← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

٢ - أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده، ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله. القرآن ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة: ٨٢] التفسير: لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ; لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم، ولتجدنَّ أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا: إنا نصارى، ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد ﷺ ، وآمنوا بها. سبب نزول الآيات (٨٢ - ٨٦): قال المفسرون: نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه، وفيما يأتي ذكر الأخبار في ذلك: أولا: - عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعروة بن الزبير؛ قالوا: "بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ " (١). [ضعيف] ثانيا: -عن عروة بن الزبير؛ قال: "في قوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ نزل ذلك في النجاشي " (٢). [ضعيف]

стр. 3607

ثالثا: عن سعيد بن جبير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾؛ قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا اختارهم الخيّر فالخيّر، فدخلوا على رسول الله ﷺ ، فقرأ عليهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾؛ فبكوا وعرفوا الحق؛ فأنزل الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وأنزل فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] " (١). [ضعيف] رابعا: عن سلمان؛ قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة صنعت طعاماً، فجئت به النبي ﷺ فقال: "ما هذا يا سلمان؟ "، قلت: صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً، فأتيته به، فقال: "ما هذا يا سلمان؟ "، قلت: هدية فضرب بيده فأكل، وقال لأصحابه: "كلوا"، قلت: يا رسول الله! أخبرني عن النصارى؟ قال: "لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم"، فقمت وأنا مثقل؛ فأنزل الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ حتى بلغ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ فأرسل إلي رسول الله ﷺ ، فقال: "يا سلمان! إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله"» (٢). [صحيح]

стр. 3608

خامسا: عن السدي؛ قال: "بعث النجاشي إلى النبي ﷺ اثني عشر رجلًا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ ، فبكوا، وكان منهم رهبان وخمسة قسيسين، أو خمسة رهبان وسبعة قسيسين؛ فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ " (١). [ضعيف جداً] قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: " لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ; لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم" (٢). قال ابن عطية: " وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ودربوا العتو والمعاصي ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لجت عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كفر وعروشهم ثل، وبين أنهم ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: "ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، الذين قالوا: إنا نصارى" (٤). قال ابن كثير: " أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملتهم" (٥). قال الزمخشري: " وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق «١» ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾، ولعمري إنهم لكذلك وأشد. وعن النبى ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» (٦) " (٧).

стр. 3609

قال ابن عطية: " والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل أن النبي ﷺ سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد ﵇ أن يستمر ظهور الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى: الذين قالوا إنا نصارى إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد ﷺ من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم" (١). قال مجاهد: " هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة" (٢). وروي عن عطاء نحو ذلك (٣). قال عطاء: " ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه" (٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: " ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين" (٥). قال السمرقندي: "يعني: المتعبدين، وأصحاب الصوامع، ويقال: قسيسين علماؤهم، ورهبانا يعني: خائفين من الله تعالى" (٦). قال ابن كثير: " أي: يوجد فيهم القسيسون - وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسيس وقَس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان: جمع راهب، وهو: العابد. مشتق من الرهبة، وهي: الخوف كراكب وركبان، وفارس وفرسان" (٧). قال ابن عطية: " معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هذي، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد" (٨).

стр. 3610

قال الزمخشري: " وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا أى علماء وعبادا" (١). قال السعدي: " والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين" (٢). عن الحسن: " ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: علماؤهم وفقهاؤهم" (٣). قال سلمان: " هم الرهبان الذين في الصوامع والحزب فدعوهم فيها" (٤). قال سعيد بن جبير: " هم أصحاب النجاشي بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ بثلاثين رجلا فقرأ عليهم يس فبكوا وقالوا نعرف والله فنزلت فيهم" (٥). قال الزجاج: «القس» و «القسيس»: من رؤساء النصارى، فأما القس في اللغة: فهي النميمة ونشر الحديث، يقال: قس فلان الحديث قسا" (٦). وقال قطرب: "القسيس: العالم بلغة الروم، فأما الرهبان: فهم العباد أرباب الصوامع" (٧). وقال ورقة (٨): بما خبَّرتنا مِن قولِ قَسٍّ ... من الرهبانِ أكرهُ أنْ يعوجا وعلى هذا فالقس والقسيس: مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين (٩). قال ابن زيد: "القسيس: عبّادهم" (١٠). وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وبقي واحد من علمائهم على الحق والاستقامة وهو قسّيسا، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس" (١١). قال القرطبي: " القسيس: العالم، وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه، قال الراجز (١٢): يُصْبِحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوافِلا وتقسست أصواتهم بالليل: تسمعتها، والقس النميمة، والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم، وجمعه: قسوس، وكذلك القسيس مثل الشر والشرير، فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد، ويقال في جمع قسيس مكسرا: قساوسة، أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا كمهالبة، والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها، ولفظ القسيس: إما أن يكون عربيا، وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب" (١٣). و«الرهبان»: جمع راهب، كركبان وراكب، قال الشاعر (١٤):

стр. 3611

لو أنها عَرَضت لأشْمَطَ راهب ... عبدَ الإلهَ صرورة متبتِّلِ (١) والفعل منه: رهب الله يرهبه أي خافه، رهبا ورهبا ورهبة. والرهبانية والترهب التعبد في صومعة (٢). قال ابن فارس: الترهب: التعبد" (٣). جاء في اللسان: " استرهبه: استدعى رهبته حتى رهبه الناس؛ وبذلك فسر قوله : ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم﴾ [الأعراف: ١١٦]؛ أي: أرهبوهم. وفي حديث بهز بن حكيم: «إِنِّي لَأَسْمَعن الرَّاهِبَة» (٤). قال ابن الأثير: «هي الحالة التي ترهب، أي: تفزع وتخوف. وفي رواية: «أسْمعك رَاهِباً». أي: خائفا» (٥). وترهب الرجل: إذا صار راهبا يخشى الله، والراهب: المتعبد في الصومعة، وأحد رهبان النصارى، ومصدره: الرهبة والرهبانية، والجمع الرهبان" (٦). قال ابن الأعرابي: " وإن جمعت الرهبان الواحد رهابين ورهابنة، جاز؛ وإن قلت: رهبانيون كان صوابا" (٧)، قال الشاعر في الجمع (٨):

стр. 3612

رهبانُ مديَن لو رأوك تنزَّلوا ... والعُصمُ من شَعَفِ العَقُول الفادِر قوله: «الفادر»: المسن من الوعول. ويقال: العظيم، وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة (١). قال الطبري: " وقد يكون الرهبان واحدًا، وإذا كان واحدًا كان جمعه: رهابين، مثل: قربان وقرابين، وجُرْدان، وجرادين، ويجوز جمعه أيضًا: رهابنة، إذا كان كذلك، ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا، قول الشاعر (٢): لَوْ عَايَنَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ في الْقُلَلْ ... لانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنزل" (٣) فان قيل: "كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمر شريعتنا؟ فالجواب: أنه مدحهم بالتمسك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم. والمعنى: بأن فيهم علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمد ﷺ " (٤). قال القاضي أبو يعلى: "وربما ظن جاهل أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إنما مدح من آمن منهم، ويدل عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: " وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد ﷺ ، وآمنوا بها" (٦). قال السمرقندي: " يعني: لا يتعظمون على الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن" (٧). قال ابن ابي زمنين: أي: " عن عبادة الله، والإيمان بالله" (٨). قال الثعلبي والبغوي (٩): " لا يتكبرون عن الإيمان والإذعان للحق" (١٠). قال الرااغب: أي: " أنهم يتحرون الحق ولا يستكبرون عن قبوله، والضمير في ﴿أنهم﴾ راجع إلى القسيسين والرهبان، وقيل: راجع إلى المعنيين بالدين كلهم" (١١). قال السعدي: " أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر" (١٢). قال الزمخشري: يعني: " أنهم قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أن التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني" (١٣). قال البيضاوي: أي: ﴿لايستكبرون﴾ " عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمود وإن كانت من كافر" (١٤). قال القرطبي: " وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد ﷺ دون من أصر على كفره ولهذا قال: ﴿وأنهم لا يستكبرون﴾، أي: عن الانقياد إلى الحق" (١٥). قال السدي: " بعث النجاشي إلى رسول الله ﷺ اثنى عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا، ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل إليه بكوا وأسفوا فأنزل الله فيهم وأنهم لا يستكبرون" (١٦). الفوائد: ١ - عظم عداوة اليهود والمشركين للإسلام والمسلمين، فوجب المزيد من الحذر من كيدهم وعداوتهم. ٢ - قرب النصارى الصادقين في نصرانيتهم من المسلمين. قال العلّامة ابن باز: " فالنصارى أقرب وقلوبهم ألين من قلوب اليهود لأن علتهم الجهل والضلال فإذا عرفوا وبين لهم رجع كثير منهم إلى الحق أما علة اليهود فليست الجهل، بل علتهم الحسد والبغي وعلتهم مخالفة الحق على بصيرة فعلتهم خبيثة وهي التكبر عن اتباع الحق والحسد لأهل الحق ولهذا قل وندر من يسلم منهم نعوذ بالله من ذلك" (١٧). وقد عقد الألوسي في تفسيره: روح المعاني. مقارنة بينهما ومما ذكر من ذلك ما يلي (١٨): أولا: -ـ اليهود أشد في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد، ولذا قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، والنصارى دون ذلك، وأقرب للإسلام منهم. ثانيا: ـ أنهم كفروا بنبيين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والنصارى كفروا بنبي واحد وهو نبينا محمد ﷺ . ثالثا: - أن فضائح اليهود وفظائعهم أكثر مما عند النصارى، وقول النصارى بالتثليث ليس أفظع من قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. رابعا: -أن من أخص أسباب وصف اليهود بالغضب كونهم قد فسدوا بعد علم، والنصارى فسدوا عن جهل فوصفوا بالضلال، لأن الضال قد يهتدي. ٣ - فضيلة التواضع، وقبح الكبر. في الحديث الصحيح عن عياض ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد " (١٩).

стр. 3613

وفيه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (١). قال الشافعي: "التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام، التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة " (٢). قال عباس الدوري: "حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا قال: كانت أمي مقعدة من نحو عشرين عامًا فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي، فأتيت فدققت عليه، وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفًا، فخرجت عجوزٌ فقالت: قد تركته يدعو لها، فجئت إلى بيتنا فدققت الباب فخرجت أمي على رجليها تمشي" (٣). قال الذهبي: "هذه الواقعة نقلها ثقتان عن عباس" (٤). فهذا هو التواضع وهؤلاء هم الناس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام/٩٠]. القرآن ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣] التفسير: ومما يدل على قرب مودتهم للمسلمين أن فريقًا منهم -وهم وفد الحبشة لما سمعوا القرآن- فاضت أعينهم من الدمع فأيقنوا أنه حقٌّ منزل من عند الله تعالى، وصدَّقوا بالله واتبعوا رسوله، وتضرعوا إلى الله أن يكرمهم بشرف الشهادة مع أمَّة محمد ﵇ على الأمم يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: " أي إِذا سمعوا القرآن المُنْزَل على محمد رسول الله" (٥). قال الطبري: أي: " وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا: إنا نَصَارى الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم أنك تجدهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا" (٦). قال الواحدي: " يعني: النجاشيَّ وأصحابه قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] " (٧). قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: " أي فاضت أعينهم بالدمع" (٨). قال الصابوني: أي: " من خشية الله لرقة قلوبهم وتأثرهم بكلام الله الجليل" (٩). قال البيضاوي: " عطف على ﴿لا يستكبرون﴾، وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم تأبيهم عنه، والفيض انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها" (١٠).

стр. 3614

و «فيض العين من الدمع»، امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها، كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه، ومنه قول الأعشى (١): ففَاضَتْ دُمُوعِي، فَظَلَّ الشُّئُونُ: ... إمَّا وَكِيفًا، وَإِمَّا انْحِدَارَا (٢) قال الراغب: " «الفيض»: سيلان عن امتلاء، وأفضا لسيلانه وفاضته دمعة: إذا امتلأت العين ثم سالت، وعنه اسستعير خبر مستفيض، وأفاض القوم من عرفه، فذكر تعالى أنهم يبكون ويؤمنون بالنبي ﵊" (٣). قال الزمخشري: قوله: " ﴿تفيض من الدمع﴾، معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أى تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعا" (٤). وقوله: ﴿تفيض من الدمع﴾، من أبلغ العبارات، وأنهاها وهي ثلاث مراتب (٥): فالأولى: فاض دمع عينه، وهذا هو الأصل. والثانية: محولة من هذه، وهي قول القائل: فاضت عينه دمعا حولت الفعل إلى العين مجازا ومبالغة، ثم نبهت على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز. والثالثة: فيها هذا التحويل المذكور، وهي الواردة في الآية، إلا أنها أبلغ من الثانية باطراح المنبهة على الأصل وعدم نصب التمييز، وإبرازه في صورة التعليل. والله أعلم. وإنما كان الكلام مع التعليل أبعد عن الأصل منه مع التمييز لأن التمييز في مثله قد استقر كونه فاعلا في الأصل في مثل: تصبب زيد عرقا، وتفقأ عمرو شحما، واشتعل الرأس شيبا، وتفجرت الأرض عيونا. فإذا قلت: فاضت عينه دمعا، فهم هذا الأصل في العادة في أمثاله. وأما التعليل فلم يعهد فيه ذلك. ألا تراك تقول: فاضت عينه من ذكر الله كما تقول فاضت عينه من الدمع، فلا يفهم التعليل ما يفهم التمييز. عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانوا يُرَوْن أن هذه الآية أنزلت في النجاشي: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ " (٦). قال السدي: " بعث النجاشي إلى النبيّ ﷺ اثنى عشر رجلا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن، فبكوا. وكان منهم سبعة رهبانٍ وخمسة قسيسين أو: خمسة رهبان، وسبعة قسيسين، فأنزل الله فيهم: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾، إلى آخر الآية" (٧). قال ابن عباس: " بعث رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي فلما دخلوا عليه قال: تعرفون ما أنزل إليكم قالوا نعم، قال: اقرءوا، فقرءوا وهنالك منهم قسيسين ورهبان وساير النصارى، فجعلت طائفة كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم ﴿مما عرفوا من الحق ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ " (٨).

стр. 3615

قال ابن شهاب: "أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري. وكتب معه كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ثم دعا جعفر ابن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إلى قوله: ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ " (١). قال عبدالله بن الزبير: " نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾، وقوله: ﴿يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ " (٢). قال قتادة: " هم أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ﵊، يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله نبيه محمد ﷺ فصدقوا وآمنوا به وعرفوا الذي جاء به أنه الحق من الله فأثنى عليهم كما تسمعون قوله تعالى: ﴿ترى أعينهم﴾ " (٣). قال سعيد عن عمرو بن مرة: "قدم على أبي بكر الصديق وفد من اليمن، فقالوا: اقرأ علينا القرآن، فقرأ عليهم القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر: كذا كنا حتى قست القلوب، وكان أبو بكر لا يملك دمعة حين يقرأ القرآن" (٤). قال التستري في تفسير هذه الآية: "هم القسيسون والرهبان، كان الناس يتمسحون بهم لعلمهم في الدين، قدموا على النبي ﷺ فقرأ عليهم القرآن، فرقوا له، ففاضت أعينهم ولم يستكبروا، بعصمة الله إياهم عن الاستكبار، فدخلوا في دينه لما وضع الله تعالى من علمه فيهم". ثم قال: "فساد الدين بثلاث: - الملوك إذا أخذوا في السرف والشهوات. - والعلماء إذا أفتوا بالرخص. - والقراء إذا تعبدوا بغير علم. وإن العلماء يحتاج إليهم الخلق في الدنيا والآخرة، وقد حكي عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا، يزورون ربهم في كل جمعة فيقال لهم: تمنوا ما شئتم. فينطلقون إلى العلماء، فيقول لهم العلماء: تمنوا كذا تمنوا كذا، فيتمنون» (٥) " (٦). وقرئ: «ترى أعينهم»، على البناء للمجهول (٧). قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: " من أجل معرفتهم أنه أنه حقٌّ منزل من عند الله تعالى" (٨). قال البيضاوي: " ﴿مما عرفوا من الحق﴾، ﴿من﴾ الأولى للابتداء، والثانية لتبيين ﴿ما عرفوا﴾، أو للتبعيض بأنه بعض ﴿الحق﴾، والمعنى: أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله" (٩). قال الواحدي: " يريد: الذي نزل على محمَّد وهو الحقُّ" (١٠).

стр. 3616

قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: " أي يقولون يا ربنا صدقنا بنبيّك وكتابك" (١). قال البيضاوي: " ﴿آمنا﴾، بذلك أو بمحمد" (٢). قال الشوكاني: " أي: آمنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد وبمن أنزلته عليه" (٣). قال الطبري: أي: " يا ربنا، صدَّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد ﷺ من كتابك، وأقررنا به أنه من عندك، وأنه الحق لا شك فيه" (٤). قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: فاكتبنا "مع أمة محمد ﵇ الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة" (٥). قال البيضاوي: أي: من"الذين شهدوا بأنه حق، أو بنبوته، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة" (٦). قال الشوكاني: أي: " على الناس يوم القيامة من أمة محمد أو مع الشاهدين، بأنه حق، أو مع الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس" (٧). قال الزجاج: " أي: مع من شهد من أنبيائك ﵈ ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك" (٨). قال الواحدي: " مع أمَّة محمَّد ﷺ الذين يشهدون بالحق" (٩). قال السمعاني: " يعني: من أمة محمد؛ فإنهم الشاهدون على سائر الأمم" (١٠). قال الثعلبي: " يعني أمة محمد ﵇ دليله قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] " (١١). قال ابن أبي زمنين: أي: " مع من شهد بما جاء به محمد أنه حق" (١٢). قال الراغب: " ويتضرعون إلى الله أن يجعلهم من جملة من وصفهم بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ [البقرة: ١٤٣]، ومعنى: ﴿فاكتبنا﴾، أي: اجعلنا منهم وثبتنا في جملتهم" (١٣). عن ابن عباس: " ﴿اكتبنا مع الشاهدين﴾، قال: أمة محمد ﷺ " (١٤). وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: " ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾، قال: محمد ﷺ وأمته، إنهم شهدوا أنه قد بلَّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلغت" (١٥).

стр. 3617

فذهب ابن عباس إلى أن ﴿الشاهدين﴾، هم الشهداء في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وهم أمة محمد ﷺ ، ومعنى الكلام: يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة، أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك (١). وقال الحسن: "الذين يشهدون بالإيمان" (٢). وقال أبو علي: "الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك" (٣). قال السعدي: قوله ﴿الشاهدين﴾ " هم أمة محمد ﷺ ، يشهدون لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاءوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب، وهم عدول، شهادتهم مقبولة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " (٤). الفوائد: ١ - فضل هذه الأمة وكرامتها على الأمم قبلها. ٢ - أن البكاء من خشية الله هو شعار المؤمنين المتقين. روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٥). وقد كان النبي ﷺ كثير البكاء من خشية الله، وكذلك الصالحون من قبل ومن بعد، وقد توعد الله أصحاب القلوب القاسية بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِين (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. ٣ - ويستفاد من الآية قرأ منع قراءة القرآن بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يثمر ضد الخشوع، ونقيض الخوف والوجل، وقوله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ. فأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟ ! قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. فليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟ ! أألحان الملحنين، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟ ! قال بهز بن حكيم: " صليت خلف زرارة بن أوفى، فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فخر ميتا، فكنت ممن حمله " (٦). وقال أبو الربيع إدريس الخولاني: " كان أبو بكر البصري قد أوتي الحزن وحسن الصوت، وقراءته تقع على القلب من فضله، وكان يأتي إلى الليث بن سعد فيقرأ عنده، ويبكي الليث وأصحابه، ويقول الليث: لقد جعل الله لقراءته سلطانا على الأعين " (٧).

стр. 3618

ووري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "لما نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال عمر لما بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، قال: لهذا أجري الحديث (١). وإنما كان همه في معنى الآية، لا في ترجيع ونغمة. قال ابن أبي عبلة: " كانت أم الدرداء تأتينا من دمشق إلى بيت المقدس على بغلة لها، فإذا مرت بالجبال؛ تقول لقائدها: أسمع الجبال ما وعدها ربها، فيرفع صوته بهذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ " (٢). وروى مالك قال: " قيل لزيد بن ثابت: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال: كي أتدبره وأقف عليه " (٣). القرآن ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ [المائدة: ٨٤] التفسير: وقالوا: وأيُّ لوم علينا في إيماننا بالله، وتصديقنا بالحق الذي جاءنا به محمد ﷺ من عند الله، واتباعنا له، ونرجو أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته في جنته يوم القيامة؟ قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٤]، أي: " وقالوا: وأيُّ لوم علينا في إيماننا بالله، وتصديقنا بالحق الذي جاءنا به محمد ﷺ من عند الله، واتباعنا له" (٤). قال الزجاج: " المعنى: أي شيء لنا تاركين للإيمان، أي: في حال تركنا للإيمان، وذلك أن قومهم عنفوهم على إيمانهم، فأجابوهم بأن قالوا ما لنا لا نؤمن بالله" (٥). قال البغوي: " وذلك أن اليهود عيروهم وقالوا لهم: لم آمنتم؟ فأجابوهم بهذا" (٦). قال السمرقندي: " معناه: وما لنا لا نصدق بالله أن محمدا رسوله، والقرآن من عنده، وما جاءنا من الحق" (٧). قال السعدي: " فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: ﴿وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله، والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا، الذي لا يقبل الشك والريب" (٨). قال المراغي: " أي: وأى مانع يمنعنا من الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، ويصدنا عن اتباع ما جاءنا من الحق على لسان هذا النبي الكريم، بعد أن ظهر لنا أنه هو روح الحق الذي بشر به المسيح؟ " (٩). قال الزمخشري: " ﴿وما لنا لا نؤمن بالله﴾: إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين: وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك. أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن بالله وحده لأنهم كانوا مثلثين، وذلك ليس بإيمان بالله" (١٠). قال ابن عطية: " قولهم وما لنا توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار بأن قال لهم آمنتم وعجلتم، فقالوا وأي شيء يصدنا عن الإيمان وقد لاح الصواب وجاء الحق المنير" (١١). قال ابن كثير: " وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] " (١٢). قوله تعالى: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤]، أي: " ونرجو أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته في جنته يوم القيامة" (١٣). قال ابن زيد: " «القومُ الصالحون»، رسولُ الله ﷺ وأصحابُه" (١٤). قال الطبري: أي: " ونحن نطمَعُ بإيماننا بذلك أن يدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين" (١٥). قال البغوي: " أي: في أمة محمد ﷺ ، بيانه ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] " (١٦). قال السمرقندي: " يقول: نرجو، أن يدخلنا ربنا مع المؤمنين الموحدين في الجنة" (١٧). قال السعدي: أي: " ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان وعدم التخلف عنه" (١٨). قال المراغي: " وإننا لنطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة، والفضائل والآداب الكاملة، وهم أتباع هذا النبي الكريم الذين استبان لنا أثر صلاحهم وشاهدناه بأعيننا بعد ما كان منهم من فساد فى الأرض وعتو كبير فى جاهليتهم، والخلاصة- إنه لا مانع لنا من هذا الإيمان بعد أن تظاهرت أسبابه، وتحققت موجباته فوجب علينا الجري على سننه، واتباع نهجه وطريقه" (١٩). قال الماتريدي: قال الحسن: قوله - تعالى -: ﴿ونطمع﴾: أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا بالله وما جاءنا من الحق. قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين، و ﴿الصالحين﴾: يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل" (٢٠). الفوائد:

стр. 3619

١ - فضل الكتابي إذا أسلم. وحسن إسلامه. ٢ - دفع اللوم عن الإنسان، فينبغي للغنسان ان يدفع اللوم عن نفسه، ولا يُبقي عرضه لعباد الله يعملون ما يشاءون فيه، قال تعالى: ﴿وما لنا لانؤمن بالله﴾، وكذلك حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، وذلك عند رؤية الفتور، إذ يجب تقوية العزيمة. ٣ - أن ماجاء به الرسول- ﷺ حق بشهادة من سبق من الأمم، لقوله: ﴿وما جاءنا من الحق﴾. ٤ - ومنها: اختيار الرفيق الصالح لقوله: ﴿ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحيم﴾، قال الرسول- ﷺ : "مثل الجليس الصالح كحامل المسك/ إما أن يبيعك أو يحذيك، أو تجد منه رائحة طيبة" (١). القرآن ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ [المائدة: ٨٥] التفسير: فجزاهم الله بما قالوا من الاعتزاز بإيمانهم بالإسلام، وطلبهم أن يكونوا مع القوم الصالحين، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها لا يخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها، وذلك جزاء إحسانهم في القول والعمل. قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: " فجزاهم الله بما قالوا من الاعتزاز بإيمانهم بالإسلام، وطلبهم أن يكونوا مع القوم الصالحين" (٢). قال السمعاني: " أي: أعطاهم الله بما قالوا" (٣). قال السمرقندي: أي: " من التوحيد" (٤). قال الطبري: أي: " فجزاهم الله بقولهم: ﴿ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءَنا من الحق ونطمع أن يدخلَنا ربَّنا مع القوم الصالحين﴾ " (٥). قال ابن كثير: " أي: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق" (٦). قال الزمخشري: أي: " بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أى اعتقاده وما يذهب إليه" (٧). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٨٥]، وجهان: احدهما: معناه: بما قاولا من التوحيد. قاله الكلبي (٨). قال الواحدي: " وعلى هذا إنما علق الثواب بمجرد القول؛ لأنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا، وهو المعرفة في قوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾ والبكاء المؤذن بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب ومعرفتة، والقول إذا اقترن به المعرفة والإخلاص فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب" (٩).

стр. 3620

والثاني: يريد: بما سألوا، يعني قولهم: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾ الآية. وهذا قول ابن عباس (١)، وعطاء (٢). وهذا يدل على مسألتهم الجنة، فعلى هذا التفسير، القول: معناه: المسألة (٣). وظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٨٥]، يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول، وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب، وأجابوا عنه من وجهين (٤): الأول: أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا، وهو المعرفة، وذلك هو قوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣]، فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم انضاف إليه القول لا جرم كمل الإيمان. الثاني: أن قوله: ﴿بما قالوا﴾، يريد بما سألوا، يعني قولهم: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [المائدة: ٨٣]. قال البغوي: " وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله: ﴿وذلك جزاء المحسنين﴾ " (٥). قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿فأثابهم الله بما قالوا .. ﴾، دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم، فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم- وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة" (٦). وقرأ الحسن: «فآتاهم الله بما قالوا» (٧). قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: " جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار" (٨). قال الطبري: " يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار" (٩). قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها" (١٠). قال عبد الله: "أنهار الجنة تفجر من جبل مسك" (١١). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: " ماكثين فيها لا يخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها" (١٢). قال ابن عباس: " يخبرهم أن الثواب مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له" (١٣). قال الطبري: " يقول: دائمًا فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحوَّلون عنها" (١٤). قال ابن كثير: " أي: ساكنين فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: " وذلك جزاء إحسانهم في القول والعمل" (١٦).

стр. 3621

قال ابن عباس: "الموحدين" (١). وقال الكلبي: "المؤمنين" (٢). قال البغوي: " يعني: الموحدين المؤمنين" (٣). قال السمرقندي: " يعني: ثواب الموحدين المطيعين" (٤). قال الطبري: " يقول: وهذا الذي جَزَيتُ هؤلاء القائلين بما وصفتُ عنهم من قيلهم على ما قالوا، من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاءُ كل محسنٍ في قِيله وفِعله" (٥). قال ابن كثير: "أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان، وأين كان، ومع من كان" (٦). الفوائد: ١ - بيان فضل اللع ، إذ اثاب هؤلاء الذين منّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم. ٢ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾. ٣ - إثبات الجنة وأنها أنواع، لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وأنها ذات انهار، لقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وهي أيضا أنواع. كما دلّت الآية على أن نعيم الجنة دائم، لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. ٤ - الحثّ على الإحسان، لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، إذ اشار إليه بإشارة البعيد. ٥ - أن الآية تدل على أن المصدِّق بقلبه، الموقن، المخلص من النفاق يُسمَّى مُحسناً، ويستحقُّ ما وعد الله به المحسنين، قال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، فجعلهم من المحسنين بقولهم، وهو ما قدم من قولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِين﴾ [المائدة: ٨٤]. ويوضحه قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وصح في تفسير ذلك مرفوعاً أن التثبيت في الآخرة بذلك هو الشهادتان في القبر عند المسألة (٧)، وأنه بعد شهادتهما يُبَشَّرُ، ويرى مقعده من الجنة، ولا يُمتَحَنُ بالسؤال عن غيرهما في جميع الأخبار المتفق على صحتها. ويشهد لمعنى ذلك شواهدُ كثيرةٌ، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢] (٨). ٦ - احتج بعض الناس بهذه الآية، أن الإيمان هو مجرد القول، لأنه قال: فأثابهم الله بما قالوا ولكن لا حجة لهم فيها، لأن قولهم كان مع التصديق، والقول بغير التصديق، لا يكون إيمانا. افاده السمرقندي (٩). القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾ [المائدة: ٨٦] التفسير: والذين جحدوا وحدانية الله وأنكروا نبوة محمد ﷺ ، وكذَّبوا بآياته المنزلة على رسله، أولئك هم أصحاب النار الملازمون لها.

стр. 3622

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٦]، أي: " والذين جحدوا وحدانية الله وأنكروا نبوة محمد- ﷺ " (١). قال القرطبي: أي: " من اليهود والنصارى ومن المشركين" (٢). قال القاسمي: أي: " وكذبوا بحجج الله وبراهينه" (٣). قال الآلوسي: " أي: حجبوا عن الذات" (٤). قال السعدي: أي: " كفروا بالله" (٥). قال المراغي: " أي: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وأنكروا نبوة محمد- ﷺ " (٦). قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [المائدة: ٨٦]، أي: " وكذَّبوا بآياته المنزلة على رسله" (٧). قال القاسمي: " أي: الذين جحدوا الحق الذي جاءهم" (٨). قال الآلوسي: أي: "الدالة على التوحيد" (٩). قال السعدي: أي: " كذبوا بآياته المبينة للحق" (١٠). قال المراغي: أي: "وكذبوا بآيات كتابه" (١١). قال ابو السعود: " عطف التكذيب بآيات الله على «الكفر» مع أنه ضرب منه لما أن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم بمقابلة المصدقين بها جمعا بين الترغيب والترهيب (١٢). قال الشوكاني: " التكذيب بالآيات كفر فهو من باب عطف الخاص على العام" (١٣). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ٨٦]، أي: " أولئك هم أصحاب النار الملازمون لها" (١٤). قال المراغي: أي: " سكانها المقيمون فيها لا يبرحونها" (١٥). قال القاسمي: " أي: النار الشديدة الحرارة. جزاء وفاقا" (١٦). قال الآلوسي: أي: " لحرمانهم الكلي واحتجابهم بنفوسهم وصفاتها" (١٧). قال الشيخ ابن عثيمين: والجحيم هي النار، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمة مرءاها" (١٨). و«الجحيم»: النار الشديدة الاتقاد. يقال: جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. ويقال أيضا لعين الأسد: جحمة، لشدة اتقادها. ويقال ذلك للحرب، أي: جاحم الحرب هو شدة القتال في معركتها، قال الشاعر (١٩):

стр. 3623

الْحَرْبُ لَا يَبْقَى لِجَاحِمِهَا ... التَّخَيُّلُ وَالْمَرَاحُ إِلَّا الْفَتَى الصَّبَّارُ فِي ... النَّجَدَاتِ وَالْفَرَسُ الْوَقَاح (١) وقال ابن فارس: "الجاحم: المكان الشديد الحر" (٢)، وأنشد قول الأعشى (٣): يُعِدُّونَ لِلْهَيْجَاءِ قَبْلَ لِقَائِهَا ... غَدَاةَ احْتِضَارِ الْبَأْسِ وَالْمَوْتُ جَاحِمُ وقال قومٌ: الجَحَّامُ الذي يتحرقُ حرصاً وبُخْلاً، أخذ من الجحيم وهي النار المسْتَحْكِمةُ والمُتَلَظِّيَة. قال (٤): جحيماً تلظى لا تفترُ ساعة ... ولا الحر منها غابر الدهر يبردُ (٥) وقال الفراء: "الجحيمُ: الجمرُ الذي بعضه على بعض" (٦). وقال ابن الأنباري: "قال أحمد بن عبيد: إنما قبل للجحيم: جحيم لأنها أُكْثِرَ وقودها، أُخذ من قول العرب: قد جَحَمْتُ النار: إذا أكثرتُ وقودها. قال عمران بن حطان (٧): يرى طاعة الله الهدى وخلافهم ... الضلالة يُصلي أهلها جاحم الجمر" (٨) الفوائد: ١ - بيان مصير الكافرين والمكذبين وهو خلودهم في نار جهنم. ٢ - استعمال القرآن أسلوب الترغيب والترهيب بذكره الوعيد بعد الوعد. ٣ - الآية دالة على أن المؤمن الفاسق لا يبقى مخلدا في النار، وبيانه من وجهين (٩): الأول: أنه تعالى قال في الآية السايقة: ﴿وذلك جزاء المحسنين﴾، وهذا الإحسان لا بد وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من المعرفة وهو قوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣] ومن الإقرار به، وهو قوله: ﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾، وإذا كان كذلك، فهذه الآية دالة على أن هذه المعرفة، وهذا الإقرار يوجب أن يحصل له هذا الثواب، وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة وهذا الإقرار، فوجب أن يحصل له هذا الثواب، فأما أن ينقل من الجنة إلى النار وهو باطل بالإجماع، أو يقال: يعاقب على ذنبه ثم ينقل إلى الجنة وذلك هو المطلوب. الثاني: هو أنه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ٨٦]، فقوله: ﴿أولئك أصحاب الجحيم﴾، يفيد الحصر، أي: أولئك أصحاب الجحيم لا غيرهم، والمصاحب للشيء هو الملازم له الذي لا ينفك عنه، فهذا يقتضي تخصيص هذا الدوام بالكفار، فصارت هذه الآية من هذين الوجهين من أقوى الدلائل على أن الخلود في النار لا يحصل للمؤمن الفاسق. القرآن

стр. 3624

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧] التفسير: يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات أحلَّها الله لكم من المطاعم والمشارب ونكاح النساء، فتضيقوا ما وسَّع الله عليكم، ولا تتجاوزوا حدود ما حرَّم الله. إن الله لا يحب المعتدين. في سبب نزول الآية ثلاثة اقوال: أحدها: عن عبد الله بن عباس ﵄: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي؛ فحرمت عليّ اللحم؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (١). [صحيح لغيره] الثاني: عن عبد الله بن عباس ﵄: "قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ قال: هم رهط من أصحاب النبي ﷺ قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسبح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليهم فذكر لهم، فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ : «لكنى أصوم وافطر، وأصلي وانام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي؛ فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي؛ فليس مني» " (٢). [حسن]

стр. 3625

قال أبو مالك: " نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه حرموا عليهم كثيراً من الطيبات والنساء، فهَمَّ بعضهم أن يقطع ذكره؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ " (١). [صحيح] قال قتادة: " نزلت في أناس من أصحاب النبي ﷺ ، أرادوا أن يتخلَّوا من الدُّنيا، ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون" (٢). [ضعيف] وقال مجاهد: " أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويُخْصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح؛ فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ " (٣). [ضعيف] عن المغيرة بن عثمان؛ قال: "كان عثمان بن مظعون وعلي وابن مسعود والمقداد وعمار أرادوا الاختصاء، وتحريم اللحم، ولبس المسوح في أصحاب لهم، فأتى النبي ﷺ عثمان بن مظعون، فسأله عن ذلك؛ فقال: قد كان بعض ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "أنكح النساء وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وألبس الثياب، لم آت بالتبتل ولا بالرهبانية، ولكن جئت بالحنيفية السمحة، ومن رغب عن سنتي؛ فليس مني"، قال ابن جريج: فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ " (٤). [ضعيف] وعن عكرمة: "أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة في أصحابٍ، تبتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزَلوا النساءَ، ولبسوا المسوحَ، وحرَّموا طيبات الطعام واللِّباس إلا ما أكل ولبس أهل السِّيَاحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالإخصَاء، وأجمعُوا لقيام الليلِ وصيام النهار، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ " (٥). [ضعيف]

стр. 3626

وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: "كانوا عشرة: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون، فتواثقوا على ذلك، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» ونزلت هذه الآية" (١). [ضعيف جدا] وعن الحسن العرني؛ قال: "كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ " (٢). [ضعيف] وعن السدي: " ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين﴾، " وذلك أنّ رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التَّخويف. فقال أناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما خِفْنا إن لم نُحْدِث عملا! فإنّ النصارى قد حرَّموا على أنفسهم، فنحن نحرِّم! فحرَّم بعضهم أكل اللَّحم والوَدَك، وأن يأكل بالنهار، وحرَّم بعضهم النوم، وحرَّم بعضهم النساء. فكان عثمان بن مظعون ممَّن حرم النساءَ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه. فأتت امرأتُه عائشةَ، وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من نساءِ النبيّ ﷺ : ما بالُك، يا حولاءُ متغيِّرةَ اللون لا تمتشِطين ولا تطيَّبين؟ فقالت: وكيف أتطيَّب وأمتشط، وما وقع عليّ زوجي، ولا رفع عني ثوبًا، منذ كذا وكذا! فجعلن يَضحكن من كلامها. فدخل رسول الله ﷺ وهنّ يضحكن، فقال: ما يضحككن؟ قالت: يا رسول الله، الحولاءُ، سألتها عن أمرها فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا! فأرسل إليه فدعاه فقال: ما بالك يا عثمان؟ قال: إني تركته لله لكي أتخلَّى للعبادة! وقَصَّ عليه أمره. وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ : أقسمتُ عليك إلا رجعت فواقعتَ أهلك! فقال: يا رسول الله إني صائم! قال: أفطر! فأفطر، وأتى أهله. فرجعت الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيَّبت. فضحكت عائشة، فقالت: ما بالك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس! فقال رسول الله ﷺ : ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النساء، والطعامَ، والنومَ؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني! فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾، يقول لعثمان: لا تَجُبَّ نفسك. فإن هذا هو الاعتداء وأمرهم أن يكفِّروا أيْمانهم، فقال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللَّغو في أيمانكم ولكن يُؤَاخذكم بما عقّدتم الأيمان﴾ " (٣). [ضعيف جدا] والثالث: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ قال: "قال أبي: ضاف عبد الله بن رواحة ضيف، فانقلب ابن رواحة ولم يتعش، فقال لأهله: ما عشيته؟ فقالت: كان الطعام قليلاً فانتظرت

стр. 3627

أن تأتي، قال: فحبست ضيفي من أجلي؛ فطعامك عليّ حرام إن ذقته، فقالت: هي وهو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذقه، وقال الضيف: هو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذوقوه، فلما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قربي طعامك، كلوا بسم الله، وغدا إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "قد أحسنت"؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقرأ حتى بلغ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وإذا قلت: والله لا أذوقه؛ فذلك العقد" (١). [ضعيف جداً] والظاهر - والله أعلم - أن القول الأول هو سبب نزول الآية وإن كان الصحيح فيه الإرسال، لأمور ثلاثة: أحدها: التصريح بالسببية. الثاني: مطابقة سياق الحديث للفظ الآية، إذ أن قوله: "فحرمت عليَّ اللحم"، يوافق قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. الثالث: الاحتجاج به عند جمهور المفسرين. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله" (٤). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٥). قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: " لا تحرِّموا طيبات أحلَّها الله لكم من المطاعم والمشارب ونكاح النساء، فتضيقوا ما وسَّع الله عليكم" (٦). قال السعدي: أي: " من المطاعم والمشارب، فإنها نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول على الله الكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حراما خبيثا" (٧). قال البيضاوي": ﴿طيبات ما أحل الله لكم﴾، أي: ما طاب ولذ منه كأنه لما تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات عقبه النهي عن الإفراط في ذلك" (٨). قال أبو السعود: " أي: لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا" (٩). قال الزمخشري: " ﴿طيبات ما أحل الله لكم﴾، ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى لا تحرموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم. أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا (١٠) " (١١).

стр. 3628

قال عبد الله بن المبارك: "الحلال ما أخذته من وجهه والطيب ما غذا ونما فأما الجوامد والطين والتراب، وما لا يغذي فمتروك إلا على جهة للتداوي" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: " ولا تتجاوزوا حدود ما حرَّم الله" (٢). قال السمرقندي: " يقول: يعني: لا تحرموا حلاله" (٣). قال الزمخشري: أي: " ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم. أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات. أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلما، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهى عن تحريمها دخولا أوليا لوروده على عقبه أو أراد ولا تعتدوا بذلك وكلوا مما رزقكم الله أى من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقا حلالا حال مما رزقكم ا" (٤). قال البيضاوي: أي: " الاعتداء عما حد الله بجعل الحلال حراما، ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما" (٥). قال المراغي: " والتحريم والتحليل تشريع وهو من حقوق الله فمن انتحله لنفسه كان مدعيا الربوبية أو كالمدعى لها" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، خمسة أقوال: أحدها: لا تجبوا أنفسكم (٧)، أراد ما هَمَّ به عثمان بن مظعون من جبِّ نفسه. قاله السدي (٨)، واختاره الفراء (٩). والثاني: لا تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن (١٠). والثالث: لا تسيروا بغير سيرة المسلمين من ترك النساء، وإدامة الصيام، والقيام، قاله عكرمة (١١). والرابع: لا تحرموا الحلال، قاله مقاتل (١٢). والخامس: لا تغصبوا الأموال المحرمة، ذكره الماوردي (١٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: "إن الله لايحب المتجاوزين الحد" (١٤). قال السعدي: أي: " بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم على ذلك" (١٥). قال السمعاني: " والاعتداء: هو مجاوزة ماله إلى ما ليس له" (١٦).

стр. 3629

قال السمرقندي: " يقال: إن محرم ما أحل الله كمحل ما حرم ال" (١). قال الواحدي: " واعلم أن شريعة نبيه ﵇ غير ذلك، وأن الطيبات لا ينبغي أن تجتنب، وسمى الخصاء اعتداء فقال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تجبوا أنفسكم" (٢). وروي عن عائشة- ﵂ -قالت: "كان النبي ﷺ يحب الحلواء والعسل" (٣). وروي أن الحسن: " كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال فرقد: لا آكله فلا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال: يا هذا أتحب لباب البر مع سمن البقر؟ هل يعيبه مسلم" (٤). وجاء رجل إلى الحسن فقال: "إن لي جار لا يأكل الفالوذ، قال: ولم؟ قال: يقول: لا يروي شكره. قال الحسن: ويشرب الماء البارد؟ قال: نعم، قال: جارك جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ" (٥). الفوائد: ١ - حرمة تحريم ما أباح الله، كحرمة تحليل ما حرم الله . قال الجصاص: " وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهدا لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ويدل على أنه لا فضيلة في الامتناع من أكلها" (٦). وقد روى أبو موسى الأشعري أنه رأى النبي ﷺ يأكل لحم الدجاج (٧). وروي أنه: " كان يأكل الرطب مع الخربز. يعني: البطيخ (٨) " روي نافع عن ابن عمر-﵄: " انه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا" (٩).

стр. 3630

وقال ابن عباس: " كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة" (١). وعن أبي حنيفة، قال: "بلغني عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة، وأنس بن مالك وحسين بن علي، وابن الزبير، وشريح ﵃: أنهم كانوا يلبسون الخز" (٢).

стр. 3631

ويدل على نحو دلالة الآية التي ذكرنا في أكل إباحة الطيبات قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] (١). قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]. فقال عقيب ذكره لما خلق من الفواكه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ ٢ - النهي عن العدوان، يعني الاعتداء في حق الله وفي حق العباد، والإشارة غلى أن تحريم ما احل الله من باب العدوان، لقوله: ﴿ولا تحرموا ... ولا تعتدوا﴾. وقال أهل العلم أن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام، لأن تحريم الحلال تضييق على عباد الله بدون علم، وتحليل الحرام إن قدر أنه حرام بناءا على الأصل، لأن الأصل في الأشياء الحل، إلا الشرائع فالاصل فيها الحظر (٢). ٣ - منّة الله تعالى على عباده بما احل لهم، لقوله: ﴿طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ولو شاء الله لحرم علينا طيبات أحلت لنا، كما حرم ذلك على بني إسرائيل، إذ قال: " ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: بسبب ظلمهم وعصيانهم حرم الله عليهم الطيبات. قال الشيخ ابن عثيمين: "وتحريم الطيبات الشرعي بسبب الظلم مثله التحريم القدري بسبب الظلم، فإن الإنسان قد يحرم الطيبات تحريما قدريا لمعصيته، مثل أن يكون رجل إذا أكل اللحم، تأثر ومرض، هذا يجب عليه أن يجتنب أكل اللحم وهذا تحريم قدري، إنسان مثلا مريض بمرض السكر، إذا أكل الحلو ازداد عليه السكر وآلمه، فيجب عليه أن يجتنب السكر، هذا تحريم قدري، فلا تظن أن التحريم بسبب المعاصي هو التحريم الشرعي فقط، ومن التحريم القدري أن يمنع الله نبات الأرض بسبب المعاصي كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] (٣). ٤ - إثبات المحبة لله ، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، لأن نفي محبة المعتدين يدل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لايحب مطلقا لم يكن لنفي محبته للمعتدين فائدة، وفيه رد على منكري محبة الله . ويدر القول بان الإنسان اذا شعر بان الله يحبه يفرح ويزداد في حبه للطاعات وكراهة المعاصي، لأنه يعلم أن ربه يحبه من فوق السماوات، وأما من تأول المحبة بالثواب، فنقول: إن الله يثيب أي واحد من العباد ممن يستحق الثواب، فلا تحرموا لذة محبة الله ولا تنكروها. القرآن ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [المائدة: ٨٨] التفسير: وتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه; فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته. قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨]، أي: " وتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه" (٤).

стр. 3632

قال الجصاص: " أخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله افتراء عليه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز" (١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨]، أي: " واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه; فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته" (٢). قال محمد بن إسحاق: ﴿واتقوا الله﴾، أي: أطيعوا الله" (٣). قال ابن عثيمين: "أي: فللإيمانكم يلزمكم التقوى" (٤). قال السمرقندي: " يعني: إن كنتم مصدقين به، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه" (٥). قال مقاتل: " ولا تحرموا ما أحل الله لكم، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾، يقول: الذي أنتم به مصدقون" (٦). قال الزمخشري: " ﴿واتقوا الله﴾، تأكيد للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيدا بقوله: ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾، لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر وعما نهى عنه" (٧). قال الصابوني: " هذا استدعاء إِلى التقوى بألطف الوجوه كأنه يقول: لا تضيّعوا إِيمانكم بالتقصير في طاعة الله فتكون عليكم الحسرة العظمى فإِن الإِيمان بالله تعالى يوجب المبالغة في تقوى الله" (٨). الفوائد: ١ - في قولِه تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، أمْرُ الإنسانِ بالأكْلِ ممَّا رزَقَ اللهُ، وضدُّه عدمُ الأكْل، وعدمُ الأكلِ ممَّا رزَق اللهُ ثلاثةُ أقسام (٩): الأوَّل: أن يَترُك الأكلَ مع خوفِ الهلاك إذا لم يأكُلْ، فهنا تركُ الأكْلِ حرامٌ؛ لأنَّه يجبُ على الإنسانِ أن يُنقِذَ نفْسَه. الثاني: إذا كان ليس به ضرورةٌ للأكْلِ لكن يحتاجُ إلى الأكْلِ لتقويةِ البَدنِ، فهنا الأكلُ مُستحَبٌّ؛ لأنَّه لو ترَكَه لم يَهلِك، لكنَّه في حاجةٍ، نقول له: لا تمنعْ نفْسَك. الثالث: أن يَترُكَ الأكلَ تنزُّهًا، فهذا يُنهَى عنه، ويُقال: كُلْ ممَّا أباحَ اللهُ لك ٢ - أن الإيمان بالله مستلزم لتقواه، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨]، ومن قال أنني مؤمن ولم يتق، فهو ناقص الإيمان. القرآن ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩] التفسير: لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان، مثل قول بعضكم: لا والله، وبلى والله، ولكن يعاقبكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم، فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما

стр. 3633

تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة محتاجين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم، لكل مسكين نصف صاع من أوسط طعام أهل البلد، أو كسوتهم، لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفًا، أو إعتاق مملوك من الرق، فالحالف الذي لم يف بيمينه مخير بين هذه الأمور الثلاثة، فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام. تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم، واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تفوا بها. وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه; لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: عن عائشة-رضي الله تعالى عنها-؛ قالت في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ نزلت في قوله: لا والله، بلى والله" (١). والثاني: قال عبدالله بن عباس- ﵄: "لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم؛ قالوا: يا رسول الله! كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله -تعالى ذكره-: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). [ضعيف جداً] والثالث: عن عبد الله بن عباس ﵄ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: "كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، [وفي رواية: فضل]: وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: ليس بأرفعه ولا بأدناه" (٣). [صحيح] والرابع: قال سعيد بن جبير: " كان أهل المدينة يفضلون الحر على العبد، والكبير على الصغير، ويقولون: الصغير على قدره، والكبير على قدره؛ فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾؛ فأمروا بأوسط من ذلك ليس بأرفعه " (٤). [ضعيف جداً]

стр. 3634

قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان" (١). قال الطبري: " يقول تعالى ذكره، للذين كانوا حرَّموا على أنفسهم الطيّبات من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانوا حرَّموا ذلك بأيمانٍ حَلَفوا بها، فنهاهم عن تحريمها وقال لهم: لا يُؤَاخذكم ربُّكم باللغو في أيمانكم" (٢). قال السعدي: " أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك" (٣). قال الزمخشري: " اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم" (٤). قال الزجاج: " «اللغو»: في كلام العرب ما اطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمى ما ليس معتدا به - وإن كان موجودا – لغوا" (٥)، وأنشد قول المثقب العبدي (٦): أَو مائَة يُجعل أولادُها ... لَغْواً وعُرْضُ الْمِائَة الجَلْمَدُ قال الجصاص: " يعني: نوقا لا تعتد بأولادها، فعلى هذا لغو اليمين ما لا يعتد به ولا حكم له" (٧). جاء في حلية الفقهاء: " فكل يمين لم يعقد عليها الحالف بقلبه، وكل كلام لم يعقد عليه فهو لغو" (٨). قال السمعاني: "اللغو: هو المطرح الذي لا يعبأ به، وقوله: ﴿لا يؤاخذكم﴾ يعني: في القيامة. وسائر العلماء على أن لا كفارة في يمين اللغو؛ لظاهر القرآن" (٩). قال الحسن: " هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيَّل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك، فلا يؤاخذكم الله، فلا كفارة. ولكن المؤاخذة والكفارة، فيما حلفتَ عليه على علمٍ" (١٠). قال الشعبي: " اللغو ليس فيه كفارة ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، قال: ما عُقِدت فيه يمينه، فعليه الكفارة" (١١). قال أبو مالك: " الأيمان ثلاثٌ: يمين تكفّر، ويمين لا تُكَفَّر، ويمين لا يؤاخذ بها صاحُبها. فأما اليمين التي تكفَّر، فالرجل يحلِف على الأمر لا يفعله، ثم يفعله، فعليه الكفارة. وأما اليمين التي لا تكفّر: فالرجل يحلف على الأمر يتعمّد فيه الكذِبَ، فليس فيه كفارة. وأما اليمين التي لا

стр. 3635

يؤاخذ بها صاحبها، فالرجل يحلف على الأمر يَرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكون كذلك، فليس عليه فيه كفارة. وهو اللغو" (١). عن عطاء قال: "قالت عائشة: لغوُ اليمين، ما لم يعقد عليه الحالِفُ قلبه" (٢). وعن عائشة ايضا: ": أيمانُ الكفارة، كلّ يمين حلف فيها الرجل على جدٍّ من الأمور في غضب أو غيره: ليفعلن، ليتركنّ، فذلك عقد الأيمان التي فَرض الله فيها الكفارة، وقال تعالى ذكره: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ " (٣). قال الحسن (٤)، وإبراهيم (٥)، ويحيى بن سعيد (٦)، علي بن أبي طلحة (٧)، وقتادة (٨)، والسدي (٩): " ليس في لغو اليمين كفّارة". قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " ولكن يعاقبكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم" (١٠). قال مجاهد: " بما تعمدتم" (١١). قال الحسن: "يقول: ما تعمَّدت فيه المأثَم، فعليك فيه الكفارة" (١٢). قال عطاء بن أبي مسلم: "أما ما عقدتم الأيمان، فيقال: ما عزمتم على وفائه" (١٣). قال ابن أبي حاتم: " يعني: أن لا تحنثوا" (١٤). وقال عطاء: "هو أن يضمر الأمر، ثم يحلف بالله لا إله إلا هو، فيعقد عليه اليمين" (١٥). قال الكلبي: "هو أن يحلف على اليمين، وهو يعلم أنه فيها كاذب" (١٦). قال الواحدي: " وهو أن يقصد الأمر فيحلف بالله ويعقد عليه اليمين بالقلب متعمِّداً" (١٧). قال الطبري: أي: "ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها، وعَقَدَت عليه قلوبكم" (١٨). قال الزجاج: " أعلم الله أن اليمين التي يؤاخذ بها العبد وتجب في بعضها الكفارة ما جرى على عقد" (١٩). قال السعدي: " أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه قلوبكم" (٢٠). قال الزمخشري: أي: " بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية" (٢١). قال السمعاني: " عقد اليمين: هو القصد بالقلب، والذكر باللسان" (٢٢).

стр. 3636

قال الزمخشري: أي: " بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية" (١). وروى أن الحسن رضى الله عنه سئل عن لغو اليمين، والمسبية ذات الزوج، فوثب الفرزدق، وقال: أما سمعت ما قلت: (٢): ولسْتَ بمأخُوذٍ بلَغْوٍ تَقُولُه ... إذا لم تَعَمَّد عاقِداتِ العَزَائمِ وما قلت (٣): وذات حَليلٍ أنكحْتنا رِماحُنا ... حلالاً، لمن يَبْني بها لم تُطَلَّق فتبسم الحسن ولم يردّ علىيه ما قال، وفي رواية: فقال الحسن: ما أذكاك لولا حنثك! ، وفي رواية: قال: أصبت، فقال الفرزدق: كنت أراني أشعر منك، فإذا أنا أفقه منك أيضا! (٤) وفي عقد الأيمان قولان (٥): أحدهما: أن يكون على فعل مستقبل، ولا يكون على خبر ماض، والفعل المستقبل نوعان: نفي وإثبات، فالنفي أن يقول والله لا فعلت كذا، والإِثبات أن يقول: والله لأَفْعَلَنَّ كذا. وأما الخبر الماضي فهو أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل، أو يقول: والله لقد فعلت كذا، وما فعل. قال الماوردي: "فينعقد يمينه بالفعل المستقبل في نوعي إثباته ونفيه" (٦). وفي انعقادها بالخبر الماضي قولان (٧): أحدهما: أنها لا تنعقد بالخبر الماضي، قاله أبو حنيفة وأهل العراق. والقول الثاني: أنها تنعقد على فعل مستقبل وخبر ماض يتعلق الحنث بهما، قاله الشافعي، واهل الحجاز. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿بما عقدتم﴾ بغير ألف مشددة القاف، وكذلك روى حفص عن عاصم. وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائى: ﴿بما عقدتم﴾ خفيفة بغير ألف. وقرأ ابن عامر: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم﴾ بألف (٨). قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة محتاجين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم" (٩). قال سعيد بن جبير: " يعني: اليمين العمد الكذب. إطعام عشرة مساكين" (١٠). قال السعدي: " أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ " (١١). قال الزجاج: " أي: فكفارة المؤاخذة فيه إذا حنث أن يطعم عشرة مساكين إن كانوا ذكورا أو إناثا وذكورا أجزأه ذلك، ولكن وقع لفظ التذكير لأنه المغلب في الكلام" (١٢).

стр. 3637

قال الزمخشري: " والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أى تسترها" (١). وفي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وجهان: أحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان، قالته عائشة (٢)، والحسن (٣)، وأبو مالك (٤)، والشعبي (٥)، وقتادة (٦)، وإبراهيم (٧)، ويحيى بن سعيد (٨)، علي بن أبي طلحة (٩). والثاني: أنها كفارة الحنث فيما عقدة منها، وهذا يشبه أن يكون قول ابن عباس (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، والضحاك (١٢)، وإبراهيم (١٣). قال الطبري: " والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك، أن تكون الهاء في قوله: ﴿فكفارته﴾، عائدة على ما التي في قوله: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾، لما قدَّمنا فيما مضى قبل أنّ من لزمته في يمينه كفّارة وأُوخذ بها، غيرُ جائز أن يقال لمن قد أوخذ: لا يؤاخذه الله باللغو، وفي قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، دليلٌ واضح أنه لا يكون مؤاخذًا بوجه من الوجوه، مَنْ أخبرنا تعالى ذكره أنه غيرُ مؤاخذه. فإن ظنّ ظان أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثْتُم وكفَّرتم إلا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمرَه ونهيَه في كتابه، على الظاهر العامّ عندنا بما قد دللنا على صحّة القول به في غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته دون الباطن العامِّ الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر. ولا دلالة من عقل ولا خبرٍ أنه عنى تعالى ذكره بقوله: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، بعضَ معاني المؤاخذة دون جميعها، وإذ كان ذلك كذلك، وكان من لزمته كفّارة في يمينٍ حنث فيها مؤاخذًا بها بعقوبة في ماله عاجلة، كان معلومًا أنه غيرُ الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها" (١٤). قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " لكل مسكين نصف صاع من أوسط طعام أهل البلد" (١٥). قال الزمخشري: أي: " من أقصده، لأن منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر" (١٦). قال الواحدي: " لأنَّ هذا القدر وسط في الشِّبع، وقيل: من خير ما تطعمون أهليكم كالحنطة والتمر" (١٧). قال عطاء: "أوسطه، أعدله" (١٨)، وروي عن ابن عباس (١٩)، وعكرمة (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١)، نحو ذلك.

стр. 3638

وروي عن عطاء: " ﴿من أوسط﴾، قال: من أمثل" (١). وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قولان: أحدهما: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر (٢)، والحسن (٣)، وابن سيرين (٤). وسماه الزجاج: " أوسطه في الشبع، [بأن] لا يكون المأكول يفرط في أكله فيؤكل منه فوق القصد وقدر الحاجة، ولا يكون دون المعنى عن الجوع" (٥). والثاني: من أَوسطه في القدر، قاله علي (٦)، وعمر (٧)، وابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، ومجاهد (١٠)، وإبراهيم (١١). ثم اختلفوا في القدر على ستة أقاويل: أحدها: أنه مُدٌّ واحد، واختلفوا في أجناس الطعام، على قولين: القول الأول: أنه مدّ واحد من سائر الأجناس. قاله ابن عمر (١٢)، وزيد بن ثابت (١٣)، وابن المسيب (١٤)، والحسن (١٥)، وعطاء (١٦)، وابن زيد (١٧)، والقاسم (١٨)، وسالم (١٩)، وهو قول الشافعي (٢٠). والقول الثاني: أنه مدٌّ من حنطة لكل مسكين. وهذا قول ابن عباس (٢١)، وابن عمر (٢٢)، وابن زيد (٢٣). والثاني: أنه مدّان، ثم اختلفوا في الأجناس، على أقوال: فقال عمر (٢٤)، وابن عمر (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦): "لكل مسكين مُدَّين من حنطة " (٢٧).

стр. 3639

وقال ابن عباس: "مدين من بر" (١). وقال الحسن: " مكُّوك تمر ومكوك برّ لكل مسكين" (٢). وفي رواية أخرى عن الحسن: أنه" البرُّ والتمر، لكل مسكين مد من تمر، ومدّ من برّ" (٣). وقال الشعبي: " مَكُّوكين، مكوكًا لطعامه، ومكوكًا لإدامه " (٤). وقال مجاهد: " مدَّان من طعام لكل مسكين" (٥). والثالث: أنه نصف صاع من سائر الأجناس، قاله علي (٦)، وعمر (٧)، وميمون بن مِهْران (٨)، وأبو مالك (٩)، الضحاك (١٠)، والحكم (١١)، وإبراهيم (١٢)، وأبو قلابة (١٣)، مُقَاتِل بن حَيَّان (١٤)، وهو مذهب أبي حنيفة (١٥). والرابع: أنه غداء وعشاء، قاله علي في رواية الحارث عنه (١٦)، وهو قول محمد بن كعب القرظي (١٧)، والحسن البصري –في قوله الآخر (١٨). والخامس: أنه ما جرت به عادة المكفر فى عياله، إن كان يشبعهم أشبع المساكين، وإن كان لا يشبعهم فعلى قدر ذلك، قاله ابن عباس (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، وعمار (٢١)، والضحاك (٢٢)، والسادس: أنه أحد الأمرين من غداء أو عشاء، قاله بعض البصريين (٢٣). قال الطبري: " وأولى الأقوال في تأويل قوله: من أوسط ما تطعمون أهليكم عندنا، قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلَّة والكثرة، وذلك أن أحكام رسول الله ﷺ في الكفارات كلِّها بذلك وردت. وذلك كحكمه ﷺ في كفارة الحلق من الأذى بفَرَق من طعام بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع وكحكمه في كفارة الوطء في شهر رمضان بخمسة عشر صاعًا بين ستين مسكينًا، لكل مسكين ربُعْ صاع.، ولا يُعْرف له ﷺ شيء من الكفارات، أمر بإطعام خبز وإدام، ولا بغداء وعشاء، فإذْ كان ذلك كذلك، وكانت كفارة اليمين إحدى الكفارات التي تلزم من لزمته، كان سبيلُها سبيلَ ما تولَّى

стр. 3640

الحكم فيه ﷺ : من أن الواجب على مكفِّرها من الطعام، مقدّرًا للمساكين العشرة محدودًا بكيل، دون جمعهم على غداء أو عشاء مخبوز مأدوم، إذ كانت سنته ﷺ في سائر الكفارات كذلك" (١). وقرأ سعيد بن جبير: «مِن وَسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيكُمْ» (٢). وقرأ جعفر بن محمد: «أهاليكم»، بسكون الياء، والأهالى: اسم جمع لأهل: كاللئالي في جمع ليلة، والأراضى في جمع أرض (٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " أو كسوتهم، لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفًا" (٤). قال السعدي: " أي: كسوة عشرة مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة" (٥). قال الطبري: " يقول: إما أن تطعموهم أو تكسوهم. والخيار في ذلك إلى المكفِّر" (٦). قال الزجاج: " والكسوة أن يكسوهم نحو الإزار والعمامة أو ما أشبه ذلك، لأن به قوام الحياة وإلا فالإعتاق أو الكسوة أفضل" (٧). قال الواحدي: " وهو أقلُّ ما يقع عليه اسم الكسوة من إزارٍ ورداءٍ وقميصٍ" (٨). قال الزمخشري: " والكسوة: ثوب يغطى العورة" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ستة اقاويل: أحدها: كسوة ثوب واحد، قاله: ابن عباس (١٠)، والحسن (١١)، وأبو مالك (١٢)، ومجاهد (١٣)، وإبراهيم (١٤)، وطاووس (١٥)، وعطاء (١٦)، وأبو جعفر (١٧)، والشافعي (١٨). والثاني: كسوة ثوبين، قاله أبو موسى الأشعري (١٩)، وابن المسيب (٢٠)، والحسن (٢١)، والضحاك (٢٢)، وابن سيرين (٢٣). والثالث: كسوة ثوب جامع كالملحفة والكساء، قاله إبراهيم (٢٤). والرابع: كسوة إزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر (٢٥). والخامس: أنه يجزئ عمامة في كفارة اليمين. وهذا قول الحكم (٢٦)، والحسن –في إحدى الروايات- (٢٧). والسادس: أنه يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التُّبَّان (٢٨)، والمعنى: كسوة ما تجزىء فيه الصلاة، وهذا قول مجاهد (٢٩)، وبه قال بعض البصريين (٣٠). قال السمعاني: " والصحيح: أن الواجب لكل مسكين ما يصلح به الكسوة في العرف" (٣١). وقال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن، قولُ من قال: عنى بقوله: أو كسوتهم، ما وقع عليه اسم كسوة، مما يكون ثوبًا فصاعدًا لأن ما دون الثوب، لا خلافَ بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية، فكان ما دون قدر ذلك، خارجًا من أن يكون الله تعالى عناه، بالنقل المستفيض.، والثوبُ وما فوقه داخل في حكم الآية، إذ لم يأت من الله تعالى وحي، ولا من رسوله ﷺ خبر، ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها. وغير جائز إخراج ما كان ظاهرُ الآية محتملَه من حكم الآية، إلا بحجة يجب التسليم لها. ولا حجة بذلك" (٣٢). وقرئ: «كسوتهم»، بضم الكاف (٣٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " أو إعتاق مملوك من الرق" (٣٤). قال الطبري: يعني: " أو فكّ عبد من أسر العبودة وذلها" (٣٥). قال الواحدي: " يعني: مؤمنة، والمُكفِّر في اليمين مُخيَّر بين هذه الثَّلاث" (٣٦). قال السعدي: " أي: عتق رقبة مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع، فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه" (٣٧). قال الزجاج: " فخير الحالف أحد هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثرها نفعا، وأحسنها موقعا من المساكين، أو من المعتق، فإن كان الناس في جدب لا يقدرون على المأكول إلا بما هو أشد تكلفا من الكسوة أو الإعتاق، فالإطعام أفضل" (٣٨). وفي كلام العرب الفك: العتق، قال الفرزدق (٣٩): أَبنِي غُدَانَةَ، إِنَّنِي حَرَّرْتُكُمْ ... فَوَهَبْتُكُمْ لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعَالِ

стр. 3641

يعني بقوله: حرّرتكم، فككت رقابكم من ذلّ الهجاء ولزوم العار (١). وقيل: تحرير رقبة، والمحرَّر ذو الرقبة، لأن العربَ كان من شأنها إذا أسرت أسيرًا أن تجمع يديه إلى عنقه بقِدٍ أو حبل أو غير ذلك، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلَّتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة. فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير، بالخبر عن فك يديه عن رقبته، وهم يريدون الخبرَ عن إطلاقه من أسره، كما يقال: قبضَ فلان يده عن فلان، إذا أمسك يده عن نواله وبسط فيه لسانه، إذا قال فيه سوءًا فيضافُ الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله، لاستعمال الناس ذلك بينهم، وعلمهم بمعنى ذلك. فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره: ﴿أو تحرير رقبة﴾، أضيف التحرير إلى الرقبة، وإن لم يكن هناك غُلٌّ في رقبته ولا شدُّ يَدٍ إليها، وكان المراد بالتحرير نفسَ العبد، بما وصفنا، من جَرّاء استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه (٢). وإن قال قائل: "أفكلّ الرقاب معنيٌّ بذلك أو بعضه؟ قيل: بل معنيّ بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد، والعمَى والخرس، وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق، ونظائر ذلك. فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزئ في كفارة اليمين. فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية. فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر، فإنهم معنيون به" (٣). قال إبراهيم: "من كانت عليه رقبة واجبة، فاشترى نَسَمة، قال: إذا أنقذها من عمل أجزأته، ولا يجوز عتق من لا يعمل. فأما الذي يعمل، كالأعور ونحوه. وأما الذي لا يعمل فلا يجزئ، الأعمى والمقعد" (٤). وعن إبراهيم أيضا: "أنه كان لا يرى عتقَ المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات" (٥). عن الحسن قال: "كان يكره عتق المخَبَّل في شيء من الكفارات" (٦). وقال عطاء: " لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح" (٧). وعن عطاء أيضا: "يجزئ المولودُ في الإسلام من رقبة" (٨). وقال إبراهيم: ": ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة، فلا يجزئ إلا ما صام وصلى. وما كان ليس بمؤمنة، فالصبي يجزئ" (٩). وقال سليمان: " إذا ولد الصبي فهو نسمة، وإذا انقلبَ ظهرًا لبطن فهو رقبة، وإذا صلى فهو مؤمنة" (١٠). قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال، إن الله تعالى عمَّ بذكر الرقبة كل رقبة، فأيَّ رقبة حرّرها المكفر يمينَه في كفارته، فقد أدّى ما كُلِّف، إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى ذكره، لم يعنه بالتحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تحريرُه في الكفارة بظاهر التنزيل" (١١). وفي استحقاق أَثمانها قولان:

стр. 3642

أحدهما: أنه مستحق ولا تجزىء الكفارة، قاله الشافعي (١). والثاني: أنه غير مستحق، قاله أبو حنيفة (٢). عن مسروق، قال: "جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله فقال: إني آليتُ من النساء والفراش! فقرأ عبد الله هذه الآية: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٧]. قال فقال معقل: إنما سألتك أنْ أتيتُ على هذه الآية الليلة؟ فقال عبد الله: ائت النساء ونَمْ، وأعتق رقبة، فإنك موسر" (٣). قال الطبري: " ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما، فإنّ ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه به بالتكفير من الرقاب، لا على أنه كان لا يجزئ عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة، لأنه لم ينقل أحدٌ عن أحد منهم أنه قال: لا يجزئ الموسرَ التكفيرُ إلا بالرقبة. والجميعُ من علماء الأمصار، قديمهم وحديثهم، مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائزٌ للموسر" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام" (٥). قال الزجاج: " أي: من كان لا يقدر على شيء مما حذد في الكفارة، فعليه صيام ثلاثة أيام" (٦). قال الواحدي: " يعني: لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين ﴿ف﴾ عليه ﴿صيام ثلاثة أيام﴾ " (٧). قال الطبري: أي: "فمن لم يجد، لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرُها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفِّرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد ﷺ فصيام ثلاثة أيام، يقول: فعليه صيام ثلاثة أيام" (٨). قال الماوردي: " فجعل الله الصوم بدلاً من المال عند العجز عنه، وجعله مع اليسار مخيراً بين التكفير بالإِطعام، أو بالكسوة، أو بالعتق" (٩). واختلف فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقاويل: أحدها: إذا لم يجد قوته وقوت من يقوت صام، قاله الشافعي (١٠). والثاني: إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام، قاله سعيد بن جبير (١١)، وقتادة (١٢). والثالث: إذا لم يجد درهمين، قاله الحسن (١٣). والرابع: إذا لم يجد مائتي درهم صام، قاله أبو حنيفة (١٤). والخامس: إذا لم يجد فاضلاً عن رأس ماله الذي يتصرف فيه لمعاشه صام، وهذا قول بعض متاخري المتفقهة (١٥).

стр. 3643

قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا، أنّ من لم يكن عنده في حال حنثه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق. وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يوَمه وليلته، ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين، أو يعتق رقبة، فلا يجزيه حينئذ الصوم، لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذ من إطعام أو كسوة أو عتق، حق قد أوجبه الله تعالى ذكره في ماله وجوبَ الدين. وقد قامت الحجة بأن المفلس إذا فرّق ماله بين غرمائه: أنه لا يترك ذلك اليوم إلا ما لا بدَّ له من قوته وقوت عياله يوَمه وليلته. فكذلك حكم المعدم بالدين الذي أوجبه الله تعالى ذكره في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله" (١). وفي تتابع صيامه قولان: أحدهما: يلزمه، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وإبراهيم (٤)، وسفيان (٥)، وقتادة (٦)، وبه قال مالك (٧)، والأوزاعي (٨)، وهو احد قولي الشافعي (٩). قال أبو العالية، والربيع بن انس: "وكان أبي بن كعب يقرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» " (١٠). عن ابن عباس قال: "لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: "أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" (١١). قال ابن كثير: " وهذا حديث غريب جدًا" (١٢). وعن مجاهد وإبراهيم، وعامر، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، قالوا: " في قراءة عبد الله: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» (١٣). قال ابن كثير: " وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترًا، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا، أو تفسيرًا من الصحابي، وهو في حكم المرفوع" (١٤). والثاني: إن صامها متفرقة جاز، قاله مالك (١٥)، والشافعي في أحد قوليه (١٦). قال السمعاني: " ظاهرة: أنه يجوز متفرقا، وهو الأصح" (١٧). والصواب –والله أعلم- أن يقال: "إن الله تعالى ذكره أوجب على من لزمته كفّارة يمين، إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلا أن يكفرّها بصيام ثلاثة أيام، ولم

стр. 3644

يشرطْ في ذلك متتابعة. فكيفما صامهنَّ المكفِّر مفرَّقة ومتتابعة، أجزأه. لأن الله تعالى ذكره إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام، فكيفما أتَى بصومهنّ أجزأ" (١). قال الطبري: " فأما ما روى عن أبيّ وابن مسعود من قراءتهما: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فذلك خلاف ما في مصاحفنا. وغير جائز لنا أن نشهد لشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله، غيرَ أني أختار للصائم في كفَّارة اليمين أن يُتَابع بين الأيام الثلاثة، ولا يفرِّق. لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفارته، وهم في غير ذلك مختلفون. ففعل ما لا يُخْتَلف في جوازه، أحبُّ إليَّ، وإن كان الآخر جائزًا" (٢). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم" (٣). قال السعدي: أي: "تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم" (٤). قال الطبري: أي: " هذا الذي ذكرت لكم أنه كفارة أيمانكم، من إطعام العشرة المساكين، أو كسوتهم، أو تحرير الرقبة، وصيام الثلاثة الأيام إذا لم تجدوا من ذلك شيئًا هو كفارة أيمانكم التي عقدتموها إذا حلفتم " (٥). قال الزجاج: " أي: ذلك الذي يغطي على آثامكم، يقال كفرت الشيء إذا غطيته، ومنه قوله : ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، والكفار الذين يغطون الزرع ويصلحونه، والكافر إنما سمي كافرا، لأنه ستر بكفره الإيمان" (٦). قال الماوردي: " فإن قيل: فلِمَ لَمْ يذكر مع الكفارة التوبة؟ قيل: لأنه ليس كل يمين حنث فيها كانت مأثماً توجب التوبة، فإن اقترن بها المأثم لزمت التوبة بالندم، وترك العزم على المعاودة" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تفوا بها" (٨). قال سعيد بن جبير: " يعني: لا تتعمدوا الأيمان الكاذبة" (٩). قال الواحدي: يعني: "فلا تحلفوا واحفظوها عن الحنث" (١٠). قال الطبري: أي: " واحفظوا، أيها الذين آمنوا أيمانكم أن تحنثوا فيها، ثم تُضِيعُوا الكفارة فيها بما وصفته لكم" (١١). قال السعدي: أي: " عن الحلف بالله كاذبا، وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير" (١٢). قال الزمخشري: أي: " فبروا فيها ولا تحنثوا، أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية، لأن الأيمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله. وقيل: احفظوها بأن تكفروها. وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاونا بها " (١٣).

стр. 3645

قال السمعاني: " ظاهره للنهي عن الحنث، وقيل: أراد به حفظ اليمين لا أن يحلف، والأول أصح" (١). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه" (٢). قال سعيد بن جبير: "يعني: ما ذكر من الكفارة" (٣). قال ابن كثير: " أي: يوضحها وينشرها" (٤). قال الطبري: أي: " كذلك يبين الله لكم جميع آياته، يعني: أعلام دينه فيوضِّحها لكم لئلا يقول المضيع المفرِّط فيما ألزمه الله: لم أعلم حكم الله في ذلك! " (٥). قال الزمخشري: أي: " مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته أعلام شريعته وأحكامه" (٦). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم" (٧). قال الطبري: أي: " لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم" (٨). قال الزمخشري: أي: "لعلكم تشكرون نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه" (٩). قال السعدي: "حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فعلى العباد شكر الله تعالى على ما من به عليهم، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " ﴿لعلكم تشكرون﴾، أي: فاتقون فإنه شكر نعمتي" (١١). قال سعيد بن جبير: قوله: " ﴿لعلكم﴾، يعني: لكي" (١٢). الفوائد: ١ - حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه. ٢ - بيان كفارة اليمين بالتفصيل. ٣ - كراهة الإكثار من الحلف. وحرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقاً. ٤ - استحباب حنث من حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، وتكفيره على ذلك أما إذا حلف أن يترك واجباً أو يأتي محرماً فإن حنثه واجب وعيه الكفارة. ٥ - الأيمان ثلاثة: لغو: يمين لا كفارة لها إذ لا إثم فيها، الغموس: وهي أن يحلف متعمداً الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة، اليمين المكفَّرة: وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها. وذكر أهل العلم أن اليمين على ثلاثة أوجه: أحدها: اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله. وحكمها: وجوب الكفارة فيها عند الحنث. قال ابن قدامة ﵀: " ومن حلف أن يفعل شيئا , فلم يفعله , أو لا يفعل شيئا , ففعله , فعليه الكفارة " لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار، قال ابن عبد البر: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين , هي التي على المستقبل من الأفعال" (١٣).
следующие страницы →