← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرّدّه عن ردى» (١)، وهذا العقل هو المعنيّ بقوله: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]، وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل، نحو: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]، إلى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، ونحو ذلك من الآيات، وكلّ موضع رفع فيه التّكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل. وأصل العَقْل: الإمساك والاستمساك" (٢). والعقل أصله: المنع (٣)، وعقل الإنسان هو "تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلاً لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه، ومن هذا سميت الدية عقلاً لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل الجاني، أي منعته" (٤). وقال السعدي: " وهذه الآية، وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة" (٥). وقد روى أحمد وغيره عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب " (٦). قال القرطبي: فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك؛ لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه ; قال رسول الله ﷺ : " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه " (٧) " (٨). الفوائد: ١ من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي ﷺ "أنه يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابه". و"الأقتاب" هي الأمعاء. "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (٩)؛ فهو من أشد الناس عذاباً. والعياذ بالله .. فإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه: "لا تأمر، ولا تنهَ"؟

стр. 492

فالجواب: نقول: لا، بل مُرْ، وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فِعلَه ارتكب جنايتين: الأولى: ترك الأمر بالمعروف؛ والثانية: عدم قيامه بما أمر به؛ وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه، ولم يَنْهَ عنه فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترك النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابه للمنكر. ثم نقول: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكراً لم يَنهَ أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بمعروف؛ ولهذا نقول: مُرْ بالمعروف، وجاهد نفسك على فعله، وانْهَ عن المنكر، وجاهد نفسك على تركه. ٢ ومن فوائد الآية: توبيخ العالم المخالف لما يأمر به، أو لما ينهى عنه؛ وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالاً من الجاهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾؛ وهذا أمر فُطر الناس عليه. أن العالم إذا خالف صار أشد لوماً من الجاهل.؛ حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكراً قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟ ! أو إذا ترك واجباً قالوا: كيف تترك هذا وأنت عالم؟ ! . ٣ ومن فوائد الآية: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾. ٤ ومنها: أن من أمر بمعروف، ولم يفعله؛ أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه باليهود؛ لأن هذا دأبهم. والعياذ بالله .. القرآن ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] التفسير: واستعينوا في أموركم كلها بالصبر، وكذلك الصلاة، وإنها لشاقة ثقيلة إلا على الخاشعين الذليلين لأمر الله. قوله تعالى: ﴿﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، "أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة" (١). قال ابن جريج: " إنهما معونتان على رحمة الله" (٢). قال الطبري: أي: " استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم - من طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد ﷺ بالصبر عليه والصلاة" (٣). قال الواحدي: " استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة" (٤). قال النسفي: أي: استعينوا على حوائجكم إلى الله، بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها" (٥). قال الجصاص: " ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة" (٦). قال الراغب: وخصها [أي الصلاة] برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر" (٧).

стр. 493

وقال المفسرون وأصحاب المعاني: "إن جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] " (١). واختلف أهل التفسير في معنى (الصبر) في هذه الآية على قولين (٢): أحدهما: أن الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو المعنى المشهور للصبر، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: "اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر" (٣)، أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، وكذلك لو حبسَ رجل نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي (٤)، قال عنترة (٥): فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ والثاني: أن المراد به هنا: الصوم. قاله مجاهد (٦)، والصوم بعض معاني الصبر، ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث (٧). والأول هو الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم (٨). و(الصبر): "حبس النفس على ما تكره ومنعها محابّها وكفها عن هواها (٩)، والصبر لغة: الحبس، يقال قتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها، قال الحطيئة (١٠): قُلْتُ لها أَصْبِرُها جاهِداً: ... وَيْحَك، أَمْثالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة، قال عنترة يذكر حربا كان فيها (١١): فَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً ... تَرْسُو، إِذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ يقول: حَبَست نفساً صابِرة. قال أَبو عبيد: يقول إِنه حَبَس نفسَه (١٢).

стр. 494

وقال الراغب، الصبر ضربان: "صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة " (١). وفي الآية قدّم الصبر على الصلاة "لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة" (٢). و(الاستعانة) هي "طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة" (٣). وفي الصبر المأمور به، قولان (٤): أحدهما: أنه الصبرُ على طاعته ومرضاته، والكف عن معصيته. قاله أبو العالية (٥). والثاني: أنه الصوم، وهو قول مجاهد، وقد كان النبيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة والصيام (٦). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، "أي وإن الصلاة لشاقة صعبة الاحتمال إلا على المخبتين لله الخائفين من شديد عقابه" (٧). أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، في تفسير قوله تعالى ﴿لكبيرة﴾، قال: "لثقيلة" (٨). وروي عن مجاهد في قوله: ﴿وإنها لكبيرة﴾، قال: الصلاة" (٩). واختلف في عود الضمير ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]، على أقوال (١٠): أحدها: أنه يعود على ﴿الصلاة﴾؛ وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد (١١) والجمهور، واختاره الطبري، وأبو حيان وابن كثير والعكبري والقاسمي وغيرهم (١٢). واحتجوا بوجهين: الوجه الأول: لأن (الصلاة) أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع. والوجه الثاني: وقالوا: خصصت الصلاة بذلك لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر. قال الثعلبي: "لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولم يقل يرضوهما لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله، وقال الشاعر وهو حسّان (١٣): إنّ شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاص كان جنونا ولم يقل يعاصيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه" (١٤). القول الثاني: أنه يعود على الصبر والصلاة، فأرادهما.

стр. 495

واحتجوا بوجهين: الوجه الأول: إنما عاد على الصلاة مع أن الصبر مراد معها، لأنها الأغلب والأعم، كما في قوله- : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، حيث رد الكناية إلى الفضة لأنها كذلك. وقيل: لأنها الأفضل والأهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] حيث رد الكناية إلى التجارة لأنها كذلك (١). قال الجصاص: " فيه رد الضمير على واحد، مع تقدم ذكر اثنين" (٢). الوجه الثاني: أراد بالضمير الصبر والصلاة، وإنما عادت الكناية إلى الصلاة، لكونها أقرب مذكور، ومنه قول الشاعر: َمَنْ يَكُ أَمْسَى في الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ واعترض السمين الحلبي على هذا التعليل، إذ قال: "كذا قيل، وفيه نظر" (٣). القول الثالث: أنه يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: ﴿واستعينوا﴾؛ لأن الفعل ﴿استعينوا﴾ يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى: ﴿اعدلوا﴾ أقرب للتقوى. قال الألوسي: أي: شموله للمذكورات قبل، وهي الصبر والصلاة (٤). وقد عبر ابن كثير، عن هذا القول فقال: "ويحتمل أن يكون عائداً-أي: الضمير-إلى ما دل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا وما يلقاها أي: يؤتاها إلا ذو حظ عظيم" (٥). وهذا القول يفرق عن القول قبله؛ لأن الاستعانة بالصبر والصلاة على قضاء الحوائج وفعل الطاعات لاستجرارهما ذلك غير صبر العبد وأدائه للصلاة (٦). والرابع: أن الكناية تعود إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهو عنها من قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠]، إلى قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ومشقة تلك الأمور عليهم ظاهرة (٧). ورجحه ابن عاشور قائلا بأنها: " أوضح الأقوال وأجمعها" (٨). والخامس: أن الكناية راجعة إلى إجابة الرسول ﷺ ، ونُسِبَ هذا القول للأخفش ولم يذكره في معاني القرآن عند هذه الآية (٩). وهذا القول ضعيف كسابقه، لأنه لا دليل عليه في الآية، ولم يسبق للكعبة ذكر. قال ابن عطية: "وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية عليه" (١٠). وقد ضعفه الطبري (١١) كذلك. قال ابن عطية: " وهذا أضعف من الذي قبله" (١٢). وقد ضعفه الآلوسي (١٣) كذلك.

стр. 496

والسادس: أن الكناية راجعة إلى الكعبة والقبلة المفهومة من ذكر الصلاة (١)، ذكره الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل (٢). والسابع: أن الكناية راجعة إلى العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة (٣). وهذه الأقوال السبعة متفاوتة في القوة والضعف وأظهرها قول الجمهور؛ لأن القاعدة في العربية أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل، وقول من قال إن الكناية تعود على الاستعانة أو على جميع المذكورات قبل جائز، والأقوال الأخرى فيها نظر. وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]، وجهان: أحدهما: أن معناه: "لشاقة ثقيلة على النفس، من قولك: كبر علىّ هذا الأمر، ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] (٤). وهذا قول الضحاك (٥)، وابن زيد (٦). والثاني: أن معناه: "لكبيرة القدر" (٧). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، أي: " إلا على الذليلين لأمر الله" (٨). قال الطبري: أي: " إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده" (٩). وقال الخازن: "يعني المؤمنين, .. وإنما كانت الصلاة ثقيلة على غير الخاشعين, لأن من لا يرجو لها ثواباً, ولا يخاف على تركها عقاباً فهي ثقيلة عليه" (١٠). قال النسفي: " لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم" (١١). وقوله تعالى: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، : اختلف في المعني بـ (الخاشعين) على وجوه (١٢): أحدها: المصدّقين بما أنزل الله. قاله ابن عباس (١٣). والثاني: المؤمنين حقا. قاله مجاهد (١٤). والثالث: الخائفين من الله. قال أبو العالية (١٥). والرابع: المتواضعين. قاله مقاتل بن حيان (١٦). والخامس: وقيل: الخاضعين لطاعته الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده (١٧). قلت وكل المعاني السابقة متداخلة وصحيحة، فيمكن القول بأن الخاشع لله هو: المتواضع لله والمستكين لطاعته والمتذلل من مخافته. وأصل (الخشوع): التواضع والتذلل والاستكانة، والإخبات (١٨)، ومنه قول جرير (١٩):

стр. 497

لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع قوله (الجبال الخشع): أي: متذللة لعظم المصيبة بفقد الزبير. قال الواحدي: " أصل الخشوع في اللغة: السكون، قال الله تعالى ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض، قال النابغة (١): وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ ومنه الحديث "كانت الكعبة خُشعة على الماء" (٢)، أي: ساكنة، وهذا أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز بالنبات، قال الله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩]، وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة" (٣). قال الزمخشري: " فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم" (٤). وفي الآية إشارة إلى فضيلة الصلاة، إذ إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: (والصلاة)؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر صلى (٥)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (٦). والصلاة لا تكون عوناً للانسان، إلا إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله الذي هو محبوبه، وأحب شيء

стр. 498

إليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ "جعلت قرة عيني في الصلاة" (١)؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه.؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: إرشاد الله ﵎ عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة. ٢ ومنها: جواز الاستعانة بغير الله؛ لكن فيما يثبت أن به العون؛ فمثلاً إذا استعنت إنساناً يحمل معك المتاع إلى البيت كان جائزاً؛ قال النبي ﷺ "وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة (٣) ". أما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل، وضلال في الدين، وقد تكون شركاً: كأن يستعين بميت، أو بغائب لا يستطيع أن يعينه لبعده عنه، وعدم تمكنه من الوصول إليه. ٣ ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور؛ قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع؛ وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء؛ الأول: الصبر على طاعة الله؛ والثاني: الصبر عن معصية الله؛ والثالث: الصبر على أقدار الله؛ فالصبر على الطاعة هو أشقها، وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلاً وكفاً اختيارياً: فعل الطاعة؛ وكفّ النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته؛ فهو إيجادي إيجابي؛ والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط؛ لكنه أحياناً يكون شديداً على النفس؛ ولهذا جعل النبي ﷺ الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: "إني أخاف الله" (٤) في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وإن كان الإمام العادل أفضل.؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خالياً بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قال: "إني أخاف الله"؛ ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين؛ قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه، أو ابنه، أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل؛ لأن ما وقع لابد أن يقع. صبرت، أم لم تصبر: هل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور؟ ! . الجواب: لا؛ إذاً كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام؛ وإما أن تسلو سُلوّ البهائم. ٤ ومن فوائد الآية: الحث على الصبر بأن يحبس الإنسان نفسه، ويُحمِّلها المشقة حتى يحصل المطلوب؛ وهذا مجرب. أن الإنسان إذا صبر أدرك مناله؛ وإذا ملّ كسل، وفاته خير كثير.؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (٥)؛ وكثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكِلّ، ويترك؛ إذاً ضاع عليه وقته الأول، وربما يكون زمناً كثيراً؛ ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول، ثم شرع في ثانٍ أن يصيبه مثل ما أصابه أولاً، ويتركه؛ ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة؛ لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مراده إلا امتداد الأيام فقط، وليس هناك موجب لقطعه؛ فليصبر: لنفرض أن إنساناً من طلبة العلم همّ أن يحفظ: "بلوغ

стр. 499

المرام"، وشرع فيه، واستمر حتى حفظ نصفه؛ لكن لحقه الملل، فعجز، وترك: فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود؛ وعلى هذا فقس. ٥ ومن فوائد الآية: فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿والصلاة﴾؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر صلى (١)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (٢). فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان؟ فالجواب: تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل. وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ "جعلت قرة عيني في الصلاة" (٣)؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه.؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة. ٦ ومن فوائد الآية: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة. ٧ ومنها: أن الأعمال الصالحة شاقة على غير الخاشعين. ولا سيما الصلاة .. ٨ ومنها: أن تحقيق العبادة لله بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع؛ لأن الخشوع خشوع القلب؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته. القرآن ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٦] التفسير: الذين يوقنون أنهم ملاقو ربِّهم جلَّ وعلا بعد الموت، وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، "أي الذين يتيقنون بأنهم سيلاقون الله ؛ وذلك يوم القيامة" (٤). قال ابن كثير: " أي: يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه" (٥). قال النسفي: " أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه" (٦).

стр. 500

قال أبو العالية: " الظن ها هنا يقين" (١). وروي عن مجاهد (٢)، والسدي (٣)، والربيع بن أنس (٤)، وقتادة (٥)، وابن جريج (٦)، وابن زيد (٧)، مثل ذلك (٨). وأخرج ابن أبي حاتم "عن سعيد في قوله: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾، قال الذين شروا أنفسهم لله، ووطنوها على الموت" (٩). قال الثعلبي: ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: " يعلمون ويستيقنون، كقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أي أيقنت به" (١٠). قال البغوي: أي: " يستيقنون أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون" (١١). قال الزمخشري: " أى: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه" (١٢). قال الراغب: " وتخصيص ذكر (الظن) ها هنا، إعلام بأنهم في كل حال لا يأمنون الموت، ولو كان بدله العلم، لم يصح على الوجه الذي يصح فيه الظن، لأنك تقول: " أظن أني أموت في كل حال، وأما قوله ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾، فهو نهاية في الذم، ومعناه: ألا تحصل لهم أمارة تنبههم على التفكر في ذلك - تنبيهاً أن هذا لا محالة مما تبين أمارته للإنسان إذا تأمل، أدني تأمل، وخاطب بالآيات عماء بني إسرائيل الآميرن غيرهم بالبر، الناسين أنفسهم بأن استعينوا في مدافعه هذه الحال بالصبر والتوصل به إلى الصلاة، فبها يصير الإنسان خاشغاً ملتزماً للحق ممن ظهر منه" (١٣). وفي مصحف عبد اللَّه: " ﴿يعلمون﴾، ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك، ولذلك فسر «يظنون» بـ (يتيقنون) " (١٤)، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة. قال الآلوسي: " والمراد من (ملاقاة الرب) سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند من يجوزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع أنه لا بد من ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب- لكن من أين يعلم ما يختم به عمله- ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر ربهم فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] " (١٥). وقال النسفي: " وفسر (اللقاء): بالرؤية، و ﴿ملاقو ربهم﴾، بمعاينوه بلا كيف" (١٦). وذكروا في معنى (ظن) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، قولان: أحدهما: أن الظن هنا بمعنى اليقين، : فكأنه قال: الذين يَتَيَقَّنُون أنهم ملاقو ربهم. وهذا قول الجمهور، حكاه ابن عطية (١٧). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] (١٨).

стр. 501

وهو كثير عند العرب، وقد وردت من أشعار العرب أمثلة كثيرة على هذا النحو، فمن ذلك قول دريد بن الصمة (١): فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد يعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم. وقول عميرة بن طارق (٢): بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... وأجعل مني الظن غيبا مرجما يعني: وأجعل مني اليقين غيبا مرجما. قال الزجاج: " الظن ههنا في معنى اليقين، والمعنى: الذين يوقنون بذلك ولو كانوا شاكين، كانوا ضُلالاً كافرين، والظن: بمعنى اليقين موجود في اللغة" (٣). ثم استشهد ببيت دريد السابق. والثاني: وحكى المهدوي وغيره: أن ﴿الظن﴾ في هذه الآية، يصح أن يكون على بابه، والمعنى: يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم، لإشفاقهم من المعاصي التي كانت منهم (٤). قال ابن عطية: " وهذا تعسف، والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه" (٥). وقد قال: بعض أهل العلم من المتقدمين: "إن الظن يقع في معنى العلم الذي لم تشاهده، وإِن كان قام في نفسك حقيقتُه" (٦). قال الزجاج: "وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا" (٧). قال ابن عطية: " وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد" (٨). وقال بعض المفسرين: في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: "إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم.

стр. 502

والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، " أي معادهم إِليه يوم الدين" (٢). قال أبو العالية: " يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة" (٣). قال ابن عثيمين: " أي في جميع أمورهم، كما قال تعالى: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة: ٢١٠] " (٤). قال النسفي: " لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه" (٥). قال ابن كثير: " أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فعلُ الطاعات وترك المنكرات" (٦). قال السعدي: " فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات، ونفس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه" (٧). واختلف في عود الضمير في قوله ﴿إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، على ثلاثة وجوه (٨): أحدها: أنه يعود على (الموت)، وأراد بالرجوع: الموت. والثاني: أنه يعود على (الإعادة)، أي: أنهم راجعون بالإعادة في الآخرة، يعني: بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض. وهو قول أبي العالية (٩). واختاره الطبري (١٠). قال ابن عطية: " وتقوي هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٨، الحج: ٦٦، الروم: ٤٠] " (١١). والثالث: أنه يعود إلى (الرب)، فهم راجعون إليه، أي: لا يملك أحد لهم ضرّاً ولا نفعاً غيره كما كانوا في بدءِ الخلق. والراجح هو القول الأخير، لأن "ظاهر الكلام والتركيب الفصيح أنه يعود إلى الرب، وأن المعنى: وأنهم إلى ربهم راجعون، وهو أقرب ملفوظ به" (١٢). وقد اختلف في تفسير (الرجوع) الذي في قوله ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، وذكروا فيه وجهين: أحدهما: أن المراد: الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة. وهذا مذهب أبي العالية (١٣)، واختاره الطبري (١٤). والثاني: أن المراد: الرجوع الى الله تعالى بالموت (١٥). والراجح هو القول الأول، فالله تعالى أخبر في كتابه العزيز (١٦)، أن مرجعهم إليه بعد إحيائهم، وذلك يوم القيامة. والله تعالى أعلم.

стр. 503

قال أبو حيان: " وليس في قوله: وأنهم إليه راجعون دلالة للمجسمة والتناسخية على كون الأرواح قديمة، وإنما كانت موجودة في عالم الروحانيات. قالوا: لأن الرجوع إلى الشيء المسبوق بالكون عنده" (١). الفوائد: ١ من فوائد الآية: إثبات ملاقاة الله ؛ لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا اللقاء. ٢ ومنها: إثبات رؤية الله ، كما ذهب إليه كثير من العلماء؛ لأن اللقاء لا يكون إلا مع المقابلة، وهذا يعني ثبوت الرؤية؛ فإن استقام الاستدلال بهذه الآية على رؤية الله فهذا مطلوب؛ وإن لم يستقم الاستدلال فَثَمّ أدلة أخرى كثيرة تدل على ثبوت رؤية الله يوم القيامة. ٣ ومنها: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم؛ وهذا يستلزم أموراً: أولاً: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله، فسوف تخاف منه. ثانياً: مراقبة الله . المراقبة في الجوارح.؛ والخوف في القلب؛ يعني أنهم إذا علموا أنهم سيرجعون إلى الله، فسوف يخشونه في السرّ، والعلانية. ثالثاً: الحياء منه؛ فلا يفقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك. القرآن ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧] التفسير: يا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم، واشكروا لي عليها، وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بجعل النبوة والملك من أسلافكم، والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل. قال ابن عطية: " قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرر إنما هو للكافرين، بدلالة ما بعده، وأيضا فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على ذكر أيادي الله وحسن خطابهم بقوله: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم، وفي الكلام اتساع" (٢). قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٧]، ]، "أي يا أولاد إسرائيل" (٣). و﴿إِسْرَائِيلَ﴾، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، إذ كان يدعى (إسرائيل) (٤). قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧]، أي: " اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم" (٥). قال الصابوني: أي: "اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم" (٦). قال ابن عثميمين: " والمراد بـ "النعمة"- وإن كانت مفردة- جميع النعم، كما قال الله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] " (٧). وقوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧]، " أي على أجدادكم" (٨). قال الثعلبي: " وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر وأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم فأورثهم ديارهم وأموالهم، وظلل عَلَيْهِمُ الْغَمامَ في التيه من حر الشمس، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وفجّر لهم اثني عشرة عينا، وأنزل عليهم التوراة فيها بيان كلّ شيء يحتاجون إليه في نعم من الله كثيرة لا تحصى" (٩).

стр. 504

وروي "عن قتادة: أن عمر بن الخطاب، كان إذا تلا: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾، قال: مضى القوم، وإنما يعني به أنتم" (١). وقد ذكر القرآن الكريم عشر نِعم أنعم الله بها على بني إسرائيل وهي (٢): ١ - نَجاتهم من فرعون؛ فقد كان يُذيقهم العذاب الشديد؛ يُذبّح الذكور مِنهم ويُبقي الإناث أحياء. ٢ - عبور بَني إسرائيل للبحر الأحمر سالمين بعد تَهيئة الله للطّريقِ اليابس في البحر ليسلكوه، وغرق فِرعون وجنوده. ٣ - قبولُ الله لتوبة بني إسرائيل وعَفوه عنهم. ٤ - إنزال التّوراة على نبيّ الله موسى ﵊، ليَهتدوا بها، ويتدبّروها، ويسيروا على شرعها. ٥ - التخلّص بشكلٍ جماعي من المجرمين بعد أن اتّخذ بنو إسرائيل العجل إلها، فعَبدوه من دونِ الله. ٦ - إحياؤهم بعد موتهم الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم. ٧ - وِقايتهم من حرّ الشّمس أثناء وجودهم في وادي التيه (الموجود بين الشام ومصر) مدّة أربعين سنة، وذلك من خلال سترهم بالسّحاب الأبيض الرقيق. ٨ - إنعام الله على بني إسرائيل بأنواع كثيرة من الطّعام والشّراب كالمنّ، والسلوى. ٩ - الإنعام عليهم بعد خروجهم من التّيه بدخول القرية، قال جمهور العلماء بأنها بيت المقدس، وقيل بأنّها أريحا من بيت المقدس. ١٠ - الإنعام عليهم بسقياهم؛ حيث إنّهم طلبوا من نبيّ الله موسى ﵇ السقيا، فأمره الله أن يضرب بعَصاه أي حجر فانفجرت منه المياه بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً، لكلّ جماعةٍ منهم عين يَشربون منها. قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]، " أي وأعطيتكم الفضل والزيادة على غيركم من الشعوب" (٣). قال الزمخشري: أي" على الجم الغفير من الناس" (٤). قال الثعلبي: " يعني عالمي زمانكم" (٥). قال قتادة: " فضلهم على عالم ذلك الزمان" (٦). وروي عن مجاهد (٧)، وابن زيد (٨) مثل ذلك. وقال أبو العالية: " بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما" (٩). قلت: ظاهر هذه الآية أن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، بينما المعروف أن أمة محمد ﷺ هي أفضل الأمم على الإطلاق، والمقصود بالتفضيل الوارد في هذه الآية الكريمة ثلاثة وجوه، وهي: أحدها: إنّ المقصود بالعالم في الآية الجمع الكثير من الناس، وعلى هذا يكون تفضيل بني إسرائيل على مجموعةٍ من الناس لا على جميع البشر، والدليل على ذلك مأخوذٌ من قولِ الله في سورة الأنبياء: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]، فالمُراد بالعَالمين الواردة في الآية لا يشمل جَميع الناس، إنّما هو مَخصوصٌ بفئةٍ مُعيّنة من الخلق، وكذلك الأمر بالنسبة للأرض لا يُراد بها كلّ بقاعها وإنّما إشارة إلى أرض مُعيّنة ومخصوصة.

стр. 505

والثاني: المقصود بالتفضيل هنا أي بما أفاض الله عليهم من النعم دون غيرهم، والتي خصَّهم بها عن الناس، بالإضافة إلى جعل النبوة والملك في أسلافهم، وذلك باعتبار أنّ الخطاب كان موجهاً لهم وقت نزول القرآن الكريم، ودليل ذلك قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. والثالث: المقصود بالتفضيل الوارد في الآية هو فقط في زمانهم، والدليل على ذلك قول الله : ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. وبه قال قتادة (١)، ومجاهد (٢)، وابن زيد (٣)، وأبو العالية (٤). وهذا مذهب الجمهور. الفوائد: ١ من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمداً ﷺ ٢ ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿أنعمت عليكم﴾. ٣ ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة، فقيل لهم: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ [المائدة: ٢١]؛ و "الأرض المقدسة" هي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون؛ والله يقول: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال موسى لقومه: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده﴾ [الأعراف: ١٢٨]، ثم قال: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ إذاً المتقون هم الوارثون للأرض؛ لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي ﷺ صار أحق الناس بهذه الأرض المسلمون. لا العرب.؛ ففلسطين ليس العرب بوصفهم عرباً هم أهلها؛ بل إن أهلها المسلمون بوصفهم مسلمين. لا غير وبوصفهم عباداً لله صالحين؛ ولذلك لن ينجح العرب فيما أعتقد. والعلم عند الله. في استرداد أرض فلسطين باسم العروبة أبداً؛ ولا يمكن أن يستردوها إلا باسم الإسلام على ما كان عليه النبي ﷺ ، وأصحابه، كما قال تعالى: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ ومهما حاول العرب، ومهما ملؤوا الدنيا من الأقوال والاحتجاجات، فإنهم لن يفلحوا أبداً حتى ينادوا بإخراج اليهود منها باسم دين الإسلام. بعد أن يطبقوه في أنفسهم.؛ فإن هم فعلوا ذلك فسوف يتحقق لهم ما أخبر به النبي ﷺ "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ، وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ" (٥)؛ فالشجر، والحجر يدل المسلمين على اليهود يقول: "يا عبد الله". باسم العبودية لله.، ويقول: "يا مسلم". باسم الإسلام.؛ والرسول ﷺ يقول: "يقاتل المسلمون اليهود"، ولم يقل: "العرب". ولهذا أقول: إننا لن نقضي على اليهود باسم العروبة أبداً؛ لن نقضي عليهم إلا باسم الإسلام؛ ومن شاء فليقرأ قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]: فجعل الميراث لعباده الصالحين؛ وما عُلِّق بوصف فإنه يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه؛ فإذا كنا عبادَ الله الصالحين ورثناها بكل يسر وسهولة، وبدون هذه المشقات، والمتاعب، والمصاعب، والكلامِ الطويل العريض

стр. 506

الذي لا ينتهي أبداً! ! نستحلها بنصر الله ، وبكتابة الله لنا ذلك. وما أيسره على الله.! ونحن نعلم أن المسلمين ما ملكوا فلسطين في عهد الإسلام الزاهر إلا بإسلامهم؛ ولا استولوا على المدائن عاصمة الفرس، ولا على عاصمة الروم، ولا على عاصمة القبط إلا بالإسلام؛ ولذلك ليت شبابنا يعون وعياً صحيحاً بأنه لا يمكن الانتصار المطلق إلا بالإسلام الحقيقي. لا إسلام الهوية بالبطاقة الشخصية.! ولعل بعضنا سمع قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ حينما كسرت الفُرس الجسور على نهر دجلة، وأغرقت السفن لئلا يعبر المسلمون إليهم؛ فسخَّر الله لهم البحر؛ فصاروا يمشون على ظهر الماء بخيلهم، ورجلهم، وإبلهم؛ يمشون على الماء كما يمشون على الأرض لا يغطي الماء خفاف الإبل؛ وإذا تعب فرس أحدهم قيض الله له صخرة تربو حتى يستريح عليها؛ وهذا من آيات الله. ولا شك.؛ والله تعالى على كل شيء قدير؛ فالذي فلق البحر لموسى. ﵊. ولقومه، وصار يبساً في لحظة، ومشوا عليه آمنين؛ قادر على ما هو أعظم من ذلك. فالحاصل أن بني إسرائيل لا شك أفضل العالمين حينما كانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [الحشر: ١٤]. ويدل لذلك. أي أن المراد بقوله تعالى: ﴿فضلتكم على العالمين﴾ أي في وقتكم، أو فيمن سبقكم: قوله تعالى في هذه الأمة أمة محمد ﷺ : ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ فقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ صريح في تفضيلهم على الناس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم﴾؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أننا نوفي سبعين أمة نحن أكرمها، وأفضلها عند الله (١) ّ. وهذا أمر لا شك فيه، ولله الحمد. ٤ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحداً بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾، خصها بالذكر لأهميتها. ٥ ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥]. القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: ٤٨] التفسير: وخافوا يوم القيامة، يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا، ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين، ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا، ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب. في سبب نزول الآية: قال الزجاج: " كانت إليهود تزعم أن آباءَها الأنبياء تشفع لها عند الله فأيئَسُهم اللَّه من ذلك" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: " واخشوا عقاب يوم" (٣). قال الثعلبي: " أي واحذروا يوما واخشوا يوما" (٤).

стр. 507

قال ابن عثيمين: " أي اتخذوا وقاية من هذا اليوم، بالاستعداد له بطاعة الله" (١). قال الصابوني: " أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي" (٢). قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: " لا تقضي فيه نفسٌ عن أخرى شيئاً من الحقوق" (٣). قال أبو العالية: "يعني: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا" (٤). قال الطبري: أي"لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره" (٥). قال الثعلبي: " أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني" (٦). قال الواحدي: " أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها. و ﴿لا تجزي﴾، معناه: لا تقضي ولا يغني، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار: "ولا تجزي عن أحد بعدك" (٧)، معناه: ولا تقضي" (٨). قال القرطبي: "فمعنى لا تجزي: لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شي فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق" (٩). قال ابن عثيمين: " و ﴿نفس﴾ نكرة في سياق النفي، فيكون عاماً؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبداً، حتى الرسول ﷺ لا يغني شيئاً عن أبيه، ولا أمه (١٠)؛ وقد نادى ﷺ

стр. 508

عشيرته الأقربين؛ فجعل ينادي كل واحد باسمه، ويقول: "يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئاً .. " (١)، مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة؛ بل قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]: تزول الأنساب" (٢). وقد ذكر أهل التفسير في تعالى: ﴿لا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٧]، وجوها (٣): أحدها: معناه: لا تُغنِي، كما يقال: البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِني، وهو قول السدي (٤)، وسعيد بن جبير (٥) وأبي مالك (٦)، وقال به جماعة من أهل التفسير (٧). والثاني: معناه لا تقضي، ومنه قولهم: جزى الله فلاناً عني خيراً، أثابه عني وقضاه عني، وهو قول المفضل (٨)، وجماعة من أهل التفسير (٩).

стр. 509

ويسند هذا القول أن أصل الجزاء في كلام العرب: القضاء والتعويض (١). والثالث: وقال بعضهم: ﴿لا تَجْزِي﴾ أي: لا تكفي (٢). والرابع: وقيل: لا تُكافِئ (٣). والأقرب من حيث اللغة هو القول الثاني، والمعنى في كل متقارب، والمراد: أنه لا يتحمل أحد عن أحد شيئاً. والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وجوه من القراءة: أحدها: ﴿لَا تَجْزِي﴾، قرأ بها الجمهور. والثاني: ﴿لا تُجزئ﴾، مضمومة (التّاء) مهموزة (الياء). قرأ بها أبو السماك العدوي، من (أجزأ، يجزي) إذا كفي (٤)، ومن ذلك قول الشاعر (٥): وأجزأت أمر العالمين ولم يكن ... ليجزي إلّا كامل وابن كامل قال الزمخشري: "ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء" (٦). والثالث: وقرأ أبو السرار الغنوي: "لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، "أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبداً" (٨). أخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن: في قوله: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾، فقال: يوم القيامة يوم لا ينفع فيه شفاعة شافع أحدا" (٩). قال ابن أبي حاتم: "يعني من الكفار" (١٠). قال الزمخشري: " وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا" (١١). وقال أهل العلم: "ليس معنى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أن هناك شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف، ويقول امرؤ القيس (١٢): عَلَى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا (١٣): وَلا تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ ... لا يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا أي ليس هناك (ضب) فيكون منه انجحار" (١٤).

стр. 510

قلت: ظاهر الآية عدم قبول الشفاعة مطلقاً يوم القيامة لكنه بين في مواضع أخرى أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار" وأن قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله " (١)، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض، أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، والشفاعة لا تكون إلا بشرطين: احدهما: أن يأذن الله بها. والثاني: أن يكون راضياً عمن شفع وعمن شفع له. كما قال تعالى: - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. - ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. - ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]. - ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وقد أجمع أهل السنة والجماعة، أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافاً للمعتزلة، قالوا: الكبيرة تخلد صاحبها في النار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين: طائفة أنكرت الشفاعة إنكاراً كلياً وقالوا: لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهر آيات، وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة (٢). فمن نقل الإجماع عن السلف في إثبات الشفاعة الإمام أبو الحسن الأشعري حيث قال عن السلف أنهم: «أجمعوا على أن شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وعلى أنه يخرج من النار قوماً من أمته بعد ما صاروا حمما ً .. » (٣). ونقل النووي عن القاضي عياض (٤) أنه قال عن الشفاعة: أجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها» (٥). والشفاعة في اللغة: "يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر» (٦)، تقول: كان وترًا فشفعته شفعاً (٧)، وشفع الوتر من العدد شَفْعاً: صيره زوجا. ويقال: ناقة شفوع، وهي التي تجمع بين مَحْلَبَيْن في حلبة واحدة. وفي اللسان: : شفع لي يشفع شفاعة وتشفّع: طلب (٨). ومعنى استشفعه طلب منه الشفاعة، أي قال له: كن لي شافعاً. والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره فيشفع به إلى المطلوب. يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه، واسم الطالب شفيع (٩). والشفيع: الشافع، والجمع شفعاء (١٠).

стр. 511

قال المبرد وثعلب: "الشفاعة: كلام الشفيع الملك في حاجة يسألها لغيره" (١) وقال ابن الأثير (٢) «يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تقبل شفاعته» (٣). وقال الراغب (٤) افي تعريف الشفاعة: "أي من انضم إلى غيره وعاونه وصار شفعا ً له أو شفيعا ً في فعل الخير والشر، فعاونه وقوّاه، وشاركه في نفعه وضرّه» (٥). وقال: «الشفاعة: الانضمام إلي آخر ناصراً له وسائلا ً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدني (٦). ويقول السفاريني (٧) في توجيه ذلك: «فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له» (٨). والشفاعة في الإصطلاع الشرعي: «هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم» (٩). وقال السفاريني: «هي سؤال الخير للغير» (١٠). نستنتج من التعريفين أن الأول منهما يحصر الشفاعة في دفع المضرة، والثاني يجعلها مقتصرة على جلب الخير، والحق أنهما متلازمان، فهي سؤال لدفع مضرة أو جلب منفعة، ولهذا عرفها القاضي عبد الجبار (١١) بأنها: «مسألة الغير أن ينفع غيره أو أن يدفع عنه مضرة» (١٢). وهذا تعريف جامع مانع يشتمل على الأمرين معا، ولا يختص بواحد منهما، بل يتعلق بأحدهما تارة، وبالآخر تارة أخرى، ويطلق هذا التعريف على الشفاعة بصفة عامة سواء ً كانت في أمور الدنيا أو الآخرة. فيمكن القول بأن الشفاعة: هي: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (١٣). واختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، على وجهين (١٤): أحدهما: أنه يعود على (النفس) المتأخرة. أي: لا يقبل من النفس المستشفعة شفاعة شافع. والثاني: أن يعود الضمير على (النفس) الأولى، أي: ولا يقبل من النفس التي لا تجزي عن نفس شيئاً شفاعة.

стр. 512

والراجح أن الضمير في ﴿منها﴾ ـ عائد على نفس المتأخرة، لكونها أقرب مذكور. والله أعلم. وقال أبو حيان: " وقد يظهر ترجيح عودها إلى النفس الأولى، لأنها هي المحدث عنها في قوله: ﴿لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ﴾، والنفس الثانية هي مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة" (١). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، على ثلاثة أوجه (٢): أحدها: ﴿وَلا يُقْبَلُ﴾، بالياء، قرأ بها نافع وابن عامر وحمزة والكسائيّ، وروي يحيى بن آدم وابن أبي أميّة والكسائي وغيرهم عن أبي بكر وحفص عن عاصم بـ (الياء). والثاني: ﴿وَلا تُقْبَلُ﴾، بالتاء. قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو، وروى الحسين الجعفيّ عن أبي بكر عن عاصم بـ (التاء). والثالث: ﴿ولا يقبلُ منها شفاعةً﴾، على بناء الفعل للفاعل وهو (اللَّه) ، ونصب الشفاعة. قرأ بها قتادة (٣). والقراءة بالبناء للمفعول أبلغ، "لأنه في اللفظ أعم، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، "أي لا يقبل منها فداء" (٥). قال الزمخشري: " أى فدية، لأنها معادلة للمفدى، ومنه الحديث: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" (٦)، أى: توبة ولا فدية" (٧). واختلف في قوله تعالى ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] على أوجه (٨): أحدها: أن (العدل): الفدية، " وسميت عدلاً لأن المفدي يعدل بها: أي يساويها" (٩)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحديد: ١٥]. وهذا قول أبي العالية (١٠)، والسدي (١١)، وقتادة (١٢)، وابن زيد (١٣). والثاني: أنه: البدل، والبدل: الفدية، قاله ابن عباس (١٤).أي "رجل مكان رجل" (١٥). والثالث: أنه: وروي عن ابن عباس: "أو حسنة مع الشرك" (١٦). والرابع: وروي عن علي، ﵁، في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. وهذا قول غريب (١٧).

стр. 513

والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، لما ورد عن النبي ﷺ أنه لما سئل ما العدل؟ فقال ﷺ : "العدل الفدية" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، " أي: ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله" (٢). قال البغوي: ولا هم" يمنعون من عذاب الله" (٣). قال الطبري: " يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر" (٤). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وجهين (٥): أحدهما: وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. والثاني: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية. والراجح هو القول الأول، وهو الأقرب الى سياق الآية، إذ "أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية - لمن استحق من خلقه عقوبته -، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه" (٦). الفوائد: ١ من فوائد الآية: التحذير من يوم القيامة؛ وهذا يقع في القرآن كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾، وقوله تعالى: ﴿يوماً يجعل الولدان شيباً﴾ [المزمل: ١٧]. ٢ ومنها: أنه في يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً. بخلاف الدنيا.: فإنه قد يجزي أحد عن أحد؛ لكن يوم القيامة: لا. ٣ ومنها: أن الشفاعة لا تنفع يوم القيامة؛ والمراد لا تنفع من لا يستحق أن يشفع له؛ وأما من يستحق فقد دلت النصوص المتواترة على ثبوت الشفاعة. وهي معروفة في مظانها من كتب الحديث، والعقائد .. ٤ ومنها: أن يوم القيامة ليس فيه فداء؛ لا يمكن أن يقدم الإنسان فداءً يعدل به؛ لقوله تعالى: (ولا عدل) ٥ ومنها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون﴾ [الصافات: ٢٥، ٢٦]؛ فلا أحد ينصر أحداً يوم القيامة. لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم .. القرآن ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم حين أنقذناكم من بطش فرعون وأتباعه، وهم يُذيقونكم أشدَّ العذاب، فيُكثِرون مِن ذَبْح أبنائكم، وترك بناتكم للخدمة والامتهان، وفي ذلك اختبار لكم من ربكم، وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة، تستوجب شكر الله تعالى في كل عصوركم وأجيالكم. قوله تعالى ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، "أي: واذكروا إذ أنقذناكم من آل فرعون" (٧). قال ابن عطية: " أي خلصناكم" (٨). قال الطبري: أي: واذكروا إنعامنا عليكم، بإنجائناكم من آل فرعون (٩).

стр. 514

قال الثعلبي: " يعني أسلافكم وآباءكم فاعتدّها منّة عليهم لأنّهم نجوا بنجاتهم، ومآثر الآباء مفاخر الأبناء" (١). قال البغوي: " يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم" (٢). قال الواحدي: " ﴿نجيناكم﴾: أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، أي نلقيك على نجوة" (٣). وقال الراغب: "وأصل النجاء: طلب الخلاص، ويقال لمن عدا نجا، لكون العدو أحد أسباب التخلص، فإن الله تعالى جعل للحيوانات قوتين تزيل بهما الأذى، قوة بها تهرب مما يؤذيها، وقوة بها تدفع ما يؤذيها، فمن الحيوانات ما يختص بأحديهما، ومنها ما جعلتا جميعاً به، فإذاً: العدو أحد أسباب الخلاص، فصح أن يعبر عنه به" (٤). وقرأ إبراهيم النخعي: ﴿وإذ نجّاكم﴾، على الواحد (٥). وقوله تعالى ﴿آل فرعون﴾ يقصد به: أهل دينه وقومه وأشياعه (٦)، وأتباعه وأسرته وعزته (٧)، "ويدخل فيهم فرعون بالأولوية؛ لأنه هو المسلِّط لهم على بني إسرائيل" (٨). قال ابن عطية: " وإنما نسب الفعل إلى آلِ فِرْعَوْنَ وهم إنما كانوا يفعلونه بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم" (٩). واختلف أهل العربية في أصل كلمة (آل) على قولين (١٠): أحدهما: أن أصلها من (أهل)، أبدلت الهاء همزة، كما قالوا (ماء) فأبدلوا الهاء همزة، فإذا صغروه قالوا: (مويه)، فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل، قالوا: (أهيل)، وقد حكي سماعا من العرب في تصغير (آل): (أويل) (١١)، وقد يقال: " فلان من آل النساء " يراد به أنه منهن خلق، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن (١٢)، كما قال الشاعر (١٣): فإنك من آل النساء وإنما ... يَكُنَّ لأدْنَى; لا وصال لغائب والفرق بين الآل والأهل أن الآل يختص بالأشرف والأخص، دون الشائع الأعم، " حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد (١٤)، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق (١٥): نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ طَلاقَةً ... سِوى رَبِذِ التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا

стр. 515

لأن أعوج فيهم فرس مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج" (١). والثاني: أن أصلها من (الأول)، وهو الرجوع، كأنّه يؤول إليك، وكان في الأصل همزتان فعوّضت من إحداهما مدّ وتخفيف. قاله الثعلبي (٢). والراجح هو القول الأول، وبه قال الكسائي (٣)، وجمهور المفسرين وأهل اللغة (٤). واختلف في قوله تعالى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾، على وجهين (٥): أحدهما: أنه اسم ذلك الملك بعينه. والثاني: أنه لقب، يطلق على كل ملك من ملوك العمالقة (٦)، مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة، وأن اسم فرعون موسى: قابوس في قول أهل الكتاب. وقيل أن اسمه: "الوليد بن مصعب بن الريان" (٧)، ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ﵇ (٨)، وقال السهيلي: وكل من ولى القبط ومصر فهو فرعون وكان فارسيا من أهل اصطخر (٩)، قال المسعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية (١٠)، وقال ابن سيده: وعندي أن فرعون هذا العلم أعجمي؛ ولذلك لم يصرف (١١)، وقال الجوهري فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات فرعون والعتاة الفراعنة وقد تفرعن وهو ذو فرعنة أي دهاء ونكر، والفرعنة (١٢): "الكِبْر والتجبُّر، والفرعنة مصدر فرعون، ويقال: فرعون أيضًا" (١٣)، وفي الحديث "أخذنا فرعون هذه الأمة" (١٤) و (فرعون) في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمته (١٥).

стр. 516

وقال الإمام الطبري في كتابه: تاريخ الأمم والملوك في سياق حديثه عن نسب موسى بن عمران ﵇ وأخباره: وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قبض الله يوسف، وهلك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد، وتوارث الفراعنة من العماليق ملك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، وقبر يوسف حين قبض كما ذكر لي في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسكين به، حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولًا ولا أطول عمرًا في ملكه منه، وكان اسمه - فيما ذكروا لي - الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة، ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكًا لبني إسرائيل منه، يعذبهم فيجعلهم خدمًا وخولًا، وصنَّفهم في أعماله؛ فصِنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامَهم كما قال الله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]. وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها: آسية بنت مزاحمٍ، من خيار النساء المعدودات، فعمر فيهم وهم تحت يديه عمرًا طويلًا يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى ﵇ الأشد، أُعطِيَ الرسالة" (١). قال ابن عاشور: "و (فرعون) علم جنس لملك مصر في القديم، أي: قبل أن يملكها اليونان، وهو اسم من لغة القبط، قيل: أصله في القبطية فاراه، ولعل الهاء فيه مبدلة عن العين، فإن رع اسم الشمس، فمعنى فاراه نور الشمس؛ لأنهم كانوا يعبدون الشمس، فجعلوا ملك مصر بمنزلة نور الشمس؛ لأنه يصلح الناس، نقل هذا الاسم عنهم في كتب اليهود، وانتقل عنهم إلى العربية، ولعله مما أدخله الإسلام، وهذا الاسم نظير كسرى لملك ملوك الفرس القدماء، وقيصر لملك الروم، ونمروذ لملك كنعان، والنجاشي لملك الحبشة، وتُبَّع لملك ملوك اليمن، وخان لملك الترك، واسم فرعون الذي أرسل موسى إليه: منفطاح الثاني، أحد ملوك العائلة التاسعة عشرة من العائلات التي ملكت مصر، على ترتيب المؤرخين من الإفرنج، وذلك في سنة ١٤٩١ قبل ميلاد المسيح" (٢). فيمكن القول: أن كلمة فرعون ربما قد أصبحت تستخدم استخدامًا شائعًا في العصور الحديثة كلقب للحاكم في مصر القديمة لأسباب ترجع إلى الميول العقائدية ومحاولات التفسير التوراتية من زاوية واحدة، على أن التحقيق اللغوي للفظة يظل بعيدًا كل البعد عن حقيقة تلقب الحكام المصريين بهذا اللقب. قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]، يعني: "يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه" (٣). قال ابن عطية: "معناه: يأخذونكم به ويلزمونكم إياه" (٤). قال البغوي: أي" يكلفونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأسوأه" (٥).

стр. 517

قال ابن عثيمين: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: " أي: سيئه وقبيحه" (١). قال الواحدي: " (السوم) أن تُجشّم إنساناً مشقةً وسوءاً أو ظلماً" (٢). والخطاب في قوله ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر: " فعلنا بكم كذا، وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم "، والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك، أو أهل بلده ووطنه - كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه (٣)، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية (٤): ولقد سما لكم الهذيل فنالكم ... بإرَابَ، حيث يقسِّم الأنفالا في فيلق يدعو الأراقم، لم تكن ... فرسانه عُزلا ولا أكفالا (٥) ولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده، ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه، فكذلك خطاب الله من خاطبه بقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم (٦). واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، على وجوه (٧): أحدها: قيل معناه: يذيقونكم ويلزمونكم إياه. والثاني: يولونكم، قاله أبو عبيدة (٨)، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم (٩): إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسُ خَسْفًا ... أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا والثالث: أن معناه: يديمون عذابكم، والسوم: الدوام، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي. والرابع: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعمال الشَّاقَّة. قاله الواحدي (١٠). والخامس: يزيدونكم على سوء العذاب، ومنه مساومة البيع، إنما هو أن يزيد البائعُ المشتريَ على ثمنٍ، ويزيد المشتري على ثمنٍ، وهذا قول المفضل (١١). وجميع المعاني تحتمله اللفظ، إذ أن المراد بقوله ﴿يسومونكم﴾، أي: يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم، يقال منه: سامه خطة ضيم، إذا أولاه ذلك وأذاقه (١٢)، كما قال الشاعر (١٣):

стр. 518

إن سيم خسفا، وجهه تربدا وفي قوله تعالى: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]، وجهان (١): أحدهما: ما ساءهم من العذاب. والثاني: أشد العذاب. قاله الزجاج (٢) وآخرون (٣). والأقرب هو القول الأول، لأنه لو كان الثاني صحيحا لقيل: أسوأ العذاب. والله تعالى أعلم. وفي العذاب الذي كانوا يسومونهم قولان: أحدهما: أن فرعون كان يعذبهم بجعلهم خدما وخولا، واستخدم بعضهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة، فعليه الجزية. قاله ابن إسحاق (٤). واختاره الثعلبي (٥). والثاني: وقيل أن فرعون: "جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم". قاله السدي (٦). قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، "أي يقتلون الذكور" (٧). قال أبو العالية: "إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة فقالت له الكهنة: سيولد العام غلام بمصر يكون هلاكك على يديه، فبعث في أهل مصر نساء قوابل فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله. ويستحيي الجواري" (٨). قال ابن أبي حاتم: "يعني البنات" (٩). وروي عن ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، والربيع (١٢)، والسدي (١٣)، وابن إسحاق (١٤)، مثل ذلك. واختلف في قوله تعالى ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، على قولين (١٥): أحدهما: قال أهل التفسير أي: يذبحون الأطفال الذكورمن أبنائكم دون البالغين. والثاني: وقيل: يعني الرجال دون الأطفال، وسموا أبناء لما كانوا كذلك، واستدل هذا القائل بقوله ﴿نِسَاءَكُم﴾، فقالوا: بأن" المذبحين لو كانوا هم الأطفال، لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا" (١٦). قال الطبري: " وقد أغفل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضع الصواب. [و] لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء، لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم، أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت" (١٧).

стр. 519

والثالث: " وقيل: "كان ذبحهم للأبناء استخدامهم في الأعمال القذرة الجارية مجرى أعظم الذبحين القتل، والإهانة، قال: وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ " (١). ولا يخفى على ما في هذا الوجه من التكلف، وإن كان المعنى صحيحا. والقول الأول أصح، حملا للفظ (الأبناء) على ظاهره، ويدل على هذا المعنى، عملية إلقاء موسى ﵇ في التابوت حال صغره، كما أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ومن جهة أخرى أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة، وهذا قول عامة أهل التفسير، والله أعلم. قال ابن عطية: " والصحيح من التأويل أن الأبناء هم الأطفال الذكور، والنساء هم الأطفال الإناث، وعبر عنهن باسم النساء بالمئال" (٢). قال الواحدي: " وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار" (٣). وقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: ٤٩] فيه وجهان من القراءة (٤): أحدهما: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾، بالتشديد على المبالغة والتكثير، قرأ بها الجمهور. والثاني: ﴿يذبحون﴾، بفتح الباء، قرأ بها ابن محيصن "يذبحون" بفتح الباء (٥). والقراءة الأولى أرجح، "إذ الذبح متكرر" (٦)، وكان فرعون على ما روي قد رآه في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه (٧)، وقيل غير هذا والمعنى متقارب (٨). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، أي: " يتركونهن أحياء" (٩). قال الصابوني: أي: " يستبقون الإناث على قيد الحياة للخدمة" (١٠). قال الطبري: أي: " يستبقونهن فلا يقتلونهن" (١١). قال المراغي: أي: "ويستبقون البنات إذلالا لكم حتى ينقرض شعبكم من البلاد" (١٢). قال الواحدي: " يَسْتَبْقُونهن، ولا يقتلونهن، ومنه قوله ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (١٣) " (١٤). قال ابن عثيمين: " أي يستبقون نساءكم؛ لأنه إذا ذهب الرجال، وبقيت النساء ذلّ الشعب، وانكسرت شوكته؛ لأن النساء ليس عندهن من يدافع، ويبقين خدماً لآل فرعون؛ وهذا. والعياذ بالله. من أعظم ما يكون من الإذلال؛ ومع هذا أنجاهم الله تعالى من آل فرعون، وأورثهم ديار آل فرعون، كما قال تعالى: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٧. ٥٩] وقال تعالى:

стр. 520

﴿كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين﴾ [الدخان: ٢٥. ٢٨]. وهم بنو إسرائيل" (١). وقال ابن جريج: " يسترقون نساءكم" (٢). قال الطبري: " وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية" (٣). قال الواحدي: " فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟ قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، أي: و"في إنجائكم منهم نعمة عظيمة" (٥). قال البغوي: " أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة" (٦). قال ابن عثيمين: " أي وفي إنجائكم من آل فرعون ابتلاء من الله عظيم. أي اختبار عظيم.؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر" (٧). قال الصابوني: " أي فيما ذكر من العذاب المهين من الذبح والاستحياء، محنة واختبارٌ عظيم لكم من جهته تعالى بتسليطهم عليكم ليتميز البرُّ من الفاجر" (٨). قال المراغي: " أي وفي ذلكم العذاب والتنجية منه امتحان عظيم من ربكم كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾، وقوله: ﴿من ربكم﴾: أي من جهته تعالى بتسليطهم عليكم، وبعث موسى وتوفيقه لخلاصكم" (٩). قال أبو حيان: "وفي قوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ دليل على أن الخير والشرّ من الله تعالى، بمعنى أنه خالقهما، وفيه رد على النصارى ومن قال بقولهم: إن الخير من الله والشرّ من الشيطان .. وكونه عظيماً هو بالنسبة للمخاطب والسامع، لا بالنسبة إلى الله تعالى، لأنه يستحيل عليه اتصافه بالاستعظام" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿بَلاءٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، وجهان (١١): أحدهما: أن معناه: البلاء والامتحان. وهذا قول جمهور أهل التفسير. والثاني: أن معناه: نعمة، أي: نعمة من ربكم عظيمة. روي ذلك عن ابن عباس (١٢) وأبي مالك والسدي (١٣) ومجاهد (١٤) وابن جريج (١٥). وكلا القولين صحيح، فقوله " ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، راجع إلى الأمرين: إلى المنحة التي هي الإنجاء من آل فرعون المقتضية للشكر، وإلى المحنة التي هي ذبحهم واستحياؤهم للنساء المقتضية للصبر" (١٦).

стр. 521

وقال البغوي: "، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال: الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة"﴾ [الأنبياء: ٣٥] " (١). وقال ابن عطية: " ويكون الْبَلاءُ في الخير والشر" (٢). وقال الواحدي: " والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة" (٣). وقال النسفي: في تفسير قوله ﴿وَفِى ذَالِكُم بَلاءٌ﴾، أي: "محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون، ونعمة إن أشير به إلى الانتجاء" (٤). واختلف أهل التفسير في مرجه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، على ثلاثة أوجه (٥): أحدهما: إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر، وبَلاءٌ معناه امتحان واختبار، ويكون الْبَلاءُ في الخير والشر. والثاني: وقال قوم: الإشارة بـ ﴿ذلِكُمْ﴾، إلى التنجية من بني إسرائيل، فيكون الْبَلاءُ على هذا في الخير، أي وفي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. والثالث: وقال جمهور الناس: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والْبَلاءُ هنا في الشر، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان. وقد رجح الجمهور القول الأول (٦)، لأن (البلاء) يكون في الخير والشر. والله أعلم. وأصل (البلاء) في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر، لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ثم تسمي العرب الخير " بلاء " والشر " بلاء ". غير أن الأكثر في الشر أن يقال: " بلوته أبلوه بلاء "، وفي الخير: " أبليته أبليه إبلاء وبلاء "، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى (٧): جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده (٨). قال الراغب: وفي هذه الآية" حث لنا على تذكر نعمه ومراعاتها واحدة واحدة، وتجديد الشكر لكل منها" (٩). وقال البيضاوي: " وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى، فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين" (١٠). الفوائد: ١ من فوائد الآية: تذكير الله تعالى لبني إسرائيل نعمته عليهم بإنجائهم من آل فرعون. ٢ ومنها: أن الإنجاء من العدو نعمة كبيرة ينعم الله بها على العبد؛ ولهذا ذكرهم الله بها في قوله تعالى: (نجيناكم)

стр. 522

٣ ومنها: بيان حنق آل فرعون على بني إسرائيل؛ وقيل: إن هذا التقتيل كان بعد بعثة موسى؛ لأن فرعون لما جاءه موسى بالبينات قال: ﴿اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم﴾ [غافر: ٢٥]، وقال في سورة الأعراف: ﴿سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾ (الأعراف: ١٢٧) وذكر بعض المؤرخين أن هذا التقتيل كان قبل بعثة موسى، أو قبل ولادته؛ لأن الكهنة ذكروا لفرعون أنه سيولد لبني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يده؛ فجعل يقتلهم؛ وعضدوا هذا القول بما أوحى الله تعالى إلى أم موسى: ﴿أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني﴾ [القصص: ٧]؛ لكن هذه الآية ليست صريحة فيما ذكروا؛ لأنها قد تخاف عليه إما من هذا الفعل العام الذي يقتَّل به الأبناء، أو بسبب آخر، وآية الأعراف: ﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] لا دليل فيها صراحة على أن التقتيل كان قبل ولادة موسى ﵇؛ لأن الإيذاء لا يدل على القتل، ولأن فرعون لم يقل: سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم إلا بعد أن أُرسل إليه موسى ﵇، ولهذا قال موسى ﵇ لقومه بعد ذلك: ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده﴾ (الأعراف: ١٢٨) ٤ ومنها: أن الرب له مطلق التصرف في عباده بما يسوؤهم، أو يسرهم؛ لقوله تعالى: ﴿من ربكم﴾ يعني هذا العذاب الذي سامكم إياه آل فرعون، والإنقاذ منه؛ كله من الله ؛ فهو الذي بيده الخير، ومنه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء. القرآن ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ [البقرة: ٥٠] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم، حين فَصَلْنا بسببكم البحر، وجعلنا فيه طرقًا يابسةً، فعبرتم، وأنقذناكم من فرعون وجنوده، ومن الهلاك في الماء، فلما دخل فرعون وجنوده طرقكم أهلكناهم في الماء أمام أعينكم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، أي: اذكروا أيضاً إذ "فصلنا بكم البحر" (١). قال النسفي: أي: " فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم" (٢). قال الصابوني: " أي: اذكروا أيضاً إِذ فلقنا لكم البحر حتى ظهرت لكم الأرض اليابسة فمشيتم عليها" (٣). قال الآلوسي: " أي: فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم، وبسبب إنجائكم" (٤). قال ابن عثيمين: اي: فلقناه لكم، وفصلنا بعضه عن بعض حتى عبرتم إلى الشاطئ" (٥). وقرأ الزهري: ﴿فرّقنا﴾، بتشديد الراء (٦)، وهي "قراءة شاذة، أي: جعلناه فرقا وأقساما" (٧)، يقال: "فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء، لأن المسالك كانت "اثني عشر" (٨) على عدد الأسباط" (٩). قال الراغب: " الفرقُ، والفلقُ، لكن الفلق لا يكون إلا بين جسمين، والفرق: قد يكون في الأجسام والمعاني، وفي هذه القصة قد جاء اللفظان، قال تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي كل قطعة من الماء، والفرقان: كل كتاب يفرق بين الأحكام" (١٠). وقال السمين الحلبي: " والفرق والفلق واحد، وهو الفصل والتمييز، ومنه ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أي: فصلناه، وميزناه بالبيان، والقرآن فرقان لتمييزه بين الحق والباطل وفرق الرأس لوضوحه" (١١).

стр. 523

قال ابن إسحاق: "أوحى الله إلى البحر - فيما ذكر لي: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب. بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره، فأوحى الله جل وعز إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل على نشز من الأرض يقول الله لموسى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده" (١). وروي عن ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وابن زيد (٤)، وعبدالله بن شداد بن الهاد (٥)، وعمرو بن ميمون الأودي (٦)، نحو قول ابن إسحاق. وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وجهين (٧): أحدهما: وإذ فصلنا بكم البحر، لأن الفرق: الفصل بين الشيئين (٨). والثاني: أن معناه: وإذ فرقنا بينكم وبين البحر، يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه، وحجزناه حيث مررتم به، وهذا قول بعض نحويي البصرة. واعترض الطبري على القول الثاني، فقال: "وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر، فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة، وفرقه البحر بالقوم، إنما هو تفريقه البحر بهم، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم، على ما جاءت به الآثار" (٩). وقوله ﴿بِكُمُ﴾ [البقرة: ٥٠]، اختلف فيه على وجوه (١٠): أحدهما: أن (الباء) سببية، ومعنى ﴿بِكُمُ﴾: بسببكم. قال السمين الحلبي: " الظاهر أن (الباء) على بابها من كونها داخلة على الآلة، فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما" (١١). والثاني: أن تكون للتعدية. قال أبو البقاء: "ويجوز أن تكون المعدية كقولك: ذهبت بزيد، فيكون التقدير: أفرقناكم البحر، ويكون بمعنى: ﴿وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر﴾ [الأعراف: ١٣٨] وهذا قريب من الأول" (١٢). والثالث: وقيل (الباء) بمعنى (اللام)، ومعناه ﴿لكم﴾، اختاره ابن الجوزي (١٣)، قال ابن عطية: "وهذا ضعيف" (١٤). والرابع: ويجوز أن تكون للحال من (البحر)، أي: فرقناه ملتبسا بكم، قال أبو البقاء: "أي: فرقنا البحر وأنتم به" (١٥)، ومنه قول المتنبي (١٦):

стр. 524

فَمَرَّت غَيرَ نافِرَةٍ عَلَيهِم ... تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا أي: تدوسها ونحن راكبوها. والراجح هو القول الأول، ومعنى ﴿بِكُمُ﴾: بسببكم. إذ أن "فرق البحر كان بهم أي بسبب دخولهم فيه أي لما صاروا بين الماءين صار الفرق بهم" (١)، والله أعلم. وقال الآلوسي: إن"العرب- على ما نقله الدامغاني- تقول: غضبت لزيد- إذا غضبت من أجله وهو حي- وغضبت بزيد- إذا غضبت من أجله وهو ميت- ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين" (٢). وذكروا في قصة شق البحر قولان (٣): أحدهما: أن "الْبَحْرَ هو بحر (القلزم)، ولم يفرق البحر عرضا جزعا (٤) من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة، وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريبا من برية فلسطين وهي كانت طريقهم" (٥). والثاني: وقيل "انفلق البحر عرضا وانفرق البحر على اثني عشر طريقا، طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضا، وجازوا، وجبريل ﷺ في ساقتهم على ماذيانة يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون: مهلا حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة (٦)، فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا" (٧). وفي تسمية البحر ثلاثة أقوال (٨): أحدها: أنه سمي بحراً لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال (٩). والثاني: أنه سمي بذلك، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق، ومنه البحِيرَة (١٠). والثالث: أن البحر هو الملح، يقال: أبحر الماء، أي صار ملحا، ومنه قول نُصَيْب (١١): وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَرَدَّنِي ... إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ (١٢)

стр. 525

قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]، " أي: نجيناكم من الغرق وأغرقنا فرعون وقومه" (١). قال ابن كثير: " أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم" (٢). قال الشوكاني: " أي أخرجناكم منه، ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ فيه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]، " أي: وأنتم تشاهدون ذلك" (٤). قال الطبري: " أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر، وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه - في الذي أراكم من طاعة البحر إياه" (٥). قال ابن عطية: أي: تنظرون "بأبصاركم، لقرب بعضهم من البعض" (٦). قال الشوكاني: " أي حال كونكم ناظرين إليهم بأبصاركم" (٧). قال ابن كثير: " ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم" (٨). قال الثعلبي: يعني " إلى مصارعهم" (٩). قال البغوي: " إلى مصارعهم، وقيل: إلى إهلاكهم" (١٠). قال الواحدي: "ولم يذكر [هنا]، غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣]. ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه (١١). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَْ [البقرة: ٥٠]، قولان (١٢): أحدهما: أنه من نظر العين، معناه وأنتم ترونهم يغرقون. وفي رؤيتهم هذا المشهد العظيم، وجهان (١٣): الوجه الأول: أنه تعالى، أفرد لكل سبط طريق من الماء وجعل الحاجز الذي بينه وبين الآخذ مشفاً كالزجاج، ينظرون منها إلى الآخرين. قال السمين الحلبي: " والنظر يحتمل أن يكون بالبصر، لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضا لقربهم" (١٤). والوجه الثاني: وقيل: إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم، وعلى ذلك حمل قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] (١٥). والثاني: أنه بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]. قاله الفراء (١٦).وضعّفه الطبري (١٧).

стр. 526

والراجح من تفسير هو القول الأول، أي: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ البحر، حتى سلكوا فيه، وانطباقه على آل فرعون، حتى غرقوا فيه. الفوائد: ١ من فوائد الآية: مناسبة قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ لما قبله ظاهرة جداً، وذلك أنه لما ذكر الله تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين؛ وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٩]. ٢ ومنها: تذكير الله بني إسرائيل بنعمه؛ وقد تضمن هذا التذكير حصول المطلوب، وزوال المكروه؛ حصول المطلوب: بنجاتهم؛ وزوال المكروه: بإهلاك عدوهم. ٣ ومنها: بيان قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السيال أمره الله. ﵎. أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. أي كالجبل العظيم؛ وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت يبساً في الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله والماء من فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبساً، كما قال تعالى: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنه كانت في هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض. حتى لا ينْزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟ ! وهذا ليس ببعيد على الله . وقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير. ﵀ في "البداية والنهاية" أنه ما من آية سبقت لرسول إلا لرسولنا ﷺ مثلها: إما له ﷺ هو بنفسه، أو لأمته؛ ومعلوم أن الكرامات التي تقع لمتبع الرسول هي في الحقيقة آيات له؛ لأنها تصديق لطريق هذا الولي المتبع للرسول؛ فتكون آية على صدق الرسول، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أن كل كرامة لولي فهي آية لذلك النبي المتبع؛ وذكر ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" على ذلك أمثلة؛ ومنها أن من الصحابة من مشَوا على الماء؛ وهو أبلغ من فلق البحر لبني إسرائيل، ومشيهم على الأرض اليابسة. ٤ من فوائد الآية: أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾؛ وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] الآيتين. ٥ ومنها: أن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه؛ فإغراقه، أو إهلاكه نعمة؛ وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله ؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله ، كما قال تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩]. ٦ ومن فوائد الآية: عتوّ بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغياناً، وتكذيباً للرسل، واستكباراً عن عبادة الله . ٧ ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى. ﵊؛ وقد كان فرعون يقول: ﴿يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥١. ٥٢]؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين. القرآن

стр. 527

﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ [البقرة: ٥١] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم، فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة، وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، "أي واذكروا إذ واعدنا موسى أربعين ليلة" (١). قال الصابوني: " أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة، وكان ذلك بعد نجاتكم وإِهلاك فرعون" (٢). قال ابن عثيمين: " وعده الله تعالى لميقاته ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة" (٣). و﴿مُوسى﴾، اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء (مو)، وللشجر (سا)، فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر، فسمّي (موسى) (٤). قاله السدي (٥). قال ابن إسحاق: "وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله" (٦). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥١]، على وجهين (٧): أحدهما: ﴿وَاعَدْنَا﴾: بالألف، وهي قراءة ابن مسعود. واستندوا بأنه، قد يجيء المفاعلة من واحد كقولهم: عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل. والثاني: ﴿وَعَدْنَا﴾: بغير ألف في جميع القرآن، قرأ بها أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب. وقالوا: لأنّ الله هو المتفرد بالوعد، يعني: المواعدة إنما تكون لغير الآدميين، واستدلوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. قال ابن عطية: " وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة" (٨). قال الزجاج: وكلاهما جائز .. وواعدنا هنا جيد بالغ، لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فهو من اللَّه وعدٌ ومن موسى قبول واتًبَاعٌ، فجرى مجرى المواعدة" (٩). قال أبو حيان: "يحتمل ﴿واعدنا﴾، أن يكون بمعنى ﴿وعدنا﴾، ويكون صادرا من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله، وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد، قال القفال: " ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله، بمعنى يعاهده، وقيل: وعد إذا كان من غير طلب وواعد إذا كان من طلب .. ثم يقول: " وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ ﴿وعدنا﴾ بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ ﴿واعدنا﴾ بالألف، ووافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي. وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل منهما يعد صاحبه. . ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأن كلا منهما متواترة، فهما في الصحة على حد سواء" (١٠). وقرأ زيد بن علي: ﴿أَرْبِعِينَ﴾، بكسر الباء وهي لغة (١١).

стр. 528

والأربعون: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، قاله أبو العالية (١)، وهو قول أكثر المفسرين. وقال ابن إسحاق قال: وعد الله موسى - حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء، واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به" (٢). وروي عن السدي (٣) نحو ذلك. وكان ذلك بعد أن جاوز موسى البحر وسأل قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده، فاتخذوا العجل وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله (٤). واختلفوا في قوله تعالى ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، على قولين (٥): أحدهما: أن المراد: أربعين ليلة بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد. وهذا قول الجمهور. والثاني: وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وبقولهم: اليوم أربعون منذ خرج فلان، واليوم يومان، أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين. والقول الثاني خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة، فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، بغير برهان دال على صحته (٦). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١]، أي: "ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها" (٧). قال ابن عثيمين: أي "صيرتم العجل إلها" (٨). قال الصابوني: " أي عبدتم العجل" (٩). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١]، أي: "من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد" (١٠). قال الثعلبي: أي: "من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد" (١١). قال ابن عثيمين: "من بعد موسى، حين ذهب لميقات الله" (١٢). قال الصابوني: أي بعد غيبته عنكم، حين ذهب لميقات ربه" (١٣). وأصل (اتخذتم) (ائتخذتم) من (الأخذ) ووزنه أفتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في (موتخذ) فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما

стр. 529

بعدها وهي التاء وأدغمت ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً﴾ [البقرة: ٨٠] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر (١): أَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أَشْياعِهِمْ ... خَبَراً، أَمْ رَاجَعَ الَقْلبَ مِنْ أَطْرَابِهِ طَرَبُ ونحوه في القرآن ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ﴾ [ص: ٧٥] ومذهب أبي علي الفارسي أن (اتخذتم) من (تخذ) لا من (أخذ) (٢). و﴿العجل﴾، "تمثال من ذهب صنعه السامري، وقال لبني إسرائيل: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] " (٣)، "أي تركه هاهنا وخرج بطلبه" (٤). روي ذلك عن ابن عباس (٥)، والسدي (٦)، وابن إسحاق (٧)، وابن زيد (٨)، ومجاهد (٩)، وأبي العالية (١٠)، نحو ذلك. قال أبو العالية: "وإنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى" (١١). وقال مجاهد: قوله: ﴿العجل﴾، حسيل البقرة، ولد البقرة" (١٢). قال الثعلبي: " وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى ﵇ ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، أفتتن بالعجل ثمانية ألف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه من دون الله " (١٣). واختلف في الذين عبدوا العجل على أقوال (١٤): أحدها: أنهم كلهم عبدوا العجل، إلا هارون. وها يدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿ثم اتخذتم﴾ [البقرة: ٥١]. والثاني: وقيل: الذين عكفوا على عبادته من قوم موسى، ثمانية آلاف رجل. والثالث: وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفاً. والرابع: وقيل: إلا هارون والسبعين رجلاً الذين كانوا مع موسى. قال أبو حيان: "وهذا هو الصحيح" (١٥)، أي القول الأخير. والجمهور على إدغام الذال في التاء في قوله تعلى: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ [البقرة: ٥١]، ، وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة: بالإظهار (١٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، "أي معتدون في تلك العبادة ظالمون لأنفسكم" (١٧). أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: "قوله: ﴿ظالمون﴾، قال: أصحاب العجل" (١٨).

стр. 530

قال الزمخشري: "بإشراككم" (١). قال الثعلبي: أي: وأنتم: "مشّاؤون لأنفسكم بالمعصية، وواضعون العبادة في غير موضعها" (٢). قال البغوي: أي وأنتم" ضارون لأنفسكم بالمعصية، واضعون العبادة في غير موضعها" (٣). قال الواحدي: " أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها" (٤). قال النسفي: " أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم" (٥). قال المراغي: "أي: بإشراكهم ووضعهم للشىء في غير موضعه بعبادة العجل بدل عبادة خالقهم وخالقه" (٦). قال السعدي: وأنتم" عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما" (٧). قال الراغب: " عنى به الظلم المطلق وهو الكفر، وفي الآية حث على معرفة ما وعدنا الله تعالى به ومراعاته والمنع من الاشتغال عنه تعالى بشيء بغيره، وعلى هذا الوجه قال بعض الناس: كل ما شغلك عن الله فهو عجل متخذ وطاغوت متع وشيطان مطاع ومبدأ كل ذلك اتباع الهوى، ولذلك قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال وهذا وإن لم يكن كفراً فهو شرك وبهذا الوجع قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " (٨). واختلف في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، على قولين (٩): القول الأول: أنه جملة حالية، ومتعلق الظلم، وفيه وجوه: أحدها: ظالمون بوضع العبادة في غير موضعها. والثاني: وأنتم ظالمون، بتعاطي أسباب هلاكها. والثالث: وأنتم ظالمون، برضاكم فعل السامري في اتخاذه العجل، ولم تنكروا عليه. والقول الثاني: أنه إخبار من الله، وفيه وجهان: أحدهما: إنهم ظالمون: "أي سجيتهم الظلم، وهو وضع الأشياء في غير محلها، والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعده وكنتم ظالمين، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ " (١٠). والثاني: وقيل: "وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد ﷺ " (١١). وقد نقل السادة المفسرون قصصاً كثيراً مختلفاً في سبب اتخاذ العجل، وكيفية اتخاذه، وانجر مع ذلك أخبار كثيرة، الله أعلم بصحتها، إذ لم يشهد بصحتها كتاب ولا حديث صحيح، فتركنا نقل ذلك على عادتنا في هذا الكتاب. الفوائد: ١ من فوائد الآيتين: حكمة الله. ﵎. في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة. مع أنه قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة. لا نعلم ما هي. وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولاً، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربه أربعين ليلة.
следующие страницы →