← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

قال قتادة: " يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاءٌ ﴿فعموا وصموا﴾، كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه" (١). قال السدي: " يقول: حسبوا أن لا يبتلوا" (٢). قال الحسن: " ﴿فتنة﴾: بلاء" (٣). وقال ابن عباس: " ﴿فتنة﴾: الشرك" (٤). قال عبد الله بن كثير: "هذه الآية لبني إسرائيل، و ﴿الفتنة﴾، البلاء والتَّمحيص" (٥). قال ابن كثير: " أي: وحسبوا ألا يترتب لهم شر على ما صنعوا" (٦). قال الطبري: أي: " وظن هؤلاء الإسرائيليون الذين وصف تعالى ذكره صفتهم: أنه أخذ ميثاقهم: وأنه أرسل إليهم رسلا وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقًا وقتلوا فريقًا، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون" (٧). قال القرطبي: " المعنى، ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله ابتلاء واختبار بالشدائد، اغترارا بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنما اغتروا بطول الإمهال" (٨). قال البيضاوي: " أي: وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم" (٩). قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: "وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ" بالرفع، وأضاف ابن الجزري: خلفًا ويعقوب، وقرأ الباقون: ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بالنصب، ولم يختلفوا فى رفع ﴿فتنة﴾ (١٠). قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " فمضوا في شهواتهم، وعمُوا عن الهدى فلم يبصروه، وصَمُّوا عن سماع الحقِّ فلم ينتفعوا به" (١١). قال السدي: " فعموا عن الحق وصمُّوا" (١٢). قال الزجاج: " هذا مثل، تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولا بما رأوا من الآيات، فصاروا كالعمى الصم" (١٣). قال القرطبي: " ﴿فعموا﴾، أي: عن الهدى. ﴿وصموا﴾، أي: عن سماع الحق، لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه" (١٤). قال البيضاوي: " أي: فعموا عن الدين أو الدلائل والهدى. وصموا عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل" (١٥). قال ابن كثير: " فترتب [لهم الشر]، وهو أنهم عموا عن الحق وصَمُّوا، فلا يسمعون حقًا ولا يهتدون إليه " (١٦).

стр. 3572

قال الطبري: أي: " فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم، من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي، بحسبانهم ذلك وظنهم، ﴿وصموا﴾ عنه" (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " فأنزل الله بهم بأسه، فتابوا فتاب الله عليهم" (٢). قال البيضاوي: " أي: ثم تابوا فتاب الله عليهم" (٣). قال ابن كثير: " أي: مما كانوا فيه " (٤). قال القرطبي: "في الكلام إضمار، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط، أو بإرسال محمد ﷺ يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا، فهذا بيان ﴿تاب الله عليهم﴾، أي: يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة" (٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " ثم عَمِي كثيرٌ منهم، وصمُّوا، بعدما تبين لهم الحقُّ" (٦). قال القرطبي: " أي: عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد ﵊" (٧). قال البيضاوي: " أي: ثم عموا وصموا كرة أخرى" (٨). وقرئ: «عموا وصموا» بالضم فيهما، على أن الله تعالى عماهم وصمهم، أي: رماهم بالعمى والصمم، وهو قليل واللغة الفاشية أعمى وأصم (٩). وقوله: ﴿كثير منهم﴾، بدل من الضمير، أو فاعل والواو علامة الجمع كقولهم: «أكلوني البراغيث» (١٠)، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: العمى والصم كثير منهم، وقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره وهو ضعيف، لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع (١١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: " والله بصير بأعمالهم خيرها وشرها وسيجازيهم عليها" (١٢). قال البيضاوي: " فيجازيهم على وفق أعمالهم" (١٣). قال ابن كثير: " أي: مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية " (١٤). الفوائد: ١ - إكرام الله تعالى لبني إسرائيل ولطفه بهم مع تمردهم عليه ورفض ميثاقه وقتل أنبيائه وتكذيبهم، والمكر بهم. ٢ - ومن اسماءه : «البصير»: وهو المبصر، «فعيل»، بمعنى: «مفعل»، كقولهم، أليم: بمعنى: مؤلم، وكقول عمرو بن معد يكرب (١٥):

стр. 3573

أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع يريد: المسمع. ويقال: البصير: العالم بخفيات الأمور (١). و﴿الْبَصِيرُ﴾، يعني: المدرك لجميع المبصرات، ويطلق البصير بمعنى العليم، فالله بصير، يرى كل شيء وإن خفي، وهو سبحانه بصير بمعنى: عليم بأفعال عباده، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: ١٨]، والذي نعمل بعضه مرئي وبعضه غير مرئي، فبصر الله إذاً ينقسم إلى قسمين، وكله داخل في قوله: ﴿الْبَصِيرُ﴾ (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: " فأهل السنة والجماعة يؤمنون بانتفاء المماثلة عن الله، لأنها عيب ويثبتون له السمع والبصر، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وإيمان الإنسان بذلك يثمر للعبد أن يعظمه غاية التعظيم، لأنه ليس مثله أحد من المخلوقات، فتعظم هذا الرب العظيم الذي لا يماثله أحد، وإلا، لم يكن هناك فائدة من إيمانك بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ " (٣). القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢] التفسير: يقسم الله تعالى بأن الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، قد كفروا بمقالتهم هذه، وأخبر تعالى أن المسيح قال لبني إسرائيل: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فأنا وأنتم في العبودية سواء. إنه من يعبد مع الله غيره فقد حرَّم الله عليه الجنة، وجعل النار مُستَقَرَّه، وليس له ناصرٌ يُنقذُه منها. سبب النزول: قال مقاتل: " نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم" (٤). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " أي أقسم إن هؤلاء الذين ادعوا أن الله هو المسيح بن مريم- قد كفروا" (٥). قال ابن كثير: " يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا" (٦). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " والحال أن المسيح قال لهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فأنا وأنتم في العبودية سواء" (٧). قال الشوكاني: " أي: والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة، فكيف يدعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم؟ " (٨).

стр. 3574

قال السمرقندي: " يعني: وحدوا الله وأطيعوه، ربي وربكم يعني: خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم" (١). قال السعدي: " فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق" (٢). قال أبو حيان: " رد الله تعالى مقالتهم بقول من يدعون إلهيته وهو عيسى، أنه لا فرق بينه وبينهم في أنهم كلهم مربوبون، وأمرهم بإخلاص العبادة، ونبه على الوصف الموجب للعبادة وهو الربوبية. وفي ذلك رد عليهم في فساد دعواهم، وهو أن الذي يعظمونه ويرفعون قدره عما ليس له يرد عليهم مقالتهم" (٣). قال ابن كثير: " تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله. بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٦]، وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له" (٤). قال الزمخشري: " لم يفرق عيسى ﵊ بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى" (٥). عن ابن عباس قوله: " ﴿اعبدوا﴾، أي: وحدوا ربكم" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " وإنه من يعبد مع الله غيره فقد حرَّم الله عليه الجنة" (٧). قال السعدي: " فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق" (٨). قال السمرقندي: " يعني: ويموت على شركه، فقد حرم الله عليه الجنة أن يدخلها" (٩). قال الزمخشري: أي: " إنه من يشرك بالله في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله فقد حرم الله عليه الجنة التي هي دار الموحدين أى حرمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرم من المحرم عليه" (١٠). قال الشوكاني: " وهذا كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة وقيل: هو من قول عيسى" (١١). قال أبو حيان: " الظاهر أنه كلام المسيح، فهو داخل تحت القول. وفيه أعظم ردع منه عن عبادته، إذ أخبر أنه من عبد غير الله منعه الله دار من أفرده بالعبادة .. . وقيل: هو من كلام الله تعالى مستأنف، أخبر بذلك على سبيل الوعيد والتهديد" (١٢). وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة"، وفي لفظ: "مؤمنة" (١٣).

стр. 3575

وعن عائشة-﵂-قال ﷺ : "الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يدعه الله لشيء. فأما الديوان الذي لا يغفر ف إن الله لا يغفر أن يشرك به وقال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " وجعل النار مُستَقَرَّه" (٢). قال أبو حيان: " وجعل مأواه النار" (٣). قال السمرقندي: " يعني: مصيره إلى النار" (٤). قال السعدي: " وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: " وما للظالمين لأنفسهم بشركهم بالله من نصير ينصرهم " (٦). قال ابن كثير: " أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه" (٧). قال الشوكاني: " ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار" (٨). قال السعدي: " ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم بعض ما نزل بهم" (٩). قال السمرقندي: " يعني: ليس للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب" (١٠). قال الزمخشري: أي: " من كلام الله على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولوا على عيسى ﵇، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم رده وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى ﵇، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله" (١١). قال أبو حيان: " ظاهره أنه من كلام عيسى، أخبرهم أنه من تجاوز ووضع الشيء غير موضعه فلا ناصر له، ولا مساعد فيما افترى وتقول، وفي ذلك ردع لهم عما انتحلوه في حقهم من دعوى أنه إله، وأنه ظلم إذ جعلوا ما هو مستحيل في العقل واجبا وقوعه، أو فلا ناصر له ولا منجي من عذاب الله في الآخرة. ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أخبر أنهم ظلموا وعدلوا عن الحق في أمر عيسى وتقولهم عليه، فلا ناصر لهم على ذلك" (١٢). الفوائد: ١ - تقرير كفر النصارى بقولهم المسيح هو الله. ٢ - تقرير عبودية عيسى ﵇ لربه تعالى. ٣ - بيان الشرك الوخيم الذي حذر الله منه عباده وأنكرته الرسل على أممهم وحكم الله على أهله بالخلود في النار وحرمانهم من دخول الجنة دار الأبرار.

стр. 3576

٤ - أن أعظم ما يتقى: الشرك؛ لأنه الذنب الذي لا يغفر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وحرم الله على من أشرك به في عبادته الجنة كما قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَليْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: من الآية ٧٢]. وفي الحديث عن أنس عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له" (١). وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة, ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" (٢). في البخاري عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : "من مات وهو يدعوا لله ندا دخل النار" (٣). أخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: "يحبس الناس يوم القيامة بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر، قيل: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة " (٤). ٥ - أن الجنة محرمة على الكفار، لقوله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾. وقوله: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠]، وكقوله ﷺ َ الذي أمر الذي أمر بالمناداة به يوم حنين: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" (٥). ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، فإننا نعلم بالضرورة أن من دخل الجنة فقد غفر الله له وعلى العكس، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل «لا إله إلا الله» ". ثم قال: "ولكن لا يعذب الله أحدا حتى يبعث إليه رسولا وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه (٦). القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة: ٧٣] التفسير: لقد كفر من النصارى من قال: إنَّ الله مجموع ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، وروح القدس. أما عَلِمَ هؤلاء النصارى أنه ليس للناس سوى معبود واحد، لم يلد ولم يولد، وإن لم ينته أصحاب هذه المقالة عن افترائهم وكذبهم ليُصِيبَنَّهم عذاب مؤلم موجع بسبب كفرهم بالله. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: " لقد كفر من النصارى من قال: إنَّ الله مجموع ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، وروح القدس" (٧). قال مجاهد: " النصارى، يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وكذبوا" (٨).

стр. 3577

وعن مجاهد أيضا: " تفرقت بنوا إسرائيل ثلاث فرق في عيسى فقالت فرقة: هو الله، وقالت فرقة هو ابن الله وقالت فرقة: هو عبد الله، ورسوله وروحه، وهي المقتصدة، ومن مسلمة أهل الكتاب" (١). قال السدي: " قالت النصارى: هو والمسيح وأمه، فذلك قول الله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة: ١١٦] " (٢). وقال أبو الصخر: " هو قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا لله ﵎ ثالث ثلاثة" (٣). قال مقاتل: " يعنى: الملكانيين (٤)، قالوا: الله والمسيح ومريم" (٥). قال الأخفش: " وذلك انهم جعلوا معه: عيسى ومريم" (٦). قال الواحدي: " أَيْ: ثالث ثلاثةٍ من الآلهة والمعنى: أنَّهم قالوا: اللَّهُ واحدُ ثلاثةِ آلهة: هو والمسيح ومريم فزعموا أنَّ الإِلهيَّة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة فكفروا بذلك" (٧). قال الطبري: " وهذا أيضًا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل: أنه لما ابتلاهم بعد حِسْبَانهم أنهم لا يُتبلون ولا يفتنون، قالوا كفرًا بربهم وشركًا: ﴿الله ثالث ثلاثة﴾، وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية، كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعة بينهما" (٨). قال الراغب: " أخبر عن النسطورية (٩) والملكية، فهم الذين يقولون أب وابن وروح القدس فيجعلون الله أحد الأقانيم الثلاثة، ومن أن الله هو واحد وهو سبب الموجودات" (١٠).

стр. 3578

قال البغوي: " يعني: المرقوسية (١)، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله للمسيح: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧]، وقال النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢) " (٣). قال أبن عطية: " هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليث وهي فيما يقال الملكية وهم فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عددا ومن حيث جعلوا لعيسى ﵇ حكما إلهيا" (٤). قال السعدي: " وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم، زعموا أن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى، كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء، والعقيدة القبيحة؟ ! كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوقين؟ ! كيف خفي عليهم رب العالمين؟ ! " (٥). عن أحمد بن أبي الحواري، قال أبو سليمان الداراني: "يا أحمد والله ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو ولو شاء لأخذ من ألسنتهم" (٦). قال الرازي: " في تفسير قول النصارى ثالث ثلاثة طريقان: الأول: قول بعض المفسرين، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [المائدة: ١١٦] فقوله ثالث ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم وما من إله إلا إله واحد وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم، قال الواحدي ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم، لقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: ٧]. والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة أقانيم أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر، واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد. واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد، لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى" (٧).

стр. 3579

قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: " أما عَلِمَ هؤلاء النصارى أنه ليس للناس سوى معبود واحد، لم يلد ولم يولد" (١). قال مقاتل: " يقول الله- تكذيبا لقولهم ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ " (٢). قال الطبري: " يقول: ما لكم معبود، أيها الناس، إلا معبود واحد، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود، بل هو خالق كل والد ومولو" (٣). قال الزمخشري: المعنى: " وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثانى له، وهو الله وحده لا شريك له" (٤). قال ابو السعود: " أي: والحال أنه ليس في الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة" (٥). قال الشوكاني: " أي: ليس في الوجود إلا الله سبحانه، وهذه الجملة حالية، والمعنى: قالوا تلك المقالة، والحال أنه لا موجود إلا الله، ومن في قوله: من إله لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي" (٦). قال السعدي: " قال تعالى -رادا عليهم وعلى أشباههم -: ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، منفرد بالخلق والتدبير، ما بالخلق من نعمة إلا منه. فكيف يجعل معه إله غيره؟ " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا" (٧). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: " وإن لم ينته أصحاب هذه المقالة عن افترائهم وكذبهم" (٨). قال مقاتل: "من الشرك" (٩). قال القرطبي: " أي يكفوا عن القول بالتثليث" (١٠). قال الطبري: " يقول: إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة" (١١). قوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: " ليُصِيبَنَّهم عذاب مؤلم موجع بسبب كفرهم بالله" (١٢). قال أبو العالية: " ﴿عذاب أليم﴾: موجع" (١٣). قال مقاتل: " يعني: وجيع، والقتل بالسيف والجزية على من بقي منهم عقوبة" (١٤). قال القرطبي: " ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة" (١٥). قال الراغب: " هددهم إن لم ينتهوا يعذبون" (١٦). قال الزجاج: " معنى ﴿الذين كفروا منهم﴾: الذين أقاموا على هذا الدين وهذا القول" (١٧).

стр. 3580

قال الطبري: " يقول: ليمسن الذين يقولون هذه المقالة، والذين يقولون المقالة الأخرى: "هو المسيح ابن مريم"، لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم، ولم يقل: ليمسنَّهم عذابٌ أليم، لأن ذلك لو قيل كذلك، صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصًّا لقائل القول الثاني، وهم القائلون: ﴿الله ثالث ثلاثة﴾، ولم يدخل فيهم القائلون: المسيح هو الله، فعمّ بالوعيد تعالى ذكره كلَّ كافر، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أنّ وعيد الله قد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل، ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه" (١). قال الزمخشري: " المعنى: ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة عذاب أليم أى نوع شديد الألم من العذاب كما تقول: أعطنى عشرين من الثياب، تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون. ويجوز أن تكون للتبعيض، على معنى: ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم، لأن كثيرا منهم تابوا من النصرانية" (٢). قال البيضاوي: " أي: ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر، أو ليمسن الذين كفروا من النصارى، وضعه موضع ليمسنهم تكريرا للشهادة على كفرهم وتنبيها على أن العذاب على من دام على الكفر ولم ينقلع عنه" (٣). قال أبو السعود: " أي: وبالله إن لم ينتهوا لميسنهم وإنما وضع موضع ضميرهم الموصول لتكرير الشهادة عليهم بالكفر فمن في قوله تعالى ﴿منهم﴾ بيانية أو ليمسن الذين بقوا منهم على ما كانوا عليه من الكفر فمن تبعيضية وإنما جيء بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبيها على أن الاستمرار عليه بعد ورود ما ينحى عليه بالقلع من نص عيسى ﵇ وغيره وكفر جديد وغلو زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر، ﴿عذاب أليم﴾ أي: نوع شديد الألم من العذاب " (٤). قال ابن عطية: " ثم توعد ﵎ هؤلاء القائلين هذه العظيمة بمس العذاب، وذلك وعيد بعذاب الدنيا من القتل والسبي وبعذاب الآخرة بعد لا يفلت منه أحد منهم" (٥). الفوائد: ١ - إبطال التثليث في عقيدة النصارى وتقرير التوحيد. ٢ - إبراء عيسى ووالدته ﵉ من دعوى الألوهية للناس. ٣ - بيان أن عيسى ﵇ ليس بابن الله ولا هو الله، ولا ثالث ثلاثة، بل هو عبد الله ورسوله أمه مريم، وجدته حنة، وجده عمران، من بيت شرف وصلاح في بني إسرائيل. ٤ - التحذير من الغلو، وهو تجاوز الحد وإعطاء الشيء أكثر من حقه أو الزيادة في ذمه، وحكمه لا يجوز وقد يصل إلى حد الشرك وإلى حد البدعة وإلى حد الكفر قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وأهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى فاليهود غلوا وزادوا في ذم عيسى حتى وصل بهم الأمر أن جعلوه ولد بغي، والنصارى غلوا فيه مدحاً فأوصلوه إلى منزلة الألوهية وجعلوه معبوداً لهم هو وأمه وجعلوا الله ثالث ثلاثة تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣].

стр. 3581

وقد أدى الغلو في الصالحين ومجاوزة الحد بهم درجتهم إلى أن عبدوا من دون الله وصار ذلك سبباً لهلاك العابدين والغالين، والغلو سبب أول شرك حصل في بني آدم كما حصل من قوم نوح فهم أول من أحدث الشرك ونوح ﵇ أول رسول أرسل بالدعوة إلى توحيد الله والإنذار والتحذير عن الشرك. قال ـ تعالى ـ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ١ - ٣]، فاستمر قومه في كفرهم وعنادهم وتمسكهم بعباداتهم الشركية وتواصوا فيما بينهم بالبقاء على معبوداتهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. قال ابن عباس: أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت " (١). القرآن ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤] التفسير: أفلا يرجع هؤلاء النصارى إلى الله تعالى، ويتوبون عمَّا قالوا، ويسألون الله تعالى المغفرة؟ والله تعالى متجاوز عن ذنوب التائبين، رحيمٌ بهم. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: ٧٤]، أي: " أفلا يرجع هؤلاء النصارى إلى الله تعالى، ويتوبون عمَّا قالوا، ويسألون الله تعالى المغفرة؟ " (٢). قال مكي: " المعنى: أفلا يرجعون عن قولهم ويستغفرون منه" (٣). قال الماتريدي: أي: " عن مقالتهم الشرك" (٤). قال الطبري: " أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران، القائل أحدهما: إن الله هو المسيح ابن مريم، والآخر القائل: إن الله ثالث ثلاثة، عما قالا من ذلك، ويتوبان مما قالا ونطقا به من كفرهما، ويسألان ربهما المغفرة مما قالا" (٥). قال الزمخشري: أي: " ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر. وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه. وفيه تعجب من إصرارهم" (٦). قال البيضاوي: " أي: أفلا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد" (٧). قال ابن كثير: " وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه" (٨). قال القرطبي: " تقرير وتوبيخ، أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم، والمراد الكفرة منهم" (٩).

стр. 3582

قال السمرقندي: " لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر فكأنه قال: توبوا إلى الله، وكذلك كل ما يشبه هذا في القرآن، مثل قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، يعني: اصبروا" (١). قال السمعاني: " أرشدهم إلى التوبة والإسلام" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]، أي: " والله تعالى متجاوز عن ذنوب التائبين، رحيمٌ بهم" (٣). قال الطبري: أي: " ﴿والله غفور﴾، لذنوب التائبين من خلقه، المنيبين إلى طاعته بعد معصيتهم، ﴿رحيم﴾ بهم، في قبوله توبتَهم ومراجعتهم إلى ما يحبّ مما يكره، فيصفح بذلك من فعلهم عما سلَف من أجرامهم قبل ذلك" (٤). قال الماتريدي: أي: " فإن فعلوا فإن الله غفور رحيم؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] " (٥). قال الزمخشري: أي: " يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم" (٦). قال البيضاوي: " يغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا" (٧). قال ابن عطية: " وصف نفسه بالغفران والرحمة استجلابا للتائبين وتأنيسا لهم ليكونوا على ثقة من الانتفاع بتوبتهم" (٨). الفوائد: ١ - فتح باب التوبة في وجه النصارى لو أنهم يتوبون. ٢ - أن الله واسع الرحمة عظيم المغفرة يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم ما فرط من الزلات إذا هم آمنوا وأحسنوا واتقوا وعملوا الصالحات. ٣ - أن الرجوع إلى الحق شرف وفضيلة، بل واجب وفريضة، أما التمادي في الباطل فهو ذل وهوان واستكبار عن الحق وسير في ركاب الشيطان، والله -سبحانه- يتوب على التائبين، ويغفر زلات المذنبين، إذا صدقوا في التوبة إليه، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ الآية .. وقال في حق النصارى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال النبي ﷺ فيما صح عنه: "الإسلام يهدم ما كان قبله" (٩). ٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و «الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل. فـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (١٠). والفرق بين صيغتي: «الغفار»، و «الغفور»: أن " «الغفار» (١١)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها" (١٢).

стр. 3583

و «الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (١). قال الشيخ ابن عثيمين: " «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده" (٢)، وهو "صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، فهي صفة حقيقية ثابتة لله ، وأهل التأويل -والأصح أن نسميهم أهل التحريف- يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق ؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به ؛ ولا تتضمن نقصاً؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين" (٣). القرآن ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٥] التفسير: ما المسيح ابن مريم ﵇ إلا رسولٌ كمن تقدمه من الرسل، وأُمُّه قد صَدَّقت تصديقًا جازمًا علمًا وعملا وهما كغيرهما من البشر يحتاجان إلى الطعام، ولا يكون إلهًا مَن يحتاج الى الطعام ليعيش. فتأمَّل -أيها الرسول- حال هؤلاء الكفار. لقد وضحنا العلاماتِ الدالةَ على وحدانيتنا، وبُطلان ما يَدَّعونه في أنبياء الله. ثم هم مع ذلك يَضِلُّون عن الحق الذي نَهديهم إليه، ثم انظر كيف يُصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟ قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: " ما المسيح ابن مريم ﵇ إلا رسولٌ كمن تقدمه من الرسل" (٤). قال ابن قتيبة: " أي: تقدمت قبله الرسل. يريد أنه لم يكن أول رسول أرسل فيعجب منه" (٥). قال ابن كثير: " أي: له سَويَّة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] " (٦). قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: " وأُمُّه قد صَدَّقت تصديقًا جازمًا علمًا وعملا" (٧). قال ابن كثير: " أي: مؤمنة به مصدقة له. وهذا أعلى مقاماتها فدل على أنها ليست بنبية، كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ

стр. 3584

أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، قالوا وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، ﵀، الإجماع على ذلك" (١). قال السعدي: " ﴿وأمه﴾ مريم ﴿صديقة﴾ أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء. والصديقية، هي العلم النافع المثمر لليقين، والعمل الصالح. وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها الصديقية، وكفى بذلك فضلا وشرفا. وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم﴾ فإذا كان عيسى ﵇ من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله؟ " (٢). قال القرطبي: " وقد استدل من قال: إن مريم ﵍ لم تكن نبية بقوله تعالى: ﴿وأمه صديقة﴾. قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس ﵇، وقد مضى في «آل عمران» (٣) ما يدل على هذا. والله أعلم. وإنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به، عن الحسن وغيره" (٤). قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: " وهما كغيرهما من البشر يحتاجان إلى الطعام، ولا يكون إلهًا مَن يحتاج الى الطعام ليعيش" (٥). قال مقاتل: " فلو كانا إلهين ما أكلا الطعام" (٦). قال الزجاج: " أي إنما يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام" (٧). قال ابن كثير: " أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة" (٨). قال ابن قتيبة: " قوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ هذا من الاختصار والكناية، وإنما نبه بأكل الطعام على عاقبته وعلى ما يصير إليه وهو الحدث؛ لأن من أكل الطعام فلا بد له من أن يحدث" (٩). قال الطبري: أي: " أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره. وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا" (١٠). قال الزمخشري: " لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم (١١) وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام" (١٢).

стр. 3585

قال الجصاص: قوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾، " فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى في أن المسيح إله لأن من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر العباد في الحاجة إلى الصانع المدبر إذ كان من فيه سمة الحدث لا يكون قديما ومن يحتاج إلى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شيء وقد قيل في معنى قوله كانا يأكلان الطعام إنه كناية عن الحدث لأن كل من يأكل الطعام فهو محتاج إلى الحدث لا محالة وهذا وإن كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى الطعام والشراب وما يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على حدث المحتاج إليهما وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه وأن ذلك ينفي كونه إلها وقديما" (١). قال القرطبي: " وقال بعض المفسرين في قوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾، إنه كناية عن الغائط والبول. وفي هذا دلالة على أنهما بشران" (٢). قال السعدي: " وقوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران، محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد" (٣). قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: فتأمَّل -أيها الرسول- "كيف نوضّح لهم الآيات الباهرة على بطلان ما اعتقدوه" (٤). قال ابن كثير: " أي: نوضحها ونظهرها" (٥). قال الزمخشري: " أى: الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم" (٦). قال مقاتل: " انظر يا محمد ﴿كيف نبين لهم الآيات﴾، يعني: العلامات في أمر عيسى ومريم أنهم كانا يأكلان الطعام والآلهة لا تأكل الطعام" (٧). قال السعدي: " ولما بين تعالى البرهان قال: ﴿انظر كيف نبين لهم الآيات﴾ الموضحة للحق، الكاشفة لليقين، ومع هذا لا تفيد فيهم شيئا، بل لا يزالون على إفكهم وكذبهم وافترائهم، وذلك ظلم وعناد منهم" (٨). قال الطبري: " انظر يا محمد، كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى الآيات، وهي الأدلَّةُ، والأعلام والحُجج على بُطُول ما يقولون في أنبياء الله، وفي فريتهم على الله، وادِّعائهم له ولدًا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربٌّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قِيلهم، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربِّهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرَهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ " (٩). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: " ثم انظر كيف يُصرفون عن الحق بعد هذا البيان" (١٠). قال ابن عباس وأبو مالك: " كيف يؤفكون؟ " (١١). قال مقاتل: " يعني: من أين يكذبون" (١٢). قال الزمخشري: " يصرفون عن استماع الحق وتأمله" (١٣).

стр. 3586

قال الزجاج: " أي: انظر بعد البيان، من أين يصرفون عن الحق الواضح" (١). قال ابن كثير: " أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون؟ وبأيّ قول يتمسكون؟ وإلى أيّ مذهب من الضلال يذهبون؟ " (٢). قال الشيخ عبدالعزيز بن حمد: " أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون وبأي شيء يتمسكون؟ " (٣). قال الطبري: " يقول: ثم انظر، مع تبييننا لهم آياتنا على بُطول قولهم، أيَّ وجه يُصرَفون عن بياننا الذي نبيِّنه لهم؟ وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلُّون؟ " (٤). قال المراغي: " أي: انظر أيها السامع نظرة عقل وفكر، كيف نبين لهؤلاء النصارى الآيات والبراهين البالغة أقصى الغايات فى الوضوح على بطلان ما يدعون فى أمر المسيح ثم هم بعد ذلك يعرضون عنها، وكيف لا ينتقلون من مقدماتها إلى نتائجها، ومن مباديها إلى غاياتها، فكأنهم فقدوا عقولهم وصارت أفئدتهم هواء" (٥). قال ابن قتيبة: ﴿أنى يؤفكون﴾، " أي: يصرفون عن الحق ويعدلون. يقال: أفك الرجل عن كذا: إذا عدل عنه. وأرض مأفوكة: أي محرومة المطر والنبات. كأن ذلك عدل عنها وصرف" (٦). وأما التراخي في قوله: ﴿ثم انظر﴾، معناه: "ما بين العجبين، يعنى أنه بين لهم الآيات بيانا عجيبا، وأن إعراضهم عنها أعجب منه" (٧). الفوائد: ١ - الآية برهان قاطع على بطلان ربوبية المسيح وأمه-عليهما سلام-. ٢ - تقرير بشرية عيسى ومريم ﵉ بدليل احتياجهما إلى الطعام بنيتهما، ومن كان مفتقراً لا تصح ألوهيته عقلاً وشرعاً. فإن المسيح ﵇ لا يعدو أن يكون رسولا من رسل الله الذين خلوا من قبل. وكذلك محمد ﷺ ، فلقد قال الله عنه كذلك ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وأن أمه- ﵍ لا تعدو أن تكون صديقة، فهي ليست بنبية ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾. ٣ - بيان ما عليه الآلهة المزعومة من صفات النقص المنافية للألوهية، فهي إما مخلوقات محتاجة، لا قيام لها بنفسها، أو جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وهذا من أظهر الصفات النافية للألوهية، لأن الآكل في حاجة إلى ما يدخل جوفه ليشبعه من جوع، وكذلك هو في حاجة إلى أن يخرج ما في جوفه من الفضلات ليتخلص من الأذى. وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال ـ حكاية عن الخليل ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. ٤ - وإذا كان القرآن الكريم قد نفى الألوهية عن المسيح ﵇، فقد أثبت له العبودية، كما قال تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ

стр. 3587

مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٩]، وأخبر- أن أول كلمة نطق بها المسيح وهو في المهد، هي الإقرار بعبوديته لله- قال تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٢٩) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣١] ٥ - أنه ليس من تعظيم الأنبياء الغلو فيهم ومجاوزة الحد برفعهم عن منزلة العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية، كما هو مذهب النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، بل غلوا في أتباعه، وادعوا فيهم العصمة، اتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صدقا أو كذبا، ولهذا قال -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. القرآن ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦] التفسير: قل -أيها الرسول- لهؤلاء الكفرة: كيف تشركون مع الله من لا يَقْدِرُ على ضَرِّكم، ولا على جَلْبِ نفع لكم؟ والله هو السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]، أي: " قل -أيها الرسول- لهؤلاء الكفرة: كيف تشركون مع الله من لا يَقْدِرُ على ضَرِّكم، ولا على جَلْبِ نفع لكم؟ " (١). قال مقاتل: " قل لنصارى نجران أتعبدون من دون الله يعني عيسى ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا ولا نفعا في الآخرة" (٢). قال النحاس: " أي: أنتم مقرون أن عيسى كان جنينا في بطن أمه لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا" (٣). قال السمرقندي: " ثم أخبر الله تعالى عن جهلهم، وقلة عقلهم، فقال: قل يا محمد، ﴿أتعبدون من دون الله﴾، يعني: عيسى، ﴿ما لا يملك لكم﴾ يقول: ما لا يقدر لكم، ﴿ضرا﴾ في الدنيا ﴿ولا نفعا﴾ في الآخرة: وتركتم عبادة الله" (٤). قال ابن كثير: " يقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم، ودخل في ذلك النصارى وغيرهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على إيصال ضرر إليكم، ولا إيجاد نفع" (٥). قال الطبري: أي: " قل، يا محمد، لهؤلاء الكفرة من النصارى، الزاعمين أن المسيح ربهم، والقائلين إن الله ثالث ثلاثة أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، وهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو يحييكم ويميتكم شيئًا لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا؟ يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابنٌ، لا يملك لهم ضرًّا يدفعه عنهم إن أحلَّه الله بهم، ولا نفعًا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم. يقول تعالى ذكره: فكيف يكون ربًّا وإلهًا من كانت هذه صفته؟ بل الربُّ المعبودُ: الذي بيده كل شيء، والقادر

стр. 3588

على كل شيء. فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون" (١). قال الزمخشري: " ما لا يملك هو عيسى، أى شيئا لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبإقدار الله وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئا. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا، وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته" (٢). قال السعدي: " أي: ﴿قل﴾ لهم أيها الرسول: ﴿أتعبدون من دون الله﴾ من المخلوقين الفقراء المحتاجين، ﴿ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا﴾ وتدعون من انفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع" (٣). أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن مجاهد: ﴿ضرا ولا نفعا﴾، قال: ﴿ضرا﴾، ضلالة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، أي: " والله هو السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم" (٥). قال محمد بن إسحاق: " ﴿السميع﴾، أي: سميع ما يقولون" (٦)، ﴿العليم﴾، أي: عليم بما يخفون" (٧). قال السمرقندي: أي: " ﴿السميع﴾ لقولكم، ﴿العليم﴾ بعقوبتكم" (٨). قال الواحدي: أي: " ﴿السميع﴾ لكفركم ﴿العليم﴾ بضميركم" (٩). قال القرطبي: " أي: لم يزل سميعا عليما يملك الضر والنفع. ومن كانت هذه صفته فهو الاله على الحقيقة" (١٠). قال البيضاوي: أي: " والله هو السميع العليم بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر" (١١). قال السعدي: أي: " ﴿السميع﴾ لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، ﴿العليم﴾ بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة، والأمور الماضية والمستقبلة، فالكامل تعالى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة، ويخلص له الدين" (١٢). قال الطبري: " والله هو السميع، لاستغفارهم لو استغفروه من قِيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه في المسيح، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه العليم، بتوبتهم لو تابوا منه، وبغير ذلك من أمورهم" (١٣). قال ابن كثير: " أي: فلم عدلتم عن إفراد السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء إلى عبادة جَمَاد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه" (١٤).

стр. 3589

قال مقاتل: " ﴿والله هو السميع﴾، لقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم وثالث ثلاثة، ﴿العليم﴾ بمقالتهم" (١). قال النحاس: " أي أنتم قد أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يعلم والله جل وعز لم يزل سميعا عليما" (٢). قال الزمخشري: قوله: ﴿والله هو السميع العليم﴾، متعلق بـ ﴿أتعبدون﴾، أى: أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون أو أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حى قادر" (٣). الفوائد: ١ - ذم كل من يعبد غير الله إذ كل الخلائق مفتقرة لا تملك لنفسها ولا لعابدها ضراً ولا نفعاً، لا تسمع دعاء من يدعوها، ولا تعلم عن حاله شيئاً، والله وحده السميع لأقوال كل عباده العليم بسائر أحوالهم وأعمالهم، فهو المعبود بحق وما عداه باطل. ٢ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «السَّمِيعُ»، و «الْعَلِيمُ»: أ-فـ «السَّمِيعُ»: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة، كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى. سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت، وقد يكون السماع بمعنى القبول والإجابة. كقول النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع" (٤)، أي: من دعاء لا يستجاب. ومن هذا قول المصلي: "سمع الله لمن حمده" (٥)، معناه: قبل الله حمد من حمده. وأنشد أبو زيد لشتير بن الحارث الضبي (٦): دعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول أي: لا يجيب، ولا يقبل (٧). و﴿السَّمِيعُ﴾ له معنيان

стр. 3590

أحدهما: بمعنى المجيب. ومثالهقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، أي: لمجيب الدعاء. والثاني: بمعنى السامع للصو، وهو ينقسم إلى عدة أقسام: الأول: سمع يراد به بيان عموم إدراك سمع الله ، وأنه ما من صوت إلا ويسمعه الله، وهو من الصفات الذاتية، وإن كان المسموع قد يكون حادثاً، ومثاله: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]، فهذا فيه بيان إحاطة سمع الله تعالى بكل مسموع، ولهذا قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، والله إني لفي الحجرة، وإن حديثها ليخفى على بعضه" (١). الثاني: سمع يراد به النصر والتأييد، وهو من الصفات الفعلية، لأنه مقرون بسبب، ومثاله: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. الثالث: سمع يراد به الوعيد والتهديد، ومثاله: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، فإن هذا يراد به تهديدهم ووعيدهم، حيث كانوا يسرون ما لا يرضى من القول (٢). ب-وأما «الْعَلِيمُ»: : فهو من أسمائه ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٣). قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] " (٤). القرآن ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧] التفسير: قل -أيها الرسول- للنصارى: لا تتجاوزوا الحقَّ فيما تعتقدونه من أمر المسيح، ولا تتبعوا أهواءكم، كما اتَّبع اليهود أهواءهم في أمر الدين، فوقعوا في الضلال، وحملوا كثيرًا من الناس على الكفر بالله، وخرجوا عن طريق الاستقامة إلى طريق الغَواية والضلال. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: " قل -أيها الرسول- للنصارى: لا تتجاوزوا الحقَّ فيما تعتقدونه من أمر المسيح" (٥). قال الاحدي: " أي: في عيسى" (٦).

стр. 3591

قال قتادة: " ﴿لا تغلوا في دينكم﴾، يقول: لا تبتدعوا" (١). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "الغلو فراق الحق وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا" (٢). قال السعدي: " أي: لا تتجاوزوا وتتعدوا الحق إلى الباطل، وذلك كقولهم في المسيح، ما تقدم حكايته عنهم، وكغلوهم في بعض المشايخ" (٣). قال الطبري: " يقول: لا تفرِطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطل، فتقولوا فيه: هو الله، أو: هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" (٤). قال صاحب الكشاف: " أى: لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق، أى: غلوا باطلا" (٥). قال ابن عطية: " أمر تعالى نبيه محمدا أن ينهاهم عن الغلو في دينهم، والغلو تجاوز الحد، غلا السهم إذا تجاوز الغرض المقصود واستوفى سومه من الاطراد، وتلك المسافة هي غلوته، وكما كان قوله لا تغلوا بمعنى لا تقولوا ولا تلتزموا نصب غير وليس معنى هذه الآية جنبوا من دينكم الذي أنتم عليه الغلو، وإنما معناه في دينكم الذي ينبغي أن يكون دينكم، لأن كل إنسان فهو مطلوب بالدين الحق وحري أن يتبعه ويلتزمه" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: " ولا تتبعوا أهواءكم، كما اتَّبع اليهود أهواءهم في أمر الدين، فوقعوا في الضلال" (٧). قال السعدي: " أي: تقدم ضلالهم" (٨). قال الطبري: " يقول: ولا تتبعوا أيضًا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: هو لغير رَشْدة، وتبهتوا أمَّه كما بَهَتُوها بالفرية وهي صدِّيقة" (٩). قال الواحدي: " ويعني بـ ﴿القوم الذين ضلوا من قبل﴾: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى" (١٠). قال الزمخشري: " هم أئمتهم في النصرانية، كانوا على الضلال قبل مبعث النبي ﷺ " (١١). قال الزجاج: " «أهواء»: جمع هوى، وهوى النفس مقمبور لأنه مثل الفرق وفعل جمعه أفعال، وتأويله لا تتبعوا شهواتهم لأنهم آثروا الشهوات على البيان والبرهان، وما في القرآن من ذكر اتباع الهوى مذموم نحو قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦]، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] " (١٢). قال الواحدي: "ومعنى «الأهواء» هنا: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، وقد يشق على الإنسان النظر ويميل طبعه إلى بعض المذاهب فيعتقده فيكون ذلك هوى، قال

стр. 3592

الشعبي: ما ذكر الله تعالى هوى في القرآن إلا ذمَّهُ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ [ص: ٢٦] ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦] ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، ومثله كثير" (١). قال أبو عبيد: "لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال في الخير: يريد ويحب، وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار" (٢). وأنشدوا في ذم الهوى (٣): إنَّ الهوانَ هو الهوَى نقضُ اسمهِ ... فإذا هويتَ فقدْ لقيتَ هوانَا وقال مضر القاضي: "لنحت الجبال بالأظافير حتى تتقطع الأوصال، أهون من مخالفة الهوى إذا تمكن في النفوس" (٤). وسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: "هوان سرقت نونه" (٥)، فنظمه الشاعر (٦): نون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال آخر (٧): إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد تعبدك الهوى ... فاخضع لحبك كائنا من كانا وقال عبد الله المبرك (٨): ومن البلاء للبلاء علامة ... أن لا يرى لك عن هواك نزوع وقال أبو العتاهية (٩): فاعص هوى النفس ولا ترضها ... إنك إن أسخطتها زانكا حتى متى تطلب مرضاتها ... وإنها تطلب عدوانكا وقال أبو عبيد الطوسي (١٠): والنفس إن أعطيتها مناها ... فاغرة نحو هواها فاها وسئل سهل بن عبد الله التستري عن الهوى فقال للسائل: "هواك يأمرك فإن خالفته فرط بك، وقال: إذا عرض لك أمران شككت خيرها فانظر أبعدهما من هواك فإنه" (١١). وأنشد أبو بكر الزيدي (١٢): إذا طالبتك النفس يوما بشهوة ... وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنما ... هواك عدو والخلاف صديق وقال رجل لابن عباس: "الحمد لله الذي هواي على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة" (١٣).

стр. 3593

وفي توجيه الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]، قولان: أحدهما: أنها خطاب لليهود والنصارى لذين كانوا في عصر النبي ﷺ ، نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم، وأن يقلدوهم فيما هووا. قاله الواحدي (١). والثاني: وقال الحسن (٢)، ومجاهد (٣): ﴿الذين ضلوا من قبل﴾ هم اليهود، وعلى هذا الخطاب للنصارى فقط، يقول: لا تؤثروا الشهوات على البيان كما فعلت اليهود حين كذبوا الرسل ونقضوا العهد، والمراد بالنهي عن اتباع اهوائهم: النهي عن اتباع أهواء مثل أهوائهم في التكذيب والمخالفة على الرسل. قال الواحدي: "ففي القول الأول وقع النهي على اتباع غير ما هووا، وفي هذا الثاني وقع النهي على اتباع مثل أهوائهم، والتقدير في اللفظ: لا تتبعوا مثل أهواء قوم، أي أهواء مثل أهوائهم، ثم حذف الأهواء الأول وأقيم الثاني مقامه؛ لأنه هوى مثله. والأول أظهر" (٤). قال ابن عطية: " وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى، والقوم الذين نهي النصارى عن اتباع أهوائهم بنو إسرائيل، ومعنى الآية لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم، فالمعنى لا تتبعوا طرائقهم، والذي دعا إلى هذا التأويل أن النصارى في غلوهم ليسوا على هوى بني إسرائيل هم بالضد في الأقوال وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عوج، هذه طريقة فلان، تمثله بآخر قد اعوج نوعا آخر من الاعوجاج وإن اختلفت نوازله" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: " وحملوا كثيرًا من الناس على الكفر بالله" (٦). قال السدي: " ﴿وأضلوا كثيرا﴾، أتباعهم" (٧). قال السعدي: "من الناس بدعوتهم إياهم إلى الدين، الذي هم عليه" (٨). قال الزمخشري: أي: " ممن شايعهم على التثليث" (٩). قال الطبري: أي: " وأضل هؤلاء اليهود كثيرًا من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق، وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح" (١٠). عن السدي: ﴿لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا﴾، فهم أولئك الذين ضلُّوا وأضلوا أتباعهم" (١١). قوله تعالى: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: " وخرجوا عن طريق الاستقامة إلى طريق الغَواية والضلال" (١٢). عن مجاهد في قول الله: " ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾، قال: هم يهود" (١٣). قال السدي: " ﴿عن سواء السبيل﴾، عن عَدْل السبيل" (١٤).

стр. 3594

قال الزمخشري: " وضلوا لما بعث رسول الله ﷺ عن سواء السبيل حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه" (١). قال الطبري: أي: " يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجَّة الحق" (٢). قال السعدي: " أي: قصد الطريق، فجمعوا بين الضلال والإضلال، وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر الله عنهم وعن اتباع أهوائهم المردية، وآرائهم المضلة" (٣). قال الربيع بن أنس قال: "وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زمانا فأتاه الشيطان فقال: إنما تركب أثرا أو أمرا قد عمل به قبلك فلا تحمد عليه ولكن إبتدع أمرا من قبل نفسك وادع إليه وأجبر الناس عليه ففعل، ثم تذكر من بعد فعله زمانا، فأراد أن يتوب، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد فلبث في عبادته أياما، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة. فكيف لك بهداهم، فلا توبة لك أبدا، ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" (٤). الفوائد: ١ - حرمة الغلو والابتداع في الدين، واتباع أهل الأهواء. ٢ - أن الله تعالى نهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين من طريقيه: في التوحيد، وفي العمل. فغلوهم في التوحيد نسبتهم له الولد سبحانه، وغلوهم في العمل ما ابتدعوه من الرهبانية في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف. وقال ﷺ : «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٥). وهذا صحيح لا كلام فيه (٦). وقد ثبت في الصحاح «أن الحولاء بنت تويت، مرت على عائشة وعندها رسول الله ﷺ ، قالت: فقلت: يا رسول الله، هذه الحولاء، وزعموا أنها لا تنام الليل؟ فقال: لا تنام الليل خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» (٧). ٣ - ومنها ان اتباع الهوى مفسدة للدين والدنيا، وإذا كان لكل نفس هوى وشهوه، فان العاقل يحترس من الهوى. لأن العقل والهوى متعاديان، فإذا كان الهوى عدو العقل وآفته وجب على الإنسان أن يتجرد من الهوى, فالإنسان إذا اتبع الهوى نسي الله, وضل عن سبيل الرشاد, ولهذا قيل: "الهوى شريك العمى", و"كم من عقل أسير في يدي هوى أمير", ولهذا نهى الله عن الهوى فقال جل شأنه: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] , وفي الحديث: "ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ" (٨).

стр. 3595

وقد روي أن لقمان ﵇ قال لابنه: "يا بني أول ما أحذرك من نفسك فان لكل نفس هوى وشهوه فان أعطيتها شهوتها تمادت وطلبت سواها فان الشهوة كامنة في القلب كمون النار في الحجر إن قدح أورى وإن ترك توارى" (١)، قال الشاعر (٢): إذا ما أجبت النفس في كل دعوة ... دعتك إلى الأمر القبيح المحرم فلا تغتر أخي بترفع بعض مطيعي الهوى في هذه الحياة فان الهوى يردي اللبيب، وقد نسب إلى الفضل بن العباس انه قال (٣): لقد ترفع الأيام من كان جاهلاً ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب وقد تحمد الناس الفتى وهو مخطئ ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب ومن مفاسد إتباع الهوى (٤): أولا: - إن اتباع الهوى ـ وهو "ما تميل إليه النفس مما لم يبحه الشرع"، خلاف مقصود الشرع؛ لأن "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً" (٥). ثانيا: - أن صاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فآراؤه العلمية، وفتاواه الفقهية، ومواقفه العملية، تبع لهواه، فدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣﴾. قال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: "ما ابتدع رجل بدعة إلا أتى غداً بما ينكره اليوم" (٦). وقال عبد الله بن عون البصري: "إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه" (٧). ثالثا: - أن صاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة، يردُّ الدليل إذا خالف هواه لأدنى احتمال، ويستدل به على ما فيه من إشكال أو إجمال، وإذا لم يستطع ردَّ الدليل لقوته، حمله على غير وجهه، وصرفه عن ظاهره إلى احتمال مرجوح بغير دليل. قال شيخ الإسلام: "والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث، فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه، ويقولون: نفوّض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم" (٨).

стр. 3596

رابعا: -أن صاحب الهوى ـ إذا كان عنده شيء من العلم الشرعي ـ مفزع كل مفترٍ، ومأوى كل مبطلٍ، ومستشار كل طاغٍ، وفتنة كل جاهل، بما يسوغه لهم من الآراء الباطلة، ويسوقه لهم من الأدلة الزائفة، ويلبس عليهم به من الشبه الصارفة. قال الحسن البصري: "شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل؛ ليعموا بها عباد الله" (١). خامسا: - أن صاحب الهوى تسهل استمالته من قبل أعداء الأمة، والمتربصين بها الدوائر، فسرعان ما يرتد خنجراً في خاصرة الأمة، وسوطاً يلهبُ ظهرَها، وعيناً يكشف سرها، ويبدي سوأتها، ويهتك سترها، داعيةً لتثبيط العزائم، إماماً لكل متهتك وخائن. سادسا: - أن صاحب الهوى مفرق لجماعة المسلمين، مبتغٍ لهم العنت والمشقة، الطعن في الصالحين ديدنه، والهمز واللمز دأبه، والحسد طبعه. تراه معتزلاً كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى سبيلا، مقرباً لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلا. قال سعيد بن عنبسة: "ما ابتدع رجل بدعة إلا غلَّ صدرُه على المسلمين، واختلجتْ منه الأمانة" (٢)، وذلك لأن "جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان، وهما العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التحابّ والتآلف إنما هو بالإيمان، والعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم: ٩٦]، أي: يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة". وكان ابن طاووس جالسا فجاء رجل من المعتزلة، قال: "فجعل يتكلم، قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه قال: وقال لابنه: أي بني، أدخل إصبعيك في أذنيك واشدد ولا تسمع من كلامه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف" (٣). وعن ابن عمر- ﵄: أنه جاءه رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، قال: بلغني أنه قد أحدث، فإن كان أحدث فلا تقرأ ﵇" (٤). وقال الشوكاني في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ... ﴾، الآية [الأنعام: ٦٨]: "وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتمسح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة، وبدعهم الفاسدة. فإنه إذا لم يُنْكِر عليهم ويُغَيِّر ما هم فيه، فَأَقَلُّ الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير غير عسير. وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهةً يشبهون بها على العامة، فيكون حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر" (٥). وقال البغوي ﵀: "فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلا يتعاطى شيئا من الأهواء والبدع معتقدا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره ويتبرأ منه، ويتركه حيا وميتا" (٦). وقال ـ الإمام أحمد ـ في رسالته إلى مسدد: "ولا تشاور صاحب بدعة في دينك، ولا ترافقه في سفرك" (٧). وقال إبراهيم النَخعي: "لا تجالسوا أهل الأهواء، فإنَّ مجالستهم تذهب بنور الإيمان، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغيضة في قلوب المؤمنين" (٨).

стр. 3597

القرآن ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [المائدة: ٧٨] التفسير: يخبر تعالى أنه طرد من رحمته الكافرين من بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزله على داود ﵇ وهو الزَّبور، وفي الكتاب الذي أنزله على عيسى ﵇ وهو الإنجيل; بسبب عصيانهم واعتدائهم على حرمات الله. قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]، أي: " طرد الله من رحمته الكافرين من بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزله على داود ﵇ وهو الزَّبور، وفي الكتاب الذي أنزله على عيسى ﵇ وهو الإنجيل " (١). قال السعدي: " أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله، : ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، أي: بشهادتهما وإقرارهما، بأن الحجة قد قامت عليهم، وعاندوها " (٢). قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل، فيما أنزل على داود نبيه، ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم" (٣). قال السمعاني: " الذين لعنوا على لسان داود: هم أصحاب السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى: أصحاب المائدة، وأولئك الذين جعلهم الله قردة، وهؤلاء الذين جعلهم الله خنازير" (٤). قال ابن عطية: " قد تقرر في غير موضع من القرآن ما جرى في مدة موسى من كفر بعضهم وعتوهم، وكذلك أمرهم مع محمد ﵇ كان مشاهدا في وقت نزول القرآن، فخصت هذه الآية داود وعيسى إعلاما بأنهم لعنوا في الكتب الأربعة وأنهم قد لعنوا على لسان غير موسى ومحمد ﵉" (٥). قال الراغب: " إن قيل: على أي وجه لعنوا على ألسنتهما؟ ، قيل في ذلك أوجه: الأول: أنهم فعلوا ما استحقوا به اللعن، فلعناهم بأسمائهم، وذلك راجع إلى آبائهم. الثاني: أنهما قالا: من لم يفعل كذا فلعنة الله عليه، فعصو، فصاروا ملعونين من هذا الوجه. الثالث: أن الله تعالى لما أنزل على كل واحد منهما كتابا اقتضى أن من خالفه فهو ملعون، فخالف هؤلاء، فصاروا من هذا الوجه ملعونين" (٦). عن ابن عباس: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾، يعني: لعنوا في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم، ولعنوا في الزبور على لسان داود" (٧). وفي رواية اخرى عن ابن عباس أيضا: " لعنوا بكل لسان على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن" (٨).

стр. 3598

وعن ابن عباس أيضا: " خالطوهم بعد النهي في تجاراتهم، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، فهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم" (١). قال مجاهد (٢)، وقتادة (٣)، وأبو مالك الغفاري (٤): " يقول: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى بن مريم فصاروا خنازير" (٥). قال ابن عطية: "وذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية، وإنما تعطي ألفاظ الآية أنهم لعنهم الله وأبعدهم من رحمته وأعلم بذلك العباد المؤمنون على لسان داود النبي في زمنه وعلى لسان عيسى في زمنه" (٦). وعن ابن جريج قال، قال ابن عباس: "قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾، بكل لسان لُعِنوا: على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد ﷺ في القرآن قال ابن جريج: وقال آخرون: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود، على عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مرَّ داود على نفر منهم وهم في بيت فقال: من في البيت؟ قالوا: خنازير. قال: اللهم اجعلهم خنازير! فكانوا خنازير. قال: ثم أصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: اللهم العن من افترى عليّ وعلى أمي، واجعلهم قردة خاسئين! " (٧). قال عبدالله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعزيرا، فإذا كان من الغد يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه- وفي حديث هارون وشريبه ثم اتفقا في المتن. فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ثم قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على يدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم" (٨). عن أبي عبيدة قال، قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقصُ، كان الرجل يرى أخاه على الرَّيْبِ فينهاه عنه، فإذا كان الغدُ، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن فقال: لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم حتى بلغ ولكن كثيًرا منهم فاسقون، قال: وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس، وقال: لا حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطروه على الحق أطرًا " (٩). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]، أي: ذلك اللعن" بسبب عصيانهم واعتدائهم على حرمات الله" (١٠). قال الزجاج: " أي: ذلك اللعن بمعصيتهم واعتدائهم" (١١). قال السعدي: أي: " ﴿ذلك﴾ الكفر واللعن بعصيانهم لله، وظلمهم لعباد الله، صار سببا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات" (١٢).

стр. 3599

قال ابن كثير: " بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه" (١). قال الطبري: أي: " بما عصوا الله فخالفوا أمره وكانوا يعتدون، يقول: وكانوا يتجاوزون حدودَه" (٢). قال الراغب: " الاعتداء والتعدي والعدوان خروج عما حد ورسم" (٣). قال قتادة: " اجتنبوا المعصية والعرفان فإن بنا ملك من ملك قبلكم من الناس" (٤). الفوائد: ١ - العصيان والاعتداء ينتجان لصاحبهما الحرمان والخسران. ٢ - التحذير من التغيير للحق والتبديل لأنه من التشبه بأعداء الله تعالى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد جاء الذم البليغ والوعيد الشديد على ذلك كما في الآية. القرآن ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩] التفسير: كان هؤلاء اليهود يُجاهرون بالمعاصي ويرضونها، ولا يَنْهى بعضُهم بعضًا عن أيِّ منكر فعلوه، وهذا من أفعالهم السيئة، وبه استحقوا أن يُطْرَدُوا من رحمة الله تعالى. قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]، أي: " كان هؤلاء اليهود يُجاهرون بالمعاصي ويرضونها، ولا يَنْهى بعضُهم بعضًا عن أيِّ منكر فعلوه" (٥). قال ابن جريج: " لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر" (٦). قال الجصاص: " معناه لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر" (٧). قال الطبري: " كان هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله لا ينتهون عن منكر فعلوه، ولا ينهى بعضهم بعضًا، ويعني بـ «المنكر»: المعاصي التي كانوا يعصون الله بها" (٨). قال السعدي: " أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه" (٩). قال ابن عطية: " ذم الله تعالى هذه الفرقة الملعونة بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أي إنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي وإن نهى منهم ناه فعن غير جد، بل كانوا لا يمتنع الممسك منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته وخلطته، والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ونهى بمعروف وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه وأن لا يخالط ذا المنكر، وقال حذاق أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليما من المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا، وقال بعض الأصوليين فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا. واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية، لأن قوله يتناهون وفعلوه يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي" (١٠).

стр. 3600

قال السمعاني: " التناهي: تفاعل من النهي، والمنكر: كل ما أنكره الشرع" (١). قال الراغب: " التناهى: أن ينهى بعضهم بعضا، والانتهاء الانزجار، وهو أبلغ من الانتهاء والمعنى لم يكونوا ينتهون، ولا يتناهون عن القبح الذي أناطوه" (٢). قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " كانت معصيتهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه" (٣). عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "لما فشا المنكر في بني إسرائيل، جعل الرجل يلقَى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله! ثم لا يمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم أنزل فيهم كتابًا: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾، وكان رسول الله ﷺ مُتَّكئًا، فجلس وقال: كلا والذى نفسي بيده، حتى تأطِرُوا الظالم على الحق أطْرًا " (٤). قال الجصاص: " قال أبو بكر في هذه الآية مع ما ذكرنا من الخبر في تأويلها دلالة على النهي عن مجالسة المظهرين للمنكر وأنه لا يكتفى منهم بالنهي دون الهجران" (٥). قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]، أي: ": لبئس الفعل كانوا يفعلون" (٦). قال الزجاج: " أي: لبئس سيئا فعلهم" (٧). قال الطبري: " وهذا قسم من الله تعالى ذكره يقول: أقسم: لبئس الفعل كانوا يفعلون، في تركهم الانتهاء عن معاصي الله تعالى ذكره، وركوب محارمه، وقتل أنبياء الله ورسله" (٨). قال الزمخشري: قوله ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: " للتعجيب من سوء فعلهم، مؤكدا لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهى عن المناكير، وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. فان قلت: كيف وقع ترك التناهى عن المنكر تفسيرا للمعصية والاعتداء؟ قلت: من قبل أن الله تعالى أمر بالتناهى، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأن في التناهى حسبما للفساد فكان تركه على عكسه. فإن قلت: ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر. ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله. يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه" (٩). الفوائد: ١ - حرمة السكوت عن المنكر ووخامة عاقبته على المجتمع. ٢ - إن السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجب للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة (١٠): - منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت. فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية. - ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.

стр. 3601

- ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولا. - ومنها: أن - في ترك الإنكار للمنكر- يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية- مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟ " - ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه، ومنها ومنها. فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم. ٣ - دلت هذه الآية على المذهب الصحيح الأشعرى، من أن متعلق النهي فعل وهو الترك، خلافا لأبى هاشم المعتزلي في قوله «إن متعلقه نفى محض وعدم صرف» (١)، ووجه دلالة الآية على أن متعلقه فعل، أنه عبر عن ترك التناهى الذي وقع توبيخهم عليه بالفعل، حيث قال: ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾، أى: لبئس الترك للتناهي فعلا، كما تقول: زيد بئس الرجل، فتجعل الرجل واقعا على زيد. وقد سمى تركهم للنهى عن المنكر في الآية السالفة قبل هذه صنعا، فقال: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار﴾ إلى قوله: ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ وذلك أبلغ في الدلالة على أن متعلق النهى أمر ثابت، إذ «الصنع» أمكن من الفعل في الدلالة على الإثبات (٢). القرآن ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٨٠] التفسير: تَرَى -أيها الرسول- كثيرًا من هؤلاء اليهود يتخذون المشركين أولياء لهم، ساء ما عملوه من الموالاة التي كانت سببًا في غضب الله عليهم، وخلودهم في عذاب الله يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]، أي: " تَرَى -أيها الرسول- كثيرًا من هؤلاء اليهود يتخذون المشركين أولياء لهم" (٣). قال مكي: " المعنى: ترى يا محمد كثيراً من اليهود يوالون المشركين من عبدة الأوثان ويعادون أولياء الله" (٤). قال الواحدي: " أي: من اليهود يتولون كفار مكة، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله ﷺ –" (٥). قال الزمخشري: " هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم" (٦). قال ابن عطية: " ﴿ترى كثيرا﴾، يحتمل أن يكون رؤية قلب وعلى هذا فيحتمل أن يريد من الأسلاف المذكورين، أي ترى الآن إذا خبرناك، ويحتمل أن يريد من معاصري محمد صلى

стр. 3602

الله عليه وسلم لأنه كان يرى ذلك من أمورهم ودلائل حالهم، ويحتمل أن تكون الرؤية رؤية عين فلا يريد إلا معاصري محمد ﷺ " (١). وفي عود الضمير في قوله تعالى: ﴿كثيرا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٨٠]، ثلاثة وجوه: أحدهما: أن الضمير في ﴿منهم﴾ راجع إلى اليهود، وهم كعب بن الأشرف وأصحابه، يتولون كفار قريش حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي ﷺ حكاه الجصاص عن الحسن وغيره (٢)، وبه قال مقاتل (٣). والثاني: أنه راجع إلى أهل الكتاب، ﴿والذين كفروا﴾ هم عبدة الأوثان تولاهم أهل الكتاب على معاداة النبي ﷺ ومحاربته (٤). والثالث: أنه راجع إلى المنافقين، يتولون الذين كفروا، يعني: اليهود. وهذا قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والحسن (٧)، والكلبي (٨). قال الواحدي: "وهذا القول يؤكده ما بعد هذه الآية" (٩). قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]، أي: " ساء ما عملوه من الموالاة التي كانت سببًا في غضب الله عليهم" (١٠). عن ابن عباس: ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم﴾، قال: أمرتهم" (١١). قال السمرقندي: " معناه: لبئس الفعل الذي كانوا يستوجبون به السخط من الله تعالى ويوجب لهم العقوبة والعذاب" (١٢). قال ابن الجوزي: " أي: بئسما قدموا لمعادهم أن سخط الله عليهم" (١٣). قال الطبري: " أُقسم: لبئس الشيء الذي قدمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم في الآخرة ﴿أنْ سخط الله عليهم﴾، يقول: قدّمت لهم أنفسهم سخط الله عليهم بما فعلوا" (١٤). قال ابن كثير: " يعني: بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين، التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًا إلى يوم معادهم؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، فسر بذلك ما ذمهم به" (١٥). ويحتمل قوله تعالى: : ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]، وجهين (١٦): أحدهما: يعني: من اليهود: ﴿يتولون الذين كفروا﴾، من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله ﷺ والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعا ذلك. والثاني: أن قوله: ﴿ترى كثيرا منهم﴾، أي: من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله ﷺ يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي

стр. 3603

دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم. قوله تعالى: ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠]، أي: " أي وفي عذاب جهنم مخلّدون أبد الآبدين" (١). قال السمرقندي: " يعني: دائمون" (٢) قال ابن كثير: " يعني يوم القيامة" (٣). قال الطبري: " يقول: وفي عذاب الله يوم القيامة هم خالدون، دائم مُقامهم ومُكثهم فيه" (٤). الفوائد: ١ - حرمة موالاة أهل الكفر والشر والفساد. ٢ - أن موالاة الكفار موجبة لسخط الله، والخلود في العذاب بمجردها، وإن كان الإنسان خائفاً، إلا من أكره بشرطه، إذ ان الموالاة بمجردها لا تعد كفراً. ٣ - في الآية الدّليل على إثبات صفة: «السّخط»، وهي من صفات الله الفعلية الخبرية، مع الإعتقاد بأن صفاته ـ تعالى ـ ليست كالصّفات، كما أنّ ذاته ـ تعالى ـ ليست كذاتنا؛ فالمجسّم والممثّل يعبد صنمًا، والمعطّل والنّافي يعبد عدمًا، والمثبت المنزّه يعبد حيًّا قيومًا واحدًا لا شريك له في ذاته وصفاته؛ فتعالى الله عمّا يقول الظّالمون النّافون والمشبّهون علوًّا كبيرًا. أبي سعيد الخدري ﵁: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك ... [إلى أن قال فيه]: فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبداً" (٥). قال أبو إسماعيل الصابوني: "وكذلك يقولون في جميع الصفات [يعني: الإثبات] التي نزل بها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين ... والرضا والسخط ... " (٦). والفرق بين السخط والغضب، فإن" السخط: هو عدم الرضا، والسخط إلى الكراهة أقرب منه إلى الغضب، فإن الغضب يعدى بـ «على»، والسخط يعدى بها تارة، وبنفسه أخرى؛ وبين السخط والغضب فرق واضح: كثيرًا ما يقابل السخط بالرضا، والغضب لا يقابل به؛ وفيه إثبات الرضا؛ فإن الله يرضى حقيقة كما أنه يسخط حقيقة" (٧). القرآن ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨١] التفسير:

стр. 3604

ولو أن هؤلاء اليهود الذين يناصرون المشركين كانوا قد آمنوا بالله تعالى والنبي محمد ﷺ ، وأقرُّوا بما أنزل إليه -وهو القرآن الكريم- ما اتخذوا الكفار أصحابًا وأنصارًا، ولكن كثيرًا منهم خارجون عن طاعة الله ورسوله. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، أي: " ولو أن هؤلاء اليهود الذين يناصرون المشركين كانوا قد آمنوا بالله تعالى والنبي محمد ﷺ ، وأقرُّوا بما أنزل إليه -وهو القرآن الكريم- ما اتخذوا الكفار أصحابًا وأنصارًا " (١). قال الزمخشري: أي: " ﴿ولو كانوا يؤمنون﴾ إيمانا خالصا غير نفاق ما اتخذوا المشركين أولياء يعنى أن موالاة المشركين كفى بها دليلا على نفاقهم، وأن إيمانهم ليس بإيمان .. وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون" (٢). قال ابن كثير: " أي: لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسل والفرقان، لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه " (٣). قال الطبري: " ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بني إسرائيل يؤمنون بالله والنبي، يقول: يصدِّقون الله ويقرُّون به ويوحِّدونه، ويصدقون نبيَّه محمدًا ﷺ بأنه لله نبي مبعوث، ورسول مرسل وما أنزل إليه، يقول: ويقرُّون بما أنزل إلى محمد ﷺ من عند الله من آي الفرقان، ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دون المؤمنين" (٤). قال الشوكاني: " أي: نبيهم كما يزعمون، ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ من التوراة وغيره، ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ﴾، لأن النبي لا يأمر بموالاة الكفار، ولو آمنوا بمحمد ﷺ وما أنزل إليه- كما هو الواجب عليهم- ما اتخذوا الكفار أولياء" (٥). قال الرازي: أي: " لو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء، لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى ﵇، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى ﵇، بل مرادهم الرياسة والجاه فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه" (٦). قال السعدي: " فإن الإيمان بالله وبالنبي وما أنزل إليه، يوجب على العبد موالاة ربه، وموالاة أوليائه، ومعاداة من كفر به وعاداه، وأوضع في معاصيه، فشرط ولاية الله والإيمان به، أن لا يتخذ أعداء الله أولياء، وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط، فدل على انتفاء المشروط" (٧). عن مجاهد قوله: " ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء﴾، قال: المنافقون" (٨). قال الراغب: " ﴿النبي﴾، يجوز أن يكون إشارة إلى نبينا ﵊، ويجوز أن يكون إشارة إلى نبيهم، ونبه أنهم لو آمنوا بمن ادعوا الإيمان به، لما فعلوا ما فعلوا، فإن دينهم لا يقتضي ما يرتكبونه ويفعلونه، ويجوز أن يكون النبي إشارة إلى الجنس، أي: الإيمان بالله وبالنبوة والكتاب، لا يقتضي ما يتحرونه من مولاة الكفار" (٩).

стр. 3605

قال ابن عطية: " وقوله تعالى: و ﴿النبي﴾، إن كان المراد الأسلاف، فالنبي داود وعيسى، وإن كان المراد معاصري محمد، فالنبي محمد ﵇، و ﴿الذين كفروا﴾، هم عبدة الأوثان" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١]، أي: " ولكن كثيرًا منهم خارجون عن طاعة الله ورسوله" (٢). قال الزمخشري: أي: "متمردون في كفرهم ونفاقهم " (٣). قال السعدي: " أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به وبالنبي. ومن فسقهم موالاة أعداء الله" (٤). قال القرطبي: " أي: خارجون عن الإيمان بنبيهم لتحريفهم، أو عن الإيمان بمحمد ﷺ لنفاقهم" (٥). قال ابن كثير: " أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله مخالفون لآيات وحيه وتنزيله" (٦). قال الطبري: " يقول: ولكن كثيرًا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وأهلُ استحلال لما حرَّم الله عليهم من القول والفعل" (٧). قال السمعاني: " فإن قيل: لم سماهم فاسقين وهم كافرون؟ قيل: معناه: «خارجون» عن أمر الرب، والكفار خارجون عن كل أمره، وقيل: معناه: متمردون، أي: هم مع كفرهم متمردون" (٨). قال ابن عطية: " خص الكثير منهم بالفسق إذ فيهم قليل قد آمن" (٩). قال الشوكاني: " ذكر الحق ﷻ في هذه الآية ثلاثة أمور، وجعلها سببًا للعن والطرد، وموجبة للسخط والمقت: أولها: الانهماك في المعاصي والعدوان، والإصرار على الذنوب والطغيان. والثاني: عدم الإنكار على أهل المعاصي والسكوت عنهم والرضا بفعلهم. والثالث: موالاة الفجار والمودة مع الكفار، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم، وفي بعض الأخبار: «لو أن رجلاً قام الليل وصام النهار، ثم تودد مع الفجار لبعث معهم، ولو أن رجلاً عمل بالمعاصي ما عمل، ثم أحب الأبرار لحُشر معهم»، أو كما قال ﷺ ، ويعضده حديث: «المَرءُ مَعَ مَن أحبَّ» (١٠) " (١١). الفوائد: ١ - أن موالاة الكفار منافية للإيمان بالله، والنبي وما أنزل إليه، وأن سبب ذلك، كون كثير منهم فاسقون. وفي الآية دليل على أن من اتخذ كافرا وليا فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله. قاله القرطبي (١٢).

стр. 3606

٢ - أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده، ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله. القرآن ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة: ٨٢] التفسير: لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ; لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم، ولتجدنَّ أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا: إنا نصارى، ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد ﷺ ، وآمنوا بها. سبب نزول الآيات (٨٢ - ٨٦): قال المفسرون: نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه، وفيما يأتي ذكر الأخبار في ذلك: أولا: - عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعروة بن الزبير؛ قالوا: "بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ " (١). [ضعيف] ثانيا: -عن عروة بن الزبير؛ قال: "في قوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ نزل ذلك في النجاشي " (٢). [ضعيف]

стр. 3607

ثالثا: عن سعيد بن جبير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾؛ قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا اختارهم الخيّر فالخيّر، فدخلوا على رسول الله ﷺ ، فقرأ عليهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾؛ فبكوا وعرفوا الحق؛ فأنزل الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وأنزل فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] " (١). [ضعيف] رابعا: عن سلمان؛ قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة صنعت طعاماً، فجئت به النبي ﷺ فقال: "ما هذا يا سلمان؟ "، قلت: صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً، فأتيته به، فقال: "ما هذا يا سلمان؟ "، قلت: هدية فضرب بيده فأكل، وقال لأصحابه: "كلوا"، قلت: يا رسول الله! أخبرني عن النصارى؟ قال: "لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم"، فقمت وأنا مثقل؛ فأنزل الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ حتى بلغ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ فأرسل إلي رسول الله ﷺ ، فقال: "يا سلمان! إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله"» (٢). [صحيح]

стр. 3608

خامسا: عن السدي؛ قال: "بعث النجاشي إلى النبي ﷺ اثني عشر رجلًا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ ، فبكوا، وكان منهم رهبان وخمسة قسيسين، أو خمسة رهبان وسبعة قسيسين؛ فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ " (١). [ضعيف جداً] قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: " لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ; لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم" (٢). قال ابن عطية: " وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ودربوا العتو والمعاصي ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لجت عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كفر وعروشهم ثل، وبين أنهم ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: "ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، الذين قالوا: إنا نصارى" (٤). قال ابن كثير: " أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملتهم" (٥). قال الزمخشري: " وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق «١» ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾، ولعمري إنهم لكذلك وأشد. وعن النبى ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» (٦) " (٧).

стр. 3609

قال ابن عطية: " والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل أن النبي ﷺ سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد ﵇ أن يستمر ظهور الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى: الذين قالوا إنا نصارى إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد ﷺ من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم" (١). قال مجاهد: " هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة" (٢). وروي عن عطاء نحو ذلك (٣). قال عطاء: " ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه" (٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: " ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين" (٥). قال السمرقندي: "يعني: المتعبدين، وأصحاب الصوامع، ويقال: قسيسين علماؤهم، ورهبانا يعني: خائفين من الله تعالى" (٦). قال ابن كثير: " أي: يوجد فيهم القسيسون - وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسيس وقَس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان: جمع راهب، وهو: العابد. مشتق من الرهبة، وهي: الخوف كراكب وركبان، وفارس وفرسان" (٧). قال ابن عطية: " معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هذي، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد" (٨).

стр. 3610

قال الزمخشري: " وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا أى علماء وعبادا" (١). قال السعدي: " والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين" (٢). عن الحسن: " ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: علماؤهم وفقهاؤهم" (٣). قال سلمان: " هم الرهبان الذين في الصوامع والحزب فدعوهم فيها" (٤). قال سعيد بن جبير: " هم أصحاب النجاشي بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ بثلاثين رجلا فقرأ عليهم يس فبكوا وقالوا نعرف والله فنزلت فيهم" (٥). قال الزجاج: «القس» و «القسيس»: من رؤساء النصارى، فأما القس في اللغة: فهي النميمة ونشر الحديث، يقال: قس فلان الحديث قسا" (٦). وقال قطرب: "القسيس: العالم بلغة الروم، فأما الرهبان: فهم العباد أرباب الصوامع" (٧). وقال ورقة (٨): بما خبَّرتنا مِن قولِ قَسٍّ ... من الرهبانِ أكرهُ أنْ يعوجا وعلى هذا فالقس والقسيس: مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين (٩). قال ابن زيد: "القسيس: عبّادهم" (١٠). وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وبقي واحد من علمائهم على الحق والاستقامة وهو قسّيسا، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس" (١١). قال القرطبي: " القسيس: العالم، وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه، قال الراجز (١٢): يُصْبِحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوافِلا وتقسست أصواتهم بالليل: تسمعتها، والقس النميمة، والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم، وجمعه: قسوس، وكذلك القسيس مثل الشر والشرير، فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد، ويقال في جمع قسيس مكسرا: قساوسة، أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا كمهالبة، والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها، ولفظ القسيس: إما أن يكون عربيا، وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب" (١٣). و«الرهبان»: جمع راهب، كركبان وراكب، قال الشاعر (١٤):
следующие страницы →