← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

يعني بقوله: حرّرتكم، فككت رقابكم من ذلّ الهجاء ولزوم العار (١). وقيل: تحرير رقبة، والمحرَّر ذو الرقبة، لأن العربَ كان من شأنها إذا أسرت أسيرًا أن تجمع يديه إلى عنقه بقِدٍ أو حبل أو غير ذلك، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلَّتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة. فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير، بالخبر عن فك يديه عن رقبته، وهم يريدون الخبرَ عن إطلاقه من أسره، كما يقال: قبضَ فلان يده عن فلان، إذا أمسك يده عن نواله وبسط فيه لسانه، إذا قال فيه سوءًا فيضافُ الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله، لاستعمال الناس ذلك بينهم، وعلمهم بمعنى ذلك. فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره: ﴿أو تحرير رقبة﴾، أضيف التحرير إلى الرقبة، وإن لم يكن هناك غُلٌّ في رقبته ولا شدُّ يَدٍ إليها، وكان المراد بالتحرير نفسَ العبد، بما وصفنا، من جَرّاء استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه (٢). وإن قال قائل: "أفكلّ الرقاب معنيٌّ بذلك أو بعضه؟ قيل: بل معنيّ بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد، والعمَى والخرس، وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق، ونظائر ذلك. فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزئ في كفارة اليمين. فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية. فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر، فإنهم معنيون به" (٣). قال إبراهيم: "من كانت عليه رقبة واجبة، فاشترى نَسَمة، قال: إذا أنقذها من عمل أجزأته، ولا يجوز عتق من لا يعمل. فأما الذي يعمل، كالأعور ونحوه. وأما الذي لا يعمل فلا يجزئ، الأعمى والمقعد" (٤). وعن إبراهيم أيضا: "أنه كان لا يرى عتقَ المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات" (٥). عن الحسن قال: "كان يكره عتق المخَبَّل في شيء من الكفارات" (٦). وقال عطاء: " لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح" (٧). وعن عطاء أيضا: "يجزئ المولودُ في الإسلام من رقبة" (٨). وقال إبراهيم: ": ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة، فلا يجزئ إلا ما صام وصلى. وما كان ليس بمؤمنة، فالصبي يجزئ" (٩). وقال سليمان: " إذا ولد الصبي فهو نسمة، وإذا انقلبَ ظهرًا لبطن فهو رقبة، وإذا صلى فهو مؤمنة" (١٠). قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال، إن الله تعالى عمَّ بذكر الرقبة كل رقبة، فأيَّ رقبة حرّرها المكفر يمينَه في كفارته، فقد أدّى ما كُلِّف، إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى ذكره، لم يعنه بالتحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تحريرُه في الكفارة بظاهر التنزيل" (١١). وفي استحقاق أَثمانها قولان:

стр. 3642

أحدهما: أنه مستحق ولا تجزىء الكفارة، قاله الشافعي (١). والثاني: أنه غير مستحق، قاله أبو حنيفة (٢). عن مسروق، قال: "جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله فقال: إني آليتُ من النساء والفراش! فقرأ عبد الله هذه الآية: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٧]. قال فقال معقل: إنما سألتك أنْ أتيتُ على هذه الآية الليلة؟ فقال عبد الله: ائت النساء ونَمْ، وأعتق رقبة، فإنك موسر" (٣). قال الطبري: " ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما، فإنّ ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه به بالتكفير من الرقاب، لا على أنه كان لا يجزئ عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة، لأنه لم ينقل أحدٌ عن أحد منهم أنه قال: لا يجزئ الموسرَ التكفيرُ إلا بالرقبة. والجميعُ من علماء الأمصار، قديمهم وحديثهم، مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائزٌ للموسر" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام" (٥). قال الزجاج: " أي: من كان لا يقدر على شيء مما حذد في الكفارة، فعليه صيام ثلاثة أيام" (٦). قال الواحدي: " يعني: لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين ﴿ف﴾ عليه ﴿صيام ثلاثة أيام﴾ " (٧). قال الطبري: أي: "فمن لم يجد، لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرُها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفِّرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد ﷺ فصيام ثلاثة أيام، يقول: فعليه صيام ثلاثة أيام" (٨). قال الماوردي: " فجعل الله الصوم بدلاً من المال عند العجز عنه، وجعله مع اليسار مخيراً بين التكفير بالإِطعام، أو بالكسوة، أو بالعتق" (٩). واختلف فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقاويل: أحدها: إذا لم يجد قوته وقوت من يقوت صام، قاله الشافعي (١٠). والثاني: إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام، قاله سعيد بن جبير (١١)، وقتادة (١٢). والثالث: إذا لم يجد درهمين، قاله الحسن (١٣). والرابع: إذا لم يجد مائتي درهم صام، قاله أبو حنيفة (١٤). والخامس: إذا لم يجد فاضلاً عن رأس ماله الذي يتصرف فيه لمعاشه صام، وهذا قول بعض متاخري المتفقهة (١٥).

стр. 3643

قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا، أنّ من لم يكن عنده في حال حنثه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق. وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يوَمه وليلته، ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين، أو يعتق رقبة، فلا يجزيه حينئذ الصوم، لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذ من إطعام أو كسوة أو عتق، حق قد أوجبه الله تعالى ذكره في ماله وجوبَ الدين. وقد قامت الحجة بأن المفلس إذا فرّق ماله بين غرمائه: أنه لا يترك ذلك اليوم إلا ما لا بدَّ له من قوته وقوت عياله يوَمه وليلته. فكذلك حكم المعدم بالدين الذي أوجبه الله تعالى ذكره في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله" (١). وفي تتابع صيامه قولان: أحدهما: يلزمه، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وإبراهيم (٤)، وسفيان (٥)، وقتادة (٦)، وبه قال مالك (٧)، والأوزاعي (٨)، وهو احد قولي الشافعي (٩). قال أبو العالية، والربيع بن انس: "وكان أبي بن كعب يقرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» " (١٠). عن ابن عباس قال: "لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: "أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" (١١). قال ابن كثير: " وهذا حديث غريب جدًا" (١٢). وعن مجاهد وإبراهيم، وعامر، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، قالوا: " في قراءة عبد الله: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» (١٣). قال ابن كثير: " وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترًا، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا، أو تفسيرًا من الصحابي، وهو في حكم المرفوع" (١٤). والثاني: إن صامها متفرقة جاز، قاله مالك (١٥)، والشافعي في أحد قوليه (١٦). قال السمعاني: " ظاهرة: أنه يجوز متفرقا، وهو الأصح" (١٧). والصواب –والله أعلم- أن يقال: "إن الله تعالى ذكره أوجب على من لزمته كفّارة يمين، إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلا أن يكفرّها بصيام ثلاثة أيام، ولم

стр. 3644

يشرطْ في ذلك متتابعة. فكيفما صامهنَّ المكفِّر مفرَّقة ومتتابعة، أجزأه. لأن الله تعالى ذكره إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام، فكيفما أتَى بصومهنّ أجزأ" (١). قال الطبري: " فأما ما روى عن أبيّ وابن مسعود من قراءتهما: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فذلك خلاف ما في مصاحفنا. وغير جائز لنا أن نشهد لشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله، غيرَ أني أختار للصائم في كفَّارة اليمين أن يُتَابع بين الأيام الثلاثة، ولا يفرِّق. لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفارته، وهم في غير ذلك مختلفون. ففعل ما لا يُخْتَلف في جوازه، أحبُّ إليَّ، وإن كان الآخر جائزًا" (٢). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم" (٣). قال السعدي: أي: "تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم" (٤). قال الطبري: أي: " هذا الذي ذكرت لكم أنه كفارة أيمانكم، من إطعام العشرة المساكين، أو كسوتهم، أو تحرير الرقبة، وصيام الثلاثة الأيام إذا لم تجدوا من ذلك شيئًا هو كفارة أيمانكم التي عقدتموها إذا حلفتم " (٥). قال الزجاج: " أي: ذلك الذي يغطي على آثامكم، يقال كفرت الشيء إذا غطيته، ومنه قوله : ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، والكفار الذين يغطون الزرع ويصلحونه، والكافر إنما سمي كافرا، لأنه ستر بكفره الإيمان" (٦). قال الماوردي: " فإن قيل: فلِمَ لَمْ يذكر مع الكفارة التوبة؟ قيل: لأنه ليس كل يمين حنث فيها كانت مأثماً توجب التوبة، فإن اقترن بها المأثم لزمت التوبة بالندم، وترك العزم على المعاودة" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تفوا بها" (٨). قال سعيد بن جبير: " يعني: لا تتعمدوا الأيمان الكاذبة" (٩). قال الواحدي: يعني: "فلا تحلفوا واحفظوها عن الحنث" (١٠). قال الطبري: أي: " واحفظوا، أيها الذين آمنوا أيمانكم أن تحنثوا فيها، ثم تُضِيعُوا الكفارة فيها بما وصفته لكم" (١١). قال السعدي: أي: " عن الحلف بالله كاذبا، وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير" (١٢). قال الزمخشري: أي: " فبروا فيها ولا تحنثوا، أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية، لأن الأيمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله. وقيل: احفظوها بأن تكفروها. وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاونا بها " (١٣).

стр. 3645

قال السمعاني: " ظاهره للنهي عن الحنث، وقيل: أراد به حفظ اليمين لا أن يحلف، والأول أصح" (١). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه" (٢). قال سعيد بن جبير: "يعني: ما ذكر من الكفارة" (٣). قال ابن كثير: " أي: يوضحها وينشرها" (٤). قال الطبري: أي: " كذلك يبين الله لكم جميع آياته، يعني: أعلام دينه فيوضِّحها لكم لئلا يقول المضيع المفرِّط فيما ألزمه الله: لم أعلم حكم الله في ذلك! " (٥). قال الزمخشري: أي: " مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته أعلام شريعته وأحكامه" (٦). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: " لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم" (٧). قال الطبري: أي: " لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم" (٨). قال الزمخشري: أي: "لعلكم تشكرون نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه" (٩). قال السعدي: "حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فعلى العباد شكر الله تعالى على ما من به عليهم، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " ﴿لعلكم تشكرون﴾، أي: فاتقون فإنه شكر نعمتي" (١١). قال سعيد بن جبير: قوله: " ﴿لعلكم﴾، يعني: لكي" (١٢). الفوائد: ١ - حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه. ٢ - بيان كفارة اليمين بالتفصيل. ٣ - كراهة الإكثار من الحلف. وحرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقاً. ٤ - استحباب حنث من حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، وتكفيره على ذلك أما إذا حلف أن يترك واجباً أو يأتي محرماً فإن حنثه واجب وعيه الكفارة. ٥ - الأيمان ثلاثة: لغو: يمين لا كفارة لها إذ لا إثم فيها، الغموس: وهي أن يحلف متعمداً الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة، اليمين المكفَّرة: وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها. وذكر أهل العلم أن اليمين على ثلاثة أوجه: أحدها: اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله. وحكمها: وجوب الكفارة فيها عند الحنث. قال ابن قدامة ﵀: " ومن حلف أن يفعل شيئا , فلم يفعله , أو لا يفعل شيئا , ففعله , فعليه الكفارة " لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار، قال ابن عبد البر: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين , هي التي على المستقبل من الأفعال" (١٣).

стр. 3646

الثاني: اليمين اللغو: وهي الحلف من غير قصد اليمين، وهذه لا كفارة فيها؛ لقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. قالت عائشة ﵂: أنزلت هذه الآية ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، في قول الرجل لا والله وبلى والله" (١). قال ابن قدامة ﵀: "قال الخرقي: «ومن حلف على شيء يظنه كما حلف , فلم يكن , فلا كفارة عليه ; لأنه من لغو اليمين»، أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها. قاله ابن المنذر. يروى هذا عن ابن عباس , وأبي هريرة , وأبي مالك , وزرارة بن أوفى , والحسن , والنخعي , ومالك , وأبي حنيفة , والثوري، وممن قال: هذا لغو اليمين. مجاهد , وسليمان بن يسار , والأوزاعي , والثوري , وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه. وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا، لقول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾. وهذه منه , ولأنه غير مقصود للمخالفة , فأشبه ما لو حنث ناسيا" (٢). الثالث: أن يحلف على شيء ماض وهو كاذب وهي من كبائر الذنوب، ولا كفارة فيها عند جمهور العلماء؛ لأنها أعظم من أن تكفّر. إذا عُلم هذا، فما حلفته من الأيمان المنعقدة، وحنثت فيه، فيلزمك فيه الكفارة، وإذا نسيت عدد هذه الأيمان، فاجتهد وأخرج من الكفارات ما يغلب على ظنك أنك تبرأ به. وما كان من هذه الأيمان معقودا على فعلٍ واحد، أو ترك شيءٍ واحد، ففيها كفارة واحدة، وذلك مثل أن تحلف ألا تكلم فلانا، فتحنث، ولا تكفّر، ثم تعود فتحلف ألا تكلمه، وتحنث، فلا يلزمك إلا كفارة واحدة. بخلاف ما لو حلفت ألا تكلمه، ثم حلفت أن لا تأكل طعامه مثلا، فيلزمك حينئذ كفارتان. فيمكن القول: بأن الأيمان التي حلفتها على شيء تفعله أو لا تفعله في المستقبل وحنثت فيها يجب عليك فيها الكفارة، والأيمان التي حلفتها على شيء في الماضي أنك فعلته أو لم تفعله وأنت كاذب في ذلك لا كفارة عليها، وعليك التوبة إلى الله، والله تعالى يتوب على من تاب. ٦ - تمامُ عدلِ الله في إيجابِ الأوسَطِ؛ لِقَوْلِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فالواجب على الإنسانِ هو الوَسَط؛ فالزكاةُ مثلًا على صاحِب الغَنَم الواجبُ الوَسَط، والزكاة في الثِّمار الواجبُ الوَسَطُ، فإنَّه لو أوْجَب الأكملَ والأعلى، لكان في هذا ضرَرٌ على المعطِي، ولو أوجَبَ الأدْنى لكان فيه ضررٌ على المُعطَى، أي: المدفوع إليه، فالوسطُ ليس فيه حَيفٌ لا على مَن يجِبُ عليه، ولا عَلى مَن يجبُ له، وهذا لا شكَّ أنَّه من العدالةِ. ٧ - وجوبُ الإنفاقِ على الأهلِ؛ لِقَوْلِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، يعني: كأنَّ هذا أمرٌ مُقرَّر؛ أنَّ الرجل يُطعِم أهلَه، وهذا لا شكَّ فيه؛ أنَّه يجب على الرجلِ أن يُنفقَ على أهلِه؛ قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. ٨ - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، أنَّ الكِسْوةَ مُطلقةٌ، فما سُمِّي كِسْوةً حصَل به الإجزاءُ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأحوالِ والأزمانِ والأماكنِ والأُمم. ٩ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فيه دقيقةٌ، وهي التنبيهُ على أنَّ تقديمَ الكفَّارةِ قبلَ اليمينِ لا يجوزُ، وأمَّا بعدَ اليمينِ وقبل الحِنث فإنَّه يجوزُ. ١٠ - أنَّ تقديرَ العباداتِ كمِّيةً ونوعًا وكيفيَّةً موكولٌ إلى الشَّرْعِ؛ لِقَوْلِه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ ولذلك لا يَتقابَلُ أو لا يَتساوى إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ مع صِيام ثلاثةِ أيَّام، فكفَّارة الظِّهارِ الواجبُ فيها صيامُ شَهرينِ متتابعينِ، فإنْ لم يجد فإطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، فجاءَ إطعامُ كلِّ فقيرٍ يُقابل صيامَ يومٍ، لكن هنا يختلفُ الوضع، ولعلَّ السبب- والله أعلمُ - أنَّه في كَفَّارة الظِّهار الإطعامُ بدلٌ عن

стр. 3647

الصيامِ، فمن لم يستطعِ الصيامَ أطعَمَ، وإذا كان بدلًا عن الصِّيام، فالحُكم أنَّ صومَ كلِّ يوم يُطعِمُ عنه مِسكينًا، كما في العاجِزِ عن الصِّيام عجزًا لا يُرجَى زَوالُه، فإنَّه يُطعِمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، أمَّا في كفَّارةِ اليمينِ وفِديةِ الأذى، فليس الأمرُ كذلك؛ لأنَّ الأمرَ فيهما على التخييرِ، فكلٌّ من خِصال الكفَّارة نوع ٌمستقلٌّ بنفْسِه. ١١ - أنَّ الله بَيَّنَ لعبادِه من آياته كلَّ ما يحتاجون إليه؛ لِقَوْلِه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. ١٢ - وممَّا يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، محبَّةُ الله تعالى للشُّكرِ؛ حيث بَيَّنَ الآياتِ لعِبادِه من أجْل أنْ يَشكُروه. ١٢ - تعليل أحكامِ اللهِ ، وأنَّها مقرونةٌ بالحِكمة؛ لأنَّ قَوْلَه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ للتعليلِ، والتعليلُ يُفيد الحِكمةَ؛ فجميعُ أفعالِ اللهِ وأحكامِ اللهِ كلُّها لحِكمةٍ، لكنْ منها ما يُعلَم، ومنها ما لا يُعلَم. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل، والميسر: وهو القمار، وذلك يشمل المراهنات ونحوها، مما فيه عوض من الجانبين، وصدٌّ عن ذكر الله، والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه، والأزلام: وهي القِداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الشيء، أو الإحجام عنه، إن ذلك كله إثمٌ مِن تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه الآثام، لعلكم تفوزون بالجنة. في سبب النزول الآيات (٩٠ - ٩٣)، أقوال: أحدها: عن سعد بن أبي وقاص: "أنه نزلت فيه آيات من القرآن؛ قال: حَلَفَت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زَعَمْت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجَهْد، فقام ابن لها يقال له: عُمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد؛ فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨]، وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به الرسول ﷺ ، فقلت: نفلني هذا السيف؛ فأنا من قد علمت حاله، فقال: "رده من حيث أخذته"، فانطلقت، حتى إذا أردت أن ألقيه في القَبَض لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته: "رده من حيث أخذته"، قال: فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال: فأبى، قلت: فالنصف؟ قال: فأبى، قلت: فالثلث؟ قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزاً، قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش -والحش: البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزقّ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيى الرأس فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته؛ فأنزل الله فيّ -يعني: نفسه- شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ " (١). [صحيح]

стр. 3648

وفي السياق نفسه قال سالم بن عبد الله: "إن أول ما حرمت الخمر أن سعد بن أبي وقاص وأصحاباً له شربوا؛ فاقتتلوا، فكسروا أنف سعد؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ " (١). [ضعيف] والثاني: قال عبد الله بن عباس ﵄: "نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا ثملوا عبث بَعضُهُم ببعض، فلما صَحَوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته، فيقول: قد فعل بي هذا أخي، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما فعل بي هذا، فوقعت في قلوبهم الضغائن؛ فأنزل الله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾؛ فقال ناس: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أُحد؛ فأنزل الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ " (٢). [حسن] الثالث: أحدها: قال أبو هريرة: " حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما؛ فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال: فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته؛ فأنزل الله فيها آية أغلظ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق؛ ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾؛ فقالوا: انتهينا ربنا. فقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً ومن عمل الشيطان؛ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا

стр. 3649

طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ﴾ إلى آخر الآية، فقال النبي ﷺ : "لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم" (١). [ضعيف] الرابع: قال ابن عمر: "نزل في الخمر ثلاث آيات؛ فأول شيء نزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله! دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله! لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، فقال رسول الله ﷺ : "حرمت الخمر"، قال: وقدمت لرجل راوية من الشام -أو رواياً- فقام النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ولا أعلم عثمان إلا معهم، فانتهوا إلى الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "خل عنا نشقها"، فقال: يا رسول الله! أفلا نبيعها؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لعن الخمر، ولعن غارسها، ولعن شاربها, ولعن عاصرها, ولعن موكلها, ولعن مديرها, ولعن ساقيها, ولعن حاملها, ولعن آكل ثمنها, ولعن بائعها" (٢). [منكر] الخامس: عن جابر بن عبد الله: "اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي ﷺ ثم قتلوا شهداء يوم أُحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم؛ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ " (٣). [صحيح]

стр. 3650

السادس: عن البراء بن عازب؛ قال: "مات ناس من أصحاب النبي ﷺ وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها؛ قال ناس من أصحاب النبي ﷺ : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ " (١). [صحح لغيره] السادس: قال عبد الله بن مسعود: "لما نزل تحريم الخمر، قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟ فأنزل الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ قال رسول الله ﷺ : "فقيل لي: إنك منهم" (٢). [ضعيف] ةفي السياق نفسه قال مجاهد: "نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ فيمن قتل ببدر وأحد مع محمد ﷺ –" (٣). [ضعيف] قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٤). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٥). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله" (٦).

стр. 3651

قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: " إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل" (٢). و«الخمر»: " كل ما أسكر على وجه اللذة، والطرب" (٣). قال الطبري: و" ﴿الخمر﴾ كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه" (٤). قال الشوكاني: " وسمي خمرا لأنه يخمر العقل أي يغطيه ويستره" (٥). قال الصابوني: " ﴿الخمر﴾ المسكر من الأشربة سميت خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه، وقولهم: خمرت الغناء أي غطيته" (٦). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: "قام عمر على. فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: الا وان الخمر نزل تحريمها يوم نزل، من خمس: من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير والخمر: ما خامر العقل، ثلاثا" (٧). وقال سعيد بن المسيب: "إنما سميت الخمر، لأنها صفا صفوها وسفل كدرها" (٨). وقد ذكر ابن القيم: بأن "في تسمية الخمر خمرا، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه. والثاني: لأنها تخمر العقل أي تستره. والثالث: لأنها تخمر أي تغطي. ذكر هذه الاقوال محمد بن القاسم " (٩). قوله تعالى: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: " والميسر: وهو القمار" (١٠). و﴿الْمَيْسِرُ﴾: من قولهم: يسَرَ لي هذا الأمر، إذا وجب لي، فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا، و «الياسر» الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر، : ياسرٌ ويَسَر، كما قال الشاعر (١١): فَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ... يُقَلِّبُ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ، القِدَاحَا وكما قال النابغة (١٢): أَوْ يَاسِرٌ ذَهَبَ القِدَاح بوَفْرِهِ ... أَسِفٌ تآكَلَهُ الصِّدِيقُ مُخَلَّعُ (١٣). يعني: بالـ «ياسر»: المقامر.

стр. 3652

وقيل للقمار: «ميسر»؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم (١). قال الراغب: «الميسر»: آلة اليسر، أي الضرب بالقداح ويقال للضارب به ياسر، وسمي الجاذر، وذلك الجذور ياسراً تشبيهاً به، وأصله من اليسر، وهو ضد العسر، وسمي الغنى يسراً، وسمي ذلك يسراً لاعتقادهم أنه غني للفقراء" (٢). قال القرطبي: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾: "قمار العرب بالأزلام" (٣) قال الصابوني: " ﴿الميسر﴾: القمار وأصله من اليسر لأنه كسب من غير كد ولا تعب، وقيل من اليسار، لأنه سبب الغنى" (٤). وقد تعددت أقوال أهل التفسير في معنى: ﴿الْمَيْسِرُ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجوه: أحدها: أنه القمار. قاله ابن عمر (٥)، ومجاهد (٦)، وروي عن عبد الله بن مسعود (٧)، وابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والحسن (١٠)، وعطاء (١١)، وطاوس (١٢)، ومحمد بن سيرين (١٣)، وقتادة (١٤)، والضحاك (١٥)، وكحول (١٦)، والسدي (١٧)، ومقاتل (١٨). والثاني: أنه الشطرنج. قاله علي (١٩). الثالث: أنه بيع اللحم بالشاة والشاتين (٢٠). الرابع: أن كل ما لهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو ميسر. وهذا قول القاسم بن محمد (٢١). الخامس: أنه الضرب بالقداح على الأموال والثمار. قاله الأعرج (٢٢). السادس: أنه الضرب بالكعاب (٢٣). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن يزيد بن شريح، ان النبي- ﷺ ، قال: "ثلاث من الميسر: الصغير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب" (٢٤). قال القرطبي: "وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء" (٢٥).

стр. 3653

قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: " والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه" (١). قوله تعالى: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: " والأزلام: وهي القِداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الشيء، أو الإحجام عنه" (٢). قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: " إن ذلك كله إثمٌ مِن تزيين الشيطان" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: إنما يعني ما ذكر من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام" (٤)، " إثم" (٥)، " من عمل الشيطان يعني من تزيين الشيطان" (٦). قال ابن عباس: " يقول: سَخَطٌ" (٧). قال ابن زيد: " الرجس، الشرُّ" (٨). قال الزجاج: " الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، فبالغ الله في ذم هذه الأشياء، وسماها رجسا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم، يقال رجس الرجل يرجس، ورجس يرجس، إذا عمل عملا قبيحا، والرجس بفتح الراء شدة الصوت، فكان الرجس العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح، ويقال: سحاب ورعد رجاس، إذا كان شديد الصوت. قال الشاعر (٩): وكل رجاس يسوق الرجسا وأما الرجز، بالزاي فالعذاب، أو العمل الذي يؤدي إلى العذاب" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: " فابتعدوا عن هذه الآثام" (١١). قال ابن كثير: " الضمير عائد على الرجس، أي اتركوه" (١٢). قال الواحدي: " أي: كونوا جانبًا منه، والهاء عائدة على الرجس، والرجس واقع على الخمر وما ذكر بعدها، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظًا وإبلاغًا في النهي عن شربها , ولذلك قال رسول الله ﷺ : "مدمن الخمر كعابد الوثن" (١٣) " (١٤). قال ابن عمر: " ثم نزلت يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فقال رسول الله ﷺ حرمت الخمر" (١٥).

стр. 3654

قال سعيد بن جبير: " فهذا تحريمهن كما قال الله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَان﴾ (١)، يعني: عبادة الأصنام فحرم الخمر كما حرم عبادة الأصنام" (٢). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: "لعلكم تفوزون بالجنة" (٣). قال سعيد بن جبير: "يعني: لكي تفلحون" (٤). قال محمد بن كعب القرظي: " يقول: لعلكم غدا إذا لقيتموني" (٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: لعلكم أن تنجوا مما حذركم الله به من عذابه وتدركون ما وعدكم فيه من ثوابه" (٦). قال ابن كثير: " وهذا ترغيب " (٧). الفوائد: ١ - بَدْؤُه تعالى الكلامَ بهذا الوَصْفِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو﴾، ايدلُّ على أنَّ العملَ به تَصديقًا أو امتثالًا من مقتضياتِ الإيمانِ، كذلك أيضًا: يدلُّ على أنَّ مخالفتَه، أو الشكَّ فيه، أو تكذيبَه منافٍ للإيمانِ؛ إمَّا لأصلِه أو لكمالِه، وثالثًا: أنَّ في هذا إغراءً للمخاطَب، كأنَّه يقول: إنْ كنتَ مؤمنًا فاستمعْ وامتثِلْ. ٢ - يَكفي أنْ يعلمَ المؤمنُ أنَّ شيئًا ما مِن عملِ الشَّيطانِ؛ لينْفِرَ منه حسُّه، وتَشمئزَّ منه نفْسُه، ويَبعُدَ عنه من خوفٍ ويتَّقيَه! فالشيطانُ عدوُّ الإنسانِ القديمُ؛ لذا قال تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فتَعاطي هذه المحرَّماتِ بتسويلٍ من الشيطان، فكأنَّ الذي عمِلَها وتعاطاها هو الشَّيطانُ، وفي ذلِك تنفيرٌ لمتعاطيها بأنَّه مَن عَمِلَ عَمَلَ الشيطانِ، فهو شيطانٌ، وذلك ممَّا تأباه النُّفوسُ، ولم يكتفِ بذلك ذمًّا لهذا العَمَل، بل وفي هذه اللَّحظة يَصدُر النَّهيُ مصحوبًا كذلك بالإطماعِ في الفَلاح، وهي لمسةٌ أخرى من لمساتِ الإيحاءِ النفسيِّ العميقِ، فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ٣ - قَوْلُه تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فيه بيانُ أنَّه لا مَعصيةَ أعظمُ وأقبحُ من معصيةٍ تُدنِّس صاحبَها، وتجعلُه من أهل الخُبثِ، وتُوقِعُه في أعمالِ الشَّيطانِ وشِباكه، فينقادُ له كما تنقادُ البهيمةُ الذليلةُ لراعيها، وتَحولُ بين العبدِ وبين فلاحِه، وتُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ بين المؤمنين، وتصدُّ عن ذِكر اللهِ وعن الصَّلاة؟ فهل فوقَ هذه المفاسدِ شيءٌ أكبرُ منها؟ ! ٤ - رحمةُ اللهِ ﵎ بعِبادِه الَّذين خَلَقَهم لعِبادتِه؛ حيثُ حذَّرهم مِن كلِّ ما فيه ضَررٌ؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

стр. 3655

القرآن ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١] التفسير: إنما يريد الشيطان بتزيين الآثام لكم أن يُلقِي بينكم ما يوجد العداوة والبغضاء، بسبب شرب الخمر ولعب الميسر، ويصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة بغياب العقل في شرب الخمر، والاشتغال باللهو في لعب الميسر، فانتهوا عن ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: " إنما يريد الشيطان بتزيين الآثام لكم أن يُلقِي بينكم ما يوجد العداوة والبغضاء، بسبب شرب الخمر ولعب الميسر" (١). قال القرطبي: "وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء" (٢). قال الطبري: أي: " إنما يُريد لكم الشيطانُ شربَ الخمر والمياسرةَ بالقِدَاح، ويحسِّن ذلك لكم، إرادةً منه أن يوقع بينكم العَداوَة والبغضاءَ في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح، ليعادي بعضكم بعضًا، ويبغِّض بعضَكم إلى بعض، فيشتِّت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوّة الإسلام" (٣). قال الواحدي: " وذلك لما يحصل بين أهلها من العداوة والمقابح والإِقدام على ما يمنع منه العقل" (٤). قال السمعاني: " أما وقوع العداوة في الخمر: أن شاربيه إذا سكروا عربدوا، وتشاجروا" (٥). قال سعيد بن جبير: " يعني: حين شج الأنصاري رأس سعد بن أبي وقاص" (٦).

стр. 3656

قال سعد: "صنع لنا رجل من الأنصار طعاما فأكلناه وشربنا الخمر وذلك قبل أن تحرم الخمر، فأنشبنا نتفاخر فأنتشينا فتفاخرنا، فقلنا: نحن أفضل منكم وقالت الأنصار: نحن أفضل منكم فأخذ رجل من الأنصار لحى فضرب به أنف سعد فشجه. فنزلت: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية" (١). وأما العداوة في الميسر، قال قتادة: " ان الرجل في الجاهلية يقامِر على أهله وماله، فيقعد حَرِيبًا سليبًا ينظر إلى ماله في يَدَي غيره، فكانت تُورِث بينهم عداوة وبغضاءَ، فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه. والله أعلم بالذي يصلح خلقه" (٢). وقال ابن عباس: " نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شرِبوا، حتى إذا ثملوا، عبث بعضهم على بعض، فلما أن صَحوْا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان! وكانوا إخوة، ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا! حتى وقعت في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾! " (٣). قال الجصاص: " فأخبر الله تعالى أنه إنما نهى عن هذه الأمور لنفي الاختلاف والعداوة ولما في ارتكابها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة فمن تأدب بأدب الله وانتهى إلى أوامره وانزجر بزواجره حاز صلاح الدين والدنيا" (٤).

стр. 3657

قال ابن عطية: " أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزينا فقيرا فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك قال النبي ﷺ : «ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» (١)، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، والبغضاء تنقض عرى الدين وتهدم عماد الحماية" (٢). قال السعدي: " أخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها، فمنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بثها، خصوصا الخمر والميسر، ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء، فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل، وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء" (٣).

стр. 3658

قال المراغي: " أما كون الخمر سببا لوقوع العداوة والبغضاء بين الناس حتى الأصدقاء منهم، فلأن شارب الخمر يسكر فيفقد العقل الذي يمنع من الأقوال والأعمال القبيحة التي تسوء الناس، كما يستولى عليه حب الفخر الكاذب، ويسرع إليه الغضب بالباطل، وكثيرا ما يجتمع الشرب على مائدة الشراب فيثير السكر كثيرا من ألوان البغضاء بينهم، وقد ينشأ القتل والضرب والسلب والفسق والفجور وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وخيانة الحكومات والأوطان، وأما الميسر فهو مثار العداوة والبغضاء بين المتقامرين، فإن تعداهم فإلى الشامتين والعائبين ومن تضيع عليهم حقوقهم من الدائنين وغير الدائنين، وكثيرا ما يفرط المقامر فى حقوق الوالدين والزوج والأولاد حتى يوشك أن يمقته كل أحد. والميسر مع ما فيه من التوسعة على المحتاجين، فيه إجحاف بأرباب الأموال، لأن من صار مغلوبا فى القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه رجاء أن يغلب فيه مرة أخرى، وقد يتفق ألا يحصل له ذلك إلى ألا يبقى له شىء من المال، ولا شك أنه بعد ذلك سيصير فقيرا مسكينا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا له غالبين" (١). قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: " ويصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة بغياب العقل في شرب الخمر والاشتغال باللهو في لعب الميسر" (٢). قال مقاتل: " يقول: إذا سكرتم لم تذكروا الله- وإذا سكرتم لم تصلوا" (٣). قال السمرقندي: " يعني: عن طاعة الله، وعن الصلاة لأنهم منعوا عن الصلاة إذا كانوا سكارى. ولأنه إذا سكر لا يعقل الطاعة وأداء الصلاة" (٤). قال الواحدي: "لأنَّ مَن اشتغل بهما منعاه عن ذكر الله والصَّلاة" (٥).

стр. 3659

قال الطبري: " يقول: ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم، وباشتغالكم بهذا الميسر، عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم، ﴿وعن الصلاة﴾، التي فرضها عليكم ربكم" (١). قال ابن عطية: أي: "وكذلك أيضا يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها بشهوات، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك" (٢). قال الزمخشري: " قوله ﴿وعن الصلاة﴾، اختصاص للصلاة من بين الذكر، كأنه قيل: وعن الصلاة خصوصا" (٣). قال السعدي: ومن مفاسدها: أن هذه الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو" (٤). قال المراغي: " وأما صد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة (وهما مفسدتهما الدينية) فذلك أظهر من كونهما مثارا للعداوة والبغضاء (وهما مفسدتهما الاجتماعية) لأن كل سكرة من سكرات الخمر، وكل مرة من لعب القمار تصد السكران واللاعب وتصرفه عن ذكر الله الذي هو روح الدين، وعن الصلاة وهى عماد الدين، إذ السكران لا عقل له يذكر به آلاء الله وآياته، ويثنى عليه بأسمائه وصفاته، أو يقيم الصلاة التي هى ذكر الله، ولو ذكر السكران ربه وحاول الصلاة لم تصح له، وكذلك المقامر تتوجه جميع قواه العقلية إلى اللعب الذي يرجو منه الربح ويخشى الخسارة، فلا يتوجه همه إلى ذكر الله ولا يتذكر أوقات الصلاة وما يجب عليه من المحافظة عليها.

стр. 3660

وقد دلت المشاهدة على أن القمار أكثر الأعمال التي تشغل القلب وتصرفه عن كل ما سواه، بل يحدث الحريق فى دار المقامر أو تحل المصايب بالأهل والولد ويستغاث به فلا يغيث بل يمضى فى لعبه، والنوادر فى ذلك كثيرة إلى أن المقامر إذا تذكر الصلاة وترك اللعب لأجلها فإنه لا يؤدى منها إلا الحركات بدون أدنى تدبر أو خشوع، لكنه على كل حال يفضل السكران إذ أنه لا يكاد يضبط أفعال الصلاة. واللعب بالشطرنج أو بالنرد إذا كان على مال دخل فى الميسر وكان حراما، وإذا لم يكن كذلك فلا وجه للقول بتحريمه إلا إذا تحقق كونه رجسا من عمل الشيطان موقعا فى العداوة والبغضاء صادا عن ذكر الله وعن الصلاة بأن كان من المكثرين اللعب أو ممن يداومون عليه، والشافعي كرهه لما فيه من إضاعة الوقت بلا فائدة" (١). قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: " فانتهوا عن ذلك" (٢). قال السمرقندي: " يعني: انتهوا عن شربها" (٣). قال الواحدي: استفهامٌ بمعنى الأمر، قالوا: انتهينا" (٤). قال الزجاج: " ومعنى ﴿فهل أنتم منتهون﴾، التحضيض على الانتهاء والتفديد على ترك الانتهاء" (٥). قال سعيد: " فهذا وعيد التحريم، قالوا: قد انتهينا يا ربنا، فقال رسول الله ﷺ : من كان عنده شيء فلا يبعها ولا يشربها" (٦). قال مقاتل: " - فهذا وعيد بعد النهي والتحريم، قالوا انتهينا يا ربنا" (٧). قال الطبري: " يقول: فهل أنتم منتهون عن شرب هذه، والمياسرة بهذا، وعاملون بما أمركم به ربُّكم من أداء ما فرَض عليكم من الصلاة لأوقاتها، ولزوم ذكره الذي به نُجْح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم؟ " (٨).

стр. 3661

قال ابن كثير: " وهذا تهديد وترهيب" (١). قال ابن عطية: " وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى: انتهوا" (٢). قال الراغب: " وقوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، نهاية الردع والزجر" (٣). قال المراغي: " هذا أمر بالانتهاء جاء بأسلوب الاستفهام وكان ذلك غاية فى البلاغة، فكأنه قيل: قد تلى عليكم ما فيها من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع كل هذا منتهون؟ أو أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا" (٤). عن عن عمرو بن شرحبيل قال: "قال عمر بن الخطاب: اللهم بين لنا في الخمر، فنزلت: ﴿فيها إثم كبير ومنافع للناس﴾، فقال: اللهم بين لنا في الخمر، فنزلت: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾، حتى بلغ- ﴿فهل أنتم منتهون﴾، قال عمر: انتهينا، إنها تذهب المال وتذهب العقل" (٥). عن ابن بريدة، عن أبيه قال: "بينما نحن قعود على شرابٍ لنا، [ونحن على رَمْلة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطِيةٌ لنا]، ونحن نشرب الخمر حِلا إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصابُ والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان﴾، إلى آخر الآيتين، ﴿فهل أنتم منتهون﴾، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾؟ قال: وبعض القوم شربته في يده، قد شرب بعضًا وبقي بعضٌ في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام. ثم صبوا ما في باطيهتهم، فقالوا: انتهينا ربّنا! انتهينا ربَّنا! " (٦). قال القرطبي: " فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراما مثله.

стр. 3662

فإن قيل: إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى. قيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس. ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني. وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان لا يسكر. وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر، فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة" (١). قال السعدي: فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها، وتحول بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟ فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟ ، ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضا بقوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ لأن العاقل -إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد- انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ" (٢). الفوائد: ١ - فضيلةُ الصَّلاةِ لتَخصيصِها بالذِّكر مِن بين ذِكرِ اللهِ ؛ لِقَوْلِه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ ْ، وهذا يدلُّ على شَرَفِها وفَضلِها على غيرِها.

стр. 3663

٢ - أنَّ كَلَّ ما صدَّ عن ذِكرِ الله فهو مِن أوامرِ الشَّيطانِ؛ لِقَوْلِه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾، وذِكرُ الله ﵎ يكونُ بالقلبِ واللِّسان والجوارحِ، فكلُّ ما صدَّك عن ذِكرِ اللهِ من هذه الأشياءِ، فهو من أوامِر الشيطانِ وإراداتِه. ٣ - أنَّ كلَّ ما وقَع في قلبك مِن التثاقُل عن الصَّلاة، فاعلمْ أنَّه من الشَّيطانِ، ومرادِ الشيطان؛ لِقَوْلِه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾. ٤ - إثباتُ الإرادةِ للشَّيطانِ؛ لِقَوْلِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقد جادَلَ ربَّه عن إرادةٍ. ٥ - لَمَّا كانتِ العداوةُ قد تزولُ أسبابُها، ذكَر ما يَنشَأُ عنها ممَّا إذا استحكَم تعسَّر، أو تَعذَّر زوالُه، فقال: ﴿وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، أي: في تعاطيهما؛ لأنَّ الخَمْرَ تُزيل العَقْلَ، فيزول المانعُ من إظهارِ الكامِنِ من الضَّغائن والمحاسَدة، فربَّما أدَّى ذلك إلى حروبٍ طويلةٍ، وأمورٍ مَهولة، والميسِرُ يُذهِبُ المالَ، فيُوجِبُ ذلك الحقدَ على مَن سَلَبه مالَه، ونغَّص عليه أحوالَه.

стр. 3664

٦ - في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾، اقتصرتِ الآيةُ على تبيينِ مفاسِدِ شُرْبِ الخمرِ وتعاطي الميسِر، دون تَبْيينِ ما في عِبادَةِ الأنصابِ والاستقسامِ بالأزلامِ من الفَسادِ؛ وذلك لأنَّ إقلاعَ المسلمينَ عنهما قد تَقرَّر قَبلَ هذه الآيةِ مِن حِين الدُّخولِ في الإسلامِ؛ لأنَّهما من مآثِر عَقائدِ الشِّركِ، ولأنَّه ليس في النُّفوسِ ما يُدافِعُ الوازعَ الشرعيَّ عنهما بخِلافِ الخَمْر والميسِرِ؛ فإنَّ ما فيهما من اللَّذَّات التي تُزجِي بالنُّفوسِ إلى تَعاطيهما قد يُدافِع الوزاعَ الشرعيَّ؛ فلذلك أكَّد النهيَ عنهما أشدَّ ممَّا أكَّد النهيَ عن الأنصابِ والأزلامِ. ٧ - في قولِه تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، الحضُّ على ترْكِ هذه الخبائثِ، والإقلاعِ عنها؛ لأنَّ العاقِلَ إذا نظَر إلى بعضِ تِلك المفاسدِ انزجَر عنها وكفَّتْ نفْسُه، ولم يَحتَجْ إلى وعْظٍ كثيرٍ، ولا زجرٍ بليغٍ ٣٤). ٨ - وفي الآية النهى عن التفرق وبين عواقبه الوخيمة على الفرد والمجتمع والأمة بأسرها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾، وقال رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا، التقوى ههنا-ويشير إلى صدره- يحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله" (١).

стр. 3665

ويقول ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" (١). وقال ﵊ لأبي أيوب ﵁: "ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلى يا رسول الله. قال: "تسعى في الإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا" (٢). وفي مقابلة أمر النبي ﷺ المؤمنين بالتحاب والتآلف ومحبة الخير والتعاون على البر والتقوى وفعل الأسباب التي تقوي ذلك وتنمية في مقابلة ذلك نهى النبي ﷺ عن كل ما يوجب تفرق المسلمين وتباعدهم وذلك لما في التفرق والبغضاء من المفاسد العظيمة فالتفرق هو قرة عين شياطين الجن والإنس، لأن شياطين الإنس والجن لا يودون من، أهل الإسلام أن يجتمعوا على شيء فهم يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام والاتجاه إلى الله . ٩ - وقد أكد الله تحريم الخمر والميسر في هذه الآية والتي قبلها بوجوه من التأكيد: أحدها: أنه سماهما رجسا، والرجس كلمة تدل على منتهى ما يكون من القبح والخبث، ومن ثم قال ﷺ : «الخمر أم الخبائث» (٣)، ذما لها وتقريرا لإثم شاربها. والثاني: أنه قرنها بالأنصاب والأزلام التي هى من أعمال الوثنية وخرافات الشرك، وقد روى ابن ماجه عن أبى هريرة قوله ﷺ : «مدمن الخمر كعابد وثن» (٤).

стр. 3666

والثالث: أنه جعلهما من عمل الشيطان، لما ينشأ عنهما من الشرور والطغيان وسخط الرحمن. والرابع: أنه جعل اجتنابهما سبيلا للفلاح والفوز بالنجاة. والخامس: أنه جعلهما مثارا للعداوة والبغضاء، وهما من أقبح المفاسد الدنيوية التي تولد كثيرا من المعاصي فى الأموال والأعراض والأنفس. والسادس: أنهما جعلا صادين عن ذكر الله وعن الصلاة، وهما روح الدين وعماده وزاده وعتاده. ٩ - بيان أضرار الخمر، والميسر: أولا: أضرار الخمر: فأما ضرر الخمر في العقل فهو مسلم عند الناس، وليس ضرره فيه خاصا بما يكون من فساد التصور والإدراك عند السكر; بل السكر يضعف القوة العاقلة، وكثيرا ما ينتهي بالجنون، ولأحد أطباء ألمانيا كلمة اشتهرت كالأمثال وهي "اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ - التكايا – والسجون" (١). وقد قال الأطباء: إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله، فيزاحم الدم في مجاريه فتسرع حركة الدم، وتختل موازنة الجسم، وتتعطل وظائف الأعضاء أو تضعف، وتخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل. - فمن تأثيره في اللسان إضعاف حاسة الذوق، وفي الحلق الالتهاب، وفي المعدة ترشيح العصارة الفاعلة في الهضم حتى يغلظ نسيجها وتضعف حركتها، وقد يحدث فيها احتقانا والتهابا، وفي الأمعاء التقرح، وفي الكبد تمديده وتوليد الشحم الذي يضعف عمله، وكل هذا يتعلق بما يسمونه الجهاز الهضمي. - ومن تأثيره في الدم أنه بممازجته له يعوق دورته وقد يوقفها أحيانا فيموت السكور فجأة، ويضعف مرونة الشرايين فتتمدد وتغلظ حتى تنسد أحيانا فيفسد الدم، ولو في بعض الأعضاء، فتكون الغنغرينا التي تقضي بقطع العضو الذي تظهر فيه لئلا يسري الفساد إلى الجسد كله فيكون هالكا، وتصلب الشرايين يسرع الشيخوخة والهرم.

стр. 3667

- ومن تأثيره في جهاز التنفس إضعاف مرونة الحنجرة، وتهييج شعب التنفس، وأهون ضرر ذلك بحة الصوت والسعال، وأعظمها تدرن الرئة; أي: السل الفاتك بالشبان والقاطع لجميع لذات الإنسان. - وأما تأثيره في المجموع العصبي فهو الذي يولد الجنون ويهلك النسل، فولد السكور لا يكون نجيبا، وولد ولده يكون شرا من ولده وأضعف بدنا وعقلا، وقد يؤدي تسلسل هذا الضعف إلى انقطاع النسل ألبتة، ولا سيما إذا جرى الأبناء على طريق الآباء كما هو الغالب. - ومن مضرات الخمر في التعامل وقوع النزاع والخصام بين السكارى بعضهم مع بعض، وبينهم وبين من يعاشرهم ويعاملهم، تثير ذلك أدنى بادرة من أحدهم، فيوغلون فيه حتى يكون عداوة وبغضاء. وهذه العلة في التحريم من أكبر العلل في نظر الدين; ولذلك ورد بها النص في سورة المائدة: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ [٥: ٩١]. - ومنها إفشاء السر، وهو ضرر يتولد منه مضرات كثيرة، ولا سيما إذا كان السر يتعلق بالحكومة وسياسة الدولة ومصالحها العسكرية، وعليها يعتمد الجواسيس. - ومنها الخسة والمهانة في أعين الناس; فإن السكران يكون في هيئته وكلامه وحركاته بحيث يضحك منه ويستخف به كل من يراه، حتى الصبيان; لأنه يكون أقل منهم عقلا، وأبعد عن التوازن في حركاته وأعماله، والضبط في أفكاره وأقواله، وينقلون عن السكارى من النوادر الغريبة ما يكفي في ردع من له شرف وعقل عن الخمر، فيراجع ذلك في كتب الأدب والمحاضرة، ومما ذكر عن المحدثين: أن ابن أبي الدنيا مر بسكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا، وعرض بعضهم شرب الخمر على أحد فصحاء المجانين فقال له المجنون: أنت تشرب لتكون مثلي، فأنا أشرب لأكون مثل من؟

стр. 3668

- ومنها أن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران وتجرئ عليها، ولا سيما الزنا والقتل، وبلغني أن جميع الذين يختلفون إلى مواخير الزنا لا يذهبون إليها إلا وهم سكارى; لأن غير السكران تنفر نفسه من هذه القاذورات المبتذلة مهما تكن خسيسة; ولذلك سميت الخمر أم الخبائث كما ورد في الحديث، فهذه إشارة إلى مضراتها في النفس من حيث الأخلاق والآداب. - ومن مضراتها المالية أنها تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة (١): فإذا شَرِبْتُ فإنّني مُسْتَهلِكٌ ... مالي وعِرضِي وافِرٌ لَمْ يُكَلَمِ ولم تكن الخمر مذهبة للثروة في زمن من الأزمنة كزماننا هذا، ولا في مكان كهذه البلاد; فإن أنواع الخمر كثرت فيها، ومنها ما هو غالي الثمن جدا، ثم إن المتجرين بها كثيرا ما يقرنون بينها وبين القيادة إلى الزنا، وفي مصر القاهرة بيوت للفسق تجمع بين الخمر والنساء والراقصات والمغنيات، يدخلها الرجال زرافات وأفذاذا، ويتبارون ثم في النفقة حتى ليخسر الرجل في ليلته المئين والألوف. وإن الخمار الرومي الفقير ليفتح في إحدى القرى والمزارع من هذه البلاد حانة صغيرة فلا تزال تتسع بما تبتلع من ثروة الأهالي وغلات أرضهم حتى تبتلع القرية كلها، فتكون أموالها وغلاتها وقطنها وتجارتها في يد صاحب الحانة. قال الشيخ محمد رشيد رضا: "وقد عم البلاء بالخمر هذا القطر بما لأهله من الاستعداد للتقليد حتى قيل: إن ما يصرف في مصر على الخمر يعدل ما يصرف في فرنسا كلها" (٢). - ومن مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى الله تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات ولا سيما الصلاة التي هي عماد الدين; ولذلك قال تعالى في آية المائدة بعد ما تقدم آنفا: ﴿ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾.

стр. 3669

فهذا شيء من البيان لكون ضرر الخمر كبيرا، وقد يشتبه بعض المبتلين بشرب الخمر في بعض تلك المضرات الصحية، أو يتوهمون أنه يسهل عليهم التوقي منها، وهيهات هيهات لما يتوهمون; فإن المزاج الذي يتحمل سم الخمر - الذي يسمى الكحول أو الغول - زمنا طويلا بحيث يغتر الناس بحسن صحة صاحبه قليل في الناس، ولكن هؤلاء المبتلين يقيسون على النادر ويجهلون الأصل الغالب، وهو أنه لا يكاد يسلم مدمن السكر من ضرره في جسمه أو عقله ومداركه أو ولده وذريته، بل تجتمع كلها في الغالب. وأما المضرات المعنوية فيقل في معتادي السكر من يحفل بها، على أن منهم من يرى أنه يسهل عليه تجنبها. ثانيا: أضرار الميسر: وأما كون أضرار الميسر:

стр. 3670

- فقد جاء فيه ما جاء في الخمر من كونه يورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا ظاهر في ميسر العرب، وفي جميع أنواع القمار المعروفة في عصرنا إلا ما يسمونه "اليانصيب" فإنه على كونه ميسرا لا شك فيه لا يظهر جميع مفاسده في بعض أنواعه (١).

стр. 3671

- ومن مضرات الميسر: إفساد التربية بتعويد النفس الكسل وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال الياسرين (المقامرين) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي أركان العمران (١). - ومنها - وهو أشهرها - تخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز، وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها على أن تعيش على ما تعودت من السعة ولا ما دون ذلك (٢). القرآن ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ [المائدة: ٩٢] التفسير: وامتثلوا -أيها المسلمون- طاعة الله وطاعة رسوله محمد ﷺ في كل ما تفعلون وتتركون، واتقوا الله وراقبوه في ذلك، فإن أعرضتم عن الامتثال فعملتم ما نهيتم عنه، فاعلموا أنما على رسولنا محمد ﷺ البلاغ المبين. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: " وامتثلوا -أيها المسلمون- طاعة الله وطاعة رسوله محمد ﷺ في كل ما تفعلون وتتركون" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام" (٤). قال البيضاوي: أي: " فيما أمرا به" (٥). قال السمعاني: " لما حرم الخمر، وأمر بالاجتناب عنها؛ ندبهم إلى طاعة الله والرسول، والتوقي" (٦). قال ابن عطية: " وكرر ﴿أطيعوا﴾، في ذكر الرسول تأكيدا " (٧).

стр. 3672

قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا﴾ تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال للأمر، وكف عن المنهي عنه، وحسن عطف ﴿وأطيعوا الله﴾، لما كان في الكلام المتقدم معنى: انتهوا، وكرر ﴿وأطيعوا﴾، في ذكر الرسول تأكيدا" (١). قال الشيخ محمد رشيد رضا: " أي أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما، كما تجتنبون الأنصاب والأزلام أو أشد اجتنابا في كل شيء، أطيعوا الرسول فيما بينه لكم مما نزله الله عليكم، ومنه قوله: " كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (٢) " (٣). قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: " واتقوا الله وراقبوه في ذلك" (٤). قال الواحدي، والبغوي: أي: " المحارم والمناهي" (٥). قال البيضاوي: أي: " واحذروا ما نهيا عنه أو مخالفتهما" (٦). قال أبو السعود: " أي: مخالفتهما في ذلك فيدخل فيه مخالفة أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولا أوليا" (٧). قال الزمخشري: اي: " وكونوا حذرين خاشين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة. ويجوز أن يراد: واحذروا ما عليكم في الخمر والميسر، أو في ترك طاعة الله والرسول" (٨).

стр. 3673

قال الشيخ محمد رشيد رضا: " أي احذروا عصيانهما أو ما يصيبكم إذا خالفتم أمرهما من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة، فإنه حرام عليكم إلا ما يضركم في دنياكم وآخرتكم، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ [النور: ٦٣] " (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: " فإن أعرضتم عن الامتثال فعملتم ما نهيتم عنه" (٢). قال الواحدي: أي: "عن الطَّاعة" (٣). قال الشيخ محمد رشيد رضا: " أي فإن توليتم وأعرضتم عن الطاعة" (٤). قال سعيد بن جبير: " يعني: أعرضتم عن طاعتها" (٥). قال أبو السعود: " أي: أعرضتم عن الامتثال بما أمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ والاحتراز عن مخالفتهما" (٦). قال القرطبي: " حذر في مخالفة الأمر، وتوعد من تولى بعذاب الآخرة، فقال: ﴿فإن توليتم﴾، أي: خالفتم" (٧). قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: " فاعلموا أنما على رسولنا محمد ﷺ البلاغ المبين" (٨). قال الواحدي: أي: " فليس عليه إلاَّ البلاغ فإن أطعتم وإلاَّ استحققتم العقاب" (٩). قال الزمخشري: اي: " فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول، لأن الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم" (١٠).

стр. 3674

قال البيضاوي: أي: " أي فاعلموا أنكم لم تضروا الرسول ﷺ بتوليكم، فإنما عليه البلاغ وقد أدى، وإنما ضررتم به أنفسكم" (١). قال الشيخ محمد رشيد رضا: " فاعلموا أنما على رسولنا أن يبين لكم ديننا وشرعنا، وقد بلغه وأبانه وقرن حكمه بأحكامه وعلينا نحن الحساب والعقاب وسترونه في إبانه، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، وإنما الحساب لأجل الجزاء" (٢). قال ابن عطية: أي: " ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة، أي: إنما على الرسول أن يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع" (٣). قال سعيد بن جبير: " ﴿رسولنا﴾، يعني: محمدا ﷺ " (٤)، " ﴿البلاغ المبين﴾، يعني: أن يبين تحريم ذلك. في صفة أعمال المؤمنين وما أعد لهم في أموالهم" (٥).). عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل مسكر حرام، وإن ختما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا إلا سقاه الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟ " قال: "عرق أهل النار" (٦).

стр. 3675

وعن عبد الله بن عمر أيضا قال: "أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها" (١). قال أبو السعود: في قوله: ﴿فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾، "وقد فعل ذلك بكما لا مزيد عليه وخرج عن عهدة الرسالة أي خروج وقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل وما بقي بعذ ذلك إلا العقاب وفيه من عظم التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وقد فعل وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه فلا يساعده المقام إذ لا يتوهم منهم ادعاء أنهم بتوليهم يضرونه ﷺ حتى يرد عليهم بأنهم لا يضرونه وإنما يضرون أنفسهم" (٢). الفوائد: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾، َ بيانُ أنَّ طاعةَ الله وطاعةَ رسولِه واحدةٌ، فمَن أطاعَ الله فقدْ أطاعَ الرسولَ، ومَن أطاع الرسولَ فقد أطاع اللهَ، وذلك شاملٌ للقِيامِ بما أمَر اللهُ به ورسولُه من الأعمال والأقوالِ، الظاهرةِ والباطِنة، الواجبةِ والمستحبَّةِ، المتعلِّقة بحقوقِ اللهِ وحقوقِ خَلْقِه، والانتهاءِ عمَّا نهى الله ورسولُه عنه كذلك.

стр. 3676

٢ - أنَّ تولِّيَ الناسِ عمَّا يدعو إليه النبيُّ ﷺ لا يضرُّه، ولا يُلامُ عليه؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّه إذا كان ليس عليه إلَّا البلاغُ، فإنَّه لن يضرَّه تولِّيهم ولا يُلام عليه، ويتفرَّع على ذلك: أنَّ الداعيةَ إلى الله في وقتِنا وفيما قبْلَه لا يضرُّه ألَّا يَقبلَ الناسُ منه؛ لأنَّه أدَّى الواجبَ، ويَنبغي أن يُفَرِّحَ نفْسَه بأنَّه أدَّى الواجِبَ، وألَّا يحزنَ بعدم قبولِهم دعوتَه؛ لأنَّ الله تعالى قال للرَّسولِ ﷺ : ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، لكن ربَّما نقول: يحزنُ لعدمِ قَبولِ الشَّريعة، لا لعدمِ قبولِهم منه، والفرقُ بين هذا وهذا واضحٌ. ٣ - وجوبُ الرُّجوعِ إلى قولِ النبيِّ ﷺ ؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وأنَّه ﵊ قام بالواجِب، فعلينا- نحن- أن نقومَ بالواجِبِ. ٤ - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يَستطيعُ أنْ يَهدِيَ أحدًا؛ لأنَّه بلَّغَ البلاغَ المبينَ، ومع ذلك حصَلتِ المخالفةُ والتولِّي.

стр. 3677

٥ - قال الشيخ محمد رشيد رضا: " لم يؤكد تحريم شيء في القرآن مثل هذا التأكيد لا قريبا منه، وحكمته شدة افتتان الناس بشرب الخمر، وكذا الميسر، وتأولهم كل ما يمكن تطرق الاحتمال إليه من أحكام الأديان التي تخالف أهواءهم، كما أولت اليهود أحكام التوراة في تحريم أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، وكما استحل بعض فساق المسلمين شرب بعض الخمور بتسميتها بغير اسمها، إذ قالوا هذا نبيذ لا يسكر إلا الكثير منه، وقد أحل ما دون القدر المسكر منه فلان وفلان يقولون ذلك فيما هو خمر لا حظ لهم من شربه إلا السكر. بل تجرأ بعض غلاة الفساق على القول بأن هذه الآيات لا تدل على تحريم الخمر، لأن الله قال: (فاجتنبوه) ولم يقل: حرمته فاتركوه، وقال: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، ولم يقل: فانتهوا عنه، وقال بعضهم: سألنا هل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، ثم سكت وسكتنا ويصدق على هؤلاء قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١]، ويمكن أن يقال: إن هذا الغلو قلما يصدر عمن كان صحيح الإيمان فما قاله تعالى أبلغ من تحريمه مما قالوا. أما المؤمنون فقد قالوا انتهينا ربنا وقال بعضهم: انتهينا أكدوا الاستجابة والطاعة كما أكد عليهم التحريم، وكان فيهم المدمنون للخمر من عهد الجاهلية حتى شق عليهم تحريمها، فكان أشد من جميع التكاليف الشرعية" (١). القرآن ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣] التفسير:

стр. 3678

ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك، إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدل على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم، ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله وإيمانا به، حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه، وكأنهم يرونه. وإن الله تعالى يحب الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: " ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك" (١). قال السمرقندي: أي: " يعني: شربوا قبل تحريمها، إذا ما اتقوا الشرك، ﴿وآمنوا﴾، يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن وعملوا الصالحات" (٢). قال الزمخشري: " يعنى: أن المؤمنين لا جناح عليهم في أى شيء طعموه من المباحات" (٣). عن علي بن ابي طلحة: قال ابن عباس: " يعني: قبل التحريم، إذا كانوا محسنين متقين، وقال مرة أخرى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، من الحرام قبل أن يحرَّم عليهم" (٤). وفي رواية اخرى عن ابن عباس: " يعني بذلك رجالا من أصحاب النبي ﷺ ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرَّم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبلَ أن تحرَّم" (٥). وعن مجاهد: في قول الله تعالى: " ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، لمن كان يشرب الخمرَ ممن قتل مع محمد ﷺ ببدرٍ وأحُد" (٦).

стр. 3679

قال الضحاك: " هذا في شأن الخمر حين حرِّمت، سألوا نبيَّ الله ﷺ فقالوا: إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية" (١). قال الوليد: "سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول في تفسير هذه الآية: ﴿وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، من الخمر قبل تحريمها" (٢). قال ابن عطية: " وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولما كان أمر القبلة خطيرا ومعلما من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و «الجناح» الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي، و ﴿طعموا﴾، معناه: ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب، وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق" (٣). وأصل لفظة"طعموا" في الأكل، يقال: طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال: لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما، قال بشر بن أبي حازم (٤): نعاما بوجرة (٥) صفر الخدو ... د لا تطعم النوم إلا صياما

стр. 3680

وقد تقدم القول في سورة البقرة ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١). قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: " إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدل على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم" (٢). قال ابن عباس: " يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرِّمها، إذا كانوا محسنين متقين" (٣). قال الطبري: " يقول: إذا ما اتقى الله الأحياءُ منهم فخافوه، وراقبوه في اجتنابهم ما حرَّم عليهم منه، وصدَّقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم، فأطاعوهما في ذلك كله، واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربُّهم" (٤). قال الإمام الشافعي: " ﴿إذا ما اتقوا﴾: لم يقربوا ما حرم عليهم" (٥). قال البغوي: أي: " الخمر والميسر بعد تحريمهما، وقيل: إذ ما اتقوا الشرك، ﴿وآمنوا﴾ وصدقوا" (٦). قال الزمخشري: " رفع الجناح عن المؤمنين في أى شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها إذا ما اتقوا ما حرم عليهم منها وآمنوا، وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه" (٧). قال الوليد: "سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول: ﴿إذا ما اتقوا﴾ أن يعودوا في شربها، ﴿وآمنوا﴾ بتحريمها في هذه الآية" (٨). قال عمر بن الخطاب: " إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك" (٩).
следующие страницы →