← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

قال الرازي: " أي: لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام" (١). قال ابن كثير: " ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعَانِي عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي "إذا سمع الأذان أدبر وله حُصَاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام" (٢)." (٣). قال المراغي: " أي ذلك الفعل الذي يفعلونه وهو الهزؤ والسخرية إنما كان لجهلهم بحقيقة الأديان وما أوجب الله فيها من تعظيمه والثناء عليه بما هو أهله، ولو كان عندهم عقل لخشعت قلوبهم كلما سمعوا المؤذن يكبر الله تعالى ويمجده بصوته الندى ويدعو إلى الصلاة له والفلاح بمناجاته وذكره، فهو ذكر مؤثر فى النفوس لا تخفى محاسنه على من يعقل الحكمة فى إرسال الشرائع ويؤمن بالله العلى الكبير" (٤). قال الماتريدي: " نفى عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١] الآية: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل. ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم لنبينا محمد ﷺ تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأسا " (٥). الفوائد: ١ - تحريم موالاة من اتخذ ديننا هزوا. ٢ - الإخبار بأن الذين لا يستفيدون من العقل ويعرضون عنه ويتبعون الهوى كأنهم في حكم فاقدي العقل، قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة: ٥٨]. فهؤلاء الأعداء يسخرون من الأذان، ومن الصلاة، ومن العبادة، ويتخذونها هزوا ولعبا وسخرية، لأنهم قوم لا يعقلون معنى العبادة، ولا معنى شرع الله، والصلاة أكرم شيء وأفضله لمن يعقل ويعلم. وهذه صفات أتباع الشيطان الذي "إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين .. " (٦). ٣ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾. والمراد هنا: عقل رشد- وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل. القرآن

стр. 3502

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩] التفسير: قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب: ما تَجِدُونه مطعنًا أو عيبًا هو محمدة لنا: من إيماننا بالله وكتبه المنزلة علينا، وعلى من كان قبلنا، وإيماننا بأن أكثركم خارجون عن الطريق المستقيم! سبب النزول: قال ابن عباس-﵁: " أتى رسول الله ﷺ نفر من اليهود، فيهم: أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، قال: "أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به؛ فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ " (١). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: " قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب" (٢). قال مكي: أي: " قل يا محمد لليهود والنصارى" (٣). قال ابن كثير: أي: " قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب" (٤). قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: " هل تعيبون علينا من شىء وتكرهوننا لأجله، إلا إيماننا بالله وكتبه المنزلة علينا، وعلى من كان قبلنا" (٥). قال مكي: " هل [تكرهون] منا وتجدون علينا شيئاً من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ " (٦). قال الطبري: أي: " هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزئون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبًا، إلا أن آمنا بالله، يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا" (٧). قال السعدي: " أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين؟ " (٨). قال البغوي: " أي: إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق" (٩).

стр. 3503

قال ابن كثير: أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا كما في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه: «ما ينقم ابن جَميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله» (١) " (٢). قال الماتريدي: " أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا؟ ! " (٣). قال الزجاج: " معنى نقمت بالغت في كراهة الشيء" (٤). قال الراغب: " يقال: نقم ونقم عليه نقمة إذا أنكر ما فعله وسخط عليه ولتضمين النقمة السخط والإنكار استعمل في كل واحد منهما على الانفراد" (٥). والعرب تقول: نقَمتُ عليك كذا أنقِم وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز والعراق وغيرهم ونقِمت أنقِم، لغتان ولا نعلم قارئًا قرأ بهما بمعنى وجدت وكرهت، ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات (٦): مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلا ... أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا (٧) وقرأ الحسن، والأعمش: «تنقمون» بفتح القاف (٨). قال الزمخشري: " والفصيح كسرها" (٩). وقرأ الجمهور: «أنزل» بضم الهمزة، وكذلك في الثاني، وقرأ أبو نهيك: «أنزل» بفتح الهمزة والزاي فيهما (١٠). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: " وإيماننا بأن أكثركم خارجون عن الطريق المستقيم" (١١). قال مقاتل: " يعني: عصاة" (١٢). قال مكي: "أي: وهل تنقمون منا إلا أن أكثركم فاسقون؟ " (١٣). قال ابن ابي زمنين: " أي: بفسقكم نقمتم ذلك علينا" (١٤). قال ابن كثير: " أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم" (١٥).

стр. 3504

قال السمرقندي: " يعني: لم تؤمنوا لفسقكم، وعصيانكم" (١). قال السعدي: أي: " ومع هذا فأكثركم خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم -أيها الفاسقون- السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم" (٢). قال البغوي: " لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال" (٣). قال الماتريدي: " أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا؟ ! " (٤). قال الزجاج: " المعنى: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق لأنكم فسقتم، بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرياسة، وكسبكم بها الأموال" (٥). قال ابن عطية: " وهذه الآية من المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، ونظير هذا الغرض في الاستثناء قول النابغة (٦): ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب" (٧) أي: ليس فيهم عيب (٨). وفي عطف قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، وجوه (٩): أحدها: أن يعطف على: ﴿أن آمنا﴾، بمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه. والثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أى: واعتقاد أنكم فاسقون. والثالث: أن يعطف على المجرور، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون. والرابع: ويجوز أن تكون «الواو» بمعنى «مع»، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون. والخامس: ويجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان، لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات. قال الزمخشري: "ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا" (١٠). قال ابن عطية: " وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم معنى الألفاظ ... وقوله تعالى: ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾، هو عند أكثر المتأولين معطوف على قوله: أن آمنا فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه" (١١).

стр. 3505

و «الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقاً: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (١). وأما المقصود بـ «الفسق» اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي: أولا: - أن الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان. قاله ابن عطية (٢)، والطبري (٣)، والقرطبي (٤). وقد روي "عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري" (٥). قال الشوكاني: عن هذا التعريف: " وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض " (٦). والثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (٧). وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (٨). والثالث: - وقال البيضاوي: " الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة " (٩). والرابع: - وقال الألوسي: "الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة " (١٠). ومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١١) إذ يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: " والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيراً" (١٢). الفوائد: ١ - التقريع لأهل الكتاب والتنديد بباطلهم ومخازيهم، إذ أن القرآن الكريم قد شنع بأهل الكتاب ودحض شبهاتهم وأغاليطهم.

стр. 3506

٢ - أن شعور اليهود بفسقهم وبعد ضلالهم جعلهم يعملون على إضلال المسلمين. ٣ - أن لهذه الأمة قيراطان من الأجر؛ لإيمانهم بموسى وعيسى مع إيمانهم بمحمد ﷺ ؛ لأن التصديقَ عَمَلٌ، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. ٤ - أن العُرف في الفاسق في زمان النبي ﷺ غيرُ العرف في وقتنا مثل قوله تعالى في الكفار: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقوله تعالى في المشركين: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] ومثل قوله في اليهود: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] وقوله فيهم: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١]. فَهذِهِ النصوص -كما ترى- دالةٌ على أن في الكفار المصرحين من لا يستحِقُّ أن يُسَمَّى فاسقاً، فدلَّ ذلِكَ على أن ثَمَّ عُرفاً في اسم الفاسق غيرَ هذا العرفِ الذي اصطلح عليه المتأخرون، وغير الحقيقة اللغوية. ٥ - ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق عند أهل السنة، ومخالفيهم، وفيما يأتي بعض التنبيهات على ذلك: أولا: - إن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته، إلا أنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، فيمكن اجتماع الإيمان مع هذا الفسق الأصغر ـ كما هو مقرر عند أهل السنة ـ، ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته (١)، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة ـ وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها ـ فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة (٢). يقول ابن تيمية ـ مقررًا هذه المسألة ـ " ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٩] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]. ثانيا: - ولا يسلبون الفاسق الملّي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ثالثا: - وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذات شرف يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٣)، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطي الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم (٤). فارتكاب الكبير يعدّ فسقاً ينافي كمال الإيمان الواجب، وهذا الفسق يمكن اجتماعه مع الإيمان، وصاحبه متعرّض للوعيد، فأهل السنة يقولون بجواز التبعض في الاسم والحكم، بمعنى

стр. 3507

أن يكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه (١). وإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين: أولا: الأشاعرة: فأما الأشاعرة: فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا، كما قال أحدهم – وهو الآمدي -: " فعلى هذا مهما كان مصدقاً بالجنان وإن أخلّ بشيء من الأركان، فهو مؤمن حقّاً، وانتفاء الكفر عنه واجب، وإن صح تسميته فاسقاً بالنسبة إلى ما أخلّ به من الطاعات، وارتكب من المنهيّات " (٢). وسمى الإيجي مرتكب الكبيرة مؤمناً بإطلاق (٣). وبجدر القول بأن مرتكب الكبيرة ـ عند أهل السنة ـ لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر ـ مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان. وقد عاب إبراهيم النخعي – ﵀ – تلك المقولة، فقال: " ما أعلم قوماً أحمق في رأيهم من هذه المرجئة؛ لأنهم يقولون: مؤمن ضالّ، ومؤمن فاسق" (٤). وعلى كلٍّ فإن مقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان. ثانيا: المعتزلة: وأما المعتزلة: فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم (٥). يقول عبد الجبار الهمداني المعتزلي: " صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقاً، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهو المنزلة بين المنزليتن " (٦). ولما كان مرتكب الكبيرة ـ عندهم ـ فاسقًا غير مؤمن، لذا حكموا عليه بالخلود في النار. وكما قال عبد الجبار المعتزلي: " والذي يدل على أن الفاسق يُخلّد في النار، ويُعذّب فيها أبداً ما ذكرناه من عمومات الوعيد، فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يُخلّد " (٧). ثالثا: الزيدية: وقد تبع الزيديةُ المعتزلة في مفهوم الفسق، ووافقهوهم على ما سبق ذكره (٨). القرآن ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠] التفسير:

стр. 3508

قل -أيها النبي- للمؤمنين: هل أخبركم بمن يُجازَى يوم القيامة جزاءً أشدَّ مِن جزاء هؤلاء الفاسقين؟ إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته وغَضِب عليهم، ومَسَخَ خَلْقهم، فجعل منهم القردة والخنازير، بعصيانهم وافترائهم وتكبرهم، كما كان منهم عُبَّاد الطاغوت [وهو كل ما عُبِد من دون الله وهو راضٍ]، لقد ساء مكانهم في الآخرة، وضلَّ سَعْيُهم في الدنيا عن الطريق الصحيح. سبب النزول: قال مقاتل: " قالت اليهود للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أهل هذه الأديان أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم. فأنزل الله- : ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك﴾، يعنى: المؤمنين ﴿مثوبة عند الله﴾، يعني: ثوابا من عند الله، قالت اليهود: من هم يا محمد؟ فقال النبي- ﷺ : ﴿من لعنه الله﴾ ... " (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: " قل -أيها النبي- للمؤمنين: هل أخبركم بمن يُجازَى يوم القيامة جزاءً أشدَّ مِن جزاء هؤلاء الفاسقين؟ " (٢). قال ابن كثير: " أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ " (٣). قال النحاس: أي: " قل هل أنبئكم بشر من ذلك أي بشر من نقمتكم علينا، وقيل: من شر ما تريدون لنا من المكروه" (٤). قال الطبري: " قل، يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار هل أنبئكم، يا معشر أهل الكتاب، بشر من ثواب ما تنقِمون منا من إيماننا بالله وما أنزل إلينا من كتاب الله، وما أنزل من قبلنا من كتبه؟ " (٥). قال الراغب: " ذكر أن إيماننا بالله وما أنزل إلينا إن كان شرا عندكم، فإني أنبئكم بما هو شر عاقبة عند الله منه" (٦). قال السدي: " ﴿مثوبة عند الله﴾، يقول: ثوابا عند الله" (٧). قال ابن زيد: " المثوبة، الثواب، مثوبة الخير، ومثوبة الشر، وقرأ: ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ [سورة الكهف: ٤٤] " (٨). وفي قوله تعالى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٦٠]، قولان: أحدهما: بشر من المؤمنين، قاله ابن عباس (٩)، ومقاتل (١٠). والثاني: بشر مما نقمتم من إيماننا، قاله الزجاج (١١). قال ابن عطية: " ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم: هل أنبئكم، هم اليهود والكفار المتخذون ديننا هزؤا ولعبا، قال ذلك الطبري (١٢) وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئا، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين، أي قل يا محمد للمؤمنين هل

стр. 3509

أنبئكم بشر من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله ... وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل والإشارة بـ ﴿ذلك﴾ إلى إيمان المؤمنين وجميع حالهم" (١). والمثوبة مختصة بالإحسان، وضعت موضع العقوبة على سبيل التهكم، على طريقة قول الشاعر (٢): وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضرْبٌ وَجِيعُ أي: ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية، ومنه ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤] (٣). قرأ الجمهور: ﴿أنبئكم﴾ بفتح النون وشد الباء، وقرأ ابن وثاب والنخعي «أنبئكم» بسكون النون وتخفيف الباء من أنبأ (٤). وقرأ أكثر الناس: «مثوبة» بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ ابن بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران «مثوبة» بسكون الثاء وفتح الواو (٥). قوله تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: " إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته وغَضِب عليهم" (٦). قال الطبري: أي: " من أبعده الله وأسْحَقه من رحمته وغضب عليه" (٧). قال ابن كثير: " أي: [من] أبعده من رحمته، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: غضبًا لا يرضي بعده أبدًا" (٨). قال الراغب: أي: " وهو ممن أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم" (٩). قال مقاتل: " وهم اليهود، فإن لم يقتل أقر بالخراج وغضب عليه" (١٠). قال الماتريدي: " الملعون هو المطرود عن الخيرات" (١١). قال أبو صالح عن ابن عباس: "من لعنه الله بالجزية، وغضب عليه بعبادة العجل، فهم شر مثوبة عند الله" (١٢). قال الزمخشري: " فإن قلت: المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت: كان اليهود- لعنوا- يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: " ومَسَخَ خَلْقهم، فجعل منهم القردة والخنازير" (١٤).

стр. 3510

قال الراغب: أي: " ومسخهم القردة والخنازير" (١). قال مجاهد: ": مسخت من يهود" (٢). قال مقاتل: " القردة في شأن الحيتان (٣)، والخنازير (٤) في شأن المائدة" (٥). قال الزمخشري: " قيل: وجعل منهم القردة أصحاب السبت، والخنازير كفار أهل مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير، وروى أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رءوسهم" (٦). قال ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله تعالى؟ فقال: إن الله لم يهلك قومًا - أو قال: لم يمسخ قومًا - فيجعل لهم نَسْلا ولا عَقِبًا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك" (٧). وفي رواية أخرى عن ابن مسعود أيضا: " سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: "لا إن الله لم يلعن قومًا فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم مثلهم" (٨). وفي سبب مسخهم خنازير، فروي عن عُمرَ بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، قال: "حدِّثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها مَلِك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت تدعو إلى الله، حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة. فخرجت، وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعًا، وانفلتت من بينهم. قال: ودعت إلى الله حتى تجمَّع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم، وأصيبوا جميعًا وانفلتت من بينهم. ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت، فأصيبوا جميعًا، وانفلتت من بينهم، فرجعت وقد أيست، وهي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدين وليٌّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت محزونة، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازيرَ، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يديْ تلك المرأة" (٩). وروي عن ابن عباس: " قال رسول الله ﷺ : "الحيات مَسْخ الجن، كما مُسِخَتِ القردة والخنازير" (١٠). قال ابن كثير: "هذا حديث غريب جدا" (١١).

стр. 3511

قال ابن عطية: "وقوله تعالى: ﴿وجعل﴾ هي بمعنى صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى «خلق» (١)، وهذه منه ﵀ نزعة اعتزالية، لأن قوله: ﴿وعبد الطاغوت﴾ تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحدا عابد الطاغوت" (٢). قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: " وجعل منهم عُبَّاد الطاغوت" (٣). قال الطبري: أي: " ومن عبد الطاغوت" (٤). قال البغوي: " وتصديقها قراءة ابن مسعود: «ومن عبدوا الطاغوت» " (٥). قال ابن كثير: أي: "وجعل منهم من عبد الطاغوت" (٦). قال مقاتل: فيها تقديم وعبد الطاغوت، يعني: ومن عبد الطاغوت وهو الشيطان" (٧). قال الزجاج: أي: " أطاع الشيطان فيما سول له وأغراه به" (٨). قال أبو غسان قال: "قلت لابن أبي ليلى: ﴿وعبد الطاغوت﴾، فقال: فخدم الطاغوت" (٩). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه. والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] " (١٠). وقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى «الطاغوت» على أقوال: أحدها: أنه الشيطان (١١)، وهو قول عمر بن الخطاب (١٢)، ومجاهد (١٣)، والشعبي (١٤)، والضحاك (١٥)، وقتادة (١٦)، والسدي (١٧)، وعكرمة (١٨)، واختاره الزجاج (١٩)، وابن كثير (٢٠)، والقاسمي (٢١) وآخرون.

стр. 3512

والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية (١)، ومحمد ابن سيرين (٢) والشعبي (٣). والثالث: الكاهن، وهو قول جابر (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والرفيع (٦)، وابن جريج (٧). والرابع: الأصنام والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه تعالى (٨). روي ذلك عن مالك (٩). والخامس: مَرَدَة الإنس والجن (١٠). والسادس: وقيل: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً، روي ذلك عن الإمام مالك (١١)، وابن القيم (١٢)، وهذا قول أبي جعفر الطبري (١٣). والسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ذكره الماوردي (١٤). والراجح-والله أعلم- أن الطاغوت عبارة عن كل مُعتدٍ وكل معبود من دون الله (١٥)، وهو اختيار الإمام الطبري وأبي حيان (١٦) وغيرهم. وبه قال أكثر أهل العلم. واختلفوا في أصل كلمة ﴿الطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، على وجهين (١٧):

стр. 3513

أحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب، ومن ثم اختلف هؤلاء في اشتقاقه على أقوال (١): أ- قال الشوكاني: "الطاغوت: فعلوت، من طغى يطغي ويطغو، إذا جاوز الحد" (٢). ب-قال سيبويه: "هو اسم مذكَّر" (٣) مفرد، أي اسم جنس، يشمل القليل والكثير. ج- وقال أبو على الفارسي: "إنه مصدر: كرهبوت، وجبروت، يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام" (٤)، كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفًا؛ لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت. واختار هذا القول النحاس (٥). والثاني: أن "أصل الطاغوت في اللغة: مأخوذ من الطغيان، يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ، من اللؤلؤ" (٦). والثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر (٧). قرأ حمزة وحده: «وعبد الطاغوت»، بضم الباء من «عبد»، وكسر التاء من «الطاغوت»، وقرأ الباقون: ﴿وعبد الطاغوت﴾ منصوبا كله (٨). وقرأ بُريدة الأسلمي: «وعابد الطاغوت» (٩). وقرأ ابن مسعود: «وعبدوا» (١٠)، ردا إلى المعنى. قال الراغب: " وهو أجود" (١١). وقرأ أبو جعفر النحوي: «وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ» (١٢)، قال الطبري: " وهذه قراءة لا معنى لها، لأن الله تعالى ذكره، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت. وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية، ولا من جنس ما ختمها به، فيكون له وجه يوجَّه إليه في الصحة" (١٣). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: "لقد ساء مكانهم في الآخرة" (١٤). قال مقاتل: "في الدنيا، يعني: شر منزلة" (١٥). قال ابن كثير: " أي: مما تظنون بنا" (١٦).

стр. 3514

قال الزمخشري: " أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة ليست في قولك: أولئك شر وأضل، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز" (١). قال ابن الجوزي: " أي: هؤلاء الذين وصفناهم شر مكانا من المؤمنين، ولا شر في مكان المؤمنين، ولكن الكلام مبني على كلام الخصم، حين قالوا للمؤمنين: لا نعرف شرا منكم، فقيل: من كان بهذه الصفة، فهو شر منهم" (٢). قال ابن عطية: " و «مكان»، يحتمل أن يريد في الآخرة، فالمكان على وجهه أي المحل إذ محلهم جهنم، وأن يريد في الدنيا فهي استعارة للمكانة والحالة" (٣). قال النحاس: " يقال: ليس في المؤمنين شر فكيف جاء: ﴿أولئك شر مكانا﴾؟ ففي هذا أجوبة: حكى الكوفيون: العسل أحلى من الخل، وإن كان مردودا، وقال أبو إسحاق: المعنى: «أولئك شر مكانا على قولكم» (٤). ومن أحسن ما قيل فيه: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر، وقيل: أولئك الذين نسيهم الله شر من الذين نقموا عليكم، وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شر من الذين لعنهم الله" (٥). قال ابن عباس: "مكانهم سقر، ولا مكان أشد شرا منه" (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: " وضلَّ سَعْيُهم في الدنيا عن الطريق الصحيح" (٧). قال البغوي: " أي: عن طريق الحق" (٨). قال مقاتل: " يعني: وأخطأ عن قصد الطريق من المؤمنين" (٩). قال الماتريدي: " أي: أخطأ طريقا ودينا" (١٠). قال ابن كثير: " وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] " (١١). قال ابن عطية: " و «سواء السبيل»: وسطه، ومنه قول العرب: قمت حتى انقطع سوائي، ومنه قوله تعالى: ﴿في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥]، وخط الاستقامة في السبل إنما هو متمكن غاية التمكن في الأوساط فلذلك خص السواء بالذكر، ومن لفظ السواء قيل خط الاستواء" (١٢). قال أهل العلم: "ويوجه التفضيل بـ ﴿شر﴾ و ﴿أضل﴾ على أن الاشتراك في الشر والضلال هو في معتقد اليهود فأما في الحقيقة فلا شر ولا ضلال عند المؤمنين، ولا شركة لهم في ذلك مع اليهود والكفار، ويكون على هذا الاحتمال قوله: من لعنه الله الآية يراد به جميع بني إسرائيل الأسلاف والأخلاف، لأن الخلف يذم ويعير بمذمات السلف إذا كان الخلف غير مراجع ولا ذام لما كان عليه سلفه، فهو في حكمه" (١٣).

стр. 3515

الفوائد: ١ - تقرير وجود مسخ في اليهود قردة وخنازير. ٢ - اليهود شر الناس مكاناً يوم القيامة, وأضل الناس في هذه الدنيا. ٣ - في الآية دليل على ذكر عيوب المردود عليه، وذلك في قوله: ﴿من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾ ففيه ذكر معائب المردود عليه حتى يختزى ويفحم في الخصومة. ٤ - الآية تشير إلى اليهود وإلى كل من سلك سبيلهم، كما هو معروف في غالب ألفاظ القرآن التي تأتي في وصف أعمال أحد من الناس أو تأتي لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثل هذه الآية لا شك أنها كانت تحكي أخلاق اليهود وأوصافهم، لكن فيها أيضاً إشارة إلى كل من سلك سبيلهم. ٥ - أن الله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى، إذ وصف الله تعالى نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته، فقال : ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾. ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ الطحاوي بقوله: " إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحد من البرية" (١). والأحاديث المشار إليها تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك: - ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذاراً للناس عندما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة منهم، وهم: آدم أوب البشر، ونوح، وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، يخبر النبي ﵊ أن كل واحد منهم يقول: " إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري" (٢) إلى آخر الحديث الطويل. والحديث يدل دلالة واضحة على أن إثبات صفة الغضب من دين الرسل جميعاً، لأن الشرائع كلها متفقة في الأصول بيد أن الله جعل لكل واحد منهم شرعة ومنهاجاً. ومحل الشاهد من الحديث: " إن ربي غضب اليوم "واللفظ صريح في أنه قد يحدث في ذلك اليوم غضب لم يحدث مثله قبل ذلك، كما لا يحدث بعده مثله. - وقوله ﵊: "من لم يسأل الله يغضب عليه " (٣)، وقد نظم بعضهم هذا المعنى قائلاً (٤): اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ - وقوله ﵊: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٥).

стр. 3516

- وقوله ﵊: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ ! ! فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً" (١). يستدل أهل السنة بهذا الحديث على أن يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخطُ على من شاء، كم يحل سخطه ثم يرضى ولكن هؤلاء أحل عليهم رضواناً لا يعقبه سخط (٢). وما أصدق ما قاله الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: "ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام" (٣). استناداً إلى هذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة التي آثرنا عدم ذكرها رغبة في الإيجاز، يؤمن السلف وجمهور الأئمة بهذه الصفة ويبقونها على ظاهرها، الظاهر الذي يليق بالله إيماناً منهم بأن النصوص لا تدل بظاهرها إلا على ما يليق بالله - خلاف ما يزعمه الزاعمون- أي أنهم لا يؤولونه كما أوله غيرهم. يبد أن إثباتهم لا يصل بهم إلى حد التشبيه والتمثيل. وأما الخلف فلم يوفقوا في هذه الصفة كما لم يحالفهم التوفيق أيضاً في جميع الصفات على اختلاف مشاربهم، فزعموا: أنه ما ثمةَ غضب. وإنما المراد بالغضب المذكور في النصوص لازم الغضب وهو إرادة الانتقام. وعللوا لما ذهبوا إليه بقولهم: إن أصل الغضب غليان دم القلب عند إرادة الانتقام، وذلك مستحيل على الله تعالى، أو بعبارة أخرى: إن حقيقة الغضب الانفعال والتغير من حال إلى حال، وهو أمر لا يليق بالله، إلى آخر تلك التعليلات والأعذار غير المقبولة لدى غيرهم، من أهل السنة والجماعة. ولدفع هذه الشبهة التي نسجوها من خيوط العنكبوت نقول: أن لوازم صفات المخلوقين التي ذكروها لا تلزم صفات الخالق، إذ لا مناسبة بين صفات الخالق وصفات المخلوق حتى تقاس صفاته سبحانه على صفاتهم، وكما أنهم أثبتوا ذات البارئ دون تفكير في لوازم ذوات المخلوقين، يلزمهم إثبات صفاته ذاتية أو فعلية دون تفكير في لوازم صافت المخلوقين، وهذا الإلزام يلحق أو يلزم جميع النفاة المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم (٤). القرآن

стр. 3517

﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ [المائدة: ٦١] التفسير: وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- منافقو اليهود، قالوا: آمنَّا، وهم مقيمون على كفرهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم، ثم خرجوا وهم مصرُّون عليه، والله أعلم بسرائرهم، وإن أظهروا خلاف ذلك. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [المائدة: ٦١]، أي: " وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- منافقو اليهود، قالوا: آمنَّا" (١). قال السعدي: أي: " نفاقا ومكرا" (٢). قال الطبري: أي: "وإذا جاءكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا لكم: "آمنا": أي صدّقنا بما جاء به نبيكم محمد ﷺ واتبعناه على دينه" (٣). قال الكلبي: "هؤلاء منافقو أهل الكتاب، كانوا إذا دخلوا على رسول الله، قالوا: آمنا" (٤). قال البغوي: " يعني: هؤلاء المنافقين، وقيل (٥): هم الذين قالوا: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]، دخلوا على النبي ﷺ وقالوا: آمنا بك وصدقناك فيما قلت، وهم يسرون الكفر" (٦). قال الشيخ محمد رشيد رضا: " الكلام في منافقي اليهود الذين كانوا في المدينة وجوارها ; أي ذلك شأنهم في حال البعد عنكم، وإذا جاءوكم قالوا للرسول ولكم: إننا آمنا بالرسول، وما أنزل عليه" (٧). قال ابن كثير: " وهذه صفة المنافقين منهم، أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر" (٨). قوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، أي: "وهم مقيمون على كفرهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم، ثم خرجوا وهم مصرُّون عليه" (٩). قال السمعاني والبغوي: " يعني: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين" (١٠). قال السعدي: أي: " فمدخلهم ومخرجهم بالكفر -وهم يزعمون أنهم مؤمنون، فهل أشر من هؤلاء وأقبح حالا منهم؟ " (١١). قال الواحدي: " أي: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كلتي حالتيهم" (١٢). قال عبدالقاهر الجرجاني: أي: " دخولهم بالكفر وخروجهم به عبارة عن دوام حالهم به، أي لا ينفكون عن الكفر داخلين لا خارجين" (١٣)، " وذلك أن قولهم ﴿آمنا﴾: دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به؛ فالموضع موضع تكذيب" (١٤). قال مكي: أي: " لم يحولوا عما يعتقدون، وإنما كذبوا بألسنتهم وقالوا ما لا يعتقدون" (١٥).

стр. 3518

قال الراغب: " أي: يظهرون الإيمان ويدخلون كافرين، ويخرجون كافرين، تنبيها أنهم كاذبون فيما يظرون من الإيمان" (١). قال الطبري: أي: " وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم ويُضمرونه في صدورهم، وهم يبدون كذبًا التصديق لكم بألسنتهم، وقد خرجوا بالكفر من عندكم كما دخلوا به عليكم، لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على الله، جهلا منهم بالله" (٢). قال الشيخ محمد رشيد رضا: " أي: والحال الواقعة منهم أنهم دخلوا عليكم متلبسين بالكفر، وهم أنفسهم قد خرجوا متلبسين به ; فحالهم عند خروجهم هي حالهم عند دخولهم، لم يتحولوا عن كفرهم بالرسول، وما نزل من الحق، ولكنهم يخادعونكم، كما قال في آية البقرة: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ [البقرة: ٧٦] الآية .. وقوله: ﴿وهم قد خرجوا به﴾، هي تأكيد كون حالهم في وقت الخروج كحالهم في وقت الدخول، وإنما احتاج هذا للتأكيد لمجيئه على خلاف الأصل ; لأن من كان يجالس الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ يسمع من العلم والحكمة ويرى من الفضائل ما يكبر في صدره، ويؤثر في قلبه، حتى إذا كان سيئ الظن رجع عن سوء ظنه، وأما سيئ القصد فلا علاج له، وقد كان يجيئه الرجل يريد قتله، فإذا رآه وسمع كلامه آمن به وأحبه، وهذا هو المعقول الذي أيدته التجربة، وإنما شذ هؤلاء وأمثالهم ; لأن سوء نيتهم وفساد طويتهم قد صرفا قلوبهم عن التذكر والاعتبار، ووجها كل قواهم إلى الكيد والخداع والتجسس وما يراد به، فلم يبق لهم من الاستعداد ما يعقلون به تلك الآيات، ويفهمون مغزى الحكم والآداب، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] " (٣). قال ابن كثير: " أي: عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾، أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾، فخصهم به دون غيرهم" (٤). قال ابن عباس: " وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق، وتُسرُّ قلوبهم الكفر، فقال: ﴿دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾ " (٥). وعن ابن عباس ايضا: " إنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق وشربت قلوبهم الكفر" (٦). قال ابن زيد: " ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، [سورة آل عمران: ٧٢].، فإذا رجعوا إلى كفارهم من أهل الكتاب وشياطينهم، رجعوا بكفرهم. وهؤلاء أهل الكتاب من يهود" (٧). قال السدي: " هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهود. يقول: دخلوا كفارًا، وخرجوا كفارًا" (٨). قال قتادة: " أناسٌ من اليهود، كانوا يدخلون على النبيّ ﷺ فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم والكفر. وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله ﷺ " (٩).

стр. 3519

قال الكلبي: " وقد دخلوا حين دخلوا على النبي كفارا، وخرجوا من عنده وهم كفار ولم ينتفعوا بما سمعوا منه بشيء؛ وهم من اليهود" (١). قال أبو حيان: " الظاهر أن الدخول والخروج حقيقة. وقيل: هما استعارة، والمعنى: تقلبوا في الكفر أي دخلوا في أحوالهم مضمرين الكفر وخرجوا به إلى أحوال أخر مضمرين له، وهذا هو التقلب. والحقيقة في الدخول انفصال بالبدن من خارج مكان إلى داخله، وفي الخروج انفصال بالبدن من داخله إلى خارجه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١]، أي: " والله أعلم بسرائرهم، وإن أظهروا خلاف ذلك" (٣). قال محمد بن إسحاق: " أي: ما يخفون" (٤). قال مكي: أي: من كفرهم" (٥). قال ابن أبي زمنين: أي: " كانوا يكتمون دين اليهودية" (٦). قال النسفي: أي: " من النفاق" (٧). قال الواحدي: " أي: من نفاقهم وإبطانهم الكفر" (٨). قال الطبري: "يقول: والله أعلم بما كانوا- عند قولهم لكم بألسنتهم: «آمنا بالله وبمحمد وصدّقنا بما جاء به» - يكتمون منهم، بما يضمرونه من الكفر، بأنفسهم" (٩). قال ابن كثير: " أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليهم ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء" (١٠). قال السعدي: أي: " فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها" (١١). قال الشيخ محمد رشيد رضا: أي: "عند دخولهم من قصد تسقط الأخبار والتوسل إليه بالنفاق والخداع، وعند خروجهم من الكيد والمكر والكذب الذي يلقونه إلى البعداء من قومهم" (١٢). الفوائد: ١ - وجود منافقين من اليهود على عهد الرسول ﷺ بالمدينة. ٢ - من صفات المنافقين: دعواهم الإيمان عند المؤمنين, فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به، وهذه حال كثير من الدعاة إلى الباطل, إذ تجده ينخر في الإسلام مع ادعائه الحرص عليه وعلى أهله. ٣ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿يكتمون﴾، لأن الكاتم مريد للكتم. القرآن ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢]

стр. 3520

التفسير: وترى -أيها الرسول- كثيرًا من اليهود يبادرون إلى المعاصي من قول الكذب والزور، والاعتداء على أحكام الله، وأكْل أموال الناس بالباطل، لقد ساء عملهم واعتداؤهم. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٦٢]، أي: " وترى -أيها الرسول- كثيرًا من اليهود يبادرون إلى المعاصي من قول الكذب والزور، والاعتداء على أحكام الله" (١). قال القرطبي: " أي: يعني: من اليهود يسابقون في المعاصي والظلم" (٢). قال البيضاوي: أي: " أي: من اليهود أو من المنافقين. يسارعون في الحرام والظلم، أو مجاوزة الحد في المعاصي" (٣). قال الواحدي: أي: " يجترئون على الخطأ والظُّلم ويبادرون إليه" (٤). قال الماتريدي: أي: " من ملوكهم وعوامهم، ﴿يسارعون﴾ في قول الكفر والعدوان" (٥). قال ابن كثير: " أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس" (٦). قال السعدي: " أي: يحرصون، ويبادرون المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين" (٧). قال مقاتل: " ﴿الإثم﴾، يعني: المعصية، و ﴿العدوان﴾، يعني: الظلم، وهو الشرك" (٨). قال قتادة: " وكان هذا في حُكّام اليهود بين أيديكم" (٩). قال الزمخشري: " والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة" (١٠). قال الشوكاني: " الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له، والضمير في منهم عائد إلى المنافقين أو اليهود أو إلى الطائفتين جميعا ويسارعون في الإثم في محل نصب على الحال على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية، والمسارعة: المبادرة" (١١). وفي معنى: ﴿الإثم﴾ [المائدة: ٦٢]، أقوال: أحدها: أنه المعاصي، قاله ابن عباس (١٢)، واختاره السمرقندي (١٣). والثاني: الكفر، قاله السدي (١٤). والثالث: أنه الكذب، بدليل قوله تعالى: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: ٦٣]. قاله الزمخشري (١٥). والرابع: أنه كتمان أمر محمد، وما كتموا من التوراة. ذكره بعض المفسرين (١٦).

стр. 3521

قال الطبري: " وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي، وإن كان قولا غير مدفوع جوازُ صحته، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام: أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله، لا يتحاشون من شيء منها، لا من كفر ولا من غيره. لأن الله تعالى ذكره عمَّ في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان، من غير أن يخصّ بذلك إثمًا دون إثم" (١). قال السمرقندي، والزمخشري، وابن الجوزي: " ﴿العدوان﴾، فهو الظلم" (٢). قال الطبري: " العدوان: فإنه مجاوزة الحدّ الذي حدَّه الله لهم في كل ما حدَّه لهم" (٣). قال الماتريدي: "و ﴿العدوان﴾: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم" (٤). قال الشوكاني: " و ﴿العدوان﴾: الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في الذنوب" (٥). وقيل: "والعدوان: ما زادوا في التوراة". ذكره بعض المفسرين (٦). وقرأ أبو حيوة: «والعدوان»، بكسر العين (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٢]، أي: "وأكْل أموال الناس بالباطل" (٨). قال الماتريدي: أي: " ويسارعون -أيضا- في أكل السحت" (٩). قال ابن كثير: " أي: وأكلهم أموالهم بالباطل" (١٠). قال الشوكاني: " السحت: الحرام" (١١). قال الصابوني: " أي: وأكلهم الحرام" (١٢). قال مقاتل: " يعني كعب بن الأشرف، لأنه كان يرشي في الحكم ويقضي بالجور" (١٣). قال السعدي: " فلم يكتف بمجرد الإخبار أنهم يفعلون ذلك، حتى أخبر أنهم يسارعون فيه، وهذا يدل على خبثهم وشرهم، وأن أنفسهم مجبولة على حب المعاصي والظلم. هذا وهم يدعون لأنفسهم المقامات العالية" (١٤). وفي معنى «السحت»، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الرشوة فى الحكم، وهو قول ابن عباس (١٥)، ومجاهد (١٦)، والضحاك (١٧)، وسعيد بن جبير (١٨)، والحسن (١٩)، وإبراهيم (٢٠)، وعكرمة (٢١)، وابن زيد (٢٢)، واختاره الطبري (٢٣)، والسمرقندي (٢٤)، والبغوي (٢٥).

стр. 3522

والثاني: أنه الرشوة في الدين. قاله عبدالله (١). والثالث: أنه الربا. ذكره بعض المفسرين (٢). قال الواحدي: هو" ما كانوا يأخذونه من الرَّشا على كتمان الحقِّ" (٣). قال ابن عطية: " السحت: هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث" (٤). قال الزمخشري: " السحت: كل ما لا يحل كسبه، وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام" (٥). وروي عن النبي- ﷺ : " كُلُّ لحم أنبَته السُّحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم " (٦). وأصل «السحت»: الاستئصال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]، أي: يستأصلكم، وقال الفرزدق (٧): وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع ... مِنَ الْمَالِ إلا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ فسمي سحتاً لأنه يسحت الدين والمروءة (٨). قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]، أي: " لقد ساء عملهم واعتداؤهم" (٩). قال البيضاوي والنسفي: أي: " لبئس شيئا عملوه" (١٠). قال الطبري: " يقول: أقسم لَبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، في مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت" (١١). قال السمرقندي: " يعني: لبئس ما كانوا يتزودون من دنياهم لآخرتهم" (١٢). قال ابن كثير: " أي: لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء اعتداؤهم" (١٣). قال السعدي: " وهذا في غاية الذم لهم والقدح فيهم" (١٤).

стр. 3523

قال الشيخ محمد رشيد رضا: " تقبيح للعمل الذي كانوا يعملونه في استغراقهم في المعاصي المفسدة لأخلاقهم، وللأمة التي يعيشون فيها إن لم تنههم وتزجرهم على أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يكن يقوم به أحد منهم، لا العلماء ولا العباد ; إذ كان الفساد قد عم الجميع" (١). قال ابن زيد: " هؤلاء اليهود ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ (٣)، إلى قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٤)، قال: ﴿يصنعون﴾ و ﴿يعملون﴾ واحد. قال: لهؤلاء حين لم ينهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا، قال: وذلك الإدهان (٥) " (٦). الفوائد: ١ - من اوصاف المنافقين: المسارعة في الإثم والعدوان، وأكل السحت. ٢ - انحراف بني إسرائيل وكفرهم وتحريفهم لكلام الله. القرآن ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣] التفسير: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان أئمتُهم وعلماؤهم، عن قول الكذب والزور، وأكل أموال الناس بالباطل، لقد ساء صنيعهم حين تركوا النهي عن المنكر. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: " أي هلاّ يزجرهم علماؤهم وأحبارهم" (٧). قال الضحاك: " فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم" (٨). قال الزجاج: " وهم علماؤهم ورؤساؤهم، و «الحبر»: العالم، والحبر المداد بالكسر، فأعلم الله أن رؤساءهم وسفلتهم مشتركون في الكفر" (٩). قال السعدي: " أي: هلا ينهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس، الذين من الله عليهم بالعلم والحكمة -عن المعاصي التي تصدر منهم، ليزول ما عندهم من الجهل، وتقوم حجة الله عليهم، فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبونهم في الخير ويرهبونهم من الشر" (١٠). قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: " هؤلاء حين لم ينهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا وذلك الأمر كان" (١١). عن يحيى بن يعمر قال: "خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما هلك من هلك قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم يمنعهم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر

стр. 3524

قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا" (١). وقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى قوله «الربانيين»، على وجوه: أحدها: فقهاء. قاله مجاهد (٢). والثاني: حكماء علماء. قاله أبو رزين (٣). والثالث: فقهاء علماء , وهو قول ابن عباس (٤)، الحسن (٥)، ومجاهد- في رواية أخرى- (٦)، والضحاك (٧)، وقتادة (٨)، وسعيد بن جبير -في رواية عنه- (٩)، وعطاء الخراساني (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، وعطية (١٢)، ويحيى بن عقيل (١٣). والرابع: الفقهاء المعلمون. قاله ابن عباس أيضا (١٤). والخامس: حكماء فقهاء. قاله ابن عباس-في رواية اخرى- (١٥)، والسدي (١٦). والسادس: حكماء أتقياء , وهو قول سعيد بن جبير (١٧). والسابع: حلماء علماء حكماء. وهذا مروي عن ابن عباس أيضا (١٨). والثامن: أن المراد: كونوا أهل عبادة، وأهل تقوى لله. قاله الحسن –في رواية أخرى- (١٩). والتاسع: أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس , وهذا قول ابن زيد (٢٠). والراجح-والله أعلم- أن «الربانيين»: جمع: «رباني»، وهو المنسوب إلى «الرَّبَّان»، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، ويربّها، ويقوم بها (٢١). وفي: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣]، وجوه: أحدها: أن الربانيين هم فوق الأحبار. قاله مجاهد (٢٢). والثاني: أن الربانيين علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود. وهذا قول الحسن (٢٣). والثالث: أن الكل في اليهود، لأن هذه الآيات فيهم (٢٤). وفي أصل «الرباني»، قولان:

стр. 3525

أحدها: أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره, يُصْلح أمورهم، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة (١): وَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إلَيْكَ رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ، رُبُوبُ فسمي العالم ربّانياً لأنه بالعلم يدبر الأمور، بتعليمه إياهم الخيرَ ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم. ولذلك قال مجاهد: "وهم فوق الأحبار" (٢)، لأن "الأحبارَ" هم العلماء، و"الرباني" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم (٣). والثاني: أنه مضاف إلى عالم الرب , وهو علم الدين , فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني (٤). وقرأ أبو واقد الليثي، وابن الجراح العقيلي: «الربيون»، كقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] (٥). قوله تعالى: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: " عن قول الكذب والزور" (٦). قال أبو هلال العسكري: " أي: الكذب بأن عزيرا ابن الله وأن يد الله مغلولة" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: "وأكل أموال الناس بالباطل" (٨). قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: " لقد ساء صنيعهم حين تركوا النهي عن المنكر" (٩). قال ابن أبي زمنين: " أي: حين يسارعون في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت، وبئس ما صنع الربانيون والأحبار حين لم ينهوهم عن ذلك" (١٠). قال ابن عباس: " يعني: الربانيين إنهم بئس ما كانوا يصنعون" (١١). قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: "يصنعون ويعملون واحد" (١٢). وقيل: "الصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة، يقال: سيف صنيع إذا جود عمله" (١٣). قال الزمخشري: " كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير، لأن كل عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالا من المواقع. ولعمري إن هذه الآية مما يقذ السامع، وينعى على العلماء توانيهم" (١٤).

стр. 3526

قال القرطبي: " وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله: ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾، ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (١). قال الثعلبي: " وهذه أشد آية على ما أتى النهي عن المنكر حيث أنزلهم منزلة من يرتكبه وجمع بينهم في التوبيخ" (٢). قال أبو السعود: " وهذا أبلغ مما قيل في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلغ درجة الصنع ما لم يتدرب فيه صاحبه ولم يحصل فيه مهارة تامة ولذلك ذم به خواصهم ولأن ترك الحسنة أقبح من مواقعة المعصية لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان جديرا بأبلغ ذم وفيه مما ينعى على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفي" (٣). وروي عن خالد بن دينار عن ابن عباس قال: "ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال: كذا قرأ" (٤). وكذا قال الضحاك: "ما في القرآن آية أخوف عندي منها: إنا لا ننهى" (٥). قال أبو حفص النعماني: " قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكلهم السحت: ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾ [المائدة: ٦٢]، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر: ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ والصنع أقوى من العمل؛ فإنما العمل يسمى صناعة، إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل [حرم] العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي المنكر ذنبا راسخا، والأمر في الحقيقة راسخا كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية، كان كالمريض الذي يعالج بأدويته، قل فيها الشفاء، ومثل هذا المرض صعب شديد لا يكاد يزول، وكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على أن مرض فقد الإيمان في غاية القوة والشدة" (٦). وروي عن رسول الله ﷺ : "ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب" (٧). وقرأ ابن عباس ﵄: «بئسما»، بغير لام قسم (٨). الفوائد: ١ - قبح سكوت العلماء على المنكر وإغضائهم على فاعليه، ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية أشد آية وأخطرها على العلماء. ٢ - أن العبرة ليست بوجود العلماء ووفرتهم دون أن يكون لهم أثر فعال في الإصلاح، فبنوا إسرائيل هلكوا وفيهم العلماء، فما لم يقم علماؤهم بما أوجب الله عليهم من النصح والإصلاح تسلط عليهم الشيطان. القرآن ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى

стр. 3527

يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤] التفسير: يُطلع الله نَبِيَّه على شيء من مآثم اليهود -وكان مما يُسرُّونه فيما بينهم- أنهم قالوا: يد الله محبوسة عن فعل الخيرات، بَخِلَ علينا بالرزق والتوسعة، وذلك حين لحقهم جَدْب وقحط. غُلَّتْ أيديهم، أي: حبست أيديهم هم عن فِعْلِ الخيرات، وطردهم الله من رحمته بسبب قولهم. وليس الأمر كما يفترونه على ربهم، بل يداه مبسوطتان لا حَجْرَ عليه، ولا مانع يمنعه من الإنفاق، فإنه الجواد الكريم، ينفق على مقتضى الحكمة وما فيه مصلحة العباد، لكنهم سوف يزدادون طغيانًا وكفرًا بسبب حقدهم وحسدهم; لأن الله قد اصطفاك بالرسالة. ويخبر تعالى أن طوائف اليهود سيظلون إلى يوم القيامة يعادي بعضهم بعضًا، وينفر بعضهم من بعض، كلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم، وفرَّق شملهم، ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما ينشأ عنها الفساد والاضطراب في الأرض. والله تعالى لا يحب المفسدين. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: عن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: "قال رجل من اليهود -يقال له: النباش بن قيس-: إن ربك بخيل لا ينفق؛ فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ " (١). [ضعيف] والثاني: قال عكرمة: " نزلت في فنحاص اليهودي" (٢). [ضعيف] والثالث: وقال مقاتل: " يعني: ابن صوريا وفنحاص اليهوديين وعازر بن أبي عازر" (٣). قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " يد الله محبوسة عن فعل الخيرات، بَخِلَ علينا بالرزق والتوسعة" (٤). قال ابن عباس: " أي: بخيلة" (٥). قال السعدي: " أي: عن الخير والإحسان والبر" (٦). قال الطبري: " يعنون: أن خير الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم ... وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه ﷺ قديمَ جهلهم واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم واحتجاجًا لنبيه محمد ﷺ بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيِّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن

стр. 3528

الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتابًا، ولاوَعَوْا من علوم أهل الكتاب علمًا، فأطلع الله على ذلك نبيه محمدًا ﷺ ، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم" (١). قال الزجاج: " أي: قالوا يده ممسكة عن الاتساع علينا، كما قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، تأويله لا تمسكها عن الإنفاق، قال بعضهم: معنى: ﴿يد الله مغلولة﴾: نعمته مقبوضة عنا، وهذا القول خطأ ينقضه: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، فيكون المعنى: بل نعمتاه مبسوطتان، نعم الله أكثر من أن تحصى" (٢). قال المراغي: " أي قال ذلك بعض منهم، ونسبه إلى الأمة بناء على التكافل العام بين أفرادها وكونها كالشخص الواحد، وأن الناس فى كل زمان يعزون إلى الأمة ما يسمعون من بعض أفرادها وقد جرت سنة القرآن أن ينسب إلى المتأخرين ما قاله أو فعله سلفهم منذ قرون، ولا عجب فى صدور هذا القول من بعض الأشخاص منهم، فإنا نرى من المسلمين فى عصرنا مثله فى الشكوى من الله والاعتراض عليه عند الضيق وفى إبان المصايب" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وجهان: أحدهما: أي مقبوضة عن العطاء على جهة البخل، قاله ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، وعكرمة (٦)، والضحاك (٧). والثاني: مقبوضة عن عذابهم، قاله الحسن (٨). قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " حبست أيديهم هم عن فِعْلِ الخيرات" (٩). قال الضحاك: " أمسكت أيديهم عن النفقة والخير" (١٠). قال السعدي: " وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم، فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، أقوال: أحدهما: أنه قال ذلك إلزاماً لهم البخل على مطابقة الكلام، والمعنى: أي جعلوا بخلاء. فهم أبخل قوم، قاله الزجاج (١٢). والثاني: أن معناه: غلت أيديهم في نار جهنم على وجه الحقيقة، قاله الحسن (١٣). قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدى حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب الله دابره، أى قطعه لأن السب أصله القطع" (١٤). والثالث: معناه: الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، قاله الزمخشري (١٥)، وأنشد بيت الأشتر مالك بن الحارث (١٦):

стр. 3529

وفَرتُ وفري وانحرْفتُ عن العُلا ... فلقيتُ أضْيافي بوجْهٍ عَبُوسِ قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟ قلت: المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلا إلى بخلهم ونكدا إلى نكدهم، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم" (١). والحق أن الله يدعو عليهم بالبخل ودعاؤه عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، فهو الداعي والخالق، لا خالق إلا هو يخلق لهم البخل ويتقدس عنه، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٢). قوله تعالى: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " وطردهم الله من رحمته بسبب قولهم" (٣). عن السدي قوله: " ﴿ولعنوا بما قالوا﴾، قال: قالوا إن الله وضع يده على صدره فلم يبسطها أبدا حتى يرد علينا ملكنا" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]، قولان: أحدهما: يعني: يعذبهم بالجزية. قاله الكلبي (٥). والثاني: ويحتمل: أن يكون لَعْنُهم هو طردهم حين أجلوا من ديارهم. أفاده الماوردي (٦). قال ابن كثير: "وقد رد الله عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٣ - ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس﴾ الآية [آل عمران: ١١٢] " (٧). وقرئ: «ولعنوا»، بسكون العين. وفي مصحف عبد الله: بل يداه بسطان (٨). قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " بل يداه مبسوطتان لا حَجْرَ عليه، ولا مانع يمنعه من الإنفاق، فإنه الجواد الكريم، ينفق على مقتضى الحكمة وما فيه مصلحة العباد" (٩). عن قتادة: قوله: " ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ينفق بهما كيف يشاء" (١٠). عن السدي: " ﴿ينفق كيف يشاء﴾، قال: يرزق كيف يشاء" (١١). قال الزجاج: " أي: هو جواد" (١٢).

стр. 3530

قال ابن كثير: " أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤]. والآيات في هذا كثيرة" (١). قال السعدي: أي: " لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم. فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارا، يفرج كربا، ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا، ويجيب سائلا ويعطي فقيرا عائلا ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده. وقبح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، وهو تعالى، يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا يهملهم" (٢). قال الزمخشري: : قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ "تاكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا يتفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة. روى أن الله ﵎ كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس ما لا، فلما عصوا الله في محمد ﷺ وكذبوه كف الله تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة (٣)، ورضى بقوله الآخرون فأشركوا فيه" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أربعة تاويلات (٥): أحدها: أن اليدين ها هنا النعمة، من قولهم لفلان: عندي يد، أي نعمة، ومعناه: بل نعمتاه مبسوطتان، نعمة الدين، ونعمة الدنيا. ضعّفه الزجاج (٦). والثاني: اليد ها هنا القوة، كقوله تعالى: ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، ومعناه: بل قوتان بالثواب والعقاب. والثالث: أن اليد ها هنا الملك، من قولهم فى مملوك الرجل: هو ملك يمينه، ومعناه: ملك الدنيا والآخرة. والرابع: أن التثنية للمبالغة فى صفة النعمة كما تقول العرب لبيك وسعديك، وكقول الأعشى (٧):

стр. 3531

يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌ مُفِيدَةٌ ... وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد، ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى (١). قال الطبري: " وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه" (٢). قال صاحب الكشاف: " غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة واحدة، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطى عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد، كقوله (٣): جاد الحمى بسط اليدين بوابل ... شكرت نداه تلاعه ووهاده ولقد جعل لبيد للشمال يدا في قوله (٤): إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ويقال: بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان، ومن لم ينظر في علم البيان عمى عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به" (٥). وقد ثنيت اليد في قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وهي مفردة في: ﴿يد الله مغلولة﴾، وذلك "ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه. وذلك أن غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعا فبنى المجاز على ذلك" (٦). وفي مصحف عبد الله: «بل يداه بسطان» (٧). ويحتمل قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وجهان (٨): أحدهما: يمعنى أنه يعطي من يشاء من عباده إذا علم أن في إعطائه مصلحة دينه. والثاني: ينعم على من يشاء بما يصلحة في دينه. عن ابي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن يمين الله مَلأى لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِض ما

стр. 3532

في يمينه" قال: "وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبْض، يرفع ويخفض": قال: قال الله تعالى: "أنفق أنفق عليك" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " لكنهم سوف يزدادون طغيانًا وكفرًا بسبب حقدهم وحسدهم" (٢). قال قتادة: " حملهم حسدُ محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم" (٣). قال الزجاج: " أي: كلما نزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم والطغيان الغلو والكفر ههناك" (٤). قال الزمخشري: أي: " عند نزول القرآن، لحسدهم تماديا في الجحود وكفرا بآيات الله" (٥). قال ابن كثير: " أي: يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك ﴿طُغْيَانًا﴾ وهو: المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء ﴿وَكُفْرًا﴾، أي: تكذيبا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] " (٦). قال السعدي: " قوله ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾ وهذا أعظم العقوبات على العبد، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح، وسعادة الدنيا والآخرة، وفلاح الدارين، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها، والاستسلام لله بها، وشكرا لله عليها، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه، وطغيان إلى طغيانه، وكفر إلى كفره، وذلك بسبب إعراضه عنها، ورده لها، ومعاندته إياها، ومعارضته لها بالشبه الباطلة" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]، قولان: أحدهما: أنه عنى اليهود بما حصل منهم من الخلاف. والثاني: أنه أراد بين اليهود والنصارى في تباين قولهم في المسيح، قاله الحسن (٨). قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " أي ألقينا بين اليهود العداوة والبغضاء فكلمتهم مختلفة وقلوبهم شتّى لا يزالون متباغضين متعادين إِلى قيام الساعة" (٩). قال مجاهد: " اليهود والنصارى " (١٠). عن إبراهيم التيمي قوله: " ﴿العداوة والبغضاء﴾، قال: الخصومات والجدال في الدين" (١١).

стр. 3533

قال الزجاج: " جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين، كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، فألقى الله بينهم العداوة، وهي أحد الأسباب التي أذهب الله بها جدهم وشوكتهم" (١). قال ابن كثير: " يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فِرقهم بعضهم في بعض دائمًا لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك" (٢). قال الزمخشري: " فكلمهم أبدا مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد" (٣). قال السعدي: " فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم القيامة" (٤). قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " كلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم، وفرَّق شملهم" (٥). قال مجاهد: " هم اليهود" (٦)، " ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾، قال: حربُ محمد ﷺ " (٧). وفي رواية أخرى عن مجاهد: " كلما مكروا مكرا أطفأ الله النار والمكر" (٨). قال الحسن: " كلما اجتمعت السفلة على قتل العرب أذلهم الله" (٩). قال قتادة: " أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقَى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذلّ أهله. لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغضِ خلقه إليه" (١٠). قال السدي: " كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرَّقه الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب" (١١). قال الطبري: أي: " كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخُبْثِ نياتهم" (١٢). قال ابن كثير: " أي: كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم" (١٣). قال الزجاج: " هذا مثل أي كلما جمعوا على النبي والمسلمين وأعدوا لحربهم فرق الله جمعهم وأفسد ذات بينهم" (١٤). قال الزمخشري: " كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد قط، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس. وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بخت نصر، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومى، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم

стр. 3534

أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين. وقيل: كلما حاربوا رسول الله ﷺ نصر عليهم" (١). قال السعدي: " ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب﴾ ليكيدوا بها الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم ﴿أطفأها الله﴾ بخذلانهم وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم" (٢). روي عن الربيع في قوله: " ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الإسراء: ٤ - ٦]، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد. فغَبَرُوا زمانًا، ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد. فكان بخت نصر الفسادَ الثاني قال: والفساد، المعصية ثم قال، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [سورة الإسراء: ٧، ٨] فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره وكتبها لهم. فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا. ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا: يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وقالوا في عزير: إن الله اتخذه ولدًا، وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نَهَوْا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوٍّ آخرَ الدهر، فقال: كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أربابًا، فلم يزالوا كذلك والمجوس على رقابهم، وهم يقولون: يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس والعذاب الهون! فبعث محمدًا ﷺ واسمه محمد، واسمه في الإنجيل أحمد فلما جاءهم وعرفوا، كفروا به، قال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٨٩]، وقال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، بسورة البقرة: ٩٠] " (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما ينشأ عنها الفساد والاضطراب في الأرض" (٤). قال قتادة: " أولئك أعداء الله اليهود" (٥). قال الطبري: أي: " ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد" (٦). قال ابن كثير: " أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعوْن في الإفساد في الأرض" (٧). قال الزجاج: " أي: يجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي ﷺ من كتبهم" (٨). قال السعدي: " أي: يجتهدون ويجدون، ولكن بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن الدخول في الإسلام" (٩).

стр. 3535

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: " والله تعالى لا يحب المفسدين" (١). قال ابن كثير: أي: "والله لا يحب من هذه صفته" (٢). قال الطبري: أي: " يقول: والله لا يحب من كان عامِلا بمعاصيه في أرضه " (٣). قال السعدي: " بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك" (٤). الفوائد: ١ - أن اليهود وصفوا الله- بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص فقالوا: ﴿يد الله مغلولة﴾ [المائدة: ٦٤]. ٢ - في الآية إثبات لصفة اليدين لله كما يليق به من غير تشبيه ولا تكييف. ٣ - تقرير ما هو موجود بين اليهود والنصارى من عداوة وبغضاء وهو من تدبير الله تعالى. فاليهود لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، ولا تجاب لهم دعوة، دعوتهم مدحوضة، وكلمتهم مختلفة، وجمعهم متفرق، ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾. وإن قيل: إن التعاون القائم اليوم بين اليهود والنصارى يرد ما في الآية، قلنا: إن اليهود احتالوا على النصارى فضربوهم بالإلحاد، فلما قضي على العقيدة الدينية فيهم أصبحوا سخرة لهم يتحكمون فيهم، وبذلك فرضوا عليهم حبهم وعدم عداوتهم. ٤ - سعى اليهود الدائم في الفساد في الأرض فقد ضربوا البشرية بالذهب المادي الإلحادي الشيوعي، وضربوها أيضاً بالإباحة ومكائد الماسونية. ٥ - أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، حجة على المعتزلة والقدرية. القرآن ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾ [المائدة: ٦٥] التفسير: ولو أن اليهود والنصارى صدَّقوا الله ورسوله، وامتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، لكفَّرنا عنهم ذنوبهم، ولأدخلناهم جنات النعيم في الدار الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: " ولو أن اليهود والنصارى صدَّقوا الله ورسوله" (٥). قال قتادة: " يقول: آمنوا بما أنزل الله" (٦). قال البغوي: آمنوا "بمحمد ﷺ " (٧). قال ابن كثير: " أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله" (٨). قال السعدي: أي: " لو آمنوا بالله وملائكته، وجميع كتبه، وجميع رسله" (٩). قال السمرقندي: " يعني: اليهود والنصارى، [لو] صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد ﷺ والقرآن" (١٠).

стр. 3536

قال الزمخشري: أي: " ولو أن أهل الكتاب مع ما عددنا من سيئاتهم آمنوا برسول الله ﷺ وبما جاء به" (١). قال الشوكاني: " أي: لو أن المتمسكين بالكتاب، وهم اليهود والنصارى، على أن التعريف للجنس آمنوا الإيمان الذي طلبه الله منهم، ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد ﷺ كما أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: " وامتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه" (٣). قال الزمخشري: أي: " وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان" (٤). قال قتادة: " واتقوا ما حرم الله" (٥). قال السمعاني: " يعني: عن المعاصي" (٦). قال ابن كثير: أي: " واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المحارم والمآثم " (٧). قال السمرقندي والقرطبي: أي: "الشرك والمعاصي" (٨). قال البغوي: " واتقوا، الكفر" (٩). قال الواحدي: أي: " واتقوا: اليهودية والنصرانية" (١٠). قال البيضاوي: " واتقوا ما عددنا من معاصيهم ونحوه" (١١). قال الشوكاني: أي: " واتقوا المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله" (١٢). قوله تعالى: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: " لكفَّرنا عنهم ذنوبهم" (١٣). قال السمرقندي: "يعني: غفرنا ذنوبهم" (١٤). قال الطبري: أي: " محوْنا عنهم ذنوبَهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها" (١٥). قال الواحدي: أي: " محونا ذنوبهم التي سلفت بالإيمان بك" (١٦). قال الزمخشري: أي: " لكفرنا عنهم تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها" (١٧). قال البيضاوي: " لكفرنا عنهم سيئاتهم التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها" (١٨). قال ابن كثير: " أي: لأزلنا عنهم المحذور ولحصّلْناهم المقصود" (١٩). قال السعدي: أي: "لكفر عنهم سيئاتهم ولو كانت ما كانت" (٢٠).

стр. 3537

قال الشوكاني: أي: لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها، وإن كانت كثيرة متنوعة وقيل المعنى: لوسعنا عليهم في أرزاقهم" (١). قال الراغب: " ذكر أنهم لو أصلحوا اعتقادهم وأفعالهم لغفروا وأثيبوا، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] " (٢). قال القرطبي: " ﴿وكفرنا﴾، غطينا" (٣). والتكفير: "ستر الذنوب حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر كقولهم: مرضت فلان وقديت عينه" (٤). قال الماتريدي: " عامل الله خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في الله من القبيح الوخش؛ لو آمنوا واتقوا الذي قالوا في الله؛ وهو كما قال الله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]ـ وذلك - والله أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك، ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيرا؛ فهو كقوله - تعالى -: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيرا لا شرا" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: " ولأدخلناهم جنات النعيم في الدار الآخرة" (٦). قال الطبري: " يقول: ولأدخلناهم بساتِين ينعَمون فيها في الآخرة" (٧). قال السعدي: أي: " ولأدخلهم جنات النعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين" (٨). قال الزمخشري: أي: " ولأدخلناهم مع المسلمين الجنة. وفيه إعلام بعظم معاصى اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه" (٩). قال البيضاوي: " وجعلناهم داخلين فيها، وفيه تنبيه على عظم معاصيهم وكثرة ذنوبهم، وأن الإسلام يجب ما قبله، وإن جل وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم." (١٠). قال مالك بن دينار: " جنات النعيم بين جنان الفردوس وبين جنات عدن، وفيها جواري خلقن من ورد الجنة، قيل: فمن يسكنها؟ قال: الذين عملوا بالمعاصي فلما ذكروا عظمتي راقبوني والذين انثنت أصلابهم من خشيتي وعزتي إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب" (١١). الفوائد: ١ - وعد الله لأهل الكتاب على ما كانوا عليه لو آمنوا واتقوا لأدخلهم الجنة. ٢ - الوعد والجزاء للمؤمنين الذين أتوا من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح ما يحقق لهم الإيمان الكامل أو الإيمان التام. ٣ - وهذه الآية شهادة من الله على أن أولئك الأقوام الذين يتعصبون ويدعون أنهم على إتباع دينهم ورسلهم موسى في التوراة وعيسى في الإنجيل أنهم كاذبون.

стр. 3538

٤ - أن مجرد الايمان يجب ما قبله ويمحوه، كما ورد النص فلو فرضنا موت الداخل في الايمان عقيب دخوله فيه، لكان كيوم ولدته أمه باتفاق مكفر الخطايا محكوما له بالجنة، فدل ذلك على أن اجتماع الأمرين ليس بشرط. هذا إن كان المراد بالتقوى الأعمال. وإن كانت التقوى على أصل موضعها الخوف من الله ، فهذا المعنى ثابت لكل مؤمن وإن قارف الكبائر (١). القرآن ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٦] التفسير: ولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول -وهو القرآن الكريم- لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر، وهذا جزاء الدنيا. وإنَّ مِن أهل الكتاب فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق، وكثير منهم ساء عملُه، وضل عن سواء السبيل. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: " ولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول -وهو القرآن الكريم-" (٢). قال مجاهد: " أما إقامتهم التوراة والإنجيل فالعمل بهما" (٣). عن ابن عباس: " ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، يعني: ما أنزل إليهم الفرقان" (٤). عن السدي: " ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، يقول: لو عملوا بما أنزل إليهم مما جاءهم به محمد ﷺ " (٥). قال الواحدي: أي: " عملوا بما فيهما من التَّصديق بك، ﴿وما أنزل إليهم﴾ من كتب أنبيائهم" (٦). قال السمعاني: " يعني: ولو أنهم قاموا وعملوا ما في التوراة، وما في الإنجيل وما في القرآن" (٧). قال البغوي: " يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما، وما أنزل إليهم من ربهم، يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل" (٨). قال الزمخشري: أي: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله ﷺ وما أنزل إليهم من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم وقيل: هو القرآن" (٩). قال السعدي: " أي: قاموا بأوامرهما ونواهيهما، كما ندبهم الله وحثهم، ومن إقامتهما الإيمان بما دعيا إليه، من الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن، فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم وللاعتناء بهم" (١٠).

стр. 3539

قال ابن كثير: " أي: [لو أنهم] عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه، من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا ﷺ ؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة" (١). قال الشوكاني: " قوله: ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجهان (٣): أحدهما: أقاموها نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من أحكام الله تعالى وأوامره لم يزلوا. والثاني: إن إقامتها العمل بما فيها من غير تحريف ولا تبديل. وهذا قول مجاهد (٤). عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك أن يرفع العلم". فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ ! قال: ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله" ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: " لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر" (٦). قال الطبري: " يعني: لأنزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها، وأما قوله: ﴿ومن تحت أرجلهم﴾، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض" (٧). قال ابن كثير: " يعني بذلك: كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض" (٨). قال السعدي: " أي: لأدر الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] " (٩). وفي قوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ثلاثة اقوال: أحدها: أنه أراد التوسعة عليهم كما يقال هو في الخير من قرنه إلى قدمه، وقد أعلم الله جل وعز أن التقى سعة في الرزق فقال: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقال في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ

стр. 3540

جَنَّاتٍ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وهي البساتين. فوعدهم الله أتم الغنى على الإيمان والاستغفار. أفاده الزجاج (١). والثاني: لأكلوا من فوقهم بإنزال المطر، ومن تحت أرجلهم بإنبات الثمر. قاله ابن عباس (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦). والثالث: وذكر النقاش أن المعنى: "لأكلوا من فوقهم أي من رزق الجنة ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا، إذ هو من نبات الأرض" (٧). قال الشوكاني: " ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتهم وتعدد أنواعها" (٨). قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: "وإنَّ مِن أهل الكتاب فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق" (٩). قال الشوكاني: "قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة، جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة، أو البعض منهم دون البعض، والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه وطائفة من النصارى" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجوه: أحدها: مقتصدة على أمر الله تعالى وكتابه، قاله قتادة (١١). الثاني: مؤمنة. قاله السدي (١٢)، وبه قال الواحدي (١٣). والثالث: أن "المقتصدة: أهلُ طاعة الله، وهؤلاء أهل الكتاب" قاله ابن زيد (١٤). والرابع: قال الربيع: " فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا، والغلو، الرغبة عنه، والفسق، التقصير عنه" (١٥). والخامس: عادلة، قاله الكلبي (١٦)، وبه قال السمعاني (١٧)، والبغوي (١٨)، وابن عطية (١٩). قال البغوي: " ﴿مقتصدة﴾، أي: عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية. ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير" (٢٠). قال ابن عطية: أي: " معتدلة، والقصد والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال" (٢١).
следующие страницы →