← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا ... إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي وقد ينشد: مألَكًا، على اللغة الأخرى. فمن قال: ملأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة مَلأكة؛ ومن قال: مَألَكًا فهو مَفْعَل من ألكت إليه آلك: إذا أرسلت إليه مألَكة وألُوكًا، كما قال لبيد بن ربيعة (١): وَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه ... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ فهذا من " ألكت "، ومنه قول نابغة بني ذبيان (٢): أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا ... سَأَهْدِيه، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي وقال عبدُ بني الحَسْحَاس (٣): أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتًى ... بِآيَةِ ما جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا يعني بذلك: أبلغها رسالتي. فسميت الملائكةُ ملائكةً بالرسالة، لأنها رُسُل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده (٤). قال الماوردي: " والملائكة أفضل الحيوان وأعقل الخلق، إلا أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، ولا يتناسلون، وهم رسل الله، لا يعصونه في صغير ولا كبير، ولهم أجسام لطيفة لا يُرَوْنَ إلا إذا قوَّى الله أبصارنا على رؤيتهم" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، "أي: خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها" (٦). قال السدي: "فاستشار الملائكة في خلق آدم" (٧). وكذا روي عن قتادة (٨). روي عن محمد بن إسحاق: "قوله ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، يقول: ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا، ليس منكم" (٩). وروي "عن ابن سابط، أن النبي- ﷺ قال: دحيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة فقال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، يعني مكة" (١٠). وروي "عن ابن عباس قال: أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يسكنها إياه، ثم قرأ: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ " (١١). قال ابن عطية: " وإن قال قائل ما الحكمة في قول الله تعالى للملائكة ﴿إِنِّي جاعِلٌ﴾ الآية، قيل: هذا منه امتحان لهم واختبار ليقع منهم ما وقع ويؤدبهم تعالى من تعليم آدم وتكريمه بما أدب" (١٢).

стр. 422

قال الزجاج: " وفي ذكر هذه الآية احتجاج على أهل الكتاب بتَثْبيتِ نبوة النبي ﷺ أنَّ خَبَرَ آدم وما أمره اللَّه به من سجود الملائكة له معلوم عندهم، وليس هذا مِنْ علم العرب الذي كانت تعلمه، ففي إخبار النبي ﷺ دليل على تثبيت رسالته إذ آتاهم بما ليس من علم العرب، وإنما هو خبر لا يعلمه إلا من قرأ الكتاب أو أوحي إليه به" (١). قال ابن عطية: " وقرأ زيد بن علي «خليفة» بالقاف" (٢). واختلفوا في معنى ﴿جَاعِلٌ﴾، في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، على وجهين (٣): أحدهما: أنه بمعنى خالق. قاله أبو روق (٤). والثاني: إني فاعل. قاله الحسن (٥) وقتادة (٦). والراجح في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: "أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا. وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة" (٧). وقوله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، اختلف العلماء في المراد بالخليفة هنا، وفي المسألة أربعة أقوال: أحدها: أن الخليفة آدم-﵊-لأنه خلف من سكن الأرض قبله من الجن أو الملائكة-على قولين لأهل العلم-وعليه فالخليفة فعيلة بمعنى فاعل والتاء للمبالغة عند قوم من النحاة، أو للعدل عن الوصف إلى الاسم فإن كلمة خليفة صفة في الأصل ثم أجريت مجرى الأسماء فألحقت التاء لذلك (٨). ويقوي هذا القول إفراد لفظ (خليفة) في الآية، وقد قال به الواحدي (٩)، والقرطبي (١٠)، وابن القيم (١١)، والخازن (١٢)، والغرناطي (١٣)، وحكوا الإجماع على ذلك. وقد رد دعوى الإجماع ابن كثير (١٤)، والكوكباني (١٥)، والخلاف في المسألة قديم مشهور كما سيتضح في الأقوال التالية (١٦). والثاني: أن الخليفة آدم وبنوه وأفرد لفظ (خليفة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه كما يستغنى بذكر أب القبيلة في قولنا مضر وتميم وقيس عن ذكر القبيلة. أو أريد بالخليفة من يخلفكم أو خلفاً يخلفكم أو خليفة منكم. والخليفة يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى (١٧).

стр. 423

والثالث: أن المراد: أولو الأمر ابتداء بآدم-﵇-ومروراً بمن قام مقامه في ذلك من ولده إلى انقضاء العالم (١). وقد اختلفت عبارات أهل العلم في حكاية هذا القول: فقال ابن عطية: "وقال ابن مسعود: إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري، يعني بذلك آدم-﵇-ومن قام مقامه بعده من ذريته" (٢). وقال القرطبي: " وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول في الأرض" (٣). وقال البيضاوي: "المراد به آدم لأنه كان خليفة الله في أرضه" (٤). وقال الشنقيطي: " لأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره" (٥). وتجدر الإشارة بأن لفظ الخليفة يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلف غيره، فآدم-﵇-وبنوه القائمون مقامه في ولاية الأمر ليسوا خلفاء ونواباً عن الله- -وإنما الله- -استخلفهم في ذلك عمن سبقهم تشريفاً وتكريماً لهم، فولي الأمر يقوم بما أوجبه الله- -عليه من سياسة الأرض بالدين، فبالله تعالى يَخْلُفُ وهو-سبحانه-لا يُخْلَف ولا يُنَاب عنه لأنه-سبحانه-مشاهِد قريب بصير سميع مدبر فمحال أن يَخْلِفَه غيره، بل العبد هو الذي يحتاج إلى من يخلفه لغيبته أو موته أو عجزه ولذا جاء في صحيح مسلم: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل" (٦). وقد اختلف أهل العلم في جواز إطلاق لفظ خليفة الله على العبد بين مانع ومجيز، وفصل ابن القيم في مفتاح دار السعادة القول فقال بعد إيراده لأدلة الفريقين: "قلت: إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفاً عن غيره" (٧). والرابع: أن المراد: بنو آدم لأن كل قرن منهم يخلف القرن الذي سلفه (٨). ويدل لهذا القول: قول الله- : ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله- : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]، وغير ذلك من الآيات، و (خَلِيفَة) على هذا القول يجوز أن تكون بمعنى فاعل أو مفعول، فالقرن من البشر خالف لمن قبله وهو مخلوف بمن بعده (٩)، ومال إلى هذا القول ابن جرير (١٠)، وكل هذه الأقوال محتملة، وأظهرها قول من قال المراد بالخليفة آدم وبنوه، وأفرد لفظ (خَلِيْفَة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه سواء أكانت الخلافة في سكنى الأرض أم في عمارتها وسياستها بالدين. قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، "أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي" (١١). قال ابن سابط: " يعنون الحرام" (١٢).

стр. 424

قال ابن عثيمين: " واستفهام الملائكة للاستطلاع، والاستعلام، وليس للاعتراض" (١). وتعددت الأقوال في الغرض من سؤال الملائكة، على وجوه (٢): أحدها: أن السؤال من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك. قاله الزجاج (٣). والثاني: أن سؤالهم على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم، وإنما سألوه ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون. والثالث: أنه سألته الملائكة على وجه التعجب. قاله ابن جريج (٤). قال الطبري: " وجه التعجب، فدعْوَى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل، ولا خبر بها من الحجة يقطعُ العذرَ" (٥). والراجح، إن ذلك منها "استخبار لربها، بمعنى: أعلمنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته، وتارك أن تجعل خلفاءَك منا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك - لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وإن كانت قد استعظمتْ لما أخبرت بذلك، أن يكون لله خلقٌ يعصيه" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، أي: يريق الدماء بالبغي والاعتداء! ! " (٧). قال البغوي: " أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب، وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب" (٨). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، وجوها: أحدها: أن الجن بنو الجان كانوا في الأرض قبل خلق آدم، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، ومعنى الآية: " أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء، كما سفكوا".وهذا قول أبي العالية (٩)، والحسن (١٠)، وابن عباس (١١)، وروي عن عبدالله ابن عمر (١٢)، والربيع (١٣)، مثل ذلك. قال الطبري: " فعلى هذا القول: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، من الجن، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها" (١٤). والثاني: أن الله أعلم الملائكة، أنه إذا كان في الأرض خلق، أفسدوا فيها وسفكوا الدماء". قاله قتادة (١٥)، والسدي (١٦)، وابن سابط (١٧). والثالث: وقيل: أبصر بعض الملائكة خلق آدم وبعض الأمور في أم الكتاب. قاله أبو جعفر محمد بن علي (١٨). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، على وجوه (١٩):

стр. 425

أحدها: قراءة الجمهور بكسر الفاء: ﴿وَيَسْفِكُ﴾. والثاني: وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ﴿ويسفُك﴾ بضم الفاء. والثالث: وقرأ ابن هرمز ﴿ويسفكَ﴾، بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن يسفك، وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام. قال ابن عطية: "والأول أحسن" (١). قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ونحن" ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك" (٢). قال الطبري: أي" إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر" (٣). قال ابن عطية: أي: " ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك" (٤). قال ابن عثيمين: "والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولاً: النقص؛ والثاني: النقص في كماله؛ وزد ثالثاً إن شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل هذا يُنَزَّه الله عنه؛ النقص: مطلقاً؛ يعني أن كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبداً. لا وصفاً دائماً، ولا خبراً؛ والنقص في كماله: فلا يمكن أن يكون في كماله نقص؛ قدرته: لا يمكن أن يعتريها عجز؛ قوته: لا يمكن أن يعتريها ضعف؛ علمه: لا يمكن أن يعتريه نسيان .. وهلم جراً؛ ولهذا قال : ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] أي تعب، وإعياء؛ فهو كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص؛ ومماثلة المخلوقين: هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾، وقال تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]؛ وإن شئنا جعلناها داخلة في القسم الأول. النقص. لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصاً، كما قال القائل (٥): ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنقصُ قدْرُهُ ... إذا قيل إنَّ السيفَ أمضى من العصا لو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا تبين أن السيف هذا رديء، وليس بشيء؛ فربما نفرد هذا القسم الثالث، وربما ندخله في القسم الأول؛ على كل حال التسبيح ينبغي لنا. عندما نقول: "سبحان الله"، أو: "أسبح الله"، أو ما أشبه ذلك. أن نستحضر هذه المعاني" (٦). وقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ذكر فيه المفسرون وجوها (٧): أحدها: أنه هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الآية، أم نتغير عن هذه الحال. قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾؟ " (٨). والثاني: أن معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف ﵇: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥]. قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم أَتَجْعَلُ وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ " (٩). والثالث: وقيل أن: معنى الآية: ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. قال ابن عطية: "وهذا أيضا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾ " (١٠).

стр. 426

وأصلُ التسبيح لله عند العرب: التنزيهُ له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك، كما قال أعشى بني ثعلبة (١): أَقُولُ - لمَّا جَاءَنِي فَخْرُه - ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ يريد: سُبحان الله من فَخر علقمة، أي تنزيهًا لله مما أتى علقمة من الافتخار، على وجه النكير منه لذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿وبِحَمْدِكَ﴾، معناه: "نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، ويحتمل أن يكون قوله بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك" (٣). واختلف في تسبيح الملائكة على أقوال (٤): أحدها: معناه: نصلي لك. وهذا قول السدي (٥). والثاني: أن تسبيحهم: رفع الصوت بالذكر. والثالث: أن تسبيحهم: سبحان الله على عُرفه في اللغة، أي التسبيح المعلوم، قاله قتادة (٦)، وروي عن الحسن (٧) نحو ذلك، وهذا هو الصحيح، وهو قول عامة المفسرين (٨). قوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، " أي نثني عليك بالقدس والطهارة" (٩). قال الصابوني: "أي: نعظم أمرك ونطهرّ ذكرك مما نسبه إِليك الملحدون" (١٠). قال البغوي: " وقيل: لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه" (١١). قال ابن عثيمين: "التقديس" معناه التطهير؛ وهو أمر زائد على "التنْزيه"؛ لأن "التنزيه" تبرئة، وتخلية؛ و"التطهير" أمر زائد؛ ولهذا نقول في دعاء الاستفتاح: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب؛ اللهم نقني من خطاياي كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس؛ اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبَرد": فالأول: طلبُ المباعدة؛ والثاني: طلب التنقية. يعني: التخلية بعد المباعدة؛ والثالث: طلب الغسل بعد التنقية حتى يزول الأثر بالكلية؛ فيجمع الإنسان بين تنْزيه الله عن كل عيب ونقص، وتطهيره، أنه لا أثر إطلاقاً لما يمكن أن يعلق بالذهن من نقص" (١٢). واختلف في تقديس الملائكة، على أوجه (١٣): أحدها: فقالوا: التقديس هو التطهير والتعظيم، قاله ابن عباس (١٤)، وروي عن الضحاك (١٥) نحو ذلك، وهو اختيار الطبري (١٦)، وابن عطية (١٧).

стр. 427

والثاني: قيل: إن تقديس الملائكة لربها صَلاتها له. قاله قتادة (١)، وكذا فسره السدي (٢). قال ابن عطية: "وهذا ضعيف" (٣). والثالث: وقال بعضهم: " نقدس لك ": نعظمك ونمجدك. قاله أبو صالح (٤) ومجاهد (٥). والرابع: أن التقديس معناه: لا نَعْصي ولا نأتي شيئًا تكرهُه. قاله ابن إسحاق (٦). والراجح هو قول ابن عباس، ومنه قولهم: " سُبُّوح قُدُّوس "، يعني بقولهم: " سُبوح "، تنزيهٌ لله، وبقولهم: " قُدوسٌ "، طهارةٌ له وتعظيم، ولذلك قيل للأرض: " أرض مُقدسة "، يعني بذلك المطهرة (٧). قوله تعالى: ﴿قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، أي: " أعلم من المصالح ما هو خفيٌ عليكم، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها" (٨). قال ابن عثيمين: " أي: من أمر هذه الخليفة التي سيكون منها النبيون، والصدِّيقون، والشهداء، والصالحون" (٩). واختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، وذكروا أربعة أوجه (١٠): أحدها: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس. قاله ابن عباس (١١)، وابن مسعود (١٢)، وروي عن مجاهد (١٣)، والسدي (١٤) نحو ذلك. وذلك مما اطلع عليه من إبليس، وإضماره المعصيةَ لله وإخفائه الكبر، مما اطلع عليه ﵎ منه وخفي على ملائكته. والثاني: إني أعلم المصلحة فيه. قاله البغوي (١٥). والثالث: "إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم" (١٦). والرابع: إني أعلم ما لا تعلمون، من أنه يكون من ذلك الخليفة أهلُ الطاعة والولايةِ لله. قاله قتادة (١٧)، وبه قال أكثر أهل العلم. والله أعلم. وقرأ أهل الحجاز والبصرة ﴿إني أعلم﴾ بفتح (الياء) وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة وعند غير الألف وبين القراء في تفصيله اختلاف (١٨).

стр. 428

الفوائد: ١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ، وأنه بحرف، وصوت؛ وهذا مذهب السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأئمة الهدى من بعدهم؛ يؤخذ كونه بحرف من قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾؛ لأن هذه حروف؛ ويؤخذ كونه بصوت من أنه خاطب الملائكة بما يسمعونه؛ وإثبات القول لله على هذا الوجه من كماله ؛ بل هو من أعظم صفات الكمال: أن يكون متكلماً بما شاء كوناً، وشرعاً؛ متى شاء؛ وكيف شاء؛ فكل ما يحدث في الكون فهو كائن بكلمة ﴿كن﴾؛ لقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]؛ وكل الكون مراد له قدراً؛ وأما قوله الشرعي: فهو وحيه الذي أوحاه إلى رسله، وأنبيائه. ٢ ومن فوائد الآية: أن الملائكة ذوو عقول؛ وجهه أن الله تعالى وجه إليهم الخطاب، وأجابوا؛ ولا يمكن أن يوجه الخطاب إلا إلى من يعقله؛ ولا يمكن أن يجيبه إلا من يعقل الكلامَ، والجوابَ عليه؛ وإنما نبَّهْنا على ذلك؛ لأن بعض أهل الزيغ قالوا: إن الملائكة ليسوا عقلاء. ٣ ومنها: إثبات الأفعال لله أي أنه تعالى يفعل ما شاء متى شاء كيف شاء؛ ومن أهل البدع من ينكر ذلك زعماً منه أن الأفعال حوادث؛ والحوادث لا تقوم إلا بحادث فلا يجيء، ولا يستوي على العرش، ولا ينْزل، ولا يتكلم، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يعجب؛ وهذه دعوى فاسدة من وجوه: . الأول: أنها في مقابلة نص؛ وما كان في مقابلة نص فهو مردود على صاحبه. الثاني: أنها دعوى غير مسلَّمة؛ فإن الحوادث قد تقوم بالأول الذي ليس قبله شيء. الثالث: أن كونه تعالى فعالاً لما يريد من كماله، وتمام صفاته؛ لأن من لا يفعل إما أن يكون غير عالم، ولا مريد؛ وإما أن يكون عاجزاً؛ وكلاهما وصفان ممتنعان عن الله . فتَعَجَّبْ كيف أُتي هؤلاء من حيث ظنوا أنه تنزيه لله عن النقص؛ وهو في الحقيقة غاية النقص! ! ! فاحمد ربك على العافية، واسأله أن يعافي هؤلاء مما ابتلاهم به من سفه في العقول، وتحريف للمنقول. ٤ ومن فوائد الآية: أن بني آدم يخلف بعضهم بعضاً. على أحد الأقوال في معنى ﴿خليفة﴾؛ وهذا هو الواقع؛ فتجد من له مائة مع من له سنة واحدة، وما بينهما؛ وهذا من حكمة الله ؛ لأن الناس لو من وُلِد بقي لضاقت الأرض بما رحبت، ولما استقامت الأحوال، ولا حصلت الرحمة للصغار، ولا الولاية عليهم إلى غير ذلك من المصالح العظيمة. ٥ ومنها: قيام الملائكة بعبادة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. ٦ ومنها: كراهة الملائكة للإفساد في الأرض؛ لقولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. ٧ ومنها: أن وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر؛ لقولهم: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾؛ ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (١)؛ وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ [النجم: ٣٢]. ٨ ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله ، حيث قالوا: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. القرآن ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] التفسير: وعلم الله آدم أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، ثم عرض المسميات على الملائكة قائلا لهم: أخبروني بأسماء من عرضته عليكم، إن كنتم صادقين بأنكم أَوْلى بالاستخلاف في الأرض منهم لكون بني آدم يفسدون في الأرض. قال ابن كثير: " هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم [الله] تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر تعالى هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، أي: علّمه"أسماء المسمّيات كلها" (٣). قال السعدي: " أي: أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى، أي: الألفاظ والمعاني" (٤). قال النسفي: " ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ﴾ [البقرة: ٣١]، فيه وجهان (٦): أحدهما: أن تعليم آدم هنا إلهام علمه ضرورة. والثاني: وقال قوم: "بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى- ﵇ في خاصته" (٧). قال أبو حيان: " أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم، لا بواسطة ولا إلهام" (٨). قال ابن عطية: " وقرأ اليماني: «وعلّم» بضم العين على بناء الفعل للمفعول، «آدم» مرفوعا، قال أبو الفتح: «وهي قراءة يزيد البربري» " (٩). في تسميته بآدم قولان: أحدهما: أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وأديمها هو وجهها الظاهر، وهذا قول ابن عباس، واختيار البغوي (١٠)، والزمخشري (١١)، والبيضاوي (١٢)، وغيرهم. وقد رَوَى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب" (١٣). والثاني: أنه مأخوذ من الأدمة، وهي اللون، فسمي بلك لسمرة لونه، يقال: رجل آدم نحو أسمر، قال ابن عطية: " وآدَمَ أفعل مشتق من الأدمة وهي حمرة تميل إلى السواد، وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه" (١٤).

стр. 429

والثالث: وقيل: سمي بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوى متفرقة، كما قال تعالى: ﴿من نطفة أمشاج نبتليه﴾ [الإنسان: ٢] (١). والرابع: أنه مأخوذ من سيد القوم، يقال: هو أدمة قومه: سيدهم ومقدمهم (٢). والخامس: وقيل: سمي بذلك لما طيب به من الروح المنفوخ فيه المذكور في قوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]، وجعل له العقل والفهم والروية التي فضل بها على غيره، كما قال تعالى: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وذلك من قولهم: الإدام، وهو ما يطيب به الطعام (٣)، وفي الحديث: "لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (٤) أي: يؤلف ويطيب. قال السمين الحلبي: " أرجحها [أنه] اسم أعجمي غير مشتق، ووزنه فاعل كنظائره نحو: آزر وشالح، وإنما منع من الصرف للعلمية والعجمة الشخصية" (٥). واختلف أهل التفسير، في قوله: ﴿الْأَسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١]، على وجهين (٦): أحدهما: أن الله «علمه التسميات». وهذا قول الجمهور. والثاني: أنه تعالى «عرض عليه الأشخاص». قال ابن عطية: "والأول أبين، ولفظة- علمه- تعطي ذلك" (٧). واختلف العلماء في المراد في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، على وجوه: أحدها: أسماء الملائكة. قاله الربيع بن خثيم (٨). والثاني: أسماء الذرية. قاله عبدالرحمن بن زيد (٩). والثالث: أن الله علمه أسماء الملائكة وذريته، قاله الطبري، ورجحه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾، وهذه عبارة من يعقل (١٠). والرابع: علمه أسماء النجوم فقط. قاله حميد الشامي (١١). والخامس: وحكى النقاش عن ابن عباس، أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء (١٢). والسادس: وقال بعضهم: "بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته" (١٣)، قال ابن عطية: "وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: «علم الله تعالى آدم كل شيء، حتى إنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه»، ونحو هذا من القول الذي هو بين الخطأ من جهات" (١٤). والسابع: أنه تعالى علمه منافع كل شيء ولما يصلح (١٥). والثامن: أسماء جميع الأشياء، وهذا قول ابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧)، ومجاهد (١٨)، وسعيد بن جبير (١٩)، والحسن (٢٠)، والربيع (٢١)، واختاره ابن كثير (٢٢).

стр. 430

فقالوا: أنه تعالى علمه أسماء كل شيء، ذواتها وصفاتها وأفعالها، أسماء الملائكة وأسماء النبيين وأسماء ذرية آدم وأسماء البحار والأشجار والأحجار والأواني، واختار هذا القول ابن كثير ﵀، لعموم قوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (١)، ولحديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه " .. فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، وعلمك أسماء كل شيء" (٢) (٣). قال ابن عطية: " وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها" (٤). قلت: إن القول الثاني هو الأشبه بالصواب، وذلك لما روي عن "ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها، وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال: كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس: "وعلم آدم الأسماء كلها" (٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، أي: عرض المسميات" (٦) على الملائكة. قال السعدي: "امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟ " (٧). قال النسفي: "وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت" (٨). قال أبو حيان: " ﴿ثم﴾: حرف تراخ، ومهلة علم آدم ثم أمهله من ذلك الوقت إلى أن قال: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، ليتقرر ذلك في قلبه ويتحقق المعلوم ثم أخبره عما تحقق به واستيقنه، وأما الملائكة فقال لهم على وجه التعقيب دون مهلة ﴿أَنْبِئُونِي﴾، فلما لم يتقدم لهم تعريف لم يخبروا، ولما تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ونطق إظهارا لعنايته السابقة به سبحانه" (٩).

стр. 431

وقد قرأ عبد الله بن مسعود: ﴿ثم عرضهن﴾، وقرأ أبي بن كعب: ﴿ثم عرضها﴾، أي: السماوات" (١). وفيما عرضه عليهم قولان (٢): أحدهما: أنه عرض عليهم الأسماء دون المسميات. روي عن ابن عباس (٣)، وابن زيد (٤)، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦) -في أحد قوليه-، نحو ذلك. والثاني: أنه عرض عليهم المُسَمَّيْنَ بها. قاله ابن مسعود (٧)، ومجاهد (٨)، وروي عن "الحسن، وقتادة" (٩) مثل ذلك. قال ابن عطية: " والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصا، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها آدم، ثم إن آدم قال لهم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا" (١٠). وقال الشنقيطي: " قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾، يعني مسميات الأسماء لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية، وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله: ﴿أنبئونى بأسماء هؤلاء﴾، الآية، كما هو ظاهر" (١١). وفي زمان عرْضِهِم قولان (١٢): أحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم. والثاني: أنه صورهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم قبل خلقهم. قال اببن عثيمين: "والأظهر أنها أسماء لمسميات حاضرة بدليل قوله تعالى: ﴿ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾؛ وهذه الأسماء. والله أعلم. ما يحتاج إليها آدم، وبنوه في ذلك الوقت" (١٣). قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ [البقرة: ٣١]، أي: "أخبروني" (١٤). وقوله تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي﴾، مأخوذ من الإنباء، وفيه قولان (١٥): أَظْهَرُهُمَا: أنه الإخبار، قاله ابن عباس (١٦)، والنبأ الخبر، والنبيء بالهمز مشتق من هذا، ومنه قول النابغة (١٧):

стр. 432

وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا ... حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ يعني بقوله: " أنبأه ": أخبره وأعلمه (١). والثاني: أن الإنباء الإعلام، وإنما يستعمل في الإخبار مجازاً. قال الراغب: " الإنباء: إخبار فيه إعلام، وهو متضمن لهما ولذلك كل إنباء أخبار، وليس كل إخبار إنباء، وكل نبأ علماً وليس كل علم نبأ ولكونه متضمناً لهما، ومشتملاً عليهما أجري مجرى كل واحد منهما فقيل أنبأته بكذا كقولك أخبرته وأنبأته بكذا، كقولك أعلمته كذا، ولا يقال: " نبأ " إلا لكل خبر يقتضي العلم كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الأنبياء [﵈] وما جرى مجراها، وسمى النبي لكونه منبئاً بما تسكن نفسه إليه، ومنبأ بما سكن المؤمنون إليه" (٢). قوله تعالى: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١]، "أي بأسماء هذه المخلوقات التي ترونها" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، "في قولكم وظنكم، أنكم أفضل من هذا الخليفة" (٤). قال البغوي: " في أني لا أخلق خلقا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه" (٥). قال النسفي: "وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا" (٦). وذكر أهل العلم في فوله تعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، ستة أقاويل (٧): أحدها: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خَلْقاً إلا كنتم أعلم منه؛ لأنه هجس في نفوسهم أنهم أعلم من غيرهم. والثاني: إن كنتم صادقين فيما زعمتم أن بني آدم آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. قاله ابن مسعود (٨). والثالث: إن كنتم صادقين أني إنِ استخلفتكم فيها سبَّحْتموني وقَدَّسْتُمُوني، فإن استخلفت غيركم فيها عصاني. والرابع: إن كنتم صادقين فيما وقع في نفوسكم، أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منه. قاله "الحسن وقتادة" (٩). والخامس: إن كنتم عالمين لمَ أجعل في الأرض خليفة. قاله ابن عباس (١٠). والسادس: أن معناه إن كنتم صادقين، في "جواب السؤال، عالمين بالأسماء. قالُوا: ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: سُبْحانَكَ حكاه النقاش. قال: ولو لم يشترط عليهم الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له ﴿كم لبثت؟ ﴾، ولم يشترط عليه الإصابة، فقال، ولم يصب فلم يعنف" (١١). قال ابن عطية: "وهذا كله محتمل" (١٢). واختار الطبري قول ابن عباس، فقال: والمعني " إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إيّاه؛ فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي

стр. 433

لم توجد بَعدُ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي" (١). قال البغوي: " علمه أسماء الأشياء وذلك أن الملائكة قالوا: لما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره. فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة" (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: بيان أن الله تعالى قد يمنّ على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون؛ وجهه: أن الله علم آدم أسماء مسميات كانت حاضرة، والملائكة تجهل ذلك. ٢ ومنها: أن اللغات توقيفية. وليست تجريبية؛ "توقيفية" بمعنى أن الله هو الذي علم الناس إياها؛ ولولا تعليم الله الناسَ إياها ما فهموها؛ وقيل: إنها "تجريبية" بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولاً أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسيح على الأرض، وما أشبه ذلك؛ فاتخذ مما يسمع أصواتاً تدل على مراده؛ ولكن هذا غير صحيح؛ والصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي؛ وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحداث؛ ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها أسماء من قبل، ثم يحدث الناس لها أسماء؛ إما من التجارب، أو غير ذلك من الأشياء. ٣ ومن فوائد الآيتين: جواز امتحان الإنسان بما يدعي أنه مُجيد فيه. ٤ ومنها: جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة؛ لقوله تعالى: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. القرآن ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢] التفسير: قالت الملائكة: سبحانك لا علم لنا بوجه من الوجوه إلا ما علمتنا إياه فضلا منك وجودا، إنك أنت العليم في شؤون خلقك، الحكيم في تدبيرك. قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: قالت الملائكة: " تنزيها لك" (٣). قال الثعلبي: أي: " تنزيها لك، عن الاعتراض لعلمك في حكمك وتدبيرك" (٤). قال ابن عطية: أي: " تنزيها لك وتبرئة، أن يعلم أحد من علمك إلا ما علمته" (٥). قوله تعالى ﴿سُبحان﴾ مصدر لا تصرُّف له، ومعناه: نسبِّحك، كأنهم قالوا: نسبحك تسبيحًا، وننزهك تنزيهًا، ونبرّئك من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا (٦). واختلف في انتصاب قوله ﴿سُبْحانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢]، على وجهين (٧): أحدهما: أنه منصوب على المصدر. قاله الخليل. والثاني: أنه منصوب على أنه منادى مضاف. قاله الكسائي (٨). وقال أكثر أ÷ل العلم بأنه منصوب على المصدر، أي: نسبحك سبحانا. والله أعلم. وتعددت عبارات أهل التفسير في معنى قوله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢]، على وجوه:

стр. 434

أحدها: أنها: " كلمة أحبها الله لنفسه ورضيها، وأحب أن تقال". قاله علي بن أبي طالب ﵁ (١). والثاني: " اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء". قاله ميمون بن مهران (٢). والثالث: أن (سبحان الله) اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه. قاله الحسن (٣). قوله تعالى: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: " نحن لا علم لنا إلا ما علمتنا إِياه" (٤). قال ابن إسحاق: " أي إنما أجبناك فيما علمتنا، فأما ما لم تعلمنا فإنك أعلم به منا" (٥). قال البغوي: " معناه فإنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا" (٦). وقولهم هذا "اعتراف من الملائكة أنهم ليسوا يعلمون إلا ما علمهم الله، هذا مع أنهم ملائكة مقرَّبون إلى الله " (٧)، فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: " إنك ذو العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر، والمستقبل" (٩). قال الطبري: " إنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك" (١٠). قال البغوي: أي إنك أنت" ﴿العليم﴾، بخلقك" (١١). قال الماوردي: " ﴿العليم﴾: هو العالم من غير تعليم" (١٢). قال ابن عباس: " ﴿العليم﴾، الذي قد كمل في علمه" (١٣). قال محمد بن إسحاق: " ﴿العليم﴾، أي: عليم بما تخفون" (١٤). قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: "إنك أنت الحكيم في أمرك"" (١٥). قال أبو العالية: " ﴿الحكيم﴾: حكيم في أمره" (١٦). وقال: محمد بن جعفر بن الزبير: " ﴿الحكيم﴾: الحكيم في عذره وحجته إلى عباده" (١٧). قال ابن عباس: " ﴿الحكيم﴾، الذي قد كمل في حُكمه" (١٨). قال ابن عطية: " والْعَلِيمُ معناه: العالم، ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير من المعلومات في حق الله ، والْحَكِيمُ معناه الحاكم، وبينهما مزية المبالغة" (١٩).

стр. 435

وأصل الحكمة في كلام العرب: "المنع، يقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمته، أي منعته. ويقال للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة لأنها تمنع الدابة من الاعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، ومالا يجمل فلا يحل في المحكم من الأمر بمنعه من الخلل" (١). وذكر أهل العلم أن ﴿الحكيم﴾، له ثلاثة أوجه (٢): أحدها: الحاكم العالم، المُصِيبُ للحقِّ، ومنه سمي القاضي حاكماً، لأنه يصيب الحق في قضائه، وهذا قول أبي العباس المبرد، "وحينئذ يكون صفة ذات" (٣). والثاني: المانع من الفساد، يعني: المحكم للأمر، كي لا يتطرق إليه الفساد، ومنه سميت (حَكَمَةُ اللجام)، لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد، و"الحكمة هذا قياسها، لأنها تمنع من الجهل" (٤)، ومنه قول جرير (٥): أبَني حَنيفَة أحكِمُوا سُفهاءكُمْ ... إني أخافُ عليكمُ أنْ أغْضَبَا قوله (أَحْكِمُوا): أي امنعوهم. والثالث: أنه المُحْكِمُ لأفعاله، كقوله ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: " أي المؤلم والموجع" (٦)، وكما قال عمرو بن معد يكرب (٧): أمِنْ رَيْحانة الدَّاعي السَّميعُ (٨) ... يُؤرِّقُنِي وأصحابي هُجوعُ أي المسمع. ويجيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ على هذا من صفات الفعل (٩). قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق (١٠)، حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء ما لم يعلموا، وهو عالم بعجزهم عنه" (١١).

стр. 436

الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن الملائكة تتكلم؛ لقوله تعالى: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. ٢ ومنها: اعتراف الملائكة. عليهم الصلاة والسلام. بأنهم لا علم لهم إلا ما علمهم الله . ويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه، فلا يدَّعي علم ما لم يعلم. ٣ ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله ، حيث اعترفوا بكماله، وتنزيهه عن الجهل بقولهم: ﴿سبحانك﴾؛ واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم؛ واعترفوا لله بالفضل في قولهم: ﴿إلا ما علمتنا﴾. ٤. ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿العليم﴾، و ﴿الحكيم﴾؛ فـ ﴿العليم﴾: ذو العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً لما كان، وما يكون من أفعاله، وأفعال خلقه. و﴿الحكيم﴾: ذو الحكمة البالغة التي تعجز عن إدراكها عقول العقلاء وإن كانت قد تدرك شيئاً منها؛ و "الحكمة" هي وضع الشيء في موضعه اللائق به؛ وتكون في شرع الله، وفي قدر الله؛ أما الحكمة في شرعه فإن جميع الشرائع مطابقة للحكمة في زمانها، ومكانها، وأحوال أممها؛ فما أمر الله بشيء، فقال العقل الصريح: "ليته لم يأمر به"؛ وما نهى عن شيء، فقال: "ليته لم ينهَ عنه"؛ وأما الحكمة في قدره فما من شيء يقدره الله إلا وهو مشتمل على الحكمة إما عامة؛ وإما خاصة. واعلم أن الحكمة تكون في نفس الشيء: فوقوعه على الوجه الذي حكم الله تعالى به في غاية الحكمة؛ وتكون في الغاية المقصودة منه: فأحكام الله الكونية، والشرعية كلها لغايات محمودة قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة؛ والأمثلة على هذا كثيرة واضحة. ولـ ﴿الحكيم﴾ معنًى آخر؛ وهو ذو الحكم، والسلطان التام؛ فلا معقب لحكمه؛ وحكمه تعالى نوعان: شرعي، وقدري؛ فأما الشرعي فوحيه الذي جاءت به رسله؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ وأما حكمه القدري فهو ما قضى به قدراً على عباده من شدة، ورخاء، وحزن، وسرور، وغير ذلك؛ ومنه قوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ (يوسف: ٨٠) والفرق بين الحكم الشرعي، والكوني: أن الشرعي لا يلزم وقوعه ممن حُكِم عليه به؛ ولهذا يكون العصاة من بني آدم، وغيرهم المخالفون لحكم الله الشرعي؛ وأما الحكم القدري فلا معارض له، ولا يخرج أحد عنه؛ بل هو نافذ في عباده على كل حال. القرآن ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ [البقرة: ٣٣] التفسير: قال الله تعالى لآدم: أخبر الملائكة بأسماء هذه المسميات، وعندما أنبأهم باسمائها، تبيّن للملائكة فضل آدم عليهم، وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذه الخليفة، قال تعالى لهم: قلت لكم إني أعلم ما غاب في السماوات والأرض وأعلم ما تظهرون وما تخفون. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: قال الله تعالى لآدم: " أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها" (١). قال ابن عثيمين: " و ﴿آدم﴾ هو أبو البشر؛ والظاهر أن هذا اسم له، وليس وصفاً؛ وهو مشتق لغة من الأُدْمة؛ وهي لون بين البياض الخالص والسواد" (٢).

стр. 437

قوله: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، النبأ أي الخبر، ومنه قول نابغة بني ذُبيان (١): وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا ... حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ فقوله (أنبأه)، أي: أخبره وأعلمه (٢). قال محمد ابن أبان: "سألت زيد بن أسلم عن قوله: ﴿أنبئهم بأسمائهم﴾، قال: أنت جبريل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب" (٣). وروي "عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾، قال: اسم الحمامة والغراب، واسم كل شيء. وروي عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة نحو ذلك" (٤). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: فلما "أخبرهم بكل الأشياء، وسمَّى كل شيء باسمه" (٥). قال مجاهد: " ﴿فلما أنبأهم﴾، أنبأ آدم الملائكة بأسمائهم، أسماء أصحاب الأسماء" (٦). قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، " أي: قال تعالى للملائكة: ألم أنبئكم بأني أعلم ما غاب في السماوات والأرض عنكم" (٧). قال البغوي: أي" ما كان منهما وما يكون لأنه قد قال لهم ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] " (٨). قال ابن عطية: " معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته" (٩). قال ابن كثير: " أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي، كما قال [الله] تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ وكما قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ " (١٠). قال ابن عباس: " أخبرهم بأسمائهم - ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقلْ لكم﴾، أيها الملائكة خَاصة ﴿إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض﴾، ولا يعلمه غيري" (١١). وقال الحسن: " فجعل آدم ينبئهم بأسمائهم ويقول: هذا اسم كذا وكذا من خلق الله، وهذا اسم كذا وكذا فعلم الله آدم من ذلك ما لم يعلموا حتى علموا أنه أعلم منهم. قال: فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ " (١٢).

стр. 438

والاستفهام في قوله تعالى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾، للتقرير؛ "والمعنى: قلت لكم، كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١]: والمعنى: قد شرحنا لك صدرك" (١). وقوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، دليل على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة، وأن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى (٢). وقال بعض أهل العلم بأن غيب السماوات والأرض، نوعان (٣): أحدهما غيب نسبي: وهو ما غاب عن بعض الخلق دون بعض. والثاني: غيب عام: وهو ما غاب عن الخلق عموماً. قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: وأعلم "ما تظهرون" (٤). قال ابن عباس: " ﴿وأعلم ما تبدون﴾، يقول: ما تظهرون" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي وما كنتم"تخفون في أنفسكم" (٦). قال ابن كثير: " يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار" (٧). وذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ومَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، وجهين (٨): أحدهما: ما أسرَّه إبليس من الكبر والعصيان في نفسه، وهذا قول ابن عباس (٩)، وابن مسعود (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، وسفيان (١٢)، والضحاك (١٣)، وروي عن عبدالله بن بريدة (١٤) نحو ذلك. قال ابن عطية: " ويتوجه قوله ﴿تَكْتُمُونَ﴾، للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا، أي منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع" (١٥). والثاني: أن الذي كتموه: ما أضمروه في أنفسهم أن الله تعالى لا يخلق خلقاً إلاَّ كانوا أكرمَ عليه منه، وهو قول الحسن البصري (١٦)، وقتادة (١٧)، وأبي العالية (١٨)، والربيع بن أنس (١٩). والراجح-والله أعلم- هو ما قاله ابن عباس، أي: الذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبُّر عن طاعته. واختاره الطبري (٢٠).

стр. 439

الفوائد: ١ من فوائد الآية: إثبات القول لله لقوله تعالى: ﴿يا آدم﴾؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأن آدم سمعه، وفهمه، فأنبأ الملائكة به؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، والسلف الصالح. أن الله يتكلم بكلام مسموع مترتب بعضه سابق لبعض. ٢ ومنها: أن آدم. ﵊. امتثل، وأطاع، ولم يتوقف؛ لقوله تعالى: ﴿فلما أنبأهم﴾؛ ولهذا طوى ذكر قوله: "فأنبأهم" إشارة إلى أنه بادر، وأنبأ الملائكة. ٣ ومنها: جواز تقرير المخاطب بما لا يمكنه دفعه؛ والتقرير لا يكون إلا هكذا. أي بأمر لا يمكن دفعه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض﴾. ٤ ومنها: بيان عموم علم الله ، وأنه يتعلق بالمشاهد، والغائب؛ لقوله تعالى: (أعلم غيب السموات والأرض). ٥ ومنها: أن السموات ذات عدد؛ لقوله تعالى: ﴿السموات﴾؛ و "الأرض" جاءت مفردة، والمراد بها الجنس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] أي في العدد. ٦ ومنها: أن الملائكة لها إرادات تُبدى، وتكتم؛ لقوله تعالى: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. ٧ ومنها: أن الله تعالى عالم بما في القلوب سواء أُبدي أم أُخفي؛ لقوله تعالى: ﴿ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. فإن قال قائل: ما الدليل على أن الملائكة لها قلوب؟ . فالجواب: قوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣]. القرآن ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤] التفسير: اذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله وبادروا كلهم بالسجود، إلا إبليس امتنع عن السجود واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، وكان في علم الله تعالى من الكافرين. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤]، "أي اذكر يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة" (١). وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ يعني: اذكر إذ قلنا؛ ومثل هذا التعبير يتكرر كثيراً في القرآن، والعلماء يقدرون لفظ: (اذكر)، وهم بحاجة إلى هذا التقدير؛ لأن (إذ) ظرفية؛ والظرف لا بد له من شيء يتعلق به إما مذكوراً؛ وإما محذوفاً (٢)؛ وفي نظم الجُمل (٣): لا بد للجار من التعلق بفعل أو معناه نحو مرتقي ومثله" (٤). وقد جاء الضمير في ﴿قلنا﴾ بصيغة الجمع من باب التعظيم. لا التعدد. كما هو معلوم (٥). قوله تعالى: ﴿اسجدوا لأَدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، "أي سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة" (٦). قال ابن عثيمين: "و (السجود)، هو السجود على الأرض بأن يضع الساجد جبهته على الأرض خضوعاً، وخشوعاً؛ وليس المراد به هنا الركوع؛ لأن الله تعالى فرَّق بين الركوع والسجود، كما في قوله تعالى: ﴿تراهم ركعاً سجداً﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧] " (٧). و(السجود)، معناه في كلام العرب التذلل والخضوع، قال الشاعر (٨): يجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيها سجدا للحوافر

стр. 440

الأكم: الجبال الصغار، جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها. وعين ساجدة، أي فاترة عن النظر، وغايته وضع الوجه بالأرض (١). والسجود أصله: الانحناء والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب، نحو قوله: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢]، أي: تذللوا له، وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنبات، وعلى ذلك قوله: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥]، وقوله: ﴿يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله﴾ [النحل: ٤٨]، فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وقوله: ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون﴾ [النحل: ٤٩]، ينطوي على النوعين من السجود، التسخير والاختيار، وقوله: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦]، فذلك على سبيل التسخير، وقوله: ﴿اسجدوا لآدم﴾ [البقرة/٣٤]، قيل: أمروا بأن يتخذوه قبلة، وقيل: أمروا بالتذلل له، والقيام بمصالحه، ومصالح أولاده، فائتمروا إلا إبليس، وقوله: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: متذللين منقادين، وخص السجود في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن، وسجود الشكر، وقد يعبر به عن الصلاة بقوله: ﴿وأدبار السجود﴾ [ق: ٤]، أي: أدبار الصلاة، ويسمون صلاة الضحى: سبحة الضحى، وسجود الضحى، ﴿وسبح بحمد ربك﴾ [طه: ١٣٠] قيل: أريد به الصلاة (٢)، والمسجد: موضع الصلاة اعتبارا بالسجود، وقوله: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨]، قيل: عني به الأرض، إذ قد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتح خزائن الأرض فتلت في يدي" (٣). وقيل: المساجد: مواضع السجود: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان، وقوله: ﴿ألا يسجدوا لله﴾ [النمل/٢٥] (٤) أي: يا قوم اسجدوا، وقوله: ﴿وخروا له سجدا﴾ [يوسف/١٠٠]، أي: متذللين، وقيل: كان السجود على سبيل الخدمة في ذلك الوقت سائغا، ومنه قول الشاعر (٥): وافى بها لدراهم الإسجاد ... من خمر ذي نطف أغن منطق عنى بها دراهم عليها صورة ملك سجدوا له (٦). والإسجاد: إدامة النظر، قال أبو عمرو: وأسجد إذا طأطأ رأسه، قال (٧): فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصارى لأحبارها يقول: لما ارتحلن ولوين فضول أَزمَّة جمالهن على معاصمهن أَسْجدت لهن. قال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد (٨): وقلن له أسجد لليلى فأسجدا يعني بعيرها أنه طأطأ رأسه لتركبه (٩).

стр. 441

وقوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم، وهو كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي عند دلوك الشمس وكقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين (١). وأخرج الطبري: " عن قتادة، قوله: ﴿وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾، فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته" (٢). وقد استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، قالوا: وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم، وهذا القول فيه نظر. وحكى النقاش عن مقاتل: "أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه" (٣).قال ابن عطية: "والقرآن يرد على هذا القول" (٤). وقال قوم: "سجود الملائكة كان مرتين" (٥). قال ابن عطية: "والإجماع يرد هذا" (٦). واختلف اهل العلم في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، وذكروا وجوها في ذلك (٧): أحدها: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا، ومعنى "لآدم": إلى آدم، كما يقال صلى للقبلة، أي إلى القبلة. وهذا قول الجمهور. والثاني: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولكنه مبقى على أصل اللغة، فهو من التذلل والانقياد، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل، ﴿فَسَجَدُوا﴾ أي امتثلوا ما أمروا به. قال ابن عطية: " وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم ﵇" (٨). واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم ﵇ أم كان مباحا إلى عصر الرسول- ﷺ ، وفيه قولين: أحدهما: أن ذلك السجود كان خاصا بآدم فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى. والثاني: أن ذلك السجود كان جائزا بعد آدم إلى زمان يعقوب ﵇، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ [يوسف: ١٠٠] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين. والصحيح: أن سجود التحية والإكرام كان مباحا إلى عصر رسول الله ﷺ ، وكان مباحا في الشرائع السابقة إلى أن نسخ في شريعتنا، ومن المعلوم أن السجود لغير الله على وجه العبادة لم يكن مباحاً في أية شريعة فكل الأنبياء نهوا عن ذلك وبلغوا أقوامهم، روي عن عبدالله بن أبي أوفى أنه: لمَّا قدِمَ معاذٌ منَ الشَّامِ سجدَ للنَّبيِّ ﷺ قالَ ما هذا يا مُعاذُ قالَ أتيتُ الشَّامَ فوافقتُهُم يسجُدونَ لأساقفتِهِم وبطارقتِهِم فوَدِدْتُ في نَفسي أن نفعلَ ذلِكَ بِكَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ "وسلَّمَ فلا تفعَلوا فإنِّي لو كُنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لغيرِ اللَّهِ لأمَرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها والَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لا تؤدِّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتَّى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها ولو سألَها نفسَها وَهيَ علَى قتَبٍ لم تمنعْهُ" (٩).

стр. 442

ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة، وفي بعض طرق معاذ: ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة (١). والذي عليه جمهور أهل العلم بلا خلاف ولا نزاع بينهم أن هذا السجود من معاذ –﵁ كان سجود تحية لا عبادة إذ كيف يجهل هذا الصحابي الجليل أن سجود العبادة لا ينبغي إلا لله. وتجدر الاشارة بأن السجود كان فيما مضى يستعمل تحية وإكراما كما فعل أبوا يوسف وإخوته وكما فعلت الملائكة لآدم هذا من باب التحية والإكرام وليس من باب العبادة، وأما في شريعة محمد عليه الصلاة

стр. 443

والسلام فإن الله منع من ذلك وجعل السجود لله وحده ولا يجوز أن يسجد لأحد لا للأنبياء ولا غيرهم، حتى محمد ﵊ منع أن يسجد له أحد وأخبر أن السجود لله وحده ، فعلم بهذا أن جميع أنواع العبادة كلها لله وحده ، ومن أعظمها السجود فإنه ذلك وانكسار لله فهو من أفضل العبادات فلا يصرف لغيره من الناس لا للأنبياء ولا للجن ولا للإنس ولا لغيرهم، والله المستعان. وذكروا في قوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٣]، قراءتين (١): أحدهما: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾، بالكسر. وهي قراءة جمهور القراء. والثاني: ﴿للملائكةُ﴾، بالضم، قرأ بها أبو جعفر المدني. قال أبو علي: "لم يكن مصيبا" (٢). وقال الزجاج: "وأبو جعفر، من جِلَّةِ أهل المدينة وأهلِ الثَّبتِ في القَراءَةِ إلا أنه غلط في هذا الحرف لأن الملائكة في موضع خفض فلا يجوز أن يرفع المخفوض ولكنه شبَّه تاءَ التأنيث بكسر ألف الوصل لأنك إذا ابْتدأتَ قلت اسْجُدوا، وليس ينبغي أن يقرأ القرآن بتوهم غيرِ الصواب" (٣). قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٣]، "أي: فسجدوا جميعاً له غير إبليس" (٤). قال ابن عثيمين: " ﴿فسجدوا﴾ أي من غير تأخير؛ فالفاء هنا للترتيب، والتعقيب" (٥). قوله تعالى: ﴿أبى واستكبر﴾ [البقرة: ٣٣]، "أي: امتنع مما أمر به وتكبر عنه" (٦). أخرج ابن أبي حاتم "عن قتادة: قوله ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾، حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني. فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم" (٧). قال الشنقيطي: " لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] " (٨).

стр. 444

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ [البقرة: ٣٣]، "أي: صار بإبائه واستكباره من الكافرين حيث استقبح أمر الله بالسجود لآدم" (١). أخرج ابن أبي حاتم "عن عبد الله بن بريدة قوله: ﴿وكان من الكافرين﴾، من الذين أبوا، فأحرقتهم النار" (٢). وذكر الطبري وابن أبي حاتم، عن أبي العالية أنه كان يقول: " ﴿وكان من الكافرين﴾، يعني: من العاصين" (٣).وروي عن الربيع (٤) مثل ذلك. قال ابن عطية: "وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت" (٥). وذكروا في قوله تعالى ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ [البقرة: ٣٣]، ثلاثة أقوال (٦): أحدهما: أن المراد: كان من الكافرين في علم الله بناءً على أن ﴿كان﴾ فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق. قال ابن عطية: "وقال جمهور المتأولين: معنى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة" (٧). وقد أخرج ابن أبي حاتم عن " السدي: ﴿وكان من الكافرين﴾، قال: من الكافرين الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد" (٨). والثاني: أن معناه: "وصار من الكافرين" (٩). قال ابن فورك: "وهذا خطأ ترده الأصول" (١٠). والثالث: انه كان من الكافرين، وليس قبله كافرا، كما كان من الجنِّ، وليس قبله جِنٌّ، وكما تقول: كان آدم من الإنس، وليس قبله إنسيٌّ. قاله الحسن (١١). والرابع: أنه قد كان قبله قوم كفار، كان إبليس منهم (١٢). والخامس: أن (كان): تأتي أحياناً مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وكان الله سميعاً بصيراً﴾ [النساء: ١٣٤]، وما أشبهها؛ هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى؛ بل لا يزال؛ فتكون ﴿كان﴾ هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة. قال ابن عثيمين: "وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل؛ ويُجرى الكلام على ظاهره" (١٣). ولفظة إبليس لغة: أبلس الرجل قُطِع به، وأبلس سكت، وأبلس من رحمة الله يئس وندم ومنه سُمِّي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله وقيل: إبليس لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة، والمبلس الساكت من الحزن أو الخوف، والإبلاس الحَيْرة (١٤).

стр. 445

فيمكن القول بأن (إبليس) (إفعِيل)، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن (١)، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤]، أي: " أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا" (٢)، كما قال العجَّاج (٣): يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟ ... قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا وقال رؤبة (٤): وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ ... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ يعني به اكتئابًا وكسوفًا. وأخرج الطبري " عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس (الحارث)، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا" (٥). وقال ابن عباس: " إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته" (٦). وفي مفهوم الشرع لا يُوجد تعريف اصطلاحي لإبليس في الشرع، إذ هو مخلوق معروف لدى الأديان الأخرى، وهو رمزُ الشرّ عند كل شعب من الشعوب ودين من الأديان وطائفة من الطوائف، وعليه نعرّف إبليس بأنه: الجانّ الذي أبى السجود لآدم حين خلقه الله، فاستحق لعنته، وطُرِد من جنته، ووجبت له النار بعد إنظار الله له إلى يوم القيامة، وأُوتِي من وسائل الإغواء ما لم يُؤتَ أحد من العالمين. وقد اختلف العلماء هل إبليس من الجن أم من الملائكة، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه كان من الملائكة: ذهب بعض أهل العلم إلى أن إبليس كان من الملائكة فلما عصى الله تعالى أخرجه من صف الملائكة، وقال به من العلماء: ابن عباس (٧) في رواية عنه وابن مسعود (٨)، وقتادة (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠)، وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب (١١)، ورجحه ابن جرير الطبري بل وانتصر له، ورجحه البغوي، ونسبه ابن عطية والقرطبي والشوكاني إلى أنه قول الجمهور (١٢). واستدلوا أولئك بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فلو لم يكن إبليس من الملائكة لم يؤمر بالسجود ولم يؤاخذ بالعصيان. وهذا الاستدلال ضعيف جداً، فتنوعت إجابات العلماء عن هذا الدليل: - قال ابن تيمية عن إبليس: " كان منهم (أي من الملائكة) باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله " (١٣). - وقال ابن كثير: "وذلك أنه (أي إبليس) كان قد توسّم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة" (١٤).

стр. 446

- وقال ابن عثيمين: "وإنما استثناه الله من الملائكة لأنه كان معهم وليس منهم يبين ذلك آية الكهف (وكان من الجن) .. ثم قال: وهذا الاستثناء يسمى استثناء منقطعا، كما تقول: (جاء القوم إلا حمارا) وهو كلام عربي فصيح فاستثنى الحمار من القوم وإن لم يكن منهم" (١). والثاني: أنه من الجن: وقال به من العلماء: ابن عباس" (٢) في رواية أخرى والحسن البصري" (٣) - صححه عنه ابن كثير- وسعد بن مسعود (٤) وشَهر بن حَوْشب (٥) وابن زيد (٦)، ورجحه ابن تيمية والسيوطي والزمخشري وابن كثير والشنقيطي ـ صاحب الأضواء ـ وابن عثيمين والشيخ أبو بكر الجزائري (٧). ولهذا ذهب عامة أهل العلم إلى أن إبليس وذريته لم يكونوا قط من الملائكة، ويدل على ذلك عدة أدلة: أحدها: قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، فبين الله أن سبب فسقه كونه من الجن، أي أنه من عنصر أو من جنس آخر غير الملائكة، أما الاستثناء في قوله تعلى: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ)، فإنه استثناء منقطع أي أن (إلا) هنا بمعنى (لكن)، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]، هذا الاستثناء منقطع لأن الحميم والغساق ليس من البرد والشراب والمعنى: لكن يطعمون الحميم والغساق. والثاني: وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وهنا نص الله أن له ذرية يعني (نسل) وهم الجن، والملائكة لانسل لهم. فلو كان ملكا لم يكن له نسل. والثالث: أن إبليس مخلوق من نار كما قال تعالى حاكيا عن إبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، والملائكة مخلوقة من نور لما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " خلقت الملائكة من نور وخلق الجن من نار وخلق آدم مما وُصف لكم" (٨). ففرق الرسول ﷺ بين خلق الملائكة وخلق الجن. والرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. فلو كان إبليس ملكا ماعصى الله. والخامس: أن الجن الذين هم ذرية إبليس، لهم شهوة للطعام والشراب وغيره، وليس للملائكة شهوة دل على ذلك عدة نصوص منها: ـ أن الجن سألوا الرسول ﷺ لما اجتمعو به عن طعامهم فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر مايكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم .. فلاتستنجو بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن " (٩).

стр. 447

ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، والذرية لابد لها من شهوة. ـ قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ـ حديث: "فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" (١). فالملائكة من صفتهم أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل ولا يفترون، وما فعله إبليس يعد معصية ولا يتناسب مع صفات الملائكة. والقول الثالث: أن إبليس كان أصله من الملائكة فمسخه الله من الجن لما عصاه. قال به من العلماء: ابن عباس في رواية (٢)، ودليل هذا القول: أنه تفسير صحابي. والقول الرابع: وهو قول أشار إليه الشيخ ابن تيمية- ﵀ في هذه المسألة، فقال: " الشيطان كان من الملائكة باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار مثاله" (٣)، ولكن هذا القول ليس عليه دليل. والراجح: أن إبليس لم يكن من الملائكة، وهو الصحيح، لقوة أدلته. وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم. الفوائد: ١ من فوائد الآية: بيان فضل آدم على الملائكة؛ وجهه أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيماً له. ٢ ومنها: أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة؛ لأن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ ولذلك لما امتنع إبليس عن هذا كان من الكافرين؛ وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على كفر تارك الصلاة؛ قال: لأنه إذا كان إبليس كفر بترك سجدة واحدة أُمر بها، فكيف عن ترك الصلاة كاملة؟ ! وهذا الاستدلال إن استقام فهو هو؛ وإن لم يستقم فقد دلت نصوص أخرى من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة على كفر تارك الصلاة كفراً أكبر مخرجاً عن الملة. ويدل على أن المحرَّم إذا أمر الله تعالى به كان عبادة قصة إبراهيم ﵇، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله؛ ولكن الله رحمه، ورحم ابنه برفع ذلك عنهما، حيث قال تعالى: ﴿فلما أسلما وتلَّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ [الصافات: ١٠٣. ١٠٥]؛ ومن المعلوم أن قتل الابن من كبائر الذنوب، لكن لما أمر الله به كان امتثاله عبادة. ٣ ومن فوائد الآية: أن إبليس. والعياذ بالله. جمع صفات الذم كلها: الإباء عن الأمر؛ والاستكبار عن الحق، وعلى الخلق؛ والكفر؛ إبليس استكبر عن الحق؛ لأنه لم يمتثل أمر الله؛ واستكبر على الخلق؛ لأنه قال: ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢]؛ فاستكبر في نفسه، وحقر غيره؛ و"الكبر" بطر الحق، وغمط الناس. تنبيه: إن قال قائل: في الآية إشكال. وهو أن الله تعالى لما ذكر أمر الملائكة بالسجود، وذكر أنهم سجدوا إلا إبليس؛ كان ظاهرها أن إبليس منهم؛ والأمر ليس كذلك؟ . والجواب: أن إبليس كان مشاركاً لهم في أعمالهم ظاهراً، فكان توجيه الأمر شاملاً له بحسب الظاهر؛ وقد يقال: إن الاستثناء منقطع؛ والاستثناء المنقطع لا يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه. القرآن ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥] التفسير:

стр. 448

وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء -وكان خلقها من ضلعه الأيسر- الجنة وكلا منها أكلاً رغداً واسعا لاحجر فيه من أصناف الثمار والفواكه، ولا تقربا هذه الشجرة بالأكل منها وهى الحنطة أو الكرم أو غيرهما، فتصيرا من الظالمين العاصين. قوله تعالى ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، قلنا يا آدم" أسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء" (١). و(الجنة): هي "البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره" (٢). وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم على قولين (٣): أحدهما: قال الاكثرون: هي في السماء (٤). والثاني: وقيل أنها في الأرض، إذ حكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض (٥). قال ابن عثيمين: " ظاهر الكتاب، والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني" (٦). وإن قيل: "كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا يخرج منها. وهذه أُخرج منها آدم؟ فالجواب: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها: بعد البعث؛ وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة" (٧). قال الماوردي وسُمِّيت [الأنثى]: امرأةً، لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ" (٨). فأما تسميتها حواء، ففيه قولان (٩): أحدهما: أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود. والثاني: أنها سميت بذلك، لأنها أم كل حيٍّ. واختلف فيما خلقت منه حواء على قولين (١٠): أحدهما: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم وهذا قول تفرد به ابن بحر المعتزلي، وقد قال الربيع بن أنس حواء من طينة آدم واحتج بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] (١١). القول الثاني: وهو ما عليه الجمهور أنه خلقها من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم حتى لم يجد لها مسا قال ابن عباس: فلذلك تواصلا ولذلك سميت امرأة لأنها خلقت من المرء (١٢).

стр. 449

كما اختلف في زمن خلق حواء على قولين (١): أحدهما: أن آدم أُدْخِلَ الجنَّةَ وَحْدَهُ، فَلَمَّا استوحش خُلِقَتْ حواءُ من ضِلْعِهِ بعد دخوله في الجنة، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود. والثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة، ثم أُدْخِلا معاً إلى الجنةِ، لقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وهذا قول أبي إسحاق. والقول الثاني عليه أكثر أهل العلم (٢). ويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزَوْجتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شَنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة (٣). قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥]، "أي كلا من ثمار الجنة أكلاً رغداً واسعاً " (٤). قال البغوي: أكلا " واسعا كثيرا" (٥). قال الطبري: أي" وكلا من الجنة رزقًا واسعًا هنيئًا" (٦). قال ابن عثيمين: " أي: أكلاً هنياً، ليس فيه تنغيص. والأمر بمعنى الإباحة، والإكرام" (٧). و(الرَّغَد): الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه. يقال: أرْغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء (٨)، كما قال امرؤ القيس بن حُجْر (٩): بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَا ... يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ وقد أخرج الطبري عن ابن مسعود أنه قال: " الرغد، الهنيء" (١٠). وذكر أهل التفسير في (الرغدِ) ثلاثةُ تأويلاتٍ (١١): أحدها: أنه العيش الهني، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود (١٢). والثاني: أنه العيش الواسع، وهذا قول الضحاك (١٣)، وأبي عبيدة (١٤).

стр. 450

والثالث: أنه أراد الحلال الذي لا حساب فيه، وهو قول مجاهد (١). قوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]، "أي من أي مكان في الجنة أردتما الأكل فيه" (٢). قال البغوي: أي: " كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما" (٣). قال ابن عثيمين: " أي في أيّ مكان من هذه الجنة، ونقول أيضاً: وفي أيّ زمان؛ لأن قوله تعالى: ﴿كُلا﴾ فعل مطلق لم يقيد بزمن" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، "أي ولا تأكلا من هذه الشجرة" (٥). قال الطبري: "والشجر في كلام العرب: كلّ ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقلّ على ساق" (٦). قال البغوي: " يعني للأكل" (٧). اختلف أهل التفسير في الشجرة التي نُهِيا عنها، على أقاويل (٨): أحدها: أنها البُرُّ، وهذا قول ابن عباس (٩). والثاني: أنها الكَرْمُ، وهذا قول السُّدِّيِّ (١٠)، وجعدة بن هبيرة (١١). والثالث: أنها التِّين، وهذا قول ابن جريجٍ (١٢)، ويحكيه عن بعض الصحابة. والرابع: أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة. قاله يعقوب بن عتبة (١٣). والصواب: أن هذه الشجرة غير معلومة النوع، وأنه لا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة (١٤)، فتبقى على إبهامها. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، "أي فتصيروا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله" (١٥). قال ابن عثيمين: " أي من المعتدين لمخالفة الأمر" (١٦). قال البغوي: أي: فتصيرا من الضارين بأنفسكما بالمعصية" (١٧). وأصل " الظلم " في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (١٨): إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ

стр. 451

فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها، ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث (١): ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ قوله ظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه (٢). وذكروا في قوله تعالى ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وجهان (٣): أحدهما: من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما. والثاني: من الظالمين لأنفسكما في أكلكما. واختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة، على أي وجهٍ وقعت منه، على أربعة أقاويل (٤): أحدها: أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولِهِ تعالى: ﴿ولقد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]، وزعم صاحب هذا القول، أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم، فيكون تشاغله عن تذكُّر النهي تضييعاً صار به عاصياً. والقول الثاني: أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذاً بما فعله في السُّكْرِ، وإن كان غير قاصدٍ له، كما يؤاخَذُ به لو كان صاحياً، وهو قول سعيد بن المسيب (٥). والقول الثالث: أنه أكل منها عامداً عالماً بالنهي، وتأول قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهْدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أي فَزَلَّ، ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ. والرابع: أنه أكل منها على جهة التأويل، فصار عاصياً بإغفال الدليل، لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر، ولقوله تعالى في إبليس: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] وهو ما صرفهما إليه من التأويل. واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل، على ثلاثةِ أقاويلَ (٦): أحدها: أنه تأويل على جهةِ التنزيه دون التحريم. والثاني: أنه تأويل النهي عن عين الشجرة دون جنسها، وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصِ. والثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. الفوائد: ١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ؛ لقوله تعالى: (وقلنا يا آدم). ٢ ومنها: أن قول الله يكون بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن .. ﴾ إلخ؛ ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة؛ وأيضاً هو مرتب؛ لقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك﴾: وهذه حروف مرتبة، كما هو ظاهر؛ وإنما قلنا ذلك لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بصوت، ولا حروف مرتبة؛ ولهم في ذلك آراء مبتدعة أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال ٣ ومن فوائد الآية: منّة الله على آدم، وحواء حيث أسكنهما الجنة. ٤ ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ (الرعد: ٣٨)

стр. 452

فإن قال قائل: زوجته بنت من؟ . فالجواب: أنها خلقت من ضلعه. فإن قال: إذاً تكون بنتاً له، فكيف يتزوج ابنته؟ . فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ فكما أباح أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأولين؛ فكذلك أباح أن يتزوج آدم من خلقها الله من ضلعه. ٥ ومن فوائد الآية: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وكُلا منها﴾؛ فإن هذه للإباحة بدليل قوله تعالى: ﴿حيث شئتما﴾: خيَّرهما أن يأكلا من أيّ مكان؛ ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة؛ ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل أنه للإباحة. ٦ ومنها: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود؛ بل هو موجود في كل وقت؛ لقوله تعالى: ﴿حيث شئتما﴾؛ فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان؛ وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ (الواقعة: ٣٢، ٣٣) ٧ ومنها: أن الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾؛ ووجه ذلك أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها. ٨ ومنها: أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد النهي عن فعله؛ للمبالغة في التحذير منه؛ فإن قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾: المراد: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها. ٩ ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. ١٠ ومنها: أن معصية الله تعالى ظلم للنفس، وعدوان عليها؛ لقوله تعالى: (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.) القرآن ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٦] التفسير: فأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ وسوس لهما حتى أكلا من الشجرة، فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها، وقال الله لهم: اهبطوا إلى الأرض بما اشتملتما عليه من ذريتكما بعضكم لبعض عدوُّ من ظلم بعضكم بعضاً، ولكم في الأرض موضع قرار ومتاع ما تتمتعون به من نباتها إلى حين وقت انقضاء آجالكم. قوله ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]، أي: دعاهما إلى الزلة (١)، فزحزحهما (٢) عن القصد المستقيم، بتزيينه ووسوسته وإغوائه (٣).

стр. 453

قال الصابوني: " أي أوقعهما في الزلة بسببها وأغواهما بالأكل منها هذا إذا كان الضمير عائداً إلى الشجرة، أما إذا كان عائداً إلى الجنة فيكون المعنى أبعدهما وحوّلهما من الجنة" (١). أخرج الطبري عن ابن عباس، أنه قال في تأويل قوله تعالى: ﴿فأزلهما الشيطان﴾: "أغواهما" (٢). وقال عاصم: "فنحاهما" (٣). وأخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن: ﴿فأزلهما﴾، قال: من قبل الزلل" (٤). وروي عن قتادة مثل ذلك (٥). وقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]، فيه وجهان من القراءة: أحدهما: قرأته عامة القراء ﴿فأزلَّهما﴾ بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلَّ الرجل في دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه. وأزلَّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه. والثاني: قرأه آخرون: ﴿فأزَالهما﴾، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه (٦). واختلف أهل التفسير، هل خلص إليهما الشيطان حتى باشرهما بالكلام وشافههما بالخطاب أم لا؟ فذكروا قولين: أحدهما: أن الشيطان خلص إليهما. قاله عبد الله بن عباس (٧)، وابن مسعود (٨)، ووهب بن منبه (٩)، وأبو العالية (١٠)، وأكثر المفسرين. واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. والثاني: أنه لم يخلص إليهما، وإنما أوقع الشهوة في أنفسهما، ووسوس لهما من غير مشاهدة، لقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وهو قول محمد بن إسحاق (١١)، وابن زيد (١٢)، وروي عن محمد بن قيس (١٣) نحو ذلك. والقول الأول أظهر وأشهر. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، "فأخرجهما الشيطان "من نعيم الجنة" (١٤). قال ابن كثير: " أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، "أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإبليس" (١٦). قال الثعلبي: " أي أنزلوا الى الأرض" (١٧). وذكر ابن أبي حاتم أخبارا حول مكان هبوطهم في الأرض (١٨). وهي روايات لا اعلم درجة صحتها، وقد قال ابن كثير: " لو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود علي المكلفين، في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله ﷺ ، وإن هذه الأخبار من الإسرائيليات" (١٩).

стр. 454

قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، أي: " متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله" (١). قال البغوي: " أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس قال ابن عثيمين: أي: " الشيطان عدو لآدم، وحواء" (٢). و(الهبوط): النزول من فوق إلى أسفل (٣)، يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا، إذا حلّ ذلك كما قال الشاعر (٤): مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ ... أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا وقد اختلف في المقصود بالخطاب في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، على أقوال (٥): أحدها: أن المقصود: آدم وحواء وإبليس وذريتهم. اختاره ابن عطية واحتج بأن: " إبليس مخاطب بالإيمان بإجماع" (٦). والثاني: آدم وحواءُ وإبليس والحية. قاله أبو صالح مولى أم هانئ (٧). واختاره البغوي (٨)، ووروي عن السدي نحو ذلك- وزاد فيه إبليس (٩). والثالث: أن الخطاب، ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخوطبا بلفظ الجمع تشريفا لهما (١٠). والصحيح هو أن آدم وزوجته ممن عُني به في قوله ﴿اهبطوا﴾، وهو قول الجمهور (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، "أي لكم في الدنيا موضع استقرار بالإقامة فيها" (١٢). قال الزجاج: "أي مُقَام وثبوت" (١٣). قال ابن عباس: "المستقر: القبور" (١٤). وعنه أيضا: "مستقر فوق الأرض، ومستقر تحت الأرض" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، "أي تمتع بنعيمها إلى وقت انقضاء آجالكم" (١٦). قال الثعلبي: " الى حين اقتضاء آجالكم ومنتهى أعماركم" (١٧). قال ابن كثير: " أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة" (١٨). قال أبو حيان: " لمتاع ما استمتع به من المنافع، أو الزاد، أو الزمان الطويل، أو التعمير" (١٩). واختلف في قوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، على أربعة أوجه (٢٠):

стр. 455

أحدها: إلى الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا. قاله السدي (١). والثاني: إلى قيام الساعة، وهذا قول من يقول المستقر هو القبور. قاله ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣). والثالث: إلى أجل. قاله الربيع (٤). والرابع: أن الحين: الوقت البعيد، قال خويلد (٥): كأبي الرماد عظيم القدر جفنته ... حين الشتاء كحوض المنهل اللقف لقف الحوض لقفا، أي تهور من أسفله واتسع. وقال القرطبي: "والحين أيضا: المدة ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، والحين الساعة قال الله تعالى ﴿أو تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ﴾ [الزمر: ٥٨]، قال ابن عرفة الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله "فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ [المؤمنون: ٥٤] أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: ٢٥] أي كل سنة وقيل بل كل ستة أشهر وقيل بل غدوة وعشيا، والحين الغدوة والعشية قال الله تعالى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ويقال عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب، قالت بثينة (٦): وإنَّ سُلُوِّي عن جميلٍ لَساعةٌ ... من الدَّهْرِ ما حانتْ ولا حان حِينُها" (٧) وقد ذكر أهل التفسير أن لكلمة (حين) في القرآن الكريم دلالات (٨): ١ - حين بمعنى: ستة أشهر، ومنه قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] (٩). ٢ - حين بمعنى: منتهى الآجال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. ٣ - حين بمعنى: الساعات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]. ٤ - حين بمعنى: وقت منكر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]. ٥ - حين بمعنى: أربعون سنة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. ٦ - حين بمعنى: ثلاثة أيام، ومنه قوله تعالى في الذاريات: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات: ٤٣]. ٧ - حين بمعنى: نصف النهار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].

стр. 456

٨ - حين بمعنى: خمس سنين، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] (١). على أن نهاية سجن يوسف بوقت خروجه. ٩ - حين: ابتداء القتال يوم بدر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤]. على أن نهاية الاعراض عن المشركين بوقت الأمر بقتالهم. الفوائد: ١ من فوائد الآية: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها). ٢ ومنها: أن الشيطان يغرّ بني آدم كما غرّ أباهم حين وسوس لآدم، وحواء، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؛ فالشيطان قد يأتي الإنسان، فيوسوس له، فيصغر المعصية في عينه؛ ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها؛ منّاه أن يتوب منها، فيسهل عليه الإقدام؛ ولذلك احذر عدوك أن يغرك. ٣ ومنها: إضافة الفعل إلى المتسبب له؛ لقوله تعالى: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾؛ وقد ذكر الفقهاء. ﵏. أن المتسبب كالمباشر في الضمان، لكن إذا اجتمع متسبب ومباشر تمكن إحالة الضمان عليه فالضمان على المباشر؛ وإن لم تمكن فالضمان على المتسبب؛ مثال الأول؛ أن يحفر بئراً، فيأتي شخص، فيدفع فيها إنساناً، فيهلك: فالضمان على الدافع؛ ومثال الثاني: أن يلقي شخصاً بين يدي أسد، فيأكله: فالضمان على الملقي. لا على الأسد. ٤ ومن فوائد الآية: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿بعضكم لبعض عدو﴾؛ وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾ (فاطر: ٦) ٥ ومنها: أن قول الله تعالى يكون شرعياً، ويكون قدرياً؛ فقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها﴾: هذا شرعي؛ وقوله تعالى: ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾: الظاهر أنه كوني؛ لأنه يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا؛ ويحتمل أن يكون قولاً شرعياً؛ لكن الأقرب عندي أنه قول كوني. والله أعلم. ٦ ومنها: أن الجنة في مكان عالٍ؛ لقوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾؛ والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل. ٧ ومنها: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ [الأعراف: ٢٥]؛ وبناءً على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض إما في بعض الكواكب، أو في بعض المراكب محاولة يائسة؛ لأنه لابد أن يكون مستقرهم الأرض. ٨ ومنها: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾. القرآن ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧] التفسير: استقبل آدم دعوات من ربه وألهمه إياها، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]، فدعاه بها، فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم. قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، " أي استقبل آدم دعوات من ربه ألهمه إياها فدعاه بها" (٢). قال الطبري: أي: " فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا" (٣). قال النسفي: " أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها. وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب" (٤).

стр. 457

قال ابن عثيمين: " يعني أخذ، وقَبِل، ورضي من الله كلمات حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات. فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا، وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين" (١). قال الشنقيطي: " لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] " (٢). قال البغوي: " التلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم" (٣). وقال ابن عطية: " والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم. وحكى مكي قولا: أنه ألهمها فانتفع بها" (٤). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، على وجهين (٥): أحدهما: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٌ﴾، بنصب الاسم ورفع الكلمات. قرأ بها ابن كثير وحده. والثاني: وقرأ الباقون: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾، برفع الاسم ونصب الكلمات. وفي قراءة: ﴿فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ﴾، فجعل (الكلمات) هي المتلقية آدم، وقد اعترض الإمام الطبري عليها قائلا: " وذلك، وإن كان من وجهة العربية جائزًا - إذْ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يُوجه الفعل إلى أيهما شاء، ويخرج من الفعل أيهما أحب - فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع " آدم " على أنه المتلقي الكلمات، لإجماع الحجة من القَرَأة وأهل التأويل من علماء السلف والخلف على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات. وغيرُ جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة، بقول من يجوز عليه السهو والخطأ" (٦). واختُلِفَ في الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربِّه على أربعة أقاويل (٧): أحدها: قوله ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وهذا قول الحسن، وقتادة (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠). والثاني: قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، إنِّي ظلمت نفسي، فتُب عليَّ، إِنَّك أنت التوابُ الرحيم، وهذا قول مجاهد (١١)، وروي عن عبدالرحمن بن يزيد بن معاوية (١٢)، نحو ذلك. والثالث: أن آدم قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال ربُّه: إني راجعك إلى الجنَّةِ، وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه، وهذا قول ابن عباسٍ (١٣) وقتادة (١٤)، وأبي العالية (١٥)، والسدي (١٦).

стр. 458

والرابع: أن آدم قال لربه إذ عصاه: : يا رب، خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعتُهُ من قبل نفسي؟ قال: بلى، شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفره لي. قاله عبيد بن عمير (١). وهذه الأقوال وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقَّى آدمَ كلماتٍ، فتلقَّاهُنّ آدمُ من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب بقِيله إياهنّ وعملِه بهنّ إلى الله من خطيئته (٢)، والراجح هو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وهو قول عامة أهل العلم مثل ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد (٣). قال ابن عطية: "وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبواه، رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا. وما قال موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي. [القصص: ١٦]. وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. [الأنبياء: ٨٧] " (٤). قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، "أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة" (٥). قال الصابوني: "أي قبل ربه توبته" (٦). قال الواحدي: " أي عاد عليه بالمغفرة" (٧). قال أبو حيان: "أي تفضل عليه بقبول توبته" (٨). قال ابن عطية: أي: "رجع به، والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف" (٩). قال الماوردي: " أي قبل توبته، والتوبةُ الرجوع، فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه، والإقلاع عنه، وهي من الله تعالى على عبده، رجوع له إلى ما كان عليه" (١٠). قال الراغب: " التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها" (١١). ومعنى (التوبة) في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه بالمغفرة، والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم، والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال" (١٢). وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقل (عليهما) وحواء مشاركة لآدم في الذنب، وقد قال تعالى لهما: قال ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] و ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، يجاب على هذه المسألة بما يأتي: أولا: إن آدم ﵇ لما خاطب في أول القصة بقوله (اسكن) خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده. الثاني: لأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].

стр. 459

الثالث: وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥]. الرابع: وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء، قاله الحسن. الخامس: وقيل: إنه مثل قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. وقال الشاعر (١): رَماني بِأَمرٍ كُنتُ مِنهُ وَوالِدي بِرِيّاً وَمِن أَجلِ الطَوِيِّ رَماني وفي التنزيل ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فحذف إيجازا واختصارا (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ [البقرة: ٣٧]، " أي إِن الله كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة للعباد" (٣). قال محمد بن إسحاق: " ﴿الرحيم﴾: يرحم العباد على ما فيهم" (٤). وقال سعيد بن جبير: "رحيم بهم بعد التوبة" (٥). قال الواحدي: " أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه" (٦). قال النسفي: " ﴿التوّاب﴾ الكثير القبول للتوبة، ﴿الرحيم﴾ على عباده" (٧). قال ابن عطية: " وبنية ﴿التَّوَّابُ﴾، للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه" (٨). واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿إنه﴾ [البقرة: ٣٧]، على وجهين (٩): أحدهما: ﴿إنَّهُ﴾: بكسر الهمزة. وهي قرأءة الجمهور. والثاني: ﴿أَنَّهُ﴾: بفتح الهمزة، قرأ بها نوفل بن أبي عقرب، ووجهه أنه فتح على التعليل، على معنى (لأنه). قال أبو حيان: فالمفتوحة مع ما بعدها فضلة، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر فهي جملة ثابتة تامة أخرجت مخرج الإخبار المستقل الثابت، ومع ذلك فلها ربط معنوي بما قبلها، كما جاءت في: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةُ﴾، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِم إِنَّ﴾، حتى لو وضعت الفاء التي تعطي الربط مكانها أغنت عنها، وقالوا: إن أن إنما تجيء لتثبيت ما يتردد المخاطب في ثبوته ونفيه، فإن قطع بأحد الأمرين، فليس من مظانها، فإن وجدت داخلة على ما قطع فيه بأحد الأمرين ظاهراً، فيكون ذلك لتنزيله منزلة المتردد فيه لأمر ما" (١٠). الفوائد: ١ من فوائد الآية: منة الله على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾.

стр. 460

٢ ومنها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منَّ على أحد أجداده كان مانّاً عليه. ٣ ومنها: أن قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" سبب لقبول توبة الله على عبده؛ لأنها اعتراف بالذنب؛ وفي قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" أربعة أنواع من التوسل؛ الأول: التوسل بالربوبية؛ الثاني: التوسل بحال العبد: ﴿ظلمنا أنفسنا﴾؛ الثالث: تفويض الأمر إلى الله؛ لقوله: ﴿وإن لم تغفر لنا .. ﴾ إلخ؛ الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة الله ورحمته؛ لقوله تعالى: ﴿لنكونن من الخاسرين﴾، وهي تشبه التوسل بحال العبد؛ بل هي توسل بحال العبد؛ وعليه فيكون توسل العبد بحاله توسلاً بحاله قبل الدعاء، وبحاله بعد الدعاء إذا لم يحصل مقصوده. ٤ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع؛ وجه ذلك أن آدم تلقى منه كلمات؛ وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام بصوت مسموع، وحروف مرتبة. ٥ ومنها: منة الله على آدم بقبول التوبة؛ فيكون في ذلك منَّتان؛ الأولى: التوفيق للتوبة، حيث تلقَّى الكلمات من الله؛ والثانية: قبول التوبة، حيث قال تعالى: ﴿فتاب عليه﴾. واعلم أن لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية بعد توبة العبد؛ وهي قبول التوبة؛ وكلاهما في القرآن؛ قال الله. ﵎: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨]: فقوله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم﴾ أي وفقهم للتوبة، وقوله تعالى: ﴿ليتوبوا﴾ أي يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ (الشورى: ٢٥) ٦ ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده؛ من تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة؛ فكرم الله أعلى، وأبلغ من كرم الإنسان. ٧ ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾؛ وما تضمناه من صفة، وفعل. ٨ ومنها: اختصاص الله بالتوبة، والرحمة؛ بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره؛ لأن الإنسان قد يتوب على ابنه، وأخيه، وصاحبه، وما أشبه ذلك؛ لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله. وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. هذه خاصة بالله. كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت. لا يختص بالله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن" (١). القرآن ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨] التفسير: قال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا، وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق، فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، أي: قال الله لهم " اهبطوا من الجنة إلى الأرض" (٢).
следующие страницы →