← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والراجح من تفسير هو القول الأول، أي: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ البحر، حتى سلكوا فيه، وانطباقه على آل فرعون، حتى غرقوا فيه. الفوائد: ١ من فوائد الآية: مناسبة قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ لما قبله ظاهرة جداً، وذلك أنه لما ذكر الله تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين؛ وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٩]. ٢ ومنها: تذكير الله بني إسرائيل بنعمه؛ وقد تضمن هذا التذكير حصول المطلوب، وزوال المكروه؛ حصول المطلوب: بنجاتهم؛ وزوال المكروه: بإهلاك عدوهم. ٣ ومنها: بيان قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السيال أمره الله. ﵎. أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. أي كالجبل العظيم؛ وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت يبساً في الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله والماء من فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبساً، كما قال تعالى: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنه كانت في هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض. حتى لا ينْزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟ ! وهذا ليس ببعيد على الله . وقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير. ﵀ في "البداية والنهاية" أنه ما من آية سبقت لرسول إلا لرسولنا ﷺ مثلها: إما له ﷺ هو بنفسه، أو لأمته؛ ومعلوم أن الكرامات التي تقع لمتبع الرسول هي في الحقيقة آيات له؛ لأنها تصديق لطريق هذا الولي المتبع للرسول؛ فتكون آية على صدق الرسول، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أن كل كرامة لولي فهي آية لذلك النبي المتبع؛ وذكر ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" على ذلك أمثلة؛ ومنها أن من الصحابة من مشَوا على الماء؛ وهو أبلغ من فلق البحر لبني إسرائيل، ومشيهم على الأرض اليابسة. ٤ من فوائد الآية: أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾؛ وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] الآيتين. ٥ ومنها: أن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه؛ فإغراقه، أو إهلاكه نعمة؛ وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله ؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله ، كما قال تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩]. ٦ ومن فوائد الآية: عتوّ بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغياناً، وتكذيباً للرسل، واستكباراً عن عبادة الله . ٧ ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى. ﵊؛ وقد كان فرعون يقول: ﴿يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥١. ٥٢]؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين. القرآن

стр. 527

﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ [البقرة: ٥١] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم، فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة، وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، "أي واذكروا إذ واعدنا موسى أربعين ليلة" (١). قال الصابوني: " أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة، وكان ذلك بعد نجاتكم وإِهلاك فرعون" (٢). قال ابن عثيمين: " وعده الله تعالى لميقاته ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة" (٣). و﴿مُوسى﴾، اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء (مو)، وللشجر (سا)، فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر، فسمّي (موسى) (٤). قاله السدي (٥). قال ابن إسحاق: "وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله" (٦). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥١]، على وجهين (٧): أحدهما: ﴿وَاعَدْنَا﴾: بالألف، وهي قراءة ابن مسعود. واستندوا بأنه، قد يجيء المفاعلة من واحد كقولهم: عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل. والثاني: ﴿وَعَدْنَا﴾: بغير ألف في جميع القرآن، قرأ بها أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب. وقالوا: لأنّ الله هو المتفرد بالوعد، يعني: المواعدة إنما تكون لغير الآدميين، واستدلوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. قال ابن عطية: " وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة" (٨). قال الزجاج: وكلاهما جائز .. وواعدنا هنا جيد بالغ، لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فهو من اللَّه وعدٌ ومن موسى قبول واتًبَاعٌ، فجرى مجرى المواعدة" (٩). قال أبو حيان: "يحتمل ﴿واعدنا﴾، أن يكون بمعنى ﴿وعدنا﴾، ويكون صادرا من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله، وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد، قال القفال: " ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله، بمعنى يعاهده، وقيل: وعد إذا كان من غير طلب وواعد إذا كان من طلب .. ثم يقول: " وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ ﴿وعدنا﴾ بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ ﴿واعدنا﴾ بالألف، ووافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي. وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل منهما يعد صاحبه. . ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأن كلا منهما متواترة، فهما في الصحة على حد سواء" (١٠). وقرأ زيد بن علي: ﴿أَرْبِعِينَ﴾، بكسر الباء وهي لغة (١١).

стр. 528

والأربعون: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، قاله أبو العالية (١)، وهو قول أكثر المفسرين. وقال ابن إسحاق قال: وعد الله موسى - حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء، واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به" (٢). وروي عن السدي (٣) نحو ذلك. وكان ذلك بعد أن جاوز موسى البحر وسأل قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده، فاتخذوا العجل وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله (٤). واختلفوا في قوله تعالى ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، على قولين (٥): أحدهما: أن المراد: أربعين ليلة بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد. وهذا قول الجمهور. والثاني: وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وبقولهم: اليوم أربعون منذ خرج فلان، واليوم يومان، أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين. والقول الثاني خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة، فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، بغير برهان دال على صحته (٦). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١]، أي: "ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها" (٧). قال ابن عثيمين: أي "صيرتم العجل إلها" (٨). قال الصابوني: " أي عبدتم العجل" (٩). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١]، أي: "من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد" (١٠). قال الثعلبي: أي: "من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد" (١١). قال ابن عثيمين: "من بعد موسى، حين ذهب لميقات الله" (١٢). قال الصابوني: أي بعد غيبته عنكم، حين ذهب لميقات ربه" (١٣). وأصل (اتخذتم) (ائتخذتم) من (الأخذ) ووزنه أفتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في (موتخذ) فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما

стр. 529

بعدها وهي التاء وأدغمت ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً﴾ [البقرة: ٨٠] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر (١): أَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أَشْياعِهِمْ ... خَبَراً، أَمْ رَاجَعَ الَقْلبَ مِنْ أَطْرَابِهِ طَرَبُ ونحوه في القرآن ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ﴾ [ص: ٧٥] ومذهب أبي علي الفارسي أن (اتخذتم) من (تخذ) لا من (أخذ) (٢). و﴿العجل﴾، "تمثال من ذهب صنعه السامري، وقال لبني إسرائيل: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] " (٣)، "أي تركه هاهنا وخرج بطلبه" (٤). روي ذلك عن ابن عباس (٥)، والسدي (٦)، وابن إسحاق (٧)، وابن زيد (٨)، ومجاهد (٩)، وأبي العالية (١٠)، نحو ذلك. قال أبو العالية: "وإنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى" (١١). وقال مجاهد: قوله: ﴿العجل﴾، حسيل البقرة، ولد البقرة" (١٢). قال الثعلبي: " وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى ﵇ ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، أفتتن بالعجل ثمانية ألف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه من دون الله " (١٣). واختلف في الذين عبدوا العجل على أقوال (١٤): أحدها: أنهم كلهم عبدوا العجل، إلا هارون. وها يدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿ثم اتخذتم﴾ [البقرة: ٥١]. والثاني: وقيل: الذين عكفوا على عبادته من قوم موسى، ثمانية آلاف رجل. والثالث: وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفاً. والرابع: وقيل: إلا هارون والسبعين رجلاً الذين كانوا مع موسى. قال أبو حيان: "وهذا هو الصحيح" (١٥)، أي القول الأخير. والجمهور على إدغام الذال في التاء في قوله تعلى: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ [البقرة: ٥١]، ، وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة: بالإظهار (١٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، "أي معتدون في تلك العبادة ظالمون لأنفسكم" (١٧). أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: "قوله: ﴿ظالمون﴾، قال: أصحاب العجل" (١٨).

стр. 530

قال الزمخشري: "بإشراككم" (١). قال الثعلبي: أي: وأنتم: "مشّاؤون لأنفسكم بالمعصية، وواضعون العبادة في غير موضعها" (٢). قال البغوي: أي وأنتم" ضارون لأنفسكم بالمعصية، واضعون العبادة في غير موضعها" (٣). قال الواحدي: " أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها" (٤). قال النسفي: " أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم" (٥). قال المراغي: "أي: بإشراكهم ووضعهم للشىء في غير موضعه بعبادة العجل بدل عبادة خالقهم وخالقه" (٦). قال السعدي: وأنتم" عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما" (٧). قال الراغب: " عنى به الظلم المطلق وهو الكفر، وفي الآية حث على معرفة ما وعدنا الله تعالى به ومراعاته والمنع من الاشتغال عنه تعالى بشيء بغيره، وعلى هذا الوجه قال بعض الناس: كل ما شغلك عن الله فهو عجل متخذ وطاغوت متع وشيطان مطاع ومبدأ كل ذلك اتباع الهوى، ولذلك قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال وهذا وإن لم يكن كفراً فهو شرك وبهذا الوجع قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " (٨). واختلف في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، على قولين (٩): القول الأول: أنه جملة حالية، ومتعلق الظلم، وفيه وجوه: أحدها: ظالمون بوضع العبادة في غير موضعها. والثاني: وأنتم ظالمون، بتعاطي أسباب هلاكها. والثالث: وأنتم ظالمون، برضاكم فعل السامري في اتخاذه العجل، ولم تنكروا عليه. والقول الثاني: أنه إخبار من الله، وفيه وجهان: أحدهما: إنهم ظالمون: "أي سجيتهم الظلم، وهو وضع الأشياء في غير محلها، والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعده وكنتم ظالمين، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ " (١٠). والثاني: وقيل: "وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد ﷺ " (١١). وقد نقل السادة المفسرون قصصاً كثيراً مختلفاً في سبب اتخاذ العجل، وكيفية اتخاذه، وانجر مع ذلك أخبار كثيرة، الله أعلم بصحتها، إذ لم يشهد بصحتها كتاب ولا حديث صحيح، فتركنا نقل ذلك على عادتنا في هذا الكتاب. الفوائد: ١ من فوائد الآيتين: حكمة الله. ﵎. في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة. مع أنه قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة. لا نعلم ما هي. وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولاً، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربه أربعين ليلة.

стр. 531

٢ ومنها: بيان جهل بني إسرائيل الجهل التام؛ وجه ذلك أن هذا الحلي الذي جعلوه إلهاً هم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حلياً من آل فرعون، وصنعوه على صورة الثور عجلاً جسداً. لا روح فيه؛ ثم قال السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ [طه: ٨٨]؛ وزعموا أن موسى ضلّ، ولم يهتد إلى ربه، وهذا ربه! والعياذ بالله؛ فكيف يكون المصنوع رباً لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وهذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى. ﵊. حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] قال لهم نبيهم موسى: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وصدق ﵊. ٣ ومن فوائد الآيتين: أن اتخاذهم العجل كان عن ظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾، وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم. القرآن ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥٢] التفسير: ثمَّ تجاوزنا عن هذه الفعلة المنكرة، وقَبِلْنَا توبتكم بعد عودة موسى؛ رجاءَ أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله، ولا تتمادوا في الكفر والطغيان. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، أي: " محونا ذنوبكم" (١). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢]، أي: " بعد عبادتكم العجل" (٢). قال أبو العالية: " يعني من بعد ما اتخذوا العجل" (٣). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٤). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]، أي: "لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم" (٥). قال عون بن عبدالله: "إن ﴿لعل﴾، من الله واجب" (٦). و﴿لعل﴾ هنا للتعليل، بمعنى (كي). قاله أبو مالك (٧). وقال سفيان بن عيينة: "على كل مسلم أن يشكر ربه ، لأن الله قال: ﴿لعلكم تشكرون﴾ " (٨). و"الشكر يكون بالقلب: وهو إيمان القلب بأن النعمة من الله ، وأن له المنة في ذلك؛ ويكون باللسان: وهو التحدث بنعمة الله اعترافاً، لا افتخاراً؛ ويكون بالجوارح: وهو القيام بطاعة المنعِم" (٩). وقال ابن منظور: "والحمد والشكر متقاربان والحمد أَعمهما لأَنك تحمد الإِنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته ومنه الحديث الحمد رأْس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده كما أَن كلمة الإِخلاص رأْس الإِيمان وإِنما كان رأْس الشكر لأَن فيه إِظهار النعمة والإِشادة بها ولأَنه أَعم منه فهو شكر وزيادة" (١٠). وقال الراغب: "الشكر: تصور النعمة وإظهارها، قيل وهو مقلوب عن الكشر أي الكشف، ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل أصله من عين شكري أي ممتلئة، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، والشكر ثلاثة أضرب: الأول: شكر القلب، وهو تصور النعمة. والثاني: شكر اللسان، وهو الثناء على المنعم. والثالث: شكر سائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه" (١١). وقد اختلف أهل العلم في الحمد والشكر هل بينهما فرق؟ على قولين: القول الأول: أن الحمد والشكر بمعنى واحد، وأنه ليس بينهما فرق، واختار هذا ابن جرير الطبري وغيره. قال الطبري: " ومعنى (الْحَمْدُ لِلَّهِ): الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه .. "، ثم قال ﵀ بعد ذلك: " ولا تَمانُع [أي: اختلاف] بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم لقول القائل: "الحمد لله شكرًا " بالصحة، فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد؛ لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال: " الحمد لله شكرًا " (١٢). القول الثاني: أن الحمد والشكر ليسا بمعنى واحد، بل بينهما فروق، ومن تلك الفروق: أولا: أن الحمد يختص باللسان، بخلاف الشكر، فهو باللسان والقلب والجوارح. والثاني: أن الحمد يكون في مقابل نعمة، ويكون بدونها، بخلاف الشكر لا يكون، إلا في مقابل نعمة. قال ابن كثير ﵀ – في معرض رده على كلام ابن جرير السابق: "وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين: أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر (١٣): أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبا ولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد، أو الشكر على قولين، والتحقيق أن بينهما عموماً وخصوصاً، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه. وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول والفعل والنية، كما تقدم. وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية: لا يقال شكرته لفروسيته، وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إليّ، هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم " (١٤). وعلى ذلك بنى أبو هلال العسكري تفريقه بين الأمرين، قال ﵀: " الفرق بين الحمد والشكر: الحمد هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبر، والشكر: فعل ينبئ عن

стр. 532

تعظيم المنعم لأجل النعمة، سواء أكان نعتا باللسان، أو اعتقادا، أو محبة بالجنان، أو عملا وخدمة بالأركان، وقد جمعها الشاعر في قوله. (فذكر البيت السابق)، فالحمد أعم مطلقا، لانه يعم النعمة وغيرها، وأخص موردا إذ هو باللسان فقط، والشكر بالعكس، إذ متعلقه النعمة فقط، ومورده اللسان وغيره، فبينهما عموم وخصوص من وجه، فهما يتصادقان في الثناء باللسان على الإحسان، ويتفارقان في صدق الحمد فقط على النعت بالعلم مثلا، وصدق الشكر فقط على المحبة بالجنان لأجل الإحسان " (١). وقال ابن القيم ﵀: " والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا: أن الشكر يكون: بالقلب خضوعا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقيادا، ومتعلقه: النعم دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان" (٢). ويقارب كلام ابن القيم ما ذكره القرطبي في تفسيره بعد أن ذكر كلام أهل العلم في الفرق بين الحمد والشكر قال: "قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر، لان الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا، فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر" (٣). وللعلامة أبي السعادات ابن الأثير كلاما نفيسا في الموضوع قال: "والحمد والشكر مُتَقاربان، والحمد أعَمُّها لأنَّك تحمَد الإنسان على صِفاته الذَّاتيَّة وعلى عطائه ولا تَشْكُره على صِفاته، ومنه الحديث "الحمدُ رأس الشُّكر ما شَكَر اللهَ عبْدٌ لا يَحْمَده " (٤)، كما أنّ كلمة الإخْلاص رأسُ الإيمان، وإنما كان رأسَ الشُّكر لأنّ فيه إظهار النّعْمة والإشادة بها ولأنه أعم منه فهو شُكْر وزيادة" (٥). الفوائد: ١. من فوائد الآية: سعة حلم الله ، وأنه مهما بارز الإنسان ربه بالذنوب فإن حلم الله تعالى قد يشمله، فيوفق للتوبة؛ وهؤلاء وفِّقوا لها. ٢. ومنها: أن العفو موجب للشكر؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ وإذا كان العفو. وهو زوال النقم. موجباً للشكر فحدوث النعم أيضاً موجب للشكر من باب أولى. القرآن ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم حين أعطينا موسى الكتاب الفارق بين الحق والباطل -وهو التوراة-؛ لكي تهتدوا من الضلالة. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، "أي واذكروا نعمتي أيضاً حين أعطيت موسى التوراة الفارقة بين الحق والباطل" (٦). قال ابن عثيمين: " أي واذكروا إذ أعطينا موسى التوراة الفارق بين الحق والباطل" (٧).

стр. 533

روي " عن قتادة في قوله: ﴿الكتاب﴾، قال التوراة" (١). وهو قول جمهور المفسرين (٢). وقال مجاهد: " ﴿الكتاب﴾: هو الفرقان، فرقان بين الحق والباطل" (٣). وروي عن أبي العالية (٤)، والربيع بن أنس (٥)، نحو ذلك. واختلف في (الواو) في قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، على وجهين (٦): أحدهما: أن (الواو) فيه زائدة. وهذا مذهب الكسائي (٧)، إذ يرى: أن الفرقان نعت للكتاب، والمعنى: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي: الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت (الواو)، كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي، وأنشد (٨): إِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم وضعّف هذا القول أبو حيان (٩) وابن كثير (١٠). والثاني: أن (الواو) حرف عطف، فعطف عليه وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول عدي العبادي (١١): وقدمت الأديم لراقشيه ... فألفى قولها كذبًا ومينا وقال الحطيئة (١٢): ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد فالكذب هو المين، والنأي: هو البعد، وقال عنترة (١٣): حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم قال الزجاج: " والقول الأول هو القول، لأن الفرقان قد ذكر لموسى في غير هذا الموضع - قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] " (١٤). وَ ﴿الْفُرْقَانَ﴾: الفصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] (١٥).

стр. 534

و (الفرقان) لغة: مصدر فرَقت بين الشيئين: أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون" (١). واختلف في تفسير ﴿الْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، هنا، على أربعة أوجه: أحدها: أن ﴿الفُرْقَانَ﴾: ما في التوراة من فَرْقٍ بني الحقِّ والباطلِ، فيكون ذلك نعتاً للتوراة. قاله أبو العالية (٢)، ومجاهد (٣)، والربيع بن أنس (٤)، واختاره الفراء (٥)، وارتضاه الزجاج (٦)، وهو قول جمهور أهل التفسير (٧). واحتجوا من وجهين: الأول: أن العرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه، ومنه قول عدي بن زيد (٨): وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا فقوله (كذبًا ومينًا)، عطف (المين) على (الكذب)، وهو بمعناه. وقال عنترة (٩): حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ والثاني: أن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين (١٠)، والعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكون المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكون المغايرة بين صفتين؛ وقد تكون بين ذات وصفة؛ فمثلاً: قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١]: المغايرة بين ذاتين؛ وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ١ - ٤]: المغايرة بين صفتين؛ وقوله تعالى هنا: ﴿الكتاب والفرقان﴾: المغايرة بين ذات وصفة؛ فـ ﴿الكتاب﴾ نفس التوراة؛ و ﴿الفرقان﴾ صفته؛ فالعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف (١١).

стр. 535

القول الثاني: أن ﴿الفرقان﴾: النصر، الذي فرَّق الله به بين موسى وفرعون، حتى أنجى موسى وقومَهُ، وأغرق فرعون وقومهُ. قاله ابن زيد (١)، وروي عن ابن عباس (٢) نحو ذلك. ومما يعضد هذا الوجه، قول عبدالله بن رواحة، وهو يخاطب النبي ﷺ (٣): فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا فعلى هذا، سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا (٤). وعن يمان بن رباب: " ﴿الفرقان﴾: انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ " (٥). وهذا الوجه أيضا يدخل ضمن القول الثاني. القول الثالث: أن ﴿الفرقان﴾: هو "علم الكتاب وتبيانه وحكمته". قاله سعيد بن جبير (٦). القول الرابع: أن ﴿الفرقان﴾، هو القرآن، وهذا قول قطرب، حكاه الزجاج عنه (٧)، وعلّلوا قولهم ذلك، من وجهين: أحدهما: أن الفرقان القرآن وأن معنى إتيانه لموسى ﵇، نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري (٨). وضعّفه الآلوسي وقال: "وهو بعيد" (٩). والثاني: حكي "عن الفراء وقطرب، أن الفرقان هو القرآن، والكلام على حذف مفعول، أي: ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين كقول الشاعر (١٠): تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ أراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (١١). وضعّفه الأنباري قائلا: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد ﷺ فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (١٢). وكذا اعترض عليه الآلوسي وبعّده (١٣). والصحيح هو قول جمهور أهل التفسير، بأن ﴿الفرقان﴾ هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. والله أعلم.

стр. 536

قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، "أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها والعمل بما فيها من أحكام" (١). قال الطبري: " لتهتدوا بها، وتتبعوا الحق الذي فيها" (٢). روي "عن سعيد بن جبير في قول الله : ﴿لعلكم﴾، يعني (لكي) " (٣). قال ابن عثيمين: " أي لعلكم تهتدون بهذا الكتاب الذي هو الفرقان؛ لأن الفرقان هدى يهتدي به المرء من الضلالة، و ﴿تهتدون﴾ أي هداية العلم، والتوفيق؛ فهو نازل للهداية؛ ولكن من الناس من يهتدي، ومنهم من لا يهتدي " (٤). قال الثعلبي: أي: "لهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين، كقول الشاعر (٥): تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه بات له وفر" (٦) ويطلق لفظ التوراة (٧): على الشريعة المكتوبة، كما يطلق لفظ التلمود: على الشريعة الشفهية. وأما لفظ العهد القديم: فيطلق على مجموعة الأسفار التي كتبت قبل عهد المسيح ﵇ والتي تضم الأسفار التي جاء بها موسى وأنبياء بني إسرائيل وسميت كذلك -العهد القديم- للتميز بينها وبين العهد الجديد، الذي يزعمون أن الرب قطعه مع بني إسرائيل على يد المسيح عيسى ﵇ (٨). وإن من المعلوم أن التوراة الموجودة الآن بين يدي اليهود والنصارى محرفة (٩)، ومن خلال دراسة تاريخ التوراة يتبين لنا أن هذه الأسفار من صنع أجيال متعددة، وأن فترة التدوين بدأت من عهد عزرا

стр. 537

واستمرت بعده، وأن الكهنة كانوا يعتمدون على ما سمعوه وما تلقاه الخلف عن السلف من أخبار وأساطير وأقوال، وكثيراً ما كان الكهنة يكتبون ما يجيش بصدورهم أو مايأملونه على أنه حقيقة واقعة، أو تاريخ سابق. الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه، وآلائه؛ بل هو من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق؛ بل ولا حق المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتب تبياناً للناس. ٢ ومنها: أن موسى ﷺ نبي رسول، لأن الله تعالى آتاه الكتاب. ٣ ومنها: فضيلة التوراة؛ لأنه أُطلق عليها اسم ﴿الكتاب﴾؛ و "أل" هذه للعهد الذهني؛ فدل هذا على أنها معروفة لدى بني إسرائيل، وأنه إذا أُطلق الكتاب عندهم فهو التوراة؛ أيضاً سماها الله تعالى الفرقان، كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين أعظم الكتب، وأهداهما؛ لقوله تعالى: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ [القصص: ٤٩]. يعني التوراة، والإنجيل. ﴿أتبعه إن كنتم صادقين﴾ [القصص: ٤٩]؛ ودل هذا على أن التوراة مشاركة للقرآن في كونها فرقاناً؛ ولهذا كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ [المائدة: ٤٤]. ٤ ومن فوائد الآية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقاناً، ثم هم يكفرون هذا الكفر دلّ على زيادة عتوهم، وطغيانهم؛ إذ من نُزِّل عليه كتاب يكون فرقاناً كان يجب عليه بمقتضى ذلك أن يكون مؤمناً مذعناً.

стр. 538

٥ ومنها: أن الله. ﵎. يُنزل الكتب، ويجعلها فرقاناً لغاية حميدة حقاً. وهي الهداية؛ لقوله تعالى: (لعلكم تهتدون) ٦ ومنها: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء. لا يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وجعجعة المتكلمين، والفلاسفة، وما أشبه ذلك؛ بل من الكتب المنَزلة من السماء. فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد، والعباد، ونحوهم نقول لكاتبيها، وقارئيها: خير لكم أن تبدو للناس كتاب الله ، وما صح عن رسوله ﷺ وتبسطوا ذلك، وتشرحوه، وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعاً للخلق؛ لأنه لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله . ٧ ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ وبسط ذلك مذكور في كتب العقائد. ٨ ومنها: أن الإيتاء المضاف إلى الله يكون كونياً، ويكون شرعياً؛ مثال الكوني قوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ [القصص: ٧٦]؛ ومثال الشرعي قوله تعالى: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾ [الإسراء: ٢]. القرآن ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم حين قال موسى لقومه: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا، فإنه أعظم الظلم، فتوبوا إلى الله الذي خلقكم وأبدعكم: وهذه التوبة بأن يَقْتل بعضكم بعضًا، فمن قتل فحي يرزق ومن بقي قبلت توبته وطهرهم الله بذلك، وهذا خير لكم عند خالقكم من الخلود الأبدي في النار، فامتثلتم ذلك، فمنَّ الله عليكم بقَبول توبتكم، إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم. قال الآلوسي: وهذه " نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل، حيث نالوا درجة الشهداء، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين، وإنما فصل بينهما بقوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنا﴾ إلخ، لأن المقصود تعداد النعم- فلو اتصلا لصارا نعمة واحدة- وقيل: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم- وليس بشيء-" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٥٤]، " أي واذكروا إذ قال موسى لقومه (٢). قال الثعلبي: أي: " الذين اتخذوا العجل" (٣) وكذا قاله البغوي (٤)، والواحدي" (٥). قال الآلوسي: " و (اللام) في ﴿لِقَوْمِهِ﴾، للتبليغ، وفائدة ذكره التنبيه على أن خطاب مُوسى لِقَوْمِهِ كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه- كالخطابات المذكورة سابقا لبني إسرائيل" (٦). قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [البقرة: ٥٤]، "أي يا أصحابي" (٧). قال ابن عثيمين: "وناداهم بوصف القومية تحبباً، وتودداً، وإظهاراً بأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه بمقتضى العادة" (٨). وسمي الرجال قوما، "لأنهم يقومون بما لا يقوم به النساء" (٩).

стр. 539

واختلف في اختصاص (القوم) بالرجال دون النساء، على قولين: أحدهما: المشهور اختصاص (القوم) بالرجال: فالقوم: "اسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحده أمريء وقياسه أن لا يجمع وشذ جمعه على أقاويم والمشهور إختصاصه بالرجال" (١) أي الجماعة من الرجال دون النساء، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، ولما كان لفظ قوم مختصا بالرجال لأنهم القوم على النساء، أفرد النساء بالذكر فقال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١] ومنه قول زهير (٢): وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء يعني: أرجال هم أم نساء؟ فعبر عن الرجال بالقوم، و (قوم) جمع (قائم) كصوم جمع صائم، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء، وسموا قوماً لأنهم هم الذين يقومون بالأمور: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، فهم يقومون بالأمور، ويتولون الحروب والقيادة. وغير ذلك (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٨٠]، أراد الرجال دون النساء (٤). والثاني: وقيل: لا إختصاص له بهم بل يطلق على النساء أيضا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا (٥). والقول الأول أصوب، وإنما إندراج النساء يكون على سبيل "الإستتباع والتغليب" (٦)، وإن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك. وفي إقبال موسى على قومه بالنداء ونداؤه لهم بـ (ياقوم)، إيذان بالتحنن عليهم وأنه منهم وهم منه وهز لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم ظلموا أنفسهم بعبادة العجل (٧). قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، أي: " ضررتم بأنفسكم" (٨). قال ابن عثيمين: أي" نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن "الظلم" في الأصل بمعنى النقص، كما قال الله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص" (٩). قوله تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، "أي بسبب اتخاذكم العجل إلها تعبدونه من دون الله" (١٠). وهذا العجل سبق أنه عجل من ذهب، وأن الذي فتن الناس به رجل يقال له: السامري (١١). و(العجل)، لفظة عربية، اسم لولد البقرة (١٢). وقال قوم: "سمي عجلا لأنه استعجل قبل مجيء موسى ﵇" (١٣). قال ابن عطية: " وليس هذا القول بشيء" (١٤). واختلف في (العجل) هل بقي من ذهب؟ ، فقال الجمهور بأنه بقي من ذهب (١٥)، وقال الحسن بن أبي الحسن: "صار لحما ودما" (١٦).

стр. 540

قال ابن عطية: والأول أصح" (١). قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُم﴾ [البقرة: ٥٤]، "أي ارجعوا إليه من معصيته إلى طاعته" (٢). قال أبو العالية: "أي: إلى خالقكم" (٣). وكذلك فسره سعيد بن جبير والربيع بن أنس (٤). قال الطبري: أي: " ارجعوا إلى طاعة خالقكم، وإلى ما يرضيه عنكم" (٥). قال البيضاوي: "فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم براءٍ من التفاوت، ومميزاً بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة" (٦). قال المراغي: "أي فاعزموا على التوبة إلى من خلقكم وميّز بعضكم من بعض بصور وهيئات مختلفة، وفي قوله ﴿إلى بارئكم﴾، إيماء إلى أنهم بلغوا غاية الجهل، إذ تركوا عبادة البارئ وعبدوا أغبى الحيوان وهو البقر" (٧). قال أبو حيان: " ﴿توبوا إلى بارئكم﴾، أي منشئكم وموجدكم من العدم، إذ موجد الأعيان هو الموجد حقيقة. وأما عمل العجل واتخاذه فليس فيه إبراز الذواب من العدم، إنما ذلك تأليف تركيبي لا خلق أعيان، فنبهوا بلفظ الباري على الصانع، أي الذي أوجدكم هو المستحق للعبادة، لا الذي صنعه، مصنوع مثله، فلذلك، والله أعلم، كان ذكر الباري هنا" (٨). و(الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، "لأن الظلم سبب التوبة" (٩). و(البارئ): الخالق المعتني بخلقه؛ وهو من: برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ، و (البرية): الخلق، وهي (فعيلة) بمعنى (مفعولة)، غير أنها لا تهمز، كما لا يهمز (ملك) وهو من (لأك)، لكنه جرى بترك الهمزة كذلك قال نابغة بني ذبيان (١٠): إلا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد وقد قيل: إن (البرية) إنما لم تهمز لأنها (فعيلة) من (البَرَى)، والبَرَى: التراب، فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب، وقال بعضهم: إنما أخذت (البرية) من قولك: بريت العود، فلذلك لم يهمز (١١). وقد قال الزمخشري كلاما نفيسا في اختصاص ذكر البارئ هنا، فقال: " فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، ومتميزا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. - في أمثال العرب: أبلد من ثور - حتى عرضوا أنفسهم لسخط اللَّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها" (١٢).

стр. 541

واختلفت القراءة في ﴿بارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على ثلاثة وجوه (١): أحدها: قرأ الجمهور: ﴿بارئكم﴾، بإظهار الهمزة وكسرها. والثاني: وقرأ أبو عمرو: «بارئْكم» بإسكان الهمزة، وروي عنه الاختلاس. ومنع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن (٢). قال أبو حيان: "وما ذهب إليه (٣) ليس بشيء، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله ﷺ ، ولغة العرب توافقه على ذلك، فإنكار المبرد لذلك منكر " (٤)، ومن ذلك قول الشاعر (٥): فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثماً من الله ولا واغل وقول جرير (٦): سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرا ولا تعرفكم العرب ومن ذلك قول وضاح اليمن (٧): إنما شعري شهد ... قد خلط بالجلجلان والثالث: وقرأ الزهريّ: ﴿باريكم﴾، بكسر الياء من غير همز، وروي ذلك عن نافع (٨). قال أبو حيان: ولهذه القراءة تخريجان (٩): أحدهما: أن الأصل الهمزة، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف جعلها بين بين. والثاني: أن يكون الأصل باريكم، بالياء من غير همز، ويكون مأخوذاً من قولهم: بريت القلم، إذا أصلحته، أو من البري: وهو التراب، ثم حرك حرف العلة، وإن كان قياسه تقديراً لحركة في مثل هذا رفعاً وجراً، وقال الشاعر (١٠): ويوماً توافينا الهوى غير ماضي وقال آخر (١١): ولم تختضب سمر العوالي بالدم وقال آخر (١٢): خبيث الثرى كأبي الأزيد

стр. 542

قال أبو حيان: "وهذا كله تعليل شذوذ" (١). قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، أي: "ليقتل البريء المجرم" (٢). قال ابن عباس ومجاهد: " قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد" (٣). قال ابن عثيمين: أي: "ليقتل بعضكم بعضاً" (٤). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) [البقرة: ٥٤] على ثلاثة أوجه (٦): أحدها: قيل معناه: أنهم قاموا صفين، يقتل بعضهم بعضا (٧)، قاله ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، ومجاهد (١٠)، وقتادة (١١)، والحسن (١٢)، وأبو عبدالرحمن (١٣). وقالوا: إنما عبر بقتل النفس، لأن المؤمن أخو المؤمن فكأنه هو نفسه (١٤)، فقد روي عن أبي عبدالرحمن، أنهم " عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضا" (١٥)، "حتى قيل لهم كُفوا. قال قتادة: "كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي" (١٦). واعترض القاضي عبدالجبار أن يكون الله قد أمر بني اسرائي بقتل أنفسهم، وقد ردّ الآلوسي على اعتراضه (١٧). والثاني: وقيل معناه البخع، فقوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أى فابخعوها واجعلوها مطية ذلولا للعقل والإرادة، واقطعوا شهواتها، والتعبير عن ذلك بقتل النفس، لأن النفس الفاجرة الضالة إذا فطمت عن الشهوات كأنها

стр. 543

قتلت، وحلت محلها النفس الطاهرة اللوامة التى تقهر الشهوات قهرا، والشرور دائما من الأهواء والشهوات، واستعمال القتل والبخع بالنسبة للنفوس، وإرادة غير الظاهر كثير فى كلام العرب، وفى القرآن كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وإن هذا النص الكريم يشير إلى أن التوبة النصوح التى يقبلها الله تعالى، ويغفر بها الذنوب توجب قهر الشهوات والأهواء وقتل منابعها فى النفس (١). ومن ذلك قول حسان (٢): إن التي ناولتني فرددتها ... قُتِلَتْ قُتِلْتَ فهاتها لم تقتل ذكر الآلوسي هذا القول، وعقب عليه قائلا: "ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيرا" (٣). والثالث: وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة، أي يقتلُ البريءُ المجرمَ، "وكان السببُ في امتحانِهم بذلك: أنهُ كان فيهم من عَرَفَ بطلانَ عبادة العجلِ؛ إلا أنَّهم لم يَنْهَوا الآخرين لخشيةِ وقوع القتلِ فيما بينهم، فابتلاهم اللهُ بما تركُوا النهيَ عن المنكر لأجلهِ" (٤). وجمهور المفسرين أخذوا بظاهر اللفظ وهو (القتل)، إذ هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لوجود الروايات التي تؤكد ذلك (٥). والله أعلم. قد واختلفوا فيمن خوطب بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على ثلاثة أوجه (٦): أحدها: أنه خطاب للكل. قاله السدي عن أشياخه (٧). والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد. قاله مقاتل (٨). والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضا. قاله أبو سليمان الدمشقي (٩). واختلف المفسرون: هل هذا القتل وقع في ظلمة، أم وقع جهاراً بدون ظلمة؟ ، فذكروا فيه وجهين (١٠): الأول: أنهم لما أمروا بذلك قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضاً وهو ينظر إليه: ينظر الإنسان إلى ابنه، فيقتله، وإلى أبيه، وإلى صديقه! هذا شيء لا يطاق؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة، وصار يقتل بعضهم بعضاً، ولا يدري مَن قتل (١١). والثاني: وقيل: بل إنهم قتلوا أنفسهم جهراً بدون ظلمة. والقول الثاني أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر القرآن أنه لم تكن هناك ظلمة، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً عِياناً، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، ورجوعهم إلى الله .

стр. 544

قال أبو حيان: " وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما يوجب مبادرة الازدجار عن مخالفة الملك القهار، وانظر إلى لطف الله بهذه الملة المحمدية، إذ جعل توبتها في الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم المعاودة إليه" (١). واختلف في نوع (الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على وجهين (٢): أحدهما: أنها سببية، وأن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم. والثاني: أنها للتعقيب، والمعنى فأتبعوا التوبة القتل، تتمة لتوبتكم. قال أبو حيان: "وقد أنكر في المنتخب كون القتل يكون توبة وجعل القتل شرطاً في التوبة، فأطلق عليه مجازاً، كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة: توبتك رد ما غصبت، يعني أنه لا تتم توبتك إلا به، فكذلك هنا" (٣). وقرأ قتادة: ﴿فأقيلوا أنفسكم﴾، من الإقالة، أي استقيلوا العثرة بالتوبة (٤). قال الآلوسي: "والمعنى أن أَنْفُسَكُمْ قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت- فأقيلوها- بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات" (٥). قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُم﴾ [البقرة: ٥٤]، "أي ما ذكر من التوبة والقتل أنفع لكم عند الله من العصيان والإصرار على الذنوب لما فيه من العذاب" (٦). قال سعيد بن جبير: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، " يعني: أفضل" (٧). قال البيضاوي: " من حيث إنه طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية" (٨). قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾﴾ [البقرة: ٥٤]، " أي قبل توبتكم" (٩). قال الطبري: أي"رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم، والصفح عن جرمكم" (١٠). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]، "أي عظيم المغفرة واسع التوبة" (١١). قال الطبري: أي" الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني ب " الرحيم "، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته" (١٢). قال المراغي: " أي إنه هو الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويقبلها منهم، وهو الرّحيم بمن ينيب إليه ويرجع، ولولا ذلك لعجل بإهلاككم على ما اجترحتم من عظيم الآثام" (١٣). وقال ابن عثيمين: " ﴿التواب﴾ أي كثير التوبة: لكثرة توبته على العبد الواحد، وكثرة توبته على التائبين الذين لا يحصيهم إلا الله، فهو يتوب في المرات المتعددة على عبده، ويتوب على الأشخاص الكثيرين الذين تكثر توبتهم؛ و ﴿الرحيم﴾ أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء" (١٤).

стр. 545

قال الآلوسي: قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، " تذييل لقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا﴾، فإن التوبة بالقتل- لما كانت شاقة على النفس هونها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها، أو تذييل لقوله تعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ " (١). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿يا قوم﴾؛ فإن هذا لا شك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر. ٢ ومنها: أن اتخاذ الأصنام مع الله ظلم؛ لقوله: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾. ٣ ومنها: أن المعاصي ظلم للنفوس؛ وجه ذلك: أن النفس أمانة عندك؛ فيجب عليك أن ترعاها بأحسن رعاية، وأن تجنبها سوء الرعاية؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن لنفسك عليك حقا (٢) ً". ٤ ومنها: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾؛ لأن ذكر "البارئ" هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهاً؛ فإن الذي يستحق أن يكون إلهاً هو البارئ. أي الخالق . ٥ ومنها: وجوب التوبة؛ لقوله: [فتوبوا إلى بارئكم]. ٦ ومنها: أن التوبة على الفور؛ لقوله: ﴿فتوبوا﴾؛ لأن الفاء للترتيب، والتعقيب. ٧ ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبباتها؛ لقوله ﴿باتخاذكم﴾: فإن الباء هنا للسببية. ٨ ومنها: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يبين الأسباب فيما يحكم به؛ لقوله: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾. ٩ ومنها: سفاهة بني إسرائيل، حيث عبدوا ما صنعوا وهم يعلمون أنه لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً، ولا نفعاً. ١٠ ومنها: ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال، والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضاً؛ لقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾. ١١ ومنها: أن الأمة كنفس واحدة؛ وذلك لقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾؛ لأنهم ما أُمروا أن يقتل كل واحد منهم نفسه؛ بل يقتل بعضهم بعضاً؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: ١١] أي لا يلمز بعضكم بعضاً؛ وعبر عن ذلك بـ "النفس"؛ لأن الأمة شيء واحد؛ فمن لمز أخاه فكمن لمز نفسه ١٢ ومنها: تفاضل الأعمال؛ لقوله: ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾. ١٣ ومنها: أن الله يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾. ١٤ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾؛ وإثبات ما تضمناه من صفة. وهي: التوبة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما. لا تكون عند انفراد أحدهما؛ لأنه لما اقترنا حصل من اجتماعهما صفة ثالثة. وهي: الجمع بين التوبة التي بها زوال المكروه، والرحمة التي بها حصول المطلوب. ١٥ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله؛ فيتعرض لتوبة الله، ورحمته؛ فيتوب إلى ربه ، ويرجو الرحمة؛ وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله ﷺ : "من أحصاها". أي أسماء الله التسعة والتسعين. "دخل الجنة" (٣)؛ فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان بمقتضاها. القرآن

стр. 546

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥] التفسير: واذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله، حتى نرى الله عِيَانًا، فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم، فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم، وجُرْأتكم على الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥]، "أي: واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم يا موسى" (١). قال ابن عثيمين: " والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ ، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم" (٢). قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥]، "أي لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به" (٣). قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ [البقرة: ٥٥] " أي حتى نرى الله علانية" (٤). و(جَهْرَةً): أي "معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف" (٥)، يقال "فلان يجاهر بالمعاصي أيْ لا يسْتتِر من الناس منها بشيءٍ" (٦)، ويقال: قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا، " إذا أظهره لرأي العين وأعلنه (٧)، كما قال الفرزدق بن غالب (٨): من اللائي يظل الألف منهررر ... منيخًا من مخافته جهارا ومنه قول الشاعر (٩): يجهر أجواف المياه السّدم ... وانتحابها على الحان وقيل المعنى (جهرة) أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول. وفي القائلين لموسى ذلك قولان (١٠): القول الأول: أنهم السبعون المختارون، فلما صار يكلم موسى ربه ويكلمه الله، قالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١١).

стр. 547

القول الثاني: أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل عليه التوراة، وجاء بها قالوا: ليست من عند الله ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. وقوله ﴿جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، فيه وجهان من القراءة (١): أحدهما: ﴿جَهْرَةً﴾، بجزم الهاء. قرأ بها الجمهور. والثاني: ﴿جَهَرَةً﴾، بفتح الهاء، قرأ بها ابن عباس، قرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس، "وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكنا قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه" (٢). قال الثعلبي: : وهما لغتان، مثل زهره وزهره " (٣). قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥]، أي فأهلكهم الله بالصاعقة، عقاباً (٤). قال الواحدي: " يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون" (٥). قال البغوي: " أي الموت" (٦). قال الثعلبي: " وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعا" (٧). قال ابن عثيمين: " يعني الموت الذي صعقوا به" (٨). قال الصابوني: "أي أرسل الله عليهم ناراً من السماء فأحرقهم" (٩). قال الزجاج: " معنى الصاعقة ما يُصْعقون منه، أيْ يموتون، فأخذتهم الصاعقة فماتوا" (١٠). قال المراغي: " أي فأخذت الصاعقة من قال ذلك" (١١). واختلف في مُوسى هل أصابه ما أصابهم؟ ، وللعلماء فيه قولان: الأول: أن الخطاب لم يتناول موسى-﵇. قاله الجمهور، وهو الصحيح (١٢)، وذللك لوجهين (١٣): أحدهما: أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى ﵇. الثاني: أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى: فلما أفاق مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت. والقول الثاني: إن موسى ﵇ قد مات، قاله ابن قتيبة (١٤). وهو خطأ لما بيّناه في القول الأول. والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥﴾، وجهان من القراءة (١٥): أحدهما: ﴿الصعقة﴾، بغير ألف، قرأ بها عمر وعثمان وعلي ﵃. والثاني: وقرأ الباقون ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ بالألف. قال الثعلبي: "وهما لغتان" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]، "أي ما حلّ بكم" (١٧).

стр. 548

قال عروة بن رويم: "فصعق بعضكم وبعض ينظرون" (١). قال الطبري: " وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم" (٢). قال البغوي: " أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت" (٣). قال ابن عطية: أي: "إلى حالكم .. حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم " (٤). قال الماوردي: أي: "ما نزل بكم من الموت" (٥). قال ابن عثيمين: " أي ينظر بعضكم إلى بعض حين تتساقطون" (٦). وقال المراغي: " والباقون ينظرون بأعينهم" (٧) موت من طلب رؤية الله جهرة. وللمفسرين في (الصاعقة) التي أخذتهم قولان (٨): أحدهما: أنها هي الموت. وهو قول الحسن (٩) وقتادة (١٠)، والربيع (١١). واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] [الزمر: ٦٨]. قال الرازي: "وهذا ضعيف لوجوه (١٢): أحدها: قوله تعالى: فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة. وثانيها: أنه تعالى قال في حق موسى: وخر موسى صعقا [الأعراف: ١٤٣] أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتا لأنه قال: فلما أفاق والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي. وثالثها: أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت. ورابعها: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال: ﴿وأنتم تنظرون﴾، منبها على عظم العقوبة. القول الثاني: أن الصاعقة هي سبب الموت، ولذلك قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. ومن ثم اختلفوا هؤلاء في سبب الموت أي شيء كان، على أربعة أوجه (١٣): أحدها: أن نارا وقعت من السماء، فأحرقتهم. قاله السدي (١٤). وثانيها: صيحة جاءت من السماء. قاله مروان بن الحكم (١٥). وثالثها: أرسل الله تعالى جنودا سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة. ورابعها: أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعا. قاله غبن إسحاق (١٦).

стр. 549

و (الصاعقة) هي "الصوت الشديد من الجو، ثم يكون منها نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها" (١)، و"الصاعة والصاقعة يتقاربان، وهما الهدة الكبيرة، إلا أن الصقع يقال في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية. وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجه (٢): أحدها: الموت، كقوله: ﴿فصعق من في السموات ومن في الأرض﴾ [الزمر /٦٨]، وقوله: ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء/١٥٣]. والثاني: العذاب، كقوله: ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [فصلت /١٣]. والثالث: النار، كقوله: ﴿أنذرتكم الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ [الرعد/١٣]. وقال الإمام الطبري: "وأصل (الصاعقة) كل أمر هائل رآه (المرء) أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم صوتا كان ذلك أو نارا، أو زلزلة، أو رجفا، ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قول الله : ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، يعني مغشيا عليه، ومنه قول جرير بن عطية (٣): وهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصواعق فاستدارا فقد علم أن موسى لم يكن حين غشي عليه وصعق ميتا، لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال: (تبت إليك) [الأعراف: ١٤٣]- ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا" (٤). وقد ذكر الطبري مجموعة من الروايات عن سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له، من قولهم: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، وهي روايات غير صحيحة الإسناد (٥)، والصواب من القول فيه أن يقال: "إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: ﴿يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنما أخبر الله بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، توبيخا لهم في كفرهم بمحمد ﷺ ، وقد قامت حجته على من احتج به عليه، ولا حاجة لمن

стр. 550

انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها، وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال" (١). وتجدر الإشارة بأن أهل السنة والجماعة أجمعوا بأن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ممكنة وقد جاء الوعد بها صريحا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه ما نصه "نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة وهي أيضا للناس في عرصات القيامة كما تواترت بها الأحاديث عن النبي ﷺ حيث قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب" (٢) إلى أن قال: "وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول واتفق عليها أهل السنة والجماعة وإنما يكذبها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة" (٣). وقد اختلف الناس فى مسألة رؤية الله تعالى عياناً فى الآخرة على ثلاثة مذاهب: - أولاً: مذهب نفات الرؤية: ذهب المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وبعض الزيدية وبعض المرجئة، إلى نفي رؤية الله تعالى عياناً في الدنيا والآخرة، وقالوا: باستحالة ذلك عقلا؛ لأنهم يقولون إن البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال، أي ما هو مادي والله تعالى ذات غير مادية، فمن المستحيل إذن أن يقع عليه البصر، فالقول برؤية الله تعالى هدم للتنزيه وتشويه لذات الله وتشبيه له حيث إن الرؤية لا تحصل إلا بانطباع صورة المرئي في الحدقة، ومن شرط ذلك انحصار المرئي في جهة معينة من المكان حتى يمكن اتجاه الحدقة إليه، ومن المعلوم علم اليقين أن الله تعالى ليس بجسم ولا تحده جهة من الجهات ولو جاز أن يرى في الآخرة لجازت رؤيته الآن، فشروط الرؤية لا تتغير في الدنيا والآخرة (٤)، واستدلوا على هذا بالسمع والعقل: فمن جهة السمع: الدليل الأول: - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قالوا: أنه نفى أن يدرك بالأبصار، وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر، لانه متى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر، وذلك بمنزلة قوله لو قال: لا تراه الأبصار، فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك البصر فيتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات (٥). وأجيب عليهم: بأنَّ هذا غلط كبير؛ لأنَّ نَفْيَ الإدراك لا يستلزم انتفاء الرؤية، فإنَّه قد ترى الشيء ولا تدركه؛ يعني لا تحيط به، فهذه السماء نراها ولا أحد يشك في أنه يرى السماء، ولو قلت لأي أحد يرى السماء: هل تدرك السماء رؤية وتحيط بها؟ فسيكون جواب كل أحد: لا، يعني لا يدركها رؤية، وإنما يرى منها ما يمكنه أن يرى وكما قال : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، ووجه الدلالة أنَّهُ نفى الإدراك، ومع نَفْيِ الإدراك أثبت الله الترائي وهو رؤية كل جمع لآخر فقال) فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ (هذا الجمع رأى الجمع وذاك الجمع رأى الجمع ومع ذلك ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فقال موسى ﴿كَلَّا﴾ يعني لن نُدْرَكْ يعني لن يُحاطَ بنا. فنَفْيُ الإحاطة لا يستلزم أن تُنْفَى الرؤية؛ بل نَفْيُ الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية نقيض ما قالوا، .. و .. الوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية أنَّ نفي الإدراك ليس كمالاً، والقاعدة المعروفة أنَّ كل نفي في القرآن فكماله بإثبات ضده، فربنا قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وذلك لكمال سعته وكمال علوه وكمال استغناه عن خلقه، إلى غير ذلك من أفراد صفات الجلال للرب .

стр. 551

فلا يقال إنه لا يُدْرَك ويكون المراد كمالاً إلا وأَصْلُ ذلك ثابتاً، وهو أنه في محل من يُرَى أو في محل الرؤية .. لأنك متى ما قلت في شيء إنك تراه أو لا تدركه رؤيةً فإنما يكون كمالاً إذا كان في محل ما يمكن أن يُرَى، أما الأشياء التي لا تُرَى أصلاً فإنه ليس من الكمال أن تَنْفِي الرؤية عنها. فكونك تنفي الرؤية عن الرحمة لا يعد هذا كمالا في الرحمة، وإنما هكذا وُجِدَتْ، كونك تنفي الرؤية عن الإبصار والإدراك لا يدل على كمال فيها. فإذاً دَلَّ نَفْيُ الإدراك عن الرب أنَّ نَفْيَ الإدراك لأجل أنه عظيم فإنه يُرَى، ولكنه لا يُدْرَكْ. والإدراك ينقسم إلى قسمين: إدراكٌ بِرُؤْيَةٍ، وإدراك بعلمه. والإدراك بعلم: نَفَاهُ الله في قوله سبحانه) وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا). وإدراك الرؤية: نفاه الله في هذه الآية. وهذه الآية في إدراك الرؤية لا في إدراك العلم، دلَّ عليها قوله بعد النفي ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فكونه سبحانه ﴿يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ يعني يراها، وخَصَّ الإدراك بإدراك الأبصار لأنَّ الأبصار هي محل نَفْيِ الإدراك السابق، فقال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، فلما قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دَلَّنَا على أَنَّ المنفي هو إدراك الرؤية لا إدراك العلم (١). الدليل الثاني: - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قالوا: ولَن موضوعة للتأبيد وإذا لم يره موسى أبدا لم يره غيره إجماعاً (٢). وقد أجابهم الإمام صدر الدين ابن أبى العز الحنفي فقال: وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾، وبقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فالآيتان دليل عليهم. الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه: ١ - أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته - أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال. ٢ - أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. ٣ - أنه تعالى قال (لَن تَرَانِي)، ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر. ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: أنه لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى. ٤ - وهو قوله (وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟ ٥ - أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء. ٦ - قوله تعالى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا)، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله تعالى أعلم موسى ﵇ أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف. ٧ - أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز. ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما. وأما دعواهم تأييد النفي بـ (لن) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة، ففاسد، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]، مع قوله ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]، فثبت أن " لن " لا تقتضي النفي المؤبد. قال الشيخ جمال الدين بن مالك رحمه الله تعالى: ومن رأى النفي بلن مؤبدا ... فقوله اردد وسواه فاعضدا (٣) وقد استدل المعتزلة على نفى الرؤية فى الدنيا والآخرة مطلقاً بعدة أدلة أخرى من القرآن، وأضافوا إلى ذلك أدلةٍ عقلية منها الآتي: - ١ - المقابلة: وتحريره كما قال عبد الجبار: إن الواحد منا راء بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل. وقد ثبت أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً، ولا حالاً في المقابل، ولا في حكم المقابل (٤). وقد أجاب الرازى عن هذه الشبهة فى كتابه الأربعين، بعدة أجوبه ومنها نفى الحيز والجهة (٥)، والحق أن الجواب عن دليل المعتزلة بتسليم نفي الجهة والمقابلة عن الله تعالى لا يستقيم حيث إن إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة مكابرة عقلية، لأن الجهة من لوازم الرؤية وإثبات الملزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة. ثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر .. ثم أن إثبات صفة العلو لله ﵎ ورد بالكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له ﵎ ولا يقدح هذا في التنزيه، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكمال. أما لفظ الجهة: فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنص، فتأخذ حكم مثل هذه الألفاظ (٦). ٢ - من أدلة المعتزلة على نفي الرؤيا الانطباع: وتقريره كما ذكر الرازي: "أن كل ما يكون مرئيا فلا بد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، والله تعالى يتنزه عن الصورة والمثال، فوجب أن تمتنع رؤيته" (٧). ٣ - وأيضاً قالوا: إن كل ما كان مرئياً فلا بد له من لون وشكل، ودليله الاستقراء والله تعالى منزه عن ذلك فوجب ألا يرى (٨). والجواب عن الدليلين، هو: منع كون الرؤية بالانطباع، ومنع كون المرئي ذا لون وشكل، إما مطلقاً أو في الغائب لعدم تماثل الرؤيتين، فرؤية الخالق ليس كرؤية المخلوق، فلا يجب هذا في حق الله تعالى حيث إن ذات الله مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث والمختلفات في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم (٩). والحكم بأن المرئي لابد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، وأنه لا بد وأن يكون ذا لون وشكل مبني على أن هذه الأشياء المشاهدة المحسوسة لا ترى إلا كذلك، ثم قالوا لو صح أن يرى الله فلا يرى إلا كذلك وهو ممنوع في حقه تعالى، والحق أنه تحكم محض وقياس للخالق على المخلوق، وهو باطل قطعا لأنه قياس مع الفارق، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، فلا يصح قياسه عليه (١٠)، قال تعالى ﴿قُلْ

стр. 552

هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١). ثانياً: مذهب الأشاعرة ومن نحا نحوهم: - وهؤلاء أثبتوا الرؤية ولكن قالوا: الرؤية ليست إلى جهة، وإنما تكون إدراكاً، فوافقوا السلف فى إثبات الرؤية، وردُّوا قول المعتزلة في أنَّ الرؤية ممتنعة، ووافقوا المعتزلة في أنَّ ليس على العرش رب وأنَّ الله سبحانه ليس في جهة - جهة العلو – خلافاً للسلف الصالح، فقالوا الرؤية لا إلى جهة. واختلفت عبارات الأشاعرة فى هذه المسألة، فظاهر عبارات الأشعرى إثبات رؤية حقيقية بالأبصار، وذلك خلافاً لأكثر أصحابه. قال ﵀: " لما قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية.، ولما قرن الله النظر بذكر الوجه؛ أراد نظر العينين اللتين في الوجه" (٢). وقال أيضاً: "وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] " (٣). وقال: مذهب أصحاب الحديث وأهل السنة .. أن الله سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر .. (٤). هذا هو قول إمام المذهب، أما أتباعه فاختلفوا، فذهب بعضهم إلى قول الأشعري، بينما ذهب كثير منهم إلى أن حقيقة الرؤية مرجعها إلى العلم لا إلى الرؤية البصرية، وبعضهم قال إنه شيء أعطاه الله لعباده المؤمنين في الآخرة يسمى الرؤيا، ورغم تصريح أغلب الأشاعرة بإثبات الرؤية لكنهم يفسرونها بما يدل على عدم الإثبات. يقول الآمدى: "فالعقل يجوز أن يخلق الله تعالى في الحاسة المبصرة بل وفى غيرها زيادة كشف بذاته وبصفاته على ما حصل منه بالعلم القائم في النفس من غير أن يوجب حدوثا ولا نقصا." (٥). وقد نقل الشهرستانى عن الأستاذ أبى إسحاق أن الرؤية حكمها حكم العلم بخلاف سائر الحواس .. إلى أن قال: "وصار المعنى كالعلم أو هو من جنس العلم وقد تقرر الاتفاق على جواز تعلق العلم به .. " (٦). فتفسير الرؤية بالعلم يعنى نفى الرؤية بالأبصار، وليس في إثباتها إلا إثبات لفظ لا حقيقة له، ولا ريب أن المعتزلة يثبتون العلم بالله يوم القيامة. ولا شك أن كل من قال من الأشاعرة أن المراد بالرؤية هو العلم، لم يثبت إلا مجرد اللفظ ولا فرق بينه وبين من نفى الرؤية لأنه مراده الرؤية البصرية، فأي فرق بين القولين إذاً؟ بينما ذهبت طائفة من الأشاعرة إلى أن الرؤية هي قوة يجعلها الله في خلقه، وليست هى الرؤية البصرية. قال البيجورى: الرؤية قوة يجعلها فى خلقه لا يشترط فيها مقابلة المرئى ولا كونه فى جهة ولا حيز ولا غير ذلك .. إلى أن قال: "والحاصل أنه تعالى يرى من غير تكيف بكيفية من الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام ومن غير إحاطة، بل يحار العبد فى العظمة والجلال فلا يعرف اسمه ولا يشعر بما حوله من الخلائق، فإن العقل يعجز هنالك عن الفهم ويتلاشى" (٧). ومن المعاصرين الشيخ حسن أيوب يقول": فإن الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، لا يشترط فيها الأشعة، ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك" (٨).

стр. 553

والحق أن هذا نفى للرؤية لا إثبات لها كما يزعمون، وإن المعتزلة لا تمنع مثل هذه الرؤية التى هى بمعنى الكشف أو زيادة الانكشاف والمعرفة كما نقله بعضهم. ولنتأمل ما قاله الآمدى: "وذلك أن ما يخلقه الله من زيادة الكشف إن كان من ذات الشئ ووجوده بالنسبة إلى ما يحصل من تعلق علم النفس به شرحا سمى ذلك نظرا .. " إلى أن قال: "فإن البصر هو ما يخلقه الله من زيادة الكشف من كونه ذاتاً ووجوداً وذلك مما لا يستحيل تعلق العلم به حتى لا يسمى ما حصل من مزيد الكشف عليه بصرا .. " (١). قال التفتازانى": ورؤية الله تعالى بمعني الانكشاف التام بالبصر، وهو معني إدراك الشيء كما هو بحاسة البصر" (٢). فالمقصود والظاهر من كلامهم أنه ليس نظراً بالأبصار كما أثبته الأشعرى والسلف الصالح، وإنما هو زيادة الكشف، كما أن بعضهم يرى أن الرؤية إدراك يخلقه الله لهم. قال السنوسى: "إذ كما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك لهم فى قلوبهم يسمى العلم يتعلق به على ما هو من غير جهة ولا مقابلة، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم فى أعينهم أو غيرهما يسمى ذلك الإدراك البصر" (٣). ويقول الدردير: "الرؤية عبارة عن نوع من الإدراك يخلقه الله تعالى متى شاء ولأى شىء شاء .. فكما أن العلم إدراك، وهم يعلمونه لا فى مكان ولا فى جهة .. فكذا الرؤية نوع من الإدراك فيدركونه كذلك، ومع ذلك هو انشكاف تام" (٤). أما الرازي فمال إلى استحالة الرؤية يوم القيامة فقال: "إن رؤية الله تعالى بالتفسير المذكور بتقدير أن تحصل فمحلها هو العين والحادقة أم جوهر النفس؟ والأول كالمستبعد جداً، وأما أن محل ذلك الإدراك الشريف هو جوهر النفس الناطقة، فهذا أقرب إلى العقل " (٥). هكذا تنوعت عبارات الأشاعرة فى حقيقة وماهية الرؤية، والحقيقة أنهم رغم اختلاف عباراتهم إلا أنهم اتفقوا على أن الله لا يرى بالأبصار، أنه لا مقابلة فى هذه الرؤية، ولا جهة. وعند التحقيق لم يعدُ الأشاعرة عن إثبات اسم بلا مسمى، وقد أكثر الأشاعرة من الطعن والتشنيع على المعتزلة فى نفيهم الرؤية، علماً بأنه لا فرق بين الأشاعرة الذين يكون بأن الرؤية هى العلم، وبين خصومهم من المعتزلة. والأشعرية فى هذا الباب بين نارين: أولاً: النصوص الشرعية التي تثبت الرؤيا، مع تصريح علماء المذهب الأولين بإثباتها، وأنها أحد أبرز الخلافات مع المعتزلة النافين للرؤية. ثانياً: الإلزامات التي تلزم عن إثبات الرؤية من قبل خصومهم وخاصةً المعتزلة. فقالوا لهم: إذا كان الله يرى فلابد من المقابلة بين الرئى والمرئى، ولابد من مكان وجهة للرئى والمرئى، وبالتالي يوصف الله تعالى بأوصاف المحدثات. وكقولهم: إذا كان يرى فهل يرى كله أم بعضه، ورؤيته كله أى الإحاطة به ممتنعة، ورؤية بعضه فيه تبعيض وتجزئة له، وهو من صفات المحدثات. وكقولهم: هل إذا رأيناه وأدرنا وجوهنا فى الخلف هل نراه فيها؟ وهذا ما حدا ببعض الأشاعرة إلى القول بأنه يرى فى كل جهة. وكان ينجى الأشاعرة من هذه الإلزامات أن يقولوا لخصومهم كما قال السلف الصالح من هذه الأمة: إن الله يرى بكيفية لا نعلمها نحن، ومادام الله تعالى أخبر عن نفسه أنه يرى وأخبر عنه رسوله أنه يرى

стр. 554

بالأبصار يوم القيامة فنحن نثبت هذه الرؤية، أما كيفيتها وصفتها فلا يعلمها إلا الله.، وليس من حقنا الخوض فيها لأنها من العلم الذى حجبه الله عنا (١). مسألة نفى الجهة عند الأشاعرة: إن الأشاعرة جعلوا يداً مع المعتزلة فأنكروا العلو، وجعلوا يداً مع أهل السنة فأثبتوا الرؤية، فقالوا: إن الله يرى لا في جهة، وهذا غير معقول وغير متصور، وقد لاحظت مما تقدم من كلامهم أن إثبات الأشاعرة للرؤية ونفي لازمها – أي الجهة - إنما هو نفي للرؤية نفسها حيث أثبتوا ما لا يمكن رؤيته، لأن نفي اللازم نفي للملزوم.، لذلك كان المعتزالة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فراراً من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة. هذا وإن كان قول الأشاعرة بنفي الجهة فاسداً وممتنعاً، إلا أن مقالة المعتزلة والشيعة بنفي الرؤية والجهة أشد فساداً وأعظم امتناعاً من جهة النقل والعقل. والذي عليه السلف الصالح أن تلك اللوازم - كالجهة والمقابلة ونحوها - ليست ممتنعة، فإذا كانت المقابلة لازمة للرؤية فهي حق، فما كان حقاً وصواباً فلازمه كذلك، لذا يقول الإمام ابن تيمية: " من ادّعى ثبوت الشيء فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرّاً ضرورة عدم الانفكاك عنه" (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك. فلفظ " الجهة " قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العال. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه، كما فيه إثبات "العلو" و "الاستواء" و "الفوقية" و "العروج إليه" ونحو ذلك. وقد عُلم أن ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلاً في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالَم، بائن من المخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات. فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل. وكذلك لفظ "المتحيز"، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض .. وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالاً فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه" (٣). فإن أراد الأشاعرة بنفي الجهة أنه ليس في السموات رب ولا فوق العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلا العدم المحض: فهذا باطل، مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها. ثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر، قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته. ." الحديث. وهما في جهة، وقد شبه الرؤية بالرؤية، ثم قوله في الحديث الآخر: " إنكم سترون ربكم عيانا " (٤)، إثبات للرؤية البصرية التي لا تتم إلا على ما كان في جهة.

стр. 555

ثم أن إثبات صفة العلو لله ﵎ ورد بالكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له ﵎ ولا يقدح هذا في التنزيه، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكمال. أما لفظ الجهة: فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنص. هذا هو مذهب الأشاعرة في مسألة الرؤية، وما وقع لهم من تناقض واضطراب في هذا الباب ما هو إلا نتيجة حتمية لمن أقحم العقل في علم الغيب وحكمه فيما لا يصل إليه إدراكه. وقد أغنى الله سلف هذه الأمة وأئمتها عن كل هذه الإشكالات والاعتراضات، فأثبتوا الرؤية لله تعالى بدلالة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإجماع اليقينى، ومنعوا العقل من الخوض في تفصيلاتها، فآمنوا بالنقل ووضعوا العقل مكانه الذي يجب أن يكون فيه. ثالثاً: مذهب السلف في إثبات الرؤية: ذهب السلف الصالح وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن تبعهم من الأئمة أن الله يُرى في الآخرة بالأبصار عيانًا مواجهة لهم، بغير إحاطة ولا كيفية. وهذا مذهب الصحابة والتابعين والأئمة وتابعوهم وأئمة الدين كالأئمة الأربعة -أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد- وسفيان الثوري وأبي عمرو والأوزاعي والليث بن سعد وأبي يوسف وغيرهم من الأئمة والعلماء وكذلك أيضًا سائر الفقهاء وأهل الحديث كلهم على هذا الاعتقاد، يثبتون أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا مواجهة، فهم يثبتون رؤية الله بالإبصار ويثبتون أيضًا الفوقية، وأنهم يرون ربهم من فوقهم فهم يثبتون الأمرين يثبتون الفوقية والعلو ويثبتون الرؤية. وقد واستدلوا بالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله، واستدلوا أيضاً بالإجماع والعقل الصريح. ١ - الأدلة من كتاب الله تعالى: - قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ووجه الدلالة من الآية على أن الله يرى في الآخرة أنه قد أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله وعداه بأداة إلى الصريحة في نظر العين وأخلى الكلام من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته، فدل على أن المراد النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب ﷻ . وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها: إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩]، أو يكون عنى نظر التعطف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ويكون عنى نظر الرؤية. فلا يجوز أن يكون الله عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار. ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا: " انظر في هذا الأمر بقلبك "، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛ الذي يكون للقلب، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم. وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله أراد نظر التعطف؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.

стр. 556

وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، أنها رائية ترى ربها (١). - قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والحسنى المراد بها الجنة، والزيادة النظر وإلى وجه الله الكريم كما جاء تفسير ذلك في الحديث الصحيح عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ " قَالَ: " فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ" قَالَ: "فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ " (٢). وقد أورد أبو عبد الله القرطبي في الزيادة أقوالا، إليك ذكرها: ١_ أن الزيادة أن تضاعف الحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى أكثر من ذلك روى ذلك عن ابن عباس. ٢_ وعن علي ﵁ الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب. ٣_ وقال مجاهد: الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان. ٤_ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحسنى الجنة والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لايحاسبهم به يوم القيامة. ٥_ وقال يزيد بن شجرة. الزيادة أن تمر السحاب بأهل الجنة فتمطرهم من كل النوادر التي لم يروها وتقول يا أهل الجنة ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئا إلا مطرتهم (٣). - قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، المؤمنون لهم ما يشاءون فيها أي: الجنة ولدينا مزيد هي رؤية الله في الآخرة، فسرها العلماء بأن المزيد هو رؤية الله في الآخرة. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قَالَ: "يَظْهَرُ لَهُمُ الرَّبُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٤). قال العلامة الشنقيطى: قال بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، لأن الحسنى الجنة، والزيادة النظر (٥). - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقد تقدم الكلام على وجه الدلالة فى هذه الآية فى الرد على المعتزلة من كلام الإمام ابن أبى العز الحنفى. - قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦]، فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه، كانوا جميعاً عنه محجوبين. قال الإمام أحمد ﵀: فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟ (٦) وقيل لسفيان بن عيينة: إن بشرا يقول: إن الله لا يرى يوم القيمة، فقال: قاتله الله، دويبة، ألم

стр. 557

يسمع الله يقول: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأي فضل للأولياء على الأعداء؟ (١) - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قال شيخ الإسلام: نفى الإدراك الذي هو الإحاطة وذلك يقتضي كمال عظمته وأنه بحيث لا تدركه الأبصار فهو يدل على أنه إذا رئي لا تدركه الأبصار وهو يقتضي إمكان رؤيته ونفى إدراك الأبصار إياه لا نفي رؤيته فهو دليل على إثبات الرؤية ونفي إحاطة الأبصار به وهذا يناقض قول النفاة وأما مجرد الرؤية فليست صفة مدح فإن المعدوم لا يرى ولهذا نظائر في القرآن (٢). قال ابن القيم: والاستدلال بهذا أعجب فإنه من أدلة النفاة وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه وقال لي أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله فمنها هذه الآية .. إلى أن قال: فلو كان المراد بقوله لا تدركه الأبصار أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فان العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب ﷻ يتعالى إن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به .. (٣). - قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ في محاجة قومه في النجوم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨]. وجه الدلالة أن الخليل ﵇ حاج قومه في النجوم وبين أنها تأفل وتغيب، في حين أن الرب لا يغيب ولا يأفل ثم قال في ذلك لا أحب الآفلين ولم يحاجهم بأنه لا يحب ربا يرى، ولكن حاجهم بأن لا يحب ربا يأفل وهذا هو دليل عدم الدوام وهو الذي يمتنع على الله ﵎ أما الرؤية فلا، حيث لم يجعلها الخليل من موانع الربوبية كالأفول والغيبة (٤). ٢ - الأدلة من السنة: - عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ .. " (٥). وعنه رضى الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا" (٦). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟ "، قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ "، قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ"، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، .. الحديث" (٧). ليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة. فليراجع عقله. وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه من أصحاب الفطرة السليمة.

стр. 558

وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ" (١). وعَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ " (٢). وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " .. ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، .. الحديث" (٣). والشاهد في الحديث قوله: (وليس بينه وبينه حجاب) هذا صريح في الرؤية. هذه أمثلة من النصوص المتواترة، وهي كثيرة كما سبق رواها نحو ثلاثين صحابيًا في الصحاح والسنن والمسانيد، وهي صريحة في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. ٣ - أما الإجماع: قد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم يقول الإمام عبد الغنى المقدسى: وأجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله تعالى يرى في الآخرة كما جاء في كتابه وصح عن رسوله (٤). وقال الإمام ابن أبى العز الحنفي: وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة (٥). وقال الإمام النووي: قد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيمتنع على أصلهم لقاء الله؛ لأنه يمتنع عندهم رؤية الله في الدنيا والآخرة وخالفوا بذلك ما تواترت به السنن عن النبي ﷺ وما اتفق عليه الصحابة وأئمة الإسلام من أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة (٧). ٤ - أقوال الأئمة في إثبات الرؤية: قال الإمام أبو حنيفة ﵀: والله تعالى يرى في الآخرة ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة (٨). وعن عبد الله بن وهب قال: قال مالك ﵀: "الناس ينظرون إلى الله تعالى يوم القيامة بأعينهم" (٩). قال الإمام الحسن: ينظرون إلى الله كما شاء بلا إحاطة (١٠). قال الإمام أبو بكر الخلال فى عقيدة الإمام أحمد ﵀: وكان يذهب إلى أن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار وقرأ ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ ولو لم يرد النظر بالعين ما قرنه بالوجه وأنكر نظر التعطف والرحمة لأن الخلق لا يتعطفون على الله تعالى ولا يرحمونه وأنكر الانتظار من أجل ذكر الوجه ومن أجل أنه تبعيض وتكرير ولأنه أدخل فيه إلى وإذا دخلت إلى فسد الانتظار .. (١١).

стр. 559

وعن الوليد بن مسلم، يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية , فقالوا: "أمروها بلا كيف" (١). وقال الإمام الطحاوى ﵀: والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول فهو كما قال ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه (٢). وقال الإمام الأصبهانى الملقب "بقوام السنة": مذهب أهل السنة أن الله يكرم أولياءه بالرؤية، يرونه بأعينهم كما شاء فضلاً منه ومنة (٣). قال الإمام الأشعري: وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤). قال الإمام أبو بكر الإسماعيلى: ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله في القيامة، دون الدنيا. (٥). قال الإمام ابن القيم: وأما الأحاديث عن النبي وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصدّيق، وأبو هريرة الدوسي، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، .. ثم ساق نحواً من ثلاثين اسماً للصحابة رضوان الله تعالى عليهم. إلى أن قال ﵀: فصل: وأما التابعون، ونزل الإسلام، وعصابة الإيمان منهم أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التَّصوُّف، فأقوالهم أكثرُ من أن يُحيط بها إلاَّ الله .. ثم ساق الآثار والأقوال عن سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، وأبي إسحاق السبيعي، وعلي بن المديني، وعبد الله بن المبارك، وشريك بن عبد الله، والأئمة الأربعة – أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد -، والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجَّراح وقتيبة بن سعيدٍ، وأبي عبيدٍ القاسم بن سلام، وغيرهم، ثم ساق قول جميع أهل اللغة (٦). هذه كانت أهم الأقوال والمذاهب فى مسألة الرؤية إلا أن هناك مذهب رابع، وهو لبعض المتصوفة، يقولون بأن الله تعالى يرى في الدنيا عياناً كما يرى فى الآخرة عياناً. ولايوجد أي دليل شرعي يستند عليه من زعم الرؤية لهم بالبصر، بل الأدلة على نقيضه تماماً، فهذا نبي الله موسى ﵇ عندما سأل الله جل وعلا رؤيته ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: " وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا" (٧)، أفهم خيرٌ من موسى ﵇، أم أشد من الجبل الذي قال تعالى فيه ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: مستويا بالأرض" (٨)، ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: " مغشيا عليه" (٩)، كما يرد عليهم بحديث النبي " تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ " (١٠)، ففي هذا دلالة على أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا.

стр. 560

يقول القشيري: " فإن قيل: فهل تجوز رؤية الله في الأبصار في الدنيا على جهة الكرامة؟ فالجواب عنه: أن الأقوى فيه أنه لا يجوز، لحصول الإجماع عليه" (١). ويقول الكلاباذي: " ولا نعلم أحدا من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به، ولم نر في كتبهم، ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم، ولا في الحكايات الصحيحة عنهم، ولا سمعنا ممن أدركنا منهم زَعَمَ أن الله تعالى يرى في الدنيا .. وقد أطبق المشايخ كلهم على تضليل من قال ذلك، وتكذيب من ادعاه، وصنفوا في ذلك كتبا، منهم أبو سعيد الخراز، وللجنيد في تكذيب من ادعاه وتضليله رسائل وكلام كثير. وزعموا أن من ادعى ذلك لم يعرف الله وهذه كتبهم تشهد على ذلك" (٢). وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أنه لا يرى أحد ربه فى الدنيا إلا ما كان من الخلاف فى رؤية النبي ربه فى المعراج، والله تعالى أعلم وبالله التوفيق. الفوائد: ١ من فوائد الآية: تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم. ٢. ومنها: سفاهة بني إسرائيل؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾. ٣. ومنها: أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾؛ لأن الفاء تدل على السببية. ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك؛ وفرْق بين قول موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبين قول هؤلاء: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾؛ فموسى قال ذلك شوقاً إلى الله ، وليتلذذ بالرؤية إليه؛ أما هؤلاء فقالوه تشككاً. يعني: لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة؛ ففرق بين الطلبين. ٤. ومنها: أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تنظرون﴾؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعاً عليه. القرآن ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٦] التفسير: ثم أحييناكم مِن بعد موتكم بالصاعقة؛ لتشكروا نعمة الله عليكم، فهذا الموت عقوبة لهم، ثم بعثهم الله لاستيفاء آجالهم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي " ثمّ أحييناكم" (٣). قال قتادة: " ثم بعثهم الله تعالى، ليكملوا بقية آجالهم" (٤). وقال الربيع بن أنس: " فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم " (٥). واختلف أهل العلم في أصل (البعث) على أربعة أقوال (٦): الأول: أن أصله: إثارة الشيء من محله (٧)، يقال: بعثت الناقة: أثرتها، أي حركتها، قال امرؤ القيس (٨): وفتيان صدق قد بعثت بسحرة ... فقاموا جميعا بين ونشوان وقال عنترة (٩): وصحابة شم الأنوف بعثتهم ... ليلا وقد مال الكرى بطلاها

стр. 561

ومنه قول الآخر (١): فأبعثها وهيَّ صنيعُ حول ... كركن الرَّعنِ، ذِعْلِبَةً وَقاحا والثاني: أن البعث: الإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٠٣]، و [يونس: ٧٥]. والثالث: وقيل: أن أصله: الإفاقة من الغشي أو النوم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]. والرابع: وقد تأتي بمعنى: التعليم من بعد الجهل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] أي: "علمناكم من بعد جهلكم" (٢). والقدر المشترك بين هذه المعاني هو إزالة ما يمنع عن التصرف (٣). والقول الأول أصح، وهو اختيار الإمام القرطبي، لأن الأصل الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ على ما يأتي [البقرة: ٢٤٣]. واختلف في قوله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، على قولين (٤): أحدهما: أن المراد: ثم أحييناكم. يعني: إحياؤهم بعد موتهم لاستكمال آجالهم، وهذا قول قتادة (٥)، والربيع بن أنس (٦). والثاني: أن المراد: ثم بعثناكم أنبياء. يعني: أنهم بعد الإحياء سألوا أن يبعثوا أنبياء فبعثهم الله أنبياء، وهذا قول السُّدِّيِّ (٧). والصحيح هو الجمع بين القولين، فيكون تفسير الآية: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾، ثم أحييناكم ﴿من بعد موتكم﴾، ﴿وأنتم تنظرون﴾، إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، ﴿ثم بعثناكم﴾، أنبياء ﴿لعلكم تشكرون﴾ " (٨). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي: "من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم" (٩). قال الثعلبي: "أي: "لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم" (١٠). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي: "لتشكروا الله " (١١). قال النسفي: " نعمة البعث بعد الموت" (١٢). قال الصابوني: " أي لتشكروا الله على إِنعامه عليكم بالبعث بعد الموت" (١٣). قال النحاس: وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا، والمعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ما فعل بكم من البعث بعد الموت" (١٤). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]، وجهين (١٥):

стр. 562

أحدهما: أن الشكر خاص، لنعمة البعث بعد الموت. والثاني: أن الشكر عام، على هذه النعمة وسائر نعمه التي أسداها إليهم (١). والثالث: أن المعنى: لعلكم تشكرون نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت. والرابع: وقيل: الشكر على إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم، وتفصيل شرائعه، بعد أن لم يكن شرائع. ضعّفه أبو حيان وقال: "وهذا بعيد" (٢). والصحيح أن لفظ الشكر عام، "يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُواءَالَ دَاوُادَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] " (٣). قال ابن كثير: "وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا" (٤). وقال الماوردي واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينته الأحوال المضطرة إلى المعرفة، على قولين (٥): أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق. والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي: "والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلفين. والله أعلم" (٦). قال الزجاج: " وفي هذه الآية ذكر البعث بعد موت وقع في الدنيا، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ومثل قوله : ﴿فَقَالَ لَهُم اللَّهُ مُوتوا ثم أحْيَأهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وذلك احتجاج على مشركي العرب الذين لمْ يكُونوا مُوقنين بالبعث، فأتى النبي ﷺ بالأخبار عمن بعث بعد الموت في الدنيَا مما توافقه عليه إليهود والنصارى، وأرباب الكتب فاحتج- ﷺ بحجة اللَّه التي يوافقه عليها جميع من خالفه من أهلِ الكتب" (٧). قال ابن عثيمين: " وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ والثالثة: في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: ﴿موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣]؛ والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ والخامسة في قصة إبراهيم: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي .. ﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها. كإخراج عيسى الموتى من قبورهم. تعتبر أمراً عارضاً يؤتى به لآية من آيات الله ؛ أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [الأنبياء: ٣٨]، ويقولون: ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ [الدخان: ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموهون؛ فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن؛ بل يوم القيامة؛ ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب" (٨). الفوائد:

стр. 563

١. من فوائد الآبة: وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول: إنما أوتيته على علم عندي؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله بجوارحه؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر؛ وعليه قول الشاعر (١): أفادتكم النعماء مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجبا ٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة لله تعالى: لقوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ فإن "لعل" هنا للتعليل المفيد للحكمة. القرآن ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض؛ إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس، وأنزلنا عليكم المنَّ، وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى، وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم، ولا تخالفوا دينكم، فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]، "أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظُلَّة" (٢). قال الثعلبي: "في التيه تقيكم حرّ الشمس" (٣). قال ابن عثيمين: " أي جعلناه ظلاً عليكم؛ وكان ذلك في التيه حين تاهوا؛ وقد بقوا في التيه بين مصر والشام أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ وما كان عندهم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليه الغمام" (٤). قال ابن عباس: "ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام" (٥). وروي عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو ذلك (٦). و(الْغَمَامَ): جمع (غمامة)، كما السحاب جمع سحابة، (والغمام) هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين. وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما (٧)، وأصل الغمام من (الغم): ستر الشيء، ومنه: الغمام لكونه ساترا لضوء الشمس. قال تعالى: ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]. والغمى مثله، ومنه: غم الهلال، ويوم غم، وليلة غمة وغمى، قال الشاعر (٨): ليلة غمى طامس هلالها ... أو غلتها ومكره إيغالها وغمة الأمر أي كربة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]، يقال: غم وغمة. أي: كرب وكربة، والغمامة: خرقة تشد على أنف الناقة وعينها، وناصية غماء: تستر الوجه (٩). وفي ﴿الْغَمَامَ﴾ الذي ظلله الله عليهم أربعة أقوال (١٠):

стр. 564

أحدها: أنهالسحابة، قاله ابن عباس، (١)، وري عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي (٢)، وقتادة (٣)، مثل ذلك، وهو قول جمهور أهل التفسير. والثاني: أنه الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. قاله مجاهد (٤). والثالث: أنه ما ابيض من السحاب، أي السحاب الرقيق الأبيض، " وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا وينجلي في آخره ليستضيؤوا بالقمر ليلا وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيت كانوا بكرة أمس. وإذا كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى: من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا من لنا من حر الشمس فظلل عليهم الغمام" (٥). والرابع: أنه السحاب البارد الذي يكون به الجو بارداً، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو (٦). قالهابن عباس (٧)، وابن جريج (٨). والقول الأول أقرب الى الصواب، "إذ كان معنى الغمام ما وصفنا، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها، فليس الذي ظلله الله على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء" (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، أي و"أنعمنا عليكم" (١٠) بالمنّ والسلوى. قال الصابوني: أي "بأنواعٍ من الطعام والشراب من غير كدٍّ ولا تعب" (١١). قال المراغي: " ما منحه الله لعباده يسمى إيجاده إنزالا كما جاء فى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] " (١٢). واختلف في (المن) ما هو وتعيينه على أقوال (١٣): الأول: أنه الترنجبين (١٤) - بتشديد الراء وتسكين النون ذكره النحاس، ويقال: الطرنجبين بالطاء - قاله ابن عباس (١٥)، وابن عامر (١٦)، والضحاك (١٧)، وعلى هذا أكثر المفسرين (١٨).

стр. 565

والثاني: أنه صمغة حلوة. قاله مجاهد (١). والثالث: أنه العسل. قاله ابن زيد (٢)، وعامر (٣)، ومنه قول أمية بن الصلت في وصف تيه بني اسرائيل وما رزقوا فيه (٤): فرأى الله أنهم بمَضِيعٍ ... لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا فَنَساها عليهم غاديات ... ومرى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطِفا وماء فراتا ... وحليبا ذا بهجة مثمورا المثمور: الصافي من اللبن، فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا، والناطف: هو القاطر (٥). الرابع: أنه الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى - ميمون بن قيس - بقوله (٦): لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ ... ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا الخامس: أنه خبز الرقاق. قاله وهب (٧). السادس: أنه الزنجبيل. قاله السدي (٨). السابع: أنه الكمأة. ومنه حديث الرسول- ﷺ : " الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين " (٩). قال ابن عطية: " فقيل: أراد ﵇ أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل" (١٠).
следующие страницы →