← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٨ - حين بمعنى: خمس سنين، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] (١). على أن نهاية سجن يوسف بوقت خروجه. ٩ - حين: ابتداء القتال يوم بدر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤]. على أن نهاية الاعراض عن المشركين بوقت الأمر بقتالهم. الفوائد: ١ من فوائد الآية: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها). ٢ ومنها: أن الشيطان يغرّ بني آدم كما غرّ أباهم حين وسوس لآدم، وحواء، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؛ فالشيطان قد يأتي الإنسان، فيوسوس له، فيصغر المعصية في عينه؛ ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها؛ منّاه أن يتوب منها، فيسهل عليه الإقدام؛ ولذلك احذر عدوك أن يغرك. ٣ ومنها: إضافة الفعل إلى المتسبب له؛ لقوله تعالى: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾؛ وقد ذكر الفقهاء. ﵏. أن المتسبب كالمباشر في الضمان، لكن إذا اجتمع متسبب ومباشر تمكن إحالة الضمان عليه فالضمان على المباشر؛ وإن لم تمكن فالضمان على المتسبب؛ مثال الأول؛ أن يحفر بئراً، فيأتي شخص، فيدفع فيها إنساناً، فيهلك: فالضمان على الدافع؛ ومثال الثاني: أن يلقي شخصاً بين يدي أسد، فيأكله: فالضمان على الملقي. لا على الأسد. ٤ ومن فوائد الآية: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿بعضكم لبعض عدو﴾؛ وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾ (فاطر: ٦) ٥ ومنها: أن قول الله تعالى يكون شرعياً، ويكون قدرياً؛ فقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها﴾: هذا شرعي؛ وقوله تعالى: ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾: الظاهر أنه كوني؛ لأنه يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا؛ ويحتمل أن يكون قولاً شرعياً؛ لكن الأقرب عندي أنه قول كوني. والله أعلم. ٦ ومنها: أن الجنة في مكان عالٍ؛ لقوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾؛ والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل. ٧ ومنها: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ [الأعراف: ٢٥]؛ وبناءً على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض إما في بعض الكواكب، أو في بعض المراكب محاولة يائسة؛ لأنه لابد أن يكون مستقرهم الأرض. ٨ ومنها: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾. القرآن ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧] التفسير: استقبل آدم دعوات من ربه وألهمه إياها، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]، فدعاه بها، فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم. قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، " أي استقبل آدم دعوات من ربه ألهمه إياها فدعاه بها" (٢). قال الطبري: أي: " فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا" (٣). قال النسفي: " أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها. وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب" (٤).

стр. 457

قال ابن عثيمين: " يعني أخذ، وقَبِل، ورضي من الله كلمات حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات. فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا، وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين" (١). قال الشنقيطي: " لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] " (٢). قال البغوي: " التلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم" (٣). وقال ابن عطية: " والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم. وحكى مكي قولا: أنه ألهمها فانتفع بها" (٤). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، على وجهين (٥): أحدهما: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٌ﴾، بنصب الاسم ورفع الكلمات. قرأ بها ابن كثير وحده. والثاني: وقرأ الباقون: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾، برفع الاسم ونصب الكلمات. وفي قراءة: ﴿فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ﴾، فجعل (الكلمات) هي المتلقية آدم، وقد اعترض الإمام الطبري عليها قائلا: " وذلك، وإن كان من وجهة العربية جائزًا - إذْ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يُوجه الفعل إلى أيهما شاء، ويخرج من الفعل أيهما أحب - فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع " آدم " على أنه المتلقي الكلمات، لإجماع الحجة من القَرَأة وأهل التأويل من علماء السلف والخلف على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات. وغيرُ جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة، بقول من يجوز عليه السهو والخطأ" (٦). واختُلِفَ في الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربِّه على أربعة أقاويل (٧): أحدها: قوله ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وهذا قول الحسن، وقتادة (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠). والثاني: قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، إنِّي ظلمت نفسي، فتُب عليَّ، إِنَّك أنت التوابُ الرحيم، وهذا قول مجاهد (١١)، وروي عن عبدالرحمن بن يزيد بن معاوية (١٢)، نحو ذلك. والثالث: أن آدم قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال ربُّه: إني راجعك إلى الجنَّةِ، وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه، وهذا قول ابن عباسٍ (١٣) وقتادة (١٤)، وأبي العالية (١٥)، والسدي (١٦).

стр. 458

والرابع: أن آدم قال لربه إذ عصاه: : يا رب، خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعتُهُ من قبل نفسي؟ قال: بلى، شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفره لي. قاله عبيد بن عمير (١). وهذه الأقوال وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقَّى آدمَ كلماتٍ، فتلقَّاهُنّ آدمُ من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب بقِيله إياهنّ وعملِه بهنّ إلى الله من خطيئته (٢)، والراجح هو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وهو قول عامة أهل العلم مثل ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد (٣). قال ابن عطية: "وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبواه، رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا. وما قال موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي. [القصص: ١٦]. وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. [الأنبياء: ٨٧] " (٤). قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، "أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة" (٥). قال الصابوني: "أي قبل ربه توبته" (٦). قال الواحدي: " أي عاد عليه بالمغفرة" (٧). قال أبو حيان: "أي تفضل عليه بقبول توبته" (٨). قال ابن عطية: أي: "رجع به، والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف" (٩). قال الماوردي: " أي قبل توبته، والتوبةُ الرجوع، فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه، والإقلاع عنه، وهي من الله تعالى على عبده، رجوع له إلى ما كان عليه" (١٠). قال الراغب: " التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها" (١١). ومعنى (التوبة) في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه بالمغفرة، والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم، والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال" (١٢). وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقل (عليهما) وحواء مشاركة لآدم في الذنب، وقد قال تعالى لهما: قال ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] و ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، يجاب على هذه المسألة بما يأتي: أولا: إن آدم ﵇ لما خاطب في أول القصة بقوله (اسكن) خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده. الثاني: لأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].

стр. 459

الثالث: وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥]. الرابع: وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء، قاله الحسن. الخامس: وقيل: إنه مثل قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. وقال الشاعر (١): رَماني بِأَمرٍ كُنتُ مِنهُ وَوالِدي بِرِيّاً وَمِن أَجلِ الطَوِيِّ رَماني وفي التنزيل ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فحذف إيجازا واختصارا (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ [البقرة: ٣٧]، " أي إِن الله كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة للعباد" (٣). قال محمد بن إسحاق: " ﴿الرحيم﴾: يرحم العباد على ما فيهم" (٤). وقال سعيد بن جبير: "رحيم بهم بعد التوبة" (٥). قال الواحدي: " أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه" (٦). قال النسفي: " ﴿التوّاب﴾ الكثير القبول للتوبة، ﴿الرحيم﴾ على عباده" (٧). قال ابن عطية: " وبنية ﴿التَّوَّابُ﴾، للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه" (٨). واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿إنه﴾ [البقرة: ٣٧]، على وجهين (٩): أحدهما: ﴿إنَّهُ﴾: بكسر الهمزة. وهي قرأءة الجمهور. والثاني: ﴿أَنَّهُ﴾: بفتح الهمزة، قرأ بها نوفل بن أبي عقرب، ووجهه أنه فتح على التعليل، على معنى (لأنه). قال أبو حيان: فالمفتوحة مع ما بعدها فضلة، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر فهي جملة ثابتة تامة أخرجت مخرج الإخبار المستقل الثابت، ومع ذلك فلها ربط معنوي بما قبلها، كما جاءت في: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةُ﴾، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِم إِنَّ﴾، حتى لو وضعت الفاء التي تعطي الربط مكانها أغنت عنها، وقالوا: إن أن إنما تجيء لتثبيت ما يتردد المخاطب في ثبوته ونفيه، فإن قطع بأحد الأمرين، فليس من مظانها، فإن وجدت داخلة على ما قطع فيه بأحد الأمرين ظاهراً، فيكون ذلك لتنزيله منزلة المتردد فيه لأمر ما" (١٠). الفوائد: ١ من فوائد الآية: منة الله على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾.

стр. 460

٢ ومنها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منَّ على أحد أجداده كان مانّاً عليه. ٣ ومنها: أن قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" سبب لقبول توبة الله على عبده؛ لأنها اعتراف بالذنب؛ وفي قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" أربعة أنواع من التوسل؛ الأول: التوسل بالربوبية؛ الثاني: التوسل بحال العبد: ﴿ظلمنا أنفسنا﴾؛ الثالث: تفويض الأمر إلى الله؛ لقوله: ﴿وإن لم تغفر لنا .. ﴾ إلخ؛ الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة الله ورحمته؛ لقوله تعالى: ﴿لنكونن من الخاسرين﴾، وهي تشبه التوسل بحال العبد؛ بل هي توسل بحال العبد؛ وعليه فيكون توسل العبد بحاله توسلاً بحاله قبل الدعاء، وبحاله بعد الدعاء إذا لم يحصل مقصوده. ٤ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع؛ وجه ذلك أن آدم تلقى منه كلمات؛ وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام بصوت مسموع، وحروف مرتبة. ٥ ومنها: منة الله على آدم بقبول التوبة؛ فيكون في ذلك منَّتان؛ الأولى: التوفيق للتوبة، حيث تلقَّى الكلمات من الله؛ والثانية: قبول التوبة، حيث قال تعالى: ﴿فتاب عليه﴾. واعلم أن لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية بعد توبة العبد؛ وهي قبول التوبة؛ وكلاهما في القرآن؛ قال الله. ﵎: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨]: فقوله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم﴾ أي وفقهم للتوبة، وقوله تعالى: ﴿ليتوبوا﴾ أي يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ (الشورى: ٢٥) ٦ ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده؛ من تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة؛ فكرم الله أعلى، وأبلغ من كرم الإنسان. ٧ ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾؛ وما تضمناه من صفة، وفعل. ٨ ومنها: اختصاص الله بالتوبة، والرحمة؛ بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره؛ لأن الإنسان قد يتوب على ابنه، وأخيه، وصاحبه، وما أشبه ذلك؛ لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله. وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. هذه خاصة بالله. كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت. لا يختص بالله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن" (١). القرآن ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨] التفسير: قال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا، وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق، فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، أي: قال الله لهم " اهبطوا من الجنة إلى الأرض" (٢).

стр. 461

قال المراغي: " هذا الأمر لبيان أن طور النعيم والراحة قد انتهى وجاء طور العمل، وفيه طريقان: هدى وإيمان، وكفر وخسران" (١). واختلف في سبب تكرار الأمر بالهبوط، على وجوه (٢): أحدها: قالوا: كرّره على جهة التغليظ وتأكيده؛ كما تقول لرجل: قُمْ قُمْ. والثاني: وقيل: كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة وبالثاني إتيان الهدى. والثالث: وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض، وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة، ويضعف هذا الوجه قوله في الهبوط الأول ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] (٣). والقول الثاني هو الأقرب، لأن الهبوط الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]، " أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة" (٥). قال السعدي: " أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني، ويدنيكم من رضائي" (٦). وقال أبو العالية: " الهدى الأنبياء والرسل، والبيان" (٧). وقال مقاتل بن حيان: "يعني بالهدى محمدا- ﷺ " (٨). وقال الحسن: "الهدى: القرآن" (٩). قال ابن عطية: " وفي قوله تعالى: ﴿مِنِّي﴾، إشارة إلى أن أفعال العباد خلق الله تعالى" (١٠). وقوله تعالى ﴿َإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]، يحتمل ثلاثة أوجه (١١): أحدها: معناه: رسول، أبعثه إليكم. قال ابن عطية: "وقالت فرقة: الهدى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر: هو فمن بعده" (١٢). والثاني: كتاب، أنزله عليكم بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاايَاتِنَآ﴾ [البقرة: ٣٩]. والثالث: وقيل: معنى قوله ﴿هُدىً﴾: بيان وإرشاد. روي عن أبي العالية (١٣) مثل ذلك. قال ابن عطية: "والصواب أن يقال: بيان ودعاء" (١٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨]، " أي: قبل أمري واتبع ما آمر به" (١٥).

стр. 462

قال ابن كثير: " أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل" (١). قال الصابوني: " أي من آمن بي وعمل بطاعتي" (٢). قال النسفي: " أي بالقبول والإيمان به" (٣). قال السعدي: " بأن آمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي" (٤). قال أبو خالد: " ﴿فمن تبع هداي﴾، يعني كتابي" (٥). وقال مقاتل بن حيان: " فمن تبع محمدا- ﷺ " (٦). قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، "أي لا ينالهم خوف ولا حزن في الآخرة" (٧). قال سعيد بن جبير: " ﴿لا خوف عليهم﴾، يعني: في الآخرة" (٨). وعنه كذلك: " ﴿ولا هم يحزنون﴾، يعني: لا يحزنون للموت" (٩). قال الواحدي: " فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن" (١٠). قال النسفي: أي " ﴿فلا خوف عليهم﴾، في المستقبل، ﴿ولا هم يحزنزن﴾، على ما خلفوا" (١١). قال ابن كثير: " ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] " (١٢). قال المراغي: " أي إن المهتدين بهدى الله لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، فإن من سلك سبيل الهدى سهل عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الصبر والتسليم مما يرضى ربه، ويوجب مثوبته، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأحسن عزاء عما فقده، فمثله مثل التاجر الذي يكدّ ويسعى وتنسيه لذة الربح آلام التعب" (١٣). وفي قراءة يعقوب: ﴿فلا خوف﴾ بالفتح في كل القرآن. قال السعدي: " فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي (الخوف والحزن)، والفرق بينهما، أن المكروه إن كان قد مضى، أحدث الحزن، وإن كان منتظرا، أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام. وكذلك نفي (الضلال والشقاء) عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب بآياته" (١٤). الفوائد:

стр. 463

١ من فوائد الآية أن الجنة التي أُسكنها آدم أولاً كانت عالية؛ لقوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾؛ والهبوط لا يكون إلا من أعلى. ٢ ومنها: إثبات كلام الله؛ لقوله تعالى: (قلنا). ٣. ومنها: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح، ومن البلاغة؛ لقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾؛ وهو توكيد معنوي: لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هاماً فينبغي أن يؤكد؛ فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على الشيء: "يا فلان عجل عجل عجل" ثلاث مرات؛ والمقصود التوكيد، والحث. ٤.ومنها: أن الهدى من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدًى﴾. فإن قال قائل: "إنْ" في قوله تعالى: ﴿فإما﴾ لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ "إذا"؟ قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، لكنها لا تنافيه؛ والواقع يدل على الوقوع. أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير؛ وممكن أن نقول: في هذه الصيغة. ﴿فإما يأتينكم﴾. ما يدل على الوقوع؛ وهو توكيد الفعل. ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله ؛ لأنه هو الذي يأتي به. ٥. ومن فوائد الآية: أن من اتبع هدى الله فإنه آمن من بين يديه، ومن خلفه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. ٦. ومنها: أنه لا يتعبد لله إلا بما شرع؛ لقوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. ٧. ومنها: أن من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير هدى؛ فيكون ضالاً كما شهدت بذلك السنة؛ فقد كان النبي ﷺ في خطبة الجمعة يقول: "وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة (١). ٨ - وفي هذه الآيات وما أشبهها، انقسام الخلق من الجن والإنس، إلى أهل السعادة، وأهل الشقاوة، وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب، كما أنهم مثلهم، في الأمر والنهي (٢). القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٩] التفسير: والذين جحدوا وكذبوا بآياتنا المتلوة ودلائل توحيدنا، أولئك الذين يلازمون النار، هم فيها ماكثون أبداً لا يفنون ولا يخرجون. قوله تعالى: ﴿﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٤٠]، الذين كفروا بالله، فاستكبروا عن طاعته، ولم ينقادوا لها" (٣). قال الثعلبي: " أي جحدوا" (٤). قال المراغي: " أي وأما الذين لم يتبعوا هداى، وهم الذين كفروا بآياتنا اعتقادا" (٥). قال قتادة: ﴿والذين كفروا﴾، "المشركون من قريش" (٦). قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: ٣٩]، أي: وكذبوا"بالكتاب والرسول" (٧). قال الثعلبي: " يعني القرآن" (٨).

стр. 464

قال الصابوني: "بما أنزلت وبما أرسلت" (١). قال المراغي: "وكذّبوا بها لسانا" (٢). قال ابن عثيمين: "أي بالآيات الشرعية؛ وإن انضاف إلى ذلك الآيات الكونية زاد الأمر شدة؛ لكن المهم الآيات الشرعية؛ لأن من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآيات الكونية دون الشرعية؛ فمثلاً كفار قريش مؤمنون بالآيات الكونية مقرون بأن الله خالق السموات، والأرض، وأنه المحيي، وأنه المميت، وأنه المدبر لجميع الأمور؛ لكنهم كافرون بالآيات الشرعية" (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: ٣٩]، قولان: أحدهما: أن" آيات الله فمحمد ﷺ ". قاله السدي (٤). والثاني: أنها القرآن. قاله سعيد بن جبير (٥). قال ابن عطية: " وقال وَكَذَّبُوا وكان في الكفر كفاية لأن لفظة كفروا يشترك فيها كفر النعم وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلود فبين أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا" (٦). قال المراغي: " والتكذيب كفر سواء كان عن اعتقاد بعدم صدق الرسول، أو مع اعتقاد صدقه وهو تكذيب الجحود والعناد، وفي مثلهم يقول الله تعالى لنبيه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، وقد يوجد الكفر بالقلب مع تصديق اللسان كما هى حال المنافقين" (٧). و﴿الآيات﴾ جمع آية، ومعنى الآية في اللغة: العلامة (٨)، ومنه قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤] أي علامة منك لإجابتك دعاءنا، فكل آية من الكتاب علامة ودلالة على المضمون فيها. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، وانقطاعه من الذي بعدها (٩)، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: الآية العلامة (١٠). وقال الليث: الآية العلامة، والآية من آيات القرآن، والجميع: الآي، ولم يزد على هذا (١١). فالآية بمعنى العلامة في اللغة صحيحة. قال الأحوص (١٢): أَمِنْ رَسْمِ آيَاتٍ عَفَوْنَ وَمَنْزِلٍ ... قَدِيمٍ تُعَفِّيهِ الأَعاصِيرُ مُحْوِلِ قال ابن السكيت وحكاه أبو عمرو يقال: "خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئا" (١٣)، وقال بُرْج بن مُسْهِر (١٤):

стр. 465

خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مْثِلُنَا ... بآِيَتِنا نُزْجِي اللِّقَاحَ المطَافِلا معناه: خرجنا بجماعتنا. فعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله جماعة حروف دالة على معنى مخصوص (١). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: ٣٩]، " أي: الملازمون لها، ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه" (٢). قال ابن عباس: " أي خالدون أبدا" (٣). قال البغوي: أي: " لا يخرجون منها ولا يموتون فيها" (٤). وقوله ﴿أُولَئِكَ﴾، "أي المذكورون؛ وأشار إليهم بإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم لا ترفيعاً لهم، وتعلية لهم، و ﴿أصحاب النار﴾ أي الملازمون لها؛ ولهذا لا تأتي "أصحاب النار" إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبداً؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها؛ والمصاحب لابد أن يلازم من صاحبه" (٥). قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]، أي: "لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون" (٦). قال ابن عثيمين: " أي ماكثون؛ والمراد بذلك المكث، الدائم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ وأما آية الجن فقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [الجن: ٢٣] " (٧). وروي عن أنس مرفوعا، أنه قال: "المخلدون في النار في توابيت من حديد مطبقة" (٨). قال ابن عطية: " والصحبة الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمن ما، فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها، وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة ﵃ إذ مراتبهم متباينة، أقلها الاقتران في الإسلام والزمن، وأكثرها الخلطة والملازمة" (٩). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: حكم القرآن بالخلود الأبدي على الكفار، إذ يرى أهل السنة والجماعة بأنه لا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار، وقد استدل العلماء بآيات وأحاديث عديدة جدا على قولهم بخروج العصاة من أهل الإيمان من النار بعدما ردوا على معظم هذه الأدلة التي ساقوها بآيات كثيرة جدا منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وكذلك بأحاديث الشفاعة الكثيرة التي تبين أن الله تعالى يخرج من النار من يشاء من العصاة المسلمين (١٠).

стр. 466

الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين. الكفر، والتكذيب. هم أصحاب النار مخلدون فيها أبداً. كما سبق؛ فإن اتصفوا بأحدهما فقد دل الدليل على أن المكذب خالد في النار؛ وأما الكافر فمن كان كفره مخرجاً عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار. ٢ ومنها: أن الله تعالى قد بين الحق بالآية التي تقطع الحجة، وتبين المحجة. ٣ ومنها: انحطاط رتبة من اتصفوا بهذين الوصفين. الكفر، والتكذيب. ٤ ومنها: إثبات النار؛ وقد ثبت بالدليل القطعي أنها موجودة الآن، كما في قوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]. القرآن ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠] التفسير:

стр. 467

يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم (١)، واشكروا لي، وأتموا وصيتي لكم: بأن تؤمنوا بكتبي ورسلي جميعًا، وتعملوا بشرائعي، فإن فعلتم ذلك أُتمم لكم ما وعدتكم به من الرحمة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وإيَّايَ -وحدي- فخافوني، واحذروا نقمتي إن نقضتم العهد، وكفرتم بي. قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، "أي يا أولاد إسرائيل" (٢). قال ابن عباس: ": يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود" (٣). قال البغوي: " يا أولاد يعقوب" (٤). والأصل في ﴿بني﴾، أن تكون للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور، والإناث، كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ﴾ [الأعراف: ٢٦] " (٥). وقوله ﴿إِسْرَائِيلَ﴾، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ إذ كان يدعى (إسرائيل) (٦). وذكر أهل التفسير في اشتقاق كلمة (إِسْرَائِيلَ)، وجوها (٧): أحدها: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد في اللغة العبرانية، و (إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله. والثاني: أن معنى (إسرا) صفوة، و (إيل) الله تعالى، ومعناه صفوة الله. وفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في البحر، وقال بعدها: "وهذه أقاويل ضعاف" (٨). قال الواحدي: "والأصح عند أهل اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له" (٩). أخرج الطبري عن ابن عباس، " أن إسرائيل كقولك: عبد الله" (١٠). وأخرج أيضا بسنده "عن عبد الله بن الحارث، قال: (إيل)، الله بالعبرانية" (١١). واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، على وجوه (١٢): أحدها: ﴿إسراييل﴾، بقلب الهمزة ياء. روي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق. والثاني: ﴿إسرائل﴾، بحذف الياء. والثالث: ﴿إسرال﴾، بحذف الهمزة والياء. وقال ابن عباس: "حضرت عصابة من اليهود نبي الله- ﷺ ، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ فقالوا: اللهم نعم، قال النبي ﷺ : أشهد عليهم" (١٣). واختلف في المخاطب في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، على وجهين (١٤): أحدهما: أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد ﷺ ، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. قاله مكي (١٥).

стр. 468

وعلى هذا القول، يستقيم الضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة. والثاني: أن الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي ﵇، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد. وهو قول ابن عباس (١)، وجمهور العلماء (٢)، ومنه قول الفرزدق (٣): وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه. وقال آخر (٤): إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل (٥). قوله تعالى: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، أي: "اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم" (٦). قال البيضاوي: " أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها" (٧). قال البغوي: أي: احفظوا نعمي التي أنعمتها على أجدادكم وأسلافكم (٨). قال ابن عثيمين: " أي اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بجوارحكم؛ وذلك؛ لأن الشكر يكون في الأمور الثلاثة: في القلب، واللسان، والجوارح" (٩). وقال السعدي: "وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه" (١٠). قال البغوي: " والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: "ذكر النعمة شكرها" (١١) " (١٢). وقال ابن عطية: " والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان" (١٣). وقوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ أي: "نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع، كقوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] " (١٤). وتحركت (الياء) من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء (١٥). قال الفراء: "وأما نصب الياء من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسالُ والسكون، والفتح، فإذا لَقيتها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حركت فيها الياء وكرِهوا الأخرى لأن

стр. 469

اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها، فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي الّتي)، فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما" (١). قال ابن عطية: "وفتحها أحسن، لزيادة حرف في كتاب الله تعالى" (٢). وذكر أهل التفسر في (النعمة) التي أنعمها عليهم، قولين (٣): أحدهما: عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. قاله ابن زيد (٤). والثاني: أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم، إذ نجَّاهم من آل فرعون، وجعل منهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وفجَّر لهم الحَجَرَ، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، والنعم على الآباء، نعم على الأبناء، لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم. وهو قول الحسن البصري، وروي عن ابن عباس (٥) وأبي العالية (٦)، ومجاهد (٧)، نحو ذلك. قال ابن عطية: " وهذه أقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بعهدي﴾ [البقرة: ٤٠]، "أي أدّوا ما عاهدتموني عليه" (٩). قال البيضاوي: أي: " بالإيمان والطاعة" (١٠). قال ابن عثيمين: "أي ائتوا به وافياً" (١١). قال السعدي: " وهو ما عهده إليهم من الإيمان به، وبرسله وإقامة شرعه" (١٢). قوله تعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، " أي أعطكم ما عهدت به إليكم وافياً" (١٣). قال البيضاوي: أي: "بحسن الإثابة" (١٤). قال السعدي: " وهو المجازاة على ذلك، والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ [وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي]﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ " (١٥). أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "قوله ﴿أوف بعهدكم]، يقول: أرضى عنكم وأدخلكم الجنة" (١٦). قال ابن أبي حاتم ""وروي عن أبي العالية والضحاك والسدي والربيع بن أنس، نحو ما ذكرنا عن الضحاك عن ابن عباس" (١٧). قال الصابوني: أي"بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب" (١٨).

стр. 470

قال ابن عثيمين: " وهو الجزاء على أعمالهم، المذكور في قوله تعالى: ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [المائدة: ١٢]؛ فلو وفوا بعهد الله لوفى الله بعهدهم" (١). وقرأ الزهري: " ﴿أوَفّ﴾، بفتح الواو وشد الفاء، للتكثير" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، قال أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: "وفيت بالعهد وأوفيت به سواء" (٣). وقال شمر: (وفى): يعني تمّ، وأوفى، معناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أوفى الكيل، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا (٤). وقال أبو الهيثم: فيما رد على شمر: "الذي قال شمر في (وَفَى) و (أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا فهو بالألف قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] " (٥). وقد قال طفيل الغنوي في الجمع بين اللغتين (٦): أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا واختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء بنقضه، وفيه أربعة (٧): أحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ . ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به. والثاني: أن عهدُ الله الذي نقضوه بعدَ ميثاقه، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بُعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم، ونقضُهم ذلك، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا. قاله ابن عباس (٨)، وروي عن الربيع بن أنس (٩)، وأبي العالية (١٠)، والضحاك (١١)، والسدي (١٢)، وقتادة" (١٣)، نحو ذلك. والثالث: أن عهدُه: توحيده، وهو موجه إلى جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق. والرابع: أن العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.

стр. 471

والقول الثاني هو الأقرب إلى الصواب، أي: عهدُ الله ووصيته التي أخذ على بني إسرائيل في التوراة، أن يبيِّنوا للناس أمر محمد ﷺ أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، "أي لا ترهبوا إلا إياي" (٢). قال البيضاوي: أي: " فيما تأتون وتذرون وخصوصاً في نقض العهد" (٣). قال الثعلبي: "فخافوني في نقض العهد" (٤). قال أبو العالية: " ﴿وإياي فارهبون﴾، فاخشون" (٥).وكذا روي عن السدى والربيع ابن أنس وقتادة (٦). وأخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس: ﴿وإياي فارهبون﴾، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره" (٧). قال ابن عطية: " والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد" (٨). ولا يحفى بأن مافي هذه الآية من الوعد والوعيد، دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى (٩). وقوله ﴿فَارْهَبُونِ﴾، قرأ ابن أبي إسحاق بالياء (١٠). وسقطت الياء بعد النون في قوله ﴿فَارْهَبُونِ﴾، في هذه الآيات وفي كلّ القرآن على الأصل، وحذفها الباقون على الخط اتّباعا للمصحف (١١). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب إما لكونه أوعى من غيره؛ وإما لكونه أولى أن يمتثل؛ وهنا وجّهه لبني إسرائيل؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي ﷺ ، وأنها حق ما ليس عند غيرهم. ٢ ومنها: أن تذكير العبد بنعمة الله عليه أدعى لقبوله الحق، وأقوم للحجة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾؛ فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصاً نذكره بالنعم؟ فالجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله ؛ ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته. ٣ ومن فوائد الآية: عظيم منة الله تعالى في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿التي أنعمت عليكم﴾. ٤ ومنها: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾؛ بل إن الله أكرم من عبده، حيث يجزيه الحسنة بعشر أمثالها؛ وفي الحديث القدسي: "إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً؛ وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً؛ وَإِذَا أَتَانِي مَشْياً أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (١٢).

стр. 472

٥ ومن فوائد الآية: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقب بحرمانه ما رتب الله تعالى على الوفاء بالعهد؛ وذلك؛ لأن المنطوق في الآية أن من وفى لله وفّى الله له؛ فيكون المفهوم أن من لم يفِ فإنه يعاقب، ولا يعطى ما وُعِد به؛ وهذا مقتضى عدل الله . ٦ ومنها: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ [التوبة: ٧٥]. ٧ ومنها: وجوب إخلاص الرهبة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾] البقرة: من الآية ٤٠]. ٨ ومنها: أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وأمر بإخلاصها. فإن قال قائل: هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع، أو من عدو؟ فالجواب: لا ينافي هذا التوحيد؛ ولهذا وقع من الرسل: إبراهيم. ﵊. لما جاءه الضيوف، ولم يأكلوا أوجس منهم خيفة؛ وموسى. ﵊. لما ألقى السحرة حبالهم، وعصيهم أوجس في نفسه خيفة؛ ولأن الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة؛ ولو قلنا لإنسان: "إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفاً طبيعياً لكنت مشركاً"، لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان مما يخاف منه خوفٌ طبيعي غريزي لا يمكنه دفعه؛ كل إنسان يخاف مما يُخشى منه الضرر. فإن قال قائل: لو منعه الخوف من واجب عليه هل يُنهى عنه، أو لا؟ فالجواب: نعم، يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به؛ إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف؛ قال الله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ لكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس؛ ولهذا لو كان إنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة، وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو؛ فله أن يصلي قاعداً؛ وهذا لأن الله تعالى عفا عنه: قال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]؛ ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين فلا يلزمهم أن يصابروهم، ويجوز أن يفروا. القرآن ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ [البقرة: ٤١] التفسير: وآمنوا- يا بني إسرائيل- بالقرآن الذي أنزَلْتُه على محمد نبي الله ورسوله، موافقًا لما تعلمونه من صحيح التوراة، ولا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر به، ولا تستبدلوا بآياتي ثمنًا قليلا من حطام الدنيا الزائل، وإياي وحدي خافوني في ذلك فاعملوا بطاعتي واتركوا معصيتي. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: "أنها أنلت في يهود يثرب" (١). قاله أبو سنان. والثاني: أنها: "نزلت في قريظة، وكانوا أول من كفر من اليهود بمحمد، وتبعهم يهود فدك (٢) وخيبر" (٣). نقله الكلبي عن ابن عباس. قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١]، أي: وصدّقوا بالذي أنزل على محمد ﷺ من القرآن (٤).

стр. 473

قال ابن عثيمين: " هو القرآن أنزله الله على محمد ﷺ " (١). قال مجاهد: " ﴿بما أنزلت﴾، القرآن" (٢). وقال الثعلبي: " يعني التوراة في التوحيد والنبوّة والأخبار، وبعض الشرائع نزلت في كعب وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم" (٣). قال السعدي: " وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ، فأمرهم بالإيمان به، واتباعه، ويستلزم ذلك، الإيمان بمن أنزل عليه" (٤). قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١]، أي: " مصدقاً لما ذُكر في التوراة" (٥). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: في قوله: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾، يقول: "يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم، يقول: لأنهم يجدون محمدا مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل" (٦). وروي عن الربيع بن أنس، وقتادة، نحو ذلك (٧). وقال مجاهد: "لما معكم، الإنجيل" (٨). قال السعدي: " أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب، غير مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به، لأنه جاء بما جاءت به المرسلون، فأنتم أولى من آمن به وصدق به، لكونكم أهل الكتب والعلم" (٩). وذكر أهل العلم بأن تصديق القرآن لما معهم، يكون من وجهين (١٠): الوجه الأول: أنه وقع مطابقاً لما أخبرت التوراة، والإنجيل به. والوجه الثاني: أنه قد شهد لهما بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة، وأنزل الإنجيل. قال ابن عثيمين: "وهذه شهادة لهما بأنهما صدق.؛ وكذلك التوراة، والإنجيل قد ذُكر فيهما من أوصاف القرآن، ومن أوصاف محمد ﷺ حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فإذا وقع الأمر كما ذُكر فيهما صار ذلك تصديقاً لهما؛ ولهذا لو حدثتك بحديث، فقلت أنت: "صدقتَ"، ثم وقع ما حدثتك به مشهوداً تشاهده بعينك؛ صار الوقوع هذا تصديقاً أيضاً" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، " أي أول من كفر به" (١٢). قال بعض المفسرين: أي: "ولا تكونوا أول فريق كافر به" (١٣)، أو "أول حزب أو فوج كافر به، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به" (١٤). قال ابن عباس: " ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم" (١٥).

стр. 474

وقال أبو العالية: " لا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ " (١). وروي عن الحسن والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك (٢). قال الثعلبي: " يعني: أوّل من يكفر بالقرآن وقد بايعتنا اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم" (٣). قال البغوي: " أي: بالقرآن يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤا بآثامكم وآثامهم" (٤). قال المراغي: " أي: ولا تسارعوا إلى الكفر به، مع أن الأجدر بكم أن تكونوا أوّل من يؤمن به" (٥). قال ابن عثيمين: " يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به؛ ولا يعني ذلك: كونوا ثاني كافر! " (٦). قال البيضاوي: " بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه. وأَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وقع خبراً عن ضمير الجمع بتقدير: أول فريق أو فوج، أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به" (٧). قال ابن عطية: " وقد كان كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، لأنهم حجة مظنون بهم علم" (٨). قال الجصاص: " وإن كان الكفر قبيحا من الأول والآخر منهيا عنه الجميع أن السابق إلى الكفر يقتدي به غيره فيكون أعظم لمأثمه وجرمه كقوله تعالى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقوله ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] " (٩). قال الواحدي: " وإنما قيل لهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع، فإن قيل: ما في ﴿أن تكونوا أول كافر به﴾، من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم" (١٠). قال السعدي: " وفي قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أبلغ من قوله: ﴿ولا تكفروا به﴾ لأنهم إذا كانوا أول كافر به، كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به، عكس ما ينبغي منهم، وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم" (١١). وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، : اختلف في الضمير (به) على وجوه: أحدها: أنه عائد إلى القرآن، والمعنى: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن وحقكم أن تؤمنوا به. وهو اختيار الإمام الطبري، إذ يقول: والهاء التي في (به) من ذكر (ما) التي مع قوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ " (١٢). والثاني: أنه عائد على محمد ﷺ ، وهو اختيار أبي العالية-﵀ (١٣). والثالث: وقيل: يعني (بكتابكم) أي التوراة والإنجيل، "ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد ﷺ تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد ﷺ " (١٤).

стр. 475

قلت: كلا القولين الأول والثاني صحيحان، لأنهما متلازمان، فكل "من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي﴾ [البقرة: ٤١]، "أي لا تستبدلوا بآياتي البينات التي أنزلتها عليكم" (٢). قال سعيد بن جبير: " إن آياته: كتابه، الذي أنزل إليهم" (٣). قال السدي: " يقول: لا تأخذوا طمعا قليلا وتكتموا اسم الله، فذلك الطمع وهو الثمن" (٤). قال الثعلبي: " أي ببيان صفة محمد ونعته" (٥). قال ابن كثير: "أي: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية" (٦). قال المراغي: " أي ولا تعرضوا عن التصديق بالنبي ﷺ وما جاء به وتستبدلوا بهدايته" (٧). قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، أي: "شيئا يسيرا" (٨). قال سعيد بن جبير: " إن الثمن القليل، هو الدنيا وشهواتها" (٩). قال الصابوني: أي: " حطام الدنيا الفانية" (١٠). وقال الحسن: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها" (١١). واختلف أهل التفسير في (الثمن) الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، على أقوال (١٢): أحدها: أن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنهوا عن ذلك وفي كتبهم: علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة. قاله أبو العالية (١٣). والثاني: أنه كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالراتب، فنهوا عن ذلك. قاله الثعلبي (١٤). والثالث: إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير قصة محمد ﵇ في التوراة، ففي ذلك قال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [البقرة: ٤١، المائدة: ٤٤]. والرابع: معنى الآية ولا تشتروا بأوامري ونواهيّ وآياتي ثمنا قليلا، يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له. قال السعدي: " ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾، وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل، التي يتوهمون انقطاعها، إن آمنوا بالله ورسوله، فاشتروها بآيات الله واستحبوها، وآثروها" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]، " أي لا تتقوا إلا إياي" (١٦).

стр. 476

قال الثعلبي: أي: " فاخشوني في أمر محمد لا فيما يفوتكم من الرياسة والمأكل" (١). قال الصابوني: " أي خافون دون غيري" (٢). و(التقوى) هو: "اتخاذ وقاية من عذاب الله ، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٣). قال طلق بن حبيب: "التقوى، أن يعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن يترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله" (٤). قال الراغب: " وإنما ذكر في الآية الأولى. (فارهبون) وفي الآية الآخرى (فاتقون)، لأن الرهبة دون التقوى، فحينما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم، وحثهم على ذكر نعمة التي يشركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي مبادئ التقوى، وحينما خاطب العلماء منهم، وحثهم على مراعاة آياته والتنبه لما يأتي به أولوا العزم من الرسل، أمرهم بالتوقى التي هي منتهى الطاعة" (٥). وقال ابن عثيمين: " في الآية الأولى: ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠]، أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها عصياناً؛ وفي هذه الآية: ﴿وإياي فاتقون﴾ [البقرة: ٤١]، أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها لا في الأمر، ولا في النهي" (٦). قال ابن عطية: " وبين «اتقون» و «ارهبون» فرق، ان الرهبة مقرون بها وعيد بالغ" (٧). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم﴾. ٢ ومنها: أن الكافر مخاطب بالإسلام؛ وهذا مجمع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟ الجواب: فيه تفصيل؛ إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولاً، ثم يفعلها ثانياً؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (٨). إذاً هم لا يخاطبون بالفعل. يعني لا يقال: افعلوا.؛ فلا نقول للكافر: تعال صلِّ؛ بل نأمره أولاً بالإسلام؛ وإن أردت بالمخاطبة أنهم يعاقبون عليها إذا ماتوا على الكفر فهذا صحيح؛ ولهذا يقال للمجرمين: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ [المدثر: ٧٢. ٤٧] يعني هذا دأبهم حتى ماتوا؛ ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم: ﴿لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٣. ٤٤] عبثاً لا فائدة منه، ولا تأثير له. ٣ ومن فوائد الآية: أن من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ففيه شبه من اليهود؛ فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه باليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ : "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد

стр. 477

عَرْفَ الجنة يوم القيامة" (١) يعنى ريحها؛ وحينئذ يشكل على كثير من الطلبة من يدخل الجامعات لنيل الشهادة: هل يكون ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؟ والجواب: أن ذلك حسب النية؛ إذا كان الإنسان لا يريد الشهادة إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وأما إذا كان يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكاناً ينفع به المسلمين فهذا لم يشتر بآيات الله ثمناً قليلاً؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزن بما معه من بطاقة الشهادة. ٤ ومن فوائد الآية: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. ٥ ومنها: أن شرائع الله من آياته لما تضمنته من العدل، والإصلاح. بخلاف ما يسنُّه البشر من الأنظمة والقوانين فإنه ناقص: أولاً: لنقص علم البشر، وعدم إحاطتهم بما يُصلح الخلق. ثانياً: لخفاء المصالح عليهم: فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة؛ وبالعكس. ثالثاً: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام، أو القانون من أذكى الناس، وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود في زمانه، وفي مكانه؛ أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير: قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا، وكذا؛ وفي زمن آخر خلافه؛ وفي المكان أيضاً قد يكون هذا التشريع الذي سنه البشر مناسباً لأحوال هؤلاء الأمة في مكانهم؛ ولكن في أمة أخرى لا يصلح؛ ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية، أو الشرقية، وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن الواجب تحكيم الكتاب، والسنة؛ والعجب أن بعض الناس. نسأل الله العافية. تجدهم قد مشوا على قوانين شرعت من عشرات السنين، أو مئاتها، وأهلها الذين شرعوها قد عدلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن ترمى في الزبالة؛ وهذا شيء واضح: هناك قوانين شرعت لقوم كفار، ثم تغيرت الحال، فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة، وصاروا يتمشمشونها. ٦. ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله ، وإفراده بالتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وإياي فاتقون﴾. فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي أشياء أخرى، كقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]؟ فالجواب: بلى، ولكن اتقاء هذه الأمور من تقوى الله . فلا منافاة. القرآن ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢] التفسير: ولا تخلِطوا الحق الذي بيَّنته لكم بالباطل الذي افتريتموه، واحذروا كتمان الحق الصريح من صفة نبي الله ورسوله محمد ﷺ التي في كتبكم، وأنتم تعلمون أنه الحق وتجدونها مكتوبة عندكم، فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. قوله تعالى ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، " أي لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه" (٢). قال الثعلبي: " أي خلطت وشبهت الحقّ الذي أنزل إليكم من صفة محمد ﷺ " (٣).

стр. 478

قال ابن عثيمين: " أي لا تمزجوا بينهما حتى يشتبه الحق بالباطل؛ فهم كانوا يأتون بشبهات تُشَبِّه على الناس؛ فيقولون مثلاً: محمد حق، لكنه رسول الأميين لا جميع الناس" (١). وفي قوله: ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، ثلاثة أوجه: أحدها: لا تخلطوا الصدق بالكذب، وهو قول ابن عباس (٢). والثاني: اليهودية والنصرانية بالإسلام، وهو قول مجاهد (٣). والثالث: الحقُّ: التوراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى، والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم. وهو قول ابن زيد (٤). و(اللبس): هو الخلط، لبست عليه الأمر ألبسه، إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله قال الله تعالى ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] (٥)، ومنه ومنه قول العجاج (٦): لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي ... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي فقوله (لبسن) أي: خلطْن. ومن ذلك قول الخنساء (٧): ترى الجليس يقول الحق تحسبه ... رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدق مقالته واحذر عداوته ... والبس عليه أمورا مثل ما لبسا وأما (اللُّبس) -بضم اللام- فإنه يقال منه: لبِسْته ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا، وذلك الكسوةُ يكتسيها فيلبسها، ومنه قول الأخطل (٨): لَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ ... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ واشْتَعَلا وتجدر الإشارة بأن كلمة (اللباس) جاءت في القرآن على ثلاثة أوجه هي: الأول: اللباس المعروف، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، وفي موضع آخر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣]، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]. والثاني: السكن: ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]. والثالث: العمل الصالح: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. و(الباطل) في كلام العرب: خلاف الحق (٩)، ومعناه الزائل، قال لبيد (١٠):

стр. 479

أَلا كُلُّ شَيْء مَا خَلا الله بَاطِلُ ... وكل نعيم لا محالة زائل قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، أي: "ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه" (١). قال ابن كثير: " أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به" (٢). قال المراغي: " فالنهى الأوّل عن التغيير، والنهى الثاني عن الكتمان وقد أبانت الآية طريقهم في الغواية والإغواء (٣). وقيل: " ويجوز صرف الخطاب إلى المسلمين وإلى كل صنف منهم، وبيانه أن يقال: أيها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجوز، ويا أيها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة، وهكذا كل فريق" (٤). قلت: هذا الوجه وإن كان معناه صحيحاً، إلا أنه بعيد عن ظاهر القرآن، وفيه تكلف لسنا بحاجة إليه، والله أعلم. وقوله ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، فيه وجهان من التفسير (٥): أحدهما: يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل، فيكون معنى الآية حينئذ: ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق. وهذا مذهب ابن عباس-﵁ (٦). والثاني: أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل، ويكون قوله: " وتكتموا الحق " خبرًا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه، ونظيرُ ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر (٧):

стр. 480

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ وهذا مذهب أبي العالية (١)، ومجاهد (٢). و(الواو) في قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] تحتمل وجهين (٣): أحدهما: أنها عاطفة. والمعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق؛ فتكون الجملتان منفرداً بعضهما عن بعض. والثاني: أنها واو المعية. فيكون النهي عن الجمع بينهما؛ والمعنى: ولا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق. قال ابن عثيمين: "لكن على هذا التقدير [أي الواو المعية]، يبقى إشكال: وهو أن قوله تعالى: ﴿لا تلبسوا الحق بالباطل﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق، والباطل؛ فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبسوه بالباطل، فيبقى خفيا" (٤). وفي (الحق) الذي كتموه، ثلاثة أوجه (٥): أحدها: أنه أمر محمد- ﷺ . قاله ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والسدي (٨)، وأبو العالية (٩)، وروي عن الربيع بن أنس (١٠)، مثل ذلك. والثاني: أنه الإسلام. قاله الحسن (١١)، وقتادة (١٢). والثالث: أن يكون الحق عامًّا، فيندرج فيه أمر رسول الله ﷺ والقرآن، وما جاء به ﷺ . قال أبو حيان: " وكتمانه، أنهم كانوا يعلمون ذلك ويظهرون خلافه" (١٣). وقرأ عبد الله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (١٤)، وذلك في احتمال الجواب والعطف (١٥). وقال الراغب: " ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ أخص من قوله: ﴿تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، لأن اللبس هو الخلط بغيره، والكتمان إخفاؤه جملة" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]، أي: " والحال أنكم تعلمون صنيعكم" (١٧). قال ابن كثير: " وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم" (١٨). قال أبو حيان: أي: "وأنتم من ذوي العلم، فلا يناسب من كان عالماً أن يكتم الحق ويلبسه بالباطل" (١٩). وقال ابن عباس: " أي: أنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم" (٢٠).

стр. 481

وقال قتادة: " وهم يعلمون أنه رسول الله" (١). قال الراغب: " وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعظيم لارتكاب الذنب، فإنه مع العلم بقبحة لأعظم عقوبة. وفي الآية حث على تجنب الشر والنهي عن كل تلبيس وتمويه وإن كانت الآية واردة فيمن آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا بالبعض، وجحدوا صفة النبي ﷺ " (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: وجوب بيان الحق، وتمييزه عن الباطل؛ فيقال: هذا حق، وهذا باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾؛ ومن لبْس الحق بالباطل: أولئك القوم الذين يوردون الشبهات إما على القرآن، أو على أحكام القرآن، ثم يزيلون الإشكال. مع أن إيراد الشبه إذا لم تكن قريبة لا ينبغي. ولو أزيلت هذه الشبهة؛ فإن الشيطان إذا أوقع الشبهة في القلب فقد تستقر فيه. وإن ذكِر ما يزيلها .. ٢ ومن فوائد الآية: أنه ليس هناك إلا حق، وباطل؛ وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت الأمر كذلك؛ قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدًى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال النبي ﷺ "القرآن حجة لك أو عليك" (٣). فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب، والمحرم؛ وبين المكروه، والمندوب. وهو المباح.؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا؛ لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء؛ فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل كما جاء في الحديث: "كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا لعبه في رمحه، ومع أهله، وفي فرسه" (٤)؛ وهذه الأشياء الثلاثة إنما استثنيت؛ لأنها مصلحة. كلها تعود إلى مصلحة .. ٣ ومن فوائد الآية: تحريم كتمان الحق؛ لقوله تعالى: ﴿وتكتموا﴾؛ ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟ الجواب: نعم، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال؛ وطلب بلسان الحال؛ فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا، وكذا: فهذا طلب بلسان المقال؛ وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرم: فبيانه مطلوب بلسان الحال؛ وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر، ولا ينتظر حتى يُسأل؛ وإذا سئل ولم يُجب لكونه لا يعلم فلا إثم عليه؛ بل هذا هو الواجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٢٣]. هذه واحدة. ثانياً: إذا رأى من المصلحة ألا يبين فلا بأس أن يكتم كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: "حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ! " (٥)؛ وقال ابن مسعود: "إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (٦)؛ فإذا رأيت من المصلحة ألا تبين فلا تبين ولا لوم عليك. ثالثاً: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص، أو ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض. وأنت تعلم هذا.: فلك أن تمتنع؛ الامتحان أن يأتي إليك، وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها، أو لا؛ أو يريد أن يأخذ منك كلاماً ليشي به إلى أحد، وينقله إلى أحد: فلك أن تمتنع؛ كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيأتي يسألك يقول: سألت فلاناً، وقال: هذا حرام. وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهلاً: فحينئذٍ لك أن تمتنع عن إفتائه؛ أما إذا كان المسؤول رجلاً تعرف أنه ليس

стр. 482

عنده علم. إما من عامة الناس، أو من طلبة العلم الذين لم يبلغوا أن يكونوا من أهل الفتوى: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأنه لا حرمة لفتوى من أفتاه؛ أما لو قال لك: أنا سألت فلاناً، ولكني كنت أطلبك، ولم أجدك، وللضرورة سألت فلاناً؛ لكن لما جاء الله بك الآن أفتني: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك؛ وخلاصة القول أنه لا يجب عليك الإفتاء إلا إذا كان المستفتي مسترشداً؛ لأن كتمان الحق لا يتحقق إلا بعد الطلب بلسان الحال، أو بلسان المقال. القرآن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣] التفسير: وادخلوا في دين الإسلام: بأن تقيموا الصلاة على الوجه الصحيح، كما جاء بها نبي الله ورسوله محمد ﷺ ، وتؤدوا الزكاة المفروضة على الوجه المشروع، وتصلوا مع المصلين من أمته ﷺ . في سبب نزولها: "ذُكِر أن أحبارَ اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه، فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدِّقين بمحمد وبما جاء به، وإيتاء زكاة أموالهم معهم، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا" (١). وأخرج الطبري عن قتادة، في قوله: ﴿وأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة﴾، قال: فريضتان واجبتان، فأدُّوهما إلى الله" (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، "أي ائتوا بها مستقيمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها" (٣). قال مقاتل بن حيان: "قوله لأهل الكتاب ﴿أقيموا الصلاة﴾، أمرهم أن يصلوا مع النبي- ﷺ " (٤). وكذا فسّره ابن كثير (٥). قال الثعلبي: " أي: "وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها" (٦). قال ابن عطية: " معناه: أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها" (٧). قال الزمخشري: " يعنى صلاة المسلمين. لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم" (٨). قال ابن عثيمين: " وهذا كما أمر الله تعالى به بني إسرائيل، أمر به هذه الأمة، و ﴿الصلاة﴾ هنا تشمل الفريضة، والنافلة" (٩). وأخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن في قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة" (١٠). وروي عن عطاء بن أبي رباح وقتادة نحو ذلك (١١). وقال الزهري: "إقامتها أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها" (١٢). و(إقامة الصلاة): "أداؤها - بحدودها وفروضها والواجب فيها - على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها" (١٣)، وكما قال الشاعر (١٤):

стр. 483

أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، "يعني: وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة" (١). قال الطبري: " وإيتاءُ الزكاة، هو أداء الصدقة المفروضة" (٢). قال ابن عثميمين: " أي أعطوا الزكاة" (٣). قال مقاتل بن حيان: " قوله لأهل الكتاب: ﴿وآتوا الزكاة﴾، أمرهم أن يؤتوا الزكاة، يدفعونها إلى النبي ﷺ " (٤). وكذا فسّره ابن كثير (٥). وتعددت أقوال أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، على ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد: هو أداء الصدقة المفروضة. وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. والثاني: وقيل: أن المراد: صدقة الفطر. قاله الحارث العكلي (٦). والثالث: أن المراد بـ"الزكاة طاعة لله والإخلاص". قاله ابن عباس (٧). والراجح- والله أعلم- هو القول الأول، وأما الوجهان الآخران، فلا يخفى ما فيهما من التكلف، مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة. والله أعلم. واختلف في أصل (الزَّكاة) على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مأخوذة من: زكا الشيء، إذا نما وزاد، قال الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل عن بركة الله تعالى (٨). قال ابن عطية: "وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه، من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي" (٩). الثاني: أن (الزَّكاةَ) مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال (١٠). قال ابن عطية: فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس (١١) " (١٢). واختار الطبري هذا الوجه، قائلا: " وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان (١٣)، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى

стр. 484

صلوات الله عليه: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً) [سورة الكهف: ٧٤]، يعني بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال للرجل: هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى، وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها" (١). وقال ابن الأثير: وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح فالزكاة طهرة للأموال وزكاة الفطر طهرة للأبدان (٢). قلت: وكل ذلك صحيح في معنى التسمية فهي تزكي وتنمي المعطي والمعطى والمال الذي أخرجت منه. والثالث: وقيل زكا الفَرْدُ، إذا صارَ زَوْجًا، بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفْعًا. قال الواحدي: "والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين اثنين: زكا، قيل لهما: زكا، لأن الاثنين أكثر من الواحد" (٣)، ثم استشهد بقول الشاعر (٤): إِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا ومنه قول الشاعر (٥): كَانُوا خَسًا أو زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ ... لَمْ يُخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلجُ وقال آخر (٦): فَلا خَسًا عَدِيدُهُ وَلا زَكا ... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا والسفا شوك البُهْمَى، والبُهْمى الذي يكون مُدَوَّرًا في السُّلاء، ويعني بقوله: (ولا زكا)، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ، بحدوثه فيهم (٧). قال الواحدي: "والأظهر أن أصلها من الزيادة" (٨)، ثم استشهد بقول النابغة (٩): وَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ لَكَ الزَّكاءُ أراد بالزكاء: الزيادة (١٠). والزكاة شرعًا: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص (١١). قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، " أي صلوا مع المصلين" (١٢). روي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿واركعوا﴾، قال: "صلوا" (١٣). وقال مقاتل بن حيان: " أمرهم أن يركعوا مع الراكعين، مع أمة محمد يقول: كونوا منهم ومعهم" (١٤). قال الثعلبي: "يعني وصلّوا مع المصلين محمّد وأصحابه" (١٥).

стр. 485

قال البيضاوي: " أي في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس" (١). قال ابن عطية: " وقالت فرقة: إنما قال ﴿مَعَ﴾، لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله ﴿مَعَ﴾، بشهود الجماعة" (٢). قال الواحدي: " عبّر بالركوع عن جميع الصلاة، إذ كان ركناً من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد في قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] " (٣). وذكر أهل العلم في أصل (الركوع) قولين (٤): أحدهما: أنه مأخوذ من المذلَّة والخضوع، وهو قول الأصمعي والمفضل، قال الأضبطُ بنُ قريع السَّعْدِيُّ (٥): لا تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ و(الرُّكوع): هو الخضوع لله بالطاعة، يقال منه: ركع فلانٌ لكذا وكذا، إذا خضع له (٦)، ومنه قول الشاعر (٧): بِيعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا ... مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا قوله: (بعد ما ركعا) أي: بعد مَا خضَع من شِدَّة الجهْد والحاجة. الثاني: أنه مأخوذ من التطامن والانحناء، وهو قول الخليل، وابن زيدٍ. فقال أهل اللغة: "وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى من الكبر: قد ركع، قال لبيد (٨): أُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرُونِ التِي مَضَتْ ... أَدِبُّ كَأَني كُلَّما قُمْتُ رَاكِعُ فالراكع: المنحني في قول لبيد، وقال آخر (٩):

стр. 486

وَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى ... أَظلتها وَترْكَعُ بِالْحُزُون أي تنكب لوجوهها" (١). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وجهين (٢): أحدهما: أنه أراد جملة الصلاة، فعبر عنها بالركوع، كما يقول الإنسان: فَرَعْتُ من ركوعي، أي من صلاتي. والثاني: أنه أراد الركوع الذي في الصلاة، لأنه لم يكن في صلاة أهل الكتاب ركوعٌ (٣).، فأَمَرَهُم بما لا يفعلونه في صلاتهم. وأجمَعوا على أن الركوع والسجود في الصلاة فرضان (٤)، قال ابن المنذر: "وأجمَعوا على أن القادر لا تُجزئه الصلاة إلا أن يركع أو يسجد" (٥). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعاً كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوعاً؛ وقد دلّ على ذلك أيضاً قول الله تعالى لمريم: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع، وسجود. ٢ ومنها: أن الأمم السابقة عليهم زكاة؛ لأنه لابد من الامتحان بالزكاة؛ فإن من الناس من يكون بخيلاً. بذل الدرهم عليه أشد من شيء كثير.؛ فيُمتحَن العباد بإيتاء الزكاة، وبذلِ شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم؛ ولهذا سميت الزكاة صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها. ٣ ومنها: الإجمال في موضع، وتبيينه في موضع آخر؛ لقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) ولم يبين مقدار الواجب، ولا من يدفع إليه، ولا الأموال التي فيها الزكاة؛ لكن هذه الأشياء مبينة في موضع آخر؛ إذ لا يتم الامتثال إلا ببيانها. ٤ ومنها: جواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كان هذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) ٥ ومنها: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾؛ هكذا استدل بها بعض العلماء؛ ولكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل؛ ولهذا قيل لمريم: ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾: والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذاً لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة؛ ولكن. الحمد لله. وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة ﵃. القرآن ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤] التفسير: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير، وتتركوا أنفسكم فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله. في سبب نزول الآية قولان (٦):

стр. 487

أحدهما: عن قتادة، أن الآية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، نزلت في بني اسرائيل، إذ "كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله (١). وروي عن ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وابن جريج (٤)، نحو ذلك. والثاني: قال ابن زيد: " هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]، أي: " أتأمرون الناس بطاعة الله" (٦). قال الثعلبي: البر: "الطاعة والعمل الصالح" (٧). قال ابن عطية: البر: " يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر" (٨). قال السعدي: البر: " أي: بالإيمان والخير" (٩). قال أبو حيان: " الهمزة: للاستفهام وضعاً، وشابها هنا التوبيخ والتقريع لأن المعنى: الإنكار، وعليهم توبيخهم على أن يأمر الشخص بخير، ويترك نفسه ونظيره في النهي، قول أبي الأسود (١٠): لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ وقول الآخر (١١): وابدأ بِنَفسِكَ فانَهها عَن غِيِّها فَإن انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ فيقبح في العقول أن يأمر الإنسان بخير وهو لا يأتيه، وأن ينهى عن سوء وهو يفعله" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، أي: "وتتركون أنفسكم" (١٣). قال ابن عباس: " أي: تتركون أنفسكم" (١٤). قال ابن عطية: "بمعنى تتركون، كما قال الله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] " (١٥). قال البيضاوي: أي: "وتتركونها من البر كالمنسيات" (١٦). قال الطبري: " وتتركون أنفسكم تعصيه؟ . ومعنى " نسيانهم أنفسهم " في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه" (١٧). قال السعدي: " أي: تتركونها عن أمرها بذلك" (١٨). أي الإيمان والخير.

стр. 488

واختلف أهل التفسير في معنى (البر) في هه الآية على ثلاثة أقوال (١): أحدها: أن (البِرِّ)، هو عهد الله إلى بني اسرائيل في تصديق الرسول محمد ﷺ والدخول في الإسلام. إذ كان أهل الكتاب يأمرون الناس بالتمسك بكتاب ربهم، ويتركونه بجحود ما فيه من نبوَّة محمدٍ ﷺ ، وهو قول ابن عباس (٢) ﵁. والثاني: أن (البِرِّ)، هو طاعة الله وتقواه، إذ كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر والصوم والصلاة، وهم يعصونه. والسدي (٣)، وقتادة (٤)، وابن جريج (٥). والعرب قد يعبر بالبر عن الطاعة، قال الشاعِرُ: لاهُمَّ إِنَّ آلَ بَكْرٍ دُونَكَا ... يَبرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا أي يُطِيعونك. والثالث: أن (البِرِّ)، هو الأمر بالحق لدى اليهود، إذ كان هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق، فنزلت الآية. روي ذلك عن ابن زيد (٦). قلت: وجميع هذه الأقوال صحيحة، وإن اختلف أهل التفسير في صفة (البر) الذي كان القوم يأمرون به غيرهم، لكنه لا خلاف بينهم على أن اليهود كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل، "وهم لا يفعلونه" (٧). وتجدر الإشارة بأن كلمة (البر) وردت في القرآن على وجوه (٨): أحدها: (البَرّ) - بالفتح – خلاف البحر، قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨]، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣]، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]. والثاني: (البِرّ) – بالكسر – الإحسان – ويظهر فيه التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة، والبر في الصدق، لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بر في قوله، وبر في يمينه، وقول الشاعر (٩): أكون مكان البر منه ودونه ... وأجعل مالي دونه وأوامره قيل: أردا به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدم، أي: يحبني محبة البر. ويقال: بر أباه فهو بار وبر مثل: صائف وصيف، وطائف وطيف، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. وبر في يمينه فهو بار، وأبررته، وبرت يميني، وحج مبرور أي: مقبول، وجمع البار: أبرار وبررة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ

стр. 489

لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، وقال في صفة الملائكة: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦]، فبررة خص بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار، فإنه جمع بر، وأبرار جمع بار، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلا أبلغ من عادل (١). والثالث: (البُرّ) – بالضم – الحب المعروف في الغذاء (القمح) لأنه أوسع ما يحتاج إليه في الغذا، والبرير خص بثمر الأراك ونحوه، وقولهم: لا يعرف الهر من البر (انظر مجمع الأمثال ٢/ ٢٦٩)، من هذا. وقيل: هما حكايتا الصوت. والصحيح أن معناه لا يعرف من يبره ومن يسيء إليه. والرابع: (البَرُّ) – بالفتح – من أسماء الله تعالى، أي فاعل البر وهو المحسن، والبر الذي بصدد الحديث عنه هنا هو البِرّ: بكسر الباء – مصدر مأخوذ من (ب رر) وهو في الأصل اسم لما يحصل به للمبرور النفع كما يطلق البر على الصلاح، الخير، الإحسان، الصدق الطاعة، الصلة، التقوى، الجنة، صلة الأرحام، حسن الخلق. وقد ذكر أهل التفسير أن (البر) في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: البر: الصلة قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. والثاني: (البر): الطاعة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. والثالث: (البر): التقوى قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] ومما جاء في بيان أوجه البر في السنة قوله ﷺ : - "البر: حسن الخلق" (٢). - "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٣) أي الذي لا يخالطه شيء من المآثم. -"البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب" (٤). وبهذا نعلم أن (البر) في اللغة يطلق على كل اسم جامع للخير. وقد اختلف العلماء في تعريف البر الاصطلاحي اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد فمنهم من قال: البر: الصلاح، ومنهم من قال: البر: الخير، ومنهم من قال: البر: خير الدنيا والآخرة، ومنهم من قال: البر: سعة الإحسان والخير الكامل، لكن أجمع تعريف له من قال البر كلمة جامعة لكل أصناف الخير، فالبر في الاصطلاح: هو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من صالح الأعمال وفاضل الأخلاق (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤]، أي وأنتم: "تقرؤون التوراة" (٦). قال الواحدي: " أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد ﷺ ونعته" (٧). قال البيضاوي: " أي تتلون التوراة، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل (٨).

стр. 490

قال ابن عثيمين: " والجملة هنا حالية. أي والحال أنكم تتلون الكتاب.؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك ﴿تنسون أنفسكم﴾ أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر" (١). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وجهين (٢): أحدهما: معناه: وأنتم تدرسون وتقرءون الكتاب وهو التوراة. قاله ابن عباس (٣). والثاني: ويحتمل أن يكون المعنى: وأنتم: تتبعون الكتاب، أي في الاقتداء به. قال ابن عطية: والتوراة " تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة" (٤). قوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]، " يعني: أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم، وضلالكم.؟ ! " (٥). قال ابن عباس: "يقول: أفلا تفهمون؟ فنهاهم عن هذا الخلق القبيح" (٦). قال الثعلبي: "أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم" (٧). قال البيضاوي: ﴿أفلا تعقلون﴾ " قبحَ صنيعكم، فيصدكم عنه، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته" (٨). قال الزمخشري: "توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه. ونحوه ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] " (٩). روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: ﴿أفلا تعقلون﴾، : قال: "أفلا تتفكرون" (١٠). قال ابن عطية: " والعقل: الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير، أي يمنعه من التصرف، ومنه المعقل أي موضع الامتناع" (١١). قال ابن عثيمين: " و "العقل" هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك الذي يناط به التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف. وهو إدراك الأشياء، وفهمها.؛ وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرها؛ وعقل الرشد. وهو أن يحسن الإنسان التصرف.؛ وسمي إحسان التصرف عقلاً؛ لأن الإنسان عَقَل تصرفه فيما ينفعه" (١٢). قال الراغب: " وقد اتبع الله ذمهم بحكمين حقق غيهم أحدهما، قوله: ﴿وانتم تتلون) أي: تتدبرون التوراة، والثاني: قوله: (أفلا تعلقون) - تنبيهاً - أن الجامع للعقل ومتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله، فذلك منبئ عن الجهل" (١٣). والعَقْل: "يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عَقْلٌ. وإلى الأوّل أشار ﷺ بقوله: «ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل» (١٤)، وإلى الثاني أشار بقوله: «ما

стр. 491

كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرّدّه عن ردى» (١)، وهذا العقل هو المعنيّ بقوله: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]، وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل، نحو: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]، إلى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، ونحو ذلك من الآيات، وكلّ موضع رفع فيه التّكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل. وأصل العَقْل: الإمساك والاستمساك" (٢). والعقل أصله: المنع (٣)، وعقل الإنسان هو "تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلاً لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه، ومن هذا سميت الدية عقلاً لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل الجاني، أي منعته" (٤). وقال السعدي: " وهذه الآية، وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة" (٥). وقد روى أحمد وغيره عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب " (٦). قال القرطبي: فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك؛ لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه ; قال رسول الله ﷺ : " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه " (٧) " (٨). الفوائد: ١ من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي ﷺ "أنه يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابه". و"الأقتاب" هي الأمعاء. "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (٩)؛ فهو من أشد الناس عذاباً. والعياذ بالله .. فإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه: "لا تأمر، ولا تنهَ"؟

стр. 492

فالجواب: نقول: لا، بل مُرْ، وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فِعلَه ارتكب جنايتين: الأولى: ترك الأمر بالمعروف؛ والثانية: عدم قيامه بما أمر به؛ وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه، ولم يَنْهَ عنه فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترك النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابه للمنكر. ثم نقول: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكراً لم يَنهَ أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بمعروف؛ ولهذا نقول: مُرْ بالمعروف، وجاهد نفسك على فعله، وانْهَ عن المنكر، وجاهد نفسك على تركه. ٢ ومن فوائد الآية: توبيخ العالم المخالف لما يأمر به، أو لما ينهى عنه؛ وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالاً من الجاهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾؛ وهذا أمر فُطر الناس عليه. أن العالم إذا خالف صار أشد لوماً من الجاهل.؛ حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكراً قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟ ! أو إذا ترك واجباً قالوا: كيف تترك هذا وأنت عالم؟ ! . ٣ ومن فوائد الآية: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾. ٤ ومنها: أن من أمر بمعروف، ولم يفعله؛ أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه باليهود؛ لأن هذا دأبهم. والعياذ بالله .. القرآن ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] التفسير: واستعينوا في أموركم كلها بالصبر، وكذلك الصلاة، وإنها لشاقة ثقيلة إلا على الخاشعين الذليلين لأمر الله. قوله تعالى: ﴿﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، "أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة" (١). قال ابن جريج: " إنهما معونتان على رحمة الله" (٢). قال الطبري: أي: " استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم - من طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد ﷺ بالصبر عليه والصلاة" (٣). قال الواحدي: " استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة" (٤). قال النسفي: أي: استعينوا على حوائجكم إلى الله، بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها" (٥). قال الجصاص: " ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة" (٦). قال الراغب: وخصها [أي الصلاة] برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر" (٧).

стр. 493

وقال المفسرون وأصحاب المعاني: "إن جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] " (١). واختلف أهل التفسير في معنى (الصبر) في هذه الآية على قولين (٢): أحدهما: أن الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو المعنى المشهور للصبر، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: "اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر" (٣)، أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، وكذلك لو حبسَ رجل نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي (٤)، قال عنترة (٥): فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ والثاني: أن المراد به هنا: الصوم. قاله مجاهد (٦)، والصوم بعض معاني الصبر، ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث (٧). والأول هو الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم (٨). و(الصبر): "حبس النفس على ما تكره ومنعها محابّها وكفها عن هواها (٩)، والصبر لغة: الحبس، يقال قتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها، قال الحطيئة (١٠): قُلْتُ لها أَصْبِرُها جاهِداً: ... وَيْحَك، أَمْثالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة، قال عنترة يذكر حربا كان فيها (١١): فَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً ... تَرْسُو، إِذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ يقول: حَبَست نفساً صابِرة. قال أَبو عبيد: يقول إِنه حَبَس نفسَه (١٢).

стр. 494

وقال الراغب، الصبر ضربان: "صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة " (١). وفي الآية قدّم الصبر على الصلاة "لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة" (٢). و(الاستعانة) هي "طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة" (٣). وفي الصبر المأمور به، قولان (٤): أحدهما: أنه الصبرُ على طاعته ومرضاته، والكف عن معصيته. قاله أبو العالية (٥). والثاني: أنه الصوم، وهو قول مجاهد، وقد كان النبيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة والصيام (٦). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، "أي وإن الصلاة لشاقة صعبة الاحتمال إلا على المخبتين لله الخائفين من شديد عقابه" (٧). أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، في تفسير قوله تعالى ﴿لكبيرة﴾، قال: "لثقيلة" (٨). وروي عن مجاهد في قوله: ﴿وإنها لكبيرة﴾، قال: الصلاة" (٩). واختلف في عود الضمير ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]، على أقوال (١٠): أحدها: أنه يعود على ﴿الصلاة﴾؛ وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد (١١) والجمهور، واختاره الطبري، وأبو حيان وابن كثير والعكبري والقاسمي وغيرهم (١٢). واحتجوا بوجهين: الوجه الأول: لأن (الصلاة) أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع. والوجه الثاني: وقالوا: خصصت الصلاة بذلك لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر. قال الثعلبي: "لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولم يقل يرضوهما لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله، وقال الشاعر وهو حسّان (١٣): إنّ شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاص كان جنونا ولم يقل يعاصيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه" (١٤). القول الثاني: أنه يعود على الصبر والصلاة، فأرادهما.

стр. 495

واحتجوا بوجهين: الوجه الأول: إنما عاد على الصلاة مع أن الصبر مراد معها، لأنها الأغلب والأعم، كما في قوله- : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، حيث رد الكناية إلى الفضة لأنها كذلك. وقيل: لأنها الأفضل والأهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] حيث رد الكناية إلى التجارة لأنها كذلك (١). قال الجصاص: " فيه رد الضمير على واحد، مع تقدم ذكر اثنين" (٢). الوجه الثاني: أراد بالضمير الصبر والصلاة، وإنما عادت الكناية إلى الصلاة، لكونها أقرب مذكور، ومنه قول الشاعر: َمَنْ يَكُ أَمْسَى في الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ واعترض السمين الحلبي على هذا التعليل، إذ قال: "كذا قيل، وفيه نظر" (٣). القول الثالث: أنه يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: ﴿واستعينوا﴾؛ لأن الفعل ﴿استعينوا﴾ يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى: ﴿اعدلوا﴾ أقرب للتقوى. قال الألوسي: أي: شموله للمذكورات قبل، وهي الصبر والصلاة (٤). وقد عبر ابن كثير، عن هذا القول فقال: "ويحتمل أن يكون عائداً-أي: الضمير-إلى ما دل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا وما يلقاها أي: يؤتاها إلا ذو حظ عظيم" (٥). وهذا القول يفرق عن القول قبله؛ لأن الاستعانة بالصبر والصلاة على قضاء الحوائج وفعل الطاعات لاستجرارهما ذلك غير صبر العبد وأدائه للصلاة (٦). والرابع: أن الكناية تعود إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهو عنها من قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠]، إلى قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ومشقة تلك الأمور عليهم ظاهرة (٧). ورجحه ابن عاشور قائلا بأنها: " أوضح الأقوال وأجمعها" (٨). والخامس: أن الكناية راجعة إلى إجابة الرسول ﷺ ، ونُسِبَ هذا القول للأخفش ولم يذكره في معاني القرآن عند هذه الآية (٩). وهذا القول ضعيف كسابقه، لأنه لا دليل عليه في الآية، ولم يسبق للكعبة ذكر. قال ابن عطية: "وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية عليه" (١٠). وقد ضعفه الطبري (١١) كذلك. قال ابن عطية: " وهذا أضعف من الذي قبله" (١٢). وقد ضعفه الآلوسي (١٣) كذلك.
следующие страницы →