← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

قال الزمخشري: أي: " ولو أن أهل الكتاب مع ما عددنا من سيئاتهم آمنوا برسول الله ﷺ وبما جاء به" (١). قال الشوكاني: " أي: لو أن المتمسكين بالكتاب، وهم اليهود والنصارى، على أن التعريف للجنس آمنوا الإيمان الذي طلبه الله منهم، ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد ﷺ كما أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: " وامتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه" (٣). قال الزمخشري: أي: " وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان" (٤). قال قتادة: " واتقوا ما حرم الله" (٥). قال السمعاني: " يعني: عن المعاصي" (٦). قال ابن كثير: أي: " واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المحارم والمآثم " (٧). قال السمرقندي والقرطبي: أي: "الشرك والمعاصي" (٨). قال البغوي: " واتقوا، الكفر" (٩). قال الواحدي: أي: " واتقوا: اليهودية والنصرانية" (١٠). قال البيضاوي: " واتقوا ما عددنا من معاصيهم ونحوه" (١١). قال الشوكاني: أي: " واتقوا المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله" (١٢). قوله تعالى: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: " لكفَّرنا عنهم ذنوبهم" (١٣). قال السمرقندي: "يعني: غفرنا ذنوبهم" (١٤). قال الطبري: أي: " محوْنا عنهم ذنوبَهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها" (١٥). قال الواحدي: أي: " محونا ذنوبهم التي سلفت بالإيمان بك" (١٦). قال الزمخشري: أي: " لكفرنا عنهم تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها" (١٧). قال البيضاوي: " لكفرنا عنهم سيئاتهم التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها" (١٨). قال ابن كثير: " أي: لأزلنا عنهم المحذور ولحصّلْناهم المقصود" (١٩). قال السعدي: أي: "لكفر عنهم سيئاتهم ولو كانت ما كانت" (٢٠).

стр. 3537

قال الشوكاني: أي: لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها، وإن كانت كثيرة متنوعة وقيل المعنى: لوسعنا عليهم في أرزاقهم" (١). قال الراغب: " ذكر أنهم لو أصلحوا اعتقادهم وأفعالهم لغفروا وأثيبوا، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] " (٢). قال القرطبي: " ﴿وكفرنا﴾، غطينا" (٣). والتكفير: "ستر الذنوب حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر كقولهم: مرضت فلان وقديت عينه" (٤). قال الماتريدي: " عامل الله خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في الله من القبيح الوخش؛ لو آمنوا واتقوا الذي قالوا في الله؛ وهو كما قال الله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]ـ وذلك - والله أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك، ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيرا؛ فهو كقوله - تعالى -: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيرا لا شرا" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: " ولأدخلناهم جنات النعيم في الدار الآخرة" (٦). قال الطبري: " يقول: ولأدخلناهم بساتِين ينعَمون فيها في الآخرة" (٧). قال السعدي: أي: " ولأدخلهم جنات النعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين" (٨). قال الزمخشري: أي: " ولأدخلناهم مع المسلمين الجنة. وفيه إعلام بعظم معاصى اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه" (٩). قال البيضاوي: " وجعلناهم داخلين فيها، وفيه تنبيه على عظم معاصيهم وكثرة ذنوبهم، وأن الإسلام يجب ما قبله، وإن جل وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم." (١٠). قال مالك بن دينار: " جنات النعيم بين جنان الفردوس وبين جنات عدن، وفيها جواري خلقن من ورد الجنة، قيل: فمن يسكنها؟ قال: الذين عملوا بالمعاصي فلما ذكروا عظمتي راقبوني والذين انثنت أصلابهم من خشيتي وعزتي إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب" (١١). الفوائد: ١ - وعد الله لأهل الكتاب على ما كانوا عليه لو آمنوا واتقوا لأدخلهم الجنة. ٢ - الوعد والجزاء للمؤمنين الذين أتوا من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح ما يحقق لهم الإيمان الكامل أو الإيمان التام. ٣ - وهذه الآية شهادة من الله على أن أولئك الأقوام الذين يتعصبون ويدعون أنهم على إتباع دينهم ورسلهم موسى في التوراة وعيسى في الإنجيل أنهم كاذبون.

стр. 3538

٤ - أن مجرد الايمان يجب ما قبله ويمحوه، كما ورد النص فلو فرضنا موت الداخل في الايمان عقيب دخوله فيه، لكان كيوم ولدته أمه باتفاق مكفر الخطايا محكوما له بالجنة، فدل ذلك على أن اجتماع الأمرين ليس بشرط. هذا إن كان المراد بالتقوى الأعمال. وإن كانت التقوى على أصل موضعها الخوف من الله ، فهذا المعنى ثابت لكل مؤمن وإن قارف الكبائر (١). القرآن ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٦] التفسير: ولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول -وهو القرآن الكريم- لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر، وهذا جزاء الدنيا. وإنَّ مِن أهل الكتاب فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق، وكثير منهم ساء عملُه، وضل عن سواء السبيل. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: " ولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول -وهو القرآن الكريم-" (٢). قال مجاهد: " أما إقامتهم التوراة والإنجيل فالعمل بهما" (٣). عن ابن عباس: " ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، يعني: ما أنزل إليهم الفرقان" (٤). عن السدي: " ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، يقول: لو عملوا بما أنزل إليهم مما جاءهم به محمد ﷺ " (٥). قال الواحدي: أي: " عملوا بما فيهما من التَّصديق بك، ﴿وما أنزل إليهم﴾ من كتب أنبيائهم" (٦). قال السمعاني: " يعني: ولو أنهم قاموا وعملوا ما في التوراة، وما في الإنجيل وما في القرآن" (٧). قال البغوي: " يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما، وما أنزل إليهم من ربهم، يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل" (٨). قال الزمخشري: أي: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله ﷺ وما أنزل إليهم من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم وقيل: هو القرآن" (٩). قال السعدي: " أي: قاموا بأوامرهما ونواهيهما، كما ندبهم الله وحثهم، ومن إقامتهما الإيمان بما دعيا إليه، من الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن، فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم وللاعتناء بهم" (١٠).

стр. 3539

قال ابن كثير: " أي: [لو أنهم] عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه، من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا ﷺ ؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة" (١). قال الشوكاني: " قوله: ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجهان (٣): أحدهما: أقاموها نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من أحكام الله تعالى وأوامره لم يزلوا. والثاني: إن إقامتها العمل بما فيها من غير تحريف ولا تبديل. وهذا قول مجاهد (٤). عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك أن يرفع العلم". فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ ! قال: ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله" ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: " لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر" (٦). قال الطبري: " يعني: لأنزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها، وأما قوله: ﴿ومن تحت أرجلهم﴾، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض" (٧). قال ابن كثير: " يعني بذلك: كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض" (٨). قال السعدي: " أي: لأدر الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] " (٩). وفي قوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ثلاثة اقوال: أحدها: أنه أراد التوسعة عليهم كما يقال هو في الخير من قرنه إلى قدمه، وقد أعلم الله جل وعز أن التقى سعة في الرزق فقال: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقال في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ

стр. 3540

جَنَّاتٍ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وهي البساتين. فوعدهم الله أتم الغنى على الإيمان والاستغفار. أفاده الزجاج (١). والثاني: لأكلوا من فوقهم بإنزال المطر، ومن تحت أرجلهم بإنبات الثمر. قاله ابن عباس (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦). والثالث: وذكر النقاش أن المعنى: "لأكلوا من فوقهم أي من رزق الجنة ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا، إذ هو من نبات الأرض" (٧). قال الشوكاني: " ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتهم وتعدد أنواعها" (٨). قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: "وإنَّ مِن أهل الكتاب فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق" (٩). قال الشوكاني: "قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة، جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة، أو البعض منهم دون البعض، والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه وطائفة من النصارى" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجوه: أحدها: مقتصدة على أمر الله تعالى وكتابه، قاله قتادة (١١). الثاني: مؤمنة. قاله السدي (١٢)، وبه قال الواحدي (١٣). والثالث: أن "المقتصدة: أهلُ طاعة الله، وهؤلاء أهل الكتاب" قاله ابن زيد (١٤). والرابع: قال الربيع: " فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا، والغلو، الرغبة عنه، والفسق، التقصير عنه" (١٥). والخامس: عادلة، قاله الكلبي (١٦)، وبه قال السمعاني (١٧)، والبغوي (١٨)، وابن عطية (١٩). قال البغوي: " ﴿مقتصدة﴾، أي: عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية. ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير" (٢٠). قال ابن عطية: أي: " معتدلة، والقصد والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال" (٢١).

стр. 3541

والسادس: أي: متبعة؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب برسول الله، وبما جاء به. قاله ابن أبي زمنين (١). والسابع: وقيل: يعنى به طائفة لم تناصب النبى ﷺ مناصبة هؤلاء. حكاه الزجاج (٢)، واختاره الزمخشري (٣). قال الزمخشري: أي: " طائفة حالها أمم (٤) في عداوة رسول الله ﷺ " (٥). قال الزجاج: "والذي أظنه - والله أعلم - أنه لا يسمي الله من كان على شيء من الكفر مقتصدا" (٦). والثامن: معناه: منهم جماعة مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم، قائلةٌ فيه الحقَّ أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن الله، تعالى الله عما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلةٌ: هو لغير رِشْدَة. وهذا قول الطبري (٧)، ومعنى قول مجاهد (٨). قال مجاهد: " تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت فرقة: عيسى هو ابن الله، وقالت فرقة: هو الله، وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة، وهي مسلمةُ أهل الكتاب" (٩). قال ابن عطية: "وعلى قول مجاهد يتخرج قول الطبري: ولا يقول في عيسى إنه عبد رسول إلا مسلم" (١٠). قال السعدي: " ﴿منهم﴾ أي: من أهل الكتاب ﴿أمة مقتصدة﴾ أي: عاملة بالتوراة والإنجيل، عملا غير قوي ولا نشيط " (١١). قال ابن كثير: " قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وكقوله عن أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢، ٣٣]. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة" (١٢). عن أنس بن مالك قال: "كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعًا. واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "الجماعات الجماعات" (١٣).

стр. 3542

قال يعقوب بن يزيد: " كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، تلا فيه قرآنا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وتلا أيضًا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]، يعني: أمة محمد ﷺ " (١). قال ابن كثير: "وهذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه وبهذا السياق" (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: " وكثير منهم ساء عملُه، وضل عن سواء السبيل" (٣). قال مجاهد: " ﴿وكثير منهم﴾، يهود" (٤). قال قتادة: " ثم ذم أكثر القوم فقال: ﴿وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ " (٥). قال ابن عباس ﵄: "عملوا بالقبيح مع التكذيب بالنبي ﷺ " (٦). قال الزجاج: " المعنى بئس شيئا عملهم" (٧). قال ابن ابي زمنين: " يعني: من ثبت منهم على اليهودية والنصرانية" (٨). قال الشوكاني: "وهم المصرون على الكفر المتمردون عن إجابة محمد ﷺ والإيمان بما جاء به" (٩). قال القرطبي: " أي: بئس شي عملوه، كذبوا الرسل، وحرفوا الكتب وأكلوا السحت" (١٠). قال السعدي: " أي: والمسيء منهم الكثير. وأما السابقون منهم فقليل ما هم" (١١). قال الزمخشري: " و ﴿ساء ما يعملون﴾، فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم" (١٢). الفوائد: ١ - وعده تعالى لأهل الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، أي: لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإنجيل من دعوتهم إلى الإيمان بالنبي الأمي والدخول في الإسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة. وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً. ٢ - أن ثمرة الإيمان السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة، وقد وعد الله العاملين بشرعه الخير والبركات في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾. ٣ - ومن الفوائد، بيان فضل الأمة المحمدية- ﷺ ، إذ جعل في هذه الأمة درجة أعلى من درجة المقتصد وهي درجة السابق بالخيرات؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢].

стр. 3543

وهذه استدلال لطيف على تقدم هذه الأمة على بني إسرائيل في الفضل ألمح إليه الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون﴾؛ إذ قال: "فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ " (١). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧] التفسير: يا أيها الرسول بلِّغ وحي الله الذي أنزِل إليك من ربك، وإن قصَّرت في البلاغ فَكَتَمْتَ منه شيئًا، فإنك لم تُبَلِّغ رسالة ربِّك، وقد بلَّغ ﷺ رسالة ربه كاملة، فمن زعم أنه كتم شيئًا مما أنزِل عليه، فقد أعظم على الله ورسوله الفرية. والله تعالى حافظك وناصرك على أعدائك، فليس عليك إلا البلاغ. إن الله لا يوفق للرشد مَن حاد عن سبيل الحق، وجحد ما جئت به من عند الله. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: روى الحسن أن النبي ﷺ قال: "إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني"؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ " (٢). [ضعيف جداً]. والثاني: وقال مجاهد: لما نزلت ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ قال: "يا رب إنما أنا واحد، كيف أصنع ليجتمع عليّ من الناس؟ "؛ فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ " (٣). [ضعيف] وقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزئون به، فسكت عنهم، فحرض بهذه الآية" (٤). [ضعيف] والثالث: قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يحرس، فكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه؛ فقال: "يا عم! إن الله قد عصمني من الجن والإنس" (٥). [ضعيف جداً]

стр. 3544

والرابع: وقال أبو سعيد الخدري: " نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ على رسول الله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب" (١). [ضعيف جداً] والخامس: قال ابن عباس: " سئل رسول الله ﷺ : أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ قال: فقال: "كنت بمنى أيام موسم، واجتمع مشركوا العرب وأفناء الناس في الموسم، فأنزل عليَّ جبريل؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قال: فقمت عند العقبة، فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة، أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم؛ تفلحوا أو تنجحوا ولكم الجنة، قال: فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون عليّ بالتراب والحجارة، ويبصقون في وجهي، ويقولون: كذاب صابئ، فعرض عليّ عارض فقال: يا محمد! إن كنت رسول الله؛ فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك. فقال النبي ﷺ : اللهم اهدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك"، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه، قال الأعمش: فبذلك تفتخر بنو العباس، ويقولون: فيهم نزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] هوى النبي ﷺ أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب" (٢). [ضعيف] والسادس: أنها نزلت لأنه ﷺ كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك. وهذا قول ابن جريج (٣). [ضعيف جدا] والسابع: وقال مقاتل: "لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزئون به، فسكت عنهم، فحرض بهذه الآية" (٤).

стр. 3545

قال البغوي: " قيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي ﷺ دعاهم إلى الإسلام، فقالوا أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به، فيقولون له: تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا، فلما رأى النبي ﷺ ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: " ﴿يا أهل الكتاب لستم على شيء﴾ [المائدة: ٦٨] الآية" (١). والثامن: وقيل: "نزلت في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه كما قال الله تعالى: فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت [محمد: ٥]، وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم [النساء: ٧٧] الآية. فكان النبي ﷺ يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية" (٢). والتاسع: وقيل: "بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود" (٣). والعاشر: وقيل: "نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها" (٤). الحادي عشر: عن أبي هريرة؛ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلاً نظروا أعظم شجرة يرونها فجعلوها للنبي ﷺ فينزل تحتها، وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجرة. فبينما هو نازل تحت شجرة -وقد علق السيف عليها- إذ جاء أعرابي فأخذ السيف من الشجرة ثم دناه من النبي ﷺ وهو نائم فأيقظه، فقال: يا محمد من يمنعك مني الليلة؟ فقال النبي ﷺ : "الله"؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ " (٥). [حسن]

стр. 3546

الثاني عشر: قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يُحرس؛ فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾؛ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال: «أيها الناس انصرفوا؛ فقد عصمني الله من الناس» " (١). [حسن لغيره] قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: " يا أيها الرسول بلِّغ وحي الله الذي أنزِل إليك من ربك" (٢). عن مقاتل بن حيان: "يقول: يا محمد" (٣)."بلغ ما أرسلت به، يحرضه على أن يبلغ الرسالة عن ربه" (٤). قال الزمخشري: أي: " جميع ما أنزل إليك وأى شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه" (٥). قال الباقلاني: " فحثة وحضَّه على أداء ما حُمِّل" (٦).

стр. 3547

قال ابن كثير: " يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتمّ القيام" (١). قال الجصاص: " فيه أمر للنبي ﷺ بتبليغ الناس جميعا ما أرسله به إليهم من كتابه وأحكامه, وأن لا يكتم منه شيئا خوفا من أحد ولا مداراة له" (٢). قال ابن عطية: " هذه الآية أمر من الله ورسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد، وذلك أن رسالته ﷺ تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد حالهم فكان يلقى منهم عنتا وربما خافهم أحيانا قبل نزول هذه الآية، فقال الله له بلغ ما أنزل إليك من ربك أي كاملا متمما" (٣). قال الشوكاني: " العموم الكائن في ما أنزل يفيد أنه يجب عليه ﷺ أن يبلغ جميع ما أنزله الله إليه لا يكتم منه شيئا، وفيه دليل على أنه لم يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزله الله إليه شيئا" (٤). قال السعدي: " هذا أمر من الله لرسوله محمد ﷺ بأعظم الأوامر وأجلها، وهو التبليغ لما أنزل الله إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه ﷺ من العقائد والأعمال والأقوال، والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية. فبلغ ﷺ أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله. فلم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين" (٥). عن مسروق، عن عائشة قالت: "من حَدّثَك أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا مما أُنزل عليه، فقد كذب، الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية" (٦). وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: "لو كان محمد ﷺ -كاتما من القرآن شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] " (٧). وعن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: " كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يبده رسولُ الله ﷺ للناس. فقال: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداءَ في بيضاء" (٨). وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جُحَيفَة وهب بن عبد الله السّوائي قال: «قلت لعلي بن أبي طالب، ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فَهْمًا يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفَكَاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر» (٩).

стр. 3548

قال ابن كثير: " وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابه نحو من أربعين ألفًا كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ: «أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بَلّغت وأدّيتَ ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء ويَقلبها إليهم ويقول: "اللهم هل بَلَّغْتُ، اللهم هل بلغت» (١) " (٢). وقال ابن عباس: «قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "يأيها الناس، أيّ يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام. قال: "أيّ بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام. قال: "فأيّ شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام. قال: "فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا". ثم أعادها مرارًا. ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال: "اللهم هل بلغت! " مرارًا - قال: يقول ابن عباس: والله لَوصِيَّةٌ إلى ربه ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهدُ الغائِبَ، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"» (٣). قال القرطبي: "قبح الله الروافض حيث قالوا: إنه ﷺ كتم شيئا مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: " وإن قصَّرت في البلاغ فَكَتَمْتَ منه شيئًا، فإنك لم تُبَلِّغ رسالة ربِّك" (٥). قال ابن عباس: " يعني: إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلِّغ رسالاتي" (٦). قال ابن كثير: " يعني: وإن لم تُؤد إلى الناس ما أرسلتك به، ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: وقد عَلِم ما يترتب على ذلك لو وقع" (٧). قال السعدي: " أي: لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك، فما امتثلت أمره" (٨). قال الزجاج: أي: " بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك، وإن تركت منه شيئا فما بلغت، أي لا تراقبن أحدا ولا تتركن شيئا من ذلك خوفا من أن ينالك مكروه" (٩). قال السمعاني: " فيه معنيان: أحدهما: معناه: إن لم تبلغ الجميع، وتركت واحدا، فما بلغت شيئا، يعني: جرمك في ترك التبليغ في واحد كجرمك في ترك الكل، وقيل: معناه: بلغ ما أنزل إليك أي: أظهر تبليغه" (١٠). قال قتادة: " أخبر الله نبيَّه ﷺ أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم" (١١). قال مجاهد: " لما نزلت: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! فنزلت: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾، الآية" (١٢).

стр. 3549

قال الجصاص: " أخبر أنه إن ترك تبليغ شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئا, بقوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ فلا يستحق منزلة الأنبياء القائمين بأداء الرسالة وتبليغ الأحكام" (١). وفي وقوع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، جزاء للشرط، وجهان (٢): أحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبليغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولا كان أمرا شنيعا لا خفاء بشناعته، فقيل: إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل النفس بقوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ﴾ [المائدة: ٣٢]. والثاني: أن يراد: فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحى كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله ﵊ «فأوحى الله إلى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك» (٣). قال ابن عطية: " ثم توعده تعالى بقوله: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾، أي: إنك إن تركت شيئا فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتد به، فقوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل﴾ معناه: وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر (٤): سُئلتَ فلمْ تبخل ولم تعطِ طائلاً ... فسيَّانِ لا ذمٌّ عليكَ ولا حمدُ أي: ولم تعط ما يعد نائلا وإلا فيتكاذب البيت" (٥). وقرأ أهل المدينة: «رسالاته» (٦). قال الزمخشري: المعنى: " فلم تبلغ إذا ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها. وكونها كذلك في حكم شيء واحد. والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ، مؤمنا به غير مؤمن به" (٧). قال النحاس: "والقراءتان حسنتان إلا أن الجمع أبين لأن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الوحي شيئا شيئا ثم يبينه" (٨). قال الإمام الشوكاني: " وفيه نظر، فإن نفي التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله ﷺ لأمته ما نزل إليهم، وقال لهم في غير موطن: هل بلغت؟ فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن أمته خيرا" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: " والله تعالى حافظك وناصرك على أعدائك" (١٠). قال قتادة: " أخبر الله نبيه أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم وأمره بالبلاغ" (١١).

стр. 3550

قال مقاتل بن حيان: " ﴿والله يعصمك من الناس﴾، يعني: ممن حولك من العرب كلها إنهم لا يصلون إليك، فأمن النبي ﷺ عند ذلك" (١). قال السمرقندي: " يعني: اليهود ويقال: كيد الكفار" (٢). قال ابن كثير: " أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك. وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يُحْرَس" (٣). قال الزجاج: " أي: يحول بينهم وبين أن ينالك منهم مكروه، فأعلمه الله جل وعز أنه يسلم منهم. وفي هذا آية للنبي ﷺ بينة (٤). قال الجصاص: " أخبر تعالى أنه يعصمه من الناس حتى لا يصلوا إلى قتله ولا قهره ولا أسره, بقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ وفي ذلك إخبار أنه لم يكن تقية من إبلاغ جميع ما أرسل به إلى جميع من أرسل إليهم وفيه الدلالة على بطلان قول الرافضة في دعواهم أن النبي ﷺ كتم بعض المبعوثين إليهم على سبيل الخوف والتقية; لأنه تعالى قد أمره بالتبليغ, وأخبر أنه ليس عليه تقية بقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ " (٥). قال البغوي: أي: " يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟ قيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك. وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقيل: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي ﷺ معصوم" (٦). قال الزمخشري: قوله: ﴿والله يعصمك﴾ " عدة من الله بالحفظ والكلاءة والمعنى: والله يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت: أين ضمان العصمة وقد شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات الله عليه؟ قلت: المراد أنه يعصمه من القتل. وفيه: أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات الله، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: نزلت بعد يوم أحد، والناس الكفار بدليل قوله: ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾، ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك" (٧). قال ابن عطية: " يعصمك معناه: يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه قوله تعالى: ﴿يعصمني من الماء﴾ [هود: ٤٣] ... وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية" (٨). عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يُحْرَس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القُبَّة، وقال: «يأيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله » " (٩).

стр. 3551

قال سعيد بن جبير: "لما نزلت: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾، قال رسول الله ﷺ : لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني" (١). عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: "أن عائشة كانت تحدث: أن رسول الله ﷺ سَهِر ذات ليلة، وهي إلى جنبه، قالت: فقلتُ: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: "ليت رجلا صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة؟ " قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: "ما جاء بك؟ " قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه" (٢). قال الطبري: " يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من عِصَام القربة، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط، ومنه قول الشاعر (٣): وَقُلْتُ: عَلَيْكُمْ مَالِكًا، إنَّ مَالِكًا ... سَيَعْصِمُكُمُ، إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ يعني: يمنعكم" (٤). قال ابن كثير: "ومن عصمة الله لرسوله حفْظُه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبَغْضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه الله منه ولهذا أشباه كثيرة جدًا يطول ذكرها" (٥). قال الإمام الشوكاني: " وعده بالعصمة من الناس دفعا لما يظن أنه حامل على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس، وقد كان ذلك بحمد الله فإنه بين لعباد الله ما نزل إليهم على وجه التمام، ثم حمل من أبى من الدخول في الدين على الدخول فيه طوعا أو كرها وقتل صناديد الشرك وفرق جموعهم وبدد شملهم، وكانت كلمة الله هي العليا، فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٦)، وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس، إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله وشدة شكيمة في القيام بحجة الله، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلفة وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة، لأنها لا تأتي إلا بخير في الأولى والأخرى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (٧). قال السعدي: " هذه حماية وعصمة من الله لرسوله من الناس، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ، ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهم بيد الله وقد تكفل بعصمتك، فأنت إنما عليك البلاغ المبين، فمن اهتدى فلنفسه، وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم ولا يوفقهم للخير، بسبب كفرهم" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: " إن الله لا يوفق للرشد مَن حاد عن سبيل الحق، وجحد ما جئت به من عند الله" (٩). قال الواحدي: أي: " لا يرشد مَنْ كذَّبك" (١٠). قال الطبري: " يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه" (١١). قال الإمام الشوكاني: " قوله: ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾، جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة، أي: إن الله لا يجعل لهم سبيلا إلى الإضرار بك، فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه" (١٢). قال ابن عطية: " وقوله تعالى: ﴿لا يهدي القوم الكافرين﴾، إما على الخصوص فيمن سبق في علم أنه لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره" (١٣). الفوائد: ١ - وجوب البلاغ على الرسل ونهوض رسولنا محمد ﷺ بهذا الواجب على أكمل وجه وأتمه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: " ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئاً، فإن كتمان ما أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم في دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة كما أنه معصوم من الكذب فيها، والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره الله، وبين ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده كما قال ﷺ : «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١٤)، وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (١٥). وقال أبو ذر: «لقد

стр. 3552

توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً» (١) " (٢). ٢ - أن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- خلاصة مختارة من البشر، لما كان الرسل -عليهم الصلاة والسلام- هم سفراء الله تعالى إلى خلقه يقومون بتبليغهم أوامره ونواهيه وهو سبحانه حارسهم وحافظهم. ٣ - عصمة الرسول المطلقة، وكفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس، وهذا النوع من أعظم الآيات الدالّة على صدق رسالة محمد ﷺ ، ومن ذلك: ١ - كفاه الله تعالى المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥]. ٢ - كفاه الله تعالى أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. ٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. وهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس، فكلُّ من هذه الأخبار الثلاثة قد وقعت كما أخبر الله تعالى، فقد كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه. ومن ذلك أن رجلاً نصرانيّاً أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ ثم ارتدّ وعاد نصرانيّاً، فكان يقول: ما يَدْرِي محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذاً على ظهرها فأعادوا دفنه وأعمقوا له فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذاً (٣). ٤ - ومنها: دلالة قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ على أن كل ما كان من الأحكام بالناس إليه حاجة عامة أن النبي ﷺ قد بلغه الكافة وأن وروده ينبغي أن يكون من طريق التواتر, نحو الوضوء من مس الذكر ومن مس المرأة ومما مسته النار ونحوها, لعموم البلوى بها; فإذا لم نجد ما كان منها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا أن الخبر غير ثابت في الأصل, أو تأويله ومعناه غير ما اقتضاه ظاهره من نحو الوضوء الذي هو غسل اليد دون وضوء الحدث (٤).

стр. 3553

٥ - ومنها: دلالة قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ على صحة نبوة النبي ﷺ ; إذ كان من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به; لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسر مع كثرة أعدائه المحاربين له مصالتة والقصد لاغتياله مخادعة, نحو ما فعله عامر بن الطفيل وأربد فلم يصلا إليه; ونحو ما قصده به عمير بن وهب الجمحي بمواطأة من صفوان بن أمية, فأعلمه الله إياه, فأخبر النبي ﷺ عمير بن وهب بما تواطأ هو وصفوان بن أمية عليه وهما في الحجر من اغتياله, فأسلم عمير وعلم أن مثله لا يكون إلا من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة, ولو لم يكن ذلك من عند الله لما أخبر به النبي ﷺ الناس ولا ادعى أنه معصوم من القتل والقهر من أعدائه وهو لا يأمن أن يوجد ذلك على خلاف ما أخبر به فيظهر كذبه مع غناه عن الإخبار بمثله. وأيضا لو كانت هذه الأخبار من عند غير الله لما اتفق في جميعها وجود مخبراتها على ما أخبر به, إذ لا يتفق مثلها في أخبار الناس إذا أخبروا عما يكون على جهة الحدس والتخمين وتعاطي علم النجوم والرزق والفأل ونحوها, فلما اتفق جميع ما أخبر به عنه من الكائنات في المستأنف على ما أخبر به ولا تخلف شيء منها, علمنا أنها من عند الله العالم بما كان وما يكون قبل أن يكون (١). القرآن ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨] التفسير: قل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: إنكم لستم على حظٍّ من الدين ما دمتم لم تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وما جاءكم به محمد ﷺ من القرآن، وإن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزيدهم إنزالُ القرآن إليك إلا تجبُّرًا وجحودًا، فهم يحسدونك; لأن الله بعثك بهذه الرسالة الخاتمة، التي بَيَّن فيها معايبهم، فلا تحزن -أيها الرسول- على تكذيبهم لك. سبب النزول: قال ابن عباس-﵄: " جاء رسول الله ﷺ رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حرملة، فقالوا: يا محمد! ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلى؛ ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، وأنا برئ من أحداثكم"، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا؛ فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ " (٢). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: " قل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: إنكم لستم على حظٍّ من الدين ما دمتم لم تعملوا بما في التوراة والإنجيل" (٣).

стр. 3554

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " ﴿حتى تقيموا﴾، تعملوا بما فيه" (١)." ﴿التوراة والإنجيل﴾: التوراة أنزلت على اليهود والإنجيل على النصارى وعلى عيسى بن مريم" (٢). قال القرطبي: " أي: لستم على شي من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد ﵇، والعمل بما يوجبه ذلك منهما" (٣). قال السمرقندي: أي: " قل يا أهل الكتاب: لستم على شيء من الدين ولا ثواب لأعمالكم حتى تعملوا بما في التوراة، والإنجيل" (٤). قال البغوي: " أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما" (٥). قال ابن كثير: " ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها ومما فيها الأمر باتباع بمحمد ﷺ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته" (٦). قال الزمخشري: " ﴿لستم على شيء﴾، أى: على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء" (٧). قال ابن عرفة: "أي: لستم على شيء معتبر؛ لأنه شيء غير معتبر شرعا" (٨). قال ابن عطية: " أمر تعالى نبيه محمدا ﵇ أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه: ﴿لستم على شيء﴾، أي: على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد ﷺ " (٩). قال السعدي: " أي: قل لأهل الكتاب، مناديا على ضلالهم، ومعلنا بباطلهم: ﴿لستم على شيء﴾ من الأمور الدينية، فإنكم لا بالقرآن ومحمد آمنتم، ولا بنبيكم وكتابكم صدقتم، ولا بحق تمسكتم، ولا على أصل اعتمدتم ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾ أي: تجعلوهما قائمين بالإيمان بهما واتباعهما، والتمسك بكل ما يدعوان إليه" (١٠). قال الطبري: " وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَره. يقول تعالى ذكره له: قل، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى يا أهل الكتاب، التوراة والإنجيل لستم على شيء، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى ﷺ ، معشرَ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى حتى تقيموا التوراة والإنجيل" (١١). قال الشوكاني: " قوله: ﴿على شيء﴾، فيه تحقير وتقليل لما هم عليه: أي لستم على شيء يعتد به ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾: أي تعملوا بما فيهما من أوامر الله ونواهيه التي من جملتها أمركم باتباع محمد ﷺ ونهيكم عن مخالفته" (١٢). وإن قيل: كيف أمرهم أن يقيموا الكتب وقد علم أن القرآن قد نسخ التوراة والإنجيل، ولا يصح إقامة جميعها؟ ففيه أجوبة:

стр. 3555

أحدها: قيل: "يجوز أنه عنى الإقرار بصحة ثلاثتها، ويجوز أنه أراد أحكام أصولها، فإن ثلاثتها تستوي في ذلك وإنما الاختلاف في الفروع بسحب مصالح الأزمنة" (١). والثاني: وقيل: "أراد إقامة هذه الكتب بإظهار ما فيه من وصف النبي ﷺ وتصديق بعضها بعضا" (٢). والثالث: وقال أبو علي: "ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما" (٣). قال البيضاوي: " ومن إقامتها الإيمان بمحمد ﷺ والإذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها" (٤). قال الطرطوشي: " قال سفيان: " ليس في كتاب الله تعالى آية أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وإقامتها: فهمها والعمل بها" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: "وما جاءكم به محمد ﷺ من القرآن" (٦). قال مجاهد: "ما أنزل على محمد ﷺ " (٧). عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قوله" ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾، قال: القرآن" (٨). قال الشوكاني: " قيل: هو القرآن، فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته، ويجوز أن يكون المراد ما أنزل إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين" (٩). قال الشيخ محمد رشيد رضا: " "وهو القرآن المجيد، فإنه هو الذي أكمل به دين الأنبياء والمرسلين، على حسب سنته في النشوء والارتقاء بالتدريج" (١٠). قال السعدي: أي: " ﴿و﴾ تقيموا ﴿ما أنزل إليكم من ربكم﴾ الذي رباكم، وأنعم عليكم، وجعل أجل إنعامه إنزال الكتب إليكم. فالواجب عليكم، أن تقوموا بشكر الله، وتلتزموا أحكام الله، وتقوموا بما حملتم من أمانة الله وعهده" (١١). قال الراغب: " إن قيل: قوله: ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾ داخل فيه التوراة والإنجيل إذ كل ذلك منزل من الله، فلم أفردا؟ قيل: إنه أفردهما بالذكر على سبيل التفصيل وخص ما أنزل بالقرآن" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: " وإن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزيدهم إنزالُ القرآن إليك إلا تجبُّرًا وجحودًا" (١٣). قال الطبري: أي: " وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات، الكتابُ الذي أنزلته إليك، يا محمد تجاوزًا وغلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نزول الفرقان وكفرًا يقول: وجحودًا لنبوتك" (١٤).

стр. 3556

قال السمرقندي: " وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من القرآن من ربك طغيانا وكفرا يعني: تماديا بالمعصية، وكفرا بالقرآن، يعني: إنما عليك تبليغ الرسالة والموعظة، فإن لم ينفعهم ذلك فليس عليك شيء" (١). قال القرطبي: " أي: يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم" (٢). قال الشوكاني: " أي: كفرا إلى كفرهم وطغيانا إلى طغيانهم، والمراد بالكثير منهم من لم يسلم، واستمر على المعاندة وقيل: المراد به العلماء منهم، وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها" (٣). و«الطغيان»: " تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه، وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى. ومنه قوله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٦]، أي: يتجاوز الحد في الخروج عن الحق" (٤). قال ابن عرفة: " «الطغيان»: التعنت والعصيان، و «الكفر»: العصيان بالاعتقاد" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: " فلا تحزن -أيها الرسول- على تكذيبهم لك" (٦). قال ابن عباس والسدي: " يقول: فلا تحزن" (٧). قال ابن كثير: " أي: فلا تحزن عليهم ولا يَهيدنَّك ذلك منهم" (٨). قال السمرقندي: " يعني: لا تحزن عليهم إن كذبوك" (٩). قال القرطبي: " أي: لا تحزن عليهم، وهذه تسلية للنبي ﷺ ، وليس بنهي عن الحزن، لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن" (١٠). قال الزمخشري: أي: " فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم" (١١). قال الشوكاني: " أي: دع عنك التأسف على هؤلاء، فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم، وفي المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم" (١٢). قال الصابوني: " أي: لا تحزن عليهم فإِن تكذيب الأنبياء عادتُهم ودأبهم" (١٣). وقوله: ﴿فلا تأس﴾، أي: فلا تحزن، يقال: أسِيَ فلان على كذا، إذا حزن يأسَى أسىً، ومنه قول العجاج (١٤):

стр. 3557

وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى ... وكيف غربي دالج تبجسا قوله: " من فرط الأسى"، يعني: من شدة الحزن (١). الفوائد: ١ - كفر أهل الكتاب إلا من آمن منهم بالنبي محمد ﷺ واتبع ما جاء به من الدين الحق. فلم يعد يقبل من أحد أن يستمسك بما سبق من الكتب ويرفض القرآن. ٢ - التقريع لأهل الكتاب والتنديد بباطلهم ومخازيهم. ٣ - أن أهل الكتاب مكلفون بإقامة التوراة والإنجيل معا، لكنهم كفروا بهما، قال تعالى: لْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [المائدة: ٦٨]، ومن إقامة التوراة والإنجيل: الإيمان بمحمد ﷺ حيث بشَّرت به هذه الكتب، واتباع الإسلام الذي نسخ ما قبله من الأديان. ٤ - أن أهل العناد والمكابرة لا تزيدهم الأدلة والبراهين إلا عتواً ونفوراً وطغياناً وكفرا. ٥ - ومنها: ان أن الكفر يزيد كما في قوله تعالى في آيتي المائدة: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيِرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]. وقوله في الإسراء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]. وفي آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثًمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]. وفي النساء: ﴿إِنَ الَّذِينَءَامَنُوا ثُمَّ كّفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧]. فكذلك الإيمان يزيد حتى يبلغ أعلى درجاته، والكفر يزيد حتى يسفل إلى أدنى دركاته أيضاً مما يدل على زيادة الإيمان عند أهله تفاضلهم فيه، بكون بعضهم أفضل من بعض (٢). ٦ - أن القرآن جاء مؤيدًا للحق الذى ورد فيها كما سبقت إليه الإشارة من عبادة الله وحده، والإيمان برسله، والتصديق بالجزاء، ورعاية الحق والعدل، والتخلق بالأخلاق الصالحة؛ وهو فى الوقت ذاته مهيمنًا عليها ومبينًا ما وقع فيها من أخطاء وأغلاط، وتحريف وتصحيف، وتغيير وتبديل. وإذا انتفت هذه الأخطاء التى أدخلها رجال الدين على الكتب السماوية وزوروها على الناس باسم الله، ظهر الحق، واستبان، والتقى القرآن مع التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وإقامتها لا تتحقق إلا بعد تطهيرها من الزيف (٣). ٧ - ومن فوائد الآية أيضا: تأكيد ضلال اليهود والنصارى وأنهم على دين باطل بعد نسخه بدين محمد- ﷺ . ٨ - أن الألقاب والانتساب لا ينفع صاحبه دون عمل ومتابعة لمن انتسب إليه كما قال الرب جل وعلا ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وليس الذين أحبوه، أو انتسبوا إليه. فحب اليهود ليعقوب وانتسابهم إليه، وحبهم لداود وموسى وسليمان وغيرهم. وحب النصارى للمسيح وانتسابهم إليه ليس بنافعهم لانقطاعهم عن المنهج والتعاليم التي جاء بها هؤلاء الأنبياء الكرام ﵈: قال تعالى ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥].

стр. 3558

هذا هو الانتساب الأجوف الذي لا قيمة له. لذلك عقب الله عليه بقوله ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]. إنّ الله يريد الملة والدين الصحيح. أما الاسم والنسب فلا قيمة له عنده، ومع هذا كله انتقل إلينا هذا المرض الخطير فصار فينا من يتعصب للأسماء والطوائف، ويفخر بالانتساب إلى مشاهير الملة دون العمل بما دعوا إليه، وجاهدوا من أجله. وهذا ليس بنافعهم بل هو ضار بهم: في الدنيا تفرقة وتمزقاً وفتناً. وفي الآخرة خسراناً مبيناً. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ [المائدة: ٦٩] التفسير: إن الذين آمنوا -وهم المسلمون-، واليهود، -والصابئون كذلك -وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-، والنصارى -وهم أتباع المسيح- من آمن منهم بالله الإيمان الكامل، وهو توحيد الله والتصديق بمحمد ﷺ وبما جاء به، وآمن باليوم الآخر، وعمل العمل الصالح، فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: إن الذين "صدّقوا الله ورسوله وهم المسلمون" (١). قال الطبري: أي: " إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام" (٢). قال ابن عثيمين: " يعني أمة محمد ﷺ ، لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل" (٣). وقرأ عبد الله: «يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون» (٤). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: " واليهود" (٥). قال الشيخ ابن عثيمين: "أي: الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى" (٦). واختلفوا في أصل كلمة «واليهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (٧): أحدها: أنها من: «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل. والثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (٨)، والهائد (٩): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (١٠): إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ أي: تائب.

стр. 3559

والثالث: وقال ابن عرفة: ﴿هدنا إليك﴾، أي: سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ (١). والرابع: أنهم نُسِبُوا إلى «يهوذا» بالذال المعجمة، وهو أكبر ولد يعقوب-﵊، فغيرته العرب بالدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل: «يهود». والخامس: أنها مشتقة من: هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه. والسادس: أنه من «التهويد»، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (٢)، وأنشد قول الراعي النميري (٣): وخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى ... قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ والسابع: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ ﴿هدنا إليك﴾، أي: خضعنا إليك. والثامن: أن أصلها من: «هاد يهيد»، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (٤). وفي أصل الألف في كلمة: «هادوا»، وجهان (٥): أحدهما: أنه من «واو»، والأصل: «هاد يهود» أي: تاب. الثاني: أنها من «ياء»، والأصل: «هاد يهيد»، أي: تحرك. وقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة «يهوذا» الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (١٣٩ - ٦٨٥ ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى ﵇ إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (٦). وقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام: " أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفاراً من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد" (٧).

стр. 3560

ولهذا فإن لفظ «اليهود»: هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة "عبرانيين" (١) و"بني إسرائيل" (٢) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة «يهود» أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم. وذكروا في قوله تعالى: ﴿هَادُوا﴾ [المائدة: ٦٩]، وجهان من القراءة (٣): أحدهما: ﴿هَادُوا﴾، بضم الدال. قرأ بها الجمهور. والثاني: ﴿هَادَوا﴾ ـ بفتح الدال، من المهاداة، قرأ بها أبو السماك العدوي. قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: " والصابئون-وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-" (٤). قال البيضاوي: " قوم بين النصارى والمجوس" (٥). قال النسفي: أي: "الخارجين من دين مشهور إلى غيره، من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة" (٦). قال الثعلبي: يقال: صبا يصبوا صبوءا، إذا مال وخرج من دين إلى دين" (٧). وقد اختلفت عبارات المفسرون في تفسير معنى (الصابئة) على أقوال: أحدها: أنهم قوم بين المجوس واليهود والنصارى، وليس لهم دين. قاله مجاهد (٨)، وعطاء (٩). والثاني: أنهم منزلة بين اليهود والنصارى. قاله سعيد بن جبير (١٠). والثالث: قبيلة بين المجوس واليهود، ولاتؤكل ذبائحهم ولاتنكح نساؤهم. قاله الحسن (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن أبي نجيح (١٣). والرابع: هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. قاله أبو العالية (١٤) والسدي، والربيع بن أنس، وأبو الشعشاء جابر بن زيد، والضحاك، وإسحاق بن راهويه (١٥). والخامس: أنهم أهل دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله، ولم يؤمنوا برسول الله. قاله ابن زيد (١٦). والسادس: هم الذين لم تبلغهم دعوة نبي. ذكره ابن كثير (١٧). والسابع: هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة. قاله قتادة (١٨)، وزياد بن أبيه (١٩)، وأبو جعفر الرازي (٢٠). والثامين: أنهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السدي (٢١). قال ابن كثير: "وأظهر الأقوال – والله أعلم – قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين وإنما هم باقون على فطرتهم، ولادين مقرر يتبعونه ويقتضونه" (٢٢). نستنتج مما سبق، بأن الصابئة أحد أمرين:

стр. 3561

إما أن تكون فرقة واحدة لكن بعضهم انخرط مع المجوسية والبعض مع أهل الكتاب والبعض اعتزل جميع الأديان. وإما أن تكون فرقة الصابئة، عبارة عن فرق متعددة ومذاهب متفرقة، كل فرقة لها طابع خاص تستقل به عن الفرقة الأخرى، فالجامع بينهم جميعاً المسمى – فقط – أما الحقيقة ففيه اختلاف فيما بينهم. يقول ابن القيم – ﵀ –: " وقد اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً، بحسب ماوصل إليهم من معرفة دينهم، وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ... الآية﴾ [البقرة: ٦٢]. فذكرهم – جل وعلا – في الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منها إلى ناج وهالك كما في قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ [الحج: ١٧]، فذكر الأمتين اللتين لاكتاب لهم، ولاينقسمون إلى شقي وسعيد وهما: المجوس والمشركون، ولم يذكرهما في آية الوعد بالجنة، وذكر الصابئين فيهما فعلم أن فيهم الشقي والسعيد" (١). وقد اختلف موقف العلماء في الصائبة، قال ابن القيم: "لقد اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم: فقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ببذل الجزية، ثم اختلف أصحابه – وكذلك اختلف الأحناف والمالكية والحنابلة –" (٢). ويقول ابن القيم – ﵀ –: "وبالجملة فالصابئة أحسن حالاً من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم ديناً ومذهباً، ولايتمسكون بكتاب ولاينتمون إلى ملة ولايثبت لهم كتاب ولاشبهة كتاب أصلاً ... وكل ماعليه المجوس من الشرك فشر الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه" (٣). قال ابن ابي زمنين: " اختلف القول في رفع: ﴿الصابئون﴾، والأجود: أنه محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء، المعنى: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا - فلا خوف عليهم والصابئون والنصارى كذلك أيضا" (٤). قال الزمخشري: " والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه (٥) شاهدا له (٦): وإلاَّ فاعْلَموا أَنَّا وأنتمْ ... بُغَاةٌ ما بَقينا فِي شِقاقِ أى: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك" (٧). وقرأ عثمان وأبي وعائشة وابن جبير والجحدري وابن كثير: «والصابئين»، بالنصب (٨). وقرئ: ﴿الصَّابِينَ﴾ و ﴿والصّابون﴾، بترك الهمزة، قرأ بها أهل المدينة في جميع القرآن (٩).

стр. 3562

قوله تعالى: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: "والنصارى-وهم اتباع المسيح-" (١). قال الثعلبي: " الذين كانوا على دين عيسى ﵇ ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك" (٢). و﴿النَّصَارَى﴾ جمع اختلف في مفرده على قولين (٣): الأول: واحده (نصراني)، وقيل: (نصران)، بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه (٤). وقد حكى عنهم سماعا (نصران)، بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٥): تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس والأنثى (نصرانة)، قال الأخزر الحماني (٦): فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ والثاني: واحده نصْرِي. قاله الخليل بن أحمد (٧). قال الماوردي: "والأول أظهر" (٨). وفي سبب تسميتهم بـ (النصارى)، ثلاثة أقوال (٩): أحدها: أنهم سُمُّوا بذلك، لقريةٍ تُسَمَّى (ناصرة)، كان ينزلها عيسى ﵇، فَنُسِبَ إليها، فقيل: عيسى الناصري، ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى، وهذا قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، وابن جريج (١٢). والثاني: أنهم سُمُّوا بذلك، لنصرة بعضهم لبعضٍ، قال الشاعر (١٣): لمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا

стр. 3563

والثالث: أنهم سُمُّوا بذلك، لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى الله﴾ [الصف: ١٤] (١). ولفظة (النصرانية) و (نصارى) التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاط المعربة، يرى بعضى المستشرقين أنّها من أصل سرباني هو: (نصرويو) Nosroyo، (نصرايا) Nasraya (٢)، ويرى بعضٌ آخر أنّها من Nazerenes التّسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتّبع ديانة المسيح، وقد وردت في العهد الجديد في (أعمال الرسل) حكاية على لسان يهود (٣)، وبرى بعض المؤرخين أن لها صلةً (بالناصرة) التي كان منها (يسوع) حيث يُقال: (يسوع الناصري) أو أنّ لها صلة ب (الناصريين) Nasarenes = Nazarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتّبع ديانة المسيح (النصارى)، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علماً لديانة المسيح عند المسلمين. ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلاً، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نُسب اليها المسيح (٤)، وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يُقال لها (نصران)، فقبل نصراني وجمعه نصارى (٥)، وذُكر أن (النصرانة) هي مؤنث النصراني (٦). وقد وردت هذه التسمية في الشعر الجاهلي، فقد ذُكر ان أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت (٧): أيام يلقى نصاراهم مسيحهم ... والكائنين له وداً وقربانا وذكر أنّ شاعراً جاهلياً ذكر النصارى في شعر له، هو (٨): اليكَ تعدو قلقا وضينها معترضاً في بطنها جنينها مخالفاً دين النصارى دينها وذُكر أنّ جابر بن حُنىّ قال (٩): وقد زعمت بهراء أنّ رماحنا رماح نصارى لا تخوض إلى دم وأنّ حاتماً الطّائي قال في شعر له (١٠): ومازلت أسعى بين نابٍ ودارة ... بلحيانَ حتى خفت أن أتنصرا وأنّ «طخيم بن أبي الطخماء» قال في شعر له في مدح بني تميم (١١): وإنّي وإنْ كانوا نصارى أحبهّم ويرتاح قلبى نحوهم ويُتَوَّق وأنّ حسان بن ثابت قال (١٢):

стр. 3564

فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد غير أنّ هذه الأبيات وأمثالها إنْ صح أنها لشعراء جاهليين حقاً، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات. والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون (تلاميذ) Disciples، و (تلاميذ المسيح)، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم (١) وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد (تلاميذ يوحنا) وقصدوا بذلك النصارى (٢)، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم. كذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم ب (الاخوة) وب (الاخوة في الله) Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وب (الأخ) للتعبير عن المفرد، ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم إخوة في الله وفي الدين (٣)، ثم تخصصت كلمة (الأخ) برجل الدين (٤)، ودعوا أنفسهم (القديسين) Saints (٥) والمؤمنين (٦) والمختارين الأصفياء والمدعوّين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للأشارة إلى التسمية التي تليها. وقد كنى عن مجتمع النصارى ب (الكنيسة) Ecclesia وتعني (المجمع) في الإغريقية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى ب (الفقراء) وب (الأصدقاء) (٧). وقد عرف النصارى ب Christians نسبةً إلى Christos اليونانية التي تعني (المسيح) Messiah، أيْ المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعُرفوا بها، تمييزاً لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (٨). أما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق (نصارى) و (نصراني) و (نصرانية) على النصارى تمييزاً لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح (عيسوي) و (مسيحي)، فلم يُعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى (٩)، وقد قصد في القرآن الكريم ب (أهل الإنجيل) (١٠) النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات (١١). وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم الصليب وتقديسه، ورد أنّ الرسول ﷺ قال لراهبيْن أتياه من نجران، فقال لهما رسول الله ﷺ : "أسلما تسلما، فقالا: قد

стр. 3565

أسلمنا قبلك، فقال النبي ﷺ : كذبتما منعكما من الإسلام ثلاث، سجودكما للصليب، وقولكما: إتخذ الله ولداً، وشربكما الخمر، فقالا: فما تقول في عيسى؟ ، قال: فسكت النبي ﷺ ونزل القرآن ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إلى قوله: أبناءنا وأبناءكم قال: فدعاهما رسول الله ﷺ إلى الملاعنة قال: وجاء بالحسن والحسين وفاطمة أهله وولده، قال: فلما خرجا من عنده، قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، قال: فرجعا، فقالا: نقر بالجزية ولا نلاعنك، قال: فإقرأ بالجزية" (١). وقد روي عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ"، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ"" (٢). وورد في شعر ذي الرّمة (٣): ولكنَّ أصل امرىء القيس معشرٌ ... يحل لهم أكل الخنازير والخمر يريد أنّهم نصارى في الأصل، فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم الخمر (٤). وفد أقسم النصارى بالصليب. هذا «عدي بن زيد» يحلف به في شعر ينسب اليه، فيقول (٥): سَعى الأَعداءُ لا يَألونَ شَرّاً ... عَلَيكَ وَرَبِّ مَكَّةَ وَالصَليبِ قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: " مَنْ آمن من هؤلاء المذكورين إِيماناً صحيحاً خالصاً لا يشوبه ارتيابٌ بالله وباليوم الآخر" (٦). أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: قوله: " ﴿من آمن بالله﴾، يعني: من وحد الله" (٧). قال البغوي: المعنى: " آمنوا بالقلب، وقيل: الذين آمنوا على حقيقة الإيمان من آمن بالله، أي: ثبت على الإيمان" (٨). قال الراغب: " إن قيل: كيف قال: ﴿من آمن منهم بالله﴾ و ﴿من﴾ يدل على ما تقدم، وتقديره: من آمن من المؤمنين ومن الذين هادوا، وذلك خلف من الكلام؟ قيل في ذلك وجهان: أحدهما: أن معنى قوله: ﴿إن آلذينءامنوا﴾: أظهروا الإيمان وأمنوا من القتل والسبي وهم الموصوفون بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. وقوله: ﴿منءامن منهم﴾، أي: من يحقق الإيمان فبين أن المظهر للإيمان، والذين ما داموا فيهم ممن ذكرهم، لا يسقط عنهم الخوف والحزن في الدارين ما لم يتحققوا بتصديق الله، والإيمان بالمعاد، والتحري لمصالح الأعمال. والثاني: أن قوله: ﴿منءامن بالله﴾ راجع إلى قوله: ﴿والذين هادوا والصابئون﴾، دون قوله: ﴿إن الذينءامنوا﴾ " (٩).

стр. 3566

وقال الزمخشري: " فان قلت: كيف قال: ﴿الذين آمنوا﴾، ثم قال: ﴿من آمن﴾؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وأن يراد بمن آمن. من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه" (١). قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [المائدة: ٦٩]، " أي: وعمل بطاعة الله في دار الدنيا" (٢). قال البيضاوي: أي: " عاملاً بمقتضى شرعه" (٣). قال أبو حيان: " هو عام في جميع أفعال الصلاح وأقوالها وأداء الفرائض، أو التصديق بمحمد ﷺ " (٤). قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: " فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة" (٥). قال الصابوني: "أي: ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب" (٦). قال الثعلبي: " فيما قدّموا" (٧). قال البيضاوي: " حين يخاف الكفار من العقاب" (٨). قال الطبري: أي: "ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة" (٩). وقرأ الجمهور: ﴿وَلا خَوْفٌ﴾، بالرفع والتنوين. وقرأ الحسن: ﴿ولا خوف﴾، من غير تنوين (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: " ولا هم يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا" (١١). قال الثعلبي: " على ما خلّفوا" (١٢). قال البيضاوي: حين "يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب" (١٣). قال الطبري: " ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده" (١٤). قال ابن عثيمين: " لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزن على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قال تعالى: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٦]: هذا تحزُّن، وتحسُّر" (١٥). قال الشيخ السعدي: " يخبر تعالى عن أهل الكتب من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل

стр. 3567

الصالح، فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها. وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن العبرة بالإيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي لا بالإنتساب إلى دين من الأديان. ٢ - ومنها: أن الله لا يظلم أحداً، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجره من أيّ صنف كان. ٣ - ومنها: ثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر، وهو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى. ٤ - ومنها: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين هادوا، والنصارى، والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوم الآخر. وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم بأنهم أكثر أجراً. القرآن ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة: ٧٠] التفسير: لقد أخذنا العهد المؤكَّد على بني إسرائيل في التوراة بالسمع والطاعة، وأرسلنا إليهم بذلك رسلنا، فَنَقَضوا ما أُخذ عليهم من العهد، واتبعوا أهواءهم، وكانوا كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تشتهيه أنفسهم عادَوْه: فكذبوا فريقًا من الرسل، وقتلوا فريقًا آخر. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: " لقد أخذنا العهد المؤكَّد على بني إسرائيل في التوراة بالسمع والطاعة" (٢). قال أبو العالية: " أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره" (٣). قال مقاتل: " في التوراة على أن يعملوا بما فيها" (٤). قال الزمخشري: " لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد" (٥). قال القرطبي: " الميثاق: هو ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل به" (٦). قال الطبري: المعنى: " أقسم: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص في توحيدنا، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: " وأرسلنا إليهم بذلك رسلنا" (٨). قال الزمخشري: " ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم" (٩). قال البيضاوي: أي: " ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم" (١٠). قال السعدي: " يتوالون عليهم بالدعوة، ويتعاهدونهم بالإرشاد، ولكن ذلك لم ينجع فيهم، ولم يفد" (١١).

стр. 3568

قال القرطبي: "المعنى: لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم، وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود، وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] " (١). قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: " كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما يخالف أهواءهم وشهواتهم" (٢). قال الطبري: أي: " كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبَّتهم" (٣). قال الزمخشري: أي" بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع" (٤). وقال السدي: " لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة وخاصموه" (٥). قال ابن عباس: " ما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أخذه الله إليه ثم ذكر كفرهم بذلك كله، ثم قال: ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾ " (٦). قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: " فكذبوا فريقًا من الرسل، وقتلوا فريقًا آخر" (٧). قال مقاتل: " يعني: اليهود كذبوا بطائفة من الرسل وقتلوا طائفة من الرسل يعني زكريا ويحيى في بني إسرائيل" (٨). قال المحاسبي: أي: " وفريقا يقتلُون فريقا كلا الْكَلِمَتَيْنِ مُقَدّمَة مؤخرة" (٩). قال الشوكاني: أي: " فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر، وفريقا آخر منهم قتلوهم" (١٠). قال الطبري: أي: " كذّبوا منهم فريقًا، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا" (١١). قال الزجاج: " المعنى كلما جاءهم رسول كذبوا فريقا وقتلوا فريقا، أما التكذيب فاليهود والنصارى مشتركة فيه، وأما القتل فكانت إليهود خاصة – دون النصارى - يقتلون الأنبياء، وكانت الرسل على ضربين، رسل تأتي بالشرائع والكتب نحو موسى وعيسى وإبراهيم ومحمد - صلى الله عليهم وسلم -، فهؤلاء معصومون من الخلق، لم يوصل إلى قتل واحد منهم، ورسل تأتي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحث على التمسك بالدين نحو يحيى وزكريا - صلى الله عليهما وسلم" (١٢). قال القرطبي: " أي: كذبوا فريقا وقتلوا فريقا، فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء. وإنما قال: ﴿يقتلون﴾ لمراعاة رأس الآية. وقيل: أراد فريقا كذبوا، وفريقا قتلوا، وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون، فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر. وقيل: فريقا كذبوا لم يقتلوهم، وفريقا قتلوهم فكذبوا. و ﴿يقتلون﴾، نعت لفريق" (١٣).

стр. 3569

قال الزمخشري: " فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضيا «٢» وبالآخر مضارعا؟ قلت: جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها" (١). قال البيضاوي: " وإنما جيء بـ ﴿يقتلون﴾، موضع «قتلوا»، على حكاية الحال الماضية استحضارا لها واستفظاعا للقتل، وتنبيها على أن ذلك من ديدنهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤوس الآي" (٢). الفوائد: ١ - بيان تاريخ بني إسرائيل، والكشف عن مختبئات جرائمهم من الكفر والقتل. ٢ - أن عقيدة اليهود: الكفر برسل الله، والوقاحة الدائمة مع رسل الله، واتهام رسل الله، وتقتيل رسل الله، إنهم كما قال الله: ﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾ [المائدة: ٧٠]. تأمل فريقا كذبوا وفريقا يقتلون كما قال الله عنهم: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]. ويلاحظ هنا استعمال أداة العموم، والتكرار كلما تعبيرا عن اطراد اليهود على التكذيب، أو القتل للرسل إذا جاءهم بما لا تهوى أنفسهم الضالة فكم من رسل قتلوهم، وكم من رسل كذبوهم، وكم من رسل شنعوا عليهم واتهموهم، وهذا سيدنا عيسى ﵇ نال منهم حظا وافرا حين اتهموه ﵇ بأنه ابن زنا -والعياذ بالله- اتهموه مع أمه اتهموا مريم الطاهرة البتول بأنها زانية، وأن عيسى ﵇ هو ابن زنا، فنعى الله عليهم هذا في قوله سبحانه: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا﴾ [النساء: ١٥٦، ١٥٧]. سبحان الله ما هذا الافتراء على الله، وما هذا الكذب على رسل الله، بل قتل الأنبياء ما هذه الاتهامات؟ ما هذه الخسائس، وتلك الشناعات؟ وأما موقف اليهود من نبينا محمد ﷺ ، فأي أمة في التاريخ بلغت في النكالة، والإفك مبلغ هؤلاء اليهود حين فعلوا هذا مع أنبياء الله ورسله؟ وحين تعنتوا معهم، وتعنتوا مع سيدنا محمد ﷺ تعنتوا معه في الأسئلة فكما قال الله: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾ [النساء: ١٥٣] فكذبوا رسول الله، وأرادوا قتله عشرات المرات، ولكن الله عصمه منهم. وأخبر تعالى بقوله: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ [التوبة: ٧٤] وقال في حق نبيه ﵊: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] وأصروا على موقفهم بل على كفرهم، وأبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد ﵌ فقال الله عنهم: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ بالبقرة: ١٢٠]. استبان الحق لهم واضحا، فأبوا أن يتبعوه مع وضوحه وضوح الشمس حتى قال الله لنبيه ﵊: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين﴾ [البقرة: ١٤٥]، ولم يكتفوا بهذا، بل راحوا يجاهدون أو يقاتلون باطلا لردة الناس عن دينهم ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ [البقرة: ٢١٧].

стр. 3570

إنهم اتخذوا كل الوسائل في تكذيب النبي محمد ﷺ كما كذبوا رسلا من قبله، وحاولوا قتله، كما قتلوا رسلا من قبله حتى وصموا بهذه الصفة، ولازمتهم تلك الذلة والمسكنة حين قال الله: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [آل عمران: ١١٢]. وحين طالبهم النبي ﵊ بالإيمان به ردوا قائلين كما قال القرآن: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ [آل عمران: ١٨٣] ومن ثم أبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ وهو النبي الخاتم المذكور في توراتهم، والمصرح به كما سنذكر ذلك بعد قليل إن شاء الله ﵎. إذا فهم مع الإيمان بالرسل على نحو ما ذكرنا، ولهم دور كبير مع النبي محمد ﵊ في المجادلة واللجاج، والتعنت في الأسئلة وفي المواقف، وفي كل شيء؛ ولذلك حكى القرآن الكريم هذا عنهم فيما ذكروه من أسئلة ومجادلات مع رسول الله ﷺ وفيما وقع منهم من فساد؛ فجدالهم لم ينقطع، واستهزاؤهم بالدين لم ينته، أذكر من هذا على سبيل المثال لا الحصر؛ المجادلات، والمخاصمات الكلامية التي أرادوا من ورائها الطعن في الإسلام، ونبي الإسلام ﵊ فجادلوا في نبوة النبي محمد ﵊ بقصد الطعن فيها، وصرحوا بأن محمدا ﷺ ليس هو النبي المنتظر التي بشرت به الكتب السماوية بعد أن عرفوا صدقه، كما يعرفون أبناءهم. ولم يكتف اليهود بكل هذا؛ فبعد فشلهم في هذه المجادلات، وتلك المحاولات راحوا ينقضون المعاهدات، ويدبرون المؤامرات، ويقاتلون رسول الله ﷺ كما حدث هذا في بني قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولهم أحابيل شيطانية، حاولوا بها تفريق الكلمة، وتمزيق الأمة، وإشاعة البغضاء بين الأوس والخزرج مرة، وبين المهاجرين والأنصار أخرى، عاهدهم النبي ﵊ معاهدة عدل وبر، وقسط ورحمة، ومع ذلك نقضوا عهود، فهم اليهود قتلة الأنبياء، نقضة العهود، وكما قال القائل: لو تركت الحمر نهيقها، والكلاب نباحها، والحيات لدغها ما ترك اليهود نقضهم للعهود؛ فقد كانت مواقفهم مع أنبياء الله ورسله بصفة عامة، كما حكاه القرآن ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾ [المائدة: ٧٠]. ومع رسول الله محمد ﷺ بصفة خاصة على نحو ما أسلفنا من المجادلات والمحاولات، ونقض المعاهدات، وتدبير المؤامرات، واستمر ذلك بعد النبي ﵊ وإلى هذا العصر الحديث. القرآن ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ [المائدة: ٧١] التفسير: وظنَّ هؤلاء العُصاة أن الله لن يأخذهم بالعذاب جزاء عصيانهم وعُتُوِّهم، فمضوا في شهواتهم، وعمُوا عن الهدى فلم يبصروه، وصَمُّوا عن سماع الحقِّ فلم ينتفعوا به، فأنزل الله بهم بأسه، فتابوا فتاب الله عليهم، ثم عَمِي كثيرٌ منهم، وصمُّوا، بعدما تبين لهم الحقُّ، والله بصير بأعمالهم خيرها وشرها وسيجازيهم عليها. قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " وظنَّ هؤلاء العُصاة أن الله لن يأخذهم بالعذاب جزاء عصيانهم وعُتُوِّهم" (١).

стр. 3571

قال قتادة: " يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاءٌ ﴿فعموا وصموا﴾، كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه" (١). قال السدي: " يقول: حسبوا أن لا يبتلوا" (٢). قال الحسن: " ﴿فتنة﴾: بلاء" (٣). وقال ابن عباس: " ﴿فتنة﴾: الشرك" (٤). قال عبد الله بن كثير: "هذه الآية لبني إسرائيل، و ﴿الفتنة﴾، البلاء والتَّمحيص" (٥). قال ابن كثير: " أي: وحسبوا ألا يترتب لهم شر على ما صنعوا" (٦). قال الطبري: أي: " وظن هؤلاء الإسرائيليون الذين وصف تعالى ذكره صفتهم: أنه أخذ ميثاقهم: وأنه أرسل إليهم رسلا وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقًا وقتلوا فريقًا، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون" (٧). قال القرطبي: " المعنى، ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله ابتلاء واختبار بالشدائد، اغترارا بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنما اغتروا بطول الإمهال" (٨). قال البيضاوي: " أي: وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم" (٩). قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: "وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ" بالرفع، وأضاف ابن الجزري: خلفًا ويعقوب، وقرأ الباقون: ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بالنصب، ولم يختلفوا فى رفع ﴿فتنة﴾ (١٠). قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " فمضوا في شهواتهم، وعمُوا عن الهدى فلم يبصروه، وصَمُّوا عن سماع الحقِّ فلم ينتفعوا به" (١١). قال السدي: " فعموا عن الحق وصمُّوا" (١٢). قال الزجاج: " هذا مثل، تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولا بما رأوا من الآيات، فصاروا كالعمى الصم" (١٣). قال القرطبي: " ﴿فعموا﴾، أي: عن الهدى. ﴿وصموا﴾، أي: عن سماع الحق، لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه" (١٤). قال البيضاوي: " أي: فعموا عن الدين أو الدلائل والهدى. وصموا عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل" (١٥). قال ابن كثير: " فترتب [لهم الشر]، وهو أنهم عموا عن الحق وصَمُّوا، فلا يسمعون حقًا ولا يهتدون إليه " (١٦).

стр. 3572

قال الطبري: أي: " فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم، من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي، بحسبانهم ذلك وظنهم، ﴿وصموا﴾ عنه" (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " فأنزل الله بهم بأسه، فتابوا فتاب الله عليهم" (٢). قال البيضاوي: " أي: ثم تابوا فتاب الله عليهم" (٣). قال ابن كثير: " أي: مما كانوا فيه " (٤). قال القرطبي: "في الكلام إضمار، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط، أو بإرسال محمد ﷺ يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا، فهذا بيان ﴿تاب الله عليهم﴾، أي: يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة" (٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " ثم عَمِي كثيرٌ منهم، وصمُّوا، بعدما تبين لهم الحقُّ" (٦). قال القرطبي: " أي: عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد ﵊" (٧). قال البيضاوي: " أي: ثم عموا وصموا كرة أخرى" (٨). وقرئ: «عموا وصموا» بالضم فيهما، على أن الله تعالى عماهم وصمهم، أي: رماهم بالعمى والصمم، وهو قليل واللغة الفاشية أعمى وأصم (٩). وقوله: ﴿كثير منهم﴾، بدل من الضمير، أو فاعل والواو علامة الجمع كقولهم: «أكلوني البراغيث» (١٠)، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: العمى والصم كثير منهم، وقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره وهو ضعيف، لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع (١١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " والله بصير بأعمالهم خيرها وشرها وسيجازيهم عليها" (١٢). قال البيضاوي: " فيجازيهم على وفق أعمالهم" (١٣). قال ابن كثير: " أي: مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية " (١٤). الفوائد: ١ - إكرام الله تعالى لبني إسرائيل ولطفه بهم مع تمردهم عليه ورفض ميثاقه وقتل أنبيائه وتكذيبهم، والمكر بهم. ٢ - ومن اسماءه : «البصير»: وهو المبصر، «فعيل»، بمعنى: «مفعل»، كقولهم، أليم: بمعنى: مؤلم، وكقول عمرو بن معد يكرب (١٥):

стр. 3573

أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع يريد: المسمع. ويقال: البصير: العالم بخفيات الأمور (١). و﴿الْبَصِيرُ﴾، يعني: المدرك لجميع المبصرات، ويطلق البصير بمعنى العليم، فالله بصير، يرى كل شيء وإن خفي، وهو سبحانه بصير بمعنى: عليم بأفعال عباده، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: ١٨]، والذي نعمل بعضه مرئي وبعضه غير مرئي، فبصر الله إذاً ينقسم إلى قسمين، وكله داخل في قوله: ﴿الْبَصِيرُ﴾ (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: " فأهل السنة والجماعة يؤمنون بانتفاء المماثلة عن الله، لأنها عيب ويثبتون له السمع والبصر، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وإيمان الإنسان بذلك يثمر للعبد أن يعظمه غاية التعظيم، لأنه ليس مثله أحد من المخلوقات، فتعظم هذا الرب العظيم الذي لا يماثله أحد، وإلا، لم يكن هناك فائدة من إيمانك بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ " (٣). القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢] التفسير: يقسم الله تعالى بأن الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، قد كفروا بمقالتهم هذه، وأخبر تعالى أن المسيح قال لبني إسرائيل: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فأنا وأنتم في العبودية سواء. إنه من يعبد مع الله غيره فقد حرَّم الله عليه الجنة، وجعل النار مُستَقَرَّه، وليس له ناصرٌ يُنقذُه منها. سبب النزول: قال مقاتل: " نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم" (٤). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " أي أقسم إن هؤلاء الذين ادعوا أن الله هو المسيح بن مريم- قد كفروا" (٥). قال ابن كثير: " يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا" (٦). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " والحال أن المسيح قال لهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فأنا وأنتم في العبودية سواء" (٧). قال الشوكاني: " أي: والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة، فكيف يدعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم؟ " (٨).

стр. 3574

قال السمرقندي: " يعني: وحدوا الله وأطيعوه، ربي وربكم يعني: خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم" (١). قال السعدي: " فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق" (٢). قال أبو حيان: " رد الله تعالى مقالتهم بقول من يدعون إلهيته وهو عيسى، أنه لا فرق بينه وبينهم في أنهم كلهم مربوبون، وأمرهم بإخلاص العبادة، ونبه على الوصف الموجب للعبادة وهو الربوبية. وفي ذلك رد عليهم في فساد دعواهم، وهو أن الذي يعظمونه ويرفعون قدره عما ليس له يرد عليهم مقالتهم" (٣). قال ابن كثير: " تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله. بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٦]، وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له" (٤). قال الزمخشري: " لم يفرق عيسى ﵊ بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى" (٥). عن ابن عباس قوله: " ﴿اعبدوا﴾، أي: وحدوا ربكم" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " وإنه من يعبد مع الله غيره فقد حرَّم الله عليه الجنة" (٧). قال السعدي: " فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق" (٨). قال السمرقندي: " يعني: ويموت على شركه، فقد حرم الله عليه الجنة أن يدخلها" (٩). قال الزمخشري: أي: " إنه من يشرك بالله في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله فقد حرم الله عليه الجنة التي هي دار الموحدين أى حرمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرم من المحرم عليه" (١٠). قال الشوكاني: " وهذا كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة وقيل: هو من قول عيسى" (١١). قال أبو حيان: " الظاهر أنه كلام المسيح، فهو داخل تحت القول. وفيه أعظم ردع منه عن عبادته، إذ أخبر أنه من عبد غير الله منعه الله دار من أفرده بالعبادة .. . وقيل: هو من كلام الله تعالى مستأنف، أخبر بذلك على سبيل الوعيد والتهديد" (١٢). وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة"، وفي لفظ: "مؤمنة" (١٣).

стр. 3575

وعن عائشة-﵂-قال ﷺ : "الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يدعه الله لشيء. فأما الديوان الذي لا يغفر ف إن الله لا يغفر أن يشرك به وقال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " وجعل النار مُستَقَرَّه" (٢). قال أبو حيان: " وجعل مأواه النار" (٣). قال السمرقندي: " يعني: مصيره إلى النار" (٤). قال السعدي: " وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " وما للظالمين لأنفسهم بشركهم بالله من نصير ينصرهم " (٦). قال ابن كثير: " أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه" (٧). قال الشوكاني: " ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار" (٨). قال السعدي: " ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم بعض ما نزل بهم" (٩). قال السمرقندي: " يعني: ليس للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب" (١٠). قال الزمخشري: أي: " من كلام الله على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولوا على عيسى ﵇، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم رده وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى ﵇، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله" (١١). قال أبو حيان: " ظاهره أنه من كلام عيسى، أخبرهم أنه من تجاوز ووضع الشيء غير موضعه فلا ناصر له، ولا مساعد فيما افترى وتقول، وفي ذلك ردع لهم عما انتحلوه في حقهم من دعوى أنه إله، وأنه ظلم إذ جعلوا ما هو مستحيل في العقل واجبا وقوعه، أو فلا ناصر له ولا منجي من عذاب الله في الآخرة. ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أخبر أنهم ظلموا وعدلوا عن الحق في أمر عيسى وتقولهم عليه، فلا ناصر لهم على ذلك" (١٢). الفوائد: ١ - تقرير كفر النصارى بقولهم المسيح هو الله. ٢ - تقرير عبودية عيسى ﵇ لربه تعالى. ٣ - بيان الشرك الوخيم الذي حذر الله منه عباده وأنكرته الرسل على أممهم وحكم الله على أهله بالخلود في النار وحرمانهم من دخول الجنة دار الأبرار.
следующие страницы →