← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

قال الطبري: " يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده" (١). الفوائد: ١ - انه لايستوي الخبيث والطيب عند الله ولا عند أصحاب العقول، وهذا من مراتبهم عند الله وعند ذوي العقول، وأما فيما يعملون من امور الدنيا فإنه قد يكون الخبيث أكثر من الطيب عملا، كما هو المشاهد الآن، فإن الدول الكافرة أقدم من الدول المسلمة فيما يتعلق بأمور الدنيا. ٢ - أن الاعتبار بالكيف وليس بالكم، لقوله: ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾. ٣ - ومنها ان الإنسان قد يعجب بما ليس محلا للإعجاب، لقوله: ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾. ٤ - وجوب تقوى الله ، وأن الذين يخاطبون بالتقوى وبمثل هذه الاحكام العظيمة هم اصحاب العقول. ٥ - ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠]؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعاً. ٦ - ان التقوى سبب للفلاح، لقوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١] التفسير:

стр. 3747

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين لم تؤمروا فيها بشيء، كالسؤال عن الأمور غير الواقعة، أو التي يترتب عليها تشديدات في الشرع، ولو كُلِّفتموها لشقَّتْ عليكم، وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله ﷺ وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم، وقد تُكلَّفونها فتعجزون عنها، تركها الله معافيًا لعباده منها. والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه. في سبب نزولها ستة أقوال: أحدها: أن الناس سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا، فقال: «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم»، فقام رجل من قريش، يقال له: عبد الله بن حذافة كان إذا لاحى (١) يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام آخر، فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا حديثو عهد بجاهلية، والله أعلم من أباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن أبي هريرة (٢)، وقتادة عن أنس (٣). [صحيح]

стр. 3748

والثاني: أن رسول الله ﷺ خطب الناس، فقال: «إن الله كتب عليكم الحج، فقام عكاشة ابن محصن، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم» فنزلت هذه الآية، رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة (١). وقيل: إن السائل عن ذلك الأقرع بن حابس. [صحيح] والثالث: أن قوما كانوا يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت هذه الآية، رواه أبو الجويرية عن ابن عباس (٢). [صحيح] والرابع: أن قوما سألوا رسول الله ﷺ عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس (٣)، وبه قال ابن جبير (٤). [ضعيف] والخامس: أن قوما كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنهوا عن ذل، روي هذا المعنى عن عكرمة (٥).

стр. 3749

والسادس: أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم: وددنا أن الله تعالى أذن لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحب الأعمال إلى الله، ذكره أبو سليمان الدمشقي (١). والظاهر أن رسول الله ﷺ قد سئل مسائل كثيرة، فنزلت هذه الآية في ذلك جميعا، والله أعلم. قال ابن عطية: " والظاهر من الروايات أن رسول الله ﷺ ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية" (٢). قال ابن كثير: " وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها" (٣). قال الإمام الطبري: " وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسولَ الله ﷺ المسائلَ، كمسألة ابن حذافة إياه مَن أبوه، ومسألة سائله إذ قال: " الله فرض عليكم الحج "، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.

стр. 3750

وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس، فقولٌ غير بعيد من الصواب، ولكنْ الأخبارُ المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القولَ به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسئلة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي ﷺ عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم المسألة عن الحج: " أكل عام هو، أم عامًا واحدًا "؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلِّها، فأخبرَ كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله، وأجل غيره، وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذُكرت صحاحٌ، فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى" (١). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٢). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٣). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٤). قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: " لا تسألوا الرسول عن أمور لا حاجة لكم بها إن طهرت لكم ساءتكم" (٥).

стр. 3751

قال ابن عباس: " نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة فـ ﴿أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ (١)، فنهاهم الله عن ذلك وقال: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾، إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك" (٢). قال الحسن: " فسألوه عن أشياء فوعظهم الله فاتعظوا" (٣). قال البيضاوي: " المعنى: لا تسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم" (٤). قال الزمخشري: " المعنى: لا تكثروا مسألة رسول الله ﵌ حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها" (٥). قال ابن كثير: " تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُبْلغني أحد عن أحد شيئًا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (٦) " (٧). وقرأ مجاهد «إن تبد» بفتح التاء وضم الدال على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الشعبي «إن يبد لكم» بالياء من أسفل مفتوحة والدال مضمومة «يسؤكم» بالياء من أسفل، أي يبده الله لكم (٨).

стр. 3752

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: " وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله ﷺ وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم" (١). قال ابن عباس: " ولكن إنتظروا فإذا نزل القرآن فأنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه" (٢). قال السمعاني: " معناه: وإن صبرتم حتى ينزل القرآن؛ وجدتم فيه بيان ما تحتاجون إليه" (٣). قال البيضاوي: أي: "وإن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم" (٤). قال الزمخشري: أي: " وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحى وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه، تبد لكم، تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها" (٥). قال ابن كثير: " أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعلَّه قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: «أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحَرّم فحرم من أجل مسألته» (٦)، ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها حينئذ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها" (٧).

стр. 3753

قال القرطبي: قوله ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ "فيه غموض، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال: ﴿وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾، فأباحه لهم، فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في ﴿عنها﴾ ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ [المؤمنون: ١٢] يعني آدم، ثم قال: ﴿ثم جعلناه نطفة﴾ [المؤمنون: ١٣] أي ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال، فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم، فقد أباح هذا النوع من السؤال: ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل، ولم يجر ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل، فسألوا عنها فنزل: ﴿واللائي يئسن من المحيض﴾ [الطلاق: ٤]، فالنهي إذا في شي لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه، فأما ما مست الحاجة إليه فلا" (١). قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: " أي عفا الله عن مسائلكم السالفة التي لا ضرورة لها وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية فلا تعودوا إلى مثلها" (٢). قال الزمخشري: أي: " من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها" (٣). قال ابن كثير: " أي: ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها" (٤).

стр. 3754

قال القرطبي: " أي: عن المسألة التي سلفت منهم. وقيل: عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها. وقيل: العفو بمعنى الترك، أي تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم" (١). وفي الصحيح، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ذروني ما تُرِكْتُم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (٢). وفي الحديث الصحيح أيضًا: " إن الله فرض فرائض فلا تُضيِّعُوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحَرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غَيْرَ نِسْيان فلا تسألوا عنها"» (٣). قال عطاء: " كان عبيد بن عمير يقول: إن الله تعالى أحلّ وحرَّم، فما أحلّ فاستحلُّوه، وما حرَّم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه. ثم يتلو: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ " (٤). وخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودَاً فَلا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا" (٥).

стр. 3755

والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير، أي: "لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير، بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي ﷺ ، فلا تعودوا لأمثالها. فقوله: ﴿عنها﴾، أي: عن المسألة، أو عن السؤالات كما ذكرناه" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: " والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه" (٢). قال الزمخشري: أي: "لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته" (٣). الفوائد: ١ - كراهية الإلحاف في السؤال والتقعر في الأسئلة والتنطع فيها. ٢ - أن ما سكت الله عنه فلم يفرضه، ولم يحده، ولم ينه عنه فهو الحلال، لكن هذا في غير العبادات، فالعبادات قد حرم الله أن يشرع أحد الناس عبادة لم يأذن بها الله . ولهذا نقول: إن من ابتدع في دين الله ما ليس منه من عقيدة أو قول أو عمل فقد انتهك حرمات الله، ولا يقال هذا مما سكت الله عنه، لأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل عليها، وغير ذلك الأصل فيه الإباحة، فما سُكِتَ عنه فهو مباح. ٣ - أنه لا ينبغي البحث عما سكت الله تعالى عنه ورسوله. وهل هذا النهي في عهد الرسالة، أم إلى الآن؟ في هذا قولان للعلماء: أحدهما: أن هذا خاص في عهد الرسالة، لأن ذلك عهد نزول الوحي، فقد يسأل الإنسان عن شيء لم يُحرم فيحرم من أجله، أو عن شيء لم يجب فيوجب من أجله، كما سأل الأقرع بن حابس النبي ﷺ حين قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيكُم الحَجَّ» فقام الأقرع وقال: يا رسول الله أفي كل عام؟

стр. 3756

وهذا سؤال في غير محله، اللهم إلا إذا كان الأقرع بن حابس أراد أن يزيل الوهم الذي قد يعلق في أفهام بعض الناس، فالله أعلم بنيته، لكن النبي ﷺ قال: «لَو قُلتُ نَعَم لَوَجَبَت وَمَا استَطَعتُم، الحَجَّ مَرَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوع» (١). من أعظم الناس جرماً من يسأل فيوجب من أجل مسألته عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته، أو لم يوجب. والثاني: أن النهي باق بعد عهد الرسالة. والصواب في هذه المسالة أن النهي حتى بعد عهد الرسالة إلا أنه إذا كان المراد بالبحث الاتساع في العلم كما يفعله طلبة العلم، فهذا لا بأس به، لأن طالب العلم ينبغي أن يعرف كل مسألة يحتمل وقوعها حتى يعرف الجواب، وأما إذا لم يكن كذلك فلا يبحث، بل يمشي على ما كان عليه الناس. فلا نبحث عن مسائل الغيب ونتعمق فيها، ولا نبحث في صفات الله عن كيفيتها، لأن هذا من التعمق، ولا نأتي بمعضلات المسائل التي فيها: أرأيت إن كان كذا، ولو كان كذا، ولو كان كذا كما يوجد من بعض طلبة العلم الآن، يوجد أناس يفرضون مسائل ليست واقعة ولن تقع فيما يظهر، ومع ذلك يسألون، وهم ليسوا في مكان البحث، بل يسألون سؤالاً عاماً، فهذا لا ينبغي.

стр. 3757

وقد كره الشيخ ابن عثيمين (١) البحث عن اللحوم وعن الأجبان وعما يرد إلى البلاد من بلاد الكفاروذلك كما روي ابن عمر ﵄ لما سئل ابن عمر عن الجبن الذي يصنعه المجوس فقال: "ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته، ولم أسأل عنه" (٢). ومراد الشيخ ابن عثيمين بكلامه: أن الفعل الصادر ممن هو أهله، جار على أصل الصحة والسلامة؛ فالمسلم: أهل لأن يذبح ذبيحة شرعية، فإذا صدر منه الذبح، حمل على ظاهر الصحة والسلامة، ولم يحتج إلى سؤاله: عن كيفية ذبحه، وهل سمى أو لم يسم، ونحو ذلك، اكتفاء بظاهر الحال، والعلماء يقررون أن ظاهر الحال يرفع أصل التحريم في كثير من الصور. قال ابن قيم: " وأجمعوا على جواز شراء اللحمان من غير سؤال عن أسباب حلها، اكتفاء بقول الذابح والبائع، حتى لو كان الذابح يهوديّاً أو نصرانيّاً أو فاجراً: اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحل " (٣). والظاهر في اللحم الوارد من دول غير إسلامية إذا كان الذين يباشرون ذبحه من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنه يجوز أكله، ولا ينبغي السؤال عن كيفية ذبحه، ولا هل سَمُّوا عليه أم لا؟ وذلك لأن النبي ﷺ أكل الشاة التي أهدتها إليه اليهودية في خيبر، وأكل من الطعام الذي دعاه إليه يهودي، وكان فيه إهالة سنخة، وهي الشحم المتغير، ولم يسأل النبي ﷺ كيف ذبحوه؟ ولا هل سموا عليه أم لا؟

стр. 3758

وفي صحيح البخاري: "أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ. قَالَتْ عَائِشَةَ ﵂ راوية الحديث: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ" (١). قال ابن حجر: "ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين؛ لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا الأخير جزم ابن عبد البر فقال: فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل ويحمل على أنه سمَّى؛ لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير، حتى يتبين خلاف ذلك " (٢). ففي هذه الأحاديث دليل على أنه لا ينبغي السؤال عن كيفية الواقع إذا كان المباشر له معتبر التصرف، وهذا من حكمة الشرع وتيسيره؛ إذ لو طلب من الناس أن ينقبوا عن الشروط فيما يتلقونه من صحيح التصرف لكان في ذلك من المشقة والحرج النفسي مما يجعل الشريعة شريعة حرج ومشقة. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " يقول السائل: ما حكم أكل اللحوم المجمدة التي تصل إلينا من الخارج، وبصفة خاصة لحم الدجاج؟

стр. 3759

فأجاب رحمه الله تعالى: " اللحوم التي تأتي من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى: الأصل فيها الحل، كما أن اللحوم التي تأتي من البلاد الإسلامية الأصل فيها الحل أيضاً، وإن كنا لا ندري كيف ذبحوها، ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا؛ لأن الأصل في الفعل الواقع من أهله أن يكون واقعاً على السلامة وعلى الصواب حتى يتبين أنه على غير وجه السلامة والصواب. ودليل هذا الأصل ما ثبت في صحيح البخاري في حديث عائشة ﵂ قالت: إن قوماً قالوا يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي ﷺ : «سموا أنتم وكلوا» (١). قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر. ففي هذا الحديث: دليل على أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يلزمنا أن نسأل هل أتى به على الوجه الصحيح أم لا؟ وبناء على هذا الأصل: فإن هذه اللحوم التي تردنا من ذبائح أهل الكتاب: حلال، ولا يلزمنا أن نسأل عنها، ولا أن نبحث. لكن لو تبين لنا أن هذه اللحوم الواردة بعينها تذبح على غير الوجه الصحيح فإننا لا نأكلها؛ لقول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر أما السن فعظم وأما الظفر مدى الحبشة» (٢). ولا ينبغي للإنسان أن يتنطع في دينه فيبحث عن أشياء لا يلزمه البحث عنها، ولكن إذا بان له الفساد، وتيقنه: فإن الواجب عليه اجتنابه. فإن شك وتردد: هل تذبح على طريق سليم أم لا؟ فإن لدينا أصلين: الأصل الأول: السلامة، والأصل الثاني: الورع؛ فإذا تورع الإنسان منها، وتركها: فلا حرج عليه. وإن أكلها: فلا حرج عليه " (٣). ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و «الحليم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.

стр. 3760

فـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (١). و«الحليم»؛ هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم؛ إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة، والمتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض الشعراء بيان هذا المعنى في قوله (٢): لا يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام ويقال: لم يصف الله -سبحانه- أحدا من خلقه بصفة أعز من الحلم، وذلك حين وصف إسماعيل به. ويقال: إن أحدا لا يستحق اسم الصلاح حتى يكون موصوفا بالحلم، وذلك أن إبراهيم -صلوات الله عليه- دعا ربه فقال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ [الصافات: ١٠٠]، فأجيب بقوله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١]، فدل على أن الحلم أعلى مآئر الصلاح -والله أعلم (٣). القرآن ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة: ١٠٢] التفسير: إن مثل تلك الأسئلة قد سألها قومٌ مِن قبلكم رسلَهم، فلما أُمِروا بها جحدوها، ولم ينفذوها، فاحذروا أن تكونوا مثلهم.

стр. 3761

قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٢]، أي: " إن مثل تلك الأسئلة قد سألها قومٌ مِن قبلكم رسلَهم" (١). قال الطبري: أي: " قد سأل الآيات قومٌ من قبلكم" (٢). قال ابن كثير: "أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قومٌ من قبلكم" (٣). قال ابن عطية: أي: "أن هذه السؤالات التي هي تعنيتات وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألتها قبلكم الأمم" (٤). في هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: قوم عيسى سألوه المائدة، ثم كفروا بها، قاله ابن عباس (٥). والثاني: أنهم قريش سألوا رسول الله ﷺ أن يحوِّل لهم الصفا ذهباً، قاله السدي (٦). قال ابن عطية: " وإنما يتجه في قريش مثالا سؤالهم آية، فلما شق لهم القمر كفروا، وهذا المعنى إنما يقال لمن سأل النبي ﵇ أين ناقتي؟ وكما قال له الأعرابي ما في بطن ناقتي هذه؟ فأما من سأله عن الحج أفي كل عام هو؟ فلا يفسر قوله قد سألها قوم الآية بهذه الأمثلة بل بأن الأمم قديما طلبت التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف بما كلفت" (٧). والثالث: أنهم قوم صالح سألوا الناقة، ثم عقروها وكفروا به. قلت: وعلى هذه الاقوال الثلاثة أنهم سألوا الآيات. والرابع: أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها، فلو ذبحوا بقرة لأجزأت، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن زيد (٨). قال ابن الجوزي: " وهذا يخرج على سؤال من سأل عن الحج، إذ لو أراد الله أن يشدد عليهم بالزيادة في الفرض لشدد" (٩).

стр. 3762

والخامس: أنهم الذين قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، وهذا عن ابن زيد أيضا (١). قال ابن الجوزي: "وهو يخرج على من قال: إنما سألوا عن الجهاد والفرائض تمنيا لذلك" (٢). والسادس: أنهم القوم الذين سألوا رسول الله ﷺ مَنْ أبي؟ ونحوه، فلما أخبرهم به أنكروه وكفروا به، قاله بعض المتأخرين (٣). قال ابن العربي: " والصحيح أنه عام في الكل، ولقد كفرت العيسوية بعيسى وبالمائدة، والصالحية بالناقة، والمكية بكل ما شهدت من آية، وعاينت من معجزة مما سألته ومما لم تسأله على كثرتها؛ وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم" (٤). وقرأ عامة الناس: «قد سألها» بفتح السين. وقرأ إبراهيم النخعي: «قد سألها» بكسر السين، والمراد بهذه القراءة الإمالة، وذلك على لغة من قال سلت تسأل، وحكي عن العرب هما يتساولان، فهذا يعطي هذه اللغة هي من الواو لا من الهمزة فالإمالة إنما أريدت وساغ ذلك لانكسار ما قبل اللام في سلت كما جاءت الإمالة في خاف لمجيء الكسرة في خاء خفت (٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، أي: " فلما أُمِروا بها جحدوها، ولم ينفذوها" (٦). قال ابن عطية: أي: " ثم كفروا بها" (٧). قال البغوي: أي: " فأهلكوا" (٨). قال ابن كثير: أي: " أجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي: بسببها، أي: بينت لهم ولم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد" (٩).

стр. 3763

قال الطبري: فلما آتاهموها الله أصبحوا بها جاحدين، منكرين أن تكون دلالة على حقيقة ما احتُجَّ بها عليهم، وبرهانًا على صحة ما جُعلت برهانًا على تصحيحه كقوم صالح الذين سألوا الآيةَ، فلما جاءتهم الناقة آيةً عقروها وكالذين سألوا عيسى مائدة تنزل عليهم من السماء، فلما أعطوها كفروا بها، وما أشبه ذلك، فحذَّر الله تعالى المؤمنين بنبيه ﷺ أن يسلكوا سبيل من قبلهم من الأمم التي هلكت بكفرهم بآيات الله لما جاءتهم عند مسألتهموها، فقال لهم: لا تسألوا الآيات، ولا تبحثوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، فقد سأل الآيات من قبلكم قومٌ، فلما أوتوها أصبحوا بها كافرين" (١). قال القرطبي: " أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا: ليست من عند الله، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة، وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم" (٢). وقال ابن أبي زمنين: " ﴿ثم أصبحوا بها كافرين﴾، يعني: أهل الكتاب: حدثنا يحيى، وبلغني أنها في قراءة أبي بن كعب: «قد سألها قوم من قبلكم فبينته لهم»، فأصبحوا بها كافرين" (٣). قال الماتريدي: " هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين: - إما أن سألوا الآيات عنه بعد ما ظهرت وثبتت لهم رسالته، فلما أتى بها كفروا بها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾، وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل ﵈ الآيات بعد ظهورها عندهم. - ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟ ومن أبي؟ ومن أنا؟ ونحوه، فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به" (٤).

стр. 3764

وإن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السؤال والنهي عنه، يعارضه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الانبياء: ٧]؟ فالجواب، أن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره في كتابه" (١). وقد روي عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» (٢). قال الخطابي: هذا في مسالة من يسأل عبثاً وتكلفاً فيما لا حاجة به إليه، دون من سأل سؤال حاجة وضرورة كمسألة بني إسرائيل في شأن البقرة. وذلك أن الله سبحانه أمرهم أن يذبحوا بقرة، فلو استعرضوا البقر، فذبحوا منها بقرة لأجزأتهم. كذلك قال ابن عباس ﵁ في تفسير الآية، فما زالوا يسألون ويتعنتون حتى غلظت عليهم وأمروا بذبح البقرة على النعْت الذي ذكره الله في كتابه، فعظمت عليهم المؤنة، ولحقتهم المشقة في طلبها حتى وجدوها فاشتروها بالمال الفادح فذبحوها وما كادوا يفعلون. وأما ما كان سؤاله استبانة لحكم واجب، واستفادة لعلم قد خفي عليه فإنه لا يدخل في هذا الوعيد، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. وقد يحتج بهذا الحديث من يذهب من أهل الظاهر إلى أن أصل الأشياء قبل ورود الشرع بها على الإباحة حتى يقوم دليل على الحظر. وإنما وجه الحديث وتأويله ما ذكرناه، والله أعلم" (٣). الفوائد: ١ - ضرب الامثال بالأمم السابقين حتى نقتنع بانه لا ينبغي لنا ان نسأل، لأن غيرنا سأل وكفر.

стр. 3765

٢ - النهي عن السؤال الذي لا تدعو الحاجة إليه، أما ما دعت الحاجة إليه من أمور الدين والدنيا، قد شرع الله السؤال عنه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وقال النبي ﷺ : «ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإن شفاء العي السؤال» (١). ٣ - أن الإنسان لاينبغي أن يتعرض لما قد يكون محنة عليه، ولهذا جاء في الحديث النهي عن أن يتعرض الإنسان لشيء لايستطيعه فإن هذا من البلاء والذل، ربما يؤخذ هذا منهجا حسنا في كل شيء. قال رسول الله- ﷺ : "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه" (٢). قال ابن الوزير: " ولا شكَّ أن تَطَلُّب علم ما لا يُعْلَمُ، والشَّرَهَ في ذلك وتحكيم بادىء الرأي فيه، وتقديمه على النصوص هو أساس كلِّ فسادٍ" (٣). القرآن ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣] التفسير: ما شرع الله للمشركين ما ابتدعوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضها وجعلها للأصنام، وهي: البَحيرة التي تُقطع أذنها إذا ولدت عددًا من البطون، والسائبة وهي التي تُترك للأصنام، والوصيلة وهي التي تتصل ولادتها بأنثى بعد أنثى، والحامي وهو الذكر من الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الإبل، ولكن الكفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراء عليه، وأكثر الكافرين لا يميزون الحق من الباطل.

стр. 3766

قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أي: " ما شرع الله للمشركين ما ابتدعوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضها وجعلها للأصنام، وهي: البَحيرة التي تُقطع أذنها إذا ولدت عددًا من البطون، والسائبة وهي التي تُترك للأصنام، والوصيلة وهي التي تتصل ولادتها بأنثى بعد أنثى، والحامي وهو الذكر من الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الإبل" (١). قال الباقلاني: " أي: لم يفعل ذلك" (٢). قال الواحدي، وابن الجوزي: " أي: ما أوجب ذلك، ولا أمر به" (٣). قال الطبري: أي: " ما بحر الله بحيرة، ولا سيَّب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حَمَى حاميًا" (٤). قال الزمخشري: " معنى: ﴿ما جعل﴾، ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك" (٥). قال الإمام الشافعي: " فهذه: الحبس التي كان أهل الجاهلية يحبسونها فأبطل الله شروطهم فيها، وأبطل رسول الله ﷺ بإبطال الله إياها" (٦). و«البحيرة»: الفعيلة من قول القائل: بَحَرْت أُذن هذه الناقة، إذا شقها، أبحرُها بحرًا، والناقة: مبحورة، ثم تصرف: المفعولة، إلى: فعيلة، فيقال: هي بحيرة، وأما «البَحِرُ» من الإبل، فهو الذي قد أصابه داءٌ من كثرة شرب الماء، يقال منه: بَحِر البعيرُ يبحر بَحَرًا (٧)، ومنه قول الشاعر (٨): لأعْلِطَنَّهُ وَسْمًا لا يُفَارَقُهُ ... كَمَا يُحَزُّ بِحَمْيِ المِيسَمِ البَحِرُ

стр. 3767

قال ابن عطية: " أرى أن «البحيرة»، تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه الغزيرات بالبحر، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل (١): فيه من الأخرج المرتاع قرقرة ... هدر الزيامي وسط الهجمة البحر فإنما يريد النوق العظام وإن لم تكن مشققة الآذان" (٢). وفي «البحيرة» أربعة أقوال: أحدها: فهي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فإن كان ذكرا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا: هذه بحيرة، قاله ابن عباس (٣)، وذكر السدي نحو ذلك (٤)، واختاره ابن قتيبة (٥). والثاني: أنها الناقة تلد خمس إناث ليس فيهن ذكر، فيعمدون إلى الخامسة، فيبتكون أذنها، حكاه ابن الجوزي عن عطاء (٦). والثالث: أنها ابنة السائبة، قاله ابن إسحاق (٧)، والفراء (٨). قال ابن إسحاق: السائبة الناقة إذا تابعت بين عشر إناث، ليس بينهن ذكر، سيبت فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى، شقت أذنها، ثم خلّي سبيلها مع امها فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة" (٩). والرابع: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها، أي: شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، وإذا لقيها لم يركبها، قاله الزجاج (١٠).

стр. 3768

وأما «السائبة»، فإنها المسيبة المخلاة وكانت العرب تفعل ذلك ببعض مواشيها فتحرم الانتفاع بها على أنفسها تقرباً إلى الله تعالى (١)، قال الشاعر (٢): عقرتم ناقة كانت لربي ... وسائبة فقوموا للعقاب عن أبي الأحوص، عن أبيه قال: دخلت على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلَّمةً آذانُها، فتأخذ الموسى فتجْدَعها، تقول: هذه بحيرة، وتشق آذانها، تقولون: هذه صَرْم؟ قال: نعم! قال: فإن ساعدَ الله أشدّ، وموسَى الله أحدَ! كلّ مالك لك حلالٌ، لا يحرَّم عليك منه شيء " (٣). وكذا كان بعض أهل الإِسلام يعتق عبده سائبة، ولا ينتفع به ولا بولائه، وكان أبو العالية سائبة فلما أُتِي مولاه بميراثه فقال: هو سائبة وأبى أن يأخذه (٤). وأخرجت المسيبة بلفظ السائبة، كما قيل في عيشة راضية يعني مرضية (٥). وفي «السائبة» خمسة أقوال: أحدها: أنها التي تسيب من الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهرا، ولا يحلبون لها لبنا، ولا يجزون منها وبرا، ولا يحملون عليها شيئا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٦). والثاني: أن الرجل كان يسيب من ماله ما شاء، فيأتي به خزنة الآلهة، " فيطعمون ابن السبيل من ألبانه ولحومه إلا النساء، فلا يطعمونهن شيئا منه إلا أن يموت، فيشترك فيه الرجال والنساء" (٧)، رواه أبو صالح عن ابن عباس (٨).

стр. 3769

وقال الشعبي: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم، فتذهب فتختلطُ بغنم الناس، فلا يشرب ألبانها إلا الرجال، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا" (١). والثالث: أنها الناقة إذا ولدت عشرة أبطن، كلهن إناث، سيبت، فلم تركب، ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ضيف أو ولدها حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء، ذكره الفراء (٢)، وهو قول ابن إسحاق (٣). والرابع: أنها البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك. قاله ابن قتيبة (٤). قال الزجاج: " كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من علة أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها وأن لا تجلى عن ماء ولا تمنع من مرعى" (٥). والخامس: أنه البعير يحج عليه الحجة، فيسيب، ولا يستعمل شكرا لنجحها، حكاه الماوردي عن الشافعي (٦). أما «الوصيلة» فأجمعوا على أنها من الغنم (٧)، وفيها خمسة أقوال: أحدها: أنها الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن كان أنثى، لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت، فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكرا، ذبحوه، فأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس (٨).

стр. 3770

وذهب إلى نحوه ابن قتيبة، فقال: : " و «الوصيلة» من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح. فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: قد وصلت أخاها. فلم تذبح لمكانها. وكانت لحومها حراما على النساء. ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء" (١). والثاني: أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإبل بالأنثى، ثم تثني بالأنثى، فكانوا يستبقونها لطواغيتهم، ويدعونها الوصيلة، أي: وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر، رواه الزهري عن ابن المسيب (٢). والثالث: أنها الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك في ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها، قاله ابن إسحاق (٣). والرابع: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين عناقين (٤)، فإذا ولدت في سابعها عناقا وجديا، قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى السائبة، قاله الفراء (٥). والخامس: أن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، قاله الزجاج (٦). قال ابن عطية: " قال أكثر الناس: إن «الوصيلة» في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان آخرها جذيا ذبحوه لبيت الآلهة وإن كانت عناقا استحيوها وإن كان جذي وعناق استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح، وعلى أن الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن أكثر الناس" (٧).

стр. 3771

وأما «الحام» فأجمعوا عليه: أنه البعير ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقال حمى ظهره ويخلَّى (١). وفيه ستة أقوال: أحدها: أنه الفحل، ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم، ولا يحمل عليه، قاله ابن مسعود (٢)، وابن عباس (٣)، واختاره أبو عبيدة (٤)، والزجاج (٥). والثاني: أنه الفحل يولد لولده، فيقولون: قد حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه، ولا يجزون وبره، ولا يمنعونه ماء، ولا مرعى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٦)، واختاره الفراء (٧)، وابن قتيبة (٨). والثالث: أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته، وبنات بناته، قاله عطاء (٩). والرابع: أنه الذي ينتج له سبع إناث متواليات، ، قد حمي ظهره، ولا يركب، ولا يعمل عليه، قاله ابن زيد (١٠). والخامس: أنه الذي لصلبه عشرة كلها تضرب في الإبل، قاله أبو روق (١١). والسادس: أنه الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين، فيخلى ويقال: قد حمى ظهره، ذكره الماوردي (١٢). قال الزجاج: والذي ذكرناه في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام أثبت ما روينا عن أهل اللغة" (١٣).

стр. 3772

قال ابن عطية: " وجملة ما يظهر من هذه الأمور أن الله تعالى قد جعل هذه الأنعام رفقا لعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع ويذهبون نعمة الله فيها ويزيلون المصلحة التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف، فإن المالك الذي له أن يهب ويتصدق له أن يصرف المنفعة في أي طريق من البر، ولم يسد الطريق إليها جملة كما فعل بالبحيرة والسائبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز الأحباس والأوقاف، وقاسوا على البحيرة والسائبة، والفرق بين، ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال هذه تكون حبسا لا يجتنى ثمرها ولا يزرع أرضها ولا ينتفع منها بنفع لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة، وأما الحبس البين طريقه واستمرار الانتفاع به فليس من هذا، وحسبك بأن النبي ﵇ قال لعمر بن الخطاب في مال له: اجعله حبسا (١) لا يباع أصله، وحبس أصحاب النبي ﵇" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أي: " ولكن الكفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراء عليه" (٣). قال البغوي: أي: " في قولهم: الله أمرنا بها" (٤). قال الطبري: أي: " ولكنكم الذين فعلتم ذلك، أيها الكفرة، فحرَّمتموه افتراء على ربكم" (٥).

стр. 3773

قال الواحدي: أي: " يتقوَّلون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام وهم جعلوها مُحرَّمة لا الله" (١). قال ابن كثير: " أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه. وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم" (٢). قال ابن عباس: " ﴿يفترون﴾، يكذبون في الدنيا" (٣). قال الزمخشري: أي: "ولكنهم بتحريمهم ما حرموا يفترون على الله الكذب" (٤). قال قتادة: " ﴿يفترون﴾، أي: يشركون" (٥). قال الشعبي: " أما الذين افتروا، فعقلوا أنهم افتروا" (٦). قال أبو هريرة: " سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: يا أكثم، رأيتُ عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدف يجرّ قُصْبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك! فقال أكثم: عسَى أن يضرّني شبهه، يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : " لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أوّل من غيَّر دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، وحمى الحامي" (٧). وعن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ قال: "قد عرفت أوّلَ من بَحَر البحائر، رجلٌ من مُدْلج كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرّم ألبانهما وظهورَهما، وقال: هاتان لله! ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما. قال: فلقد رأيته في النار يؤذِي أهل النار ريح قُصْبه" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أي: " وأكثر الكافرين لا يميزون الحق من الباطل" (٩).

стр. 3774

قال الواحدي: "يعني: أتباع رؤسائهم الذين سنُّوا لهم تحريم هذه الأنعام ﴿لا يعقلون﴾ أنَّ ذلك كذبٌ وافتراءٌ على الله من الرُّؤساء" (١). قال الزمخشري: أي: " فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارهم" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، قولان: أحدهما: وأكثرهم، يعني: الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من الرؤساء الذين حرموا، قاله الشعبي (٣). والثاني: لا يعقلون أن هذا التحريم من الشيطان، قاله قتادة (٤). وفي المعني بهم في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة: ١٠٣]، وجهان: أحدهما: أنهم أهل ملّة واحدة، ولكن «المفترين»، المتبوعون، و «الذين لا يعقلون»، الأتباع. وهذا قول الشعبي (٥).واختاره ابن عطية، وقال: " وهو الذي تعطيه الآية " (٦). والثاني: أن المعنيّ بـ ﴿الذين كفروا﴾، اليهود، وبـ ﴿الذين لا يعقلون﴾، أهل الأوثان. وهذا قول محمد بن ابي موسى (٧). قال ابن عطية: " وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى وعما تأخر أيضا من قوله: ﴿وإذا قيل لهم﴾، والأول من التأويلين أرجح" (٨).

стр. 3775

والراجح-والله أعلم- إن المعنيين بقوله: ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾، الذين بحروا البحائر، وسيَّبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الحوامي، مثل عمرو بن لحي وأشكاله ممن سنّ لأهل الشرك السنن الرديئة، وغيَّر دين الله دين الحق، وأضافوا إلى الله تعالى ذكره: أنه هو الذي حرّم ما حرّموا، وأحلَّ ما أحلوا، افتراءً على الله الكذب وهم يعلمون، واختلاقًا عليه الإفك وهم يفهمون، فكذبهم الله تعالى ذكره في قيلهم ذلك، وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا. وأما المعنيون بقوله: ﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾، فهم أتباع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة المشركين، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك لهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن وأخبروهم أنها من عند الله، كذبةٌ في إخبارهم، أفَكَةٌ، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقُّون، وفي إخبارهم صادقون (١). الفوائد: ١ - أن الاتباع الهوى في التشريع حقيقته افتراء على الله، قال سبحانه: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾، فهم شرعوا شرعة، وابتدعوا في ملة إبراهيم ﵇ هذه البدعة، توهما أن ذلك يقربهم من الله كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم ﵇ من الحق، فزلوا وافتروا على الله الكذب إذ زعموا أن هذا من ذلك وتاهوا في المشروع (٢). ٢ - دل الآية على أن العرب كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل، ثم حدث بعد ذلك التغيير وعبادة الأصنام بسبب عمرو بن لحي وغيره. فعمرو هذا غيّر دين العرب بدعوتهم لعبادة الأصنام، وباستحداث بدع في دين الله تعالى، أحلّ فيها وحرّم بهواه.

стр. 3776

قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ [المائدة: ١٠٣]، بعد أن ساق أحاديث في معناها: "فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها، والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها ... " (١)، إلى آخر كلامه ﵀. ٣ - الرد على أهل الجاهلية لما ابتدعوه في بهيمة الأنعام من شريعة الجاهلية، حيث جعلوا منها: - البحيرة: وهي التي تشق أذنها ويمنع من ركوبها وحلبها وأكل لحمها. - والسائبة: وهي التي تترك فلا تمنع من مرعى ولا ماء ولا تركب ولا تحلب ولا يجز وبرها. - والوصيلة: وهي الناقة أو الشاة إذا أنتجت عددًا معينًا من الولد متواصلًا، ذبحوها للأصنام، وحرموا لحمها على النساء. - والحام: الجمل الفحل إذا حمى ظهره من أن يركب، كانوا إذا أنتج الفحل عددًا معينًا، قالوا: حمى ظهره فلم يركبوه. وهذه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها والله جل وعلا قال في مطلع السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، والله جل وعلا أحل بهيمة الأنعام أن نأكل منها وأن نشرب من ألبانها وأن نركبها بحدود المشروع، إلا ما كان منها ميتة أو دمًا مسفوحًا، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٢). ٤ - ومنها: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة.

стр. 3777

- فمنها ما هو كفر صراح؛ كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ [المائدة: ١٠٣]. وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال، وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح. - ومنها: ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو يختلف: هل هي كفر أم لا! كبدعة الخوارج والقدرية (١) والمرجئة (٢) ومن أشبههم من الفرق الضالة

стр. 3778

- ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر؛ كبدعة التبتل، والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع. - ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال، وقراءة القرآن بالإدارة، والاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في خطبة الجمعة ـ على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (١) ـ، وما أشبه ذلك. فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة، ولا على نسبة واحدة، فلا يصح على هذا أن يقال: إنها على حكم واحد، هو الكراهة فقط، أو التحريم فقط. (٢). ٥ - ومن الفوائد، أن «جعل» لاياتي في جميع القرآن بمعنى «خلق»، كما مرّ في تفسير قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾، بمعنى: ما سمّاها أو ما شرع ذلك، لا يعني: ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة، فبطل أن يكون كل «جعل» في القرآن عبارة عن الخلق (٣). قال ابن عطية: " و «جعل» في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى: خلق الله، لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها. ولا هي بمعنى: «صير»، لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى: ما سن ولا شرع، فتعدت تعدي هذه التي بمعناه إلى مفعول واحد" (٤). وفيه الرد على المعتزلة الذين فسروا «جعل» في القرآن بمعنى «خلق»، فاستدلوا بها أن القرآن مخلوق، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣].

стр. 3779

وهذا استدلال ظاهر الفساد فإن الفعل «جعل» إذا كان بمعنى «خلق» فإنه يتعدى إلى مفعول واحد كقوله - سبحانه: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وإذا كان يتعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١]. قال الشنقيطي: "لفظة «جعل» تأتي في اللغة العربية لأربعة معان؛ ثلاثة منها في القرآن: الأول: - إتيان جعل بمعنى اعتقد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] أي: اعتقدوهم إناثاً، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر. الثاني: - جعل بمعنى صير، كقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضا. الثالث: - جعل بمعنى خلق، كقوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] أي: خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور. الرابع: - وهو الذي ليس في القرآن جعل بمعنى شرع، ومنه قوله (١): وَقَدْ جَعَلْتُ إذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي ... ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الْشَّارِبِ الثملِ " (٢) القرآن

стр. 3780

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤] التفسير: وإذا قيل لهؤلاء الكفار المحرِّمين ما أحل الله: تعالوا إلى تنزيل الله وإلى رسوله ليتبين لكم الحلال والحرام، قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قول وعمل، أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه؟ فكيف يتبعونهم، والحالة هذه؟ فإنه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا. قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ١٠٤]، أي: " وإذا قيل لهؤلاء الكفار المحرِّمين ما أحل الله: تعالوا إلى تنزيل الله وإلى رسوله ليتبين لكم الحلال والحرام" (١). قال السمرقندي: أي: " من تحليل ما حرمتم على أنفسكم، وما بين رسوله. ويقال: تعالوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله" (٢). قال السمعاني: " يعني: إذا دعوا إلى الكتاب والسنة" (٣). قال البغوي: أي: " في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام" (٤). قال ابن كثير: " أي: إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وتَرْك ما حرمه" (٥). قال ابن الجوزي: " يعني: إذا قيل لهؤلاء المشركين الذين حرموا على أنفسهم هذه الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم" (٦). قال ابن عباس: " كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب بن الأشرف" (٧).

стр. 3781

قال ابن عطية: " الضمير في قوله: ﴿قيل لهم﴾، عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء و ﴿تعالوا﴾، نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده، و ﴿إلى ما أنزل الله﴾، يعني: القرآن الذي فيه التحريم الصحيح" (١). قال الراغب: " أصل «تعالي» دعا إلى العلو، ثم استعمل في كل مكان علوا كان أو سفلا، وقيل: إن ذلك يقال اعتبارا بالعلو الذي هو المرتبة الرفيعة، فإذا قيل تعالي كأنه قيل اطلب بفعلك هذا علوا وشرفا كقولك لمن دعوته تفضل أي اطلب بذلك الفضل وانعم ونحو ذلك، ثم كثر وصار كأنه موضوع المجرد، والمعنى: إذا دعوا إلى الكتاب والسنة" (٢). قوله تعالى ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤]، أي: " قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قول وعمل" (٣). قال البغوي: أي: " من الدين" (٤). قال السمرقندي: أي: " من الدين والسنة" (٥). قال السمعاني: " يعني: كفانا دين آبائنا" (٦). قال ابن كثير: "أي: قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباءَ والأجداد من الطرائق والمسالك" (٧). قال ابن الجوزي: " قالوا: حسبنا أي: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمنهاج" (٨). قال ابن عطية: " ﴿حسبنا﴾، معناه: كفانا" (٩). قال ابن عثيمين: " ﴿آباءنا﴾: "يشمل الأدنى منهم، والأبعد؛ وجوابهم هذا باطل خطأ" (١٠).

стр. 3782

قال الماتريدي: " كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول الله ﷺ إلى ما أنزل الله إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)، كقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ونحو ذلك، يقلدون آباءهم في ذلك" (١). قوله تعالى ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، أي: " أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا من الدين ولا يهتدون إلى الحق؟ " (٢). قال السمرقندي: " يعني: أيتبعون آباءهم وإن كان آباؤهم جهالا، فنهاهم الله عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحق وبالحجة" (٣). قال ابن كثير: " أي: لا يفهمون حقًا، ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم، وأضل سبيلا" (٤). قال ابن الجوزي: أي: لايعلمون" شيئا من الدين ولا يهتدون له، أيتبعونهم في خطئهم" (٥). قال الماتريدي: " أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئا في أمر الدين ولا يهتدون، وكذلك قوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن جنتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل" (٦).

стр. 3783

قال الزمخشري: " «الواو» في قوله ﴿أولو كان آباؤهم﴾: «واو» الحال، قد دخلت عليها همزة الإنكار. وتقديره: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون، والمعنى: أن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة" (١). قال ابن عطية: " قوله: ﴿أولو كان آباؤهم﴾، ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده: نعم ولو كانوا كذلك" (٢). والمراد بـ «العقل» هنا عقل الرشد؛ لا عقل الإدراك؛ فآباؤهم أذكياء، ويدركون ما ينفعهم، وما يضرهم؛ لكن ليس عندهم عقل رشد، وهو حسن تصرف (٣). وإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئاً حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف: فهم يبيعون، ويشترون، ويتحرون الأفضل، والأحسن لهم؟ فيقال: " ﴿لا يعقلون شيئا﴾، لفظ عام ومعناه الخصوص لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، [ومعناه] لا يعقلون شيئا من أمر الدين ولا يهتدون" (٤). الفوائد: ١ - وجوب رد المختلف فيه إلى الكتاب والسنة والرضا بحكمهما. ٢ - حرمة تقليد الجهال واتباعهم في أباطيلهم. ١ - ومن فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى؛ لقوله تعالى: ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾؛ مع أن آباءهم لا عقل عندهم، ولا هدى. ٢ - ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء؛ والواجب أن الإنسان إذا قيل له: «تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسولالله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا». ٣ - ومنها: أنه لا يجب الانقياد إلا لما أنزل الله وإلى الرسول- وهو الكتاب، والسنة.

стр. 3784

٤ - ومنها: بيان عناد هؤلاء المستكبرين الذين إذا قيل لهم: ﴿تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول﴾ قالوا: ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ دون أن يقيموا برهاناً على صحته. ٥ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿لا يعلمون شيئا ولا يهتدون﴾. ٦ - قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وقد تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول، وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح، والتقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة، وعلى هذا فمن قبل قول النبي ﷺ من غير نظر في معجزته يكون مقلدا، وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا (١). القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [المائدة: ١٠٥] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه ألزموا أنفسكم بالعمل بطاعة الله واجتناب معصيته، وداوموا على ذلك وإن لم يستجب الناس لكم، فإذا فعلتم ذلك فلا يضركم ضلال مَن ضلَّ إذا لزمتم طريق الاستقامة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، إلى الله مرجعكم جميعًا في الآخرة، فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها. في سبب نزول الآية قولان:

стр. 3785

أحدهما: نقل الواحدي: عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل هجر- وعليهم منذر بن ساوى- يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية. فلما أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصارى والصابئين والمجوس، فأقروا بالجزية، وكرهوا الإسلام. وكتب إليه رسول الله ﷺ : «أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية». فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، أسلمت العرب، وأما أهل الكتاب والمجوس فأعطوا الجزية، فقال منافقو العرب: عجبا من محمد، يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، فلا نراه إلا قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب! فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم يعني من ضل من أهل الكتاب﴾ " (١). [ضعيف] والثاني: قال عمر مولى غفرة: "إنما نزلت هذه الآية: لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه، ويسلم الرجل ويكفر أخوه، فلما دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم. فقالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠٥]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٣). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٤).
следующие страницы →