← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

والقول الثالث: أن روح القدس: اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يُحيِي به الموتى (١)، قاله: ابن عباس في رواية الضحاك عنه (٢)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٣). والقول الرابع: أن روح القدس عيسى-﵇، وإنما كان ذلك تأييداً له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة (٤). وقالوا " وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث" (٥). والقول الأول أظهر، وهو قول الجمهور، لأن التسمية فيه أظهر مما عداه (٦)، ولأن التأييد به على الحقيقة، ولأن الله-جل ثناؤه-أخبر أنه أيد عسى به في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠] وهي تدل من جهتين على أن «روح القدس» غير الإنجيل: الأولى: قوله- : ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [المائدة: ١١٠] ونزول الإنجيل على عيسى كان في مرحلة الرجولة لا المهد.

стр. 3852

والثانية: أنه لو كان المراد به الإنجيل لكان ذكر الإنجيل مرة أخرى لا معنى له، "وذلك خلف من الكلام والله-تعالى ذكره-يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة" (١)، لكن قد يقال: إن الكلام في معرض الامتنان فإعادة ذكر الإنجيل مرة أخرى لا تخلو من فائدة؛ لأنه في الأول امتنان بالتأييد وفي الثاني امتنان بالتعليم وهما شيئان مختلفان لكن الجهة الأولى لا جواب عنها. وكونه اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحي به الموتى يحتاج إلى نقل صحيح عن النبي ﷺ . أما كون المراد روح عيسى-﵇-فوجه تأييد عيسى به متكلف. والله أعلم. وفي معنى ﴿القُدُس﴾ [المائدة: ١١٠]، ثلاثة أقوال: أحدها: هو الله تعالى، ولذلك سُمِّي عيسى ﵇ روح القدس، لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب، وهذا قول الحسن (٢)، والربيع (٣)، وجعفر (٤)، وابن زيد (٥). والثاني: أن القدس: المطهر، قاله ابن عباس (٦)، كأنه دل به على التطهر من الذنوب، قال العَجّاج (٧): قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (٨) والثالث: أن القدس البركة، وهو قول السدي (٩).

стр. 3853

قال الواحدي: " وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء، ودليل هذا التأويل: قوله : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، يعني: جبريل" (١). قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " وإذ تكلّم الناس في المهد صبيّاً وفي الكهولة نبيا" (٢). قال الطبري: " هذا خبر من الله تعالى ذكره: أنه أيده بروح القدس صغيرًا في المهد، وكهلا كبيرًا" (٣). قال ابن كثير: " أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن "تكلم" تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: "واذكر نعمتي عليك حين علمتك الكتابة والحكمة وهي العلم النافع مع التوراة والإِنجيل" (٥). قال ابن كثير: " أي: الخط والفهم، ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾: وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يَرِدُ لفظ التوراة في الحديث ويُرَاد به ما هو أعم من ذلك " (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ١١٠]، قولان: أحدهما: يريد الخط. قاله الطبري (٧)، والبغوي (٨)، والزمخشري (٩). والثاني: يريد الكتب فعبر عنها بالكتاب إرادة للجنس. وفي «الحكمة» قولان: أحدهما: أنها العلم بما في تلك الكتب. قال البغوي: " يعني: العلم والفهم" (١٠).

стр. 3854

قال الطبري: " هي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك، وهو الإنجيل " (١). والثاني: أنها جميع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه. ذكره الماوردي (٢). قال الزمخشري: " ﴿الحكمة﴾: الكلام المحكم الصواب" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]، قال الماوردي: " يريد تلاوتهما وتأويلهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " واذكر أيضاً حين كنت تصوّر الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري" (٥). قال الطبري: " يعني: بقوله ﴿تخلق﴾: تعمل وتصلح، من الطين كهيئة الطير ﴿بإذني﴾، يقول: بعوني على ذلك، وعلمٍ منّي به" (٦). قال البغوي: " ﴿وإذ تخلق﴾ تجعل وتصور، ﴿من الطين كهيئة الطير﴾ كصورة الطير" (٧). قال ابن كثير: " أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك " (٨). قال الزمخشري: " أى: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير" (٩). قال مقاتل: " فخلق الخفاش بإذن الله لأنه أشد الخلق إنما هو لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن الله" (١٠). قال ابن جريج: "قوله: ﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير﴾، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل" (١١).

стр. 3855

قال ابن إسحاق: "إنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: " كن طائرًا بإذن الله "، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة" (١). وعن ابن إسحاق أيضا: " ثم جعل الله على يديه يعني: عيسى أمورا تدل به على قدرته في بعثه، بعث من يريد أن يبعث بعد الموت، وخلقه ما يشاء أن يخلق من شيء، يرى أو لا يرى فجعله ينفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله" (٢). قوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " أي فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيراً بأمر الله ومشيئته" (٣). قال الطبري: " يقول: فتنفخ في الهيئة، قتكون الهيئة والصورة طيرًا بإذني" (٤). قال ابن كثير: " أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيراً ذا روح بإذن الله وخلقه" (٥). قال البغوي: " ﴿فتكون طيرا﴾ حيا يطير" (٦). قال الزمخشري: " ﴿بإذني﴾، بتسهيلى" (٧). وفي المُتَوَلِّي لنفخها وجهان (٨): أحدهما: أنه المسيح ينفخ الروح في الجسم الذي صوره من الطين كصورة الطير. والثاني: أنه جبريل –﵇. قال الزمخشري: " وقيل: لم يخلق غير الخفاش" (٩).

стр. 3856

قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " وتشفي الأعمى الذي لايبصر والأبرص الذي استعصى شفاؤه بأمري ومشيئتي" (١). قال البغوي: أي: " وتصحح" (٢). قال الطبري: " يقول: وتشفي ﴿الأكمهَ﴾، وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، المطموس البصر، ﴿والأبرص بإذني﴾ (٣). قال مقاتل: ﴿الْأَكْمَهَ﴾: " الذي ولدته أمه أعمى الذي لم ير النور قط فيرد الله بصره (٤). قال الثعلبي: " ﴿الأبرص﴾، الذي به وضح، وإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك داعيا لا دواء له" (٥). وقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿الأكمه﴾ على أقوال: أحدها: أنه الذي يُبصر بالنهار، ولايبصر بالليل. قاله مجاهد (٦). والثاني: أنه الأعمى الذي ولدته أمه كذلك ولم يبصر ضوءا قط. قاله ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، ومقاتل بن سليمان (٩)، وأبو عبيدة (١٠)، والزجاج (١١). ورجّحه ابن كثير، وقال: " وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي" (١٢).

стр. 3857

والثالث: أنه الأعمى على الإطلاق. وهذا قول الحسن (١)، والسدي (٢)، وكذلك روي عن ابن عباس-في أحد قوليه- (٣)، وقتادة-في أحد قوليه- (٤)، وعكرمة- في أحد قوليه- (٥). والرابع: أنه الأعمش. قاله عكرمة (٦). والراجح –والله أعلم- هو القول الثاني، أي: الذي يولد أعمى، وعليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يعالجه الطب البشري (٧). والمشهور في كلام العرب، أن الأكمه، هو الأعمى، قال سويد بن أبي كاهل (٨): كَمَّهَتْ عَيْنَيْهِ حَتَّى ابْيَضّتَا ... فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نزعْ ومنه قول رؤبة (٩): هَرَّجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الأكْمَهِ ... فِي غَائِلاتِ الحَائِرِ المُتَهْتِهِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " تحيي الموتى بأمري ومشيئتي" (١٠). قال البغوي: أي: " من قبورهم أحياء" (١١). قال ابن كثير: " أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته" (١٢). قال الزمخشري: أي: "تخرجهم من القبور وتبعثهم. قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية" (١٣).

стр. 3858

قال مقاتل: " ففعل ذلك وهم ينظرون وكان صنيعه هذا آية من الله- بأنه نبي ورسول إلى بني إسرائيل، فأحيا سام بن نوح بن ملك من الموت بإذن الله، فقالوا له: إن هذا سحر فأرنا آية نعلم أنك صادق" (١). روي عن عبدالصمد بن معفل، أنه سمع وهب بن منبه، قال: "لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام. ففعلت الذي أمرت به. فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله" (٢). قال الزمخشري: " وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر «بإذن الله» دفعا لوهم من توهم فيه اللاهوتية" (٣). قال الكلبي: "كان عيسى ﵇ يحيي الأموات بـ: يا حى يا قيوم" (٤). وعن أبي الهذيل قال: "كان عيسى ابن مريم، ﵇، إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [سورة الملك]، وفي الثانية: ﴿الم. تَنزيلُ الْكِتَابِ﴾ [سورة السجدة]. فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد - وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر: يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض، وما بينهما ورب العرش العظيم، يا رب" (٥). قال ابن كثير: "وهذا أثر عجيب جدًا" (٦).

стр. 3859

قال الثعلبي: " قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر، وكان صدّيقا فأرسل أخته إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنّي أحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له. وابن العجوز مرّ به ميّتا على عيسى ﵇ على سرير يحمل فدعا الله عيسى ﵇ فجلس على سريره ونزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له. والبنت العاقر، قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا الله فعاشت فبقيت وولد لها. وسام بن نوح دعا عيسى ﵇ باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب" (١)، "فكلمه؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين أحياهم عاشوا، وولد لهم" (٢). وهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم ﷺ . والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها.

стр. 3860

قال ابن كثير: " قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى، ﵇، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، ﵇، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " واذكر حين منعتُ اليهود من قتلك لّما همّوا وعزموا على الفتك بك حين جئتهم بالحجج والمعجزات" (٢). قال البغوي: أي: "منعت وصرفت، اليهود، ﴿عنك﴾ حين هموا بقتلك، ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾ يعني: الدلالات والمعجزات" (٣). قال القرطبي: " ﴿كففت﴾ معناه دفعت وصرفت ﴿بني إسرائيل عنك﴾، حين هموا بقتلك، ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾ أي: الدلالات والمعجزات، وهي المذكورة في الآية" (٤).

стр. 3861

قال الطبري: أي: " واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفِّي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك، وقد هموا بقتلك إذ جئتهم بالأدِلة والأعلام المعجزة على نبوّتك، وحقيقة ما أرسلتك به إليهم" (١). قال ابن كثير: " أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم" (٢). قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: " فقال الذين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك ما هذه الخوارق إِلا سحرٌ ظاهر واضح" (٣). قال البغوي: "يعني: ما جاءهم به من البينات" (٤). قال القرطبي: " يعني: الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوتك. ﴿إن هذا﴾، أي: المعجزات، ﴿إلا سحر مبين﴾ " (٥). قال ابن كثير: " فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إليَّ، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم. وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة. وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها رسوله محمدًا ﷺ " (٦). وقرئ: «ساحر مبين»، يعني: يعني به عيسى، يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادق (٧). الفوائد: ١ - تذكير هذه الأمة بما جرى للأمم السابقة قبلها لأنبيائهم ومَن أُرسل إليهم.

стр. 3862

٢ - من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان تذكير الله عباده بنعمه عليهم، وهذا جاء في القرآن في غير موضع، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ٩] أحيانًا يكون عامًّا كهذه الآية، وأحيانًا يكون خاصًّا مثل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦] وما أشبه ذلك، وإنما يُذكّر الله العباد بالنعمة من أجل وجوب شكرها؛ لأن وجوب شكر المنعم ثابت سمعًا وعقلًا، أما السمع ففي القرآن مملوء: اشكروا، اشكروني، اشكروا الله، وما أشبه ذلك، وأما عقلًا فلأنه ليس من المروءة أن تقابل النعمة بالإساءة والكفر، فشكر المنعم إذن واجب سمعًا وعقلًا، وفائدة التذكير بالنعم هو القيام بالشكر.

стр. 3863

٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وهل يمكن أن يكون للإنسان أم بلا أب؟ الجواب: نعم، وذلك فيما إذا نفى الزوج الولد عن نفسه فإنه ينتفي عنه بالشروط التي ذكرها الفقهاء ﵏، وكذلك ولد الزنا إذا لم يستلحقه الزاني فإنه له أم، وليس له أب، فإن استلحقه الزاني فالمسألة فيها خلاف معروف، وجمهور العلماء على أنه لا يلحقه بعموم قول النبي ﵌: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١)، لكن لو قال قائل: إذا كانت نسبته إلى أمه توجب التساؤلات، وأن ينكسر قلبه، وأن يُساء إلى أمه، فهل يُعدل عن هذا؟ الجواب: نعم، يُعدل عن هذا؛ لأن نسبته إلى أمه إذا لم يكن له أب على سبيل الإباحة والجواز، فإذا كان يستلزم ما يؤذي صاحبه فإنه يُعدل عنه إلى نسبته إلى آخر، إلى مَن؟ نقول: ننسبه إلى اسم يصح لكل إنسان، مثل: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الكريم، عبد اللطيف، وما أشبه ذلك، فعلى هذا نقول: الأصل فيمن ليس له أب أن يُنسب إلى أمه، فإن خُشي من ذلك مضرة أو إيذاء نُسب إلى مَن يصح أن ينطبق على كل أحد. * من فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عليهم الشكر كما يجب على مَن أُرسل إليهم؛ لأن الله أمر عيسى أن يذكر نعمته عليه وعلى أمه، ونقول: نعم، يجب وهم -أي الأنبياء- أشد الناس قيامًا بشكر النعمة، فقد «كان إمامهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوم في الليل حتى تتورّم قدماه وتتفطّر، فيقال: يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ » (٢).

стр. 3864

٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد؛ لقوله: ﴿عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، ولا شك أنها نعمة على الولد كما هي نعمة على الوالد، والنعمة على الولد نعمة على الوالد؟ من باب المساواة أو الأولى؟ من باب الأوْلى؛ لأن الولد بضعة من أبيه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة ﵂ «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا» (١)، فنعمة الله على الولد في الحقيقة نعمة من الله على الوالد. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يؤيد البشر بالملائكة؛ لقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. ٦ - ومن فوائدها: هذه المزيّة لجبريل ﵇؛ أنه يؤيد الأنبياء والرسل. ٧ - ومن فوائد هذه الآية: اللقب الفاضل لجبريل ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ فإن القدس بمعنى الطهارة والنزاهة من كل عيب، فهو أي جبريل ﵇ ذو مِرَّة؛ أي: ذو هيئة حسنة، وهو قوي كما قال : ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير ٢٠]، وله مكانة عند الله كما قال تعالى: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾، واليهود يبغضون جبريل ويقولون: إنه ينزل بالعذاب، ولكنه ينزل بالعذاب على من يستحقه. ٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة التي أعطاها الله تعالى عيسى؛ وهي أنه يكلم الناس في المهد وكهلًا على السواء؛ أي أنه يتكلم بكلام رصين بليغ عجيب مع أنه في المهد.

стр. 3865

٩ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على النعمة بالعلم والشرف والحكمة، وأنها أخص من مطلق النعمة؛ لأن مطلق النعمة سبق ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، لكن العلم خصه فقال: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وعلى هذا فيجب على طالب العلم أن يشكر الله تعالى على نعمته عليه حيث خصَّه بالعلم الذي حرمه كثيرًا من الناس، وإذا منّ الله عليه مع العلم بالعبادة والدعوة إلى الله صار نعمة فوق نعمة، فكم من أناس ضلّوا عن سواء السبيل؛ قال الله : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، والإنسان إذا شعر بنعمة الله عليه بالعلم والعبادة والدعوة فإنه يزداد فرحًا وسرورًا ومثابرة وصبرًا على ما هو عليه من طلب العلم، وازدياد العبادة، وقوة الدعوة إلى الله . ١٠ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على الحكمة؛ وهي معرفة أسرار الشريعة وغاياتها وثمراتها، فإن معرفة ذلك لا شك أنها تزيد الإيمان، وأنها تزيد الإنسان بصيرة في شرائع الله. وإنها -أي الشرائع- من لدن حكيم عليم، ولهذا نقول: لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فإن وجدت ما ينافيه فاعلم أن الأمر لا يخلو من أحد أمرين ولا بد: إما أن عقلك ليس بصريح؛ يعني فيه شبهات أوجبت اختفاء الحق عليه، أو شهوات انطمس بها، نسأل الله العافية. وإما أن يكون النص غير صحيح، يكون حديثًا ضعيفًا أو مكذوبًا على الرسول ﷺ أو ما أشبه ذلك، أما أن يكون عقل صريح سالم من الشبهات والشهوات ونقل صحيح، فلا يمكن أن يتناقض أبدًا. ١١ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة والإنجيل كتابان من عند الله ، وسبق أن قلنا: إن عطفهما على الكتاب من باب عطف الخاص على العام إذا لم نقل إن المراد بالكتاب الكتابة.

стр. 3866

١٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله ﵎ على إحياء الموتى، وعلى إدخال الروح في الجماد؛ من قوله ﴿﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾. ١٣ - ومن فوائدها: إطلاق لفظ الخلق على ما صنعه المخلوق، مثلًا لو صنعت بابًا تقول: خلقت بابًا، ويدل لهذا قول الله ﵎: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقوله في الحديث الصحيح: «يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (١)، فإن قال قائل: إذا أثبتّ صفة الخلق للمخلوق فأيّ فرق بين خلق الخالق وخلق المخلوق؟ فالجواب: الفرق عظيم جدًّا؛ خلق الخالق إيجاد من عدم على ما يريد الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٦]، خلق المخلوق تحويل مخلوق الله إلى صفة أخرى، وإلا فالأصل منين؟ من الله ؛ هل يمكن لأحد أن يجعل من الحجر ذهبًا؟ لا يمكن، لكن يمكن أن يجعل من الذهب حليًّا، وأن يجعل منه على شكل حيوان كما جعلت بنو إسرائيل الحلي الذي أخذوه من آل فرعون، جعلوه عجلًا، فافترق الخلق المنسوب للخالق والخلق المنسوب للمخلوق، خلق المخلوق يعني تحويل الشيء من شيء إلى آخر لا ذاته ولكن صفاته، وأما خلق الخالق فهو إيجاد من عدم، وهذا لا يستطيع أحد أن يفعله. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله جعل لعيسى آية تُعجز علماء الفن الذي اشتهر في حياته، فقد قيل: إن عيسى بن مريم ﵊ اشتهر في وقته الطب، وترقّى ترقيًا عظيمًا، فجاء عيسى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بها، كما أن السحر في عهد موسى كان منتشرًا؛ فجاء موسى بآيات تبطل سحرهم، وكما أن البلاغة في العرب منتشرة في عهد الرسول ﷺ ؛ فجاء الله تعالى بكتاب أعجزهم.

стр. 3867

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يختار من الآيات أشدها إعجازًا، فإنه لم يمنّ على عيسى بأن يخلق أرنبًا أو قطًّا أو ما أشبه ذلك، بل طائرًا؛ لأن الطيران في الجو أبلغ من المشي على الأرض فاختار الله له أن يخلق طائرًا يعني على صورة الطير. ١٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن النفخ له تأثير في الأجساد إذا أراد الله أن يُؤثِّر؛ لأنه نفخ في الطير الذي صنعه فصار طائرًا كما في القراءة الأخرى، لما نفخ فيه صار حيوانًا من الطيور، ثم طار لتحقق أنه دخلته الروح، ومن ثم جاءت القراءة على المريض عن طريق النفث، والنفث -كما نعلم جميعًا- يتضمن نفخًا وريقًا، وهذا مؤثّر بإذن الله ، ولهذا لو أن القارئ صار يقرأ ويأخذ بأصبعه من ريقه ويبل به مكان الألم، أو يبل به المريض فلا أظنه ينفع، لا بد من نفخ مع ريق. ١٥ - من فوائد هذه الآية الكريمة: ما أعطاه الله تعالى عيسى من الآيات في إبراء الأكمه، وهو الذي خلق بلا عين ولا بصر، وهذه دليل على قدرة الله، والظاهر -والله أعلم- أنه يبرئه في الحال، ما يحتاج إلى علاج، وإلى انتظار، الظاهر أنه يبرئه في الحال كما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عين أبي قتادة ﵁ حين جُرحت في أُحد، وبَرزت على خده، العين بَرزت على الخد، فأُتي به إلى الرسول ﵊ فأخذ العين وردها في مكانها، وعادت كما كانت في الحال (١)، سبحان الله العظيم! هذه القدرة ما يبلغها الأطباء، الظاهر أن إِبْرَاءه الأكمه والأبرص الظاهر أنه يكون في الحال بدون معالجة وتردد.

стр. 3868

١٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة لعيسى أنه يخرج الموتى من القبور؛ لقوله ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾، وهذه لا يقدر عليها أحد، أما هل يبقى الميت إذا خرج أو لا يبقى؟ هذا ليس لنا فيه كلام، ولا ينبغي أن نتكلم فيه، لماذا؟ لأن الآية حصرت بإخراجه من قبره، أما هل يبقى ويعيش مع الناس أو يموت بعد أن خرج وبرز للناس، ثم يُدفن؟ فهذا ليس لنا في معرفته مصلحة وليس لنا أن نسأل عنه؛ لأن الآية حاصلة بدونه. ١٧ - أن في هذه الجمل الأربع: الطير، إبراء الأكمه، إبراء الأبرص، إحياء الموتى، الدليل على أنه لا يمكن لأي بشر مهما أوتي أن يحصل له مراده إلا بإذن الله ؛ لأن كل جملة أو كل كلمة قيدها الله تعالى بإذنه لئلا يدعي مدعٍ أن الخلق لهم استقلال في أفعالهم، فيكون في هذه الفائدة يكون لها فرع؛ وهو: الرد على القدرية، الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة، الإنسان يأكل ويشرب، ويدخل ويخرج، ويتحرك ويسكن بإرادة تامة ليس لله فيها تعلق، وهذا يعني إثبات خالق مع الله ، أو إثبات موجب للحوادث مع الله ؛ ولهذا سُميّت القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث الكونية لها خالقان: ظلمة، ونور، وهؤلاء يقولون: الحوادث في الكون لها موجدان، كل واحد مستقل عن الآخر: أفعال العباد يستقل بها العباد حتى إن بعضهم يقول: إن الله لا يعلم من أفعال العباد إلا ما وقع، وأما ما لم يقع فلا يعلمه الله ، فوصفوا الله ﵎ بالجهل فيما هو في ملكه ﵎. ١٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات إذن الله، وليُعلم أن الإذن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: أحدهما: إذن كوني قدري: مثاله هذه الآية ﴿بِإِذْنِي﴾.

стр. 3869

والثاني: إذن شرعي تعبدي، مثاله قول الله ﵎: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] ما لم يأذن به الله شرعًا. ١٩ - ومن فوائد الآية: تشجيع الداعي إلى الله الذي يأتي بالآيات البينات فإنه عُرضة للإيذاء؛ لقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فكل إنسان يدعو إلى الله ويأتي بالبراهين والأدلة لا بد أن يُسلَّط عليه من يُسلَّط، ولكن الله تعالى بقوته وقدرته يَصرف عنه ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. ٢٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: تمرد بني إسرائيل الذين كفروا، حيث ادّعوا أن هذا سحر، بل حصروا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾، يعني: ولا يمكن أن يكون حقًّا. ٢١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين يتبين لهم الحق، ويعلمون أنه حق؛ لأن مثل هذا القول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إنما يَصدر من أهل الكفر، أما المؤمن فيؤمن بالآيات، ويرى أنها حق ويزيد إيمانه بها.

стр. 3870

٢٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى ﵊ كغيره من الرسل جاء بالآيات البينات؛ يعني الواضحات التي لا تُشكل على أحد، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلّا أَعْطَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» (١)، ولولا هذا لكان الناس معذورين ألَّا يُصدقوا؛ يعني لولا الآيات مع الرسل عليهم الصلاة والسلام لكان الناس لهم عذر ألَّا يصدقوا، وعليه يكون قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] يكون مقيدًا بأنهم أوتوا بآيات يؤمن على مثلها البشر، وآيات الأنبياء أنواع كثيرة يجمعها أنها معنوية وحسية، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ فصلًا قيما جدًّا جدًّا في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ذكر فيه آيات النبي ﵊ وقال: إن آياته نوعان: حسية ومعنوية، والحسية آفاقية وأرضية، وضّح توضيحًا كاملًا، وأن من أعظم آياته، بل أعظم آيات هذا القرآن، الذي كان آية في وقته، وفيما بعد إلى يوم القيامة، ولهذا قال ﵊: «وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ»، أو كلمة نحوها «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢)؛ لأن القرآن بقي، وآيات الأنبياء انتهت بحياتهم فقط ما لبث أقوامهم أن حرّفوا الكتب من بعدهم. القرآن ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة: ١١١] التفسير:

стр. 3871

واذكر -يا عيسى- نعمتي عليك، إذ ألهمتُ، وألقيتُ في قلوب جماعة من خلصائك أن يصدقوا بوحدانية الله تعالى ونبوتك، فقالوا: صدَّقنا يا ربنا، واشهد بأننا خاضعون لك منقادون لأمرك. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١]، أي: " واذكر -يا عيسى- نعمتي عليك، إذ ألهمتُ، وألقيتُ في قلوب جماعة من خلصائك أن يصدقوا بوحدانية الله تعالى ونبوتك (١). قال ابن كثير: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ " أي: بالله وبرسول الله، وهذا أيضًا من الامتنان عليه، ﵇، بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا" (٢). وفي وحيه إلى الحواريين وجوه: أحدها: معناه: قذفت في قلوبهم، وهذا قول السدي (٣). والثاني معناه: أَلْهَمْتُهُم أن يؤمنوا بي، ويصدقوا أنك رسولي، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. حكاه الطبري (٤) وابن كثير (٥) عن آخرين، واختاره السمعاني (٦). والثالث: ألهمتهم وقذفت في قلوبهم. ذكره البغوي (٧). والرابع: يعني ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم أن يؤمنوا بي وبك. ذكره الماوردي (٨). والخامس: المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. قاله ابن كثير (٩).

стр. 3872

والسادس: معناه: الأمر، أي: ألقيت في قلوبهم وألهمتهم وأمرتهم، وهذا قول أبي عبيدة (١)، وذكره السمعاني (٢)، ومنه قول العجاج (٣): الحَمْدُ لِلِه الَّذِي اسْتَقَّلتِ ... بِإِذْنِه السَّماءُ، وَاطْمأَنَّتِ بِإذْنِهِ الأَرْضُ وما تَعَتَّتِ ... أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ أي: أمرها بالقرار. وفي التذكير بهذه النعمة قولان (٤): أحدهما: أنها نعمة على الحواريين أن آمنوا، فذكر الله تعالى به عيسى لأنهم أنصاره. الثاني: أنها نعمة على عيسى، لأنه جعل له أنصاراً من الحواريين قد آمنوا به. والحواريون: "هم خواص عيسى ﵇ الذين استخلفهم من جملة الناس" (٥). قال ابن كثير: " الْحَوَارِيُّونَ: هم أتباع عيسى ﵇" (٦). قال الماوردي: "وأصل الحواري: الحَوَر وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه، والحَوَر نقاء بياض العين " (٧). واخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على أقوال: أحدها: انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم، وهذا قول ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، ومسلم البطين (١٠).

стр. 3873

والثاني: أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب، وهذا قول ابن أبي نجيح (١)، والضحاك (٢) في -أحد قوليه-. والثالث: أنهم خاصة الأنبياء وصفوتهم، سموا بذلك لنقاء قلوبهم، وهذا قول قتادة (٣) -في أحد قوليه-، والضحاك (٤)، ورجّحه الزجاج (٥). والرابع: ان الحواري: الناصر. قاله سفيان بن عيينة (٦). والخامس: أن الحواري: الوزير. قاله قتادة (٧). قال الطبري: " وأشبه الأقوال في معنى "الحواريين"، قولُ من قال: " سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين" (٨). قال ابن كثير: "والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا وَحَوَارِيي الزُّبَيْرُ» (٩) " (١٠). قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [المائدة: ١١١]، أي: " فقالوا: صدَّقنا يا ربنا (١١). قوله تعالى: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، أي: " واشهد بأننا خاضعون لك منقادون لأمرك (١٢). قال ابن كثير: " أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا" (١٣). وقوله تعالى: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، يحتمل وجهين (١٤):

стр. 3874

أحدهما: أنهم أشهدوا عيسى ﵇ على إسلامهم بالله تعالى وبه. والثاني: أنهم أشهدوا الله تعالى بذلك على أنفسهم. الفوائد: ١ - إثبات وحي الله ؛ لقوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ﴾، ووحي الله ينقسم إلى قسمين: وحي شرع ووحي إلهام، فالأول يتعلق بالشرع، والثاني يتعلق بالكون. ٢ - ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى ﵇ له حواريون، يعني: أصحاب ذوو صفاء في مودتهم. اذكر آخر سورة الصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف ١٤] وكما في الحديث «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ» (١)، هذه منقبة لا شك للزبير، لكن أبو بكر ﵁، قال: «لَوْ كُنْتُ متخذا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْر» (٢). ٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإيمان هو «الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٣)، هذه الأركان لا بد منها في الإيمان، فمن نقص منها واحدًا لم يكن مؤمنًا. ٤ - ومن فوائد هذه الآية: استجابة الحواريين لما أوحي إليهم به، حيث قالوا: آمنا.

стр. 3875

٥ - ومن فوائد الآية: جواز حذف المعلوم، لقوله: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ولم يقل: بك وبرسولك؛ لأن هذا معلوم، فالمطلَق يُحمَل على المقيَّد إذا كان معلومًا، فإذا عقد الإنسان عقدًا وذكر عند الإيجاب شروطًا، فقال الآخر: قبلتُ، أو قبلتُ البيع مثلًا، قال: بعتك هذا البيت على أن أسكن فيه سنة، فقال: قبلتُ البيع، فيثبت الشرط؛ لأن قول البيع يعني بهذا الشرط وإن لم يذكَر لكنه معلوم من السياق. ٦ - ومن فوائد هذه الآية: جواز استثبات الشيء بالإشهاد عليه؛ لقوله: ﴿اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ» (١)، هذا من أذكار المساء والصباح، على خلاف في ثبوت الحديث.

стр. 3876

٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان هو الإسلام؛ لقوله: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة ١١١]، ولم يقولوا: مؤمنون، قالوا: مسلمون، فدل هذا على أن الإيمان هو الإسلام، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله ﵎: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر مع الإيمان صار له معنى آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] يعني لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن (لما) تفيد النفي مع قرب المنفي، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فنخرج هذه الآية: أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان بالقلوب والإسلام في الجوارح، يعني أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله. القرآن ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [المائدة: ١١٢] التفسير: واذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ فكان جوابه أن أمرهم بأن يتقوا عذاب الله تعالى، إن كانوا مؤمنين حقَّ الإيمان.

стр. 3877

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، أي: " واذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ " (١). قال ابن كثير: " هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال: «سورة المائدة»، وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى، ﵇، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة. وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم" (٢). وقرأ الكسائي وحده: «هل تَّستطيع ربَّك» بالتاء والإِدغام، و «ربك» بالنصب (٣)، وفيها وجهان: أحدهما: معناه هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله، قاله الزجاج (٤). والثاني: هل تستطيع أن تسأل ربك، قاله سعيد بن جبير (٥)، وعائشة (٦). وقرأ الباقون: ﴿هل يستطيع ربك﴾، بالياء والإِظهار (٧)، وفي ذلك التأويل ثلاثة أوجه: أحدها: هل يقدر ربك، فكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله تعالى (٨). والثاني: معناه: هل يفعل ربك، قاله الحسن (٩)، لأنهم سموا بالحواريين بعد إيمانهم. والثالث: معناه: هل يستجيب لك ربك ويطيعك، ﴿أَن يُنَزِّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ قاله السدي (١٠).

стр. 3878

قال ابن كثير: " و «المائدة» هي: الخوان عليه طعام، ذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها على العبادة" (١). قال قطرب: "والمائدة لا تكون مائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن قيل: خِوان" (٢). وفي تسميتها «مائدة» وجهان (٣): أحدهما: لأنها تميد ما عليها أي تعطي، قال رؤبة (٤): نُهْدِي رُؤُوسَ المتْرَفينَ الأنْدَادْ ... إلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ أي: المستعطي. والثاني: لحركتها بما عليها من قولهم: مَادَ الشيء إذا مال وتحرك، اختاره الزجاج (٥)، ومنه قول الشاعر (٦): لعلك باك إن تغنت حمامة ... يميد غصن من الأيك مائل قوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢]، أي: " اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إن كنتم مصدقين بكمال قدرته تعالى" (٧). قال البغوي: " أي: لا تشكوا في قدرته" (٨). قال ابن كثير: " أي: فأجابهم المسيح، ﵇، قائلا لهم: اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين " (٩). قال السماني: " نهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان، وقيل: أراد به أي: اكتفوا بطعام الأرض عن طعام السماء" (١٠).

стр. 3879

وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢]، وجهان (١): أحدهما: يعني: اتقوا معاصي الله إن كنتم مؤمنين به، وإنما أمرهم بذلك لأنه أولى من سؤالهم. والثاني: يعني: اتقوا الله فى سؤال الأنبياء إما طلباً لِعَنَتِهِم وإما استزادة للآيات منهم، إن كنتم مؤمنين بهم ومصدقين لهم لأن ما قامت به دلائل صدقهم يغنيكم عن استزادة الآيات منهم. قال الطبري: المعنى: " قال عيسى للحواريّين القائلين له: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ راقبوا الله، أيها القوم، وخافوه أن يَنزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده، وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء، كفرٌ به، فاتقوا الله أن يُنزل بكم نقمته، إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾؟ " (٢). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف قالوا هل يستطيع ربك بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: ﴿إذ قال﴾ فإذن إن دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: ﴿هل يستطيع ربك﴾ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى ﵇ لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها إن كنتم مؤمنين إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة" (٣). قال ابن عباس: " فأقبلت الملائكة تطير بمائدةٍ من السماء عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم" (٤).

стр. 3880

قال السدي: " فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطَّعام إلا اللحم، فأكلوا منها" (١). الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية: أن الحواريين مع كونهم خلصًا عندهم شيء من الجفاء؛ لقولهم: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾. فإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]؟ قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى بن مريم ﵊ باسمه، مع أنهم يريدون أن يدعوا الله لهم لحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدون أن يسأل الله أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؟ الجواب: الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء. ٢ - في قول عيسى لهم ﴿اتقوا الله﴾ دال على أنهم قالوا الباطل. ٣ - فضيلة التقوى، والتقوى: في اصطلاح الشرع هو: "اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٢)، قال رسول الله ﷺ : "التقي مُلْجَم والمتقي فوق المؤمن والطائع" (٣). القرآن ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾ [المائدة: ١١٣] التفسير: قال الحواريون: نريد أن نأكل من المائدة وتسكن قلوبنا لرؤيتها، ونعلم يقينا صدقك في نبوتك، وأن نكون من الشاهدين على هذه الآية أن الله أنزلها حجة له علينا في توحيده وقدرته على ما يشاء، وحجة لك على صدقك في نبوتك. قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: " قال الحواريون: نريد أن نأكل من المائدة" (٤).

стр. 3881

قال الطبري: أي: " إنا إنما قلنا ذلك، وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة، فنعلم يقينًا قدرته على كل شيء" (١). قال ابن كثير: " أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها " (٢). قال السمعاني: " يعني: أكل تبرك لا أكل حاجة" (٣). قال البغوي: " أي: إنما سألنا لأنا نريد، ﴿أن نأكل منها﴾ أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن" (٤). وذكر القرطبي: في قولهم: ﴿نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣]، وجهين (٥): أحدهما- أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها، وذلك أن عيسى ﵇ كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو علة، إذ كانوا زمنى أو عميانا، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من السماء، فجاءه شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فقال عيسى لشمعون: قل لهم: ﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ فأخبر بذلك شمعون القوم فقالوا له: قل له: ﴿نريد أن نأكل منها﴾ الآية. الثاني: ﴿نأكل منها﴾، لننال بركتها لا لحاجة دعتهم إليها. قال الماوردي: "وهذا أشبه، لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال " (٦). وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣]، وجهان (٧): أحدهما: أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها. والثاني: أنهم أرادوه تبركاً بها لا لحاجة دعتهم إليها، وهذا أشبه لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال.

стр. 3882

قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: " وتسكن قلوبنا لرؤيتها" (١). قال البغوي: أي: "وتسكن" (٢). قال الطبري: " يقول: وتسكن قلوبنا، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد " (٣). قال ابن كثير: " أي: إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء" (٤). قال السمعاني: " أي: يزداد إيمانها، وهو مثل قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] " (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، وجوه (٦): أحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبياً. والثاني: تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لك أعواناً. والثالث: تطمئن إلى أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا. والرابع: تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا. حكاه القرطبي عن المهدوي (٧). والخامس: نستيقن قدرته وتطمئن تسكن قلوبنا. قاله الثعلبي (٨). قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: " ونعلم يقينا صدقك في نبوتك" (٩). قال الثعلبي: أي: " بأنك رسول الله" (١٠). قال الطبري: " يقول: ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث" (١١). قال ابن كثير: " أي: ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك " (١٢). قال السمعاني: " أي: نزداد إيمانا بصدقك" (١٣). قال البغوي: أي: " بأنك رسول الله، أي: نزداد إيمانا ويقينا" (١٤).

стр. 3883

وفي قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، ثلاثة اوجه (١): أحدها: في أنك نبي إلينا. والثاني: صدقتنا في أننا أعوان لك. والثالث: أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا. وفي قوله تعالى: : ﴿وَنَعْلَمَ﴾ [المائدة: ١١٣]، وجهان (٢): أحدهما: أنه علم مستحدث لهم بهذه الآية بعد أن لم يكن، وهذا قول من زعم أن السؤال كان قبل استحكام المعرفة. والثاني: أنهم استزادوا بذلك علماً إلى علمهم ويقيناً إلى يقينهم، وهذا قول من زعم أن السؤال كان بعد التصديق والمعرفة. قوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: " وأن نكون من الشاهدين على هذه الآية أن الله أنزلها حجة له علينا في توحيده وقدرته على ما يشاء، وحجة لك على صدقك في نبوتك" (٣). قال الثعلبي: " ﴿من الشاهدين﴾ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة" (٤). قال الطبري: " يقول: ونكون على المائدة ﴿من الشاهدين﴾، يقول: ممن يشهد أن الله أنزلها حجةً لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء، ولك على صدقكَ في نبوّتك " (٥). قال ابن كثير: " أي: ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به" (٦). قال البغوي: أي: " لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم" (٧). وقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣]، يحتمل وجهين (٨): أحدهما: من الشاهدين لك عند الله بأنك قد أديت ما بعثك به إلينا.

стр. 3884

والثاني: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدناه من الآيات الدالة على أنك نبي إليهم وإلينا. الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، إذ بدؤوا بالأكل ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أول ما بدؤوا، فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤] فدخلوا على أستاههم، على أدبارهم، يقولون: حِنْطَة، أُمروا أن يقولوا: حِطّة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نبغي شيئًا ثانيًا وهو ملء البطن، حنطة، هؤلاء يشبه هذا، والأصل واحد فكلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا. ٢ - أن قولهم: ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ دال على شكهم وارتيابهم. ٣ - ومن فوائد هذه الآية: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» (١)، ولهذا أمثلة، منها قول إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] نأخذ هذا من قوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقهم؛ لقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، أي أخبرتنا بالصدق. ٥ - ومنها: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين؛ لقولهم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ويمكن أن يُستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة ﵃ قولهم حق وحجة؛ لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم. القرآن

стр. 3885

﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ [المائدة: ١١٤] التفسير: أجاب عيسى بن مريم طلب الحواريين فدعا ربه جل وعلا قائلا: ربنا أنزل علينا مائدة طعام من السماء، نتخذ يوم نزولها عيدًا لنا، نعظمه نحن ومَن بعدنا، وتكون المائدة علامة وحجة منك -يا ألله- على وحدانيتك وعلى صدق نبوتي، وامنحنا من عطائك الجزيل، وأنت خير الرازقين. قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " أجاب عيسى بن مريم طلب الحواريين فدعا ربه جل وعلا قائلا: ربنا أنزل علينا مائدة طعام من السماء" (١). قال الطبري: " وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى ﷺ ، أنه أجاب القوم إلى ما سألوا من مسألة ربه مائدةً تنزل عليهم من السماء " (٢). قال أبو السعود: " لما رأى ﵇ أن لهم غرضا صحيحا في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه أزمع على استدعائها واستنزالها وأراد أن يلزمهم الحجة بكمالها روي أنه ﷺ اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره، ثم قال ﴿اللهم ربنا﴾ ناداه مرتين مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إظهارا لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء، ﴿مائدة من السماء﴾، أي كائنة من السماء نازلة منها" (٣). وفي سؤال عيسى-﵇، أن ينزل عليهم المائدة، وجهان (٤): أحدهما: أنه تفضل عليهم بالسؤال، وهذا قول من زعم أن السؤال بعد استحكام المعرفة.

стр. 3886

والثاني: أنه رغبة منه إلى الله تعالى في إظهار صدقه لهم، وهذا قول من زعم أن السؤال قبل استحكام المعرفة. قال أبو بكر: واختلفوا في معنى «اللهم» على قولين: أحدهما: فقال أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء، وأبو العباس أحمد بن يحيى: معنى «اللهم»: يا الله أمنا بمغفرتك، فتركت العرب الهمزة: فاتصلت الميم بالهاء: وصارا كالحرف الواحد، واكتفي به من «يا»، فأسقطت (١). والدليل على صحة قول الفراء وأبي العباس إدخال العرب «يا» على «اللهم» (٢)، قال الفراء أنشدني الكسائي (٣): وما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو هللت يا اللهم أردد علينا شيخنا مسلما ... فإننا من خيره لن نعْدَما وأنشد قطرب (٤): إني إذا ما معظم ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما فلأن ضرورة الشعر جوزته (٥). والثاني: وقال الخليل بن أحمد وعمرو بن عثمان سيبويه: «اللهم»، معناه: يا الله. قالا: فجعلت العرب الميم بدلا من «يا» (٦). قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " نتخذ يوم نزولها عيدًا لنا، نعظمه نحن ومَن بعدنا" (٧).

стр. 3887

قال السعدي: " أي: يكون وقت نزولها عيدا وموسما، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين، كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم" (١). قال السمعاني: " العيد: المراد به: يوم السرور لهم" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، ثلاثة تاويلات: أحدها: نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة (٣)، والسدي (٤)، وابن جريج (٥). وقيل: إن المائدة أنزلت عليهم في يوم الأحد غداة وعشية، ولذلك جعلوا الأحد عيداً. قال سفيان: " ﴿تكون لنا عيدًا﴾، قالوا: نصلي فيه. نزلت مرتين" (٦). والثاني: معناه: عائدة من الله تعالى علينا، وبرهاناً لنا ولمن بعدنا. ذكره الطبري عن آخرين (٧). قال الثعلبي: " أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة، ويقال: لطيف الخيال عيد، قال الشاعر (٨): يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرَّ طيف من الأهوال طَراَّق" (٩). فإنه أراد الخيال الذي يعتاده. والثالث: يعني نأكل منها جميعاً، أولنا وآخرنا، قاله ابن عباس (١٠).

стр. 3888

قال الطبري: " وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: معناه: تكون لنا عيدًا، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه، ونصلي له فيه، كما يعبد الناس في أعيادهم، لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في «العيد»، ما ذكرنا، دون القول الذي قاله من قال: معناه: عائدة من الله علينا، وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به، أولى من توجيهه إلى المجهول منه، ما وجد إليه السبيل. وأما قوله: ﴿لأولنا وآخرنا﴾، فإن الأولى من تأويله بالصواب، قولُ من قال: تأويله: للأحياء منا اليوم، ومن يجيء بعدنا منا، للعلة التي ذكرناها في قوله: ﴿تكون لنا عيدًا﴾، لأن ذلك هو الأغلب من معناه" (١). وقرأ عبد الله والأعمش: «تكن لنا»، بالجزم على جواب الدعاء (٢). قوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " وتكون المائدة علامة وحجة منك -يا ألله- على وحدانيتك وعلى صدق نبوتي" (٣). قال ابن كثير: " أي: دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك " (٤). قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " وامنحنا من عطائك الجزيل" (٥). قال ابن كثير: " أي: من عندك رزقًا هنيئًا بلا كلفة ولا تعب" (٦). قال السعدي: " أي: اجعلها لنا رزقا، فسأل عيسى ﵇ نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقا" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " فإِنك خير من يعطي ويرزق" (٨). الفوائد:

стр. 3889

١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يُطلَب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه. ٢ - ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين: الألوهية والربوبية؛ لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾؛ لأن هذا نوع من التوسل، يتوسل الإنسان بألوهية الله وربوبيته. ٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى ﵊ أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. ٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى، كلما جاء زمنها فهو عيد لهم. فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيداً؟ فالجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس، وهي كانت عيدًا بطلب من؟ بطلب نبيهم، بطلب نبيهم ﵊. ٥ - مشروعية الأعياد الدينية لعبادة الله بالصلاة والذكر شكراً لله تعالى وفي الإسلام عيدان: الأضحى والفطر. ٦ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء على خلاف المعهود، وكان خارقًا للعادة فهو آية؛ لقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾، ووجه هذا أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عِيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها -ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح- يكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة. ٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم مفتقِر إلى الله تعالى؛ إلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى أنه إله. ٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله ﵎ خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى: : ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فكل وصف كمال فلله منه الأعلى.

стр. 3890

٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الرزق على غير الله ، بمعنى أنه يصح أن نصف غير الله بأنه رازق؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ولكن الرزق الأكمل والأوفى هو رزق الله ﵎. ١٠ - أن من محاسن هذا الدعاء أنه أخر ذكر الفائدة المادية للمائدة عن ذكر فائدتها الدينية الروحية، بعكس ما فعله الحواريون، إذ قدموا الأكل على غيره من الفوائد الأخرى. القرآن ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة: ١١٥] التفسير: قال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم، فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوة عيسى ﵇ بعد نزول المائدة فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين. قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥]، أي: " قال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم" (١). واختلفوا في نزول المائدة على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لخلقه، ينهاهم به عن مسألة الآيات لأنبيائه، قاله مجاهد (٢). والثاني: أنهم سألوا ووعدهم بالإِجابة، فلما قال لهم ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾، استعفوا منها فلم تنزل عليهم، قاله الحسن (٣)، وهو مري عن مجاهد ايضا (٤).
следующие страницы →