← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومنه قول الآخر (١): فأبعثها وهيَّ صنيعُ حول ... كركن الرَّعنِ، ذِعْلِبَةً وَقاحا والثاني: أن البعث: الإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٠٣]، و [يونس: ٧٥]. والثالث: وقيل: أن أصله: الإفاقة من الغشي أو النوم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]. والرابع: وقد تأتي بمعنى: التعليم من بعد الجهل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] أي: "علمناكم من بعد جهلكم" (٢). والقدر المشترك بين هذه المعاني هو إزالة ما يمنع عن التصرف (٣). والقول الأول أصح، وهو اختيار الإمام القرطبي، لأن الأصل الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ على ما يأتي [البقرة: ٢٤٣]. واختلف في قوله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، على قولين (٤): أحدهما: أن المراد: ثم أحييناكم. يعني: إحياؤهم بعد موتهم لاستكمال آجالهم، وهذا قول قتادة (٥)، والربيع بن أنس (٦). والثاني: أن المراد: ثم بعثناكم أنبياء. يعني: أنهم بعد الإحياء سألوا أن يبعثوا أنبياء فبعثهم الله أنبياء، وهذا قول السُّدِّيِّ (٧). والصحيح هو الجمع بين القولين، فيكون تفسير الآية: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾، ثم أحييناكم ﴿من بعد موتكم﴾، ﴿وأنتم تنظرون﴾، إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، ﴿ثم بعثناكم﴾، أنبياء ﴿لعلكم تشكرون﴾ " (٨). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي: "من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم" (٩). قال الثعلبي: "أي: "لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم" (١٠). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي: "لتشكروا الله " (١١). قال النسفي: " نعمة البعث بعد الموت" (١٢). قال الصابوني: " أي لتشكروا الله على إِنعامه عليكم بالبعث بعد الموت" (١٣). قال النحاس: وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا، والمعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ما فعل بكم من البعث بعد الموت" (١٤). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]، وجهين (١٥):

стр. 562

أحدهما: أن الشكر خاص، لنعمة البعث بعد الموت. والثاني: أن الشكر عام، على هذه النعمة وسائر نعمه التي أسداها إليهم (١). والثالث: أن المعنى: لعلكم تشكرون نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت. والرابع: وقيل: الشكر على إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم، وتفصيل شرائعه، بعد أن لم يكن شرائع. ضعّفه أبو حيان وقال: "وهذا بعيد" (٢). والصحيح أن لفظ الشكر عام، "يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُواءَالَ دَاوُادَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] " (٣). قال ابن كثير: "وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا" (٤). وقال الماوردي واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينته الأحوال المضطرة إلى المعرفة، على قولين (٥): أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق. والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي: "والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلفين. والله أعلم" (٦). قال الزجاج: " وفي هذه الآية ذكر البعث بعد موت وقع في الدنيا، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ومثل قوله : ﴿فَقَالَ لَهُم اللَّهُ مُوتوا ثم أحْيَأهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وذلك احتجاج على مشركي العرب الذين لمْ يكُونوا مُوقنين بالبعث، فأتى النبي ﷺ بالأخبار عمن بعث بعد الموت في الدنيَا مما توافقه عليه إليهود والنصارى، وأرباب الكتب فاحتج- ﷺ بحجة اللَّه التي يوافقه عليها جميع من خالفه من أهلِ الكتب" (٧). قال ابن عثيمين: " وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ والثالثة: في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: ﴿موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣]؛ والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ والخامسة في قصة إبراهيم: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي .. ﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها. كإخراج عيسى الموتى من قبورهم. تعتبر أمراً عارضاً يؤتى به لآية من آيات الله ؛ أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [الأنبياء: ٣٨]، ويقولون: ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ [الدخان: ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموهون؛ فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن؛ بل يوم القيامة؛ ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب" (٨). الفوائد:

стр. 563

١. من فوائد الآبة: وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول: إنما أوتيته على علم عندي؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله بجوارحه؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر؛ وعليه قول الشاعر (١): أفادتكم النعماء مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجبا ٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة لله تعالى: لقوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ فإن "لعل" هنا للتعليل المفيد للحكمة. القرآن ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض؛ إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس، وأنزلنا عليكم المنَّ، وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى، وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم، ولا تخالفوا دينكم، فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]، "أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظُلَّة" (٢). قال الثعلبي: "في التيه تقيكم حرّ الشمس" (٣). قال ابن عثيمين: " أي جعلناه ظلاً عليكم؛ وكان ذلك في التيه حين تاهوا؛ وقد بقوا في التيه بين مصر والشام أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ وما كان عندهم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليه الغمام" (٤). قال ابن عباس: "ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام" (٥). وروي عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو ذلك (٦). و(الْغَمَامَ): جمع (غمامة)، كما السحاب جمع سحابة، (والغمام) هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين. وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما (٧)، وأصل الغمام من (الغم): ستر الشيء، ومنه: الغمام لكونه ساترا لضوء الشمس. قال تعالى: ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]. والغمى مثله، ومنه: غم الهلال، ويوم غم، وليلة غمة وغمى، قال الشاعر (٨): ليلة غمى طامس هلالها ... أو غلتها ومكره إيغالها وغمة الأمر أي كربة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]، يقال: غم وغمة. أي: كرب وكربة، والغمامة: خرقة تشد على أنف الناقة وعينها، وناصية غماء: تستر الوجه (٩). وفي ﴿الْغَمَامَ﴾ الذي ظلله الله عليهم أربعة أقوال (١٠):

стр. 564

أحدها: أنهالسحابة، قاله ابن عباس، (١)، وري عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي (٢)، وقتادة (٣)، مثل ذلك، وهو قول جمهور أهل التفسير. والثاني: أنه الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. قاله مجاهد (٤). والثالث: أنه ما ابيض من السحاب، أي السحاب الرقيق الأبيض، " وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا وينجلي في آخره ليستضيؤوا بالقمر ليلا وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيت كانوا بكرة أمس. وإذا كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى: من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا من لنا من حر الشمس فظلل عليهم الغمام" (٥). والرابع: أنه السحاب البارد الذي يكون به الجو بارداً، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو (٦). قالهابن عباس (٧)، وابن جريج (٨). والقول الأول أقرب الى الصواب، "إذ كان معنى الغمام ما وصفنا، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها، فليس الذي ظلله الله على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء" (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، أي و"أنعمنا عليكم" (١٠) بالمنّ والسلوى. قال الصابوني: أي "بأنواعٍ من الطعام والشراب من غير كدٍّ ولا تعب" (١١). قال المراغي: " ما منحه الله لعباده يسمى إيجاده إنزالا كما جاء فى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] " (١٢). واختلف في (المن) ما هو وتعيينه على أقوال (١٣): الأول: أنه الترنجبين (١٤) - بتشديد الراء وتسكين النون ذكره النحاس، ويقال: الطرنجبين بالطاء - قاله ابن عباس (١٥)، وابن عامر (١٦)، والضحاك (١٧)، وعلى هذا أكثر المفسرين (١٨).

стр. 565

والثاني: أنه صمغة حلوة. قاله مجاهد (١). والثالث: أنه العسل. قاله ابن زيد (٢)، وعامر (٣)، ومنه قول أمية بن الصلت في وصف تيه بني اسرائيل وما رزقوا فيه (٤): فرأى الله أنهم بمَضِيعٍ ... لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا فَنَساها عليهم غاديات ... ومرى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطِفا وماء فراتا ... وحليبا ذا بهجة مثمورا المثمور: الصافي من اللبن، فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا، والناطف: هو القاطر (٥). الرابع: أنه الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى - ميمون بن قيس - بقوله (٦): لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ ... ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا الخامس: أنه خبز الرقاق. قاله وهب (٧). السادس: أنه الزنجبيل. قاله السدي (٨). السابع: أنه الكمأة. ومنه حديث الرسول- ﷺ : " الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين " (٩). قال ابن عطية: " فقيل: أراد ﵇ أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل" (١٠).

стр. 566

الثامن: وقيل: أن ﴿المن﴾، مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع (١)، ومنه قول رسول الله ﷺ في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (٢) في رواية "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (٣).

стр. 567

فقيل: "أراد أنه لا تعب في الكمأة ولا جذاذ ولا حصاد، فهي منة دون تكلف، من جنس مَنِّ بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف" (١). والقول الأخير هو الأقرب إلى الصواب، أي: أن (المن) هو: "كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده" (٢)؛ وهذا الرأي يعضده الحديث السابق (٣). كما يمكن إرجاع المن بأنه مادة صمغية جوية تنزل على شجر البادية تشبه الدقيق المبلول فيه حلاوة إلى حموضة، فإن أُكِل وحده كان طعاماً وحلاوة، وإن مزج معه الماء صار شراباً طيباً، وإن ركب مع غيره صار نوعاً آخر (٤)، وعلى هذا القول يمكن حمل أكثر أقوال المفسرين أعلاه عليه، باعتبار كل قول منها ذكر وصفاً للمن سواء في كيفية النزول أم مكان وجوده أم طعمه أم طريقة تناوله. والله أعلم. وكذا اختلف في المعني بقوله تعالى ﴿السَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، على أقوال (٥):

стр. 568

الأول: أنه طائر ناعم يسمى (السُّمَانَى)، قاله ابن عباس (١)، وعامر (٢)، والضحاك (٣). والثاني: أنه طائر شبيه بالسّماني. قاله ابن عباس (٤)، والسدي (٥)، والربيع (٦). قال ابن عثيمين: وهو "من أحسن ما يكون من الطيور، وألذه لحم" (٧). والثالث: أنه طائر سمين، يشبه الحمام. قاله وهب (٨). والرابع: أنه العسل (٩)، بلغة كنانة، وسمي به لأنه يسلى به، ومنه عين السلوان. قاله المؤرج، أحد علماء اللغة والتفسير، وأنشد قول رؤبة (١٠): لو أشرب السلوان ما سليت ... ما بي غنى عنك وإن غنيت واختاره أبو عبيد (١١)، مستشهدا ببيت خالد بن زهير الهذلي (١٢): وَقَاسَمَها بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا قال أبو إسحاق: "السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل" (١٣). قال أبو علي: "والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر الذي كان يسقط مع المن به" (١٤). قال الواحدي: "والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه" (١٥). وقال الجوهري: والسلوى العسل وذكر بيت رؤبة السابق (١٦)، وقال بعضهم السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه المفرح يقال: سليت وسلوت لغتان، وهو في سلوة من العيش أي في رغد (١٧). قال ابن عطية، " ﴿وَالسَّلْوى﴾، طير بإجماع من المفسرين" (١٨)، فقاله ابن عباس (١٩)، وعامر (٢٠)، والضحاك (٢١)، وقتادة (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، والسدي (٢٤)، والربيع (٢٥)، ووهب (٢٦)، وابن زيد (٢٧)، وعكرمة (٢٨)، وهو طائر (السُّمَانَى) الذي فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم، وبهذا قال أكثر أهل العلم (٢٩). وقد رد القرطبي على ابن عطية في تخطئته للهذلي، فقال: وما ادعاه من الإجماع لا يصح." (٣٠)، ثم استشهد بقول "المؤرج، والجوهري" (٣١)، من أن (السلوى) يأتي بمعنى العسل في اللغة. واختلف أهل اللغة في ﴿السلوى﴾ [البقرة: ٥٧]، هل هو جمع أو مفرد: القول الأول: أنه جمع لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا: دفلى للواحد والجماعة وسمانى وشكاعى في الواحد والجميع، وقال الخليل: واحده سلواة وأنشد (٣٢): وَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواةُ مِنْ بَلَلِ الْقَطْرِ وهذا مذهب الأخفش (٣٣)، والفراء (٣٤). القول الثاني: أن (السلوى) واحدة وجمعه سلاوى، وهذا مذهب الكسائي (٣٥). وقد اختلف الروايات في سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام، وإنزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم؟ وأقرب الروايات أنه: "لما تاب الله على قوم موسى، وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا. فكان من أمرهم وأمر الجبارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه، فقال قوم موسى لموسى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فغضب موسى فدعا عليهم فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، فكانت عَجْلَةً من موسى عجلها، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم، أوحى الله إليه: أن لا تأس على القوم الفاسقين - أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا؟ أين الطعام؟ فأنزل ألله عليهم المن - فكان يسقط على شجر الترنجبين - والسلوى وهو طير يشبه السمانى فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب؟ فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا

стр. 569

عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] " (١). قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، "أي وقلنا لهم كلوا من لذائذ نعم الله" (٢). قال الواحدي: " أي: وقلنا لهم: كلوا من طيبات، أي: حلالات، الطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا" (٣). قال السعدي: " أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين، فلم يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب" (٤). وقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، ثلاثة تأويلات (٥): أحدها: يعني: كلوا من شهيات رزقنا الذي رزقناكموه. والثاني: وكلوا من حلاله الذي أبحناه لكم فجعلناه لكم رزقا. والثالث: أنها المباح (٦). والقول الأول أولى بالتفسير، وهو اختيار الإمام الطبري، لأنه "وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك ب (الطيب)، الذي هو بمعنى اللذة، أحرى من وصفه بأنه حلال مباح، و (ما) التي مع (رزقناكم)، بمعنى (الذي)، كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧]، " أي ما نقصونا شيئاً" (٨). قال الواحدي: " بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، " (٩). قال ابن عثيمين: لأن الله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين" (١٠). قال السعدي: " يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعات الطائعين" (١١). وأخرج ابن أبي حاتم" عن ابن عباس في قوله: ﴿وما ظلمونا﴾، قال: نحن أعز من أن نظلم" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، " أي لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم" (١٣). أخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس في قوله: ﴿أنفسهم يظلمون﴾، قال: يضرون" (١٤). قال السعدي: " فيعود ضرره عليهم" (١٥). قال القرطبي: " لمقابلتهم النعم بالمعاصي" (١٦). قال الواحدي: ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة" (١٧).

стр. 570

وقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وجهين (١): أحدهما: أنه يعني: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي. قيل: "أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ " (٢). والثاني: أنه يعني: ﴿وما ظلمونا﴾ بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة. وجمهور المفسرين على عموم المعنى، قالوا: وما ظلمونا بفعلهم المعصية وعدم شكرهم تلك النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٣). الفوائد: ١ من فوائد الآية: نعمة الله ﵎ بما هيأه لعباده من الظلِّ؛ فإن الظلّ عن الحرّ من نعم الله على العباد؛ ولهذا ذكره الله هنا ممتناً به على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾، وقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم مما خلق ظلالًا﴾ [النحل: ٨١]. ٢ ومنها: أن الغمام يسير بأمر الله ، حيث جعل الغمام ظلاً على هؤلاء. ٣. ومنها: بيان نعمة الله على بني إسرائيل بما إنزل عليهم من المن، والسلوى. يأتيهم بدون تعب، ولا مشقة؛ ولهذا وصف بـ "المن". ٤ ومنها: أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله تعالى هيأ لهم لحوم الطير. وهو أيضاً لحوم أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾ (الواقعة: ٢١) ٥ ومنها: أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]؛ فإن الإنسان لا ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام. ﵀: "من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم"؛ وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباح الله له وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة؛ فالإنسان لا ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بدينه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بغيره؛ فقد يمتنع الإنسان عن اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله، فيكون تركه له من باب الحمية؛ وقد يترك الإنسان اللحم، لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يُذهب طيباته في حياته الدنيا؛ وقد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر ﵁ في عام الرمادة. عام الجدب المشهور. أنه كان لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع (٤)؛ فيكون تركه لذلك مراعاة لغيره؛ إذاً من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموم. ٦ ومنها: أن المباح من الزرق هو الطيب؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات﴾. ٧ ومنها: تحريم أكل الخبيث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته؛ وخبيث لكسبه؛ فالخبيث لذاته كالميتة، والخنْزير، والخمر، وما أشبهها، كما قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنْزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي نجس خبيث؛ وهذا محرم لذاته؛ محرم على جميع الناس؛ وأما الخبيث لكسبه فمثل المأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب، وما أشبه ذلك؛ وهذا محرم على مكتسبه، وليس محرماً على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح؛ ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، ويأخذون الربا، فدلّ ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب.

стр. 571

٨ ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله تعالى: (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) ٩ ومنها: أن العاصي لا يضر الله شيئاً؛ وإنما يظلم نفسه. القرآن ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم حين قلنا: ادخلوا مدينة "بيت المقدس" فكلوا من طيباتها في أي مكان منها أكلا هنيئًا، وكونوا في دخولكم خاضعين لله، ذليلين له، وقولوا: ربَّنا ضَعْ عنَّا ذنوبنا، نستجب لكم ونعف ونسترها عليكم، وسنزيد المحسنين بأعمالهم خيرًا وثوابًا. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]، أي: " واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا ادخلوا هذه القرية" (١). قال الصابوني: أي واذكروا أيضاً نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التيه، ادخلوا بيت المقدس" (٢). واختلف المفسرون في تعيين ﴿القرية﴾ على أقوال (٣): الأول: أنها بيت المقدس. قاله قتادة (٤)، والسدي (٥)، والربيع (٦)، وهو قول الجمهور. والثاني: أنها أريحا من بيت المقدس، إذ كانت قاعدة ومسكن ملوك. قاله ابن زيد (٧). والثالث: أنها: الرملة والأردن وفلسطين وتدمر، قاله الضحاك (٨). والراجح هو القول الأول، وهو قول الجمهور. والله أعلم. وقوله تعالى ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]، أي "المدينة، سميت بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته" (٩). وقال أهل اللغة، أن "اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (١٠)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (١١)، قال (١٢): كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ... يُلَبِّدُهَا فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع القوى" (١٣). قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، " أي كلوا منها أكلاً واسعاً هنيئاً" (١٤). قال مجاهد: ﴿رغدا﴾: " لا حساب عليهم" (١٥). وقال السدي: " ﴿رغدا﴾: الهنيء" (١٦).

стр. 572

قال الثعلبي: " موسعا عليكم" (١). قال الطبري: أي"عيشا هنيا واسعا بغير حساب" (٢). قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ﴾ [البقرة: ٥٨]، " أي وادخلوا باب القرية" (٣). قال الثعلبي: "يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب" (٤). قوله تعالى: ﴿سُجَّداً﴾ [البقرة: ٥٩]، أي: "منحنين متواضعين" (٥). قال الصابوني: " أي ساجدين لله شكراً على خلاصكم من التيه" (٦). عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "قيل لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدّلوا وقالوا: حطة: حبة في شعرة"" (٧). وروي عن عبد الله بن مسعود قال: "قيل لهم: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾، فدخلوا مقنعي رؤسهم" (٨). واختلفوا في (الباب) في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ [البقرة: ٥٨]، على ثلاثة أوجه (٩): أحدها: أنه باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ (باب حِطَّةَ)، وهذا قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، والسدي (١٢)، والضحاك (١٣)، واختاره الطبري (١٤)، وهو المشهور. والثاني: أنه باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل. والثالث: أنه باب القرية، التي أمروا بدخولها (١٥). واختلفوا في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ [البقرة: ٥٨]، على وجهين (١٦): أحدهما: أن معناه: رُكَّعاً، منحنين ركوعا. وهذا قول ابن عباس (١٧). والثاني: أن معناه: متواضعين خشوعا، لا على هيئة متعينة. والقول الأول أشبه بالصواب: وأصل (السجود) الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو (ساجد) ومنه قول زيد الخيل بن مهلهل الطائي (١٨): بَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ ... تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ

стр. 573

فقوله (سجدا)، أي: خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة (١): يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ ... كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً فذلك تأويل ابن عباس قوله: (سجدا) ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه (٢). قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، "أي قولوا يا ربنا حطَّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا" (٣). والـ ﴿حِطَّةٌ﴾: من قول القائل: " حط الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة " (٤)، واختلف أهل العلم في تفسيره على أقوال (٥): الأول: أن معناه: حُطَّ عنا خطايانا، وهو قول الحسن (٦)، وقتادة (٧)، وابن زيدٍ (٨)، وعطاء (٩)، ورواية ابن جريج عن ابن عباس (١٠). قال الماوردي: "وهو أشبهُ بظاهر اللفظ" (١١). وهذا تفسير حسن، قال به كثير من أهل العلم (١٢). والثاني: أن معناه: قولوا (لا إله إلا الله). روي ذلك عن عكرمة (١٣)، كأنهم وجهوا تأويله: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول لا إله إلا الله. والثالث: أن ﴿حِطَّة﴾ المغفرة، فكأنه أمر بالاستغفار، وهو رواية سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ (١٤)، وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٥). والرابع: أنه قولهم: "هذا الأمر حق كما قيل لكم" (١٦)، وهو رواية الضحاك، عن ابن عباسٍ (١٧). الخامس: معناه: " أن أقروا بالذنب". حكاه الأوزاعي عن ابن عباس (١٨). السادس: أن معنى (حِطَّةٌ): بسم الله، ذكره السمرقندي (١٩) عن بعضهم، فكأن المعنى عليه: ادخلوا الباب خاضعين لله مستعينين به على عدوكم، فإن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم نتيجة امتثالكم، وهو محتمل. والسابع: أن (حِطَّة) من ألفاظ أهل الكتاب لا يعرف المراد منها، قاله الأصم (٢٠).

стр. 574

والثامن: أن (حِطَّة): كانت تعني في ذلك المكان الدلالة على العجز، وهي من أقوال أصحاب المسألة والشحاذين، أمروا بها كيلا يحسب لهم أهل القرية حساباً، ولا يأخذوا منهم حذراً، فيكون القول الذي أمروا به على ذلك قولاً يخاطبون به أهل القرية (١). والتاسع: أن (حِطَّة) تعني إقامة من الحط بمعنى حط الرحال وإنزالها، أي: ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة والاستقرار بها، قاله أبو مسلم الأصفهاني (٢). وهذان القولان الأخيران كما ذكر الألوسي بعيدان لعدم ظهور تعلق الغفران بهما (٣). وأحسن هذه الوجوه وأقربها إلى التحقيق القول الأول، والله أعلم. واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت (الحطة)، على أقوال (٤): الأول: فقال بعض نحويي البصرة: رفعت (الحطة) بمعنى (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا، كما تقول للرجل: سَمْعُك. والثاني: وقال آخرون منهم: هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة، وفرض عليهم قيلها كذلك. والثالث: وقال بعض نحويي الكوفيين: رفعت (الحطة) بضمير (هذه)، كأنه قال: وقولوا: (هذه) حطة. والرابع: وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة، فتكون (حطة) حينئذ خبرا لـ (ما). والأقرب إلى الصواب: "أن يكون رفع (حطة) بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا الباب سجدا حطة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ، ما دل عليه الظاهر من التنزيل، وهو قوله: (وادخلوا الباب سجدا)، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، يعني: موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. فكذلك عندي تأويل قوله: (وقولوا حطة)، يعني بذلك: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا، وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد" (٥). وأما على تأويل قول عكرمة، "فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة)، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: (لا إله إلا الله)، أو أن يقولوا: (نستغفر الله)، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول، ف (قولوا) واقع حينئذ على (الحطة)، لأن (الحطة) على قول عكرمة - هي قول (لا إله إلا الله)، وإذا كانت هي قول (لا إله إلا الله)، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير فقال له: " قل خيرا " نصبا، ولم يكن صوابا أن يقول له: (قل خير)، إلا على استكراه شديد، وفي إجماع القَرَأَةِ على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة)، وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله: (وقولوا حطة)، أن تكون القراءة في (حطة) نصبا، لأن من شأن العرب - إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال، وحذفوا الأفعال - أن ينصبوا المصادر. كما قال الشاعر (٦): أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم ... على أمهات الهام ضربا شآميا وكقول القائل للرجل: (سمعا وطاعة) بمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه: (معاذ الله) [يوسف: ٢٣] بمعنى: نعوذ بالله" (٧).

стр. 575

واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٩]، على وجهين (١): الأول: ﴿حِطَّة﴾، بالنصب (٢)، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة (٣) (٤). والثاني: ﴿حِطَّةٌ﴾، بالرفع، قرأ بها الجمهور (٥)، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة (٦) قوله تعالى: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، "أي نمح ذنوبكم ونكفّر سيئاتكم" (٧). قال قتادة: " من كان خاطئا غفرت له خطيئته" (٨). قال الماوردي: " أي نرحمْكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها " (٩). قال الطبري: أي: "نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها" (١٠). وأصل (الغفر) التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافره، ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس (مغفر)، لأنها تغطي الرأس وتجنه، ومنه (غمد السيف)، وهو ما تغمده فواراه ولذلك قيل لزئبر الثوب: (غفرة)، لتغطيته الثوب، وحوله بين الناظر والنظر إليه، ومنه قول أوس بن حجر (١١): فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا فقوله: (وأغفر عنه الجهل): أي: أستر عليه جهله بحلمي عنه (١٢). و(الخطايا)، جمع: خطية، بغير همز، كما (المطايا)، جمع: مطية، ولو كانت (الخطايا) مجموعة على (خطيئة)، بالهمز: لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل، وقد تجمع " خطيئة " بالتاء، فيهمز فيقال " خطيئات ". و " الخطيئة " فعيلة، من " خَطِئَ الرجل يخطأ خِطْأ "، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق. ومنه قول الشاعر (١٣):

стр. 576

وإن مُهَاجِرَيْن تَكَنَّفاه ... لعمر الله قد خطئا وخابا يعني: أضلا الحق وأثما (١). قال ابن عثيمين: " (المغفرة) هي ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ ومعناه أن الله ستر ذنبك، ويتجاوز عنك، فلا يعاقبك؛ لأن "المغفرة" مأخوذة من المغفر. وهو ما يوقى به الرأس في الحرب؛ لأنه يستر، ويقي؛ ومن فسر "المغفرة" بمجرد الستر فقد قصَّر؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وقرره بذنوبه قال: "قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (٢) أي اليوم أسترها أيضاً، ثم أتجاوز عنها؛ و ﴿خطاياكم﴾ جمع خَطِيَّة، كـ"مطايا" جمع مطية؛ و "الخطية" ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد؛ وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى "أخطاء"؛ ولهذا يفرق بين "مخطئ"، و"خاطئ"؛ الخاطئ ملوم؛ والمخطئ معذور، كما قال الله تعالى: ﴿لنسفعاً بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة﴾ [العلق: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " (٣). قوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]، "أي نزيد من أحسن إحساناً، بالثواب العظيم، والأجر الجزيل" (٤). قال الثعلبي: "إحسانا وثوابا" (٥). قال النسفي: " أي من كان محسناً منكم، كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة" (٦). قال ابن كثير: " أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات" (٧). قال ابن عباس: "من كان منكم محسنا زيد في إحسانه، ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته" (٨). وروي عن قتادة (٩)، نحو ذلك. قال ابن عطية: " المعنى: إذا غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا إله إلا الله فقيل هم المراد بـ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ هنا" (١٠). الفوائد: ١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ قلنا ادخلوا﴾؛ وهو قول حقيقي بصوت، وبحرف؛ لكن صوته لا يشبهه صوت من أصوات المخلوقين؛ ولا يمكن للإنسان أن يدرك هذا الصوت؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠]؛ وهكذا جميع صفات الله لا يمكن إدراك حقائقها. ٢ ومنها: وعد الله لهم بدخولها؛ ويؤخذ هذا الوعد من الأمر بالدخول؛ فكأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا. ٣ ومنها: جواز أكل بني إسرائيل من هذه القرية التي فتحوها؛ فإن قال قائل: أليس حِلّ الغنائم من خصائص هذه الأمة. أي أمة محمد ﷺ ؟ فالجواب: بلى، والإذن لبني إسرائيل أن يأكلوا من القرية التي دخلوها ليس على سبيل التمليك؛ بل هو على سبيل الإباحة؛ وأما حِلّ الغنائم لهذه الأمة فهو على سبيل التمليك.

стр. 577

٤ ومنها: أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة﴾؛ ولهذا لما فتح النبي ﷺ مكة دخلها مطأطئاً رأسه (١) يقرأ قول الله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١]. القرآن ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩] التفسير: فبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله، وحرَّفوا القول والفعل جميعًا، إذ دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة، واستهزءوا بدين الله، فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء؛ بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله. قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، : " أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجه التبديل والمخالفة" (٢). قال الصابوني: " أي غيَّر الظالمون أمر الله فقالوا" (٣). قال الثعلبي: ﴿ظلموا﴾ " أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا" (٤). قوله تعالى: ﴿قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، أي: " قولا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه" (٥). قال النسفي: أي" فخالفوه إلى قول، ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله" (٦). واختلف في قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] على وجوه (٧): أحدها: أنهم: "دخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة". روي ذلك عن رسول الله- ﷺ (٨)، وعلى هذا القول عامة المفسرين، وقد روي عن ابن عباس (٩)، وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن والربيع ويحيى بن رافع نحو ذلك (١٠). والثاني: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. قاله عكرمة (١١)، وأبو الكنود (١٢). والثالث: أنهم: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون: حنطة. قاله ابن عباس (١٣).

стр. 578

والرابع: إنهم قالوا: " هطى سمقا يا ازبة هزبا "، وهو بالعربية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء. قاله ابن مسعود (١). والخامس: وقال أبو مسلم: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]: أنهم لم يفعلوا ما أمرهم الله به، ولم يلتفتوا إليه، لا على أنهم أتوا له ببدل، ودلل على قوله ذلك بقوله- : ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذلك هنا (٢). وهذا قول بعيد؛ لأن ظاهر الآية والأحاديث الصحيحة تبطله، والله أعلم. وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا، فاستهزؤوا فقالوا: حنطة في شعرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ﴿فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ " (٣)، ومعنى السجود في قوله تعالى عند الدخول، أي: "الانحناء شكراً لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له، والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة، ولم تتعرض لها التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على استاهم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره" (٤). وقوله تعالى: ﴿رِجْزاً﴾ [البقرة: ٥٩]، فيه وجهان من القراءة (٥): الأول: ﴿رِجْزاً﴾، بكسر الراء. وهي قراءة الجماعة. والثاني: ﴿رُجْزاً﴾، بضم الراء، قرأ بها ابن محيصن. قال القرطبي: "والرجز: العذاب "بالزاي" و"بالسين": النتن والقذر، ومنه قوله تعالى ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، أي نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي وقال الفراء الرجز هو الرجس، قال أبو عبيد: كما يقال السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى، قال الفراء: وذكر بعضهم أن الرجز "بالضم" اسم صنم كانوا يعبدونه وقرئ بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ والرجز "بفتح الراء والجيم" نوع من الشعر وأنكر الخليل أن يكون شعرا وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها" (٦). وقال الراغب: "أصل الرجز: الاضطراب، ومنه قيل: رجز البعير رجزا، فهو أرجز، وناقة رجزاء: إذا تقارب خطوها واضطرب لضعف فيها، وشبه الرجز به لتقارب أجزائه وتصور رجز في اللسان عند إنشاده، ويقال لنحوه من الشعر أرجوزة وأراجيز، ورجز فلان وارتجز إذا عمل ذلك، أو أنشد، وهو راجز ورجاز ورجازة. وقوله: ﴿عذاب من رجز أليم﴾ [سبأ: ٥]، فالرجز ههنا كالزلزلة، وقال تعالى: ﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء﴾ [العنكبوت: ٣٤]، وقوله: ﴿الرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥]، قيل: هو صنم، وقيل: هو كناية عن الذنب، فسماه بالمآل كتسمية الندى شحما. وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ [الأنفال: ١١]، والشيطان عبارة عن الشهوة على ما بين في بابه. وقيل: بل أراد برجز الشيطان: ما يدعو إليه من الكفر والبهتان والفساد. والرجازة: كساء يجعل فيه أحجار فيعلق على أحد جانبي الهودج إذا مال (٧)، وذلك لما يتصور فيه من حركته، واضطرابه" (٨).

стр. 579

واختلف أهل التفسير في معنى (الرجز)، في قوله تعالى: ﴿فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]، على أقوال (١): الأول: أنه الطاعون، قاله ابن زيد (٢)، وهو قول الجمهور (٣). والثاني: أنه الغضب. وهو قول أبي العالية (٤). والثالث: أنه العذاب. قاله ابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، وابن زيد في أحد قوليه (٧). والرابع: وقيل: إما الطاعون أو البرد. قاله الشعبي (٨). والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لحديث رسول الله ﷺ : "" الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ " (٩)، وقد روى أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً (١٠). قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]، أي: بما كانوا "يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى" (١١). قال قتادة: "بما كانوا يعصون" (١٢). وقال ابن إسحاق: "أي بما تعدوا في أمري" (١٣). قال الطبري: أي" بما كانوا يتركون طاعة الله ، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره" (١٤). وقال الثعلبي: " يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله " (١٥). وقرأ النخعي وابن وثاب: ﴿يفسِقون﴾، بكسر السين، يقال فسق يفسق ويفسق بضم السين وكسرها (١٦). الفوائد: ١. من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، ومضادَتُهم لله، ورسله؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجداً؛ بل دخلوا يزحفون على أستاههم على الوراء استكباراً واستهزاءً. ٢. ومنها: بيان قبح التحريف سواء كان لفظياً، أو معنوياً؛ لأنه يغير المعنى المراد بالنصوص. ٣. ومنها: أن الجهاد مع الخضوع لله ، والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾، وسبب للاستزادة أيضاً من الفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وسنزيد المحسنين﴾.

стр. 580

٤. ومنها: أن الإحسان سبب للزيادة سواء كان إحساناً في عبادة الله، أو إحساناً إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة؛ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: "الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١)؛ وقال: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٢) ". ٥. ومنها: تحريم التبديل لكلمات الله وهو تحريفها؛ وأنه من الظلم، لقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولًا﴾. ٦. ومنها: بيان عقوبة هؤلاء الظالمين، وأن الله أنزل عليهم الرجز من السماء. ٧. ومنها: الإشارة إلى عدل الله ، وأنه لا يظلم أحداً، وأن الإنسان هو الظالم لنفسه. ٨. ومنها: إثبات فسوق هؤلاء بخروجهم عن طاعة الله؛ والفسق نوعان: فسق أكبر مخرج عن الملة، وضده "الإيمان"، كما في قوله تعالى: ﴿وأمَّا الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ٢٠]؛ وفسق أصغر لا يخرج عن الملة، وضده "العدالة"، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. ٩. ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ لقوله تعالى: ﴿بما كانوا يفسقون﴾. ١٠. ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الله مجبر العبد على عمله؛ ووجه الرد أن الله أضاف الفسق إليهم؛ والفسق هو الخروج عن الطاعة؛ والوجه الثاني: أنهم لو كانوا مجبرين على أعمالهم لكان تعذيبهم ظلماً، والله. ﵎. يقول: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩]. ١١. ومنها: أن الفسوق سبب لنُزول العذاب. القرآن ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠] التفسير: واذكروا نعمتنا عليكم -وأنتم عطاش في التِّيْه- حين دعانا موسى -بضراعة- أن نسقي قومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر، فضرب، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، بعدد القبائل، مع إعلام كل قبيلة بالعين الخاصة بها حتى لا يتنازعوا، وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله، ولا تسعوا في الأرض مفسدين. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]، "أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه" (٣). قال الطبري: " أي سألنا أن نسقي قومه ماء" (٤). قال ابن كثير: " واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى، ﵇، حين استسقاني لكم" (٥). قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ [البقرة: ٦٠]، "أي اضرب أيّ حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه" (٦). واختلف أهل التفسير في نوع (الألف واللام) في قوله ﴿الْحَجَر﴾ [البقرة: ٦٠]، على وجهين (٧): أحدهما: أن (الألف واللام) للجنس، "أى اضرب الشيء الذي يقال له الحجر" (٨)، وعلى هذا أنه لم يكن حجرا معينا، بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم. وهذا قول وهب بن منبّه (٩).

стр. 581

قال الزمخشري: "وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة" (١). والثاني: أن (الألف اللام) للعهد، وعليه أنه كان حجرا مخصوصا بعينه، وقد روي عن قتادة (٢)، بأنه كان حجرا من جبل الطور. واختار هذا القول البيضاوي (٣). ثم اختلفوا في تحديده على أقوال (٤): أحدها: كان حجرا خفيفا مربعا، قاله ابن عباس (٥). والثاني: أنه كان مثل رأس الثور. قاله عطية العوفي (٦). والثالث: أنها كانت رخاما. حكاه الثعلبي (٧). والرابع: كان الحجر من الكدان، قاله أبو روق (٨). والخامس: أنه الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل حين رموه بالأدرة (٩). قاله سعيد بن جبير (١٠). والخامس: وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا (١١). قال ابن عطية: "ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون" (١٢). روي عن قتادة في قوله: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ الآية، قال: " كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه. فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم" (١٣). قوله تعالى: ﴿فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ [البقرة: ٦٠]، "أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً بقدر قبائلهم" (١٤). قال مجاهد: : "خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا، ضربه موسى" (١٥). واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ [البقرة: ٦٠]، على ثلاثة أوجه (١٦): الأول: قرأ العامة: بسكون (الشّين) على التخفيف. والثاني: قرأ العباس بن الفضل الأنصاري: بفتح (الشين) على الأصل. والثالث: وقرئ بكسر (الشين) (١٧). قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، "أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا" (١٨).

стр. 582

قال الثعلبي: أي: " موضع شربهم" (١). قال البيضاوي: أي: " عينهم التي يشربون منها" (٢). قال مجاهد: " لكل سبط منهم عين، كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا" (٣) وقال سعيد بن جبير: " كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، فينتضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين" (٤). قال الطبري: " إن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه. فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس. إذ كان غيرهم - في الماء الذي لا يملكه أحد - شركاء في منابعه ومسايله. وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم، فلذلك خصوا بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم" (٥). قوله تعالى: ﴿كُلُوا واشربوا مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠]، "أي قلنا لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كدّ منكم ولا تعب، بل هو من خالص إِنعام الله" (٦). قال الثعلبي: " أي قلنا لهم: كلوا من المنّ، واشربوا من الماء فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة" (٧). قال المراغي: " أي وقلنا لهم كلوا مما رزقناكم من المنّ والسلوى واشربوا مما فجرنا لكم من الماء من الحجر الصّلد" (٨). قال أبو حيان: ولما كان مطعومهم ومشروبهم لا كلفة عليهم ولا تعب في تحصيله حسنت إضافته إلى الله تعالى، وإن كانت جميع الأرزاق منسوبة إلى الله تعالى، سواء كانت مما تسبب العبد في كسبها أم لا، واختص بالإضافة للفظ الله، إذ هو الاسم العلم الذي لا يشركه فيه أحد، الجامع لسائر الأسماء ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالارْضِا قُلِ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُا﴾، و ﴿مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالارْضِ﴾، ﴿مَّعَ اللَّهِ بَلْ﴾؟ " (٩). وقوله تعالى: ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠]، يحتمل وجهين من التفسير (١٠): الأول: يريد به ما رزقهم الله من المن والسلوى وماء العيون، "فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة" (١١). والثاني: قيل الماء وحده، لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت به. قال أبو حيان: " وهذا القول يكون فيه من رزق الله، يجمع فيه بين الحقيقة والمجاز، لأن الشرب من الماء حقيقة، والأكل لا يكون إلا مما نشأ من الماء، لا أن الأكل من الماء حقيقة" (١٢). قلت والوجه الأخير، وإن كان معناه صحيحاً، إلا أن فيه تكلف لسنا بحاجة إليه، والله أعلم.

стр. 583

قال أبو حيان: " و (الرزق) هنا هو المرزوق، وهو الطعام من المن والسلوى، والمشروب من ماء العيون .. وحمل الرزق على القدر المشترك بين الطعام والماء أولى من هذا القول" (١). قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، "أي: ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد" (٢). قال أبو العالية: " يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا" (٣). وروي عن ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، وابن زيد (٦)، نحو ذلك. وقال أبو مالك: " يعني: لا تمشوا بالمعاصي" (٧). قال الطبري: أي" لا تطغوا، ولا تسعوا في الأرض مفسدين" (٨). قال ابن كثير: أي" ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها" (٩). قال البيضاوي: أي: " لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحاً راجحاً كقتل الخضر ﵇ الغلام وخرقه السفينة، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حساً، ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر عن الخل ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك" (١٠). و(العيث): شدة الفساد، نهاهم عن ذلك، يقال: عث يعث عثيا وعثا يعثو عثوا، وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا والأول لغة القرآن" (١١)، ومنه رؤبة بن العجاج (١٢): وعاث فينا مستحل عائث ... مُصَدِّق أو تاجر مقاعث يعني بقوله: " عاث فينا "، أفسد فينا، ويقال: "عث يعث في المضاعف أفسد ومنه العثة، وهي السوسة التي تلحس الصوف" (١٣). ومنه قول ابن الرّقاع (١٤): لولا الحياء وأنّ رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم و"العِثي" معناه الإسراع في الإفساد؛ والإفساد في الأرض يكون بالمعاصي، كما قال الله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١] " (١٥).

стр. 584

وقوله تعالى: ﴿فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، " الجمهور على أنها أرض التيه، ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدر أن يوصلوا إليها فينالها فسادهم، ويجوز أن يريد الأرضين كلها. وأل: لاستغراق الجنس. ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات، وذلك انتقام يعم الأرض بالفساد" (١). وقد تعددت أقول أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿[البقرة: ٦١]، على وجوه (٢): أحدها: ولا تسعوا في الأرض فسادا. قاله أبو العالية (٣)، وروي عن ابن عباس (٤)، نحو ذلك. والثاني: لا تسيروا في الأرض مفسدين. قاله قتادة (٥). والثالث: ولا تطغوا. قاله ابن زيد (٦). والرابع: لا تتظالموا الشرب فيما بينكم، لأن كلّ سبط منكم قد جعل له شرب معلوم. والخامس: لا تؤخروا الغذاء، فكانوا إذا أخروه فسد. والسادس: وقيل: معناه لا تخالطوا المفسدين. والسابع: وقيل: معناه لا تتمادوا في فسادكم. وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض (٧)، ضمن المعنى الصحيح، ألا وهو عدم نشر الفساد في الأرض، يقال" عَثَا، إِذَا نشر الشّرّ وَالْفَساد وَأَثَار الْخُبْث، فَهُو أَخَص مِنْ مُطْلَقِ الْإِفْسَاد وَذَلِك مَعَ كَوْن (مُفْسِدِينَ) حَالًا مِن ضمِير ﴿تَعْثَوْا﴾ " (٨). قال أبو حيان: " واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة، واقتضى أن يكون الرّزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحاً وحراماً، وأنه غير جائز. والجواب: إن الرزق هنا ليس بعادم هذا أريد به المن والسلوى والماء المنفجر من الحجر، ولا يلزم من حلية معين مّا من أنواع الرّزق حلية جميع الرّزق، وفي هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات من الطعام، وشرب المستلذ من الشراب، والجمع بين اللونين والمطعومين، وكل ذلك بشرط الحل" (٩). الفوائد: ١ من فوائد الآية: مشروعية الاستسقاء عند الحاجة إلى الماء؛ لأن موسى استسقى لقومه؛ وشرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه؛ فكيف وقد أتى بوفاقه؟ ! فقد كان النبي ﷺ يستسقي في خطبة الجمعة (١٠)، ويستسقي في الصحراء على وجه معلوم (١١). ٢ ومنها: أن السقيا كما تكون بالمطر النازل من السماء تكون في النابع من الأرض. ٣ ومنها: أن الله هو الملجأ للخلق؛ فهم إذا مسهم الضر يلجؤون إلى الله . ٤ ومنها: أن الرسل. عليهم الصلاة والسلام. كغيرهم في الافتقار إلى الله ؛ فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء. ٥ ومنها: رأفة موسى بقومه؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا استسقى موسى لقومه﴾.

стр. 585

٦ ومنها: أن الله قادر جواد؛ ولهذا أجاب الله تعالى دعاء موسى؛ لأن العاجز لا يسقي؛ والبخيل لا يعطي. ٧ ومنها: إثبات سمع الله ، لقوله تعالى: ﴿فقلنا﴾؛ لأن الفاء هنا للسببية؛ يعني: فلما استسقى موسى قلنا؛ فدل على أن الله سمع استسقاء موسى، فأجابه. ٨. ومنها: كمال قدرة الله ، حيث إن موسى ﷺ يضرب الحجر اليابس بالعصا، فيتفجر عيوناً؛ وهذا شيء لم تجر العادة بمثله؛ فهو دليل على قدرة الله ، وأنه ليس كما يزعم الطبائعيون بأنه طبيعة؛ إذ لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت، وبقيت على ما هي عليه. ٩ ومنها: الآية العظيمة في عصا موسى، حيث يضرب به الحجر، فيتفجر عيوناً مع أن الحجر صلب، ويابس؛ وقد وقع لرسول الله ﷺ ما هو أعظم، حيث أُتي إليه بإناء فيه ماء، فوضع يده فيه، فصار يفور من بين أصابعه كالعيون (١)؛ ووجه كونه أعظم: أنه ليس من عادة الإناء أن يتفجر عيوناً بخلاف الحجارة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ [البقرة: ٧٤]؛ ووجه آخر: أن الإناء منفصل عن الأرض لا صلة له بها بخلاف الحجارة. ١٠ ومنها: حكمة الله بجعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عيناً؛ لفائدتين: الفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عيناً واحدة لحصلت مشقة الزحام. الفائدة الثانية: الابتعاد عن العداوة، والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطاً؛ فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق، والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد؛ وربما يؤدي إلى القتال؛ فهذا من رحمة الله. ﵎. ببني إسرائيل، حيث فجره اثنتي عشرة عيناً، ولهذا أشار الله إلى هذه النعمة بقوله: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾: كل أناس من بني إسرائيل. ١١ من فوائد الآية: أن الله يذكِّر بني إسرائيل بهذه النعم العظيمة لأجل أن يقوموا بالشكر؛ ولهذا قال تعالى: (كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ١٢ ومنها: أن ما خلق الله تعالى من المأكول، والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة، والحل؛ لأن الأمر للإباحة؛ فما أخرج الله تعالى لنا من الأرض، أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحل؛ فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل؛ فالعبادات الأصل فيها الحظر؛ وأما المعاملات، والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل، والإباحة. ١٣ ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾؛ والأصل في النهي التحريم. القرآن ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١] التفسير: واذكروا حين أنزلنا عليكم الطعام الحلو، والطير الشهي، فبطِرتم النعمة كعادتكم، وأصابكم الضيق والملل، فقلتم: يا موسى لن نصبر على طعام ثابت لا يتغير مع الأيام، فادع لنا ربك يخرج لنا من نبات الأرض طعامًا من البقول والخُضَر، والقثاء والحبوب التي تؤكل، والعدس، والبصل، قال موسى -مستنكرًا عليهم-: أتطلبون هذه الأطعمة التي هي أقل قدرًا، وتتركون هذا الرزق النافع الذي اختاره الله لكم؟ اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة، تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق، ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم يُقَدِّمون اختيارهم -في كل موطن- على اختيار الله، ويُؤْثِرون شهواتهم على ما اختاره الله لهم؛ لذلك لزمتهم صِفَةُ الذل وفقر النفوس،

стр. 586

وانصرفوا ورجعوا بغضب من الله؛ لإعراضهم عن دين الله، ولأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ظلمًا وعدوانًا؛ وذلك بسبب عصيانهم وتجاوزهم حدود ربهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٦١]، أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المن والسلوى" (١). قال المراغي: " أي وإذ قال أسلافكم من قبل إعناتا لموسى وبطرا بما هم فيه" (٢). قوله تعالى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، "أي على نواع واحدٍ من الطعام وهو المنُّ والسلوى" (٣). قال الثعلبي: " يريدون به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى" (٤). قال قتادة: ملّوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك" (٥). وقال أبو العالية: "كان طعامهم السلوى وشرابهم المن، فسألوا ما ذكروا" (٦). قال المراغي: أي: " لن نصبر على أن يكون طعامنا الذي لا يتغير أبدا هو المنّ والسلوى" (٧). قال الراغب: " والطعام ما يغتذي به مأكولا كان أو مشروباً، وفي المشروب قالك ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ... فإن قيل: كيف قال: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وكان لهم المن والسلوى؟ قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك فلان يفعل فعلاً واحداً في كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها﴾ [البقرة: ٢٥٩] " (٨). وقال الزمخشري: "أرادوا بالواحد (٩) ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدّة يداوم عليها كل يوم لا يبدّلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا يراد بالوحدة نفى التبدّل والاختلاف. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك" (١٠). وقال ابن عطية: " وكنى عن (المن والسلوى) بـ ﴿طَعامٍ واحِدٍ﴾، وهما طعامان، لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد، ولتكرارهما سواء أبدا قيل لهما ﴿طَعامٍ واحِدٍ﴾، ولغة بني عامر «فادع» بكسر العين" (١١). قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١]، "أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا" (١٢). قال الزمخشري: أي: سل ربك"يظهر لنا ويوجد" (١٣). قال المراغي: " أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا" (١٤). قال الراغب: " و (الدعاء) أعم من (النداء)، فإن النداء يقال فيمن يكون بعيداً أو في حكم البعيد والدعاء فيه وفي القريب" (١٥). قوله تعالى: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١]، " أي مما تخرجه" (١٦).

стр. 587

قال ابن عثيمين: " هذا توسل منهم بموسى ليدعو الله لهم" (١). قال المراغي: " وإنما سألوه أن يدعولهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم" (٢). وقد ذكر أهل العلم في بأن قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦١]، يدل على وجهين: أحدهما: أن قولهم ﴿ربّك﴾، تدل على جفاء عظيم منهم؛ فهم لم يقولوا: "ادع لنا ربنا"، أو "ادع الله"؛ بل قالوا: "ادع لنا ربك"، كأنهم بريئون منه، والعياذ بالله؛ وهذا من سفههم، وغطرستهم، وكبريائهم. قاله الشيخ ابن عثيمين (٣). والثاني: أنهم قالوا ﴿ربك﴾، ولم يقولوا (ربنا)، لأنه اختصه بما لم يعط مثله لهم، من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا ادع لنا من أحسن إليك بما لم يحسن به إلينا، فكما أحسن إليك من قبل، نرجو أن يحسن إليك بإجابة هذا الدعاء. قاله الشيخ أحمد مصطفى المراغي (٤). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، أي: " من خضرتها كالنعناع والكرفس والكراث" (٥). قال الزمخشري: "والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها" (٦). قوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، "يعني القتَّة التي تشبه الخيار" (٧). قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، " أي الثوم" (٨). قال الزمخشري: " والفوم: الحنطة. ومنه فوّموا لنا، أى: اخبزوا" (٩). قوله تعالى: ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، "أي العدس والبصل المعروفان" (١٠). قال الطبري: "و (البقل) و (القثاء) و (العدس) و (البصل)، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها (١١). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، على قولين (١٢): أحدهما: أنه (الحنطة)، وهذا قول ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤)، والحسن (١٥)، وأبي مالك (١٦)، والسدي (١٧)، وابن زيد (١٨)، وأكثر المفسرين (١٩)، وهو اختيار النحاس (٢٠)، ومن ذلك قول أُحَيْحة بن الجُلاح (٢١): قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ... وَرَد المدينة عن زراعة فوم

стр. 588

وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا " فوما " من اللغة القديمة. حكي سماعا من أهل هذه اللغة: (فوموا لنا)، بمعنى اختبزوا لنا (١). قال الفراء: " فإن (الفوم) فيما ذكر لغةٌ قديمة، وهي الحِنْطَة والخُبْز جميعا قد ذُكِرا. قال بعضهم: سمعنا العرب من أهل هذه اللغة يقولون: فَوِّموا لنا، بالتشديد لا غير، يريدون اختبزوا" (٢). وقال الزجاج: " محال أن يطلب القوم طعاماً لا بُرَّ فيه، والبرُّ أصل الغذاءِ كله، ويقال فوِّمُوا لنا، أي اخْبِزُوا لنا، ولا خلاف عند أهل اللغة أن الفُوم الحنطة، وسائر الحبوب التي تخبز يلحقها اسم الفوم" (٣). وقال الجوهري: الفوم الحنطة وأنشد الأخفش (٤): قد كنت أحسبني كأغنى واجد ... نزل المدينة عن زراعة فوم وقال ابن دريد: الفومة السنبلة، وأنشد (٥): وقال ربيئهم لما أتانا ... بكفه فومة أو فومتان والقول الثاني: أنه (الثوم)، قاله مجاهد (٦)، والربيع (٧)، وهو اختيار الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمعرّج (٨)، واحتجوا عليه بوجوه (٩): أحدها: يدل عليه قراءة ابن مسعود: ﴿وثومها﴾ (١٠). الثاني: أن الثوم للعدس والبصل أوفق من الحنطة، ومنه قول حسان (١١): وأنتم أناس لئام الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل يعني الثوم والبصل. الثالث: أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير لأن الحنطة أشرف الأطعمة. قال الفراء: وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه ﴿وَثُومِهَا﴾ بالثاء، فكأنّه أشبهُ المعنيين بالصواب لأنه مع ما يشاكله: من العدس وَالْبَصَلِ وشِبْهه، والعرب تُبدل الفاء بالثاء فيقولون: جدث وجَدَفٌ، ووقعوا فِي عاثُور شَرٍّ وعافُور شرٍّ، والأثاثي والأثافيّ. وسمعت كثيرًا من بْني أسد يسمّى المغافير (١٢) المغاثير" (١٣)، وذلك لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء. والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لأن (الفوم)، الحنطة بلسان بني هاشم" (١٤). والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِها﴾ [البقرة: ٦١]، فيه وجهان من القراءة (١٥): الأول: قراءة العامة: ﴿وَقِثَّائِها﴾، بكسر القاف. والثاني: وقرأ يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشيب العقيلي: ﴿وَقُثَّائِها﴾، بضم القاف، وهي لغة تميم.

стр. 589

قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، " أي أتأخذون الذي هو أدنى بدلاً عن الذي هو خير" (١). قال قتادة: "يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه" (٢). قال الزمخشري: أي: أتستبدلون"الذي هو أقرب منزلة وأدون مقداراً" (٣). قال الطبري: أي" أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا؟ " (٤). قال ابن كثير: " فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيّة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع" (٥). قال المراغي: " أي: قال لهم موسى على سبيل التوبيخ والاستهجان: أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المنّ الذي فيه حلاوة تألفها الطباع، والسلوى الذي هو أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ وليس فيما طلبوا ما يساويهما؟ " (٦). وقال الزجاج: " يعني أن المنَّ والسلوى أرفع من الذي طلبتم" (٧). و(الاستبدال): "هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك" (٨). قال الفراء: "وقد كان زُهير الفُرْقُبي (٩) يَهْمِز: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذى هو أدنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، ولم نر العرب تهمزُ (أَدْنَى) إذا كان من الحسة، وهم فِي ذلك يقولون إنه لدانىء خَبِيثٌ، إذا كان ماجنا فيهمزون. وأنشدني بعض بني كلاب (١٠): باسِلَةُ الْوَقْعِ سَرَابِيلُها ... بيضٌ إلى دانئها الظّاهر يعنى الدروع على خاصتها- يعني الكتيبة- إلى الخسيس منها، فقال: دانئها يريد الخسيس، وقد كُنَّا نسمع المشيخة يقولون: ما كنت دانِئًا ولقد دنات، والعرب تترك الهمزة. ولا أراهم رووه إلّا وقد سمعوه" (١١). قال الزجاج: " و (أدنى) القراءَة فيه بغير الهمز وقد قرأ بعضهم ﴿أدْنأ بالذي هو خير﴾، وكلاهما له وجه في اللغة إلا أن ترك الهمزة أولى بالاتباع" (١٢). واختلف في المراد بـ (الأدنى) في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، على قولين (١٣): الأول: أن معناه: الذي أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا، أي استبدال المن والسلوى بالبقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، وهو يعني استبدال الوضيع من العيش الرفيع منه. وقد روي عن مجاهد قوله: " ﴿الذي هو أدنى﴾، قال: أردأ" (١٤). والثاني: أن معناه: الذي هو أقرب، ووجه قوله: (أدنى)، إلى أنه أفعل من " الدنو " الذي هو بمعنى القرب. والقول الأول أقرب إلى الصواب، وعليه الجمهور. واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهى خمسة (١٥): الأول: أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل، قاله الزجاج. الثاني: لما كان المن والسلوى طعاما مّن الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل كان أدنى في هذا الوجه. الثالث: لما كان ما مّن الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة. الرابع: لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب كان أدنى. الخامس: لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه، كانت أدنى من هذا الوجه. قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]، أي"اهبطوا أيّ مصر من الأمصار تجدون ما سألتم" (١٦). قال الثعلبي: " يعني فإن أبيتم إلّا ذلك، فاهبطوا مصرا من الأمصار" (١٧). قال الصابوني: " أي ادخلوا مصراً من الأمصار وبلداً من البلدان أيّاً كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء" (١٨). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿اهْبِطوا مِصْراً﴾ [البقرة: ٦٦]، نظير اختلاف القَرَأَة في قراءته، وذكروا فيه وجهين (١٩): أحدهما: أنه مصر من الأمصار. قاله قتادة (٢٠)، والسدي (٢١)، ومجاهد (٢٢)، وابن زيد (٢٣). ومن حجتهم: أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر. وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٤]، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك دخولها حتى هلكوا في التيه. وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشأم، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ: " اهبطوا مصر "، ونتأوله أنه ردهم إليها، قالوا: فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، قيل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك، فملكهم إياها ولم يردهم إليها، وجعل مساكنهم الشأم (٢٤).

стр. 590

والثاني: أنه مصر التي كان فيها فرعون. قاله أبو العالية (١)، والربيع (٢). واختاره الأعمش (٣). قال الفراء: " وقال الأعمش وسئل عَنْهَا فقال: هِيَ مصر التي عليها صالح بْن عليّ (٤) " (٥). واحتجوا في ذلك من وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]، قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها، إن لم يصيروا، أو يصر بعضهم إليها. والثاني: أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود: ﴿اهبطوا مصر﴾، بغير ألف، قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها (مصر) بعينها (٦). واعترض عليه الثعلبي قائلا: " وإنّما صرف على هذا القول لخفّته وقلّة حروفه مثل: دعد وهند وحمل ونحوها" (٧). وأما القراءة بغير التنوين، فهي قراءة مهجورة، وصرف لخفته (٨). قال الطبري: "ولا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول ﷺ يقطع مجيئه العذر. وأهل التأويل متنازعون تأويله" (٩). و(المصر) أصله في اللغة: الحدّ والحاجز بين الشيئين، ومصر الدار: حدودها (١٠)، ويقال أن أهل هجر يكتبون في شروطهم: اشترى فلان الدار بمصورها، أي: حدودها (١١)، قال عدي بن زيد (١٢): وَجَعَلَ الشَمْسَ مِصْرًا لاخَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْل قَدْ فَصَلا أي: حدًّا، ومُصُور الدار: حدودها، فالمصر: القطعة التي بانت بعمارتها عما سواها وانتهت إليه البرية (١٣). وقد اختلف القَرَأَة في قراءة قوله ﴿اهْبِطوا مِصْراً﴾ [البقرة: ٦٦]، على ثلاثة أوجه (١٤): الأول: قرأه عامة القَرَأَة: ﴿اهْبِطوا مصراً﴾، بتنوين (المصر) وإجرائه. والثاني: وقراءة عَبْد اللَّه ﴿اهْبِطوا مِصْرَ﴾ بغير ألف. والثالث: وفي قراءة أُبَيٍّ: ﴿اهْبِطُوا فَإِنّ لَكُمْ ما سَأَلْتُم وَاسْكُنُوا مِصْر﴾ (١٥)، وتصديق ذلك أنها فِي سورة يوسف بغير ألف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]. قال الطبري: "فأما الذين نونوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار، لا مصرا بعينه. فتأويله - على قراءتهم -: اهبطوا مصرا من الأمصار، لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي، وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم - إذا هبطتموه - ما سألتم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض

стр. 591

من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده: " اهبطوا مصرا " البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي " مصر " التي خرجوا عنها. غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في " مصر "، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ: ﴿قواريرا قواريرا من فضة﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] منونة اتباعا منه خط المصحف، وأما الذي لم ينون " مصر " فإنه لا شك أنه عنى " مصر " التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها (١). قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، " أي لزمهم الذل والهوان وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة" (٢). قال الواحدي: " أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم" (٣). قال ابن كثير: أي"وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون" (٤). قال الراغب: "أي ألزمت وأوجبت، تشبيها بضرب الخيمة على من فيها والإحاطة به" (٥). يقال: ضرب عليه كذا، إذا ألزمه، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه، ومنه الضريبة، يقال: ضرب السلطان على التجار ضريبة أي ألزمهم، ضربة لازم ولازب (٦)، ومنه قول النابغة (٧): وَلا يَحْسِبُونَ الْخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ... لا يَحْسِبُون الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازَبِ و(الذلة): هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله - إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر ِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (٨). أخرج الطبري: "عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة﴾، قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون" (٩). وأما ﴿المسكنة﴾ في هذا الموضع، مسكنة الفاقة والحاجة، وهي خشوعها وذلها (١٠). وأخرج الطبري: " عن أبي العالية في قوله: ﴿والمسكنة﴾ قال: الفاقة" (١١). وروي عن السدي: في "قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾، قال: الفقر" (١٢). وقال الزجاج: " (الذِّلَّةُ): الصغار، (الْمَسْكَنَةُ): الخضوع، واشتقاقه: من السكون، إِنما يقال مِسْكين للذي أسكنه الفقر، أي قللَ حركته" (١٣).

стр. 592

قال ابن الأنباري: "المسكنة الأمور التي تسكن صاحبها وتمنعه من الحركة ومن هذا أخذ المسكين، توهمًا أن الميم من أصل الكلمة، كما قالوا: تمكن من المكان، وهو مفعل من الكون، ويقال: تسكن الرجل وتمسكن إذا ظهرت عليه أمور المساكين وتشبه بهم" (١). قال ابن عثيمين: " فلا توجد أمة أفقر قلوباً، ولا أبخل من اليهود، فالأموال كثيرة، لكن قلوبهم فقيرة، وأيديهم مغلولة" (٢). وفي قوله تعالى ﴿عليهم﴾ [البقرة: ٦٦]، ثلاث قراءات: "كسر الهاء وضم الميم؛ وكسرها جميعاً؛ وضمهما جميعاً" (٣). قوله تعالى: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ [البقرة: ٦٦]، "أي انصرفوا ورجعوا بالغضب والسخط الشديد من الله" (٤). قال الربيع: " فحدث عليهم غضب من الله" (٥). وقال الضحاك"" استحقوا الغضب من الله" (٦). قال الطبري: أي" ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط" (٧). قوله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١]، أي: ": فعلنا بهم من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم" (٨). قال الصابوني: "أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب بسبب ما اقترفوه من الجرائم الشنيعة" (٩). قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، "أي بسبب كفرهم بآيات الله جحوداً واستكباراً" (١٠). واختلفوا في نوع (الباء) في ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، على ثلاثة أقوال (١١): أحدها: أنها للسببية. والمعنى بسبب كفرهم. والثاني: أنها بمعنى (اللام) والمعنى: لأنهم. قاله المهدوي (١٢). والثالث: أنها بمعنى (من أجل). والمعنى: "من أجل أنهم كانوا يكفرون". قاله الطبري (١٣). واحتج بقول أعشى بني ثعلبة (١٤): مليكيةٌ جَاوَرَتْ بالحجا ... قوما عداة وأرضا شطيرا بما قد تَرَبَّع روض القطا ... وروض التناضِب حتى تصيرا يعني بذلك: جاورت بهذا المكان، هذه المرأة، قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله، لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده، من تربعها روض القطا وروض التناضب (١٥).

стр. 593

قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، أي: "وقتلهم رسل الله ظلماً وعدواناً" (١). قال الطبري: يعني: " أنهم كانوا يقتلون رسل الله، بغير إذن الله لهم بقتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، وجهان (٣): أحدهما: أن الله ؛ إنما جاز أن يُخَلِّيَ بين الكُفَّار وقتلِ الأنبياء، لينالوا من رفيع المنازل ما لا ينالونه بغيره، وليس ذلك بخذلان لهم، كما يفعل بالمؤمنين من أهل طاعته. والثاني: وهو قول الحسن، أن الله ، ما أمر نبيّاً بالحرب إلا نَصَرَهُ فلم يُقتَلْ، وإنما خلَّى بين الكفار وبين قتل مَنْ لم يؤمر بالقتال مِنَ الأنبياء. و(الأنبياء) جمعُ (نبيٍّ) وقد جاء في جمع (نبيٍّ): (نُبَّاء) (٤)، قال العباس ابن مرداس السُّلمي، يمدح النبيَّ ﷺ (٥): يَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ ... بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا فقال: (يا خاتم النبآء)، على أن واحدهم: (نبيء)، مهموز. وقد قال بعضهم (٦): النبي والنبوة، غير مهموز، لأنهما مأخوذان من: النَّبْوَة، وهي مثل: النَّجْوَة، وهو المكان المرتفع (٧). وفيما أُخذ منه اسمُ (النبيِّ)، ثلاثة أقاويل (٨): أحدها: أنه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، لأنه يُنْبِئُ عن الله، أي يُخْبِرُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦]. والثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي (٩): لما وردن نَبِيَّا واستَتَبّ بها ... مُسْحَنْفِر كخطوط السَّيْح مُنْسَحِل فَسُمِّيَ رسُول الله- ﷺ نبيّاً، لأنه الطريق إليه. والثالث: أنه مأخوذ من النُّبُوَّةِ؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة. واختلفت القراءة في قوله : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، على وجهين (١٠): الأول: القراءَة المجمع عليها في النبيين والأنبياءِ والبرِئة طرح لهمزة. والثاني: وجماعة من أهل المدينة يهمزون جَمِيعَ ما في القرآن من هذا فيقرأون، ﴿النبيئين﴾. قال الزجاج: " والأجود ترك الهمْزة، لأن الاستعمال يُوجبُ أن ما كان مهموزاً من فعيل فجمعه: فُعَلاء، مثل: ظريف وظرفاء ونبيء ونُبَآءَ" (١١). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١]، أي" المشار إليه ما سبق من كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق" (١٢).

стр. 594

قال الطبري: أي: "وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله. ففعلت بهم ما فعلت من ذلك" (١). قوله تعالى: ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]، أي: " بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود اللَّه" (٢). قال الطبري: أي" من أجل عصيانهم ربهم، واعتدائهم حدوده" (٣). واختلف في الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ في قوله تعالى ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا﴾ [البقرة: ٦١]، على ثلاثة أقوال: الأول: أن الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ الأخير، إلى الشيء الذي أشير إليه بـ ﴿ذلك﴾ الأول، قاله الطبري (٤) والزجّاج (٥) وغيرهما. والثاني: إن الإشارة بـ ﴿ذلِكَ﴾ الأخير، إنما هي إلى "كفرهم وقتلهم". وهذا مذهب ابن عطية (٦). إذ يقول: "وذلك أن الله تعالى، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله، وقال قتادة ﵀ عند ما فسر هذه الآية: "اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس" (٧) " (٨). والثالث: أن المشار إليه، يشمل كل ما سبق. قاله ابن عثيمين (٩). والظاهر أن المشار إليه كل في قوله تعالى ﴿ذلِكَ﴾ الأخير، أنه يشمل كل ما سبق، ومن ضمنه سؤالهم الذي هو أدنى عن الذي هو خير" (١٠). والله تعالى أعلم. ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]، وجهان (١١): الأول: أن الاعتداء عام، والمراد: اعتدائهم في كل شيء. والثاني: أن الإعتداء خاص، والمراد: اعتداؤهم في السبت. قال الزجاج: " الاعتداءُ المجاوزةْ في كل شيءٍ، مجاوزة القدر" (١٢)، " وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه" (١٣). الفوائد: ١ من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أن يغير لهم الله هذا الرزق الذي لا يوجد له نظير بقولهم: ﴿لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يُخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها﴾. ٢ ومنها: غطرسة بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك﴾؛ ولم يقولوا: "ادع لن ربنا"، أو: "ادع لنا الله"؛ كأن عندهم. والعياذ بالله. أنفة؛ مع أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومع ذلك يقولون: ﴿ادع لنا ربك﴾. كما قالوا: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤].

стр. 595

٣ ومنها: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبه من اليهود؛ ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال. ٤ ومنها: أن من علوّ همة المرء أن ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور. ٥ ومنها: أن التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراف فلا ذم فيه؛ ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أصحابه حين أتوه بتمر جيد بدلاً عن الرديء (١)؛ لكن لو ترك التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعله عمر ﵁ عام الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموم؛ لأن الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه (٢). ٦ ومن فوائد الآية: حِلّ البقول، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض .. ﴾ إلى قوله: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾ أي من الأصناف المذكورة. وهذه الأصناف مباحة في شريعة موسى؛ وكذلك في شريعتنا؛ فإنه لما قُدِّم للرسول ﷺ قدر فيه بقول فكره أكلها؛ فلما رآه بعض أصحابه كره أكلها، قال الرسول ﷺ "كل؛ فإني أناجي من لا تناجي" (٣)؛ فأباحها لهم؛ وكذلك في خيبر لما وقع الناس في البصل، وعلموا كراهة النبي ﷺ لها قالوا: حُرّمت؛ قال ﷺ "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" (٤)؛ فبين أنه حلال. ٧ ومن فوائد الآية: جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول؛ لقولهم ﴿مما تنبت الأرض﴾؛ والذي ينبت حقيقة هو الله . ٨ ومنها: جواز إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي الذي ثبت أنه سبب شرعاً، أو حساً؛ مثال ذلك: لو أطعمت جائعاً يكاد يموت من الجوع فإنه يجوز أن تقول: "لولا أني أطعمته لهلك"؛ لأن الإطعام سبب لزوال الجوع؛ والهلاك معلوم بالحس؛ ومثال الشرعي: القراءة على المريض، فيبرأ، فتقول: "لولا القراءة عليه لم يبرأ"؛ أما المحظور فهو أن تثبت سبباً غير ثابت شرعاً، ولا حساً، أو تقرن مشيئة الله بالسبب بحرف يقتضي التسوية مع الله ؛ مثال الأول: أولئك الذين يعلقون التمائم البدعية، أو يلبسون حلقاً، أو خيوطاً لدفع البلاء، أو رفعه. كما زعموا؛ ومثال الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال له رجل: "ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي ﷺ : "أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده" (٥)، لأنك إذا قلت: "ما شاء الله وشئت" جعلت المخاطَب ندًّا لله في المشيئة. فإذا قال قائل: أليس الله قد ذم قارون حينما قال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: ٧٨]؛ فنسب حصول هذا المال إلى العلم؛ وهذا قد يكون صحيحاً؟ فالجواب أن هذا الرجل أنكر أن يكون من الله ابتداءً؛ ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه دون أن يعتقد أن الله هو المسبِّب فهو مشرك؛ وأيضاً فإن قارون أراد بقوله هذا أن يدفع وجوب الإنفاق عليه مبتغياً بذلك الدار الآخرة. والخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور: الصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده. الثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقروناً بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: "لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت".

стр. 596

الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي ﷺ في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (١) ". الرابعة: أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب المعلوم بـ"ثم"، كقوله: "لولا الله ثم فلان"؛ "وهذه الأربع كلها جائزة". الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالفاء، مثل: "لولا الله ففلان"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع. الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعاً، ولا حساً، فهذا شرك. كما سبق ٩ ومن فوائد الآية: توبيخ موسى ﵇ لبني إسرائيل، وأن الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير يستحق التوبيخ؛ لأن موسى وبخهم، حيث قال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾. ١٠ ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض. ١١ ومنها: ضرب الذلة على بني إسرائيل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله. وهو الإسلام؛ أو بحبل من الناس وهو المساعدات الخارجية؛ والمشاهد الآن أن اليهود أعزاء بما يساعدهم إخوانهم من النصارى. ١٢ ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالاً؛ ويشمل أيضاً فقر المال وهو قلته. ١٣ ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر﴾ [الحشر: ١٤]؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين: . الأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيراً من الذين يقاتلون اليهود. أو أكثرهم. لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود. والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أُحُد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قال الله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ١٤ ومن فوائد الآية: إثبات صفة الغضب لله تعالى؛ وغضب الله صفة من صفاته؛ لكنها لا تماثل صفات المخلوقين؛ فنحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا، ويحمر الوجه، ويقفُّ الشعر، ويفقد الإنسان صوابه؛ وهذه العوارض لا تكون في غضب الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ بل هو غضب يليق بالله دال على كمال عظمته، وسلطانه؛ وإذا قلنا بهذا، وسلَّمنا أن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وصرنا حسب ما أمر الله به، ورسوله. وفسر أهل التحريف "غضب الله" بانتقامه، ولا يثبتونه صفة لله ؛ وفسره آخرون بأنه إرادة الانتقام؛ فمعنى ﴿غضب الله عليهم﴾ عندهم: أراد أن ينتقم منهم؛ وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد. ١٥ ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل جمعوا بين المعاصي، والعدوان. ١٦ ومنها: بيان حكمة الله حيث ربط الأشياء بأسبابها؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم﴾، وقوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا﴾؛ وهذا من الحكمة أن يكون للأسباب تأثيراً في مسبَّباتها بما جعله الله رابطاً بين الأسباب

стр. 597

والمسبَّبات، ولكن الأسباب قد يكون لها موانع؛ فقد توجد الأسباب، ولكن توجد موانع أقوى منها؛ فالنار لم تحرق إبراهيم ﷺ . مع أنها سبب للإحراق. لوجود مانع؛ وهو قول الله تعالى لها: ﴿كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢] التفسير: إن المؤمنين من هذه الأمة، الذين صدَّقوا بالله ورسله، وعملوا بشرعه، والذين كانوا قبل بعثة محمد ﷺ من الأمم السالفة من اليهود، والنصارى، والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، وعملوا عملا مرضيًا عند الله، فثوابهم ثابت لهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. وأما بعد بعثة محمد ﷺ خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام. قال ابن كثير: " لما بين الله تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] " (١). وفي سببب نزول الآية: أخرج الواحدي بسند له صحيح عن مجاهد، قال: "لما قص سلمان على النبي ﷺ قصة أصحاب الدير قال: "هم في النار" قال سلمان: فأظلمت علي الأرض فنزلت: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ إلى قوله: ﴿يحزنون﴾ قال: فكأنما كشف عني جبل" (٢). وروي عن ابن مسعود، والسدي (٣)، نحو ذلك (٤). واختلف في هذه الآية هل نسخت أم لا؟ ، فذكروا وجهين: أحدهما: أنها منسوخة، روي عن ابن عباس أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [الحج: ١٧] الآية، منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية (٥). فردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد ﷺ . قال الطبري: " وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] " (٦). والثاني: أنها ليست بمنسوخة، وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي ﵇ (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، أي: " المؤمنون أتباع محمد" (٨).

стр. 598

قال الطبري: أي: " هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك، تصديقهم به " (١). قال ابن عثيمين: " يعني أمة محمد –ص-لى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل" (٢). قال البيضاوي: "يريد به المتدينين بدين محمد ﷺ المخلصين منهم والمنافقين، وقيل المنافقين لانخرطهم في سلك الكفرة" (٣). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، على ثلاثة أوجه (٤): الأول: فالذين آمنوا: هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وقوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وهذا قول الجمهور (٥). والثاني: أن المراد المنافقون، قاله سفيان الثوري (٦)، كأنه قال: الذين أمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله مَنْ آمَنَ في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان (٧). والثالث: وقال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا ﷺ ، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وَالَّذِينَ هادُوا كذلك ممن لم يلحق محمدا ﷺ ، إلا من كفر بعيسى ﵇، وَالنَّصارى كذلك ممن لم يلحق محمدا ﷺ ، وَالصَّابِئِينَ كذلك (٨). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، "أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى" (٩). وقد اختلفت آراء اللغويين والمفسرين في أصل الكلمة التي اشتقت منها كلمة «يهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (١٠): أحدها: أنها من «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل. والثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (١١)، والهائد (١٢): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (١٣): إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ أي: تائب. والثالث: وقال ابن عرفة: ﴿هدنا إليك﴾، أي: سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ (١٤).

стр. 599

والرابع: أنهم نُسِبُوا إلى «يهوذا» بالذال المعجمة، وهو أكبر ولد يعقوب-﵊، فغيرته العرب بالدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يهود. والخامس: أنها مشتقة من: هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه. والسادس: أنه من «التهويد»، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (١)، وأنشد قول الراعي النميري (٢): وخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى ... قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ والسابع: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ ﴿هدنا إليك﴾، أي: خضعنا إليك. والثامن: أن أصلها من: «هاد يهيد»، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (٣). وفي أصل الألف في كلمة: «هادوا»، وجهان (٤): أحدهما: أنه من «واو»، والأصل: «هاد يهود» أي: تاب. الثاني: أنها من «ياء»، والأصل: «هاد يهيد»، أي: تحرك. وقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة «يهوذا» الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (١٣٩ - ٦٨٥ ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى ﵇ إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (٥). وقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام: " أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفاراً من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد" (٦). ولهذا فإن لفظ «اليهود»: هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة "عبرانيين" (٧) و"بني إسرائيل" (٨) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين

стр. 600

اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة «يهود» أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم. وذكروا في قوله تعالى: ﴿هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، وجهان من القراءة (١): أحدهما: ﴿هَادُوا﴾، بضم الدال. قرأ بها الجمهور. والثاني: ﴿هَادَوا﴾ ـ بفتح الدال، من المهاداة، قرأ بها أبو السماك العدوي. قوله تعالى: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢]، "أي الذين انتسبوا إلى دين عيسى" (٢). قال الثعلبي: " الذين كانوا على دين عيسى ﵇ ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك" (٣). و﴿النَّصَارَى﴾ جمع اختلف في مفرده على قولين (٤): الأول: واحده (نصراني)، وقيل: (نصران)، بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه (٥). وقد حكى عنهم سماعا (نصران)، بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٦):
следующие страницы →