← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

واختلف أهل العلم في حكم الحيوانات البرمائية (١) على قولين (٢): أحدهما: أن كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد البر، لذلك إنْ قتله المحرم وَدَاه، وهذا قول مالك (٣)، وأبو مجلز (٤)، وابن أبي ليلى (٥)، وعطاء (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وغيرهم (٨). والثاني: ان صيد البحر هو مبني على أكثر عيش الحيوان، وأن صيد البر ما كان كونه في البرّ أكثر من كونه في البحر. وهذا قول عطاء بن ابي رباح. سئل عطاء: " ابن الماء، أصيد برّ أم بحر؟ وعن أشباهه؟ فقال: حيث يكون أكثر، فهو صيده" (٩). وفي رواية أخرى: " أكثر ما يكون حيث يُفْرِخ، فهو منه" (١٠). قال ابن عطية: "والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب (١١). وفي حكم أكل ميتة السمك قولان (١٢):

стр. 3712

أحدهما: أنه حلال مع اختلاف أنواعها، قال النبي ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: الميتتان الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال» (١). قال مالك والشافعي وابن ابي ليلى والأوزاعي، والثوري في رواية الأشجعي: يؤكل ما في البحر كله من السمك والدواب، وسائر ما في البحر من الحيوان، وسواء اصطيد أو وجد ميتا طافيا وغير طاف، وليس شيء من ذلك يحتاج إلى ذكاة، واحتج مالك ومن معه بقوله- ﷺ -في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٢) (٣).

стр. 3713

قال القرطبي: "واصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر عن الحوت الذي يقال له «العنبر» وهو من أثبت الاحاديث، خرّجه الصحيحان، وفيه: «فلما قدما المدينة اتينا رسول- ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، فارسلنا إلى رسول الله- ﷺ منه، فأكله» (١) (٢). وأسند عن ابي بكر (٣)، وأبي أيوب (٤)، أنهما قال بحلال السمكة الطافية لمن أراد أكلها. وأسند عن جبلة بن عطية: أن اصحاب ابي طلحة اصابوا سمكة طافية، فسالوا عنها ابا طلحة، فقال اهدوها لي (٥). وقال عمر بن الخطاب: "الحوت ذكيّ والجراد ذكي كله" (٦). والثاني: انه لايؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك. وهذا قول أبي حنيفة (٧). وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه، وكره الحسن بن حيّ أكل الطافي من السمك (٨). وروي عن علي-﵁ أنه كرهه (٩).

стр. 3714

ولم يختلف عن جابر انه كرهه، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ [المائدة: ٣]، وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبدالله عن النبي- ﷺ : «كلوا ما حسر عنه البحر وما القاه، وما وجدتموه ميتا او طافيا فوق الماء فلا تأكلوه» (١) (٢). واختلف أهل العلم في حكم اكل الحيوانات البرمائية نظرا لتنازع أدلة التحليل والتحريم، على ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحل أكلها؛ لأنها من الخبائث، وللسمية في الحية، ولأن «النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع» (٣) ولو حل أكله، لم ينه عن قتله. وهذا قول الحنفية والشافعية (٤). ولا خلاف عند الشافعي في عدم جواز أكل الضفدع، واختلف قوله فيما له شبه في البر مما لايؤكل، كالخنزير والكلب وغير ذلك، والصحيح أكل ذلك كله، لأنه نص على الخنزير في جواز أكله، وهو له شبه في البر مما لايؤكل، ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين، وكل ما له ناب، لنهيه ﵊ عن اكل "كل ذي ناب" (٥) (٦). وقال أبو حنيفة، والثوري: "لا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك" (٧).

стр. 3715

وروي عن علي-﵁ أنه كره أكل السمك الجريّ من وجه لايثبت (١). قال القرطبي: وروي عنه أكل ذلك، وهو أصح" (٢). والثاني: أنه يباح أكل الضفادع والحشرات والسرطانات والسلحفاة، إذ لم يرد نص في تحريمها. وتحريم الخبائث: هو ما نص عليه الشرع، فلا يحرم ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص. وهذا قول المالكية (٣). والثالث: أن كل ما يعيش في البر من دواب البحر، لا يحل بغير ذكاة كطير الماء، والسلحفاة، وكلب الماء، إلا مالا دم فيه كالسرطان، فإنه يباح في بغير ذكاة؛ لأنه حيوان بحري يعيش في البر، وليس له دم سائل، فلاحاجة إلى ذبحه، خلافاً لما له دم، لا يباح بغير ذبح. وهذا قول الحنابلة (٤). وعلى هذا فمذهب الحنابلة قريب من مذهب المالكية في وجوب ذكاة هذا النوع من الحيوانات وإلحاقها بالبرية، والأصح أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة (٥). ولا يباح أكل الضفدع؛ لأن النبي ﷺ فيما رواه النسائي ـ نهى عن قتله، وجاء في النهي عن قتله، إذ جاء في الحديث: " أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا" (٦). فيدل ذلك على تحريمه.

стр. 3716

كما لا يباح أكل التمساح، وقد رجح جماعة من علمائنا المعاصرين حل أكل التمساح، منهم علماء اللجنة الدائمة للإفتاء (١)، والشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٢). ونقل عن الشيخ ابن عثيمين ما قد يُفهم منه أنه يبيح أكل الضفدع والتمساح (٣)، وعند استقراء فتاويه، تبيّن بأن الشيخ ابن عثيمين ﵀ يرى أن أكل التمساح حلال، وأن أكل الضفدع حرام، وأن التمساح داخل في عموم آية المائدة، وأن الضفدع جاء النهي عن قتله صحيحاً في السنَّة. قال ابن العربي: "الصحيح في الحيوان الذي يكون في البرّ والبحر منعه، لأنه تعارض فيه دليلان، دليل تحليل ودليل تحريم، فيغلّب دليل التحريم احتياطا" (٤). وكل ما فيه ضرر فلا يجوز أكله ولو كان بحرياً، عليه إن ثبت في شيء أن أكله سام، أو مضر لآكله، فهنا يحرم أكله، لأجل ما فيه من الضرر، لا لأن جنسه محرم في ذاته، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (٥). قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: "وما يُطعم من صيده كالسمك وغيره منفعةً وقوتاً لكم وزاداً للمسافرين يتزودونه في أسفارهم " (٦).

стр. 3717

قال الطبري: أي: " منفعةً لمن كان منكم مقيمًا أو حاضرًا في بلده، يستمتع بأكله وينتفع به، ﴿وللسيارة﴾، يقول: ومنفعةً أيضًا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض، ومسافرين يتزوّدونه في سفرهم مليحًا" (١). قال ابن كثير: " أي: منفعة وقُوتًا لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وهو جمع سيَّار" (٢). قال السمرقندي: " يعني: للمقيمين والمسافرين. وهي السمكة المالحة" (٣). قال الواحدي: أي: " ﴿وطعامة﴾: وهو ما نضب عنه الماء ولم يُصَد، منفعة للمقيم والمسافر، يبيعون ويزودون منه" (٤). قال الثعلبي: " ﴿وللسيارة﴾، يعني: المارة" (٥). قال الزمخشري: " ﴿وطعامه﴾، وما يطعم من صيده، والمعنى: وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبى حنيفة، وعند ابن أبى ليلى جميع ما يصاد منه، ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾، يعنى: تمتيعا لتنائكم (٦) يأكلونه طريا، ولسيارتكم يتزودونه قديدا، كما تزود موسى ﵇ الحوت في مسيره إلى الخضر ﵉، و ﴿متاعا لكم﴾ مفعول له مختص بالطعام، كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، " (٧). قال ابن عطية: " قوله: ﴿لكم﴾، يريد حاضري البحر ومدنه، و ﴿للسيارة﴾، المسافرين" (٨). قال ابن عباس: ": ﴿طعامه﴾، ما وجد على الساحل ميتًا" (٩)، " قوله: ﴿متاعا لكم﴾: الذي يتزود المسافر" (١٠).

стр. 3718

قال عكرمة: " ﴿متاعًا لكم وللسيارة﴾، لمن كان بحضرة البحر، ﴿وللسيارة﴾، السَّفْر" (١). وعن الحسن: " ﴿وللسيارة﴾، قال: هم المحرمون" (٢). اخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: " ﴿وللسيارة﴾ قال: الظهر"" (٣). قال ابن أبي حاتم: "قال أبي وقال غيره: التتمير" (٤). وقال مجاهد: ﴿وطعامه متاعا لكم﴾: أهل القرَى، ﴿وللسيارة﴾: أهل الأمصَار" (٥)، "والحيتانُ للناس كلهم" (٦). قال ابن عطية: " كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار" (٧). قال الطبري: "وهذا لا وجه له مفهوم، إلا أن يكون أراد بقوله: هم أهل الأمصار، هم المسافرون من أهل الأمصار، فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة، من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى. فأما «السيارة»، فلا نعقله: المقيمون في أمصارهم" (٨). وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، ثلاثة أقوال: أحدها: ما نبذه البحر ميتا، قاله أبو بكر (٩)، وعمر (١٠)، وابن عباس (١١)، وابن عمر (١٢)، وأبو أيوب (١٣)، وقتادة (١٤).

стр. 3719

والثاني: أنه مليحه، قاله سعيد بن المسيب (١)، وسعيد بن جبير (٢)، وجابر بن زيد (٣)، والسدي (٤)، وعن ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، وعكرمة (٨) كالقولين. واختلفت الرواية عن النخعي. فروي عنه كالقولين، وروي عنه أنه جمع بينهما، فقال: طعامه المليح (٩)، وما لفظه (١٠). والثالث: أنه ما نبت بمائة من زروع البر، وإنما قيل لهذا: طعام البحر، لأنه ينبت بمائه، حكاه الزجاج (١١). قال الإمام الطبري: " وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، قولُ من قال: ﴿طعامه﴾، ما قذفه البحر، أو حَسَر عنه فوُجد ميتًا على ساحله. وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر قبله صيدَ الذي يصاد، فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾، فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يُصَدْ منه، فقال: أحل لكم ما صدتموه من البحر، وما لم تصيدوه منه" (١٢). وقد روي عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم﴾، قال: ﴿طعامه﴾، ما لفظه ميتًا فهو طعامه" (١٣). وقرئ: «وطعمه» (١٤).

стр. 3720

قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: " وحرم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة" (١). قال الطبري: " وحرم الله عليكم، أيها المؤمنون، صيد البر، ما كنتم محرمين، لم تحِلوا من إحرامكم" (٢). قال السمرقندي: " يعني: ما دمتم محرمين فلا تأخذوا الصيود" (٣). واختلف أهل العلم اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد على أربعة اقوال: أحدها: أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد. وهذا قول علي بن ابي طالب (٤)، وابن عباس (٥)، وابن عمر-في أحد قوليه- (٦)، وبه قال إسحاق (٧)، والثوري (٨). واحتجوا بما روي عن الصعب بن جَثَّامة: "أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ رِجْلَ حمارِ وحش يقطر دمًا، فردّه فقال: إنا حُرُم" (٩). وبما روي عن عائشة: "أن وَشِيقة ظبي أهديت إلى رسول الله ﷺ وهو محرم، فردّها" (١٠). والثاني: إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله. وهذا قول عثمان (١١)، وبه قال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد (١٢).

стр. 3721

واحتجوا بحديث جابر عن النبيّ ﷺ بقوله: "صيد البرّ لكم حلال، مالم تصيدوه او يُصدْ لكم " (١). والثالث: أن أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صيد من أجله أم لا، وهذا قول عمر بن الخطاب (٢)، والزبير بن العوّام (٣)، وأبي هريرة (٤)، وابن عمر (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨)، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٩). واحتجوا بحديث البهزي عن النبي- ﷺ في حمار الوحش العير، أنه أمر ابابكر فقسّمه في الرفاق، من حديث مالك وغيره (١٠). وكذلك احتجوا بحديث أبي قتادة عن النبي- ﷺ ، وفيه «إنما هي طعمة اطعمكموها الله» (١١). والرابع: أن المراد حرام اصطياده، وفأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله، بعد أن يكون مِلكه إياه على غير وجه الاصطياد له، وبيعه وشراؤه جائز. قالوا: والنهي من الله تعالى ذكره، عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني. وهذا قول أبو سلمة (١٢).

стр. 3722

قا الإمام الطبري: " والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره، عمَّ تحريم كل معاني صيد البرّ على المحرم في حال إحرامه، من غير أن يخص من ذلك شيئًا دون شيء، فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حرامًا، بيعه وشراؤه واصطياده وقتله، وغير ذلك من معانيه، إلا أن يجده مذبوحًا قد ذبحه حلال لحلال، فيحلّ له حينئذ أكله، للثابت عن الخبر عن رسول الله ﷺ : «عبد الرحمن بن عثمان قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأهدي لنا طائرٌ، فمنا من أكل، ومنا من تَورَّع فلم يأكل. فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ » " (١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: " أي خافوا الله الذي تبعثون إِليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم" (٢). قال الواحدي: أي: " خافوا الله الذي إليه تبعثون" (٣). قال السمرقندي: " ﴿واتقوا الله﴾، فلا تأخذوه في إحرامكم، ﴿الذي إليه تحشرون﴾، فيجزيكم بأعمالكم" (٤). الفوائد: ١ - حل صيد البحر للمحلين والمحرومين. ٢ - أن جميع حيوان البحر حلال، لقوله: ﴿صيد البحر﴾، لأن الإضافة تقتضي العموم. ٣ - أن جميع ما في البحر مما يطعم من سمك وأشجار وغيرها حلال، لعموم قوله: ﴿وطعامه﴾. ٤ - بيان الحكمة في حل صيد البحر دون البر، لأن الأول تناوله سهل، ولايلهو الإنسان كما يلهو به في صيد البر، ثم هو صيد خفي في باطن المياه فلا يكون كالصيد الظاهر على سطح الأرض. ٥ - الإشارة غلى جاز إدخار لحم البحر لقوله: ﴿وللسيارة﴾، يعني السائرين في السفر. ٦ - تحريم صيد البر على المحرمين. ٧ - وجوب تقوى الله والحذر من مخالفته فيما فرضه من هذه الأحكام، والتحذير من عقوبة اليوم الآخر.

стр. 3723

٨ - إثبات اليوم الآخر الذي يكون به الحشر إلى الله ، لقوله: ﴿الذي غليه تحشرون﴾. القرآن ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧] التفسير: امتنَّ الله على عباده بأن جعل الكعبة البيت الحرام صلاحًا لدينهم، وأمنًا لحياتهم; وذلك حيث آمنوا بالله ورسوله وأقاموا فرائضه، وحرَّم العدوان والقتال في الأشهر الحرم -وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب- فلا يعتدي فيها أحد على أحد، وحرَّم تعالى الاعتداء على ما يُهدَى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وحرَّم كذلك الاعتداء على القلائد، وهي ما قُلِّد إشعارًا بأنه بقصد به النسك; ذلك لتعلموا أن الله يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض، ومن ذلك ما شرعه لحماية خلقه بعضهم من بعض، وأن الله بكل شيء عليم، فلا تخفى عليه خافية. قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: "جعل الله الكعبة المشرّفة وهي البيت المحرّم صلاحاً ومعاشاً للناس لقيام أمر دينهم ودنياهم" (١). قال الطبري: أي: " صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قوِّيهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم" (٢). قال الواحدي: " يعني: البيت الذي حرَّم أن يصاد عنده ويختلى للحجِّ وقضاء النُّسك" (٣). وفي تسميتها كعبة قولان:

стр. 3724

أحدهما: سميت بذلك لتربيعها، قاله مجاهد (١)، وعكرمة (٢)، واختاره الطبري (٣)، والقرطبي (٤). والثاني: سميت بذلك لعلوها ونتوئها من قولهم: قد كعب ثدي المرأة إذا علا ونتأ، وهو قول الجمهور (٥). و«الكعبة»: الحرم كله، وسماها الله حراما، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها، أو يختلى خلاها، أو يعضد شجرها (٦). وفي قوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، جوه من التأويل: أحدها: قياما للدين، ومعالم للحج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٧). والثاني: قياما لأمر من توجه إليها، رواه العوفي عن ابن عباس (٨). عن قتادة قوله: " ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد﴾، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتلَ أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرَبه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من الناس" (٩). وقال ابن ششهاب: ": فجعل الله ذلك قياما للناس يأمنون به في ذلك كله في الجاهلية الأولى لا يخاف بعضهم بعضا حين يلقونهم عند البيت وفي الحرم أو في الشهر الحرام." (١٠). والثالث: قياما لبقاء الدين، فلا يزال في الأرض دين ما حجت واستقبلت، قاله الحسن (١١).

стр. 3725

وفي المعنى نفسه قال ابن زيد: " كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضَهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفع بعضُهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم، والقلائد. قال: ويلقَى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسِخ" (١). والرابع: قوام دنيا وقوام دين، قاله حميد الأرقط (٢). والخامس: قياما للناس، أي: مما أمروا أن يقوموا بالفرض فيه، ذكره الزجاج (٣). والسادس: قياما لمعايشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، ذكره بعض المفسرين (٤). والسابع: يعني: صلاحاً لهم، قاله سعيد بن جبير (٥). قال الطبري: " وهذه الأقوال وإن أختلفت من قائليها ألفاظُها، فإن معانيها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن «القوام» للشيء، هو الذي به صلاحه، كما الملك الأعظم، قوامُ رعيته ومن في سلطانه، لأنه مدبِّر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهرُ الحرام والهدي والقلائد، قوامَ أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله معالمُ حجهم ومناسكهم، ومتوجَّههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتمُّ فرضُهم" (٦). قال الزمخشري: " ﴿قياما للناس﴾، انتعاشا لهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضا إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم" (٧).

стр. 3726

قال الشيخ محمد رشيد رضا: " المختار أن جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس هو جعل تكويني تشريعي معا، وهو عام شامل لما تقوم به وتتحقق مصالح دينهم ودنياهم، وشامل لزمن الجاهلية وعهد الإسلام، لكن له في كل من العهدين صورة خاصة به ففي عهد الجاهلية كان التكويني أظهر والتشريعي أخفى، لأنهم على إضاعتهم لشريعة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم إلا قليلا من مناسك الحج مزجوها بالوثنية والخرافات الوضعية، وكانت آيات الله تعالى التكوينية ظاهرة فيهم كما تقدم بيانه آنفا، وسبق ما في معناه في سورة آل عمران، وأما في عهد الإسلام فالتشريعي أظهر" (١). وقرأ ابن عامر: «قيما»، بغير ألف (٢). قال ابن عطية: " قوله تعالى: ﴿للناس﴾، لفظ عام، وقال بعض المفسرين أراد العرب. ولا وجه لهذا التخصيص" (٣). قوله تعالى: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: " وجعل الله الشهر الحرام أيضًا قيامًا للناس" (٤). قال القرطبي: " والشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنا قد علمه الله أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم" (٥). قال الواحدي: " يعني: الأشهر الحرم فذكر بلفظ الجنس" (٦). قال الزمخشري: " ﴿الشهر الحرام﴾: الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأن لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنا قد عرفه الله تعالى، وقيل عنى به جنس الأشهر الحرم" (٧). قال البيضاوي: " المراد بالشهر الشهر الذي يؤدي فيه الحج، وهو ذو الحجة لأنه المناسب لقرنائه" (٨).

стр. 3727

قال المراغي: أي: "وكذلك جعل الشهر الحرام سببا لقيام الناس، لأن العرب كان يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض فى سائر الأشهر حتى إذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم، وكانوا يحصلون فيه من الأقوات ما يكفيهم طول العام، ولو لاه لتفانوا من الجوع والشدة" (١). قال ابن عطية: " و «الشهر»، هنا اسم جنس، والمراد: الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، وشهر مضر وهو رجب الأصم، سمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، وسموه منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه أسنة الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأحوص (٢): وشهر بني أمية والهدايا ... إذا سيقت مدرجها الدماء وسماه النبي ﵇: شهر الله (٣)، أي شهر آل الله، وكان يقال لأهل الحرم آل الله، ويحتمل أن يسمى شهر الله لأن الله سنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه، وأما الهدي فكان أمانا لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب" (٤). قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي وكذلك جعل الهدى سببا لقيام الناس" (٥). قال المراغي: أي: " لأن «الهدي» يهدى إلى البيت ويذبح ويفرق لحمه على الفقراء فيكون نسكا للمهدى وقياما لمعيشة الفقراء" (٦). قال مكي: أي: " جعل ذلك أيضاً قياماً للناس" (٧).

стр. 3728

و «الناس» - هنا -: "مَن كان في الجاهلية، كان الرجل لا يخاف إذا دخل في الحرَم ولو لَقِي من قتل أباه أو أخاه، لم يخف الفاعل في الحرَم، وإذا لَقِي الهدي لم يَعرِضْ له القاطع ولا الجائع، وكان الرجل إذا أراد الحج تقلد بقلادة من شعر، وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يعرض له ولا يؤذى حتى يصل إلى أهله، وقيل: «الناس»، هنا: جميع الناس" (١). في «الهدي»، قولان: أحدهما: أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى (٢). والثاني: أنه ما لم يقلّد من النعم، وقد جعل على نفسه، أن يُهديه ويقلده، وهو قول ابن عباس (٣). قوله تعالى: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: " وكذلك جعل القلائد قياما للناس" (٤). قال المراغي: " إذ أن من قصد البيت فى الشهر الحرام لم يتعرض له أحد، ومن قصده فى غير الشهر الحرام ومعه هدى وقلده وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، لأن الله أوقع فى قلوبهم تعظيم البيت، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات والمخاوف" (٥).

стр. 3729

وقد ذكر بعض الشعراء أن «القلائد»: لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه (١)، قال الشاعر (٢): أَلَمْ تَقْتُلا الْحِرْجَيْنِ إذْ أَعْوَراكُمَا (٣) ... يُمِرَّانِ بِالأيْدِي اللِّحَاءَ الْمُضَفَّرَا قال ابن عباس: " كان ناس يتقلَّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ، فيعرفون بذلك" (٤).

стр. 3730

قال الزمخشري: " ﴿والقلائد﴾، أي: والمقلد منه خصوصا ووهو البدن، لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر" (١). قال ابن عطية: " وأما القلائد فكذلك كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئا فكان ذلك أمانا له، وكان الأمر في نفوسهم عظيما مكنه الله حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئا خوفا من الله، وكذلك إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم" (٢). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: " ذلك لتعلموا أن الله يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض، ومن ذلك ما شرعه لحماية خلقه بعضهم من بعض" (٣). قال النسفي: " أي: لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض" (٤). قال ابن عطية: " ﴿ذلك﴾ إشارة إلى أن جعل هذه الأمور قياما، والمعنى فعل ذلك لتعلموا أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم" (٥). قال الزمخشري: " ﴿ذلك﴾ إشارة إلى جعل الكعبة قياما للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره، لتعلموا أن الله يعلم كل شيء وهو عالم بما يصلحكم وما ينعشكم مما أمركم به وكلفكم، شديد العقاب لمن انتهك محارمه غفور رحيم لمن حافظ عليها" (٦). قال البيضاوي: " ﴿ذلك﴾، إشارة إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره. لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها، دليل حكمة الشارع وكمال علمه" (٧).

стр. 3731

قال المراغي: " الخلاصة- إن ذلك لم يكن إلا لحكمة بالغة صادرة عن علم بخفايا الأمور وغاياتها، فكان دليلا على أنه سبحانه يعلم ما فى السموات وما فى الأرض من أسباب الرزق ونظام الخلق وغير ذلك، وأنه عليم بكل شىء فلا تخفى عليه خافيه. وقد عجزت جميع الأمم فى القديم والحديث عن تأمين الناس فى قطر من الأقطار فى زمن معين من كل سنة بحيث لا يقع فيه قتل ولا قتال ولا عدوان" (١). قال البغوي: " فإن قيل: أي اتصال لهذا الكلام بما قبله؟ قيل: أراد أن الله جعل الكعبة قياما للناس لأنه يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض" (٢). وذكر الزجاج في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وجهان (٣): أحدهما: أن الله لما آمن من الخوف البلد الحرام، والناسق كان يقتل بعضعهم بعضا، وجعل الشهر الحرام يمتنع فيه من القتل، والقوم أهل جاهلية، فدل بذلك أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض إذ جعل في أعظم الأوقات فسادا ما يؤمن به.

стр. 3732

والثاني: أن ذلك مردود على ما أنبأ الله به على لسان نبيه في هذه السورة من قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، فأخبر بنفاقهم الذي كان مستترا عن المسلمين، وما أخبر به أنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١]، فأظهر الله ما كانوا أسروه من قصة الزانيين، ومسألتهم إياه ﷺ وما شرحناه مما كانوا عليه في ذلك، فأظهر الله جل وعز: نبيه والمؤمنين على جميع ما ستروا عنهم، فالمعنى - والله أعلم - ذلك لتعلموا الغيب الذي أنبأتكم به عن الله، يدلكم على إنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ودليل هذا القول قوله جل وعز: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]. قال الزجاج في القول الثاني: "هو عندي أبين" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: " وأن الله بكل شيء عليم، فلا تخفى عليه خافية" (٢). قال البيضاوي: "تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق" (٣). قال ابن عطية: " وقوله تعالى: ﴿بكل شيء عليم﴾، عام عموما تاما في الجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال : ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ [الأنعام: ٥٩]، والقول بغير هذا إلحاد في الدين وكفر" (٤). الفوائد: ١ - بيان عظم الكعبة المشرفة، إذ جعلها الله قياما للناس يقوم بها امور دينهم ودنياهم. ٢ - أن الكعبة حرام، أي: محترمة معظمة، ولهذا كان ما حولها حراما لايقتل صيده ولايقطع شجره. ٣ - تعظيم الاشهر الحرم وأنها قيام للناس، وكذلك تعظيم الهدي ومشروعية القلائد إذ ان فيها إظهارا لشعائر الله .

стр. 3733

٤ - إثبات الحكمة في أحكام الله ، لقوله: ﴿ذلك لتعلموا﴾، واللام هنا للتعليل، ويتفرغ من ذلك أن كل ما شرعه الله أو فعله فهو لحكمة. ٥ - التحذير من مخالفة الله ، وجهه إثبات العلم في قوله: ﴿يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾، وفيه أيضا إثبات أن السماوات ذات عدد، وهذا العدد في ادلة أخرى أنه سبع سماوات. ٦ - بيان عظيم تدبير الله تعالى لخلقه، إذ أمّن مصالح قريش والعرب فأوجد لهم أمناً واستقراراً وتبع ذلك هناءة عيش وطيب حياة بما ألقى في قلوب عباده من احترام وتعظيم للبيت الحرام والشهر الحرام، والهدي والقلائد، الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله. ٧ - ومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١). قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق" (٢). القرآن ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨] التفسير: اعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا شديد العقاب لمن عصاه، وأن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب. سبب النزول: وقال مقاتل: " ثم خوفهم ألا يستحلوا الغارة في حجاج اليمامة، يعني: شريحا وأصحابه فقال: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب﴾ إذا عاقب" (٣). قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٩٨]، أي: " اعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا شديد العقاب لمن عصاه" (٤). قال الزمخشري: أي: "لمن انتهك محارمه" (٥). قال ابن ابي زمنين: أي: " لمن أراد أن ينتقم منه" (٦).

стр. 3734

قال السمرقندي: " يعني: إذا عاقب فعقوبته شديدة لمن عصاه" (١). قال ابن عثيمين: أي: "قوي العقاب إذا عاقب المذنب" (٢). قال الطبري: أي: " اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يُحْصيها عليكم لمجازيكم بها، شديد عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيته إياه" (٣). قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب﴾، تخويف" (٤). قال علي بن زيد: "تلا مطرف هذه الآية ﴿شديد العقاب﴾، قال: لو يعلم الناس قدر عقوبة الله ونقمة الله وبأس الله، ونكال الله، لما رقى لهم دمع وما قرت أعينهم بشيء" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، أي: " وأن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب" (٦). قال الزمخشري: أي: " لمن حافظ على محارمه" (٧). قال مقاتل: "لمن أطاعه بعد النهي" (٨). قال السمرقندي: أي: " لمن أطاعه" (٩). قال الطبري: أي: " وهو غفور لذنوب من أطاعه وأنابَ إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحته بها، ﴿رحيم﴾ به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها" (١٠). قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿وأن الله غفور رحيم﴾، ترجية" (١١). قال محمد بن إسحاق. وأن الله غفور أي يغفر الذنب. رحيم يرحم العباد على ما فيهم" (١٢).

стр. 3735

قال الراغب: " نبه بذلك أنه تعالى حيث سخر هذه الأمور وبينها دل ذلك أنه فعل ذلك لما أراده من عباده ليثيب المحسن ويعاقب المسىء، وذلك يقتضي أن يعلموا أنه يعاقب قوما ويرحي قوما كيفما تقتضيه حكمته" (١). الفوائد: ١ - وجوب العلم عن يقين الله، لقوله: ﴿اعلموا﴾. ٢ - ان الله تعالى شديد العقاب لمن خالف امره، سواء بفعل ما حرم أو بترك ما اوجب. ٣ - غثبات العقاب: وه مؤاخذة المذنب بما يستحقه من العقوبة. ٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و «الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل. فـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (٢). والفرق بين صيغتي: «الغفار»، و «الغفور»: أن " «الغفار» (٣)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها" (٤).

стр. 3736

و «الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (١). قال الشيخ ابن عثيمين: " «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده" (٢). القرآن ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ [المائدة: ٩٩] التفسير: يبيِّن الله تعالى أن مهمة رسوله ﷺ هداية الدلالة والتبليغ، وبيد الله -وحده- هداية التوفيق، وأن ما تنطوي عليه نفوس الناس مما يُسرون أو يعلنون من الهداية أو الضلال يعلمه الله. سبب النزول: قال مقاتل: "ثم قال- : ﴿ما على الرسول﴾ محمد- ﷺ ﴿إلا البلاغ﴾ في أمر حجاج اليمامة شريح بن ضبيعة وأصحابه، ﴿والله يعلم ما تبدون﴾، يعني: ما تعلنون بألسنتكم و ﴿ما تكتمون﴾، من أمر حجاج اليمامة والغارة عليهم" (٣). قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، أي: " أي ليس على الرسول إلا أداء الرسالة وتبليغ الشريعة" (٤). قال السمرقندي: " يعني: أن الرسول ليس عليه طلب سرائرهم، وإنما عليه بتبليغ الرسالة" (٥). قال الطبري: " وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد. يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابَنا بين يدي عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية" (٦).

стр. 3737

قال أبو حيان: " لما تقدم الترغيب والترهيب أخبر تعالى أنه كلف رسوله بالتبليغ وهو توصيل الأحكام إلى أمته وهذا فيه تشديد على إيجاب القيام بما أمر به تعالى، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليه الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط" (١). قال ابن عطية: " قوله تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾، إخبار للمؤمنين فلا يتصور أن يقال هي آية موادعة منسوخة بآيات القتال، بل هذه حال من آمن وشهد شهادة الحق. فإنه إذ قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول في جهته أكثر من التبليغ" (٢). قال الزمخشري: قوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، " تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط" (٣). قال القرطبي: " أي: ليس له الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ وفي هذا رد على القدرية كما تقدم. وأصله البلاغ البلوغ، وهو الوصول. بلغ يبلغ بلوغا، وأبلغه إبلاغا، وتبلغ تبلغا، وبالغه مبالغة، وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة، لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ. وتبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية، لأنه يبلغ مقدار الحاجة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُون﴾ [المائدة: ٩٩]، أي: " والله لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم وسيجازيكم عليها" (٥). قال محمد بن إسحاق: ﴿وما تكتمون﴾، أي: ما تخفون" (٦). قال السمرقندي: أي: "والله تعالى هو الذي يعلم سرائرهم" (٧).

стр. 3738

قال ابن عطية: أي: "والله تعالى بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره، وهو المجازي بحسب ذلك ثوابا أو عقابا، والبلاغ مصدر من بلغ يبلغ، والآية معناها الوعيد للمؤمنين إن انحرفوا ولم يمتثلوا ما بلغ إليهم" (١). قال الطبري: " يقول: وغير خفي علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالتنا، العاملُ بما أمرته بالعمل به من المعاصي الآبي رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به، لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به بلسانه، ﴿وما تكتمون﴾، يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق، يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقابفحقيق أن يُتَّقى، وأن يُطاع فلا يعصى" (٢). قال أبو حيان: " جملة فيها تهديد إذ أخبر تعالى أنه مطلع على حال العبد ظاهرا وباطنا فهو مجازيه على ذلك ثوابا أو عقابا، ويحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى ألزم رسوله التبليغ للشريعة وألزمكم أنتم تبليغها فهو العالم بما تبدون منها وما تكتمونه فيجازيكم على ذلك وكان ذلك خطابا لأمته إذا كان الإبداء والكتم يمكن صدورهما منهم بخلاف الرسول فإنه يستحيل عليه أن يكتم شيئا من شرائع الله تعالى" (٣). قال القرطبي: " ﴿ما تبدون﴾، أي: تظهرونه، يقال: بدا السر وأبداه صاحبه يبديه. ﴿وما تكتمون﴾، أي: ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق" (٤). واختلف المفسرون في هذه الآية هل هي محكمة، أم لا؟ على قولين:

стр. 3739

أحدهما: أنها محكمة، وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ، وليس عليه الهدى (١). والثاني: أنها تتضمن الاقتصار على التبليغ دون الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف (٢). قال ابن الجوزي: "والأول أصح" (٣). الفوائد: ١ - وجوب إبلاغ الوحي على رسول الله ﷺ ، لأن «على» ظاهرة في الوجوب في قوله: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾. ٢ - أنه ليس على النبي- ﷺ أن يجبر الناس على ان يهتدوا، ويؤيد هذا آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. ٣ - غثبات رسالة النبي- ﷺ . ٤ - تحذير المبلغين من المخالفة، لأن إخباره بعلمه بعد أن قال: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾، فيه التهديد والوعيد على من خالف. ٥ - سعة علم الله وعمومه، لقوله تعالى: ﴿ما تبدون وما تكتمون﴾، وهذا عام للأمة كلها. ٦ - الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿ما تبدون وما تكتمون﴾، فالإنسان يريد أن يبدي ويريد أن يكتم، وهذا هو غثبات الإرادة للعبد. القرآن ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠] التفسير:

стр. 3740

قل -أيها الرسول-: لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء، فالكافر لا يساوي المؤمن، والعاصي لا يساوي المطيع، والجاهل لا يساوي العالم، والمبتدع لا يساوي المتبع، والمال الحرام لا يساوي الحلال، ولو أعجبك -أيها الإنسان- كثرة الخبيث وعدد أهله. فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة باجتناب الخبائث، وفعل الطيبات; لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم، وهو رضا الله تعالى والفوز بالجنة. في سبب النزول الآية قولان: أحدهما: عن جابر؛ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب، ألا أن الخمر لُعن شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها"، فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله! إني كنت رجلًا كانت هذه تجارتي، فاقتنيت مع بيع الخمر مالًا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي ﷺ : "إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة؛ إن الله لا يقبل إلا الطيب"؛ فأنزل الله -تعالى- تصديقاً لقوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ " (١). [ضعيف]

стр. 3741

والثاني: أنها نزلت في شأن حجاج اليمامة شريح بن ضبيعة حين أراد المسلمون أخذ ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأخبرهم أن أخذ ماله حرام. قاله الكلبي (١)، وذكره السمرقندي (٢) والثعلبي (٣)، والبغوي (٤)، والزمخشري (٥)، وغيرهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: " أي قل يا محمد لا يتساوى الخبيث والطيّب" (٦). قال الطبري: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي" (٧). قال السمرقندي والثعلبي والبغوي وابن أبي زمنين: يعني: "لا يستوي الحلال والحرام" (٨). وفي «الخبيث» و «الطيب» أربعة: أحدها: أن " ﴿الخبيث﴾، هم المشركون و ﴿الطيب﴾، هم المؤمنون". قاله السدي (٩). والثاني: أن ﴿الخبيث﴾، و ﴿الطيب﴾: الحلال ولاحرام. قاله ابن عباس (١٠)، والحسن (١١). والثالث: أنهما: المطيع والعاصي (١٢). والرابع: وقيل: الرديء والجيد. ذكره الماوردي (١٣).

стр. 3742

قال القرطبي: وهذا على ضرب المثال، والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأمور، يتصور في المكاسب والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها، فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب، ولا تحسن له عاقبة وإن كثر، والطيب وإن قل نافع جميل العاقبة، قال الله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ [الأعراف: ٥٨]، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨] وقوله: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الجاثية: ٢١]، فالخبيث لا يساوي الطيب مقدارا ولا إنفاقا، ولا مكانا ولا ذهابا، فالطيب يأخذ جهة اليمين، والخبيث يأخذ جهة الشمال، والطيب في الجنة، والخبيث في النار وهذا بين. وحقيقة الاستواء الاستمرار في جهة واحدة، ومثله الاستقامة وضدها الاعوجاج" (١). قال الزمخشري: " البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريبا عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإن ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازى النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديهم" (٢).

стр. 3743

قال ابن عطية: " لفظ [الآية] عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ونحوها، ف الخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة، والطيب ولو قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ [الأعراف: ٥٨] والخبث هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح والطيب وهي بخلاف ذلك، وهكذا هو الخبث في الإنسان، وقد يراد بلفظة خبيث في الإنسان فساد نسبه، فهذا لفظ يلزم قائله على هذا القصد الحد" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: " ولو أعجبك -أيها الإنسان- كثرة الخبيث وعدد أهله" (٢). قال الطبري: " ولو كثر أهل المعاصى فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا، يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم" (٣). قال السمرقندي: " يعني: كثره مال شريح بن ضبيعة" (٤). قال ابن أبي زمنين: يعني: "كثرة الحرام" (٥). قال ابن كثير: " يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث: «ما قَلَّ وكَفَى، خَيْرٌ مما كَثُر وألْهَى» (٦)

стр. 3744

" (١). وروي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا. فقال النبي ﷺ : "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" (٢). قال يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني: "كتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يذكر أن الخراج قد انكسر، فكتب إليه عمر، يقول: إن الله يقول: ﴿لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾، وكتب عمر إلى بعض عماله: إن استطعت أن تكون في العدل والإصلاح والإحسان بقولة من كان قبلك في الظلم والفجور والعدوان فافعل ولا قوة إلا بالله" (٣). ويحتمل الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وجهان (٤): أحدهما: قيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، فإن النبي ﷺ لا يعجبه الخبيث. والثاني: وقيل: المراد به النبي ﷺ نفسه، وإعجابه له أنه صار عنده عجبا مما يشاهده من كثرة الكفار والمال الحرام، وقلة المؤمنين والمال الحلال. قال ابن الجوزي: " معنى «الإعجاب» هاهنا: السرور بما يتعجب منه" (٥). قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: " فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يا ذوي العقول" (٦).

стр. 3745

قال سعيد بن جبير: " ﴿فاتقوا الله﴾، يعني: المؤمنين يحذرهم" (١)، " ﴿يا أولي الألباب﴾، يقول: من كان له لب أو عقل" (٢). قال الطبري: أي: " واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث، فتصيروا منهم، ﴿يا أولي الألباب﴾، يعني: بذلك أهلَ العقول والحِجَى، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه" (٣). قال ابن كثير: " أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه، واقنعوا بالحلال واكتفوا به" (٤). قال السمرقندي: أي: " لا تستحلوا ما حرم الله عليكم، يا ذوي العقول" (٥). قال الزمخشري: أي: " فاتقوا الله وآثروا الطيب، وإن قل، على الخبيث وإن كثر" (٦). وقال الثعلبي: أي: " ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين" (٧). قال ابن عطية: " قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله يا أولي الألباب﴾، تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعمل، وخص أولي الألباب بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذي لا ينبغي لهم إهمالها مع البهائم وإدراكهم وكأن الإشارة بهذه الألباب إلى لب التجربة الذي يزيد على لب التكليف بالحنكة والفطنة المستنبطة والنظر البعيد (٨). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: " لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم، وهو رضا الله تعالى والفوز بالجنة" (٩). قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة" (١٠). قال السمرقندي: " يعني: تأمنون من عذابه" (١١).

стр. 3746

قال الطبري: " يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده" (١). الفوائد: ١ - انه لايستوي الخبيث والطيب عند الله ولا عند أصحاب العقول، وهذا من مراتبهم عند الله وعند ذوي العقول، وأما فيما يعملون من امور الدنيا فإنه قد يكون الخبيث أكثر من الطيب عملا، كما هو المشاهد الآن، فإن الدول الكافرة أقدم من الدول المسلمة فيما يتعلق بأمور الدنيا. ٢ - أن الاعتبار بالكيف وليس بالكم، لقوله: ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾. ٣ - ومنها ان الإنسان قد يعجب بما ليس محلا للإعجاب، لقوله: ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾. ٤ - وجوب تقوى الله ، وأن الذين يخاطبون بالتقوى وبمثل هذه الاحكام العظيمة هم اصحاب العقول. ٥ - ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠]؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعاً. ٦ - ان التقوى سبب للفلاح، لقوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١] التفسير:

стр. 3747

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين لم تؤمروا فيها بشيء، كالسؤال عن الأمور غير الواقعة، أو التي يترتب عليها تشديدات في الشرع، ولو كُلِّفتموها لشقَّتْ عليكم، وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله ﷺ وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم، وقد تُكلَّفونها فتعجزون عنها، تركها الله معافيًا لعباده منها. والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه. في سبب نزولها ستة أقوال: أحدها: أن الناس سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا، فقال: «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم»، فقام رجل من قريش، يقال له: عبد الله بن حذافة كان إذا لاحى (١) يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام آخر، فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا حديثو عهد بجاهلية، والله أعلم من أباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن أبي هريرة (٢)، وقتادة عن أنس (٣). [صحيح]

стр. 3748

والثاني: أن رسول الله ﷺ خطب الناس، فقال: «إن الله كتب عليكم الحج، فقام عكاشة ابن محصن، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم» فنزلت هذه الآية، رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة (١). وقيل: إن السائل عن ذلك الأقرع بن حابس. [صحيح] والثالث: أن قوما كانوا يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت هذه الآية، رواه أبو الجويرية عن ابن عباس (٢). [صحيح] والرابع: أن قوما سألوا رسول الله ﷺ عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس (٣)، وبه قال ابن جبير (٤). [ضعيف] والخامس: أن قوما كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنهوا عن ذل، روي هذا المعنى عن عكرمة (٥).

стр. 3749

والسادس: أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم: وددنا أن الله تعالى أذن لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحب الأعمال إلى الله، ذكره أبو سليمان الدمشقي (١). والظاهر أن رسول الله ﷺ قد سئل مسائل كثيرة، فنزلت هذه الآية في ذلك جميعا، والله أعلم. قال ابن عطية: " والظاهر من الروايات أن رسول الله ﷺ ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية" (٢). قال ابن كثير: " وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها" (٣). قال الإمام الطبري: " وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسولَ الله ﷺ المسائلَ، كمسألة ابن حذافة إياه مَن أبوه، ومسألة سائله إذ قال: " الله فرض عليكم الحج "، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.

стр. 3750

وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس، فقولٌ غير بعيد من الصواب، ولكنْ الأخبارُ المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القولَ به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسئلة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي ﷺ عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم المسألة عن الحج: " أكل عام هو، أم عامًا واحدًا "؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلِّها، فأخبرَ كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله، وأجل غيره، وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذُكرت صحاحٌ، فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى" (١). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٤). قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: " لا تسألوا الرسول عن أمور لا حاجة لكم بها إن طهرت لكم ساءتكم" (٥).
следующие страницы →