← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

٢ - أنَّ تولِّيَ الناسِ عمَّا يدعو إليه النبيُّ ﷺ لا يضرُّه، ولا يُلامُ عليه؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّه إذا كان ليس عليه إلَّا البلاغُ، فإنَّه لن يضرَّه تولِّيهم ولا يُلام عليه، ويتفرَّع على ذلك: أنَّ الداعيةَ إلى الله في وقتِنا وفيما قبْلَه لا يضرُّه ألَّا يَقبلَ الناسُ منه؛ لأنَّه أدَّى الواجبَ، ويَنبغي أن يُفَرِّحَ نفْسَه بأنَّه أدَّى الواجِبَ، وألَّا يحزنَ بعدم قبولِهم دعوتَه؛ لأنَّ الله تعالى قال للرَّسولِ ﷺ : ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، لكن ربَّما نقول: يحزنُ لعدمِ قَبولِ الشَّريعة، لا لعدمِ قبولِهم منه، والفرقُ بين هذا وهذا واضحٌ. ٣ - وجوبُ الرُّجوعِ إلى قولِ النبيِّ ﷺ ؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وأنَّه ﵊ قام بالواجِب، فعلينا- نحن- أن نقومَ بالواجِبِ. ٤ - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يَستطيعُ أنْ يَهدِيَ أحدًا؛ لأنَّه بلَّغَ البلاغَ المبينَ، ومع ذلك حصَلتِ المخالفةُ والتولِّي.

стр. 3677

٥ - قال الشيخ محمد رشيد رضا: " لم يؤكد تحريم شيء في القرآن مثل هذا التأكيد لا قريبا منه، وحكمته شدة افتتان الناس بشرب الخمر، وكذا الميسر، وتأولهم كل ما يمكن تطرق الاحتمال إليه من أحكام الأديان التي تخالف أهواءهم، كما أولت اليهود أحكام التوراة في تحريم أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، وكما استحل بعض فساق المسلمين شرب بعض الخمور بتسميتها بغير اسمها، إذ قالوا هذا نبيذ لا يسكر إلا الكثير منه، وقد أحل ما دون القدر المسكر منه فلان وفلان يقولون ذلك فيما هو خمر لا حظ لهم من شربه إلا السكر. بل تجرأ بعض غلاة الفساق على القول بأن هذه الآيات لا تدل على تحريم الخمر، لأن الله قال: (فاجتنبوه) ولم يقل: حرمته فاتركوه، وقال: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، ولم يقل: فانتهوا عنه، وقال بعضهم: سألنا هل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، ثم سكت وسكتنا ويصدق على هؤلاء قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١]، ويمكن أن يقال: إن هذا الغلو قلما يصدر عمن كان صحيح الإيمان فما قاله تعالى أبلغ من تحريمه مما قالوا. أما المؤمنون فقد قالوا انتهينا ربنا وقال بعضهم: انتهينا أكدوا الاستجابة والطاعة كما أكد عليهم التحريم، وكان فيهم المدمنون للخمر من عهد الجاهلية حتى شق عليهم تحريمها، فكان أشد من جميع التكاليف الشرعية" (١). القرآن ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣] التفسير:

стр. 3678

ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك، إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدل على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم، ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله وإيمانا به، حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه، وكأنهم يرونه. وإن الله تعالى يحب الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: " ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك" (١). قال السمرقندي: أي: " يعني: شربوا قبل تحريمها، إذا ما اتقوا الشرك، ﴿وآمنوا﴾، يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن وعملوا الصالحات" (٢). قال الزمخشري: " يعنى: أن المؤمنين لا جناح عليهم في أى شيء طعموه من المباحات" (٣). عن علي بن ابي طلحة: قال ابن عباس: " يعني: قبل التحريم، إذا كانوا محسنين متقين، وقال مرة أخرى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، من الحرام قبل أن يحرَّم عليهم" (٤). وفي رواية اخرى عن ابن عباس: " يعني بذلك رجالا من أصحاب النبي ﷺ ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرَّم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبلَ أن تحرَّم" (٥). وعن مجاهد: في قول الله تعالى: " ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، لمن كان يشرب الخمرَ ممن قتل مع محمد ﷺ ببدرٍ وأحُد" (٦).

стр. 3679

قال الضحاك: " هذا في شأن الخمر حين حرِّمت، سألوا نبيَّ الله ﷺ فقالوا: إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية" (١). قال الوليد: "سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول في تفسير هذه الآية: ﴿وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، من الخمر قبل تحريمها" (٢). قال ابن عطية: " وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولما كان أمر القبلة خطيرا ومعلما من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و «الجناح» الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي، و ﴿طعموا﴾، معناه: ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب، وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق" (٣). وأصل لفظة"طعموا" في الأكل، يقال: طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال: لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما، قال بشر بن أبي حازم (٤): نعاما بوجرة (٥) صفر الخدو ... د لا تطعم النوم إلا صياما

стр. 3680

وقد تقدم القول في سورة البقرة ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١). قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: " إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدل على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم" (٢). قال ابن عباس: " يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرِّمها، إذا كانوا محسنين متقين" (٣). قال الطبري: " يقول: إذا ما اتقى الله الأحياءُ منهم فخافوه، وراقبوه في اجتنابهم ما حرَّم عليهم منه، وصدَّقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم، فأطاعوهما في ذلك كله، واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربُّهم" (٤). قال الإمام الشافعي: " ﴿إذا ما اتقوا﴾: لم يقربوا ما حرم عليهم" (٥). قال البغوي: أي: " الخمر والميسر بعد تحريمهما، وقيل: إذ ما اتقوا الشرك، ﴿وآمنوا﴾ وصدقوا" (٦). قال الزمخشري: " رفع الجناح عن المؤمنين في أى شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها إذا ما اتقوا ما حرم عليهم منها وآمنوا، وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه" (٧). قال الوليد: "سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول: ﴿إذا ما اتقوا﴾ أن يعودوا في شربها، ﴿وآمنوا﴾ بتحريمها في هذه الآية" (٨). قال عمر بن الخطاب: " إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك" (٩).

стр. 3681

قال البراء: " لما حرمت الخمر قالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، الآية" (١). قال عبدالله بن مسعود: " لما نزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات﴾، قال: رسول الله ﷺ : قيل أنت منهم" (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: " ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله وإيمانا به" (٣). قال الطبري: " يقول: ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارِمه بعد ذلك التكليف أيضًا، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به، ولم يغيِّروا ولم يبدِّلوا" (٤). قال السمرقندي: أي: "ثم اتقوا المعاصي، ﴿وآمنوا﴾، يعني: صدقوا بعد تحريمها " (٥). قال الزمخشري: أي: " ثم ثبتوا على التقوى والإيمان" (٦). قال البغوي: أي: " ﴿ثم اتقوا﴾ ما حرم الله عليهم أكله وشربه، وقيل: داوموا على ذلك التقوى، ﴿وآمنوا﴾ ازدادوا إيمانا" (٧). قال الوليد: "سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول: ﴿ثم اتقوا وآمنوا﴾، برسوله، اتقوا المعاصي" (٨). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: " حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه، وكأنهم يرونه" (٩). قال الزمخشري: أي: " ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس: واسوهم بما رزقهم الله من الطيبات" (١٠). قال البغوي: أي: " ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا، وقيل: أي: اتقوا بالإحسان، وكل محسن متق" (١١).

стр. 3682

عن علي بن ابي طلحة: قال ابن عباس: " ﴿إذا ما اتقوا وأحسنوا﴾، بعد ما حُرِّم، وهو قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، [سورة البقرة: ٢٧٥] " (١). قال الوليد: "سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول في تفسير هذه الآية: ﴿ثم اتقوا وأحسنوا﴾، في أداء الزكاة" (٢). قال الطبري: " يقول: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسان، وذلك"الإحسان"، هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى رّبهم طلبَ رِضاه، وهربًا من عقابه" (٣). وذكروا في قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أربعة اقوال (٤): الأول: أنه ليس في ذكر التقوى تكرار، والمعنى: اتقوا شربها، وآمنوا بتحريمها. والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم، والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء. والثاني: اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل. والثالث- اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني: ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانا، ومعنى الثالث: ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا. والرابع: : أن الاتقاء الأوّل: هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل، والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير، والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال. وهذا قول الطبري (٥).

стр. 3683

قال ابن عطية: " والتكرار في قوله: ﴿اتقوا﴾، يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال: قوم: الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل الصالحات، والرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة، والرتبة الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان، وقال قوم الرتبة الأولى لماضي الزمن، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال، وقال قوم: الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر" (١). ثم قال ابن عطية: " وليست هذه الآية وقفا على من عمل الصالحات كلها، واتقى كل التقوى، بل هو لكل مؤمن وإن كان عاصيا أحيانا إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: " وإن الله تعالى يحب الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة" (٣). قال السمرقندي: أي: " في أفعالهم" (٤). قال الطبري: " يقول: والله يحب المتقرِّبين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها" (٥).

стр. 3684

عن قتادة: " قوله: " ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، إلى قوله: ﴿والله يحب المحسنين﴾، لما أنزل الله تعالى ذكره تحريم الخمر في"سورة المائدة"، بعد"سورة الأحزاب"، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله ﷺ : أصيب فلانٌ يوم بدر، وفلانٌ يوم أحد، وهم يشربونها! فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة! فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾، يقول: شربها القومُ على تقوى من الله وإحسانٍ، وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرِّمت بعدهم، فلا جناح عليهم في ذلك" (١). روى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يومئذ معاوية بن أبي سفيان، وقالوا هي لنا حلال وتأولوا قوله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أن ابعثهم إلي، قبل أن يفسدوا من قبلك. فلما قدموا على عمر، جمع أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم ما ترون؟ فقالوا: إنهم قد افتروا على الله كذبا، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي ساكت فقال: يا علي ما ترى؟ قال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا فاضربهم ثمانين جلدة، وإن لم يتوبوا فاضرب أعناقهم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين جلدة وأرسلهم" (٢).

стр. 3685

وقد "تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة ﵁، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعمر، وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة، ولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد عبد القيس قدم على عمر بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر: ومن يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة، فجاء أبو هريرة فقال له عمر بم تشهد؟ قال لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء، فقال له عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله، فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد، قال: بل شهيد: قال: قد أديت شهادتك، فصمت الجارود ثم غدا على عمر، فقال أقم على قدامة كتاب الله، فقال له عمر: ما أراك إلا خصما وما شهد معك إلا رجل واحد، قال الجارود: إني أنشدك الله، قال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود: ما هذا والله يا عمر بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني، فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني، قال عمر لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح الآية، فقال له عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر وكان مريضا فقال له قوم من الصحابة لا نرى أن تجلده ما دام مريضا، فأصبح يوما وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى ذلك ما دام وجعا، فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إلي من أن ألقاه وهو في عنقي، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه قدامة مغاضبا له، فلما كان عمر بالسقيا نام ثم استيقظ فقال:

стр. 3686

عجلوا علي بقدامة، فقد أتاني آت في النوم فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبى فلما جاء كلمه عمر واستغفر له فاصطلحا، قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره" (١). قال أيوب ابن أبي تميمة: "لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره" (٢). قال ابن العربي: "فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكر فيه عن ابن عباس في حديث الدارقطني وعمر في حديث البرقاني، وهو صحيح. وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره لا يحد على الخمر ما حد أحد، فكان هذا من أفسد تأويل، وقد خفي على قدامة، وعرفه من وفقه الله له كعمر وابن عباس، والله أعلم، [قال الشاعر] (٣): وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلا بكيت على عمر" (٤) الفوائد: ١ - ثناءٌ من الله، وحَمْدٌ لأحوال مَن يتَّصِفون بهذه الصِّفات: الإيمانِ والتقوى والإحسان، وهذا مدعاةٌ لتحرِّيها والاتصافِ بها. ٢ - ويستفاد منه الآية: القيودُ الشَّديدة في نفْيِ الإثمِ عمَّن أكَل أو شَرِب في مأكولِه ومَشروبِه، والتقوى ذُكرتْ في الآيةِ ثلاثَ مرَّات، والإيمانُ مرَّتين، والإحسانُ مرَّة، قيودٌ شديدة عظيمة؛ فينبغي الحَذَر من أنْ يكون في المطعومِ إثمٌ.

стр. 3687

٣ - ومنها: أنَّ مَن أكَلَ حلالًا بكسْبٍ حرامٍ فعليه الإثمُ؛ لأنَّه لم يتَّقِ اللهَ في كسْبِه، ولا بدَّ أن يتَّقيَ اللهَ ، وإذا كان الشيءُ المحرَّمُ مُعَيَّنًا فيكون الآكِلُ كالكاسِب، مثل: أنْ أعرفَ أنَّ هذه الشَّاةَ التي ذبَحَها إكرامًا لي قد سرقَها من فلانٍ، فهذه حرامٌ عليَّ أنْ آكُلَها. ٤ - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا فضيلةُ الإحسانِ إلى الخَلْق والإحسانِ في عِبادةِ الخالِق؛ فالإحسانُ إلى الخَلْق أن تبذُلَ جاهَك، تبذل مالَك، تبذل خِدمتك، تبذل منفعتَك البدنيَّة، والإحسانُ في عبادة الخالِقِ فسَّره أعلمُ الناسِ بمعناه، وهو النبيُّ ﷺ بقوله: " أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإنْ لم تكُن تراه فإنَّه يَراك" (١). قال القرطبي: قوله: " ﴿ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾ دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات، فضله بأجر الإحسان" (٢). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤] التفسير: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، ليبلونكم الله بشيء من الصيد يقترب منكم على غير المعتاد حيث تستطيعون أَخْذَ صغاره بغير سلاح وأخذ كباره بالسلاح; ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين يخافون ربهم بالغيب، ليقينهم بكمال علمه بهم، وذلك بإمساكهم عن الصيد، وهم محرمون. فمن تجاوز حَدَّه بعد هذا البيان فأقدم على الصيد -وهو مُحْرِم- فإنه يستحق العذاب الشديد.

стр. 3688

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: " يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (١). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله" (٢). قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٣). قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: " ليختبرنكم الله ببعض الصيد " (٤). قال مقاتل: " يعني: ببعض الصيد فخص صيد البر خاصة، ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا" (٥). قال الزجاج: " معنى: ﴿ليبلونكم﴾: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم" (٦). قال سعيد بن جبير: " ﴿ليبلونكم الله﴾، يعني: ليبتلينكم، يعني: المؤمنين" (٧). قال الطبري: وإنما أخبرهم تعالى ذكره أنه يبلوهم بشيء، لأنه لم يبلُهم بصيد البحر، وإنما ابتلاهم بصيد البرّ، فالابتلاء ببعض لا بجميع" (٨). قال السعدي: " أي: بشيء غير كثير، فتكون محنة يسيرة، تخفيفا منه تعالى ولطفا، وذلك الصيد الذي يبتليكم الله به ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ أي: تتمكنون من صيده، ليتم بذلك الابتلاء، لا غير مقدور عليه بيد ولا رمح، فلا يبقى للابتلاء فائدة" (٩).

стр. 3689

قال مُقَاتِل بن حَيَّان: " أنزلت في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا فنهاهم الله عن قتله، وهم محرمون" (١). وذكر الكلبي نحو ذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]، يحتمل وجهين: أحدهما: أن ﴿مِّنَ﴾، للتبعيض في هذا الموضع، لأن الحكم متعلق بصيد البَرِّ دون البحر، وبصيد الحرم والإِحرام دون الحل والإِحلال. والثاني: أن ﴿مِّنَ﴾، في هذا الموضع داخلة لبيان الجنس، نحو قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. قاله الزجاج (٣). قال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله: ﴿بشيء من الصيد﴾؟ قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو أشد منه " (٤). قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: "يسهل عليكم أخذ بعضه بأيديكم وبعضه برماحكم" (٥). قال ابن عباس: " هو الضعيف من الصيد وصغيره يبتلي الله به من عباده في إحرامهم حتى لو شاءوا تناولوه بأيديهم فنهاهم الله أن يقربوه" (٦). قال الطبري: يعني: " إما باليد، كالبيض والفراخ، وإما بإصابة النَّبْل والرماح، وذلك كالحمر والبقر والظباء، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجّكم" (٧).

стр. 3690

قال الشوكاني: " كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم، كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت، وكان نزول الآية في عام الحديبية، أحرم بعضهم وبعضهم لم يحرم، فكان إذا عرض صيد اختلفت فيه أحوالهم" (١). قال المراغي: " ووجه الابتلاء فى ذلك أن الصيد طعام لذيذ تشتد الحاجة إليه فى الأسفار الطويلة كالسفر إلى الجهات النائية، إلى أن سهولة تناوله تغرى به، إذ ترك مالاينال إلا بمشقة لا يدل على التقوى والخوف من الله كما يدل عليه ترك ما ينال بسهولة" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، قولان: أحدهما: ما تناله أيدينا: البيض، ورماحنا: الصيد، قال مجاهد (٣)، ومقاتل (٤)، واختاره الطبري (٥). والثاني: ما تناله أيدينا: الصغار، ورماحنا: الكبار، قاله ابن عباس (٦). قال الزجاج: " ومعنى قوله: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾، الذي تناله الأيدي نحو بيض النعام وفراخه وما كان صغيرا ينهض من مجثمه من غير النعام وسائر ما يفوق اليد بحركته من سائر الوحش، فحرم جميع صيد البر الجراد وكل ما يصطاد فحرام صيده ما داموا حرما. وبين رسول الله ﷺ أن كل ما اصطيد في الحرم حرام، كانوا محرمين أو غير محرمين" (٧).

стр. 3691

وقال ابن عطية: " والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر، لأنها عظم المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا" (١). وقرأ إبراهيم: "يناله"، بالياء (٢). قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: " ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين يخافون ربهم بالغيب" (٣). قال ابن عطية: " معناه: ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل" (٤). قال الطبري: أي: " ليعلم أولياء الله من يخافُ الله فيتقي محارمَه التي حرمها عليه من الصيد وغيره، بحيث لا يراه ولا يُعاينه" (٥). قال الزمخشري: أي: " ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيتقى الصيد، ممن لا يخافه فيقدم عليه" (٦). قال المراغي: يعني: " إنه تعالى يريد أن يعاملكم معاملة المختبر الذي يريد أن يعلم الشيء وإن كان هو عالما به، تربية لكم وتزكية لنفوسكم وتطهيرا لها" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، أربعة تأويلات (٨): أحدها: أن معنى ليعلم الله: ليرى، فعبر عن الرؤية بالعلم لأنها تؤول إليه، قاله الكلبي (٩). والثاني: ليعلم أولياؤه من يخافه بالغيب. والثالث: لتعلموا أن الله يعلم من يخافه بالغيب.

стр. 3692

والرابع: معناه لتخافوا الله بالغيب، والعلم مجاز، وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾، يعني: بالسر كما تخافونه في العلانية. قال ابن كثير: " يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًا وجهرًا ليظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] " (١). قال ابن عطية: " والظاهر أن المعنى: ﴿بالغيب﴾، من الناس، أي: في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو صاد" (٢). قال السعدي: " ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء، فقال: ﴿ليعلم الله﴾ علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب ﴿من يخافه بالغيب﴾ فيكف عما نهى الله عنه مع قدرته عليه وتمكنه، فيثيبه الثواب الجزيل، ممن لا يخافه بالغيب، فلا يرتدع عن معصية تعرض له فيصطاد ما تمكن منه" (٣). وقرأ الزهري: «ليعلم الله»، بضم الياء وكسر اللام، أي: ليعلم عباده (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: " فمن تجاوز حَدَّه بعد هذا البيان فأقدم على الصيد -وهو مُحْرِم- فإنه يستحق العذاب الشديد" (٥). قال السدي: "يعني بعد هذا" (٦). قال ابن كثير: يعني: "بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه" (٧). قال الزمخشري: أي: " فصاد بعد ذلك الابتلاء، فالوعيد لاحق به" (٨).

стр. 3693

قال الطبري: أي: " فمن تجاوز حدَّ الله الذي حدّه له، بعد ابتلائه بتحريم الصيد عليه وهو حرام، فاستحلَّ ما حرَّم الله عليه منه بأخذِه وقتله، فله عذابٌ، من الله، مؤلم موجع" (١). قال المراغي: أي: " فمن اعتدى بأخذ شىء من ذلك الصيد بعد ذلك البيان الذي أخبركم الله تعالى به قبل حصوله، فله عذاب شديد فى الآخرة، إذ هو لم يبال باختبار الله له، بل انتهك حرمة نواهيه، وأبان أنه لا يخافه بالغيب، بل يخاف لوم المؤمنين وتعذيرهم إذا هو أخذ شيئا من الصيد بمرأى منهم ومسمع كما هو دأب المنافقين الذين يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليل" (٢). قال السعدي: " ﴿فمن اعتدى﴾ منكم ﴿بعد ذلك﴾ البيان، الذي قطع الحجج، وأوضح السبيل. ﴿فله عذاب أليم﴾ أي: مؤلم موجع، لا يقدر على وصفه إلا الله، لأنه لا عذر لذلك المعتدي، والاعتبار بمن يخافه بالغيب، وعدم حضور الناس عنده. وأما إظهار مخافة الله عند الناس، فقد يكون ذلك لأجل مخافة الناس، فلا يثاب على ذلك" (٣). قال مقاتل: " يقول: فمن أخذ الصيد عمدا بعد النهي، فقتل الصيد وهو محرم: ﴿فله عذاب أليم﴾، يعني: ضربا وجيعا ويسلب ثيابه ويغرم الجزاء، وحكم ذلك إلى الإمام" (٤). عن قيس بن سعيد: " أن ابن عباس كان يقول: ﴿عذاب أليم﴾، أن يوسع ظهره وبطنه جلدا ويسلب ثيابه" (٥). وعن مجاهد: " ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، قال: هي موجبة" (٦). قال ابن عطية: " والعذاب الأليم، هو عذاب الآخرة الفوائد:

стр. 3694

١ - ابتلاء الله تعالى لأصحاب رسول الله ﷺ بالحديبية بكثرة الصيد بين أيديهم. وحرم عليهم صيده فامتثلوا أمر الله تعالى ولم يصيدوا فكانوا خيراً من بني إسرائيل وأفضل منهم على عهد أنبيائهم. ٢ - بيان امتحان الله ﵎ لعباده بتيسير أسباب المعصية لهم ليعلم من يخافه بالغيب ومن لايخافه إلا في العلانية. ٣ - أن الصيد في حال الإحرام محرم، لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. ٤ - أن من كان جاهلا فإنه لا إثم عليه إذا فعل المعصية، لقوله: ﴿بعد ذلك﴾. ٥ - إثبات علم الله ﵎، لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، وعلمه محيط بكل شي. ٦ - الثناء على من يخاف الله بالغيب. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥] التفسير:

стр. 3695

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تقتلوا صيد البر، وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل الحرم ومَن قتل أيَّ نوعٍ من صيد البرِّ متعمدًا فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان، وأن يهديه لفقراء الحرم، أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم بدلا من ذلك يوما عن كل نصف صاع من ذلك الطعام، فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء; ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبة فِعْله. والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم، ومَن عاد إلى المخالفة متعمدًا بعد التحريم، فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه. والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه، ومِن عزته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد، لا يمنعه من ذلك مانع. سبب النزول: قال مقاتل: " وذلك أن أبا بشر واسمه: عمرو بن مالك الأنصاري كان محرما في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمار وحش، فنزلت فيه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٤). قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين" (٥).

стр. 3696

قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " لا تقتلوا صيد البر، وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل الحرم" (١). قال الطبري: أي: " لا تقتلوا الصيدَ وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة" (٢). قال ابن كثير: " وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه. وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها. والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة أم المؤمنين؛ أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فَواسِق يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم الغُراب والحدأة، والعَقْرب، والفأرة، والكلب العَقُور» (٣) " (٤). وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ثلاثة أقوال: أحدها: يعني الإِحرام بحج أو عمرة، قاله الأكثرون (٥). والثاني: يعني بالحرم الداخل إلى الحرم، يقال أحرم إذا دخل في الحرم، وأَتْهَمَ إذا دخل تهامة، وأَنْجَدَ إذا دخل نجد، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر الحرم. قاله بعض البصريين (٦). والثالث: أن اسم المحرم يتناول الأمرين معاً على وجه الحقيقة دون المجاز من أحرم بحج أو عمرة أو دخل الحرم، وحكم قتل الصيد فيهما على سواء بظاهر الآية، قاله علي بن أبي هريرة (٧).

стр. 3697

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " ومَن قتل أيَّ نوعٍ من صيد البرِّ متعمدًا" (١). قال الطبري: هذا إعلام من الله تعالى ذكره عبادَه حكمَ القاتل من المحرمين الصيدَ الذي نهاه عن قتله متعمدًا" (٢). قال النسفي: " أى: ذاكرا لا حرامه أو عالما أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه فإن قتله ناسيا لإحرامه أو رمى صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطئ وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ لأن مورده الآية فيمن تعمد" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وجهان: أحدهما: متعمداً لقتله، ناسياً لإحرامه، قاله مجاهد (٤)، والحسن (٥)، وإبراهيم (٦)، وابن جريج (٧)، وابن زيد (٨)، واختاره الزجاج (٩). والثاني: متعمداً لقتله ذاكراً لإِحرامه، قاله ابن عباس (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، وعطاء (١٢)، والزهري (١٣)، وطاوس (١٤).

стр. 3698

والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، لأن الله تعالى "لم يخصص به المتعمِّد قتلَه في حال نسيانه إحرامَه، ولا المخطئَ في قتله في حال ذكره إحرامَه، بل عمَّ في التنزيل بإيجاب الجزاء، كلَّ قاتل صيد في حال إحرامه متعمدًا، وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب، ولا خبر لرسول الله ﷺ ، ولا إجماع من الأمة، ولا دلالةَ من بعض هذه الوجوه. فإذْ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتل الصيد من المحرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا لإحرامه، أو عامدًا قتله ناسيًا لإحرامه، أو قاصدًا غيره فقتله ذاكرًا لإحرامه في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى ذكره، وهو: مثلُ ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من المسلمين، أو كفارة طعامُ مساكين، أو عدل ذلك صيامًا" (١). واختلفوا في الخاطىء في قتله الناسي لإِحرامه على قولين (٢): أحدهما: لا جزاء عليه، قاله داود. الثاني: عليه الجزاء، قاله مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم" (٣). قال الماوردي: " يريد أن مثل الصيد من النعم" (٤). قال ابن الجوزي: " المعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول" (٥). قال ابن قتيبة: "النعم: الإبل، وقد يكون البقر والغنم، والأغلب عليها الإبل" (٦). وقال الزجاج: النعم في اللغة هي الإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل منها قيل لها نعم وإن انفردت الغنم والبقر لم تسم نعما، فكان عليه بحذاء حمار الوحش وبقرة الوحش بدنة، وعليه بحذاء الظباء من الغنم شاة" (٧).

стр. 3699

واختلف أهل العلم في صفة «الجزاء»، وكيف يجزي قاتلُ الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم، وفي ذلك قولان (١): أحدهما: أن يقوَّم الصيد المقتول قيمتَه من الدراهم، ثم يشتري القاتل بقيمته نِدًّا من النعم، ثم يهديه إلى الكعبة، وهو قول إبراهيم (٢)، وبه قال أبو حنيفة (٣). والثاني: ينظر إلى أشبه الأشياء به شبهًا من النعم، فيجزيه به، ويهديه إلى الكعبة، وهذا قول عمر بن الخطاب (٤)، وابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وعطاء (٧)، والضحاك (٨)، السدي (٩)، والحسن بن مسلم (١٠). وبه قال الشافعي (١١). قال الإمام الطبري: " وأولى القولين في تأويل الآية، ما قال عمر وابن عباس، ومن قال بقولهما: أن المقتول من الصيد يُجْزَي بمثله من النعم، كما قال الله تعالى ذكره: "فجزاء مثل ما قتل من النعم". وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم، وقد قال الله تعالى: "من النعم"، لأن الدراهم ليست من النعم في شيء" (١٢). قال قبيصة بن جابر: "أصبت ظبيًا وأنا محرم، فأتيت عمر فسألته عن ذلك، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ أمرَه أهون من ذلك! قال: فضربني بالدِّرّة حتى سابقته عدوًا! قال: ثم قال: قتلتَ الصيد وأنتَ محرم، ثم تَغْمِص الفُتيا! قال: فجاء عبد الرحمن، فحكما شاة" (١٣).

стр. 3700

وقال إبراهيم النخعي: " ما أصاب المحرم من شيء، حكم فيه قيمته" (١)، وهو قول جماعة من الكوفيين (٢). وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «فجزاء مثل» مضافة وبخفض «مثل». وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «فجزاء» منون «مثل» مرفوع (٣). قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان" (٤). قال الزجاج: " أي: من أهل ملتكم، فعلى قاتل الصيد أن يسأل فقيهين عدلين عن جزاء ما قتل" (٥). قال الطبري: " يعني: فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل" (٦). قال ابن الجوزي: " وإنما ذكر اثنين، لأن الصيد يختلف في نفسه، فافتقر الحكم بالمثل إلى عدلين" (٧). قال السمعاني: " وفيه دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام" (٨). عن بكر بن عبد الله المزني قال: "كان رجلان من الأعراب محرِمين، فأحاش أحدهما ظبيًا، فقتله الآخر. فأتيا عمر، وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: وما ترى؟ قال: شاة، قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فأهديا شاة. فلما مضَيا قال أحدهما لصاحبه: ما درَى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه! ! فسمعها عمر، فردّهما فقال: هل تقرأان سورة المائدة؟ فقالا لا! فقرأها عليهما: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، ثم قال: استعنت بصاحبي هذا" (٩).

стр. 3701

قال قتادة: " ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدًا، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك، وعنده عبد الله بن صفوان، فقال ابن عمر لابن صفوان: إما إن أقول فتصدقني، وإما أن تقول فأصدقك. فقال ابن صفوان: بل أنت فقل. فقال ابن عمر، ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان" (١). عن عمرو بن حبشي قال: "سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر، عن رجل أصاب ولدَ أرنب، فقال: فيه ولد ماعز، فيما أرى أنا. ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم مني. فقال: قال الله تعالى ذكره: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ " (٢). قال شريح: " لو وجدت حكمًا عدلا لحكمت في الثعلب جَدْيًا، وجديٌ أحبُّ إليّ من الثعلب" (٣). قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " وأن يهديه لفقراء الحرم" (٤). قال الطبري: " أي: يُهْدَي فيبلغ الكعبة" (٥). قال مقاتل: " هديا بالغ الكعبة يعني: بالهدي: البدن" (٦)، قوله" ﴿بالغ الكعبة﴾: محلها مكة" (٧). قال ابن عمر: " إنما الهدي ذوات الجود (٨). قال السعدي: " أي: يذبح في الحرم" (٩). قال الماوردي: " يلزم إيصاله إلى الكعبة، وعنى بالكعبة جميع الحرم، لأنها في الحرم" (١٠). قال ابن كثير: " أي: واصلا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم، بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم. وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة" (١١). قال السمعاني: " قوله: ﴿بالغ الكعبة﴾ يقتضي أن يكون إعطاء الهدي في الحرم، يفرق على مساكين الحرم، وهو الواجب" (١٢).

стр. 3702

واختلفوا هل يجوز أن يهدي في الحرم ما لا يجوز في الأضحية من صغار الغنم على قولين (١): أحدهما: لا يجوز قاله: أبو حنيفة. الثاني: يجوز، قاله الشافعي. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين نصف صاع" (٢). قال السعدي: " أي: كفارة ذلك الجزاء طعام مساكين، أي: يجعل مقابلة المثل من النعم، طعام يطعم المساكين" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، قولان: أحدهما: أنه يُقَوِّم المثل من النعم ويشتري بالقيمة طعاماً، قاله عطاء (٤)، والشافعي (٥). الثاني: يقوِّم الصيد ويشتري بالغنيمة طعاماً، قاله قتادة (٦)، وأبو حنيفة (٧). قال السعدي: " قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء، فيشترى بقيمته طعام، فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره" (٨). قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: أو كفارة منونا طعام رفعا. وقرأ نافع، وابن عامر: «أو كفارة» رفعا غير منون «طعام مساكين» على الاضافة (٩). قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " أو يصوم بدلا من ذلك يوما عن كل نصف صاع من ذلك الطعام" (١٠). قال السعدي: " أي: يصوم عن إطعام كل مسكين يوما" (١١). قال البيضاوي: أي: " أو ما ساواه من الصوم فيصوم عن طعام كل مسكين يوما" (١٢).

стр. 3703

وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، ثلاثة اقوال: أحدها: أنه يصوم عن كل مد يوماً، قاله عطاء (١)، والشافعي (٢). والثاني: يصوم عن كل مد ثلاثة أيام، قاله سعيد بن جبير. والثالث: يصوم عن كل صاع يومين، قاله قتادة (٣). واختلفوا في التكفير بهذه الثلاثة، هل هو على الترتيب أو التخيير على قولين: أحدهما: أنه على التخيير بين إخراج النظير بأي الثلاثة شاء، قاله عطاء (٤)، والضحاك (٥)، وعكرمة (٦)، وهو أحد قولي ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، ومذهب الشافعي (٩). قال الزجاج: " يجوز أن تكون ﴿أو﴾ - وهو الأجود في اللغة – للتخيير" (١٠). والثاني: على الترتيب، إن لم يجد المثل فالإطعام، فإن لم يجد الطعام فالصيام، قاله ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، وعطاء -في أحد قوليه- (١٣)، وعامر (١٤)، وإبراهيم (١٥)، والسدي (١٦). قال ابن الجوزي: " وبالأول قال جمهور الفقهاء" (١٧).

стр. 3704

قال الطبري: " وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا﴾ أن يكون تخييرًا، وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأيِّ هذه الكفارات الثلاث شاء. لأن الله تعالى ذكره، جعل ما أوجبَ في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله، وتكفيرًا لذنبه، في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حرامًا عليه إتلافه في حال إحرامه، وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه، وقد كان له حلالا قبل حال إحرامه، [عقوبة لفعله، وتكفيرًا لذنبه] وحلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه، ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد، ثم جعل عليه إن حلقه جزاءً من حلقه إياه. فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من أذاته، مخيَّر في تكفيره، فعله ذلك بأيِّ الكفارات الثلاث شاء. لا فرق بين ذلك فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين" (١). وقرأ أبو رزين، والضحاك، وقتادة، والجحدري، وطلحة: «أو عدل ذلك»، بكسر العين (٢). قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء; ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبة فِعْله" (٣). قال السدي: " أما ﴿وبال أمره﴾: فعقوبة أمره" (٤). قال ابن الجوزي: " أي: جزاء ذنبه" (٥). قال البيضاوي: أي: " ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى" (٦).

стр. 3705

الوبال: ثقل الشيء في المكروه، ومنه قولهم: طعام وبيل، وماء وبيل، إذا كانا ثقيلين غير ناميين في المال، قال : ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]، أي ثقتيلا شديدا، والوبيل خشبة القصار ومن هذا قيل لها وبيل (١)، قال طرفة ابن العبد (٢): فمرّتْ كَهاةٌ ذاتُ خَيْفٍ جُلالةٌ ... عقِيلَةُ شَيْخٍ كالوبِيل يَلَنْدَدِ قال القرطبي: " الذوق هنا مستعار كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]. وقال ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ [النحل: ١١٢]، وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان، وهي في هذا كله مستعارة. ومنه الحديث «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا» (٣)، الحديث، والوبال سوء العاقبة. والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله. وطعام وبيل إذا كان ثقيل" (٤). قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم" (٥). قال أبو ذر (٦)، وسعيد بن جبير (٧) وعطاء (٨): "ما كان في الجاهلية". قال الماوردي: " يعني: قبل نزول التحريم" (٩). قال البيضاوي: أي: " من قتل الصيد محرما في الجاهلية أو قبل التحريم، أو في هذه المرة" (١٠). قال الزمخشري: أي: "من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول الله ﷺ وتسألوه عن جوازه، وقيل: عما سلف لكم في الجاهلية منه، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرما" (١١).

стр. 3706

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " ومَن عاد إلى المخالفة متعمدًا بعد التحريم، فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه" (١). قال الزجاج: اي: " ومن عاد مستحلا للصيد بعد أن حرمه الله منه فينتقم الله منه أي فيعذبه الله، وجائز أن يكون: من عاد مستخفا بأمر الله فجزاؤه العذاب كجزاء قاتل النفس" (٢). قال ابن كثير: " أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه فينتقم الله منه" (٣). قال الزمخشري: أي: " ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد، فينتقم منه في الآخرة" (٤). قال ابن الجوزي: " «الانتقام»: المبالغة في العقوبة" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، قولان (٦): أحدهما: يعني ومن عاد بعد التحريم، فينتقم الله منه بالجزاء عاجلاً، وعقوبة المعصية آجلاً. والثاني: ومن عاد بعد التحريم في قتل الصيد ثانية بعد أوله، فينتقم الله منه. وعلى هذا التأويل قولان: أحدهما: فينتقم الله منه بالعقوبة في الآخرة دون الجزاء، قاله ابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وشريح (١٠)، وإبراهيم (١١)، وداود (١٢). والثاني: بالجزاء مع العقوبة، قاله الشافعي (١٣)، والجمهور (١٤).

стр. 3707

وروي عن زيد أبو المعلى: أن رجلا أصاب صيدًا وهو محرم، فتجُوِّز له عنه. ثم عاد، فأرسل الله عليه نارًا فأحرقته، فذلك قوله: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾، قال: في الإسلام" (١). قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا، قولُ من قال: معناه: ومن عاد في الإسلام لقتله بعد نهي الله تعالى ذكره عنه، فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة، لأن الله إذْ أخبر أنه ينتقم منه، لم يخبرنا وقد أوجب عليه في قتله الصيد عمدًا ما أوجب من الجزاء أو الكفارة بقوله: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثلُ ما قتل من النعم﴾ "، أنه قد أزال عنه الكفارة في المرة الثانية والثالثة، بل أعلم عبادَه ما أوجبَ من الحكم على قاتل الصيد من المحرمين عمدًا، ثم أخبر أنه منتقم ممن عاد، ولم يقل: ﴿ولا كفارة عليه في الدنيا﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: " والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه، ومِن عزته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد، لا يمنعه من ذلك مانع" (٣). قال القرطبي: " ﴿عزيز﴾، أي: منيع في ملكه، ولا يمتنع عليه ما يريده. ﴿ذو انتقام﴾ ممن عصاه إن شاء" (٤). قال النسفي: " ﴿والله عزيز﴾ بإلزام الأحكام ﴿ذو انتقام﴾ لمن جاوز حدود الإسلام" (٥). قال الطبري: أي: " والله منيعٌ في سلطانه، لا يقهره قاهرٌ، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته، مانع. لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة المَنَعة، وأما قوله: ﴿ذو انتقام﴾، فإنه يعني به: معاقبتَه لمن عصاه على معصيته إياه" (٦). عن أبي العالية: ﴿والله عزيز﴾، يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم" (٧).

стр. 3708

عن محمد بن إسحاق: " ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾، قال: عزيز ذو بطش" (١)، " ﴿ذو انتقام﴾: ذوا انتقام ممن آذاه" (٢). وفي رواية أخرى عن محمد بن إسحاق: " أي: أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته بما جاءه منه فيها" (٣). قال السعدي: " وإنما نص الله على المتعمد لقتل الصيد، مع أن الجزاء يلزم المتعمد والمخطئ، كما هو القاعدة الشرعية -أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة، فإنه يضمنها على أي حال كان، إذا كان إتلافه بغير حق، لأن الله رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام، وهذا للمتعمد. وأما المخطئ فليس عليه عقوبة، إنما عليه الجزاء، [هذا جواب الجمهور من هذا القيد الذي ذكره الله. وطائفة من أهل العلم يرون تخصيص الجزاء بالمتعمد وهو ظاهر الآية. والفرق بين هذا وبين التضمين في الخطأ في النفوس والأموال في هذا الموضع الحق فيه لله، فكما لا إثم لا جزاء لإتلافه نفوس الآدميين وأموالهم" (٤). الفوائد: ١ - تحريم الصيد على المحرم، وأن قتله مناف لكمال الإيمان، لأنه تعالى خاطب بهذا النهي المؤمنين، وعليه فإن اجتناب قتل الصيد من مقتضيات الإيمان. ٢ - بيان جزاء من صاد وهو محرم وأنه جزاء مثل ما قتل من النعم. ٣ - وجوب التحكيم فيما صاده المحرم، ولا يصح أن يكفر الصائد بنفسه. ٤ - وأنه لابد من العدالة في الحكمينـ لقوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾. ٥ - أن جزاء الصيد لابد أن يصل إلى الحرم، لقوله: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾. ٦ - أن الفداء كفارة للذنب وستر له في الدنيا وفي الآخرة، لقوله: ﴿او كفارة طعام مساكين﴾. ٧ - إثبات العفو، لله وسعة عفو الله ، لقوله: ﴿عفا الله عما سلف﴾.

стр. 3709

قال الشيخ ابن عثيمين: "العفو: هو عدم المؤاخذة على الذنب، والاكثر أن العفو في ترك الواجب والمغفرة في فعل المحرم" (١). ٨ - أن من فعل محظورا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه ولا كفارة ولا جزاء. ٩ اثبات الاسم الكريم «العزيز» لله : قال الشيخ ابن عثيمين: "و «العزيز»: "الغالب الذي لايغلبه أحد، والعزيز: بمعنى: الذي يمتنع عليه النقص باي وجه من الوجوه، والعزيز ذو العزة التي تكسب من اتصف بها قدرة وسلطانا وغير ذلك" (٢). القرآن ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦] التفسير: أحل الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر، وهو ما يصاد منه حيًّا، وطعامه: وهو الميت منه; من أجل انتفاعكم به مقيمين أو مسافرين، وحرم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة. واخشوا الله ونفذوا جميع أوامِره، واجتنبوا جميع نواهيه; حتى تظفَروا بعظيم ثوابه، وتَسْلموا من أليم عقابه عندما تحشرون للحساب والجزاء. حكى الكلبي: "أن هذه الآية نزلت في بني مدلج، وكانوا ينزلون بأسياف البحر، سألوا عما نضب عنه الماء من السمك، فنزلت هذه الآية فيهم" (٣). قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: " أحل الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر، وهو ما يصاد منه حيًّا" (٤). قال الماوردي: " يعني: صيد الماء سواء كان من بحر أو نهر أو عين أو بئر فصيده حلال للمحرم والحلال في الحرم والحل" (٥).

стр. 3710

قال الطبري: أي: " أحل لكم، أيها المؤمنون، طريّ سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حِلِّكم وحَرَمكم، وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رَمى به إلى ساحله" (١). قال السمرقندي: " يعني: في الإحرام وغير الإحرام" (٢). قال الواحدي: أي: " ما أُصيب من داخله وهذا الإِحلالُ عامٌّ لكلِّ أحد مُحرِماً كان أو مُحِلا" (٣). قال ابن عباس: "خطب أبو بكر الناس فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾، قال: فصيده ما أخذ" (٤). قال عمر بن الخطاب: " صيده، ما صيد منه" (٥). وروي عن ابن عباس مثله (٦). قال ابن عطية: " هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضا يراد به الصيد، وأضيف إلى «البحر» لما كان منه بسبب، والبحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا، وكل نهر كبير بحر" (٧). قال الزمخشري: " ﴿صيد البحر﴾، مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل، والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وعند ابن أبى ليلى: أحل لكم صيد حيوان البحر" (٨). قال الإمام الشافعي: " والبحر اسم جامع، فكل ما كثر ماؤه واتسع قيل هذا بحر، فإن قال قائل: فالبحر المعروف: البحر هو المالح، قيل: نعم، ويدخل فيه العذب، وذلك معروف عند العرب" (٩). قال الراغب: " البحر: يتناول كلا مالحا كان أو عذبا، في جدول كان أو في نهر، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَات﴾ [فاطر: ١٢] " (١٠).

стр. 3711

واختلف أهل العلم في حكم الحيوانات البرمائية (١) على قولين (٢): أحدهما: أن كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد البر، لذلك إنْ قتله المحرم وَدَاه، وهذا قول مالك (٣)، وأبو مجلز (٤)، وابن أبي ليلى (٥)، وعطاء (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وغيرهم (٨). والثاني: ان صيد البحر هو مبني على أكثر عيش الحيوان، وأن صيد البر ما كان كونه في البرّ أكثر من كونه في البحر. وهذا قول عطاء بن ابي رباح. سئل عطاء: " ابن الماء، أصيد برّ أم بحر؟ وعن أشباهه؟ فقال: حيث يكون أكثر، فهو صيده" (٩). وفي رواية أخرى: " أكثر ما يكون حيث يُفْرِخ، فهو منه" (١٠). قال ابن عطية: "والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب (١١). وفي حكم أكل ميتة السمك قولان (١٢):

стр. 3712

أحدهما: أنه حلال مع اختلاف أنواعها، قال النبي ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: الميتتان الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال» (١). قال مالك والشافعي وابن ابي ليلى والأوزاعي، والثوري في رواية الأشجعي: يؤكل ما في البحر كله من السمك والدواب، وسائر ما في البحر من الحيوان، وسواء اصطيد أو وجد ميتا طافيا وغير طاف، وليس شيء من ذلك يحتاج إلى ذكاة، واحتج مالك ومن معه بقوله- ﷺ -في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٢) (٣).

стр. 3713

قال القرطبي: "واصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر عن الحوت الذي يقال له «العنبر» وهو من أثبت الاحاديث، خرّجه الصحيحان، وفيه: «فلما قدما المدينة اتينا رسول- ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، فارسلنا إلى رسول الله- ﷺ منه، فأكله» (١) (٢). وأسند عن ابي بكر (٣)، وأبي أيوب (٤)، أنهما قال بحلال السمكة الطافية لمن أراد أكلها. وأسند عن جبلة بن عطية: أن اصحاب ابي طلحة اصابوا سمكة طافية، فسالوا عنها ابا طلحة، فقال اهدوها لي (٥). وقال عمر بن الخطاب: "الحوت ذكيّ والجراد ذكي كله" (٦). والثاني: انه لايؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك. وهذا قول أبي حنيفة (٧). وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه، وكره الحسن بن حيّ أكل الطافي من السمك (٨). وروي عن علي-﵁ أنه كرهه (٩).

стр. 3714

ولم يختلف عن جابر انه كرهه، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ [المائدة: ٣]، وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبدالله عن النبي- ﷺ : «كلوا ما حسر عنه البحر وما القاه، وما وجدتموه ميتا او طافيا فوق الماء فلا تأكلوه» (١) (٢). واختلف أهل العلم في حكم اكل الحيوانات البرمائية نظرا لتنازع أدلة التحليل والتحريم، على ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحل أكلها؛ لأنها من الخبائث، وللسمية في الحية، ولأن «النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع» (٣) ولو حل أكله، لم ينه عن قتله. وهذا قول الحنفية والشافعية (٤). ولا خلاف عند الشافعي في عدم جواز أكل الضفدع، واختلف قوله فيما له شبه في البر مما لايؤكل، كالخنزير والكلب وغير ذلك، والصحيح أكل ذلك كله، لأنه نص على الخنزير في جواز أكله، وهو له شبه في البر مما لايؤكل، ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين، وكل ما له ناب، لنهيه ﵊ عن اكل "كل ذي ناب" (٥) (٦). وقال أبو حنيفة، والثوري: "لا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك" (٧).

стр. 3715

وروي عن علي-﵁ أنه كره أكل السمك الجريّ من وجه لايثبت (١). قال القرطبي: وروي عنه أكل ذلك، وهو أصح" (٢). والثاني: أنه يباح أكل الضفادع والحشرات والسرطانات والسلحفاة، إذ لم يرد نص في تحريمها. وتحريم الخبائث: هو ما نص عليه الشرع، فلا يحرم ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص. وهذا قول المالكية (٣). والثالث: أن كل ما يعيش في البر من دواب البحر، لا يحل بغير ذكاة كطير الماء، والسلحفاة، وكلب الماء، إلا مالا دم فيه كالسرطان، فإنه يباح في بغير ذكاة؛ لأنه حيوان بحري يعيش في البر، وليس له دم سائل، فلاحاجة إلى ذبحه، خلافاً لما له دم، لا يباح بغير ذبح. وهذا قول الحنابلة (٤). وعلى هذا فمذهب الحنابلة قريب من مذهب المالكية في وجوب ذكاة هذا النوع من الحيوانات وإلحاقها بالبرية، والأصح أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة (٥). ولا يباح أكل الضفدع؛ لأن النبي ﷺ فيما رواه النسائي ـ نهى عن قتله، وجاء في النهي عن قتله، إذ جاء في الحديث: " أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا" (٦). فيدل ذلك على تحريمه.
следующие страницы →