← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن من عارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله تعالى: (فاتقوا النار) ٢ ومنها: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب؛ فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضاً توقد بهم؛ فيجتمع العذاب عليهم من وجهين. ٣ ومنها: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم، وطرحها في النار. على أحد الاحتمالين في قوله تعالى: ﴿الحجارة﴾؛ لأن من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده، ولا يريد أن يصيبه أذًى؛ فإذا أحرق هؤلاء المعبودون أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم، وخزيهم. ٤ ومنها: أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت﴾؛ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض؛ والماضي يدل على وجود الشيء؛ وهذا أمر دلت عليه السنة أيضاً؛ فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة، والنار، ورأى أهلها يعذبون فيها: رأى عمرو بن لحيّ الخزاعي يجر قصبه. أي أمعاءه. في النار؛ ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعاً: فلم تكن أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ ورأى فيها صاحب المحجن. الذي كان يسرق الحُجَّاج بمحجنه. يعذب: وهو رجل معه محجن. أي عصا محنية الرأس. كان يسرق الحُجاج بهذا المحجن؛ إذا مر به الحجاج جذب متاعهم؛ فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ وإن لم يتفطن أخذه؛ فكان يعذب. والعياذ بالله. بمحجنه في نار جهنم (١). مسألة: هل النار باقية؛ أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى، ولا تفنى؛ وذكر بعضهم خلافاً عن بعض السلف أنها تفنى؛ والصواب أنها تبقى أبد الآبدين؛ والدليل على هذا من كتاب الله في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ فأما الآية التي في النساء فهي قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ والتي في سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ والتي في سورة الجن قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [الجن: ٢٣]؛ وليس بعد كلام الله كلام؛ حتى إني أذكر تعليقاً لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم؛ ذكر أن هذا من باب: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة". وهو صحيح؛ كيف إن المؤلف ﵀ يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ ! غريب على ابن القيم ﵀ أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى! وعلى كل حال، كما قال شيخنا في هذه المسألة: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة"؛ والصواب الذي لا شك فيه. وهو عندي مقطوع به. أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان يخلد فيها تخليداً أبدياً لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبدياً لابد أن تكون الدار أيضاً أبدية. وأما قوله تعالى في أصحاب النار: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٧] فهي كقوله تعالى في أصحاب الجنة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٨] لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم، وثوابهم فضلاً ومنَّة، بيَّن أن هذا الفضل غير منقطع، فقال تعالى: ﴿عطاءً غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨]؛ ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل، والسلطان المطلق للرب قال تعالى في آخر الآية: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]؛ وليس المعنى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧] أنه سوف يخرجه من النار، أو سوف يُفني النار. ٥ ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت للكافرين﴾؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار داراً لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي. إذا لم يعف الله عنه. فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة.

стр. 387

مسألة: إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ . الجواب: أنه معجز بجميع وجوه الإعجاز؛ لأنه كلام الله، وفيه من وجوه الإعجاز ما لا يدرك؛ فمن ذلك: . أولاً: قوة الأسلوب، وجماله؛ والبلاغة، والفصاحة؛ وعدم الملل في قراءته؛ فالإنسان يقرأ القرآن صباحاً، ومساءً. وربما يختمه في اليومين، والثلاثة. ولا يمله إطلاقاً؛ لكن لو كرر متناً من المتون كما يكرر القرآن ملّ. ثانياً: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى. ثالثاً: صدق أخباره بحيث يشهد لها الواقع؛ وكمال أحكامه التي تتضمن مصالح الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً﴾ (الأنعام: ١١٥) رابعاً: تأثيره على القلوب، والمناهج؛ وآثاره، حيث ملك به السلف الصالح مشارق الأرض، ومغاربها. وأما كيفية الإعجاز فهي تحدي الجن، والإنس على أن يأتوا بمثله، ولم يستطيعوا. مسأل. ثانية: حكى الله عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندهم أقوالاً؛ وهذه الحكاية تحكي قول من حُكيت عنه؛ فهل يكون قول هؤلاء معجزاً. يعني مثلاً: فرعون قال لموسى: ﴿لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩]: هذا يحكيه الله عن فرعون؛ فيكون القول قول فرعون؛ فكيف كان قول فرعون معجزاً والإعجاز إنما هو قول الله ؟ فالجواب: أن الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظه؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآن كلام الله . وهو معجز. القرآن ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥] التفسير: وبشر -أيها الرسول- الذين آمنوا بالله وبمحمد ﷺ ، وبما جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة من واجبات ومستحبات، أن لهم جنات تجري من تحت أشجارها أنهار، كلما أعطوا عطاء ورزقوا رزقاً من ثمار الجنة قالوا قد رَزَقَنا الله هذا النوع من قبل، فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته، وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم، ولهم في الجنَّات زوجات مطهَّرات. قال ابن كثير: " لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني" على أصح أقوال العلماء. وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه" (١). قال الزمخشري: " من عادته في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب" (٢). قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: "وأخبر" (٣) يا محمد الذين آمنوا. قال الصابوني: " أي وبَشِّرْ يا محمد المؤمنين المتقين" (٤).

стр. 388

قال ابن عثمين: " أي [الذين آمنوا] بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به، ورسوله؛ وقد بيَّن الرسول ﷺ أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول، وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان" (١). قال الطبري: " هذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد ﷺ وبما جاء به من عند ربه، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة" (٢). والخطاب في قوله تعالى: ﴿بشِّر﴾ يحتمل وجهين (٣): أحدهما: أنه خطاب للرسول ﷺ . يعني بشِّر أيها النبي. وهو الظاهر. والثاني: أو أنه لكل من يتوجه إليه الخطاب، ؛ يعني: بشِّر أيها المخاطَب، من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات. قال النسفي: " والمأمور بقوله " وبشر " الرسول ﵇ أو كل أحد، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمة وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به" (٤). قال البغوي: " والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب" (٥). قال ابن عثيمين: " و "البشارة" هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بَشَرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يُسِرُّه استنار وجهه، وطابت نفسه، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل "البشارة" في الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]: إمَّا تهكماً بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتَسودَّ به وجوههم، وتُظلِم، كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩] " (٦). وقرئ ﴿وَبَشّرِ﴾، على البناء للمفعول عطفاً على: أعدت، فيكون استئنافاً (٧). قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: "وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه " (٨). قال البغوي: " أي أخلصوا الأعمال" (٩). قال البيضاوي: ﴿الصالحات]، "هي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه. وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أَسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناءَ بأْسٍ لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطفُ على نفسه ولا على ما هو داخل فيه" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي عملوا الأعمال الصالحات. وهي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١١)؛ وما لم

стр. 389

يكن على الاتِّباع فهو مردود لا يقبل؛ لقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) " (٢). قال الزمخشري: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة: ٢٥]، "كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس" (٣). قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥]، " أي بأن لهم حدائق وبساتين ذاتِ أشجار ومساكن" (٤). قوله تعالى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: " تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة" (٥). قال ابن كثير: " أي: من تحت أشجارها وغرفها" (٦). قال البغوي: "أي من تحت أشجارها ومساكنها" (٧). قال ابن عثيمين: "أي تسيح من تحتها الأنهار" (٨). و﴿الأنْهَار﴾ أي "المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل ﴿من تحتها﴾ أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون "وهذه الأنهار تجري من تحتي" (٥١ - الزخرف) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" (٩) " (١٠). قوله تعالى ﴿جتّات﴾ جمع (جَنّة) وهي لغة: "كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض" (١١)، وعرفها صاحب لسان العرب، بقوله: "والجنة: البستان، ومنه الجنات، والعرب تسمي النخيل جنة .. والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها جنان .. لاتكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة .. وقد ورد ذكر الجنة في القرآن العزيز والحديث الكريم في غير موضع .. وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنه جنا إذا ستره، فكأنما سَترةٌ واحدة لشدة التفافها وإظلالها" (١٢). و(الجنة) اصطلاحا كما قال الرازي: "ذكر الجنة بلام التعريف، فينصرف إلى ما هو المعلوم عند المسلمين، وليس ذلك إلا دار الثواب" (١٣). ويقول الصاوي: "والمراد منها دار الثواب" (١٤). وإن الجنة من المسائل الغيبية، ومنهج أهل السنة والجماعة في إثبات هذه المسائل، يبينه صاحب تبصرة الأدلة، فيقول: " إن الدلائل السمعية وردت بثبوت عذاب القبر، فلا بد من القول بثبوته، ثم هو من الممكنات" (١٥).

стр. 390

يفهم من الكلام السابق، أن المسائل الغيبية، والتي منها عذاب القبر والجنة والنار، المنهج في إثباتها يكون على نقطتين، وهما: ١ - أن الدليل السمعي ورد بها. ٢ - أنها من جملة الممكنات عقلاً. وكل ما هو كذلك وجب الثبوت له، وأنه حق لا مرية فيه ولا شك، وهذا ما فعله العلماء بالفعل عند إثباتهم لحقية الجنة، فعند حديثهم عن النقطة الأولى وهي ورود الدليل السمعي بالجنة، يقول اللقاني: "الجنة .. حق ثابتة بالكتاب والسنة واتفاق عظماء علماء الأمة، وكل ما هو كذلك فالإيمان به واجب" (١). وعند حديثهم عن النقطة الثانية، بأن الجنة من جملة الممكنات العقلية، يقول صاحب تحرير المطالب: "أما الإمكان (٢) فأمر ضروري من جهة العقل" (٣)، فالجنة أمر ممكن، بل الإمكان ضروري، لا يتوقف على نظر أو استدلال، بل يعتبر الإمام السنوسي أن ثبوت حقية الجنة من المسائل التي تعلم من الدين بالضرورة، أي أن منكرها كافر، وفي ذلك يقول: "وأما الجنة .. فثبوتها مما علم من الدين ضرورة" (٤). ويقول القاضي عبد الجبار: "فإن الأمة أجمعت على أن لا دار غير الجنة والنار" (٥)، فأهل السنة والمعتزلة لا خلاف بينهم في حقية الجنة والنار وثبوتهما. وعند حديثنا عن مكان الجنة، نجد أن العلماء اختلفوا في مكانها، وفي هذا يقول الكومي: " اختلف العلماء في محلهما " (٦)، ويمكن أن نحصر أقوال العلماء في مكان الجنة بأربعة أقوال، وهي: ١ - إن الجنة في العلو، دون الخوض في تحديد مكان في ذاك العلو، فيقول البزدوي: "الجنة في العلو" (٧). ٢ - إن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، وقد مال الأكثرون من العلماء إلى هذا القول، حيث يقول العرياني: "والأكثرون على أن الجنة فوق السبع وتحت العرش، تمسكاً بقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (النجم: ١٤ – ١٥)، وقوله ﵇: (سقف الجنة عرش الرحمن) (٨) " (٩). ٣ - ويرى بعض العلماء التوقف في هذه المسألة، وذلك بسبب تعارض ظواهر النصوص التي عينت مكاناً للجنة، فيقول القاري: "وقيل: بالوقف حيث لا يعلمه إلا الله تعالى" (١٠). ٤ - في حين يرى بعض العلماء أن الأسلم في مثل هذه المسألة أن نفوض علم ذلك إلى الله تعالى، وممن ذكر من العلماء التفويض في هذه المسألة الكومي، حيث يقول: "والحق في ذلك تفويض العلم إلى الله" (١١). بعد هذا العرض لأقوال العلماء في مكان الجنة، فالذي نراه أن الجنة لها مكان محدد بحدود علوية وسفلية، وذلك من خلال النقاط الثلاث الآتية:

стр. 391

١ - أن الجنة عبارة عن جسم، وكل جسم لابد أن يكون له حدود تحده، ينتج من ذلك أن الجنة لها حدود تحدها، وتلك الحدود بينها لنا القرآن والسنة المطهرة. ٢ - وعند بياننا لحد الجنة من العلو، فنقف عند حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: (سقف الجنة عرش الرحمن) (١)، فنفهم من هذا الحديث الشريف أن حدود الجنة من جهة الأعلى هو عرش الرحمن، يعني ذلك أن مكان الجنة تحت العرش. ٣ - وأما عند ذكرنا لحد الجنة من جهة السفل، فنقف عند قول الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: ١٣)، فهذه الآية الكريمة أخذت على عاتقها بيان حد الجنة من جهة السفل، وفي ذلك يقول الإمام الطبري: "وقد قيل: إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم .. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوّام مؤذّنِ بيت المقدس، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) هو السور الشرقيّ، باطنه المسجد، وظاهره وادي جهنم" (٢). ويقول القرطبي: "والسور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم. (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) يعني ما يلي منه المؤمنين (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني جهنم. ونحوه عن ابن عباس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة ابن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى، وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنه رأى جهنم" (٣). من خلال هذه المقدمات الثلاث يمكننا أن نحدد مكاناً للجنة، فالمقدمة الثانية بينت لنا أن سقف الجنة هو عرش الرحمن، فهذا حدها من جهة العلو الذي ثبت بالحديث الشريف، وحدها من جهة السفل عند سور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم، كما ثبت ذلك بأقوال المفسرين للآية القرآنية السابقة. وللجنة أسماء كثيرة مبثوثة الذكر في كتاب الله تعالى، وكثرة هذه الأسماء تدل على شرف المسمى في الغالب، وكانت على النحو الآتي: - الجنة: وهو أشهر أسمائها، وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (الحشر: ٢٠). - دار السلام: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (الأنعام: ١٢٧). - دار المتقين: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: ٣٠). - دار الآخرة: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩). - الحسنى: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: ٢٦). - دار المقامة: ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (فاطر: ٣٥). ويذكر اللقاني بعض أسمائها، فيقول: "أوسطها وأفضلها الفردوس، وهو أعلاها، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة - كما جاء في الحديث (٤)، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة النعيم، وجنة عدن، ودار السلام، ودار الخلد" (٥)، لقد ذكر اللقاني أسماء الجنة التي ترغب في طلبها، لما لهذه الأسماء من مزيد حب في نفس طلابها، لدلالة هذه الأسماء على الخلود والإقامة والراحة والدعة.

стр. 392

وقد ذكر الله تعالى أوصاف الجنة، وأنهارها وظلها، فيقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ (النساء: ٥٧). ويصف لنا سبحانه الجنة بأن لها أبواباً، فيقول تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر: ٧٣). ويصف لنا ربنا سعتها، فيقول تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. ويصف لنا الله تعالى الجنة بأنها ذات عيون كثيرة مختلفة الطعم واللذة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٥ - ٤٦]. ويصف لنا الله تعالى شجر الجنة، فيقول تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣٠]. ويصف الله تعالى فاكهة الجنة، فيقول: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (الواقعة: ٣٢– ٣٣). ويصف لنا النبي ﷺ الجنة، فيقول: "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١). وعن عبد الله بن قيس أن النبي ﷺ قال: "جنان الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، وهذه الأنهار تشخب من جنة عدن ثم تصدع بعد ذلك أنهاراً" (٢). وقد أخبر الله تعالى أن للجنة أبوابًا في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. كما أخبر النبي ﷺ أن للجنة أبوابًا: ـ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ" (٣). وأخبر أنها ثمانية أبواب: ـ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ." (٤). - عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: "مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَىَ عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ" (٥). قوله تعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً﴾ [البقرة: ٢٦]، "أي كلما أعطوا عطاءً ورُزقوا رزقاً من ثمار الجنة" (٦).

стр. 393

قال القاسمي: أي كلما: "أطعموا من تلك الجنات" (١). قال البغوي: "أي: متى ما أطعموا من الجنة ثمرة" (٢). قوله تعالى: ﴿قَالُوا هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٦]، "أي هذا مثلُ الطعام الي قُدِّم إلينا قبل هذه المرة" (٣). قال ابن كثير: " مثل الذي كان بالأمس" (٤). واختلفوا في قوله تعالى ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] على ثلاثة أقوال (٥): القول الأول: أن معناه: أن هذا الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الجنة، مثلُ الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الدنيا، وهذا قول ابن مسعود (٦) وابن عباس والسدي، ومجاهد (٧) وقتادة (٨)، وابن زيد (٩)، ورجّحه الطبري (١٠). وقولهم هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها (١١). وعلى هذا القول، يكون معنى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: في الدنيا، وفيه وجهان (١٢): أحدهما: أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا. والثاني: هذا الذي رزقنا في الدنيا ; لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك (١٣). والقول الثاني: أن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها، استخلف مكانها مثلها، فإذا رأوا ما استخلف بعد الذي جُنِي، اشتُبِه عليهم، فقالوا: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل﴾، وهو قول أبي عبيدة (١٤)، ويحيى بن أبي كثير (١٥). وعلى هذا فإن قوله تعالى ﴿من قبل﴾، يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا: هذا مثل الذي كان بالأمس، لشدة مشابهة بعضه بعضًا، لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول، وكذا قال الربيع بن أنس وقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به! (١٦). والقول الثالث: وقيل معناه: خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى: ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر: ٢٣]، وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لأن فيها خيارا وغير خيار (١٧). والراجح هو القول الأول، أي: أنهم كلما رزقوا من ثمارها رزقا قالوا: هذا كما رزقنا من قبل في الدنيا؛ وإنما اشتبه عليهم، لأن الله أجرى لهم ما يعرفون شكله، ولكن طعم ثمار الجنة فوق الوصوف حلاوةً. وذلك لكون الكلام لا يستقيم أن يقولوا ذلك عن ثمار الجنة وتشابهها شكلا ولونا مرةً بعد مرةً في أول دخولهم فيها ولم يذوقوا من ثمارها شئ (١٨)، وهكذا وجه الطبري رأيه وهو حسن في باب النظر في وجوه الكلام.

стр. 394

قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: ٢٦]، "أي متشابهاً في الشكل والمنظر، لا في الطعم والمَخْبر" (١). قال الطبري: " وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا" (٢). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾، أربعة أقوال (٣): أحدها: أن معنى التشابه أن كله خيار يشبه بعضه بعضاً وليس كثمار الدنيا، التي لا تتشابه لأن فيها خياراً وغير خيار، وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، وابن جريج (٦). والثاني: أن التشابه في اللون دون الطعم فكأن ثمار الجنة في ألوان ثمار الدنيا، وإن خالفتها في الطعم، وهذا قول ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، وابن مسعود والربيع بن أنس (٩)، وقتادة (١٠)، وعكرمة (١١). والثالث: أن التشابُه في اللون والطعم، قاله مجاهد (١٢)، وويحيى بن سعيد (١٣). والرابع: أن التشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم، فلا تشبه ثمار الجنة شيئاً من ثمار الدنيا في لون ولا طعم، وهذا قول ابن الأشجعي (١٤)، وابن عباس (١٥)، وعبدالرحمن بن زيد (١٦). والراجح-والله أعلم- أن التشابه، في اللون والمنظر، والطعمُ مختلف، بدليل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]، "كلما رُزقوا من الجِنان من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا: فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك، ومن أجل أنهم أتُوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابهًا، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه، والذي كانوا رُزقوه في الدنيا، في اللون والمرأى والمنظر، وإن اختلفا في الطعم والذوق، فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، "أي ولهم في الجنة زوجاتٌ من الحور العين مطهَّرات من الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية" (١٨). قال الطبري: قوله ﴿مطهَّرة﴾، أي " أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره" (١٩). قال القاسمي: أي مطهرة" من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس، ويجوز لمجيئه مطلقاً، أن يدخل تحته الطهر من دنَس الطباع، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهن وكيدهنّ" (٢٠).

стр. 395

وقوله ﴿أزواج﴾: جمع زوج، والمرأة: زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول زوجة، وحكى الفراء أنه يقال: زوجة (١)، ولم يسمع في فصيح الكلام، ولذلك عدّه بعض أهل اللغة لحناً، وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار، وكان يحتج بقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقيل له: أنها وردت في شعر ذي الرمّة (٢): أذو زوجة بالمصِر أمْ ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا فقال: إنّ ذا الرّمة طالما أكل المالح والبقْل في حوانيت البقّالين (٣)، يريد أنّه مولّد (٤)، والصحيح أن الصيغتين كليهما فصيحة، وقد رواها ابن السكيت (٥). وأنشد الفرزدق (٦): وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها وشاع ذلك في كلام الفقهاء، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام، وهي تفرقة حسنة. وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂: "إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلاكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا" (٧). واختلف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] على أقوال (٨): أحدها: مطهرة من القذر والأذى، وهو قول ابن عباس (٩). والثاني: وقيل: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد، وهو قول مجاهد (١٠)، وروي نحوه عن عطاء (١١). والثالث: وقيل: مطهرة من الأذى والمأثم، وهو قول قتادة (١٢). والرباع: وقيل: مطهرة من الحيض. وهو قول عبدالرحمن بن زيد (١٣)، والحسن (١٤). والقول الراجح: أن قوله تعالى ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾، يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، أي: "أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره" (١٥).

стр. 396

قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٦]، "أي" دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها" (١). قال ابن عثيمين: أي: " ماكثون لا يخرجون منها" (٢). قال ابن كثير: " هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم، بر رحيم" (٣). الفوائد: ١ من فوائد الآية: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾؛ ولقول الله ﵎: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١]؛ فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين. عليهم الصلاة والسلام؛ وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة، كما لو أدرك رمضان، فقلت: هنّاك الله بهذا الشهر؟ الجواب: نعم؛ وكذلك أيضاً لو أتم الصوم، فقلت: هنّأك الله بهذا العيد، وتقبل منك عبادتك وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس به، وقد كان من عادة السلف. ٢ ومن فوائد الآية: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين: الإيمان، والعمل الصالح. فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان؛ والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر؟ فالجواب: أن التواصي بالحق، والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحياناً يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل، وسبب من الأسباب. ٣ ومنها: أن جزاء المؤمنين العاملين للصالحات أكبر بكثير مما عملوا، وأعظم؛ لأنهم مهما آمنوا، وعملوا فالعمر محدود، وينتهي؛ لكن الجزاء لا ينتهي أبداً؛ هم مخلدون فيه أبد الآباد؛ كذلك أيضاً الأعمال التي يقدمونها قد يشوبها كسل؛ قد يشوبها تعب؛ قد يشوبها أشياء تنقصها، لكن إذا منّ الله عليه، فدخل الجنة فالنعيم كامل. ٤ ومنها: أن الجنات أنواع؛ لقوله تعالى: ﴿جنات﴾؛ وقد دل على ذلك القرآن، والسنة؛ فقال الله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال تعالى: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ [الرحمن: ٦٢]؛ وقال النبي ﷺ "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما؛ وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما (٤) ". ٥ ومنها: تمام قدرة الله بخلق هذه الأنهار بغير سبب معلوم، بخلاف أنهار الدنيا؛ لأن أنهار الماء في الدنيا معروفة أسبابها؛ وليس في الدنيا أنهار من لبن، ولا من عسل، ولا من خمر؛ وقد جاء في الأثر (٥) أنها أنهار تجري من غير أخدود. يعني لم يحفر لها حفر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها؛ بل النهر يجري، ويتصرف فيه الإنسان بما شاء. يوجهه حيث شاء؛ قال ابن القيم ﵀ في النونية: . أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان ٦. ومن فوائد الآية: أن من تمام نعيم أهل الجنة أنهم يؤتون بالرزق متشابهاً؛ وكلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل؛ وهذا من تمام النعيم، والتلذذ بما يأكلون. ٧ ومنها: إثبات الأزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم؛ وعلى هذا يكون جماع، ولكن بدون الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؛ ولهذا ليس في الجنة مَنِيّ، ولا مَنِيَّة؛ والمنيّ الذي خلق في الدنيا إنما خُلق لبقاء النسل؛ لأن هذا المنيّ مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين، فيخرج بإذن الله تعالى ولداً؛ لكن في الآخرة لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى

стр. 397

منهم أحد؛ ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم، ويخدمهم؛ الوِلدان تطوف عليهم بأكواب، وأباريق، وكأس من معين؛ ثم هم لا يحتاجون إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها؛ بل الأمر فيها كما قال الله تعالى: ﴿وجنى الجنتين دان﴾ [الرحمن: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿قطوفها دانية﴾ [الحاقة: ٢٣]؛ حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة، فيحسّ أنه يشتهيها، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها؛ ولا تستغرب هذا؛ فنحن في الدنيا نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سلطة محسوسة؛ وما في الآخرة أبلغ، وأبلغ. ٨ ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد؛ لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى من فيها؛ وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة. القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦] التفسير: إن الله لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلا كان بعوضة أم أدنى منها، لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، فأما الذين آمنوا فيتفهمونها، ويتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة، فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، الخارجين عن طاعة الله، وما يضل به إلا المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة. اختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال (١): أحدها: قال ابن عباس: "لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾، وقوله: ﴿أو كصيِّب من السماء﴾، الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً﴾، إلى قوله: ﴿أولئك همُ الخاسرُون﴾ ". قاله ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣). والثاني: وقال قتادة: "لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" (٤). ونقل الواحدي عن الحسن (٥) مثل ذلك. والثالث: وقال الربيع: " هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤] " (٦). والرابع: أخرج الواحدي "عن ابن عباس في قوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا﴾ قال: وذلك أن الله ذكر آلهة المشركين، فقال: ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا﴾ وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت

стр. 398

حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية" (١). والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، قال الماوردي، "وتأويل الربيع أحسن، والأولُ أشبَهُ" (٢). وقد اختار القول الأول، الإمام الطبري (٣)، "لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما " - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور" (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: ٢٦]، "أي إن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أيُّ مثلٍ كان، بأي شيءٍ كان، صغيراً كان أو كبيرا" (٥). وقوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فهو أن يبيِّن ويصف، كما قال جل ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة الروم: ٢٨]، بمعنى وصف لكم (٦)، وكما قال الكُمَيْت (٧): وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ ... لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا بمعنى: وصف أخماس. و(المثَل): الشبه، يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله، كما يقال: شبَهُه وشِبْهه، ومنه قول كعب بن زهير (٨): كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ يعني شَبَهًا. قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، " أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها" (٩). واختلف في قوله تعالى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] على أوجه (١٠): أحدها: دونها في الصغر، والقلة والحقارة (١١):

стр. 399

كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت، وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة، قال الرازي: وأكثر المحققين، وفي الحديث: "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء" (١). وهذا قولٌ فيه نظر، وخلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن. والثاني: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فما هو أكبر منها: لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، وهذا قول قتادة بن دعامة واختاره ابن جرير (٢). اختاره الطبري، فقال: "وأما تأويل قوله ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فما هو أعظم منها - عندي - لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف، وإذ كانت كذلك، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه - فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة" (٣). والثالث: وقيل فما فوقها أي: الحشرة التي تعيش فوق البعوضة: اكتشف العلم الحديث أن فوق ظهر البعوضة تعيش حشرة صغيرة جداً لا تفرى الا بالعين المجهرية وقالوا أن هذا مصداق لقوله تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيي أَن يَضْربَ مَثَلاً مَّا بَعوضَةً فمَا فوْقَهَا﴾. وقصر الآية على ما ظهر من الاكتشافات الحديثة مزلق وقع فيه البعض تحت اسم (الإعجاز العلمي)، وهذا الرأي فيه نظر، لأن قصر المراد بالفوقية على هذه الحشرة التي لم يظهر أمرها إلا في هذا العصر - لو صحَّ التفسير بها - فيه تجهيل للأمة بدأً بالصحابة وختمًا بعلماء هذا العصر، وهو يستلزم أن يكون في القرآن ما لم يُعلم معنها، ولا أُدرك المراد منه إلا في هذا العصر، وذلك أمر باطل بلا ريب. وإن قيل إن هذه الحشرة تدخل في عموم قوله (فما فوقها) أي في الصِّغَرِ، لجاز، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦]، أي: " فأما الذين صدّقوا الله ورسوله" (٤).

стр. 400

قوله تعالى: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦]، أي: " فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله" (١). قال الطبري: " فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله، لِما ضرَبه له، مثَل" (٢). قال الربيع: أي" أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلامُ الله ومن عنده" (٣). وقال قتادة: " أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله" (٤). قال مجاهد: " يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦]، أي وأما" الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما عرفوا، وستروا ما علموا أنه حق" (٦). قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ [البقرة: ٢٦]، أي: " فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ " (٧). قال الطبري: "أي: ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا" (٨). قال مجاهد: "ويعرفه الفاسقون فيكفرون به" (٩). قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦]، " أي: يضل بهذا المثل كثيراً من الكافرين لكفرهم به" (١٠). قال ابن مسعود: " يعني: المنافقين" (١١). قال الطبري: " فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له، وأنه لما ضرَبه له موافق. فذلك إضْلال الله إياهم به" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦]، " أي: ويهدي به كثيراً من المؤمنين لتصديقهم به، [فيزيد هم هدىً] " (١٣). قال ابن مسعود: " ﴿ويهدي به كثيرًا﴾، يعني المؤمنين" (١٤). قال الطبري: " فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به" (١٥). وذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦]، ثلاثةُ أقوال (١٦): أحدها: معناه بالتكذيب بأمثاله، التي ضربها لهم كثيراً، ويهدي بالتصديق بها كثيراً. والثاني: أنه امتحنهم بأمثاله، فَضَلَّ قوم فجعل ذلك إضلالاً لهم، واهتدى قوم فجعله هدايةً لهم. والثالث: أنه إخبار عمَّنْ ضلَّ ومن اهتدى. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦]، "أي ما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إِلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين بآياته" (١٧).

стр. 401

قال ابن مسعود: " هم المنافقون" (١). وروي عن الربيع مثل ذلك (٢). قال قتادة: " فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم" (٣). وقال مجاهد: " يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به " (٤). قال الطبري: أي: " وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضّلال من أهل النفاق" (٥). و«الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقاً: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (٦). وأما المقصود بالفسق اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي: أولا: - قال ابن عطية: 'الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان " (٧). وكذا قاله الطبري (٨)، والقرطبي (٩). وقد روي "عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري" (١٠). قال الشوكاني: عن هذا التعريف: " وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض " (١١). والثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (١٢). وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (١٣). والثالث: - وقال البيضاوي: " الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة " (١٤). والرابع: - وقال الألوسي: "الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة " (١٥).

стр. 402

ومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١) حيث يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: " والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيراً" (٢). وسوف نفصل القول فيه في الفوائد. الفوائد: ١ من فوائد الآية: إثبات الحياء لله ؛ لقوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما). ووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحاً في السنة، كما في قول النبي ﷺ : "إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفراً" (٣)؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله. ٢ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يستدل بها على الأمور المعقولة؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ وهذا البيت لا يقيها من حَرّ، ولا برد، ولا مطر، ولا رياح ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه﴾ [الرعد: ١٤]: إنسان بسط كفيه إلى غدير مثلاً، أو نهر يريد أن يصل الماء إلى فمه! هذا لا يمكن؛ هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه؛ فالأمثال لا شك أنها تقرب المعاني إلى الإنسان إما لفهم المعنى؛ وإما لحكمتها، وبيان وجه هذا المثل. ٣ ومن فوائد الآية: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله تعالى: ﴿بعوضة فما فوقها﴾؛ ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة؛ وربما تهلك: لو سُلطت على الإنسان لأهلكته وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة. ٤ ومنها: رحمة الله تعالى بعباده حيث يقرر لهم المعاني المعقولة بضرب الأمثال المحسوسة لتتقرر المعاني في عقولهم. ٥ ومنها: أن القياس حجة؛ لأن كل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على ثبوت القياس. ٦ ومنها: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزل الله بعقله؛ لقوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾، ولا يعترضون، ولا يقولون: لِم؟ ، ولا: كيف؟ ؛ يقولون: سمعنا، وأطعنا، وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله له الحكمة البالغة فيما شرع، وفيما قدر. ٧ ومنها: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿من ربهم﴾؛ واعلم أن ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة؛ وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرف المطلق في العباد؛ والخاصة هي التي تختص بمن أضيفت له، وتقتضي عناية خاصة؛ وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]: فالأولى ربوبية عامة؛ والثانية خاصة بموسى، وهارون؛ كما أن مقابل ذلك "العبودية" تنقسم إلى عبودية عامة، كما في قوله ﵎: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣]؛ وخاصة كما في قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]؛ والفرق بينهما أن العامة هي الخضوع للأمر الكوني؛ والخاصة هي الخضوع للأمر الشرعي؛ وعلى هذا فالكافر عبد لله بالعبودية العامة؛ والمؤمن عبد لله بالعبودية العامة، والخاصة. ٨ ومن فوائد الآية: أن ديدن الكافرين الاعتراض على حكم الله، وعلى حكمة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا﴾؛ وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار؛ فمثلاً لو قال قائل: لماذا ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل، ولا ينتقض بأكل لحم الخنزير إذا جاز أكله للضرورة مع أن الخنزير خبيث نجس؟ فالجواب: أن هذا اعتراض على حكم الله ؛ وهو دليل على نقص الإيمان؛ لأن لازم الإيمان التام التسليم التام لحكم الله . إلا أن يقول ذلك على سبيل الاسترشاد، والاطلاع على الحكمة؛ فهذا لا بأس به. ٩ ومن فوائد الآية: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً﴾؛ فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً؛ وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف ضالون؛ وواحد من الألف مهتدٍ؛ فكلمة: ﴿كثيراً﴾ لا تعني الأكثر؛ وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها؛ لأن "كثير" يطلق على القليل، وعلى الأكثر. ١٠ ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [الصف: ٥]. ١١ ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله. لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾. ١٢. وتجدر الإشارة بأن الفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ الآيات، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٥] (٤). والفسق له عدة أقسام باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم إلى: أولا: - فسق يخرج عن الإسلام، والثاني: - وفسق لا يخرج عن الإسلام قال ابن عباس – ﵄: " كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذّنب " (٥). وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم، قالوا: "كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق " (٦). قال محمد بن نصر المروزي ﵀: " والفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا" (٧). وها هنا أمر مهمّ لا بد من التنويه به، وهو أن الإيمان لما كان شعباً متعدّدة كما أخبر الصّادق المصدوق ﷺ في حديث شعب الإيمان (٨)، فإن ما يقابله ويضاده كذلك، فالكفر شعب ومراتب، فمنه

стр. 403

ما يُخرج من الملّة، ومنه كفر دون كفر، وكذا النفاق، والشرك، والفسق، والظلم، وهذا أصل عظيم تميّز به أهل السنة عن المبتدعة من الوعيدية والمرجئة (١). وفسق الكفر قد يكون اعتقادياً، وقد يكون عمليّاً، ومثال الاعتقادي: فسق المنافقين زمن النبي ﷺ ، قال تعالى: " قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣]، فقوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣]، تعليل لعدم قبول نفقاتهم (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]. قال الشوكاني: " وهذا الترتيب يُفيد أنهم هم الكاملون في الفسق" (٣). ومثال الفسق العملي المخرج عن الملة: فسق إبليس، إذ قال الله تعالى – : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٠]. ففسق إبليس إنما كان بتركه للسجود، وامتناعه عن اتباع أمر ربه – – وهذا التّرك يعدّ فعلاً وعملاً – كما هو مقرّر في كتب الأصول - (٤). وفسق الكفر هو المذكور في غالب آيات القرآن الكريم، وكما قال ابن الوزير: " قد ورد في السمع ما يدل على أن الفاسق في زمان النبي، ﷺ ، يطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، وذكر آيات كثيرة ثم قال: " فهذه الآيات دالة على أن الفاسق في العرف الأول يطلق على الكافر، ويسبق إلى الفهم " (٥). وننبه إلى ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق عند أهل السنة، ومخالفيهم، وفيما يأتي بعض التنبيهات على ذلك: ١ - إن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته، إلا أنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، فيمكن اجتماع الإيمان مع هذا الفسق الأصغر ـ كما هو مقرر عند أهل السنة ـ، ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته (٦)، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة ـ وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها ـ فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة (٧). يقول ابن تيمية ـ مقررًا هذه المسألة ـ " ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٩] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].

стр. 404

٢ - ولا يسلبون الفاسق الملّي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ٣ - وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذات شرف يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١)، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطي الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم (٢). فارتكاب الكبير يعدّ فسقاً ينافي كمال الإيمان الواجب، وهذا الفسق يمكن اجتماعه مع الإيمان، وصاحبه متعرّض للوعيد، فأهل السنة يقولون بجواز التبعض في الاسم والحكم، بمعنى أن يكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه (٣). وإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين: - فأما الأشاعرة: فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا. كما قال أحدهم – وهو الآمدي -: " فعلى هذا مهما كان مصدقاً بالجنان وإن أخلّ بشيء من الأركان، فهو مؤمن حقّاً، وانتفاء الكفر عنه واجب، وإن صح تسميته فاسقاً بالنسبة إلى ما أخلّ به من الطاعات، وارتكب من المنهيّات " (٤)، وسمى الإيجي مرتكب الكبيرة مؤمناً بإطلاق (٥). وبجدر القول بأن مرتكب الكبيرة ـ عند أهل السنة ـ لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر ـ مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان. وقد عاب إبراهيم النخعي – ﵀ – تلك المقولة، فقال: " ما أعلم قوماً أحمق في رأيهم من هذه المرجئة؛ لأنهم يقولون: مؤمن ضالّ، ومؤمن فاسق" (٦). وعلى كلٍّ فإن مقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان. - أما المعتزلة: فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم (٧). يقول عبد الجبار الهمداني المعتزلي: " صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقاً، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهو المنزلة بين المنزليتن " (٨) ولما كان مرتكب الكبيرة ـ عندهم ـ فاسقًا غير مؤمن، لذا حكموا عليه بالخلود في النار. وكما قال عبد الجبار المعتزلي: " والذي يدل على أن الفاسق يُخلّد في النار، ويُعذّب فيها أبداً ما ذكرناه من عمومات الوعيد، فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يُخلّد " (٩). - وقد تبع الزيديةُ المعتزلة في مفهوم الفسق، ووافقهوهم على ما سبق ذكره (١٠).

стр. 405

القرآن ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٧] التفسير: من صفات هؤلاء الكفار أنهم يتقضون العهد الذي بينهم وبين الله ؛ من بعد تغليظه وتأكيده، وهو الإيمان به، وبرسله، ويقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق، ويسعون لما به فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس، وألئك هم الناقصُون أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، أي: الذين يتركون ويخالفون، أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق (١). قال البغوي: أي: الذين يخالفون ويتركون أمر الله الذي عهد إليهم (٢). قال الصابوني: "أي: ينقضون ما عهده إِليهم في الكتب السماوية، من الإِيمان بمحمد ﷺ .، أو ينقضون كل عهد وميثاق من الإِيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع " (٣). النقض في اللغة: " الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء، والمناقضة في الشعر، أن يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض جرير والفرزدق (٤). و(العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة، والذي أريد به هاهنا الوصية والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي: أمره. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، أي ألم آمركم، والعهد أيضًا العقد الذي يتوثق به لما بعد (٥). وقال الراغب: " النقض: فسخ المبرم، وأصله في طاقات الحبل، والنكث: مثله .. والعهد: كل أمرٍ شأنه أن يراعي كاليمين، والمشاركة، والمبايعة" (٦). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، أي: "بعد توَثُّق الله فيه، بأخذ عهوده بالوفاء له، بما عهد إليهم في ذلك" (٧). قال الثعلبي: من بعد" توكيده وتشديده" (٨). قال البغوي: من بعد" توكيده. والميثاق: العهد المؤكد" (٩). قال الصابوني: " من بعد توكيده عليهم" (١٠). قال مقاتل بن حيان: " من بعد ميثاقه في التوراة، أن يؤمنوا بمحمد- ﷺ ويصدقوه، فكفروا ونقضوا الميثاق الأول" (١١). قال الراغب: " والميثاق: اسم لما يقع به الوثاقة" (١٢).

стр. 406

والميثاق: العهد، من غير خلاف بين أهل اللغة والتفسير (١). وذكر أبو إسحاق للعهد المذكور في هذه الآية ثلاثة أوجه (٢): أحدهما: أنه: الوصيَّة، أي: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي ﷺ ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]. قاله السدي (٣). والثاني: أنه الميثاق، أي: عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. قاله مقاتل بن حيان (٤). والثالث: أن عهد الله: هو الاستدلال على توحيده، وأن كل مميز يعلم أن الله خالق، فعليه الإيمان به. قال أبو إسحاق: "والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما" (٥). وقال الواحدي: "الوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به" (٦). وفي هذه الكتابة التي في ميثاقه قولان (٧): أحدهما: أنها كناية ترجع إلى اسم الله وتقديره: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم. والثاني: أنها كناية ترجع إلى العهد، وتقديره: من بعد ميثاق العهد وتوكيده. وفيمن عَنَاهُ الله تعالى بهذا الخطاب، أربعة أقاويل (٨): أحدها: المنافقون. قاله أبو العالية (٩)، وروي عن الربيع (١٠) نحو ذلك. والثاني: أهل الكتاب. والثالث: جميع الكفار. والرابع: الحرورية. قاله سعد (١١). قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، "أي: ويقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق" (١٢) واختلفوا في قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، على وجوه (١٣): أحدها: قيل: أنَّه الرحمُ والقرابةُ، وهو قول السدي (١٤)، وقتادة (١٥). والثاني: أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل، هو رسوله، فقطعوه بالتكذيب والعصيان، وهو قول الحسن البصري (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧).

стр. 407

والثالث: أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. والقول الأول هو الأشبه بالصواب، "لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله من العموم، ولا دليل واضح على الخصوص" (١)، وقد رحجه ابن جرير قائلا: " وقد بين ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٢٢]، وإنما عَنى بالرّحم، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة، وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّها، وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها" (٢). قوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧]، "أي: ويسعون لما به فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس" (٣). قال الواحدي: " بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ " (٤). قال المراغي: " بصدهم عن سبيل الله يبغونها عوجا، وبالاستهزاء بالحق بعد ما تبين، وبإهمالهم هداية العقل وهداية الدين، فوجودهم في الأرض مفسدة لأنفسهم ومفسدة لأهلها" (٥). قال الصابوني: " بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإيمان، وإثارة الشبهات حول القرآن" (٦). قال الطبري: بـ"معصيتهم ربّهم، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده" (٧). وقال مصعب: "فكان سعد يسميهم الفاسفين" (٨). وذكروا في إفسادهم في الأرض ثلاثة أقوال (٩): أحدها: هو استدعاؤهم إلى الكفر. والثاني: أنه إخافتهم السُّبُلَ وقطعهم الطريق. والثالث: المعصية. قاله السدي (١٠) ومقاتل بن حيان (١١). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، أي: أولئك المذكورون هم "المغبونون" (١٢). قال الثعلبي: " أي المغبونون بالعقوبة وفوت المثوبة" (١٣). أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن مقاتل بن حيان: أولئك هم الخاسرون في الآخرة" (١٤). وفي رواية أخرى له: " هم أهل النار" (١٥). قال ابن كثير: أي: "في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] " (١٦). قال الصابوني: "لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة" (١٧).

стр. 408

قال الواحدي: " والقوم نقصوا بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة" (١). قال المراغي: "لأن إفسادهم لما عمّ العقائد والأخلاق بفقد هداية الفطرة وهداية الدين، استحقوا الخزي في الدنيا بحرمان السعادة الجسمية والعقلية والخلقية، والعذاب الأليم في الآخرة، ومن خسر السعادتين كان في خسران مبين" (٢). قال ابن عثيمين: " (الخاسر)، هو الذي فاته الربح؛ وذلك؛ لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقطع ما أمر الله به أن يوصل" (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، خمسة أوجه" (٤). أحدها: قيل: أولئك هم الهالكون (٥). والثاني: قيل: أنهم الخاسرون في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. والثالث: وقيل: أنهم الخاسرون في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع من الربح، لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان، فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا الخسار هو خسار الكفر (٦). والرابع: وقيل: أن كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل (خاسر)، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب (٧). قاله ابن عباس (٨). والخامس: وقيل: هم الناقصون أنفسهم وحظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كما قال جرير بن عطية (٩): إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّه ... أولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه فقوله (في الخَسَارِ) أي فيما يوكسهم من حظوظهم من الشرف والكرم، فقيل للهالك: خاسر، لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة (١٠). وهذا القول الأخير أشيه بالصواب ورجّحه ابن جرير (١١)، لأن أصل الخسران هو نقصان مال التاجر من ربح أو رأس مال، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالقه جل وعلا، وقد أقسم الله أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينة منصوصة في كتاب الله فقال تعالى ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. الفوائد:

стр. 409

١ من فوائد الآية: أن نقض عهد الله من الفسق؛ لقوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ فكلما رأيت شخصاً قد فرط في واجب، أو فعل محرماً فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق. ٢ ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سبباً للفسق. ٣ ومنها: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام. أي الأقارب. وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم؛ وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ لا يدخل الجنة قاطع" (١)، يعني قاطع رحم. ٤ ومنها: أن المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]؛ ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه ، وتابوا إليه، أغاثهم الله ؛ وقد قال نوح ﵇ لقومه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهاراً﴾ [نوح: ١٠. ١٢]. فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟ فالجواب: أن هذا الإيراد أوردته أم المؤمنين زينب ﵂ على النبي ﷺ حيث قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب"؛ قالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ ! قال ﷺ : "نعم، إذا كثر الخبث" (٢)؛ وقوله ﷺ "إذا كثر الخبث" يشمل معنيين: . أحدهما: أن يكثر الخبث في العاملين بحيث يكون عامة الناس على هذا الوصف. والثاني: أن يكثر فعل الخبث بأنواعه من فئة قليلة، لكن لا تقوم الفئة الصالحة بإنكاره؛ فمثلاً إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سبباً للشر، والبلاء؛ لأن الكفار نجس؛ فكثرتهم كثرة خبث؛ وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سبباً أيضاً للشر، والبلاء؛ لأن المعاصي خبث. ٥ ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله فيما ضرب من الأمثال، ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض هم الخاسرون. وإن ظنوا أنهم يحسنون صنعاً. القرآن ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨] التفسير: كيف تجحدون وجود الله أو تعبدون معه غيره، وقد كنتم عدماً في أصلاب آبائكم لا تُعرفون ولا تُذكرون، فأخرجكم إلى الوجود وأنعم عليكم بأصناف النعم، ثم يميتكم عند استكمال آجالكم، ثم يحييكم حين يبعثكم، ثم اليه ترجعون فيجازيكم الجزاء الأوفى. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: " كيف تجحدون الخالق، وتنكرون الصانع" (٣). قال السعدي: " أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله" (٤). قوله تعالى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ [٢٨]، في التعبير بـ (كيف) قولان (٥): أحدهما: أنه استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب للمؤمنين، أي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون، وقد ثبتت حجة الله عليهم، قاله ابن قتيبة (٦)، والزجاج (٧).

стр. 410

والثاني: أنه استفهام خارج مخرج التقرير والتوبيخ. تقديره: ويْحَكم كيف تكفرون بالله؟ كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [سورة التكوير: ٢٦]. قاله الفراء (١) وابن الانباري (٢). والقول الأول هو الأشبه بالصواب، وهو قول عامة المفسرين، قال الواسطي: "وبخهم بهذا غاية التوبيخ، لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية" (٣). قال ابن عثيمين: " الاستفهام هنا للإنكار، والتعجيب؛ والكفر بالله هو الإنكار، والتكذيب مأخوذ من: كَفَر الشيء: إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى: لغلاف طلع النخل؛ والمعنى: كيف تجحدونه، وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته، وتنكرون البعث مع أنكم تعلمون نشأتكم؟ ! " (٤). قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾] البقرة: ٢٨]، أي: وكنم "نطفا في أصلاب آبائكم" (٥). قال ابن عباس: " في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم" (٦). وعنه أيضا: " كنتم ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة" (٧). وقال الصابوني: " أي وقد كنتم في العدم نُطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات" (٨). قال ابن عثيمين: " وذلك: قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت؛ جماد" (٩). قوله تعالى: ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، " أي أخرجكم إِلى الدنيا" (١٠). قال السعدي: "أي: "خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم" (١١). قال ابن عثيمين: أي بنفخ الروح" (١٢). قال ابن عباس: " فخلقكم فهذه حياة" (١٣). قال الثعلبي: أي: "في الأرحام في الدنيا" (١٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: " عند انقضاء آجالكم" (١٥). قال ابن عباس: " فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى" (١٦). قال الحسن: "ذكر الموت مرتين هنا لأكثر الناس، وأما بعضهم فقد أماتهم ثلاث مرات، ﴿أو كالذى مر على قرية﴾، ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾، فخذ أربعة من الطير﴾، الآيات" (١٧). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، " أي تردون [إليه] في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم" (١٨). قال السعدي: أي: "بعد البعث والنشور" (١٩). قال ابن عباس: " ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة" (٢٠).

стр. 411

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: "بعد الحشر- فيجازيكم بأعمالكم" (١). قال أبو حيان: "أي إلى جزائه من ثواب أو عقاب" (٢). قال أبو العالية: " ترجعون إليه بعد الحياة" (٣). قال ابن عثيمين: " بعد الإحياء الثاني ترجعون إلى الله، فينبئكم بأعمالكم، ويجازيكم عليها" (٤). قال الصابوني: " للحساب والجزاء يوم النشور" (٥). قال النسفي: " تصيرون إلى الجزاء، أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور" (٦). قال أوبو حيان: " فعطف بثم التي تقتضي التراخي في الزمان. والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة التي للبعث، فدل ذلك على أن تلك الحياة المذكورة هي للمسألة" (٧). واستدلت المجسمة بقوله: " ﴿ثم إليه ترجعون﴾، على أنه تعالى في مكان ولا حجة لهم في ذلك" (٨). قال الثعلبي: أي: " تأتون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم" (٩). قال السعدي: "فإذا كنتم في تصرفه، وتدبيره; وبره، وتحت أوامره الدينية، ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي، أفيليق بكم أن تكفروا به، وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة؟ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه" (١٠). وفي قوله تعالى ﴿تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، قراءتان (١١): الأولى: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، مبنيا للمفعول من رجع المتعدي. وهي قراءة الجمهور. والثانية: ﴿تَرْجِعُونَ﴾، مبنيا للفاعل. قرأ بها مجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن، والفياض بن غزوان، وسلام، ويعقوب.، حيث وقع في القرآن من رجع اللازم، لأن رجع يكون لازما ومتعديا. قال أبو حيان: " وقراءة الجمهور أفصح، لأن الإسناد في الأفعال السابقة هو إلى الله تعالى، ﴿فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾، فكان سياق هذا الإسناد أن يكون الفعل في الرجوع مسندا إليه، لكنه كان يفوت تناسب الفواصل والمقاطع، إذ كان يكون الترتيب: ﴿ثم إليه مرجعكم﴾، فحذف الفاعل للعلم به وبنى الفعل للمفعول حتى لا يفوت التناسب اللفظي. وقد حصل التناسب المعنوي بحذف الفاعل، إذ هو وقبل البناء للمفعول مبني للفاعل. وأما قراءة مجاهد، ومن ذكر معه، فإنه يفوت التناسب المعنوي، إذ لا يلزم من رجوع الشخص إلى شيء أن غيره رجعه إليه، إذ قد يرجع بنفسه من غير راد. والمقصود هنا إظهار القدرة والتصرف التام بنسبة الإحياء والإماتة، والإحياء والرجوع إليه تعالى، وإن كنا نعلم أن الله تعالى هو فاعل الأشياء جميعها. وفي قوله تعالى: ﴿ثم إليه ترجعون﴾ من الترهيب والترغيب ما يزيد المسيء خشية ويرده عن بعض ما يرتكبه، ويزيد المحسن رغبة في الخير ويدعوه رجاؤه إلى الازدياد من الإحسان، وفيها رد على الدهرية والمعطلة ومنكري البعث، إذ هو بيده الإحياء والإماتة والبعث وإليه يرجع الأمر كله" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وجهان (١٣):

стр. 412

أحدهما: إلى الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم. والثاني: إلى المجازاة على الأعمال. وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، ستة تأويلات (١): أحدها: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ أي لم تكونوا شيئاً، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي خلقكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣)، أبي مالك (٤)، ومجاهد (٥)، وأبي العالية (٦). والثاني: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني في القبور ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ للمساءلة، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في قبوركم بعد مساءلتكم، ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياةٍ، وهذا قول أبي صالح (٧). والثالث: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني في أصلاب آبائكم، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي أخرجكم من بطون أمهاتكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ الموتة التي لا بد منها، ﴿ثُم يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث يوم القيامة، وهذا قول قتادة (٨). والرابع: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتاً﴾ يعني: أن الله حين أخذ الميثاق على آدم وذريته، أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَخْلُقْكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ " [الزمر: ٦] فقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ يعني بعد أخذ الميثاق، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء، ﴿ثم يُمِيتُكُمْ﴾ بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشور للبعث يوم القيامة، وهذا قول ابن زيدٍ (٩). والخامس: أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي مَيِّتَةٌ من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها، ثم يحييها بنفخ الروح فيها، فيجعلها بشراً سويّاً، ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه، فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور، فيرُد في جسده روحه، فيعود حياً لبعث القيامة، فذلك موتتان وحياتان (١٠). والسادس: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ خاملي الذكر دارسي الأثر، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالظهور والذكر، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجَالكم، ﴿ثُمَّ يُحييكُمْ﴾ للبعث، واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ (١١): فَأَحْيَيْتَ لِي ذكْري، وَمَا كُنْتُ خَامِلا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ قوله: (فأحييتَ لي ذكري﴾، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا (١٢). ولكل من الأقوال السابقة وجه ومذهبٌ من التفسير، وأولى الأقوال بتفسير الآية هو قول ابن مسعود وابن عباس، أي: " وكنتم أمواتًا " أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك" (١٣). والله أعلم.

стр. 413

قال النسفي: "وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن أريد النشور، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن النشور، وإنما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم على الكفر، ولأنها تشتمل على نعمٍ جسام حقها أن تشكر ولا تكفر" (١). وقال القاسمي: " فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون، فيكف نظم ما ينكرونه، من الإحياء الأخير والرجع، في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة .. ؟ قلت: تمكنهم من العلم بهما- لما نصب لهم من الدلائل- منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر. سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما. وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا، قدر على أن يحييهم ثانيا. فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته.! أو الخطاب، مع أهل الكتابين. وإنكار اجتماع الكفر- مع القصة التي ذكرها الله تعالى- إما لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أو على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر. أو لإرادة الأمرين جميعا. فإن ما عدده آيات، وهي- مع كونها آيات- من أعظم النعم" (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: شدة الإنكار حتى يصل إلى حد التعجب ممن يكفر وهو يعلم حاله، ومآله. ٢ ومنها: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه. وإن لم تسبقه حياة.؛ يعني: لا يشترط للوصف بالموت تقدم الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿كنتم أمواتاً فأحياكم﴾؛ أما ظن بعض الناس أنه لا يقال: "ميت" إلا لمن سبقت حياته؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات؛ قال تعالى في الأصنام: ﴿أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢١]. ٣ ومنها: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي؛ ولهذا لا يُغَسَّل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يرث، ولا يورث؛ لأنه ميت جماد لا يستحق شيئاً مما يستحقه الأحياء؛ وإنما يدفن في أيّ مكان في المقبرة، أو غيرها. ٤ ومنها: تمام قدرة الله ؛ فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح، فيحيى، ويكون إنساناً يتحرك، ويتكلم، ويقوم، ويقعد، ويفعل ما أراد الله . ٥ ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾؛ والبعث أنكره من أنكره من الناس، واستبعده، وقال: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨]؛ فأقام الله. ﵎. على إمكان ذلك ثمانية أدلة في آخر سورة "يس": . الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٩]: هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم؛ وقوله تعالى: ﴿أنشأها أول مرة﴾ دليل قاطع، وبرهان جليّ على إمكان إعادته كما قال الله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وهو بكل خلق عليم﴾ [يس: ٧٩] يعني: كيف يعجز عن إعادتها وهو بكل خلق عليم: يعلم كيف يخلق الأشياء، وكيف يكونها؛ فلا يعجز عن إعادة الخلق. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٨٠]: الشجر الأخضر فيه البرودة، وفيه الرطوبة؛ والنار فيها الحرارة، واليبوسة؛ هذه النار الحارة اليابسة تخرج من شجر بارد رطب؛ وكان الناس فيما سبق يضربون أغصاناً من أشجار معينة بالزند؛ فإذا ضربوها انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال بسرعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٨٠] تحقيقاً لذلك.

стр. 414

ووجه الدلالة: أن القادر على إخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر مع ما بينهما من تضاد قادر على إحياء العظام وهي رميم. الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ (يس: ٨١) ووجه الدلالة: أن خلْق السموات والأرض أكبر من خلق الناس؛ والقادر على الأكبر قادر على ما دونه. الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿وهو الخلَّاق العليم﴾ [يس: ٨١]؛ فـ ﴿الخلاق﴾ صفته، ووصفه الدائم؛ وإذا كان خلَّاقاً، ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إحياء العظام وهي رميم. الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]: إذا أراد شيئاً مهما كان؛ و ﴿شيئاً﴾: نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم؛ ﴿أمره﴾ أي شأنه في ذلك أن يقول له كن فيكون؛ أو ﴿أمره﴾ الذي هو واحد "أوامر"؛ ويكون المعنى: إنما أمره أن يقول: "كن"، فيعيده مرة أخرى. ووجه الدلالة: أن الله لا يستعصي عليه شيء أراده. الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء﴾: كل شيء فهو مملوك لله : الموجود يعدمه؛ والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء. ووجه الدلالة: أن الله نزه نفسه؛ وهذا يشمل تنزيهه عن العجز عن إحياء العظام وهي رميم الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿وإليه ترجعون﴾. ووجه الدلالة: أنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة، ويأمرها، وينهاها، ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن، والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدًى؛ بل لابد من الرجوع؛ وهذا دليل عقلي. فهذه ثمانية أدلة على قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم جمعها الله في موضع واحد؛ وهناك أدلة أخرى في مواضع كثيرة في القرآن؛ وكذلك في السنة. ٦ ومن فوائد الآية: أن الخلق مآلهم، ورجوعهم إلى الله . القرآن ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] التفسير: هو الذي أوجد لكم - براً بكم ورحمة - جميع ما على الأرض من الأشجار، والزروع، والأنهار، والجبال .. للانتفاع والاستمتاع والاعتبار، ثم قصد إلى السماء، فجعلها سبع سماوات سوية طباقاً غير متناثرة قوية متينة، وهو لا يخفى عليه شيء سبحانه. قال المفسرون: "لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما" (١). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٩]، "أي: أوجد عن علم وتقدير على ما اقتضته حكمته جلّ وعلا، وعلمه" (٢). قال السعدي: " أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة" (٣). قوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، أي: "جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار" (٤). قال قتادة: " أي سخر لكم ما في الأرض جميعا كرامة من الله، ونعمة لابن آدم" (٥).

стр. 415

قال البيضاوي: "بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وتم به معاشهم" (١). قال السعدي: " وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيها لنا" (٢). روي "عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله- ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" (٣). وقال مجاهد: " خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك حين يقول: ثم استوى إلى السماء وهي دخان. قال بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض" (٤). وقوله تعالى ﴿لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٩]، اللام هنا لها معنيان (٥): أحدهما: أنها تفيد التعليل: أي خلق لأجلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم. قال النسفي: أما الأول فظاهر، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم، وما فيه من التذكير بالآخرة لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها" (٦). وقال البيضاوي: " أي لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، لا على وجه الغرض" (٧). وقال الواحدي: "فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه أشوق، وعليه أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس " (٨). والثاني: وقيل أنها تفيد الإباحة كما تقول: (أبحت لك). والقول الأول هو الأشبه بالصواب، وهو قول عامة المفسرين. واختلف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]ـ على أقوال (٩): القول الأول: أن الإستواء بمعنى العلو والارتفاع: أي علا إلى السماء، فسرها به أبو العالية (١٠) والحسن (١١) والربيع (١٢)، وذكره البغوي في تفسيره: "عن ابن عباس وأكثر مفسري السلف" (١٣)، "وذلك تمسكا بظاهر لفظ استوى. وتفويضا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله " (١٤).

стр. 416

واختاره ابن جرير قائلا: " وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن﴾، علا عليهن وارتفع، فدبرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سموات" (١)، قال شيخ الاسلام "وهو قول إجماع السلف" (٢). ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى (العلوّ والارتفاع)، في الذي استوى إلى السّماء (٣): أحدها: أن الذي استوى إلى السماء وعلا عليها، هو خالقُها ومنشئها. والثاني: وقيل: بل العالي عليها: الدُّخَانُ الذي جعله الله للأرض سماء (٤). قال ابن عطية: وهذا يأباه رصف الكلام" (٥). وقال الإمام الطبري: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه (٦): أحدها: انتهاء شباب الرجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل. والثاني: استقامة ما كان فيه أَوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمره: إذا استقام له .. بعد أود، ومنه قول الطرماح بن حكيم (٧): طالَ على رَسْمٍ مَهْدَدٍ أبَدُهْ ... وعَفا واسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ يعني: استقام به. والثالث: الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه. والثالث: الاحتياز والاستيلاء كقولهم: استوى فلان على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها. والرابع: العلوّ والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوّه عليه. قال الإمام الطبري: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السماءِ فَسَوَّاهُنْ﴾: علا عليهنّ وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهنّ سبع سموات" (٨). القول الثاني: أن الإستواء بمعنى: قصد إليها وأقبل عليهما؛ وهذا ما اختاره ابن كثير (٩)، والفراء (١٠)، والسعدي (١١)، والبغوي في تفسير سورة فصلت (١٢)، فكما تقول: كان فلان مقبلا على فلان، ثم استوَى عليّ يشاتمني - واستوَى إليّ يشاتمني، بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني، واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر (١٣): أَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَى ... سَوَامِدَ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ

стр. 417

فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى: أقبلن، وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله: " واستوين من الضجوع "، استوين على الطريق من الضجوع خارجات، بمعنى استقمن عليه (١). قال ابن عثيمين: " وهذا القول ليس صرفا للكلام عن ظاهره، وذلك لأن الفعل استوى اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)، حيث كان معناها يروى بها عباد الله، لأن الفعل يشرب اقترن بالباء فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام " (٢). والقول الثالث: أن قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ﴾، يعني به: استوت، كما قال الشاعر (٣): أقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى في تُرَابِهِ ... على أيّ دِينٍ قَبَّلَ الرأسَ مُصْعَبُ والقول الرابع: أنه لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثم تحوّل إلى الشام، إنما يريد تحوّل فعله. والقول الخامس: أن معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماءِ﴾: عمد إليها، وقال: بل كل تارك عملاً كان فيه إلى آخره فهو مستو لما عمد ومستو إليه. وأقرب الأقوال الى الصواب هو أن ﴿اسْتَوَى﴾ معناه: قصد إلى خلقها، إذ ترد كلمة (استوى) في القرآن على ثلاثة معاني: أحدها: لا تعدى بالحرف، فيكون معناها، (الكمال والتمام)، كما في قوله عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤]. والثاني: أن تكون بمعنى (علا) و (ارتفع)، وذلك إذا عديت بـ "على "كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]. والثالث: أن تكون بمعنى (قصد) كما إذا عديت بـ "إلى "كما في هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات ﴿فسواهن سبع سماوات﴾ فخلقها وأحكمها، وأتقنها (٤). قال ابن عطية: " والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان" (٥). قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، "أي صيّرهن وقضاهن سبع سماوات محكمة" (٦). قال البغوي: أي" خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع" (٧). قال ابن عثيمين: "أي جعلها سوية طباقاً غير متناثرة قوية متينة" (٨). قال الربيع بن أنس: " سوّى خلقهن" (٩). وروي عن أبي العالية (١٠)، مثل ذلك. قال قتادة: " بعضهن فوق بعض، بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام" (١١).

стр. 418

وقال مجاهد: " "بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض" (١). قال الطبري: " يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوَّى فلان لفلان هذا الأمر. إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهنّ على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ" (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، "أي وهو عالم بكل ما خلق وذرأ" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني من أعمالكم عليم" (٤). قال الطبري: " وقوله: ﴿عليم﴾، بمعنى عالم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: "هو الذي قد كمَل في علمه" (٥). قال ابن عثيمين: ومن علمه أنه علم كيف يخلق هذه السماء" (٦). قال الصابوني: " أفلا تعتبرون بأن القادر على خلق ذلك - وهي أعظم منكم - قادر على إعادتكم؟ ! بلى إنه على كل شيء قدير" (٧). قال ابن عطية: "وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات" (٨). قال البغوي: " قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهو وهي بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: ثم هو وقالون ﴿أن يمل هو﴾ [البقرة: ٢٨٢] " (٩). الفوائد: ١ من فوائد الآية: منّة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعاً؛ فكل شيء في الأرض فإنه لنا. والحمد لله. والعجب أن من الناس من سخر نفسه لما سخره الله له؛ فخدم الدنيا، ولم تخدمه؛ وصار أكبر همه الدنيا: جمع المال، وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك. ٢ ومنها: أن الأصل في كل ما في الأرض الحلّ. من أشجار، ومياه، وثمار، وحيوان، وغير ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة؛ وبناءً على هذا لو أن إنساناً أكل شيئاً من الأشجار، فقال له بعض الناس: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالَب بالدليل؛ ولو أن إنساناً وجد طائراً يطير، فرماه، وأصابه، ومات، وأكله، فقال له الآخر: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالب بالدليل؛ ولهذا لا يَحْرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل. ٣ ومن فوائد الآية: تأكيد هذا العموم بقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ مع أن ﴿ما﴾ موصولة تفيد العموم؛ لكنه أكده حتى لا يتوهم واهم بأن شيئاً من أفراد هذا العموم قد خرج من الأصل. ٤ ومنها: إثبات الأفعال لله . أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾: و ﴿استوى﴾ فعل؛ فهو جلّ وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله. ٥ ومنها: أن السموات سبع؛ لقوله تعالى: (سبع سموات) ٦ ومنها: كمال خلق السموات؛ لقوله تعالى: (فسواهن). ٧ ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: (وهو بكل شيء عليم)

стр. 419

٨ ومنها: أن نشكر الله على هذه النعمة. وهي أنه تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعاً؛ لأن الله لم يبينها لنا لمجرد الخبر؛ ولكن لنعرف نعمته بذلك، فنشكره عليها. ٩ ومنها: أن نخشى، ونخاف؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم؛ فإذا كان الله عليماً بكل شيء. حتى ما نخفي في صدورنا. أوجب لنا ذلك أن نحترس مما يغضب الله سواء في أفعالنا، أو في أقوالنا، أو في ضمائر قلوبنا. القرآن ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] التفسير: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك، حين قال ربك للملائكة، أني جاعل في الأرض قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، فقالت الملائلكة: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك ونقدسك، فقال الله: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، "أي اذكر يا محمد حين قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك" (١). قال ابن عثيمين: " و"الملائكة" جمع "مَلْئَك"، وأصله "مألك"؛ لأنه مشتق من الأَلُوكة. وهي الرسالة؛ لكن صار فيها إعلال بالنقل. أي نقل حرف مكان حرف آخر؛ مثل أشياء أصلها: "شيئاء"؛ و "الملائكة" عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم وظائف، وأعمالاً مختلفة؛ فمنهم الموكل بالوحي كجبريل؛ وبالقطر، والنبات كميكائيل؛ وبالنفخ في الصور كإسرافيل؛ وبأرواح بني أدم كملَك الموت .. إلى غير ذلك من الوظائف، والأعمال" (٢). وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ﴾، وجهين (٣): أحدهما: أنه صلة زائدة، وتقدير الكلام: وقال ربك للملائكة، وهذا قول أبي عبيدة (٤)، واستشهد بقول الأسود بن يعفر (٥): فَإِذَا وَذلِكَ لا مَهَاةَ لذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحاً بِفَسَادِ وببيت عبد مناف بن رِبْع الهُذَليِّ (٦):

стр. 420

حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا وقال: معناه، حتى أسلكوهم. قال الزجاج: " قال أبو عبيدة: (إذ) ههنا زائدة، وهذا إقْدَام مِنْ أبي عبيدة لأن القرآن، لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و (إذ) معناها الوقت، وهي اسم فكيف يكون لغوا " (١) والوجه الثاني: أن (إذ) كلمة مقصورة، وليست بصلة زائدة، وفيها لأهل التأويل قولان (٢): أحدهما: أن الله تعالى لما ذكَّر خلقه نِعَمَهُ عليهم بما خلقه لهم في الأرض، ذكّرهم نِعَمَهُ على أبيهم آدَمَ ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، وهذا قول المفضَّل. والثاني: أن الله تعالى ذكر ابتداء الخلق فكأنه قال: وابتدأ خلقكم ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، وهذا من المحذوف الذي دَلَّ عليه الكلام، كما قال النمر بن تَوْلَبَ (٣): فَإِنَّ الْمَنَّيةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا يريد: أينما ذهب. وكما تقول العرب: " أتيتك من قبلُ ومن بعدُ ". تريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك في " إذا " كما يقول القائل: " إذا أكرمك أخوكَ فأكرمه، وإذا لا فلا ". يريد: وإذا لم يكرمك فلا تكرمه. ومن ذلك قول الآخر (٤): فَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ ... فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ قال الطبري: " وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿وإذ قالَ ربك للملائكة﴾، لو أبْطِلت (إذ) وحُذِفت من الكلام، لاستحال عن معناه الذي هو به، وفيه (إذ) " (٥). قال ابن عطية: "وقال الجمهور: ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال" (٦). و(الملائكة): واحدها ملك، وأصله (مَلْأَك)، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد (٧): فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ وهذا قول سيبويه (٨)، وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم" (٩). وأصل الملأك: الرسالة، كما قال عدي بن زيد العِبَادِيّ (١٠):

стр. 421

أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا ... إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي وقد ينشد: مألَكًا، على اللغة الأخرى. فمن قال: ملأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة مَلأكة؛ ومن قال: مَألَكًا فهو مَفْعَل من ألكت إليه آلك: إذا أرسلت إليه مألَكة وألُوكًا، كما قال لبيد بن ربيعة (١): وَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه ... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ فهذا من " ألكت "، ومنه قول نابغة بني ذبيان (٢): أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا ... سَأَهْدِيه، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي وقال عبدُ بني الحَسْحَاس (٣): أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتًى ... بِآيَةِ ما جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا يعني بذلك: أبلغها رسالتي. فسميت الملائكةُ ملائكةً بالرسالة، لأنها رُسُل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده (٤). قال الماوردي: " والملائكة أفضل الحيوان وأعقل الخلق، إلا أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، ولا يتناسلون، وهم رسل الله، لا يعصونه في صغير ولا كبير، ولهم أجسام لطيفة لا يُرَوْنَ إلا إذا قوَّى الله أبصارنا على رؤيتهم" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، "أي: خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها" (٦). قال السدي: "فاستشار الملائكة في خلق آدم" (٧). وكذا روي عن قتادة (٨). روي عن محمد بن إسحاق: "قوله ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، يقول: ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا، ليس منكم" (٩). وروي "عن ابن سابط، أن النبي- ﷺ قال: دحيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة فقال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، يعني مكة" (١٠). وروي "عن ابن عباس قال: أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يسكنها إياه، ثم قرأ: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ " (١١). قال ابن عطية: " وإن قال قائل ما الحكمة في قول الله تعالى للملائكة ﴿إِنِّي جاعِلٌ﴾ الآية، قيل: هذا منه امتحان لهم واختبار ليقع منهم ما وقع ويؤدبهم تعالى من تعليم آدم وتكريمه بما أدب" (١٢).

стр. 422

قال الزجاج: " وفي ذكر هذه الآية احتجاج على أهل الكتاب بتَثْبيتِ نبوة النبي ﷺ أنَّ خَبَرَ آدم وما أمره اللَّه به من سجود الملائكة له معلوم عندهم، وليس هذا مِنْ علم العرب الذي كانت تعلمه، ففي إخبار النبي ﷺ دليل على تثبيت رسالته إذ آتاهم بما ليس من علم العرب، وإنما هو خبر لا يعلمه إلا من قرأ الكتاب أو أوحي إليه به" (١). قال ابن عطية: " وقرأ زيد بن علي «خليفة» بالقاف" (٢). واختلفوا في معنى ﴿جَاعِلٌ﴾، في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، على وجهين (٣): أحدهما: أنه بمعنى خالق. قاله أبو روق (٤). والثاني: إني فاعل. قاله الحسن (٥) وقتادة (٦). والراجح في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: "أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا. وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة" (٧). وقوله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، اختلف العلماء في المراد بالخليفة هنا، وفي المسألة أربعة أقوال: أحدها: أن الخليفة آدم-﵊-لأنه خلف من سكن الأرض قبله من الجن أو الملائكة-على قولين لأهل العلم-وعليه فالخليفة فعيلة بمعنى فاعل والتاء للمبالغة عند قوم من النحاة، أو للعدل عن الوصف إلى الاسم فإن كلمة خليفة صفة في الأصل ثم أجريت مجرى الأسماء فألحقت التاء لذلك (٨). ويقوي هذا القول إفراد لفظ (خليفة) في الآية، وقد قال به الواحدي (٩)، والقرطبي (١٠)، وابن القيم (١١)، والخازن (١٢)، والغرناطي (١٣)، وحكوا الإجماع على ذلك. وقد رد دعوى الإجماع ابن كثير (١٤)، والكوكباني (١٥)، والخلاف في المسألة قديم مشهور كما سيتضح في الأقوال التالية (١٦). والثاني: أن الخليفة آدم وبنوه وأفرد لفظ (خليفة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه كما يستغنى بذكر أب القبيلة في قولنا مضر وتميم وقيس عن ذكر القبيلة. أو أريد بالخليفة من يخلفكم أو خلفاً يخلفكم أو خليفة منكم. والخليفة يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى (١٧).

стр. 423

والثالث: أن المراد: أولو الأمر ابتداء بآدم-﵇-ومروراً بمن قام مقامه في ذلك من ولده إلى انقضاء العالم (١). وقد اختلفت عبارات أهل العلم في حكاية هذا القول: فقال ابن عطية: "وقال ابن مسعود: إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري، يعني بذلك آدم-﵇-ومن قام مقامه بعده من ذريته" (٢). وقال القرطبي: " وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول في الأرض" (٣). وقال البيضاوي: "المراد به آدم لأنه كان خليفة الله في أرضه" (٤). وقال الشنقيطي: " لأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره" (٥). وتجدر الإشارة بأن لفظ الخليفة يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلف غيره، فآدم-﵇-وبنوه القائمون مقامه في ولاية الأمر ليسوا خلفاء ونواباً عن الله- -وإنما الله- -استخلفهم في ذلك عمن سبقهم تشريفاً وتكريماً لهم، فولي الأمر يقوم بما أوجبه الله- -عليه من سياسة الأرض بالدين، فبالله تعالى يَخْلُفُ وهو-سبحانه-لا يُخْلَف ولا يُنَاب عنه لأنه-سبحانه-مشاهِد قريب بصير سميع مدبر فمحال أن يَخْلِفَه غيره، بل العبد هو الذي يحتاج إلى من يخلفه لغيبته أو موته أو عجزه ولذا جاء في صحيح مسلم: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل" (٦). وقد اختلف أهل العلم في جواز إطلاق لفظ خليفة الله على العبد بين مانع ومجيز، وفصل ابن القيم في مفتاح دار السعادة القول فقال بعد إيراده لأدلة الفريقين: "قلت: إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفاً عن غيره" (٧). والرابع: أن المراد: بنو آدم لأن كل قرن منهم يخلف القرن الذي سلفه (٨). ويدل لهذا القول: قول الله- : ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله- : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]، وغير ذلك من الآيات، و (خَلِيفَة) على هذا القول يجوز أن تكون بمعنى فاعل أو مفعول، فالقرن من البشر خالف لمن قبله وهو مخلوف بمن بعده (٩)، ومال إلى هذا القول ابن جرير (١٠)، وكل هذه الأقوال محتملة، وأظهرها قول من قال المراد بالخليفة آدم وبنوه، وأفرد لفظ (خَلِيْفَة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه سواء أكانت الخلافة في سكنى الأرض أم في عمارتها وسياستها بالدين. قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، "أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي" (١١). قال ابن سابط: " يعنون الحرام" (١٢).

стр. 424

قال ابن عثيمين: " واستفهام الملائكة للاستطلاع، والاستعلام، وليس للاعتراض" (١). وتعددت الأقوال في الغرض من سؤال الملائكة، على وجوه (٢): أحدها: أن السؤال من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك. قاله الزجاج (٣). والثاني: أن سؤالهم على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم، وإنما سألوه ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون. والثالث: أنه سألته الملائكة على وجه التعجب. قاله ابن جريج (٤). قال الطبري: " وجه التعجب، فدعْوَى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل، ولا خبر بها من الحجة يقطعُ العذرَ" (٥). والراجح، إن ذلك منها "استخبار لربها، بمعنى: أعلمنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته، وتارك أن تجعل خلفاءَك منا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك - لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وإن كانت قد استعظمتْ لما أخبرت بذلك، أن يكون لله خلقٌ يعصيه" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، أي: يريق الدماء بالبغي والاعتداء! ! " (٧). قال البغوي: " أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب، وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب" (٨). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، وجوها: أحدها: أن الجن بنو الجان كانوا في الأرض قبل خلق آدم، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، ومعنى الآية: " أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء، كما سفكوا".وهذا قول أبي العالية (٩)، والحسن (١٠)، وابن عباس (١١)، وروي عن عبدالله ابن عمر (١٢)، والربيع (١٣)، مثل ذلك. قال الطبري: " فعلى هذا القول: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، من الجن، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها" (١٤). والثاني: أن الله أعلم الملائكة، أنه إذا كان في الأرض خلق، أفسدوا فيها وسفكوا الدماء". قاله قتادة (١٥)، والسدي (١٦)، وابن سابط (١٧). والثالث: وقيل: أبصر بعض الملائكة خلق آدم وبعض الأمور في أم الكتاب. قاله أبو جعفر محمد بن علي (١٨). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، على وجوه (١٩):

стр. 425

أحدها: قراءة الجمهور بكسر الفاء: ﴿وَيَسْفِكُ﴾. والثاني: وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ﴿ويسفُك﴾ بضم الفاء. والثالث: وقرأ ابن هرمز ﴿ويسفكَ﴾، بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن يسفك، وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام. قال ابن عطية: "والأول أحسن" (١). قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ونحن" ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك" (٢). قال الطبري: أي" إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر" (٣). قال ابن عطية: أي: " ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك" (٤). قال ابن عثيمين: "والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولاً: النقص؛ والثاني: النقص في كماله؛ وزد ثالثاً إن شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل هذا يُنَزَّه الله عنه؛ النقص: مطلقاً؛ يعني أن كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبداً. لا وصفاً دائماً، ولا خبراً؛ والنقص في كماله: فلا يمكن أن يكون في كماله نقص؛ قدرته: لا يمكن أن يعتريها عجز؛ قوته: لا يمكن أن يعتريها ضعف؛ علمه: لا يمكن أن يعتريه نسيان .. وهلم جراً؛ ولهذا قال : ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] أي تعب، وإعياء؛ فهو كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص؛ ومماثلة المخلوقين: هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾، وقال تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]؛ وإن شئنا جعلناها داخلة في القسم الأول. النقص. لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصاً، كما قال القائل (٥): ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنقصُ قدْرُهُ ... إذا قيل إنَّ السيفَ أمضى من العصا لو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا تبين أن السيف هذا رديء، وليس بشيء؛ فربما نفرد هذا القسم الثالث، وربما ندخله في القسم الأول؛ على كل حال التسبيح ينبغي لنا. عندما نقول: "سبحان الله"، أو: "أسبح الله"، أو ما أشبه ذلك. أن نستحضر هذه المعاني" (٦). وقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ذكر فيه المفسرون وجوها (٧): أحدها: أنه هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الآية، أم نتغير عن هذه الحال. قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾؟ " (٨). والثاني: أن معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف ﵇: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥]. قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم أَتَجْعَلُ وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ " (٩). والثالث: وقيل أن: معنى الآية: ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. قال ابن عطية: "وهذا أيضا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾ " (١٠).
следующие страницы →