإسلام وحياة المسلمين وهذه الشروط كما يلي: - ١ - أن لا يوجد من المسلمين من يقوم مقام الكافر أو الكفار الذين يراد الاستعانة بهم. ٢ - أن يستعان بهم فيما دون القتال مع المسلمين كما هو رأي الجمهور (٥). ٣ - أن يكون المستعان بهم من الكفار فيه نصح ونفع للمسلمين. ٤ - أن لا يستقل الكافر برأي أو مشورة، عن رأي أهل الحل والعقد من المسلمين، بل يكون تابعًا مأمورًا، لا آمرًا متبوعًا. ٥ - أن لا يكون للمشركين صولة ودولة يخشى منها التعاون مع من استعان بهم المسلمون من الكفار لضرب الإسلام وأهله. ٦ - أن يكون الكافر أو الكفار المستعان بهم مستخدمين أجراء لا أنصارًا مكرمين. ٧ - إن جاز على بعض الأقوال الاستعانة بالمشرك في حرب غيره من المشركين فلا يجوز بحال من الأحوال الاستعانة بالمشركين في حرب البغاة من أهل الإسلام (٦). ولكن الناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يجد عكس ذلك تمامًا حيث إن الكفار يقدمون على المسلمين في ديار الإسلام فهم المستشارون العسكريون والخبراء المنفذون، ولهم من الامتيازات العظيمة والتسهيلات الواسعة ما جعلهم يحصلون على تقدير مادي ومعنوي، لا يحصل عليه المسلم الذي يساويهم أو يتفوق عليهم علمًا وعملاً، فبلاد المسلمين تكتظ بملايين النصارى واليهود وأهل الأوثان الذين يحملون جنسيات مختلفة وهم في حقيقة أمرهم جواسيس للأعداء وقد كشفت الحروب الثلاثة مع اليهود جوانب من ذلك (٧). بينما كثير من أهل الخبرة والمعرفة من المسلمين مهاجرون إلى دول الغرب والشرق بسبب سوء المعاملة التي يتلقونها في داخل البلاد الإسلامية فواقع المسلمين عكس ما يجب أن يكون

стр. 3499

تمامًا، حيث إنهم أذلاء في معاملة الكافرين أشداء في معاملة المؤمنين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. القرآن ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨] التفسير: وإذا أذَّن مؤذنكم -أيها المؤمنون- بالصلاة سخر اليهود والنصارى والمشركون واستهزؤوا من دعوتكم إليها؛ وذلك بسبب جهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون حقيقة العبادة. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: قال الكلبي: " ان منادي رسول الله ﷺ إذا نادى إلى الصلاة، فقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا. على طريق الاستهزاء والضحك فأنزل الله تعالى هذه الآية" (١). [موضوع] والثاني: قال السدي: " نزلت في رجل من نصارى المدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله قال: حرق الكاذب. فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام، فطارت منها شرارة في البيت فاحترق هو وأهله" (٢). [مرسل] قال الزمخشري: " قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده" (٣). والثالث: نقل الواحدي عن بعضهم: "إن الكفار لما سمعوا الآذان حسدوا رسول الله ﷺ والمسلمين على ذلك، فدخلوا على رسول الله وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية، فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الآذان الأنبياء من قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل من قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العير؟ فما أقبح من صوت ولا أسمج من كفر! فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا﴾ الآية. [فصلت: ٣٣] " (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]، أي: " وإذا أذَّن مؤذنكم -أيها المؤمنون- بالصلاة" (٥). قال الواحدي: " أي: إذا دعوتم الناس إلى الصلاة بالأذان، والنداء: الدعاء بأرفع الصوت" (٦). قال ابن كثير: " أي: وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب" (٧). قال الجصاص: " قد دلت هذه الآية على أن للصلاة أذانا يدعى به الناس إليها" (٨).

стр. 3500

عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: "قد ذكر الله الأذان في كتابه فقال: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، أي: " سخر اليهود والنصارى والمشركون واستهزؤوا من دعوتكم إليها" (٢). قال السمرقندي: " يعني: الكفار، إذا سمعوا الأذان استهزءوا به. وإذا رأوهم ركعا وسجدا ضحكوا واستهزءوا بذلك" (٣). قال الطبري: أي: "سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك" (٤). قال ابن الجوزي: " واتخاذهم إياها هزوا: تضاحكهم وتغامزهم ذلك" (٥). قال مقاتل: "يعنى: استهزاء وباطلا، وذلك أن اليهود كانوا إذا سمعوا الأذان ورأوا المسلمين قاموا إلى صلاتهم يقولون قد قاموا لا قاموا، وإذا رأوهم ركعوا قالوا لا ركعوا وإذا رأوهم سجدوا ضحكوا وقالوا لا سجدوا واستهزءوا" (٦). قال السعدي: " فكيف تدعي لنفسك دينا قيما، وأنه الدين الحق وما سواه باطل، وترضى بموالاة من اتخذه هزوا ولعبا، وسخر به وبأهله، من أهل الجهل والحمق؟ ! وهذا فيه من التهييج على عداوتهم ما هو معلوم لكل من له أدنى مفهوم" (٧). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]، أي: " وذلك بسبب جهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون حقيقة العبادة" (٨). قال القرطبي: " أي: أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح" (٩). قال السمرقندي: أي: " ذلك الاستهزاء بأنهم قوم لا يعقلون، يعني: لا يعلمون ثوابه" (١٠). قال مقاتل: " يقول: لو عقلوا ما قالوا هذه المقالة" (١١). قال الزمخشري: " لأن لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم" (١٢). قال البيضاوي: " فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزء به، والعقل يمنع منه" (١٣). قال الطبري: أي"فعلهم الذي يفعلونه، وهو: هزؤهم ولعبهم من الدعاء إلى الصلاة، إنما يفعلونه بجهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاة، وما عليهم في استهزائهم ولعبهم بالدعوة إليها، ولو عَقَلوا ما لمن فعل ذلك منهم عند الله من العقاب، ما فعلوه" (١٤).

стр. 3501

قال الرازي: " أي: لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام" (١). قال ابن كثير: " ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعَانِي عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي "إذا سمع الأذان أدبر وله حُصَاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام" (٢)." (٣). قال المراغي: " أي ذلك الفعل الذي يفعلونه وهو الهزؤ والسخرية إنما كان لجهلهم بحقيقة الأديان وما أوجب الله فيها من تعظيمه والثناء عليه بما هو أهله، ولو كان عندهم عقل لخشعت قلوبهم كلما سمعوا المؤذن يكبر الله تعالى ويمجده بصوته الندى ويدعو إلى الصلاة له والفلاح بمناجاته وذكره، فهو ذكر مؤثر فى النفوس لا تخفى محاسنه على من يعقل الحكمة فى إرسال الشرائع ويؤمن بالله العلى الكبير" (٤). قال الماتريدي: " نفى عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١] الآية: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل. ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم لنبينا محمد ﷺ تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأسا " (٥). الفوائد: ١ - تحريم موالاة من اتخذ ديننا هزوا. ٢ - الإخبار بأن الذين لا يستفيدون من العقل ويعرضون عنه ويتبعون الهوى كأنهم في حكم فاقدي العقل، قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة: ٥٨]. فهؤلاء الأعداء يسخرون من الأذان، ومن الصلاة، ومن العبادة، ويتخذونها هزوا ولعبا وسخرية، لأنهم قوم لا يعقلون معنى العبادة، ولا معنى شرع الله، والصلاة أكرم شيء وأفضله لمن يعقل ويعلم. وهذه صفات أتباع الشيطان الذي "إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين .. " (٦). ٣ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾. والمراد هنا: عقل رشد- وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل. القرآن

стр. 3502

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩] التفسير: قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب: ما تَجِدُونه مطعنًا أو عيبًا هو محمدة لنا: من إيماننا بالله وكتبه المنزلة علينا، وعلى من كان قبلنا، وإيماننا بأن أكثركم خارجون عن الطريق المستقيم! سبب النزول: قال ابن عباس-﵁: " أتى رسول الله ﷺ نفر من اليهود، فيهم: أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، قال: "أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به؛ فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ " (١). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: " قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب" (٢). قال مكي: أي: " قل يا محمد لليهود والنصارى" (٣). قال ابن كثير: أي: " قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب" (٤). قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: " هل تعيبون علينا من شىء وتكرهوننا لأجله، إلا إيماننا بالله وكتبه المنزلة علينا، وعلى من كان قبلنا" (٥). قال مكي: " هل [تكرهون] منا وتجدون علينا شيئاً من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ " (٦). قال الطبري: أي: " هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزئون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبًا، إلا أن آمنا بالله، يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا" (٧). قال السعدي: " أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين؟ " (٨). قال البغوي: " أي: إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق" (٩).

стр. 3503

قال ابن كثير: أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا كما في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه: «ما ينقم ابن جَميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله» (١) " (٢). قال الماتريدي: " أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا؟ ! " (٣). قال الزجاج: " معنى نقمت بالغت في كراهة الشيء" (٤). قال الراغب: " يقال: نقم ونقم عليه نقمة إذا أنكر ما فعله وسخط عليه ولتضمين النقمة السخط والإنكار استعمل في كل واحد منهما على الانفراد" (٥). والعرب تقول: نقَمتُ عليك كذا أنقِم وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز والعراق وغيرهم ونقِمت أنقِم، لغتان ولا نعلم قارئًا قرأ بهما بمعنى وجدت وكرهت، ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات (٦): مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلا ... أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا (٧) وقرأ الحسن، والأعمش: «تنقمون» بفتح القاف (٨). قال الزمخشري: " والفصيح كسرها" (٩). وقرأ الجمهور: «أنزل» بضم الهمزة، وكذلك في الثاني، وقرأ أبو نهيك: «أنزل» بفتح الهمزة والزاي فيهما (١٠). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: " وإيماننا بأن أكثركم خارجون عن الطريق المستقيم" (١١). قال مقاتل: " يعني: عصاة" (١٢). قال مكي: "أي: وهل تنقمون منا إلا أن أكثركم فاسقون؟ " (١٣). قال ابن ابي زمنين: " أي: بفسقكم نقمتم ذلك علينا" (١٤). قال ابن كثير: " أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم" (١٥).

стр. 3504

قال السمرقندي: " يعني: لم تؤمنوا لفسقكم، وعصيانكم" (١). قال السعدي: أي: " ومع هذا فأكثركم خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم -أيها الفاسقون- السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم" (٢). قال البغوي: " لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال" (٣). قال الماتريدي: " أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا؟ ! " (٤). قال الزجاج: " المعنى: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق لأنكم فسقتم، بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرياسة، وكسبكم بها الأموال" (٥). قال ابن عطية: " وهذه الآية من المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، ونظير هذا الغرض في الاستثناء قول النابغة (٦): ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب" (٧) أي: ليس فيهم عيب (٨). وفي عطف قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، وجوه (٩): أحدها: أن يعطف على: ﴿أن آمنا﴾، بمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه. والثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أى: واعتقاد أنكم فاسقون. والثالث: أن يعطف على المجرور، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون. والرابع: ويجوز أن تكون «الواو» بمعنى «مع»، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون. والخامس: ويجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان، لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات. قال الزمخشري: "ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا" (١٠). قال ابن عطية: " وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم معنى الألفاظ ... وقوله تعالى: ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾، هو عند أكثر المتأولين معطوف على قوله: أن آمنا فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه" (١١).

стр. 3505

و «الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقاً: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (١). وأما المقصود بـ «الفسق» اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي: أولا: - أن الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان. قاله ابن عطية (٢)، والطبري (٣)، والقرطبي (٤). وقد روي "عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري" (٥). قال الشوكاني: عن هذا التعريف: " وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض " (٦). والثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (٧). وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (٨). والثالث: - وقال البيضاوي: " الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة " (٩). والرابع: - وقال الألوسي: "الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة " (١٠). ومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١١) إذ يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: " والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيراً" (١٢). الفوائد: ١ - التقريع لأهل الكتاب والتنديد بباطلهم ومخازيهم، إذ أن القرآن الكريم قد شنع بأهل الكتاب ودحض شبهاتهم وأغاليطهم.
следующие страницы →