← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي ﷺ في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (١) ". الرابعة: أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب المعلوم بـ"ثم"، كقوله: "لولا الله ثم فلان"؛ "وهذه الأربع كلها جائزة". الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالفاء، مثل: "لولا الله ففلان"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع. الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعاً، ولا حساً، فهذا شرك. كما سبق ٩ ومن فوائد الآية: توبيخ موسى ﵇ لبني إسرائيل، وأن الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير يستحق التوبيخ؛ لأن موسى وبخهم، حيث قال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾. ١٠ ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض. ١١ ومنها: ضرب الذلة على بني إسرائيل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله. وهو الإسلام؛ أو بحبل من الناس وهو المساعدات الخارجية؛ والمشاهد الآن أن اليهود أعزاء بما يساعدهم إخوانهم من النصارى. ١٢ ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالاً؛ ويشمل أيضاً فقر المال وهو قلته. ١٣ ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر﴾ [الحشر: ١٤]؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين: . الأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيراً من الذين يقاتلون اليهود. أو أكثرهم. لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود. والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أُحُد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قال الله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ١٤ ومن فوائد الآية: إثبات صفة الغضب لله تعالى؛ وغضب الله صفة من صفاته؛ لكنها لا تماثل صفات المخلوقين؛ فنحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا، ويحمر الوجه، ويقفُّ الشعر، ويفقد الإنسان صوابه؛ وهذه العوارض لا تكون في غضب الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ بل هو غضب يليق بالله دال على كمال عظمته، وسلطانه؛ وإذا قلنا بهذا، وسلَّمنا أن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وصرنا حسب ما أمر الله به، ورسوله. وفسر أهل التحريف "غضب الله" بانتقامه، ولا يثبتونه صفة لله ؛ وفسره آخرون بأنه إرادة الانتقام؛ فمعنى ﴿غضب الله عليهم﴾ عندهم: أراد أن ينتقم منهم؛ وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد. ١٥ ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل جمعوا بين المعاصي، والعدوان. ١٦ ومنها: بيان حكمة الله حيث ربط الأشياء بأسبابها؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم﴾، وقوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا﴾؛ وهذا من الحكمة أن يكون للأسباب تأثيراً في مسبَّباتها بما جعله الله رابطاً بين الأسباب

стр. 597

والمسبَّبات، ولكن الأسباب قد يكون لها موانع؛ فقد توجد الأسباب، ولكن توجد موانع أقوى منها؛ فالنار لم تحرق إبراهيم ﷺ . مع أنها سبب للإحراق. لوجود مانع؛ وهو قول الله تعالى لها: ﴿كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢] التفسير: إن المؤمنين من هذه الأمة، الذين صدَّقوا بالله ورسله، وعملوا بشرعه، والذين كانوا قبل بعثة محمد ﷺ من الأمم السالفة من اليهود، والنصارى، والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، وعملوا عملا مرضيًا عند الله، فثوابهم ثابت لهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. وأما بعد بعثة محمد ﷺ خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام. قال ابن كثير: " لما بين الله تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] " (١). وفي سببب نزول الآية: أخرج الواحدي بسند له صحيح عن مجاهد، قال: "لما قص سلمان على النبي ﷺ قصة أصحاب الدير قال: "هم في النار" قال سلمان: فأظلمت علي الأرض فنزلت: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ إلى قوله: ﴿يحزنون﴾ قال: فكأنما كشف عني جبل" (٢). وروي عن ابن مسعود، والسدي (٣)، نحو ذلك (٤). واختلف في هذه الآية هل نسخت أم لا؟ ، فذكروا وجهين: أحدهما: أنها منسوخة، روي عن ابن عباس أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [الحج: ١٧] الآية، منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية (٥). فردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد ﷺ . قال الطبري: " وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] " (٦). والثاني: أنها ليست بمنسوخة، وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي ﵇ (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، أي: " المؤمنون أتباع محمد" (٨).

стр. 598

قال الطبري: أي: " هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك، تصديقهم به " (١). قال ابن عثيمين: " يعني أمة محمد –ص-لى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل" (٢). قال البيضاوي: "يريد به المتدينين بدين محمد ﷺ المخلصين منهم والمنافقين، وقيل المنافقين لانخرطهم في سلك الكفرة" (٣). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، على ثلاثة أوجه (٤): الأول: فالذين آمنوا: هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وقوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وهذا قول الجمهور (٥). والثاني: أن المراد المنافقون، قاله سفيان الثوري (٦)، كأنه قال: الذين أمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله مَنْ آمَنَ في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان (٧). والثالث: وقال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا ﷺ ، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وَالَّذِينَ هادُوا كذلك ممن لم يلحق محمدا ﷺ ، إلا من كفر بعيسى ﵇، وَالنَّصارى كذلك ممن لم يلحق محمدا ﷺ ، وَالصَّابِئِينَ كذلك (٨). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، "أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى" (٩). وقد اختلفت آراء اللغويين والمفسرين في أصل الكلمة التي اشتقت منها كلمة «يهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (١٠): أحدها: أنها من «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل. والثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (١١)، والهائد (١٢): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (١٣): إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ أي: تائب. والثالث: وقال ابن عرفة: ﴿هدنا إليك﴾، أي: سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ (١٤).

стр. 599

والرابع: أنهم نُسِبُوا إلى «يهوذا» بالذال المعجمة، وهو أكبر ولد يعقوب-﵊، فغيرته العرب بالدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يهود. والخامس: أنها مشتقة من: هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه. والسادس: أنه من «التهويد»، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (١)، وأنشد قول الراعي النميري (٢): وخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى ... قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ والسابع: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ ﴿هدنا إليك﴾، أي: خضعنا إليك. والثامن: أن أصلها من: «هاد يهيد»، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (٣). وفي أصل الألف في كلمة: «هادوا»، وجهان (٤): أحدهما: أنه من «واو»، والأصل: «هاد يهود» أي: تاب. الثاني: أنها من «ياء»، والأصل: «هاد يهيد»، أي: تحرك. وقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة «يهوذا» الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (١٣٩ - ٦٨٥ ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى ﵇ إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (٥). وقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام: " أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفاراً من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد" (٦). ولهذا فإن لفظ «اليهود»: هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة "عبرانيين" (٧) و"بني إسرائيل" (٨) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين

стр. 600

اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة «يهود» أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم. وذكروا في قوله تعالى: ﴿هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، وجهان من القراءة (١): أحدهما: ﴿هَادُوا﴾، بضم الدال. قرأ بها الجمهور. والثاني: ﴿هَادَوا﴾ ـ بفتح الدال، من المهاداة، قرأ بها أبو السماك العدوي. قوله تعالى: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢]، "أي الذين انتسبوا إلى دين عيسى" (٢). قال الثعلبي: " الذين كانوا على دين عيسى ﵇ ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك" (٣). و﴿النَّصَارَى﴾ جمع اختلف في مفرده على قولين (٤): الأول: واحده (نصراني)، وقيل: (نصران)، بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه (٥). وقد حكى عنهم سماعا (نصران)، بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٦):

стр. 601

تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس والأنثى (نصرانة)، قال الأخزر الحماني (١): فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ والثاني: واحده نصْرِي. قاله الخليل بن أحمد (٢). قال الماوردي: "والأول أظهر" (٣). وفي سبب تسميتهم بـ (النصارى)، ثلاثة أقوال (٤): أحدها: أنهم سُمُّوا بذلك، لقريةٍ تُسَمَّى (ناصرة)، كان ينزلها عيسى ﵇، فَنُسِبَ إليها، فقيل: عيسى الناصري، ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى، وهذا قول ابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، وابن جريج (٧). والثاني: أنهم سُمُّوا بذلك، لنصرة بعضهم لبعضٍ، قال الشاعر (٨): لمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا والثالث: أنهم سُمُّوا بذلك، لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى الله﴾ [الصف: ١٤] (٩). ولفظة (النصرانية) و (نصارى) التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاط المعربة، يرى بعضى المستشرقين أنّها من أصل سرباني هو: (نصرويو) Nosroyo، (نصرايا) Nasraya (١٠)، ويرى بعضٌ آخر أنّها من Nazerenes التّسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتّبع ديانة المسيح، وقد وردت في العهد الجديد في (أعمال الرسل) حكاية على لسان يهود (١١)، وبرى بعض المؤرخين أن لها صلةً (بالناصرة) التي كان منها (يسوع) حيث يُقال: (يسوع الناصري) أو أنّ لها صلة ب (الناصريين) Nasarenes = Nazarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتّبع ديانة المسيح (النصارى)، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علماً لديانة المسيح عند المسلمين.

стр. 602

ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلاً، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نُسب اليها المسيح (١)، وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يُقال لها (نصران)، فقبل نصراني وجمعه نصارى (٢)، وذُكر أن (النصرانة) هي مؤنث النصراني (٣). وقد وردت هذه التسمية في الشعر الجاهلي، فقد ذُكر ان أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت (٤): أيام يلقى نصاراهم مسيحهم ... والكائنين له وداً وقربانا وذكر أنّ شاعراً جاهلياً ذكر النصارى في شعر له، هو (٥): اليكَ تعدو قلقا وضينها معترضاً في بطنها جنينها مخالفاً دين النصارى دينها وذُكر أنّ جابر بن حُنىّ قال (٦): وقد زعمت بهراء أنّ رماحنا رماح نصارى لا تخوض إلى دم وأنّ حاتماً الطّائي قال في شعر له (٧): ومازلت أسعى بين نابٍ ودارة ... بلحيانَ حتى خفت أن أتنصرا وأنّ (طخيم بن أبي الطخماء) قال في شعر له في مدح بني تميم (٨): وإنّي وإنْ كانوا نصارى أحبهّم ويرتاح قلبى نحوهم ويُتَوَّق وأنّ حسان بن ثابت قال (٩): فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد غير أنّ هذه الأبيات وأمثالها إنْ صح أنها لشعراء جاهليين حقاً، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات. والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون (تلاميذ) Disciples، و (تلاميذ المسيح)، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم (١٠) وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد (تلاميذ يوحنا) وقصدوا بذلك النصارى (١١)، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم. كذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم ب (الاخوة) وب (الاخوة في الله) Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وب (الأخ) للتعبير عن المفرد، ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم إخوة في الله وفي الدين (١٢)، ثم تخصصت كلمة (الأخ) برجل الدين (١٣)، ودعوا أنفسهم (القديسين) Saints (١٤)

стр. 603

والمؤمنين (١) والمختارين الأصفياء والمدعوّين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للأشارة إلى التسمية التي تليها. وقد كنى عن مجتمع النصارى ب (الكنيسة) Ecclesia وتعني (المجمع) في الإغريقية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى ب (الفقراء) وب (الأصدقاء) (٢). وقد عرف النصارى ب Christians نسبةً إلى Christos اليونانية التي تعني (المسيح) Messiah، أيْ المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعُرفوا بها، تمييزاً لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (٣). أما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق (نصارى) و (نصراني) و (نصرانية) على النصارى تمييزاً لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح (عيسوي) و (مسيحي)، فلم يُعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى (٤)، وقد قصد في القرآن الكريم ب (أهل الإنجيل) (٥) النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات (٦). وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم الصليب وتقديسه، ورد أنّ الرسول ﷺ قال لراهبيْن أتياه من نجران، فقال لهما رسول الله ﷺ : "أسلما تسلما، فقالا: قد أسلمنا قبلك، فقال النبي ﷺ : كذبتما منعكما من الإسلام ثلاث، سجودكما للصليب، وقولكما: إتخذ الله ولداً، وشربكما الخمر، فقالا: فما تقول في عيسى؟ ، قال: فسكت النبي ﷺ ونزل القرآن ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إلى قوله: أبناءنا وأبناءكم قال: فدعاهما رسول الله ﷺ إلى الملاعنة قال: وجاء بالحسن والحسين وفاطمة أهله وولده، قال: فلما خرجا من عنده، قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، قال: فرجعا، فقالا: نقر بالجزية ولا نلاعنك، قال: فإقرأ بالجزية" (٧). وقد روي عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ"، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ"" (٨). وورد في شعر ذي الرّمة (٩): ولكنَّ أصل امرىء القيس معشرٌ ... يحل لهم أكل الخنازير والخمر يريد أنّهم نصارى في الأصل، فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم الخمر (١٠). وفد أقسم النصارى بالصليب. هذا (عدي بن زيد) يحلف به في شعر ينسب اليه، فيقول (١١):

стр. 604

سَعى الأَعداءُ لا يَألونَ شَرّاً ... عَلَيكَ وَرَبِّ مَكَّةَ وَالصَليبِ قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]، أي: "والصابئين-وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-" (١). قال البيضاوي: " قوم بين النصارى والمجوس" (٢). قال النسفي: أي"الخارجين من دين مشهور إلى غيره، من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة" (٣). وقوله تعالى: ﴿الصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فيه قراءتان (٤): أحدهما: ﴿الصَّابِينَ﴾ و ﴿والصّابون﴾، بترك الهمزة، قرأ بها أهل المدينة في جميع القرآن. والثاني: وقرأ الباقون: ﴿الصَّابِئِينَ﴾ و ﴿والصَّابِئُونَ﴾، بالهمزة وهو الأصل. قال الثعلبي: يقال: صبا يصبوا صبوءا، إذا مال وخرج من دين إلى دين" (٥). وقد اختلف العلماء في ﴿الصَّابِئِينَ﴾، ولعل من أسباب الاختلاف حول حقيقة الصابئة مايلي: ١ - ورود التعاليم الصابئية باللغة الآرامية؛ مما أدى إلى اقتصار جماعة محدودة من رجال الدين والمهتمين بأمره على فهم التعاليم الصابئية، بينما ظلت هذه التعاليم بالنسبة للآخرين – بما في ذلك اتباع الطائفة – رهن السماع والملاحظة، وهما لايغنيان شيئاً عن قراءة النصوص قراءة مباشرة (٦). ٢ - انطواء الصابئين على أنفسهم، وعدم مخالطتهم بغيرهم، وكتمان عقيدتهم، وانغلاقهم عليها، لأنهم لايرون أن دينهم تبشيرياً يقومون بالدعوة إليه والتعريف به، بل على عكس ذلك (٧). ٣ - اصطناع التقية حيث يبدون تعاطفاً مع أتباع جميع الملل والنحل معتمدين على أوجه التشابه بينهم وبين أتباع هذه الملل والنحل، مما جعل من الصعب كشف الستار عن بواطن معتقداتهم وشعائرهم (٨). ٤ - كثرة الملل والأهواء والنحل التي ظهرت في العصر العباسي الذي يعد العهد الذهبي للتأليف والترجمة؛ مما سبب صعوبة في التمييز بين تلك الملل والنحل بشكل كبير، ساعد على ذلك انتحال فئات أخرى من غير الصابئين اسمهم والتشبه بهم (٩). كما اختلف العلماء في أصل كلمة (صابئة) مما أدى إلى اختلافهم في المراد من ذلك، ويمكن إجمال أقوالهم فيما يلي: القول الأول (بالهمز): إن الكلمة عربية تفيد معنى الخروج والتحول والانتقال من دين إلى آخر، مأخوذة من قول العرب: صبأ ناب البعير إذا طلع حده وخرج، وتصبأ النجوم أي تخرج من مطالعها، والصابيء: المستحدث سوى دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى دين آخر، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه، وجمع الصابيء: صابئون، وصُبَّاء، وصابئة، صَبَأة، ويعرفون في العراق باسم الصُبَّة. والفعل (صبأ) يأتي على فَعَلَ، كـ (منع)، ويأتي على وزن فَعُلَ، كـ (كَرُمَ). وتقول: صبأ يصبأ، وصَبُؤَ، كلاهما يدل على الخروج والبروز، وهذا القول عليه جمهور أهل اللغة (١٠). القول الثاني (بغير الهمز): إن الكلمة عربية تفيد معنى الميل والنزع، تقول أصبا إلى الشيء يصبو إذا مال قلبه إليه، ونزع واشتاق وفعل فعل الصبيان، وقد يقال صبا الرجل إذا عشق وهوى.

стр. 605

ومن هذا المعنى قوله تعالى عن يوسف – ﵇ – ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين﴾ [يوسف: ٣٣]. قال بعض العلماء: وسمى القوم بذلك؛ لأنهم مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم ... أو مالوا عن سنن الحق وزاغوا عن نهج الأنبياء (١). القول الثالث: ذهب (جسنيوس) العالم اللغوي الألماني إلى أن الكلمة صابئين مشتقة من (صباؤوث) العبرانية، أي جند السماء دلالة على أنهم يعبدون الكواكب. وذهب نولدكي إلى أنها مشتقة من صب الماء إشارة إلى اعتمادهم بالماء لأنهم يعتمدون كالنصارى، وقال غيره أن الديانة المسيحية اتصلت ببقية الكلدانيين فنشأ منهم مسيحيو " مار يوحنا) في البصرة وهم الصابئون (٢). القول الرابع: إن الكلمة لاتفيد معنى خاصاً وإنما هي منسوبة إلى أحد الأشخاص يسمى صبائاً، واختلف أصحاب هذا القول في تحديد هذا الشخص بين اثنين: أ- صابيء متوشلخ (متوشالح) حفيد النبي إدريس – ﵊ –. ب- صابيء بن ماري، الذي ظهر في زمن الخليل ﵇ (٣). وقد أنكر هذا القول المسعودي، ونسب هذه التسمية لرجل في الهند ظهر زمن الملك (طمهوث بن نويجهان) ودعى الناس إلى عبادة الكواكب لأنها المتصرفة في الكون. هذه هي بعض الأقوال التي تحدثت عن أصل اشتقاق كلمة (الصابئة) ولعلنا نلحظ أن الأقوال السابقة بينها ترابط، وذلك من خلال أن الشخص الذي صبأ وخرج عن دينه إلى دين آخر، هو في الحقيقة لم يصنع ذلك إلا لما مال قلبه إلى ذلكم الدين الجديد، ثم اغتسل بالماء إعلاناً منه الخروج عن الدين الأول، وتمسكه بأبرز سماة الدين الجديد ألا وهو عبادة الكواكب. وقد قص الله علينا في كتابه قصص السابقين، وأديان الأمم الماضية، ومما أشار إليه القرآن في هذا الشأن ذكر الصابئين، وقد ذكرهم الله تعالى في ثلاث مواضع من كتابه العزيز وهي على النحو التالي: الموضع الأول: قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. الموضع الثاني: قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. الموضع الثالث: قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]. وقد اختلفت عبارات المفسرون في تفسير معنى (الصابئة) على أقوال: الأول: أنهم قوم بين المجوس واليهود والنصارى، وليس لهم دين. قاله مجاهد (٤)، وعطاء (٥). والثاني: أنهم منزلة بين اليهود والنصارى. قاله سعيد بن جبير (٦). والثالث: قبيلة بين المجوس واليهود، ولاتؤكل ذبائحهم ولاتنكح نساؤهم. قاله الحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وابن أبي نجيح (٩).

стр. 606

والرابع: هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. قاله أبو العالية (١) والسدي، والربيع بن أنس، وأبو الشعشاء جابر بن زيد، والضحاك، وإسحاق بن راهويه (٢). والخامس: أنهم أهل دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله، ولم يؤمنوا برسول الله. قاله ابن زيد (٣). والسادس: هم الذين لم تبلغهم دعوة نبي. ذكره ابن كثير (٤). والسابع: هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة. قاله قتادة (٥)، وزياد بن أبيه (٦)، وأبو جعفر الرازي (٧). والثامين: أنهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السدي (٨). قال ابن كثير: "وأظهر الأقوال – والله أعلم – قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين وإنما هم باقون على فطرتهم، ولادين مقرر يتبعونه ويقتضونه" (٩). نستنتج مما سبق، بأن الصابئة أحد أمرين: إما أن تكون فرقة واحدة لكن بعضهم انخرط مع المجوسية والبعض مع أهل الكتاب والبعض اعتزل جميع الأديان. وإما أن تكون فرقة الصابئة، عبارة عن فرق متعددة ومذاهب متفرقة، كل فرقة لها طابع خاص تستقل به عن الفرقة الأخرى، فالجامع بينهم جميعاً المسمى – فقط – أما الحقيقة ففيه اختلاف فيما بينهم. يقول ابن القيم – ﵀ –: " وقد اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً، بحسب ماوصل إليهم من معرفة دينهم، وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ... الآية﴾ [البقرة: ٦٢]. فذكرهم – جل وعلا – في الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منها إلى ناج وهالك كما في قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ [الحج: ١٧]، فذكر الأمتين اللتين لاكتاب لهم، ولاينقسمون إلى شقي وسعيد وهما: المجوس والمشركون، ولم يذكرهما في آية الوعد بالجنة، وذكر الصابئين فيهما فعلم أن فيهم الشقي والسعيد" (١٠). وقد اختلف موقف العلماء في الصائبة، قال ابن القيم: "لقد اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم: فقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ببذل الجزية، ثم اختلف أصحابه – وكذلك اختلف الأحناف والمالكية والحنابلة –" (١١). ويقول ابن القيم – ﵀ –: "وبالجملة فالصابئة أحسن حالاً من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم ديناً ومذهباً، ولايتمسكون

стр. 607

بكتاب ولاينتمون إلى ملة ولايثبت لهم كتاب ولاشبهة كتاب أصلاً ... وكل ماعليه المجوس من الشرك فشر الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه" (١). قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢]، "أي من آمن من هذه الطوائف إِيماناً صادقاً فصدَّق بالله، وأيقن بالآخرة" (٢). قال النسفي: " من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً" (٣). قال البيضاوي: أي" من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ. مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد" (٤). وأخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس: قوله: ﴿من آمن بالله﴾، يعني: من وحد الله" (٥). قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢]، " أي عمل بطاعة الله في دار الدنيا" (٦). قال البيضاوي: أي: " عاملاً بمقتضى شرعه" (٧). قال أبو حيان: " هو عام في جميع أفعال الصلاح وأقوالها وأداء الفرائض، أو التصديق بمحمد ﷺ " (٨). قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢]، " أي لهم ثوابهم عند الله" (٩). قال قتادة: " أجر كبير لحسناتهم، وهي الجنة" (١٠). قال ابن عثيمين: " وسمى الله تعالى "الثواب" أجراً؛ لأنه التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير؛ ﴿عند ربهم﴾: أضاف ربوبيته إليهم على سبيل الخصوص تشريفاً، وتكريماً، وإظهاراً للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله ، وضمان، والتزام بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضائع" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢]، "أي: ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب" (١٢). قال الثعلبي: " فيما قدّموا" (١٣). قال البيضاوي: " حين يخاف الكفار من العقاب" (١٤). قال الطبري: أي: "ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة" (١٥). وقرأ الجمهور: ﴿وَلا خَوْفٌ﴾، بالرفع والتنوين. وقرأ الحسن: ﴿ولا خوف﴾، من غير تنوين (١٦). قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، ولا يحزنون "على ما مضى من الدنيا" (١٧). قال الثعلبي: " على ما خلّفوا" (١٨). قال البيضاوي: حين "يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب" (١٩).

стр. 608

قال الطبري: " ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده" (١). قال ابن عثيمين: " لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزن على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قال تعالى: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٤. ٥٦]: هذا تحزُّن، وتحسُّر" (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الله لا يظلم أحداً، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجره من أيّ صنف كان. ٢ ومنها: ثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر. وهو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى. ٣ ومنها: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين هادوا، والنصارى، والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوم الآخر. وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم بأنهم أكثر أجراً. ٤ ومنها: عظم أجر الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿عند ربهم﴾. ٥ ومنها: أنه إذا ذكر الثناء بالشر على طائفة، وكان منهم أهل خير فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون قدحاً عاماً؛ لأنه تعالى بعدما قال: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ [البقرة: ٦١] بيَّن أن منهم من آمن بالله تعالى واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. القرآن ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [البقرة: ٦٣] التفسير: واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا العهد المؤكَّد منكم بالإيمان بالله وإفراده بالعبادة، ورفعنا جبل الطور فوقكم، وقلنا لكم: خذوا الكتاب الذي أعطيناكم بجدٍ واجتهاد واحفظوه، وإلا أطبقنا عليكم الجبل، ولا تنسوا التوراة قولا وعملا كي تتقوني وتخافوا عقابي. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣]، أي: " اذكروا إذا أخذنا ميثاقكم" (٣). قال البغوي: أي" عهدكم يا معشر اليهود" (٤). قال القاسمي: " أي واذكروا وقت أخذنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة" (٥). قال المراغي: " أي واذكروا يا بنى إسرائيل رفت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة وقبولهم ذلك" (٦). قال السعدي: " وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم" (٧). قال النسفي: " بقبول ما في التوراة" (٨). قال البيضاوي: " باتباع موسى والعمل بالتوراة" (٩).

стр. 609

قال أبو العالية: " أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره" (١). وفي سبب أخذ ميثاقهم يقول أخرج الطبري بسنده عن ابن زيد: " لما رجع موسى من عند ربه بالألواح. قال لقومه بني إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه! فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم، فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيينا! قال: خذوا هذا الطور، قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق، وقرأ قول الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ حتى بلغ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٥]، قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة، لأخذوه بغير ميثاق" (٢). قال المفسرون: "إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم، لأن في هذه الحالة قيل لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد ﷺ " (٣). قال الواحدي: " وهذه الآية خطاب لليهود وإن كان آباؤهم أخذ الميثاق عليهم. روى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قال. هما ميثاقان: الأول: حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أن كل نبي بعث إلى قومه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة لله والإيمان بمحمد ﷺ " (٤). وقد ذكر الزجاج قولين فيه (٥): الأول: حين أخرج الناس كالذر ورجحه. ودليله قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]، ثم قال من بعد تمامْ الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فهذه الآية كالآية التي في البقرة. والثاني: ما أخذه على الرسل ومن تبعهم. ودليله قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أي: ورفعناه فوق رؤوسكم (٦). قال النسفي: " أي: الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق" (٧). قال القاسمي: " ترهيبا لكم لتقبلوا الميثاق" (٨). قال مجاهد: "رُفِعَ الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا " (٩). وروي عن عطاء مثل ذلك (١٠).

стр. 610

قال مسلم البطين: " رفعته الملائكة" (١). قال الصابوني: " أي: نتفناه حتى أصبح كالظلة فوقكم" (٢). قال الزجاج: " أي: جئناكم بآية عظيمة، وهي أن الطور -وهو الجبلُ- رُفع فوقَهم حتى أظلهم وظنوا أنه واقع بهم، فأخبر اللَّه بعظم الآية التي أروها بعد أخذ الميثاق" (٣). وذكر أهل التفسير في ﴿الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أقاويل (٤): أحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين: الأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (٥). وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١]، قال: " وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى ﵇ عنده نكليما" (٦). والثاني: إنه جبل بالشام (٧)، قال ذو الرمة (٨): أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ قوله (طوريون)، أي: "وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام" (٩). والثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (١٠)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (١١). والرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (١٢)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (١٣)، وعطاء (١٤)، وعكرمة (١٥) والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وأبي صخر، ومجاهد (١٦)، وابن زيد (١٧). واختلف في الأصل اللغوي لكملة (الطور)، على وجهين: الأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (١٨):

стр. 611

داني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر والثاني: أنها كلمة سريانية تعني (الجبل). قاله مجاهد (١)، وابن زيد (٢). والقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء (الطور) بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (٣)، ومنه قول جرير (٤): فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل قال القفال ﵀: إنما قال: «ميثاقكم»، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (٥): أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ثم يخرجكم طفلا﴾ [غافر: ٦٧] أي كل واحد منكم. والثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، " أي: اقبلوا ما أعطيناكم من التوراة، واعملوا به بقوة" (٦). قال الزجاج: " أي خذوه بجد واتركوا الريب والشك لما بأن لكم من عظيم الآيات" (٧). قال الفراء: "يقول: بجدٍّ وبتأدية ما افترض عليكم فِيهِ" (٨). قال ابن كثير: أي" بقوة وحزم وهمة وامتثال" (٩). قال السعدي: " أي: بجد واجتهاد، وصبر على أوامر الله" (١٠). قال الواحدي: أي: " اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه" (١١). قال الصابوني: " أي اعملوا بما في التوراة بجد وعزيمة" (١٢). قال الزمخشري: " ﴿خُذُوا﴾ على إرادة القول ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾، من الكتاب، بحدّ وعزيمة" (١٣). قال الطبري: " ﴿ما آتيناكم﴾ " ما أمرناكم به في التوراة" (١٤). وأصل القوة: "الشدة، ومنه قوة الحبل، لأنها تقوي الحبل وتشد فتله" (١٥). واختلف أهل العربية في قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، على وجهين (١٦): الأول: قال بعض نحويي أهل البصرة: هو مما استغني بدلالة الظاهر المذكور عما ترك ذكره له، وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا قذفناه عليكم.

стр. 612

والثاني: ويقول بعض نحويي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول فلا حاجة بالكلام إلى إضمار قول فيه، فيكون من كلامين، غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام - الذي هو بمعنى القول - أن يكون معه (أن) كما قال الله جل ثناؤه ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] قال: ويجوز أن تحذف (أن). والصحيح: "أن كل كلام نطق به - مفهوم به معنى ما أريد - ففيه الكفاية من غيره" (١). واختلف في قوله ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، على ثلاثة أوجه (٢): الأول: معناه: بجد واجتهاد. قاله قتادة (٣)، والسدي (٤) والثاني: تعملوا بما فيه. قاله مجاهد (٥). والثالث: بطاعة. قاله أبو العالية (٦)، وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٧). والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وبه قال قتادة والسدي، وجمهور أهل التفسير (٨). قال ابن عثيمين: " والمراد بالـ "قوة" هنا الحزم، والتنفيذ؛ والتطبيق؛ وضده أن يأخذ الإنسان أخذاً ضعيفاً متساهلاً على كسل؛ والباء في قوله تعالى: ﴿بقوة﴾ للمصاحبة؛ أي خذوا هذا الكتاب. أي التوراة التي جاء بها موسى ﷺ . أخذاً مصحوباً بقوة، فلا تهملوا شيئاً منه" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣]، " أي اذكروا كل ما فيه، واعملوا به" (١٠). قال أبو العالية: " يقول أقروا ما في التوراة واعملوا به" (١١). وروي عن الربيع (١٢) نحو ذلك. وقال ابن وهب: سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿واذكروا ما فيه﴾، قال: اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق. قال: وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تغفلوه" (١٣). قال الطبري: أي" واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب، فاتلوه، واعتبروا به، وتدبروه" (١٤). قال الزجاج: " معناه ادْرُسُوا ما فيه" (١٥). قال الزمخشري: "أي: " واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه" (١٦). قال الواحدي: أي" احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فيه" (١٧). قال السعدي: " أي: ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه" (١٨). قال الصابوني: " أي احفظوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه" (١٩). قال المراغي: " أي وادّارسوه ولا تنسوا تدبر معانيه واعملوا بما فيه من الأحكام" (٢٠).

стр. 613

قال الزمخشري: وقرئ: ﴿وتذكّروا﴾، ﴿واذّكروا﴾ " (١). أى بتشديد الذال والكاف، وأصله: وتذكروا. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أي لأجل أن تتقوا الله " (٢). قال ابن عطية: " ترج في حق البشر" (٣). قال الطبري: "كي تتقوا وتخافوا عقابي" (٤). قال ابن عباس: " تنزعون عما أنتم عليه" (٥). قال الزمخشري: أي"رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا" (٦). قال السعدي: أي تتقون" عذاب الله وسخطه، أو لتكونوا من أهل التقوى" (٧). قال ابن عثيمين: " فالأخذ بهذا الميثاق الذي آتاهم الله على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضاً، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ فالطاعات يجر بعضها بعضاً، لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه؛ وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى؛ وبالعكس المعاصي: فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله ، ونفوراً، والمعاصي يجر بعضها بعضاً؛ وسبق قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١]؛ ثم بعد هذا الإنذار، وكون الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ ففي تلك الساعة هرعوا إلى السجود؛ وسجدوا؛ ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى الآن سجود مائل كأنما ينظرون إلى شيء فوقهم؛ وقالوا: إن هذا السجود سجدناه لله لإزالة الشدة؛ فلا نزال نسجد به؛ فهذا سجودهم إلى اليوم" (٨). الفوائد: ١ من فوائد الآية: تذكير الله. ﵎. لبني إسرائيل بما أخذ عليهم من عهد؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾؛ وهذا التذكير مقتضاه الإلزام. أي فالتزموا بالميثاق. ٢ ومنها: عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم؛ فحينئذٍ آمنوا؛ وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له: إما أن تؤمن؛ أو تُقْتَل. ٣ ومنها: بيان قوة الله ، وقدرته؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾؛ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم إلا الله ؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته. ٤ ومنها: أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداهنة؛ بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة؛ التطبيق على أنفسهم؛ ودعوة غيرهم إلى ذلك بدون فتور، ولا تراخٍ على حدّ قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النمل: ١٢٥]؛ لأنه لا يتم الأمر إلا بهذا. ٥ ومنها: أن الأخذ بالكتاب المُنَزَّل يوجب التقوى؛ لقوله تعالى: لعلكم تتقون﴾ أي لأجل أن تكونوا من المتقين لله . القرآن ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ [البقرة: ٦٤]

стр. 614

التفسير: ثم خالفتم وعصيتم مرة أخرى، بعد أَخْذِ الميثاق ورَفْع الجبل كشأنكم دائمًا. فلولا فَضْلُ الله عليكم ورحمته بالتوبة، والتجاوز عن خطاياكم، لصرتم من الخاسرين في الدنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤]، أي: "ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به" (١). قال الثعلبي: " أعرضتم وعصيتم، من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل" (٢). قال الواحدي: " أي: أعرضتم عن أمر الله وطاعته" (٣). قال الطبري: " ثم أعرضتم. [و] تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد، بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به، والقيام بما أمركم به في كتابكم، فنبذتموه وراء ظهوركم" (٤). قال السعدي: " وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات" (٥). قال ابن عطية: " تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا. وتوليهم من بعد ذلك: إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها، وإما أن يكون توليهم بالكفر فكان فضل الله بأن لم يعاجلهم بالإهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن، أو يكون المراد من لحق محمدا ﷺ " (٦). وذكر الواحدي بأن (التولي) في اللغة يستعمل على ثلاث معان (٧): أحدها: الإعراض، كالذي في هذه الآية، ومعناه: أعرضتم وعصيتم، ومثله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، أي تعرضوا عن الإسلام. والثاني: الإتباع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، معناه: من يتبعهم وينصرهم. والثالث: ويقال: توليت الأمر توليا، إذا وليته بنفسك، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]، أي: ولي وزر الإفك وإشاعته. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٦٤]، أي: "فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة " (٨). قال الزمخشري: بتوفيقكم للتوبة" (٩). قال الصابوني: أي بقبول التوبة" (١٠). وقال الثعلبي: " بتأخير العذاب عنكم" (١١). قال أبو العالية: " ﴿فضل الله﴾، الإسلام، ﴿ورحمته﴾، القرآن" (١٢). وروي عن الربيع مثل ذلك (١٣). قوله تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، " أي لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة" (١٤). قال الثعلبي: أي: "لصرتم من المغلوبين بالعقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة" (١٥).

стр. 615

قال الزجاج: " أي لولا أنْ منَّ اللَّه عليكم بالتوبة بعد أن كفرتم مع عظيم هذه الآيات، ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ " (١). قال الواحدي: الخسران): " ذهاب رأس المال، وهو هاهنا هلاك النفس، لأنها بمنزلة رأس المال" (٢). وذكر القفال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وجهين (٣): الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا. والثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى: ﴿ثم توليتم من بعد ذالك﴾ ثم قيل: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ رجوعا بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم. واختلف أهل العلم في مخرج الخطاب في الآية الكريمة على أقوال (٤): أحدها: قالوا: وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من أهل الكتاب أيام رسول الله ﷺ ، فإنما هو خبر عن أسلافهم، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى، من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب بأسلاف المخاطَب، فتضيف فعل أسلاف المخاطِب إلى نفسها، فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم. قال ابن عطية: " الجمهور على أن المراد بالمعنى من سلف" (٥). والثاني: أن الخطاب في هذه الآيات، إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به، والفعل لغيرهم، لأن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم. والثالث: وقال بعضهم: إنما قيل ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين - وإن كان الخطاب خرج خطابا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب - أن المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم. فاستغنى بعلم السامعين بذلك، عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثل ذلك يقول الشاعر (٦): إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقري به بدا فقال: (إذا ما انتسبنا)، و (إذا) تقتضي من الفعل مستقبلا ثم قال: (لم تلدني لئيمة)، فأخبر عن ماض من الفعل. وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنما فعل ذلك - عند المحتج به - لأن السامع قد فهم معناه. فجعل ما ذكرنا - من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ أيام رسول الله ﷺ ، بإضافة أفعال أسلافهم إليهم - نظير ذلك. والقول الأول، هو الصحيح، وهو المستفيض من كلام العرب وخطابها (٧). والله أعلم. الفوائد:

стр. 616

١. من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل؛ لأنهم بعد أن رجع الجبل إلى مكانه تولوا، كما قال تعالى: ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾؛ وهذا من اللؤم؛ لأن من الواجب أن يذكروا رفع الجبل فوقهم حتى يستقيموا، ويستمروا على الأخذ بقوة؛ لكنهم تولوا من بعد ما رأوا الآية. ٢. ومنها: بيان فضل الله على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾. ٣. ومنها: أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق؛ لقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾. ٤. ومنها: إثبات فضل الله تعالى على بني إسرائيل بما أعطاهم من الآية الكونية، والشرعية. ٥. ومنها: إثبات الأسباب، وربطها بمسبباتها؛ لقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾؛ فهذا صريح في إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها. القرآن ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥] التفسير: ولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ [البقرة: ٦٥]، أي: "ولقد عرفتم" (١). قال ابن عثيمين: " أي علمتم عِلم اليقين، وعرفتم معرفة تامة. الخطاب لبني إسرائيل" (٢). قال الزجاج: "معنى ﴿علمتم﴾ -هنا-: عرفتم، ومثله قوله ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ومعناه لا تعرفونهم اللَّه يعرفهم" (٣). قال ابن عباس: " يقول: ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية، يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني" (٤). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥]، " أي الذين تجاوزوا حدي، وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت" (٥). قال ابن عباس: " يقول: اجترؤوا في السبت" (٦). قال الزجاج: " ظلموا وجاوزوا ما حُدَّ لهُم" (٧). قال الصابوني: " أي: الذين" خالفوا واصطادوا يوم السبت وقد نهيناهم عن ذلك" (٨). و(الاعتداء): أصله تجاوز الحد في كل شيء" (٩). وقوله تعالى ﴿فِي السَّبْتِ﴾ (١٠)، أي: في الحكم الذي حكم الله به عليهم يوم السبت؛ وذلك أن الله حرم عليهم العمل والصيد في ذلك اليوم ليتفرغوا للعبادة؛ فابتلاهم بكثرة الحيتان يوم السبت حتى تكون فوق الماء شُرَّعاً،

стр. 617

ثم لا يرونها بعد ذلك؛ فتحيلوا على صيدها بحيلة، حيث وضعوا شباكاً يوم الجمعة، فتدخل فيه الحيتان إذا جاءت يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، ويقولون: نحن لم نصدها يوم السبت (١). وفي اعتدائهم في السبت قولان (٢): أحدهما: أنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال، وهذا قول الحسن. والثاني: أنهم حبسوها في يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، والسبت هو اليوم المعروف. وفي تسميته بـ (السبت) أربعة أقاويل (٣): أحدها: أن السبت هو اسم للقطعة من الدهر فسمي ذلك اليوم به، وهذا قول الزجاج. والثاني: أنه سُمِّي بذلك لأنه سَبَت خَلْق كل شيء، أي قطع وفرغ منه، وهذا قول أبي عبيدة. والثالث: أنه سُمِّي بذلك، لأن اليهود يَسْبِتُون فيه، أي يقطعون فيه الأعمال. والرابع: أن أصل السبت، الهدوء والسكون في راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده، كما قال تعالى: ) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُم سُبَاتَا (. فَسُمِّي به اليوم لاستراحة اليهود فيه. قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٥]، " فقلنا للذين اعتدوا في السبت" (٤) قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، " أي: صيروا كذلك" (٥). قال الصابوني: "أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشراً مع الذلة والإِهانة" (٦). قال ابن عباس: " فمسخهم الله قردة بمعصيتهم" (٧). قال قتادة: " فصاروا قردة لها أذناب، تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء" (٨). قال ابن كثير: "يعني أذلة صاغرين" (٩). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، على وجهين (١٠): الأول: أنهم مُسِخُوا قردةً، فصاروا لأجل اعتدائهم في السبت في صورة القردة المخلوقين من قبل، في الأيام الستة. قاله ابن عباس (١١)، وقتادة (١٢)، والسدي (١٣). قال ابن عباس: "لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل" (١٤). والثاني: أنهم لم يمسخوا قردة، وإنما مسخت قلوبهم، وهو مَثلَ ضربه الله لهم، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً﴾ [الجمعة: ٥]. قاله مجاهد (١٥). واعترض عليه الطبري (١٦) وابن كثير (١٧). وقال ابن كثير: "وهذا قول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [المائدة: ٦٠] " (١٨).

стр. 618

وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير. قلت: والصحيح في هذه المسألة: أن مسخهم قرودا، إنما كان معنويًا لا صوريًا خلاف ما ذهب إليه مجاهد (١)، ﵀. ورجحه ابن كثير (٢). وفي قوله تعالى: ﴿خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥]، أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: مبعدين. ومنه: خَسَأتُ الكلب أخسؤه خَسْئاً، أي بَاعدته وطردْته. قاله الزجاج (٣). والثاني: أن معناه: أذلة صاغرين، وهذا قول أبي العالية (٤)، والربيع (٥)، وروي عن مجاهد وقتادة وأبي مالك نحو ذلك (٦). والثالث: معناه: صاغرين. قاله مجاهد (٧). والرابع: : أن معنى: خاسئا، أي: ذليلاً. قاله ابن عباس (٨). قال الطبري: في معنى ﴿الخاسئين): "أي: مبعدين من الخير أذلاء صغراء" (٩)، وبالتالي إن جميع الأقوال الثلاثة ضمن المعنى الصحيح. والله تعالى أعلم. و(الخاسئ): " المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه: " خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا، وهو يخسأ خسوءا ". قال: ويقال: " خسأته فخسأ وانخسأ ". ومنه قول الراجز (١٠): كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ يعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا" (١١). وأنشد الفراء (١٢): وَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ... وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ وأنشد ابن الأنباري لعمران بن حطان (١٣):

стр. 619

لا تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي ... يَا رَبِّ مَنْزِلَ خَاسِئً مَدْحُورِ الفوائد: ١ من فوائد الآية: توبيخ اليهود الموجودين في عهد الرسول ﷺ على عدم الإيمان به؛ ووجه ذلك أنهم علموا ما حلّ بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة؛ فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله ورسوله. ٢ ومنها: تحريم الحيل، وأن المتحيل على المحارم لا يخرج عن العدوان؛ لقوله تعالى: ﴿الذين اعتدوا منكم في السبت﴾؛ بل الحيل على فعل محرم أعظم إثماً من إتيان المحرم على وجه صريح؛ لأنه جمع بين المعصية، والخداع؛ ولهذا كان المنافقون أشد جرماً وعداوة للمؤمنين من الكفار الصرحاء؛ قال أيوب السختياني. ﵀. في المتحيلين: "إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان؛ ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون"؛ وصدق ﵀؛ وللحيل مفاسد كثيرة. راجع إن شئت كتاب "إغاثة اللهفان" لابن القيم. ﵀. وغيره. وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت، وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم، ثم أذابوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ وتأملت حيل بعض المسلمين اليوم على الربا وغيره. وجدت أن حيل بعض المسلمين اليوم على ما ذُكر أشد حيلة من حيل اليهود. ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، وقد نهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (١)؛ فالمتحيل على المحرَّم واقع فيه، ولا تنفعه الحيلة. ٣ ومن فوائد الآيتين: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنب؛ لأن عقوبة هؤلاء المتحيلين أنهم مسخوا قردة خاسئين؛ والذنب الذي فعلوه أنهم فعلوا شيئاً صورته صورة المباح؛ ولكن حقيقته غير مباح؛ فصورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي؛ وهذا؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ٤ ومنها: بيان قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾؛ فكانوا في لحظة قردة. القرآن ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦] التفسير: فجعلنا هذه القرية عبرة لمن بحضرتها من القرى، يبلغهم خبرها وما حلَّ بها، وعبرة لمن يعمل بعدها مثل تلك الذُّنوب، وجعلناها تذكرة للصالحين؛ ليعلموا أنهم على الحق، فيثبتوا عليه. قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، أي "فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم" (٢). قال ابن عثيمين: أي: صيّرناها" (٣). واختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦] على ستة أقوال (٤): الأول: أنه يعود على القرية؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]؛ فيكون مرجع الضمير مفهوماً من السياق.

стр. 620

والثاني: أنه يعود على العقوبة-وهي المسخة-، أي فجعلنا العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦]؛ فيكون المعنى: فجعلنا هذه العقوبة نكالاً. وهذا في رواية الضحاك عن ابن عباس (١). والثالث: أنه يعود على المسخة، لأن معنى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥]، مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم. قاله الفراء (٢). والرابع: وقال الأخفش: أي جعلنا القردة نكالا (٣). والخامس: أنه يعود على الأمة التي مسخت، لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، يدل على أنهم كانوا أمة وفرقة من الناس، فرجع العائد على المعنى. قاله الزجاج (٤). والسادس: أنه يعود على الحيتان. وذلك في رواية أبيّ عن ابن عباس (٥). أي: جعلنا هذه الأمة نكالا، لأن قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت﴾ يدل على الأمة والجماعة أو نحوها (٦). والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي: فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم" (٧). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿نَكَالاً﴾ [البقرة: ٦٦]، "أي عقوبة زاجرة لمن يأتي بعدها من الأمم" (٨). قال الثعلبي: "أي: " عقوبة وعبرة وفضيحة شاهرة" (٩). قال ابن كثير: "أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها، عبرة، كما قال الله عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى﴾ [النازعات: ٢٥] " (١٠). وأصل (النكال)، العقوبة (١١)، كما قال عدي بن زيد العباد (١٢): لا يسخط الضليل ما يسع العبـ ... د ولا في نكاله تنكير قال القفال: النكال: "العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿نَكَالاً﴾ [البقرة: ٦٦]، ثلاثة تأويلات (١٤): أحدها: عقوبة، وهو قول ابن عباس (١٥)، وأبو العالية (١٦). والثاني: عبرة ينكل بها من رآها. والثالث: أن النكال الاشتهار بالفضيحة. قوله تعالى: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، "أي لمن يأتي بعدها من الأمم" (١٧). قال سعيد بن جبير: " من بحضرتها يومئذ من الناس" (١٨).

стр. 621

وقال إسماعيل بن أبي خالد: " ما كان قبلها من الماضين في شأن السبت" (١). وروي عن قتادة وعطية نحو ذلك. وقال أبو العالية: " أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم" (٢)، وروي عن الربيع بن أنس، ومجاهد والسدي وقتادة في رواية معمر والحسن وعكرمة نحو ذلك (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، "أي جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها وعاينها" (٤). قال عطية: " لما كان من بعدهم من بني إسرائيل، لا يعملوا فيها بمثل أعمالهم" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا] [البقرة: ٦٦]، ثمانية تأويلات: أحدها: ما بين يديها وما خلفها من القرى، وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس (٦). واختاره ابن كثير (٧). والثاني: ما بين يديها يعني من بعدهم من الأمم، وما خلفها، الذين كانوا معهم باقين، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (٨). واختاره الطبري (٩). والثالث: ما بين يديها، يعني من دونها، وما خلفها، يعني لمن يأتي بعدهم من الأمم، وهذا قول السدي (١٠). والرابع: لما بين يديها من ذنوب القوم، وما خلفها للحيتان التي أصابوها، وهذا قول قتادة (١١). والخامس: ما بين يديها: ما مضى من خطاياهم، وما خلفها: خطاياهم التي أُهْلِكُوا بها، وهذا قول مجاهد (١٢). والسادس: ما بين يديها: الذنوب التي عملوا قبل الحيتان، وما خلفها: ما عملوا بعد الحيتان. وهذه رواية أبي عن أبيه عن ابن عباس (١٣). والسابع: ما بين يديها: عقوبة لما مضى من ذنوبهم، وما خلفهما: وعبرة لما بعدهم. قاله أبو العالية (١٤) والربيع (١٥). والثامن: وقيل: " ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾، من عقوبة الآخرة ﴿وَما خَلْفَها﴾، من نصيحتهم في دنياهم فيذكّرون بها إلى يوم قيام السّاعة" (١٦). والقول الأول والثاني تحتملهما الآية، وإن كان الأول منهما هو الأشبه إلى الصواب، إذ أن "المراد بما بين يديها وما خلفها: من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها، وما حل بها، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، وقال ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ " (١٧).

стр. 622

قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، "أي عظةً وذكرى لكل عبدٍ صالحٍ متّقٍ لله " (١). قال ابن عباس: " وتذكرة وعبرة للمتقين" (٢). وأخرج الطبري عن ابن عباس: ﴿وموعظة للمتقين﴾، يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي" (٣). وقال الربيع: " فكانت موعظة للمتقين خاصة" (٤). وروي عن أبو العالية (٥) مثل ذلك. قال الطبري: أي: " وتذكرة للمتقين، ليتعظوا بها، ويعتبروا، ويتذكروا بها" (٦). قال الزجاج: " أي يتعظ بها أهل التقوى، فيلزمون ما هم عليه" (٧). واختلف في المعني بقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، على وجهين (٨): الأول: المراد بهم: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. قاله ابن عباس (٩)، والحسن (١٠)، وقتادة (١١)، وابن جريج (١٢)، وهو قول الجمهور. والثاني: أن المراد بهم: أمة محمد ﷺ . قاله السدي (١٣)، وعطية (١٤)، واختاره الثعلبي (١٥). والقول الأول هو الصحيح، لأنه أعم، وعليه الجمهور. والله أعلم. و"المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (١٦) " (١٧). وقال الرازي: " أما قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، ، ففيه وجهان: أحدهما: أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم، وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله: ﴿هدى للمتقين﴾ لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم.

стр. 623

الثاني: أن يكون معنى قوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾ أن يعظ المتقون بعضهم بعضا أي جعلناها نكالا وليعظ به بعض المتقين بعضا فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين والله أعلم" (١). الفوائد: ١. من فوائد الآية: إثبات القول لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. ٢. ومنها: أن الذين مسخوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت؛ وأما الذين نَهَوا عن السوء فقد نجوا؛ وأما الذين سكتوا عن المعتدين، ولم يشاركوهم فقد سكت الله عنهم؛ فنسكت عنهم. ٣. ومنها: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل؛ لقوله تعالى: ﴿فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها﴾؛ ولهذا يقص الله علينا من نبأ المكذبين للرسل ما يكون لنا فيه عبرة، كما قال : ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١]. ٤. ومنها: أن الحدود الشرعية نكال للفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب، ولغير الفاعل. ٥. ومنها: أن الذين ينتفعون بمثل هذه المواعظ هم المتقون. ٦. ومنها: أن المواعظ قسمان: كونية، وشرعية؛ فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالاً لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين؛ وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور﴾ [يونس: ٥٧]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيراً لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيراً في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات. ٧. ومن فوائد الآيتين: أن الذين ينتفعون بالمواعظ هم المتقون؛ وأما غير المتقي فإنه لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية، ولا بالمواعظ الشرعية؛ قد ينتفع بالمواعظ الكونية اضطراراً، وإكراهاً؛ وقد لا ينتفع؛ وقد يقول: هذه الأشياء ظواهر كونية طبيعية عادية، كما قال تعالى: ﴿وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم﴾ [الطور: ٤٤]؛ وقد ينتفع، ويرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختَّار كفور﴾ [لقمان: ٣٢]. ٨. ومن فوائد الآيتين: أن من فوائد التقوى. وما أكثر فوائدها. أن المتقي يتعظ بآيات الله الكونية، والشرعية. القرآن ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧] التفسير: واذكروا يا بني إسرائيل جناية أسلافكم، وكثرة تعنتهم وجدالهم لموسى ﵊، حين قال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فقالوا -مستكبرين-: أتجعلنا موضعًا للسخرية والاستخفاف؟ فردَّ عليهم موسى بقوله: أستجير بالله أن أكون من المستهزئين. قال ابن عطية: " "وسبب هذه الآية على ما روي، أن رجلا من بني إسرائيل أسنّ وكان له مال، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل أخوه، وقيل ابنا عمه، وقيل ورثة كثير غير معينين، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه، وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلا، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح، فقال أهل النهي منهم: أنقتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى ﵇ فقصوا عليه القصة، وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها، فيحيى ويخبر بقاتله فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ

стр. 624

تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] " (١). روي ذلك عن ابن عباس (٢)، وعبيدة (٣)، وأبي العالية (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦)، ومجاهد (٧)، ووهب بن منبّه (٨)، وابن زيد (٩)، ومحمد بن كعب القرظي (١٠)، ومحمد بن قيس (١١). قال ابن كثير: " وهذه السياقات كلها عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم، فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٧]، " أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قال موسى لقومه" (١٣). قال الليث (١٤): القوم الرجال دون النساء، ومنه قوله : ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] أي رجال من رجال، ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ قال زهير (١٥): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أدْرِي ... أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته" (١٦). وقال أبو العباس: "القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء" (١٧). قال الواحدي: " والمراد بالقوم هاهنا شيعة موسى وأتباعه. وقد يذكر القوم فيدخل فيه النساء كقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] وكان مرسلاً إلى الإناث والذكور جميعاً، وجاز ذلك لأن الغالب من أمر النساء اتباع الأزواج فاكتفى بهم منهن لغلبتهم عليهن" (١٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، و(البقرة) واحدة البقر. قال الأصمعي: "يقال: رأيت لبني فلان بَقَرًا وبَقِيرًا وبَاقُورَةً وبَاقِرًا وبَوَاقِرَ، كله جمع البقر، وأنشد (١٩): بَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ

стр. 625

وقال آخر (١): خَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ ويقال لجماعة البقرة: بيْقُور أيضاً، وقال أمية (٢): وعَالَت الْبَيْقُورَا" (٣). وقيل في أصل (البقر) وجهين (٤): الأول: أن أصله من (الْبَقْر) الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (٥) ﵄ "الباقر"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه" (٦). والثاني: التوسع في الشيء وفتح الشيء، وفي حديث حذيفة: "فما بال هؤلاء الذين يَبْقُرونَ بيوتنا" (٧)، أَي يفتحونها ويوسعونها. ومنه قوله ﵇: "فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ" (٨)، والبقرة هنا هي القِدر الكبير الواسع. قال الماوردي: "وإنما أمر -والله أعلم- بذبح البقرة دون غيرها، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته " (٩). قوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]، " أي قالوا: أتجعلنا موضع سخرية وتهزأ بنا؟ " (١٠). أخرج ابن أبي حاتم عن السدي، أنهم عندما سمعوا قول موسى بذبح البقرة، فقالوا: "نسألك عن القتيل ومن قتله، وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ " (١١). قال الثعلبي: "وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه" (١٢).

стр. 626

قال المراغي: " فهذا القول منهم دليل على السفه وخفّة الأحلام، وجفاء الطبع والجهل بقدرة الله تعالى" (١). وقال ابن عطية: " وهذا القول من بني إسرائيل ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، أَتَتَّخِذُنا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي ﷺ لوجب تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال القائل للنبي ﷺ في قسمة غنائم حنين: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله" (٢)، وكما قال له الآخر: "اعدل يا محمد" (٣)، وكلّ محتمل، والله أعلم" (٤). و(الهزؤ): اللعب والسخرية، كما قال الراجز (٥): قد هزئت مني أم طيسله ... قالت أراه معدما لا شيء له يعني بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت (٦). وقرأ ابن محيصن: ﴿أيتّخذنا﴾، بالياء قال: "يعنون الله، ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] " (٧). وفي قوله تعالى ﴿هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]، ثلاثة لغات (٨): أحدها: بالتخفيف والهمز، ومثله ﴿كفؤا﴾، وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف وإسماعيل. والثاني: ﴿هزؤا﴾ و ﴿كفؤا﴾، مثقلان مهموزان، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم. والثالث: و ﴿هزوا﴾ و ﴿كفوا﴾، مثقلان بغير همزة. في رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم. قال الثعلبي: " وكلّها لغات صحيحة معناها الاستهزاء" (٩). قوله تعالى: ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٧]، " أي ألتجئ إلى الله" (١٠). قال البغوي: أي: "أمتنع بالله" (١١). قوله تعالى: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، أي" أن أكون في زمرة المستهزئين الجاهلين" (١٢). قال الثعلبي: " أي من المستهزئين بالمؤمنين" (١٣). قال الطبري: " يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل" (١٤). قال البغوي: "وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل" (١٥).

стр. 627

قال المراغي: "أي: من الهزؤ والسخرية بالناس" (١). وقوله تعالى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، يحتمل معنيين (٢): أحدهما: الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئا. والثاني: الإستعاذة من الجهل كما جهلوا في قولهم ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾، لمن يخبرهم عن الله تعالى. الفوائد: ١ من فوائد الآية: تعظيم الله ، حيث أسند الأمر إليه بصيغة الغائب، كقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]. ٢ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر؛ لقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾. ٣ ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا لنبيهم ﵊: ﴿أتتخذنا هزواً﴾ وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة؛ فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ؛ لأنه أمر من الله . ٤ ومنها: أن الاستهزاء بالناس من الجهل وهو الحمق، والسفه؛ لقول موسى ﵊: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾. ٥ ومنها: أن جميع الخلق محتاجون إلى الله تعالى، وإلى الاعتصام به ؛ فإن موسى ﷺ كان من أولي العزم من الرسل؛ ومع ذلك فهو محتاج إلى ربه ﵎؛ لقوله تعالى: ﴿قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾؛ والاستعاذة لا تكون إلا بالله ؛ وقد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، مثل قوله ﷺ : "فمن وجد معاذاً فليعذ به" (٣). القرآن ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾ [البقرة: ٦٨] التفسير: قالوا: ادع لنا ربَّك يوضح لنا صفة هذه البقرة، فأجابهم: إن الله يقول لكم: صفتها ألا تكون مسنَّة هَرِمة، ولا صغيرة فَتِيَّة، وإنما هي متوسطة بينهما، فسارِعوا إلى امتثال أمر ربكم. قوله تعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]، " أي سله لأجلنا أن يكشف لنا عن الصفات المميزة لها" (٤). قال الصابوني: " أي ما هي هذه البقرة وأي شيء صفتها؟ " (٥). قال السعدي: " أي: ما سنها؟ " (٦). قال البيضاوي: " تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد" (٧). قال الزجاج: " وإِنَّما سألوا ما هي، لأنهم لا يعلمون أن بقرةً يحيا بضرب بعضها ميت" (٨). قال النسفي: " وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشان" (٩).

стр. 628

ولغة بني عامر «ادع» بكسر العين (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، أي: إنها بقرة" لا مسنة ولا فتية" (٢). قال الزجاج: "أي ليست بكبيرة ولا صغيرة" (٣). قال الثعلبي: أي" لا كبيرة ولا صغيرة" (٤). واختلف في معنى ﴿الفارض﴾ [البقرة: ٦٨]، على ثلاثة أوجه (٥): الأول: الفارض: المسنة (الهرمة)، قاله ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وأبو العالية (٨)، والربيع (٩)، وقتادة (١٠)، والسدي (١١)، وابن زيد (١٢)، والضحاك (١٣)، ووهب بن منبّه (١٤)، وعطاء الخراساني (١٥)، وبه قال جمهور أهل التفسير. يقال منه فرضت تفرض فروضا، أي أسنت، ويقال للشيء القديم فارض، قال الراجز (١٦): شيب أصداغي فرأسي أبيض ... محامل فيها رجال فرض يعني هرمي، قال آخر (١٧): لعمرك قد أعطيت جارك فارضا ... تساق إليه ما تقوم على رجل أي قديما، وقال آخر (١٨): يا رب ذي ضغن علي فارض ... له قروء كقروء الحائض والثاني: أن الفارض: لا كبيرة ولا صغيرة، قد ولدت بطنا أو بطنين. قاله مجاهد (١٩)، وروي عن عطية (٢٠) مثل ذلك. والثالث: أن الفارض: التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك، لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، قاله بعض المتأخرين (٢١).

стр. 629

واختلف في معنى ﴿البكر﴾ [البقرة: ٦٨]، على وجوه: الأول: معناه: الصغيرة التي لم تحمل. قاله ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، وأبو العالية (٤)، والربيع (٥). والثاني: لم تلد إلا ولدا واحدا. قاله السدي (٦). والثالث: الأول من الأولاد، قال الكميت (٧): يا بِكر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحت مني كذراع من عضد والرابع: البكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء، وبفتحها الفتي من الإبل. قاله الطبري (٨). قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، " أي وسط بين الكبيرة والصغيرة" (٩). قال الحسن: أي بين الهرمة والفتية" (١٠). واختلف في معنى الـ ﴿عوان﴾ [البقرة: ٦٨]، على أقوال (١١): أحدها: النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل، وهذه الدلالة المعني بها في الآية أي: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين. وهذا مذهب ابن عباس (١٢)، وأبي العالية (١٣)، ومجاهد (١٤)، والسدي (١٥)، والربيع بن أنس (١٦)، وعطاء الخراساني (١٧)، وقتادة (١٨)، والضحاك (١٩)، وعكرمة (٢٠)، وابن زيد (٢١). ومن ذلك قول الشاعر يصف فرسا (٢٢): كميت بهيم اللون ليس بفارض ... ولا بعوان ذات لون مخصف فرس أخصف: إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه. ومنه قول الأخطل (٢٣):

стр. 630

وما بمكة من شُمط مُحَفِّلة ... وما بيثرب من عُونٍ وأبكار وجمعها: (عون)، يقال: امرأة عوان من نسوة عون، ومنه قول تميم بن مقبل (١): ومأتم كالدمي حورٍ مدامعها ... لم تبأس العيش أبكارا ولا عونا الثاني: العوان من البقرة هي التي قد ولدت مرة (٢). الثالث: إن العوان النخلة الطويلة، وهي فيما زعموا لغة يمانية (٣). الرابع: العوان: التي قد ولدت مرة بعد مرة، قاله مجاهد (٤)، وحكاه أهل اللغة (٥). ومنه حرب عوان: قد قوتل فيها مرتين فما زاد، يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن، قال زهير (٦): إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل وكذلك يقال: (حاجة عوان)، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة، ومنه قول الفرزدق (٧): قعود لدى الأبواب طلاب حاجة ... عوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا قوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨]، " أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشدّدوا فيشدّد الله عليكم" (٨). قال الثعلبي: "أي: من ذبح البقرة ولا تكرّروا السؤال" (٩). قال السعدي: " واتركوا التشديد والتعنت" (١٠). الفوائد: ١. ومنها: استكبار بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى. ﵊: ﴿ادع لنا ربك﴾؛ فأمروه أمراً، ثم أضافوا ربوبية الله إلى موسى، كأنهم متبرئون من ذلك؛ فلم يقولوا: "ادع ربنا"، أو "ادع الله"؛ ومما

стр. 631

يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى. ﵊. أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة. ٢. ومنها: تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه؛ لقوله: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾؛ ومع ذلك لم يمتثلوا؛ بل تعنتوا. القرآن ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾ [البقرة: ٦٩] التفسير: فعادوا إلى جدالهم قائلين: ادع لنا ربك يوضح لنا لونها. قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء شديدة الصُّفْرة، تَسُرُّ مَن ينظر إليها. قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، "أي: ادع لنا ربك يبين لنا ما لون البقرة التي أمرتنا بذبحها" (١). قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩]، " أي إِنها بقرة صفراء، شديدة الصفرة" (٢). واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿صَفْراءُ﴾ [البقرة: ٦٩]، على ثلاثة أقوال: (٣): أحدها: أن معناه: سوداء شديدة السواد. قاله الحسن (٤). قال ابن عطية: " وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل" (٥). والثاني: أن معناه: صفراء القرن والظلف. قاله سعيد بن جبير (٦)، وفي رواية أشعث عن الحسن (٧). والثالث: أنها صفراء اللون. قاله ابن زيد (٨). قال الإمام الطبري: وأحسب أن الذي قال في قوله: (صفراء)، يعني به سوداء، ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء، يعني بها سوداء. وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الأعشى (٩): تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب يعني بقوله: (هن صفر)، هن سود وذلك إن وصفت الإبل به، فليس مما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد إذا وصفته بالشدة بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك وحانك وحُلكوك، وأسود غِربيب ودَجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع. وإنما تقول: هو أصفر فاقع، فوصفه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله: (إنها بقرة صفراء فاقع) المتأول، بأن معناه سوداء شديدة السواد (١٠). قوله تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، "يعني: خالص لونها" (١١). قال ابن عثيمين: " ليس فيه ما يشوبه، ويخرجه عن الصفرة" (١٢). قال قتادة: " هي الصافي لونها" (١٣). وروي عن أبي العالية (١٤)، والربيع (١٥)، والسدي (١٦)، مثل ذلك.

стр. 632

وأخرج الطبري عن ابن عباس: " شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تَبْيَضُّ. وقال أبو جعفر: أُراه أبيض! " (١). وروي عن ابن زيد مثل قول ابن عباس (٢). و(الفقوع)، في الصفر، نظير النصوع في البياض، وهو شدته وصفاؤه، ومنه قول الشاعر (٣): حملت عليه الوَرد حتى تركته ... ذليلا يسُف الترب واللون فاقع وقرأ الضّحاك: " ﴿لَوْنُها﴾، قال الثعلبي: "نصبا كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة" (٤). قوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، " أي تعجب الناظرين" (٥). قال الطبري: أي: تعجب هذه البقرة - في حسن خلقها ومنظرها وهيئتها - الناظر إليها (٦). قال الصابوني: أي: من"حسن منظرها تسر كل من رآها" (٧). قال قتادة: " أي تعجب الناظرين" (٨). وروي عن السدي (٩) مثل ذلك. وقال وهب: " إذا نظرت إليها، يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها" (١٠). قال الثعلبي: " تعجبهم من حسنها وصفاء لونها لأنّ العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء، الحسن" (١١). قال ابن عثيمين: " يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرهة؛ بل هي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجه: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين" (١٢). قال السمين الحلبي: " و (السرورُ) لَذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعِ أو توقُّعِه، ومنه «السريرُ» الذي يُجْلَسُ عليه إذا كان لأولي النِّعمةِ، وسريرُ الميِّت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك" (١٣). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله بقولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾؛ مرة أخرى. ٢. ومنها: أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الدين يسر؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" (١٤). القرآن ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾ [البقرة: ٧٠] التفسير: قال بنو إسرائيل لموسى: ادع لنا ربك يوضح لنا صفات أخرى غير ما سبق؛ لأن البقر -بهذه الصفات- كثير فاشْتَبَهَ علينا ماذا نختار؟ وإننا -إن شاء الله- لمهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها.

стр. 633

قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٧٠]، أي: سله لأجلنا أن يكشف لنا" أسائمة أم عاملة" (١). قال ابن عثيمين: "أي من حيث العمل" (٢). قال البيضاوي: " تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]، " أي اشتبه علينا البقرة المطلوبة" (٤). قال البيضاوي: " أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا" (٥). قال السعدي: " فلم نهتد إلى ما تريد" (٦). قال الصابوني: " أي التبس الأمر علينا فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها" (٧). قال ابن عثيمين: " وفي الحقيقة أنه ليس في هذا اشتباه؛ إذ ذُكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابه؟ ! لكن هذا من عنادهم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله" (٨). و(البقر) جماع بقرة، وقد قرأ بعضهم: (إن الباقر)، وذلك - وإن كان في الكلام جائزا، لمجيئه في كلام العرب وأشعارها، كما قال الأعشى (٩): وما ذنبه أن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ [البقرة: ٧٠]، على وجهين (١٠): الأول: : ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾، وهذه قراءة العامة. والثاني: ﴿إن الباقر﴾، قرأ بها محمد ذو الشامة الأموي. وهو جمع البقر. وقوله تعالى: ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠]، في ﴿تَشابَهَ﴾، سبع قراءات: أحدها: ﴿تَشابَهَ﴾: بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين، وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد. والثاني: وقرأ الحسن: ﴿تَشابهُ﴾، بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين أراد تشابه. والثالث: وقرأ الأعرج: ﴿تَشّابهُ﴾: بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء، على معنى: يتشابه. والرابع: وقرأ مجاهد: ﴿تشبّه﴾، كقراءة الأعرج إلّا إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل. والخامس: وفي مصحف أبيّ: ﴿تشابهت﴾، على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر. والسادس: وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿تشّابهت﴾، بتشديد الشين قال أبو حاتم: "هذا غلط لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلّا في المضارعة" (١١). والسابع: وقرأ الأعمش: ﴿متشابه علينا﴾، - جعله اسما.

стр. 634

والصواب في ذلك من القراءة: ﴿إن البقر تَشَابَهَ علينا﴾، بتخفيف (شين): تشابه، ونصب (هائه)، بمعنى: تفاعل، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك، ودفعهم ما سواه من القراءات، ولا يعترض على الحجة بقول من يَجُوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠]، "أي سنتهدي إِلى معرفتها إِن شاء الله" (٢). قال الثعلبي: " إلى وصفها" (٣). قال البيضاوي: "أي: إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل" (٤). قال بعض السلف: "لو لم يقولوا: ﴿إن شاء الله﴾ لم يهتدوا إليها أبداً" (٥)، وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله ؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: "إن الله لم يشأ أن نهتدي"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم" (٦). الفوائد: ١. من فوئاد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله بقولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ مرة أخرى. ٢ - ومنها: أهمية الاستثناء في تيسير الأمور وحصول مراد العبد، لذلك قيل "أنهم لما قرنوا بالمراجعة الأخيرة قولهما: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ وفقهم الله لمعرفة ما سالوا عنه ولترك التعنت" (٧). القرآن ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] التفسير: قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة، وغير معدة للسقي من الساقية، وخالية من العيوب جميعها، وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة، فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم. قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، "أي: إنها ليست مذللة بالحراثة" (٨). قال أبو السعود: " أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقى الحرث" (٩). قال الصابوني: "أي: ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض" (١٠).

стр. 635

قال قتادة: " ليست بذلول تثير الأرض" (١). قال مجاهد: " ليست بذلول فتفعل ذلك" (٢). قال الحسن: " كانت وحشية" (٣). قال الثعلبي: أي: لا" مذلّلة بالعمل" (٤). واختلفت اقراءة في قوله تعالى: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١]، على وجهين (٥): الأول: قرأ الجمهور ﴿لا ذَلُولٌ﴾، بالرفع على، الصفة لبقرة. قال الأخفش: "لا ذلول" نعته ولا يجوز نصبه" (٦). والثاني: وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي ﴿لا ذلولَ﴾ بالنصب على النفي والخبر مضمر. قال القرطبي: "ويجوز: لا هي ذلول، لا هي تسقى الحرث، هي مسلمة (٧). بالنصب. واختلف في قوله تعالى ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، على وجهين: الأول: قال الجمهور: بأن البقرة لا تثير الأرض، قال الحسن: "وكانت تلك البقرة وحشية ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث" (٨). قال الإمام القرطبي: "والوقف ههنا حسن" (٩). ٢ - وقال قوم: "تثير" فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقي، والوقف على هذا التأويل ﴿لا ذلول﴾. والقول الأول أصح لوجهين (١٠): أحدهما: ما ذكره النحاس، عن علي بن سليمان أنه قال: "لا يجوز أن يكون ﴿تثير﴾ مستأنفا، لأن بعده ﴿ولا تسقي الحرث﴾، فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و ﴿لا﴾ " (١١). الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله: ﴿لا ذَلُولٌ﴾. قال الإمام القرطبي: ويحتمل أن تكون ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ في غير العمل مرحا ونشاطا، كما قال امرؤ القيس (١٢): يهيل ويذري تربه ويثيره ... إثارة نباث الهواجر (١٣) مخمس أي: تثير الأرض مرحا ونشاطا لا حرثا وعملا، فعلى هذا يكون ﴿تثير﴾ مستأنفا، ﴿ولا تسقي﴾ معطوف عليه، فتأمله (١٤). و(إثارة الأرض): "تحريكها وبحثها، ومنه الحديث: "أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين" وفي رواية أخرى: "من أراد العلم فليثور القرآن" وقد تقدم. وفي التنزيل: ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ﴾ [الروم: ٩] أي قلبوها للزراعة. والحرث: ما حرث وزرع" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]، "أي ليست بساقية" (١٦).
следующие страницы →