← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

أحدهما: أنها محكمة، وشهادة أهل الكتاب على الوصية خاصة في السفر جائزة عند فقد المسلمين للضرورة، والعمل على هذا باق، وهذا قول عائشة (١)، وأبي موسى الأشعري (٢)، وابن عباس (٣)، وشريح (٤)، عبيدة (٥)، وهشام بن هبيرة (٦)، ومحمد (٧)، وإبراهيم (٨)، ومجاهد (٩)، ويحي بن يعمر (١٠)، وابن المسيب (١١)، وابن جبير (١٢)، وابن سيرين (١٣)، وقتادة (١٤)،

стр. 3817

والشعبي (١)، والثوري (٢)، والأوزاعي (٣)، وأحمد بن حنبل (٤)، والطبري (٥). قال القاسم بن سلام: " فجلّ العلماء وعظمهم من الماضين يتأولونها في أهل الذمة ويرونها محكمة .. ومما يزيد قولهم قوة وتوكيدا تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ منها، وأنها من محكم القرآن" (٦). قال ابن قتيبة: " وأكثر العلماء يذهب إلى أن هذا باب من الحكم (محكم) وأنه لم ينسخ من سورة المائدة شيء، لأنها آخر ما نزل" (٧). عن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس قالا: "قال رسول الله- ﷺ المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " (٨). وعن جبير بن نفير قال: "حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير هل تقرأ المائدة؟ قلت: نعم: قالت: أما إنها من آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه" (٩).

стр. 3818

وعن أبي ميسرة قال: "في المائدة ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ" (١). وعن ابن عون قال: "سألت الحسن: هل نسخ من المائدة شيء؟ فقال: لا" (٢). والقول الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾ [الطلاق: ٢]، وهو قول ابن عباس (٣)، وإبراهيم (٤)، وزيد بن أسلم (٥)، وإليه يميل أبو حنيفة (٦)، ومالك (٧)، والشافعي (٨). واحتجوا بقول الله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وبقوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا ولا يكون أهل الشرك عدولا أبدا، ولا ممن ترضى شهادته (٩).

стр. 3819

أخرج الطبري عن زيد بن أسلم في هذه الآية: " ﴿شهادة بينكم﴾ الآية كلها، قال: كان ذلك في رجل تُوُفّيَ وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أوّل الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله ﷺ وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها" (١). وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: "هي منسوخة، يعني هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾، الآية" (٢). قال ابن الجوزي: "والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال" (٣). قال الواحدي: " فإن قيل: إن أهل الذمة لا يكونون عدولًا ولا تقبل شهادتهم، قيل: هذا من مواضع الضرورات التي يجوز فيها ما لا يجوز في مواضع الاختيارات، وقد أجاز الله تعالى في الضرورة التيمم وقصر الصلاة في السفر والجمع، والإفطار في شهر رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ولا ضرورة أعظم من ضرورة تبطل حقوقا وتضيع أمورًا على الميت من زكوات وكفارات أيمان وودائع للناس من ديون وحقوق، متى لم يبينها بطلت، فجاز عند الضرورة الإيصاء إلى أهل الذمة، كما جاز في الأشياء التي وصفناها، وكما يجوز شهادة نساء لا رجل معهن في الحيض، والحبَل، والولادة، والاستهلال" (٤). الفوائد: ا- مشروعية الوصية في الحضر والسفر معاً، والحث عليها والترغيب فيها. ٢ - وجوب الإشهاد على الوصية.

стр. 3820

٣ - اشتراط العدالة في الشهادة عند التحمل، والفاسق الأمين الموثوق تقبل شهادتهما، عليه فإن العدالة شرط قدر الإمكان، وإذا لم يكن فإنه تقبل شهادة الفاسق بشرط ان يكون ثقة، وكم من غنسان يكون فاسقا في عبادته لكنه امين في شهادته. ٤ - يجوز شهادة غير المسلم على الوصية إذا تعذر وجود مسلم. ٥ - مشروعية تحليف الشهود إذا ارتاب القاضي فيهم أو شك في صدقهم. وهذا بناء على أن الآية غير منسوخة وهو قول الأقلية كأحمد بن حنبل رحمة الله تعالى وهو الراجح، والآية دلالتها قوية عليه، وأما التخوف من قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فلا داعي إليه مع وجود ضرورة السفر وانعدام وجود المسلم، كما لا محذور من تحليف الشاهد إذا حامت حوله ريبة أو شك في عدالته لاسيما في ظروف تقل فيها العدالة لفساد أحوال الناس. ولهذا فإنها محكمة والعمل بها جائر. والله أعلم. ٦ - استحباب الحلف بعد صلاة العصر تغليظاً في شأن اليمين. ٧ - أن الحلف لا يكون إلا بالله، لقوله: ﴿فيقسمان بالله﴾، فلو اقسم بغير الله حتى بمن يعظّم عندهم كالمسيح مثلا فإنها لا تقبل ولا يعتد بها. ٨ - أن أقسامهما لا يلزم إلا عند الارتياب في شهادتهما، لقوله: ﴿إن راتبتم﴾. ٩ - الإشارة ان للقرابة تأثيرا في الميل والعاطفة، لقوله: ﴿ولو كان ذا قربى﴾، وهذا شيء فطري معروف. ١٠ - أن كتمان الشهادة إثم، لقوله: ﴿إنا إذا لمن الآثمين﴾. القرآن ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾ [المائدة: ١٠٧] التفسير:

стр. 3821

فإن اطلع أولياء الميت على أن الشاهدين المذكورين قد أثما بالخيانة في الشهادة أو الوصية فليقم مقامهما في الشهادة اثنان من أولياء الميت فيقسمان بالله: لَشهادتنا الصادقة أولى بالقبول من شهادتهما الكاذبة، وما تجاوزنا الحق في شهادتنا، إنا إن اعتدينا وشهدنا بغير الحق لمن الظالمين المتجاوزين حدود الله. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: " فإن اطلع أولياء الميت على أن الشاهدين المذكورين قد أثما بالخيانة في الشهادة أو الوصية" (١). قال السمعاني: " يعني: فإن اطلع، وأظهر خيانتهما" (٢). قال ابن كثير: " أي: متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما" (٣). قال الطبري: أي: " فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله: لا نشتري بأيماننا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثمًا، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خُنّا ولا بدَّلنا ولا غيَّرنا، فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئًا، أو غيرا وصيته، أو بدّلا فأثما بذلك من حلفهما بربهما" (٤). قال الماوردي: " يعني: فإن ظهر على أنهما كَذَبَا وخَانَا، فعبر عن الكذب بالخيانة والإِثم لحدوثه عنهما" (٥). قال قتادة: " أي: اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما" (٦).

стр. 3822

قال ابن عباس: " فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد. فذلك قوله: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا﴾، يقول: إن اطلع على أنّ الكافرَيْن كذبا، ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء" (١). قال سعيد بن جبير: " إذا كان الرجل بأرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر. فإذا اطُّلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئًا، حلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا، ثم استحقوا" (٢). وروي عن إبراهيم مثل ذلك (٣). وأصل «العثر»، الوقوع على الشيء والسقوط عليه، ومن ذلك قولهم: عثرت إصبع فلان بكذا، إذا صدمته وأصابته ووقعت عليه، ومنه قول الأعشي ميمون بن قيس (٤): بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْنَاةٍ إذَا عَثَرَتْ ... فَالتَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا يعني بقوله: «عثرت»، أصاب منسِمُ خُفِّها حجرًا أو غيرَه، ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيًّا، كقولهم: "عَثَرتْ على الغَزْل بأَخَرة* فلم تَدَعْ بنَجْدٍ قَرَدَةَ" (٥)، بمعنى: وقعت (٦). وفي الذين قوله تعالى: ﴿عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، قولان: أحدهما: أنهما الشاهدان، قاله ابن عباس (٧).

стр. 3823

والثاني: أنهما الوصيان، قاله سعيد بن جبير (١). قوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: " فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة يقومان مقام الشاهدين الخائنين وليكونا من أولى من يستحق الميراث" (٢). قال الطبري: " يقول: يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت، الأوليان الموصَى إليهما" (٣). قال ابن كثير: " فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أوْلى من يرث ذلك المال" (٤). قال الماوردي: " يعني: من الورثة، ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ في اليمين، حين ظهرت الخيانة" (٥). قال السمعاني: معناه: " إن عثر على خيانة الحالفين؛ يقوم الأوليان من أولياء الميت؛ فيحلفان" (٦). قال السدي: " ﴿على الأوليان﴾، يقول: من الذين شهد عليها" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، قولان: أحدهما: الأوليان بالميت من الورثة، قاله سعيد بن جبير (٨)، وابن زيد (٩). والثاني: الأوليان بالشهادة من المسلمين، قاله ابن عباس (١٠)، وشريح (١١)، وقتادة (١٢).

стр. 3824

قال الطبري: " ﴿الأوليان﴾، معناه عندنا: الأوْلى بالميت من المقسمين الأولين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى ثم حذف «منهما»، والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد: أفضل منك، وذلك إذا وضع: «أفعل» موضع الخبر، وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه «الألف واللام»، فعلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف، يريدون: هو الأشرف منك" (١). قال الزمخشري: " ومعنى «الأولية»: التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها" (٢). قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائى: ﴿استحق عليهم الأولين﴾: ﴿استحق﴾ مضمومة التاء، ﴿الأولين﴾ على التثنية. وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة: ﴿استحق﴾ برفع التاء، ﴿الأولين﴾ جمعا. وروى حفص عن عاصم: ﴿استحق﴾ بفتح التاء، ﴿الأولين﴾ مثل أبى عمرو على التثنية (٣). وروى نصر بن على عن أبيه عن قرة قال: "سألت ابن كثير فقرأ ﴿استحق﴾ بفتح التاء ﴿الأولين﴾ بالأف على التثنية" (٤). قوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: " فيقسمان بالله: لَشهادتنا الصادقة أولى بالقبول من شهادتهما الكاذبة" (٥). قال ابن عباس: " يقول: يحلفان بالله ما كان صاحبنا يوصي بهذا أو أنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحق من شهادتهما" (٦). قال السدي: " حلفا بالله لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليها أحق من شهادتهما بما شهدا" (٧).

стр. 3825

قال مقاتل بن حيان: " يقول: فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا وإن الذي نطلب قبل الدارين لحق" (١). قال ابن كثير: " أي: لقولنا: إنهما خانا أحقُّ وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة" (٢). قال الطبري: أي: " فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللَّذين عثر على أنهما استحقا إثمًا بخيانتهما مالَ الميت، الأوْليان باليمين والميِّت من الخائنين: لأيماننا أحقُّ من أيمان المقسمَين المستحقَّين الإثم، وأيمانِهما الكاذبة في أنَّهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميّتنا، وكذا في أيمانِهما التي حلفا بها" (٣). قال الواحدي: " وسميت «اليمين» ههنا: شهادة، لأن اليمين كالشهادة على ما يجب عليه أنه كذلك" (٤). واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حَكَم اللهُ تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين، بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثمًا، وفيه أقوال: أحدها: إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى بغير الذي يجوز في حكم الإسلام، وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله، أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله. وهذا قول ابن عباس (٥)، والسدي (٦). والثاني: إذا ارتابت الورثة من الشاهدين، لادعاءهما أن الميت أوصى لهما ببعض المال. وهذا قول يحيى بن معمر (٧).

стр. 3826

والصواب-والله أعلم- "أنّ الشاهدين ألزما اليمينَ في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلهما خيانةَ مالٍ معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما، أو على أحدهما، إنما صحح دعواه إذا حُقِّق حقه أو: الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادَّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بيِّنة، فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكمًا يجب فيه اليمين على الشهود، ارتيب بشهادتهما أو لم يُرْتَبْ بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرًا لذلك ولا - إذا لم نجد ذلك كذلك - صحّ بخبر عن الرسول ﷺ ، ولا بإجماع من الأمة. لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى ذكره، فيكون أصلا مسلمًا. والقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحًا فسادُه" (١). قال ابن عباس: " خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بدَّاء، فمات السَّهمي بأرض ليس فيها مسلم. فلما قدِما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ . ثم وُجِد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم الداريّ وعديّ بن بدّاء! فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾، وأنّ الجام لصاحبهم. قال: وفيهم أنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ " (٢).

стр. 3827

قوله تعالى: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: " وما تجاوزنا الحق في شهادتنا" (١). قال ابن كثير: " أي: فيما قلنا من الخيانة " (٢). قال الواحدي: أي: " فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما" (٣). قال البغوي: أي: " في أيماننا، وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما" (٤). قال الطبري: " يقول: وما تجاوزنا الحقَّ في أيماننا" (٥). قال السمرقندي: أي: " في الشهادة والدعوى" (٦). قال أبو السعود: " أي: ما تجاوزنا فيها الحق أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما" (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: " إنا إن اعتدينا وشهدنا بغير الحق لمن الظالمين المتجاوزين حدود الله" (٨). قال ابن كثير: " أي: إن كنا قد كذبنا عليهما" (٩). قال الطبري: " يقول: إنّا إن كنا اعتدينا في أيماننا، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين، لَمِنْ عِدَادِ مَنْ يأخذ ما ليس له أخذه، ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس" (١٠). قال السمرقندي: أي: " إنا إذا اعتدينا فحينئذ لمن الظالمين" (١١). قال أبو السعود: " استئناف مقرر لما قبله أي إنا إن اعتدينا في يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى أو لمن الواضعين الحق في غير موضعه" (١٢). قال مقاتل بن حيان: " هذا قول الشاهدين أولياء الميت حين اطلع على خيانة الدارين" (١٣).

стр. 3828

قال البغوي: " فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد العصر فدفعا الإناء إليهما وإلى أولياء الميت (١)، وكان تميم الداري بعدما أسلم يقول صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره، وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ابتاعاه. والوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال: إنه أوصى لي به حلف الوارث، إذا أنكر ذلك، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه. ويروى عن ابن عباس (٢) ﵄ عن تميم الداري قال: كنا بعنا الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله ﷺ ، وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي، ورددت أنا الخمسمائة" (٣). الفوائد: ١ - جواز تنقيب من عليه الحق عن القضية والتدقيق فيها حتى يعثر على حقٍّ فيها؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ والعِثار لا يكون إلا بعد التحرِّي. ٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشاهدَينِ إذا غيَّرا في الشهادة بزيادة أو نقص أو تبديل فهُما آثمان؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك بكون الشهادة غير صحيحة؛ لأن هذا إثمٌ. ٣ - الإشارة إلى أن الإرث يكون للأَوْلى فالأَوْلى؛ يؤخذ من قوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وقد جاء الحديث مقرِّرًا ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٤).

стр. 3829

٤ - أن تُرَدَّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. ٥ - أن المدَّعَى عليه لا يجزم ببُطلان شهادة الشاهد التي تبيَّن أن فيها شيئًا من الخلل؛ لقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ بهذا اللفظ، ولم يقُل: باطلة. لكن قوله: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يستلزم أن تكون مردودة وأن القول قول المدَّعَى عليه ٦ - ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا احتيج في الشهادة أو في القَسَم إلى إثباتٍ ونفيٍ فلا بد من ذكر الإثبات والنفي؛ فقولهما -يعني الأَوْليينِ- ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، فهذا إثبات، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ هذا نفيٌ، فإذا احتيج إلى ذلك فلا بد من ذكر النفي والإثبات حتى تكون الشهادة خالصة. ٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ردَّ الأَوْليينِ لشهادة الشاهدَينِ أعظمُ اعتداءً من تغيير الشهادة من الشاهدين؛ ووجه ذلك أنه بتغيُّر الشهادة من الشاهدين قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. القرآن ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٨] التفسير: ذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة، أو خشية من أن ترد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي ردت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته. وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالا حرامًا، واسمعوا ما توعظون به. والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته.

стр. 3830

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: " ذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة" (١). قال ابن عباس: " يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها" (٢). قال قتادة: " يقول: ذلك أحرَى أن يصدقوا في شهادتهم" (٣). عن مقاتل بن حيان قوله: " ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾، يعني: الدارين" (٤). قال ابن قتيبة: " أي: هذا الحكم أقرب بهم إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني: أهل الذمة" (٥). قال الطبري: أي: " هذا الفعل، إذا فعلتم بهم، أقربُ لهم أن يصدُقوا في أيمانهم، ولا يكتموا، ويقرُّوا بالحق ولا يخونوا" (٦). قال ابن الجوزي: " أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين، أقرب إلى إتيان أهل الذمة بالشهادة على ما كانت، وأقرب" (٧). قال الجصاص: يعني: " أقرب أن لا يكتموا ولا يبدلوا" (٨). قال السمرقندي: " يعني: ذلك أحرى وأجدرأن يقيموا شهادة المدعي مقام شهادة المدعى عليه إذا ظهرت الخيانة، لكي لا يخونا في الشهادة، ويأتيا بالشهادة على وجهها" (٩). قال الثعلبي: " أي: ذلك أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم" (١٠). قال البغوي: " أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم، أي أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت" (١١).

стр. 3831

قال ابن عطية: " قوله تعالى: ﴿على وجهها﴾، معناه: على جهتها القويمة التي لم تبدل ولا حرفت" (١). قال السدي: " يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله: "لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين، أنّ صاحبكم لبهذا أوصى، وأنّ هذه لتركته". فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: "إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما، فضحتكما في قومكما، ولم أجز لكما شهادة، وعاقبتكما". فإن قال لهما ذلك، فإنّ ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: " أو خشية من أن ترد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي ردت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته" (٣). قال قتادة: " وأن يخافوا العَقِب" (٤). قال ابن زيد: " فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمانُ هؤلاء" (٥). قال ابن قتيبة: " فيحلّفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفضحوا، أو يغرّموا" (٦). قال الجصاص: " يعني: إذا حلفا ما غيرا ولا كتما ثم عثر على شيء من مال الميت عندهما" (٧). قال الثعلبي: أي: "إذا خافوا رد اليمين وإلزامهم الحق" (٨). قال البغوي: " أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمن بعد يمينهم على المدعي، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم" (٩).

стр. 3832

قال الطبري: أي: " يقول: أو يخاف هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقُّوا إثمًا في أيمانهم بالله، أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت، بعد أيمانهم التي عُثِر عليها أنها كذب، فيستحقُّوا بها ما ادّعوا قِبَلهم من حقوقهم، فيصدقوا حينئذٍ في أيمانهم وشهادتهم، مخافةَ الفضيحة على أنفسهم، وحذرًا أن يستحقّ عليهم ما خانُوا فيه أولياء الميِّت وورثته" (١). قال السمعاني: " يعني: وإن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على المدعين؛ فلا يحلفوا على الكذب؛ خوفا من أن يرد اليمين عليهم، ويكون يمينهم أولى" (٢). قال السمرقندي: " يعني: إذا خافا أن ترد اليمين إلى غيرهما، امتنعا عن الكذب. وقد احتج بعض الناس بهذه الآية بأن اليمين ترد إلى المدعي، ولا حجة له فيه، لأن رد اليمين حادثة أخرى، وهو ظهور الخيانة منهما. لأن دعوى الثاني دعوى الشرى، ودعوى الأول دعوى الكتمان" (٣). أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس قوله: " ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾، يعني: أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم ثم يوضع ميراثه كما أمر الله وتبطل شهادة الكافرين وهي منسوخة" (٤). وأخرج الطبري عن ابن عباس: " ﴿فإن عُثر على أنهما استحقّا إثمًا﴾، يقول: إن اطُّلع على أنّ الكافرين كذبَا، ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله أنّ شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد، فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره: ﴿ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم﴾، وليس على شُهود المسلمين أقسْام، وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين" (٥).

стр. 3833

قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: " وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالا حرامًا" (١). قال البغوي وابن الجوزي: " أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة" (٢). قال السمرقندي: أي: " ولا تخونوا" (٣). قال الطبري: أي: " وخافوا الله، أيها الناس، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبةً، وأن تُذْهبوا بها مال من يَحْرم عليكم ماله، وأن تخونوا من اتَّمنكم" (٤). قال ابن عطية: " ثم أمر تعالى بالتقوى التي هي الاعتصام بالله" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: " واسمعوا ما توعظون به" (٦). قال البغوي: أي: "الموعظة" (٧). قال السمرقندي: أي: " ما تؤمرون به" (٨). قال الزمخشري: أي: " سمع إجابة وقبول" (٩). قال البيضاوي: " أي: واسمعوا ما توصون به سمع إجابة" (١٠). قال الطبري: " يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به، فاعملوا به، وانتهوا إليه" (١١). قال ابن عطية: أمر: " بالسمع لهذه الأمور المنجية" (١٢). قال القرطبي: " أي: اسمعوا ما يقال لكم، قابلين له، متبعين أمر الله فيه" (١٣). عن مقاتل بن حيان قوله: " ﴿واتقوا الله واسمعوا﴾، يعني: القضاة" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: " والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته" (١٥).

стр. 3834

قال السمرقندي: " يعني: الخائنين" (١). قال الطبري: " يقول: والله لا يوفِّق من فَسَق عن أمر ربّه، فخالفه وأطاع الشيطانَ وعصى ربَّه" (٢). قال البيضاوي: " أي: لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة" (٣). قال ابن عطية: " أخبر أنه لا يهدي «القوم الفاسقين»، من حيث هم فاسقون، وإلا فهو تعالى يهديهم إذا تابوا، ويحتمل أن يكون لفظ «الفاسقين» عاما، والمراد الخصوص فيمن لا يتوب" (٤). قال القرطبي: " فسق يفسق ويفسق: إذا خرج من الطاعة إلى المعصية" (٥). قال ابن زيد: " ﴿والله لا يهدي القومَ الفاسقين﴾، الكاذبين، يحلفون على الكذب" (٦). قال الطبري: " وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفُوعٍ، إلا أن الله تعالى ذكره عَمَّ الخبر بأنه لا يهدي جميع الفسَّاق، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض بخبر ولا عقلٍ، فذلك على معاني «الفسق» كلها، حتى يخصِّص شيئًا منها ما يجب التسليمُ له، فيُسلِّم له" (٧). وفي الصحاح: «الهداية» بمعنى الارشاد والدلالة (٨)، ويقال: هديتُهُ الطريقَ والبيتَ هداية، أي عَرَّفتُه به (٩). و«الهداية»: قد يأتي في كلام العرب: بمعنى التوفيق (١٠)، فمن ذلك قول الشاعر (١١): لا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي ... وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ

стр. 3835

يعنى به: وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر (١): ولا تُعْجِلَنِّي هدَاك المليكُ ... فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا فمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري. ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: " لا يُوفِّقهم، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم" (٢). وذكر السمين الحلبي وجوها في معنى «الهداية» (٣): أحدها: الإرشاد. والثاني: الدلالة. والثالث: التقدم، ومنه هوادي الخيل لتقدمها قال امرؤ القيس (٤): فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل فقوله: الهاديات، أي: أوائل بقر الوحش. والرابع: التبيين نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. أي بيّنا لهم. والخامس: الإلهام، نحو: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي ألهمه لمصالحه. والسادس: الدعاء كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أي: داع. والسابع: وقيل هو الميل، ومنه ﴿إنا هدنآ إليك﴾ [الأعراف: ٥٦]، والمعنى: مل بقلوبنا إليك، قال السمين الحلبي: "وهذا غلط، فإن تيك مادة أخرى من هاد يهود" (٥). وقال الحسن بن الفضل: " (الهدى) في القرآن على وجهين: الوجه الأول: هدى دعاء وبيان كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، و ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصّلت: ١٧].

стр. 3836

الوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد كقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] " (١). الفوائد: ١ - أنه كلما كان الشيء أقرب إلى استنتاج الصواب والحق بالشهادة فهو أَوْلى أن يُتَّبع؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ لأن الإنسان إذا فهِم أن من ورائه أُناسًا سيقومون برد شهادته والإقسام على بُطلانها فلا بد أن يتحرَّى الصدق فيما شهد به. ٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله والسمع والطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾، ومعنى ﴿اسْمَعُوا﴾ هنا: استجيبوا، كما سبق أيضًا في الشرح. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه أخبر بأنه لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي: الخارجين عن طاعته، وخبر اللهِ صِدقٌ. ٤ - ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ٥ - ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله. لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ٦ - وتجدر الإشارة بأن الفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش. والفسق نوعان: أحدهما: - فسق يخرج عن الإسلام، والثاني: - وفسق لا يخرج عن الإسلام قال ابن عباس ﵄: " كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذّنب " (٢).

стр. 3837

وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم، قالوا: "كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق " (١). قال محمد بن نصر المروزي ﵀: " والفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا" (٢). وها هنا أمر مهمّ لا بد من التنويه به، وهو أن الإيمان لما كان شعباً متعدّدة كما أخبر الصّادق المصدوق ﷺ في حديث شعب الإيمان (٣)، فإن ما يقابله ويضاده كذلك، فالكفر شعب ومراتب، فمنه ما يُخرج من الملّة، ومنه كفر دون كفر، وكذا النفاق، والشرك، والفسق، والظلم، وهذا أصل عظيم تميّز به أهل السنة عن المبتدعة من الوعيدية والمرجئة (٤). القرآن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩] التفسير: واذكروا -أيها الناس- يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل ﵈، فيسألهم عن جواب أممهم لهم حينما دعوهم إلى التوحيد فيجيبون: لا علم لنا، فنحن لا نعلم ما في صدور الناس، ولا ما أحدثوا بعدنا. إنك أنت عليم بكل شيء مما خفي أو ظهر. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: " واذكروا -أيها الناس- يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل ﵈" (٥). قال الواحدي: " أَيْ: اذكروا ذلك اليوم" (٦). قال ابن عاشور: أي: " اذكر يوم يجمع الله الرسل" (٧).

стр. 3838

قال القاسمي: " تخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم، بل لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم، بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم" (١). قال الزجاج: " ومعنى المسألة من الله تعالى للرسل تكون على جهة التوبيخ للذين أرسلوا إليهم، كما قال : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩] ... فإنما تسأل ليوبخ قاتلوها ... أما نصب ﴿يوم﴾ فمحمول على قوله: ﴿واتقوا الله واسمعوا﴾ أي، واتقوا يوم يجمع الله الرسل، كما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] " (٢). وفي الصحيح في حديث الشفاعة: "إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" (٣). عن أبي أسامة الباهلي: " أن رجلا قال: يا رسول الله كم كان الرسل. قال: ثلاثمائة وخمسة عشر" (٤). قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: " فيسألهم: ما الذي أجابتكم به أممكم؟ " (٥). قال الطبري: " يعني به: ما الذي أجابتكم به أممكم، حين دعوتموهم إلى توحيدي، والإقرار بي، والعمل بطاعتي، والانتهاء عن معصيتي؟ " (٦). قال القاسمي: أي: " ما الذي أجابكم من أرسلتم إليهم؟ ففيه إشعار بخروجهم عن عهدة الرسالة، إذا لم يقل: هل بلغتم رسالاتي؟ وفي توجيه السؤال إليهم. والعدول عن إسناد الجواب إلى قومهم بأن يقال: ماذا أجابوا- من الإنباء عن شدة الغضب الإلهي ما لا يخف" (٧).

стр. 3839

قال محمد رشيد رضا: " والمراد من السؤال توبيخ أممهم، وإقامة الحجة على الكافرين منهم، والمعنى أي إجابة أجبتم، أإجابة إيمان وإقرار أم إجابة كفر واستكبار؟ فهو سؤال عن نوع الإجابة لا عن الجواب ماذا كان" (١). قال أبو السعود: " أي: أي إجابة أجبتم من جهة أممكم: إجابة قبول أو إجابة رد؟ ، وقيل: بأي جواب أجبتم وعلى التقديرين ففي توجيه السؤال عما صدر عنهم وهم شهود إلى الرسل ﵈ كسؤال الموءودة بمحضر من الوائد والعدول عن إسناد الجواب إليهم بأن يقال ماذا أجابوا من الأنباء عن كمال تحقير شأنهم وشدة الغيظ والسخط عليهم ما لا يخفي" (٢). قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: " لا علم لنا إِلى جنب علمك" (٣). قال الثعلبي: " أي فيقولون: لا علم لنا" (٤). قال أبو السعود: " وصيغة الماضي في قوله: ﴿قالوا﴾، للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ونظائرهما، وإنما يقولون ذلك تفويضا للأمر إلى علمه تعالى وإحاطته بما اعتراهم من جهتهم من مقاساة الأهوال ومعاناة الهموم والأوجال وعرضا لعجزهم عن بيانه لكثرته وفظاعته" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]، ستة تاويلات:

стр. 3840

أحدها: لم يكن ذلك إنكاراً لِمَا علموه، ولكن ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم ثم أجابوا بعدما ثابت عقولهم، قاله الحسن (١)، ومجاهد (٢)، والسدي (٣)، وإسحاق بن خلف (٤)، وروي عن ابن عباس نحوه (٥)، واختاره الواحدي (٦). قال السمعاني: " فإن قال قائل: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد علموا ما أجابوا؟ قيل: إن جهنم تزفر زفرة تذهل بها عقولهم؛ فيقولون من شدة الفزع: لا علم لنا؛ ثم يرد الله - تعالى - عليهم عقولهم، فيخبرون بالجواب" (٧). قال الزجاج: " قال بعضهم: لو كانت عزبت أفهامهم لم يقولوا: ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ " (٨). والثاني: لا علم لنا إلا ما علمتنا، قاله مجاهد –في قوله الآخر- (٩). والثالث: لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منَّا، قاله ابن عباس (١٠). والرابع: لا علم لنا بما أجاب به أممنا، لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء، ذكره المارودي عن الحسن أيضاً (١١)، وذكر الزجاج عن بعضهم نحوه (١٢).

стр. 3841

والخامس: أن معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، أي: ماذا عملوا بعدكم، ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوْبِ﴾، قاله ابن جريج (١). قال السمعاني: " وقيل: معناه: لا علم بعاقبة أمرهم، وبما أحدثوا من بعد، وأن أمرهم على ماذا ختم، وعلى هذا دل شيئان: أحدهما: من الآية قوله ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾. والثاني: ما روى صحيحا عن رسول الله أنه قال: «يسلك بطائفة من أصحابي ذات الشمال - يعني يوم القيامة - فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي، فيقول الله ﵎: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول ما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢)» (٣) " (٤).

стр. 3842

قال الطبري: هذا" تأويل لا معنَى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يَحدُث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عَمَّا عملت الأمم بعدها والأمر كذلك، فإنما يقال لها: ماذا عَرَّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهرُ خَبر الله تعالى ذكره عن مسألته إيّاهم، يدلّ على غير ذلك" (١). والسادس: يعني: لا علم لنا بما كان في قلوبهم من الإيمان بك وغيره، إنما علمنا بما أظهروه من الإقرار باللسان ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾، فقيل له: يطالبهم بحقيقة ما في قلوب الأمة؟ فقال: لا، وإنما وقع السؤال بنفسه إياهم عن حقيقة الظاهر الذي لا يظهر إلا بحقيقة الباطن، فأجابوا بالإشارة إلى رد العلم إليه. قاله التستري (٢). والصواب-والله أعلم- هو قول ابن عباس، أي: " لا علم لنا، إلا علم أنت أعلم به منّا، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لا علم لنا إنَّك أنتَ علام الغيوب﴾، أي: إنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفيِّ العلوم وجليِّها. فإنما نَفى القومُ أن يكون لهم بما سُئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره لا أنَّهم نَفَوا أن يكونوا علموا ما شاهدُوا. كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنَّهم يُخْبرون بما أجابتهم به الأمم، وأنهم يسْتشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال تعالى ذكره: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] " (٣). فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعليه جوابان (٤): أحدهما: أنه إنما سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. والثاني: أنه أراد أن يفضحهم بذلك على الأشهاد ليكون ذلك نوعاً من العقوبة لهم.

стр. 3843

وقرىء: «علام الغيوب»، بالنصب على النداء أو الاختصاص بالمدح على أن الكلام قد تم عند قوله تعالى: ﴿أنت﴾، أي: إنك أنت المنعوت بنعوت كمالك المعروف بذلك (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: " إنك أنت عليم بكل شيء مما خفي أو ظهر" (٢). قال أبو السعود: " تعليل لذلك، أي: فتعلم ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم وفيه إظهار للشكاة ورد للأمر إلى علمه تعالى بما لقوا من قبلهم من الخطوب وكابدوا من الكروب والتجاء إلى ربهم في الانتقام منهم وقيل المعنى لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة ورد ذلك بأنهم يعرفونهم بسيماهم فكيف يخفى عليهم أمرهم وأنت خبير بأن مرادهم حينئذ أن بعضهم كانوا في زمانهم على الحق ثم صاروا كفرة" (٣). قال محمد رشيد رضا: " يعني أنه ليس بنفي لعلمهم بإطلاق وإنما هو نفي لعلم الإحاطة الذي هو خاص بالخلاق العليم; إذ الرسل كانوا يعلمون ظاهر ما أجيبوا به من مخاطبيهم ولا يعلمون بواطنهم، ولا حال من لم يروه من أممهم، إلا ما يوحيه تعالى إليهم من ذلك، وهو قليل من كثير; ولذلك فقرنوا نفي العلم عنهم بإثبات المبالغة في علم الغيب له تعالى، فإن صيغة " علام " معناها كثير العلم، أي بكثرة المعلومات، وإلا فعلمه واحد محيط بكل شيء إحاطة كاملة. ولا يوصف تعالى بـ «العلامة»، ولعله لما فيه من «تاء» التأنيث، قال تعالى لنوح ﵇ لما سأل ربه أن ينجي ولده من الطوفان: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، وقال لخاتم رسله ﵊: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُم﴾ [التوبة: ١٠١] " (٤). الفوائد:

стр. 3844

١ - شدة هول يوم القيامة وصعوبة الموقف حتى إن الرسل ليذهلون. ٢ - ومن الفوائد: تمام قدرة الله ﵎، وذلك بجمعه الرسل في ذلك الموقف العظيم الذي يختلط فيه الآدميون والوحوش والسباع والإبل وغيرها، فيجمع الله الرسول بقدرته وإذنه. ٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث إن الله يعتني بهم هذا الاعتناء؛ حتى إنه يسألهم يوم القيامة في هذا المشهد العظيم: ماذا أُجيبوا؟ تكريمًا لهم وإظهارًا لإبلاغهم الرسالة. ٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدُّب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله ، حيث قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذا وجه. الوجه الثاني: أنهم عرفوا قدر أنفسهم؛ وأنهم لا يعلمون الغيب. الوجه الثالث: أنهم علموا أن الأمم بعدهم لا يعلمون عنها شيئًا حسب الاحتمالات التي ذكرناها في وجه قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. ٥ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الغيب لله ؛ لقول الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذا القول إجماع منهم ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يعني: لا غيرك، والكهنة يخبرون عن مغيبات المستقبل، لكنهم لهم أناس من الجن يستمعون الوحي، ويسترقونه، ويلقونه إلى الكاهن، ويضيف الكاهن إليه كذبات كثيرة، ويصدق بكلمة واحدة، وهذا لا ينافي القول بأن الله علام الغيوب وحده؛ لأن الله تعالى قال في هؤلاء الذين يسترقون السمع قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر ١٨] فاستثنى الله ، قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾. القرآن

стр. 3845

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ [المائدة: ١١٠] التفسير: إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها، ومن هذه النعم على عيسى أنه قوَّاه وأعانه بجبريل ﵇، يكلم الناس وهو رضيع، ويدعوهم إلى الله وهو كبير بما أوحاه الله إليه من التوحيد، ومنها أن الله تعالى علَّمه الكتابة والخط بدون معلم، ووهبه قوة الفهم والإدراك، وعَلَّمه التوراة التي أنزلها على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل عليه هداية للناس، ومن هذه النعم أنه يصوِّر من الطين كهيئة الطير فينفخ في تلك الهيئة، فتكون طيرًا بإذن الله، ومنها أنه يشفي الذي وُلِد أعمى فيبصر، ويشفي الأبرص، فيعود جلده سليمًا بإذن الله، ومنها أنه يدعو الله أن يحييَ الموتى فيقومون من قبورهم أحياء، وذلك كله بإرادة الله تعالى وإذنه، وهي معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى ﵇، ثم يذكِّره الله جل وعلا نعمته عليه إذ منع بني إسرائيل حين همُّوا بقتله، وقد جاءهم بالمعجزات الواضحة الدالة على نبوته، فقال الذين كفروا منهم: إنَّ ما جاء به عيسى من البينات سحر ظاهر.

стр. 3846

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها" (١). قال السمعاني: " أمره بشكر النعمة" (٢). قال ابن كثير: " أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ﴿وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ حيث جَعلتُكَ لها برهانًا على براءتها مما نسبه الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة" (٣). وإنما ذكَّر الله عيسى ﵇ نعمته عليه على والدته، وإن كان لهما ذاكراً لأمرين (٤): أحدهما: ليتلو على الأمم ما خصه به من الكرامة ومَيّزَه به من علو المنزلة. والثاني: ليؤكد به حجته ويرد به جاحده. قال الزمخشري: " وقيل: لما قال الله تعالى لعيسى: ﴿اذكر نعمتي عليك﴾، كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد يقول: مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات" (٥). قوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " أي حين قوّيتك بالروح الطاهرة المقدسة «جبريل» ﵇" (٦). قال القرطبي: " ﴿إذ أيدتك﴾، يعني: قويتك، مأخوذ من الأيد وهو القوة" (٧). قال البغوي: يعني: قويتك، بجبريل ﵇ فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه" (٨).

стр. 3847

قال ابن كثير: ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾: "وهو جبريل، ﵇، وجعلتك نبيًا داعيًا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي" (١). قال الماوردي: " يعني قويتك، مأخوذ من الأيد وهو القوة، وروح القدس جبريل، والقدس هو الله تعالى تقدست أسماؤه، وتأييده له من وجهين: أحدهما: تقويته على أمر دينه. والثاني: معونته على دفع ظلم اليهود والكافرين له" (٢). و«الأيد» و «الآد»: القوة، يقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، قال امرؤ القيس (٣): فَأَثَّتْ أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه ... ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (٤)، يقال منه: أيدك الله، أي قواك، قال العجاج (٥): من أن تبدلت بآدي آدا ... لم يك ينآد فأمسى انآدا يعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر (٦): إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو جَلَد وبطش أيِّد

стр. 3848

يعني بالأيد: القوي (١). واختلف أهل التفسير في معنى ﴿ِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، على وجوه: القول الأول: أنه جبريل ﵇ (٢) والقدس: الطهارة، هو قول قتادة (٣)، والربيع بن أنس (٤)، والسدي (٥)، والضحاك (٦)، ومحمد ابن كعب القرظي (٧)، وعطية العوفي (٨)، وإسماعيل بن أبي خالد (٩)، وشهر بن حوشب الأشعري (١٠). واختاره الزجاج (١١)، والطبري (١٢)، والشنقيطي (١٣)، وغيرهم. ويؤيده قوله ﷺ : "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك" (١٤).

стр. 3849

ومنه قول حسان (١):

стр. 3850

وجبريل رسول الله ينادي ... وروح القدس ليس به خفاء وعن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم" (١). وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفخ في روعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (٢). واختلفوا في سبب تسمية «جبريل» ﵇، بـ «روح القدس»، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سُمِّيَ رُوحاً، لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان، يحيي بما يأتي به من البينات من الله (٣)، كما قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أي: "كان كافرًا فهديناه" (٤). والثاني: أنه سمي روحاً، لأن الغالب على جسمه الروحانية، لرقته، وكذلك سائر الملائكة، وإنما يختص به جبريل تشريفاً (٥). والثالث: أنه سمي روحاً، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحاً من عنده من غير ولادة. القول الثاني: أن المراد بروح القدس: الإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسمي به، لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله (٦). وهذا قول ابن زيد (٧).

стр. 3851

والقول الثالث: أن روح القدس: اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يُحيِي به الموتى (١)، قاله: ابن عباس في رواية الضحاك عنه (٢)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٣). والقول الرابع: أن روح القدس عيسى-﵇، وإنما كان ذلك تأييداً له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة (٤). وقالوا " وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث" (٥). والقول الأول أظهر، وهو قول الجمهور، لأن التسمية فيه أظهر مما عداه (٦)، ولأن التأييد به على الحقيقة، ولأن الله-جل ثناؤه-أخبر أنه أيد عسى به في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠] وهي تدل من جهتين على أن «روح القدس» غير الإنجيل: الأولى: قوله- : ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [المائدة: ١١٠] ونزول الإنجيل على عيسى كان في مرحلة الرجولة لا المهد.

стр. 3852

والثانية: أنه لو كان المراد به الإنجيل لكان ذكر الإنجيل مرة أخرى لا معنى له، "وذلك خلف من الكلام والله-تعالى ذكره-يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة" (١)، لكن قد يقال: إن الكلام في معرض الامتنان فإعادة ذكر الإنجيل مرة أخرى لا تخلو من فائدة؛ لأنه في الأول امتنان بالتأييد وفي الثاني امتنان بالتعليم وهما شيئان مختلفان لكن الجهة الأولى لا جواب عنها. وكونه اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحي به الموتى يحتاج إلى نقل صحيح عن النبي ﷺ . أما كون المراد روح عيسى-﵇-فوجه تأييد عيسى به متكلف. والله أعلم. وفي معنى ﴿القُدُس﴾ [المائدة: ١١٠]، ثلاثة أقوال: أحدها: هو الله تعالى، ولذلك سُمِّي عيسى ﵇ روح القدس، لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب، وهذا قول الحسن (٢)، والربيع (٣)، وجعفر (٤)، وابن زيد (٥). والثاني: أن القدس: المطهر، قاله ابن عباس (٦)، كأنه دل به على التطهر من الذنوب، قال العَجّاج (٧): قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (٨) والثالث: أن القدس البركة، وهو قول السدي (٩).

стр. 3853

قال الواحدي: " وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء، ودليل هذا التأويل: قوله : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، يعني: جبريل" (١). قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " وإذ تكلّم الناس في المهد صبيّاً وفي الكهولة نبيا" (٢). قال الطبري: " هذا خبر من الله تعالى ذكره: أنه أيده بروح القدس صغيرًا في المهد، وكهلا كبيرًا" (٣). قال ابن كثير: " أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن "تكلم" تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: "واذكر نعمتي عليك حين علمتك الكتابة والحكمة وهي العلم النافع مع التوراة والإِنجيل" (٥). قال ابن كثير: " أي: الخط والفهم، ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾: وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يَرِدُ لفظ التوراة في الحديث ويُرَاد به ما هو أعم من ذلك " (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ١١٠]، قولان: أحدهما: يريد الخط. قاله الطبري (٧)، والبغوي (٨)، والزمخشري (٩). والثاني: يريد الكتب فعبر عنها بالكتاب إرادة للجنس. وفي «الحكمة» قولان: أحدهما: أنها العلم بما في تلك الكتب. قال البغوي: " يعني: العلم والفهم" (١٠).

стр. 3854

قال الطبري: " هي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك، وهو الإنجيل " (١). والثاني: أنها جميع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه. ذكره الماوردي (٢). قال الزمخشري: " ﴿الحكمة﴾: الكلام المحكم الصواب" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]، قال الماوردي: " يريد تلاوتهما وتأويلهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " واذكر أيضاً حين كنت تصوّر الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري" (٥). قال الطبري: " يعني: بقوله ﴿تخلق﴾: تعمل وتصلح، من الطين كهيئة الطير ﴿بإذني﴾، يقول: بعوني على ذلك، وعلمٍ منّي به" (٦). قال البغوي: " ﴿وإذ تخلق﴾ تجعل وتصور، ﴿من الطين كهيئة الطير﴾ كصورة الطير" (٧). قال ابن كثير: " أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك " (٨). قال الزمخشري: " أى: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير" (٩). قال مقاتل: " فخلق الخفاش بإذن الله لأنه أشد الخلق إنما هو لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن الله" (١٠). قال ابن جريج: "قوله: ﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير﴾، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل" (١١).

стр. 3855

قال ابن إسحاق: "إنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: " كن طائرًا بإذن الله "، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة" (١). وعن ابن إسحاق أيضا: " ثم جعل الله على يديه يعني: عيسى أمورا تدل به على قدرته في بعثه، بعث من يريد أن يبعث بعد الموت، وخلقه ما يشاء أن يخلق من شيء، يرى أو لا يرى فجعله ينفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله" (٢). قوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " أي فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيراً بأمر الله ومشيئته" (٣). قال الطبري: " يقول: فتنفخ في الهيئة، قتكون الهيئة والصورة طيرًا بإذني" (٤). قال ابن كثير: " أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيراً ذا روح بإذن الله وخلقه" (٥). قال البغوي: " ﴿فتكون طيرا﴾ حيا يطير" (٦). قال الزمخشري: " ﴿بإذني﴾، بتسهيلى" (٧). وفي المُتَوَلِّي لنفخها وجهان (٨): أحدهما: أنه المسيح ينفخ الروح في الجسم الذي صوره من الطين كصورة الطير. والثاني: أنه جبريل –﵇. قال الزمخشري: " وقيل: لم يخلق غير الخفاش" (٩).
следующие страницы →