← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى. ﵊. أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة. ٢. ومنها: تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه؛ لقوله: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾؛ ومع ذلك لم يمتثلوا؛ بل تعنتوا. القرآن ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾ [البقرة: ٦٩] التفسير: فعادوا إلى جدالهم قائلين: ادع لنا ربك يوضح لنا لونها. قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء شديدة الصُّفْرة، تَسُرُّ مَن ينظر إليها. قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، "أي: ادع لنا ربك يبين لنا ما لون البقرة التي أمرتنا بذبحها" (١). قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩]، " أي إِنها بقرة صفراء، شديدة الصفرة" (٢). واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿صَفْراءُ﴾ [البقرة: ٦٩]، على ثلاثة أقوال: (٣): أحدها: أن معناه: سوداء شديدة السواد. قاله الحسن (٤). قال ابن عطية: " وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل" (٥). والثاني: أن معناه: صفراء القرن والظلف. قاله سعيد بن جبير (٦)، وفي رواية أشعث عن الحسن (٧). والثالث: أنها صفراء اللون. قاله ابن زيد (٨). قال الإمام الطبري: وأحسب أن الذي قال في قوله: (صفراء)، يعني به سوداء، ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء، يعني بها سوداء. وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الأعشى (٩): تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب يعني بقوله: (هن صفر)، هن سود وذلك إن وصفت الإبل به، فليس مما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد إذا وصفته بالشدة بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك وحانك وحُلكوك، وأسود غِربيب ودَجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع. وإنما تقول: هو أصفر فاقع، فوصفه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله: (إنها بقرة صفراء فاقع) المتأول، بأن معناه سوداء شديدة السواد (١٠). قوله تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، "يعني: خالص لونها" (١١). قال ابن عثيمين: " ليس فيه ما يشوبه، ويخرجه عن الصفرة" (١٢). قال قتادة: " هي الصافي لونها" (١٣). وروي عن أبي العالية (١٤)، والربيع (١٥)، والسدي (١٦)، مثل ذلك.

стр. 632

وأخرج الطبري عن ابن عباس: " شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تَبْيَضُّ. وقال أبو جعفر: أُراه أبيض! " (١). وروي عن ابن زيد مثل قول ابن عباس (٢). و(الفقوع)، في الصفر، نظير النصوع في البياض، وهو شدته وصفاؤه، ومنه قول الشاعر (٣): حملت عليه الوَرد حتى تركته ... ذليلا يسُف الترب واللون فاقع وقرأ الضّحاك: " ﴿لَوْنُها﴾، قال الثعلبي: "نصبا كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة" (٤). قوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، " أي تعجب الناظرين" (٥). قال الطبري: أي: تعجب هذه البقرة - في حسن خلقها ومنظرها وهيئتها - الناظر إليها (٦). قال الصابوني: أي: من"حسن منظرها تسر كل من رآها" (٧). قال قتادة: " أي تعجب الناظرين" (٨). وروي عن السدي (٩) مثل ذلك. وقال وهب: " إذا نظرت إليها، يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها" (١٠). قال الثعلبي: " تعجبهم من حسنها وصفاء لونها لأنّ العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء، الحسن" (١١). قال ابن عثيمين: " يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرهة؛ بل هي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجه: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين" (١٢). قال السمين الحلبي: " و (السرورُ) لَذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعِ أو توقُّعِه، ومنه «السريرُ» الذي يُجْلَسُ عليه إذا كان لأولي النِّعمةِ، وسريرُ الميِّت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك" (١٣). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله بقولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾؛ مرة أخرى. ٢. ومنها: أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الدين يسر؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" (١٤). القرآن ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾ [البقرة: ٧٠] التفسير: قال بنو إسرائيل لموسى: ادع لنا ربك يوضح لنا صفات أخرى غير ما سبق؛ لأن البقر -بهذه الصفات- كثير فاشْتَبَهَ علينا ماذا نختار؟ وإننا -إن شاء الله- لمهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها.

стр. 633

قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٧٠]، أي: سله لأجلنا أن يكشف لنا" أسائمة أم عاملة" (١). قال ابن عثيمين: "أي من حيث العمل" (٢). قال البيضاوي: " تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]، " أي اشتبه علينا البقرة المطلوبة" (٤). قال البيضاوي: " أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا" (٥). قال السعدي: " فلم نهتد إلى ما تريد" (٦). قال الصابوني: " أي التبس الأمر علينا فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها" (٧). قال ابن عثيمين: " وفي الحقيقة أنه ليس في هذا اشتباه؛ إذ ذُكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابه؟ ! لكن هذا من عنادهم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله" (٨). و(البقر) جماع بقرة، وقد قرأ بعضهم: (إن الباقر)، وذلك - وإن كان في الكلام جائزا، لمجيئه في كلام العرب وأشعارها، كما قال الأعشى (٩): وما ذنبه أن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ [البقرة: ٧٠]، على وجهين (١٠): الأول: : ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾، وهذه قراءة العامة. والثاني: ﴿إن الباقر﴾، قرأ بها محمد ذو الشامة الأموي. وهو جمع البقر. وقوله تعالى: ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠]، في ﴿تَشابَهَ﴾، سبع قراءات: أحدها: ﴿تَشابَهَ﴾: بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين، وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد. والثاني: وقرأ الحسن: ﴿تَشابهُ﴾، بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين أراد تشابه. والثالث: وقرأ الأعرج: ﴿تَشّابهُ﴾: بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء، على معنى: يتشابه. والرابع: وقرأ مجاهد: ﴿تشبّه﴾، كقراءة الأعرج إلّا إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل. والخامس: وفي مصحف أبيّ: ﴿تشابهت﴾، على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر. والسادس: وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿تشّابهت﴾، بتشديد الشين قال أبو حاتم: "هذا غلط لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلّا في المضارعة" (١١). والسابع: وقرأ الأعمش: ﴿متشابه علينا﴾، - جعله اسما.

стр. 634

والصواب في ذلك من القراءة: ﴿إن البقر تَشَابَهَ علينا﴾، بتخفيف (شين): تشابه، ونصب (هائه)، بمعنى: تفاعل، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك، ودفعهم ما سواه من القراءات، ولا يعترض على الحجة بقول من يَجُوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠]، "أي سنتهدي إِلى معرفتها إِن شاء الله" (٢). قال الثعلبي: " إلى وصفها" (٣). قال البيضاوي: "أي: إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل" (٤). قال بعض السلف: "لو لم يقولوا: ﴿إن شاء الله﴾ لم يهتدوا إليها أبداً" (٥)، وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله ؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: "إن الله لم يشأ أن نهتدي"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم" (٦). الفوائد: ١. من فوئاد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله بقولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ مرة أخرى. ٢ - ومنها: أهمية الاستثناء في تيسير الأمور وحصول مراد العبد، لذلك قيل "أنهم لما قرنوا بالمراجعة الأخيرة قولهما: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ وفقهم الله لمعرفة ما سالوا عنه ولترك التعنت" (٧). القرآن ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] التفسير: قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة، وغير معدة للسقي من الساقية، وخالية من العيوب جميعها، وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة، فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم. قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، "أي: إنها ليست مذللة بالحراثة" (٨). قال أبو السعود: " أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقى الحرث" (٩). قال الصابوني: "أي: ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض" (١٠).

стр. 635

قال قتادة: " ليست بذلول تثير الأرض" (١). قال مجاهد: " ليست بذلول فتفعل ذلك" (٢). قال الحسن: " كانت وحشية" (٣). قال الثعلبي: أي: لا" مذلّلة بالعمل" (٤). واختلفت اقراءة في قوله تعالى: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١]، على وجهين (٥): الأول: قرأ الجمهور ﴿لا ذَلُولٌ﴾، بالرفع على، الصفة لبقرة. قال الأخفش: "لا ذلول" نعته ولا يجوز نصبه" (٦). والثاني: وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي ﴿لا ذلولَ﴾ بالنصب على النفي والخبر مضمر. قال القرطبي: "ويجوز: لا هي ذلول، لا هي تسقى الحرث، هي مسلمة (٧). بالنصب. واختلف في قوله تعالى ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، على وجهين: الأول: قال الجمهور: بأن البقرة لا تثير الأرض، قال الحسن: "وكانت تلك البقرة وحشية ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث" (٨). قال الإمام القرطبي: "والوقف ههنا حسن" (٩). ٢ - وقال قوم: "تثير" فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقي، والوقف على هذا التأويل ﴿لا ذلول﴾. والقول الأول أصح لوجهين (١٠): أحدهما: ما ذكره النحاس، عن علي بن سليمان أنه قال: "لا يجوز أن يكون ﴿تثير﴾ مستأنفا، لأن بعده ﴿ولا تسقي الحرث﴾، فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و ﴿لا﴾ " (١١). الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله: ﴿لا ذَلُولٌ﴾. قال الإمام القرطبي: ويحتمل أن تكون ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ في غير العمل مرحا ونشاطا، كما قال امرؤ القيس (١٢): يهيل ويذري تربه ويثيره ... إثارة نباث الهواجر (١٣) مخمس أي: تثير الأرض مرحا ونشاطا لا حرثا وعملا، فعلى هذا يكون ﴿تثير﴾ مستأنفا، ﴿ولا تسقي﴾ معطوف عليه، فتأمله (١٤). و(إثارة الأرض): "تحريكها وبحثها، ومنه الحديث: "أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين" وفي رواية أخرى: "من أراد العلم فليثور القرآن" وقد تقدم. وفي التنزيل: ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ﴾ [الروم: ٩] أي قلبوها للزراعة. والحرث: ما حرث وزرع" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]، "أي ليست بساقية" (١٦).

стр. 636

قال قتادة: " ولا تسقي الحرث" (١). قال ابن كثير: أي"ولا معدة للسقي في السانية، بل هي مكرمة حسنة صبيحة" (٢). قوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: ٧١]، "أي: صحيحة لا عيب فيها" (٣). قال أبو السعود: " أي سلَّمها الله تعالى من العيوب" (٤). واختلف أهل التفسير في المعنى الذي سلمت منه، فوصفها الله بالسلامة منه، وذكرو فيه وجهين (٥): احدهما: مسلمة من الشية، أي: لا بياض فيها ولا سواد. قاله مجاهد (٦). والثاني: مسلمة من العيوب. قاله ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، وأبو العالية (٩)، والربيع (١٠). والقول الثاني هو الصحيح، "لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان في قوله: ﴿مسلمة﴾ مُكْتَفًى عن قوله: ﴿لا شية فيها﴾، وفي قوله: ﴿لا شية فيها﴾، ما يوضح عن أن معنى قوله: ﴿مُسَلَّمة﴾، غير معنى قوله: ﴿لا شية فيها﴾ " (١١). قوله تعالى: ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]، أي: " لا لون فيها يخالف لون جلدها" (١٢). قال ابن كثير: "أي: ليس فيها لون غير لونها" (١٣). قال أبو السعود: " أي لا لونَ فيها يخالف لونَ جلدِها حتى قَرْنُها وظِلْفُها" (١٤). قال الزجاج: " أي ليس فيها لون يفارق لونها، والوَشى في اللغة خلطُ لون بلون" (١٥). وأصله من: وشي الثوب، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته، ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره: (واش)، لكذبه عليه عنده، وتحسينه كذبه بالأباطيل، يقال منه: وشيت به إلى السلطان وشاية، ومنه قول كعب بن زهير (١٦): تسعى الوشاة جَنَابَيْها وقولهُمُ ... إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتول و(الوشاة) جمع (واش)، يعني أنهم يتقولون بالأباطيل، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي ﷺ قتله. وقد زعم بعض أهل العربية أن (الوشي)، العلامة، وذلك لا معنى له، إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام، لأنه معلوم أن القائل: وشيت بفلان إلى فلان غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد: جعلت له عنده علامة، وإنما قيل: (لا شية فيها) وهي من " وشيت "، لأن (الواو) لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها (الهاء) في آخرها، كما قيل: وزنته زنة ووسن سِنة ووعدته عِدة ووديته دِية (١٧).

стр. 637

قوله تعالى: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]، "أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها" (١). قال أبو السعود: " أي بحقيقة وصفِ البقرةِ بحيث ميَّزْتها عن جميع ما عداها ولم يبقَ لنا في شأنها اشتباهٌ" (٢). واختلف في قوله تعالى: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]، على ثلاثة أوجه (٣): أحدهما: الآن بينت لنا الحق، فتبيناه، وعرفنا أيّة بقرة عنيت. قاله قتادة (٤). والثاني: يعني: "الآن عرفنا أنك لست تستهزئ؛ وإنما أنت صادق". قاله الشيخ ابن عثيمين (٥). واستدل بأن " (الحق) هنا ضد الهزء، والباطل؛ يدل على ذلك أنهم صدروا هذه القصة بقولهم: ﴿أتتخذنا هزواً﴾؛ فبعد هذه المناقشات مع موسى، والسؤالات، وطلب الله قالوا: الآن جئت بالحق، وعرفنا أنك لست مستهزئاً بنا؛ بل إنك جادّ فيما تقول" (٦). الثالث: معناه: أنه حين بيّنها لهم، قالوا هذه بقرة فلان، الآن جئت بالحق فيها. قاله ابن زيد (٧). أي: "أنه ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك" (٨). والقولين الأول والثاني، تحتملهما الآية، والقول الأول هو الأقرب، أي: الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة، فعرفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها، بعد قيلهم هذا. مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم، وثقل أمرها، فقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾. قال الإمام الطبري: " وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى: ﴿الآن جئت بالحق﴾، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر، وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم" (٩). قوله تعالى ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ [البقرة: ٧١]، أي: "فذبح قوم موسى البقرة " (١٠). قال الزمخشري: " أى: فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها، فذبحوها" (١١). قال أيو السعود: "أي فحصّلوا البقرةَ فذبحوها" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، أي: " وقد قاربوا أن يَدَعوا ذبحها" (١٣). وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك، وذكرا فيه ثلاثة أقوال (١٤): أحدها: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا لغلاء ثمنها. قاله محمد بن كعب القرظي (١٥)، ومحمد بن قيس (١٦)، وروي نحوه عن مجاهد (١٧)، ووهب بن منبه (١٨)، ورواية أبي عن أبيه عن ابن عباس (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، وعبيدة، (٢١) وابن زيد (٢٢).

стр. 638

وروي عن السدي: قال "اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها" (١). وعن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: اشتروها بملء جلدها دنانير" (٢). وهذا الوجه فيه نظر، "لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل. وفيه اختلاف، ، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك. عن عكرمة، قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير وهذا إسناد جيد عن عكرمة، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا" (٣). والثاني: وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وهذا قول وهب (٤). والثالث: وقيل: لصغر خطرها وقلة قيمتها، كما روي ذلك عن عكرمة (٥). وروي عن الحسن قال: " كانت وحشية" (٦). والرابع: أنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. قاله الزمخشري (٧). قلت: هذا الذي ذهب إليه الزمخشري وجه حسن، يحتمله الآية. والله أعلم. وعند الإمام الطبري: العلتان الأولى والثانية صحيحتان، إحداهما غلاء ثمنها، والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله (٨). واعترض ابن كثير على ترجيح الإمام الطبري، قائلا: "وفي هذا نظر، بل الصواب - والله أعلم - رواية الضحاك، عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها، يعني أنَّهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة، والأجوبة، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها (٩). وكان ابن عباس يقول: "إن القوم، بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله، أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق" (١٠). يقول العلامة السعدي: " واعلم أن كثيرا من المفسرين ﵏، قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله ﷺ : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (١١)، والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله ﷺ ، وذلك أن مرتبتها كما قال ﷺ : " لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا

стр. 639

تُكَذِّبُوهُمْ" (١)، فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل" (٢). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن من شدد على نفسه شدد الله عليه. كما حصل لهؤلاء؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر. ٢. ومنها: بيان ما يدل أيضاً على تعنتهم؛ وذلك أنهم طلبوا بيان هل البقرة عاملة، أو غير عاملة. ٣. ومنها: أن استعمال البقر في الحرث والسقي كان قديماً معروفاً بين الأمم، ولا يزال إلى وقتنا هذا قبل أن تظهر الآلات الحديدية. ٤. ومنها: تشديد الله عليهم، حيث أمرهم بذبح بقرة موصوفة بهذه الصفات التي يعز وجودها في بقرة واحدة؛ وذلك بأن تكون متوسطة في السن لا فارضاً ولا بكراً؛ وأن تكون صفراء فاقعاً لونها تسر الناظرين؛ وألا تكون ذلولاً تثير الأرض وتسقي الحرث؛ وأن تكون مسلَّمة ليس فيها شيء من العيوب. وألا يخالط لونها لون آخر؛ لقوله: (لا شية فيها). ٥. ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا: ﴿الآن جئت بالحق﴾؛ فكأنهم يقولون: الآن رضينا بوصف هذه البقرة، ثم قاموا بذبحها على مضض؛ وكل هذا يدل على استهتارهم بأوامر الله . ٦. ومنها: تذكير بني إسرائيل بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم ببيان الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم. ٧. ومنها: تأخير ذكر السبب بعد القصة، والمبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها. القرآن ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢] التفسير: واذكروا إذ قتلتم نفسًا فتنازعتم بشأنها، كلٌّ يدفع عن نفسه تهمة القتل، والله مخرج ما كنتم تخفون مِن قَتْل القتيل. قوله تعالى: ﴿وَإِذ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ [البقرة ٧٢]، أي" واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا" (٣). قال الماوردي: " يعني من قتل الإسرائيلي؟ الذي قتله ابن أخيه" (٤). وهذا الكلام مقدم على أول القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها، فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا. وهذا الأسلوب كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قِيَماً﴾ [الكهف: ١ - ٢] أي أنزل على عبده قيما ولم يجعل له عوجا، ومثله كثير في القرآن الكريم (٥). قوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة ٧٢]، أي: فاختلفتم فِيها (٦). قال الطبري: " يعني فاختلفتم وتنازعتم" (٧). قال الزجاج: " أي تدافعتم، أي ألقى بعضكم على بَعْض" (٨).

стр. 640

قال مجاهد: " اختلفتم فيها" (١). وقال عطاء الخراساني: " اختصمتم فيها" (٢).وروي عن الضحاك مثل ذلك (٣). وروي عن ابن جريج: " قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه" (٤). واختلف في الأصل اللغوي لقوله ﴿فَادَّارَأْتُم﴾ [البقرة: ٧٢]، على ثلاثة أوجه (٥): الأول: أن (الَّدْرءَ): العوج (٦)، ومنه قول أبي النجم العجلي (٧): خشية ضَغّام إذا هم جَسَر ... يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر يعني: ذا العوج والعسر. قال رؤبة بن العجاج (٨): أدركتها قدام كل مِدْرَهِ ... بالدفع عني درء كل عُنْجُهِ والثاني: الدفع (٩)؛ والمعنى: دفع ذلك بعضهم عن بعض (١٠)، قال أبو عبيد: "وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك" (١١). ومنه حديث قيس بن السائب: "كان رسول الله ﷺ شريكي، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري" (١٢). قال الواحدي: وكل من دفعته عنك فقد دارأته، قال أبو زبيد (١٣): كانَ عَنِّي يردُّ دَرْؤُكَ بَعْدَ ... اللهِ شَغْبَ المُستَصْعَبِ المِرِّيدِ

стр. 641

يعني كان دفعك (١). وأصله: (تدارأتم)، ثم أُدغمت التاءُ في الدال وأُدخلت الألفُ لِيسلَمَ سكونُ الحرف الأول" (٢)، ومنه قول الشاعر (٣): تُولِي الضَّجِيعَ إذا مَا اسْتَافَهَا خَصِراً ... عَذْبَ المَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]، إنما هو: تداركوا، ولكن التاء منها أدغمت في الدال، فصارت دالا مشددة، وجعلت فيها ألف - إذ وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله، وابتدئ به، قيل: تداركوا وتثاقلوا، فأظهروا الإدغام. وقد قيل يقال: اداركوا، وادارءوا. والثالث: التدافع، أي: فتدافعتم في القتل. من قول القائل: درأت هذا الأمر عني، ومن قول الله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور: ٨]، بمعنى يدفع عنها العذاب. وهذا قول قريب المعنى من القول السابق، لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل، فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله (٤). وفي سبب قتله قولان (٥): أحدهما: لابنة له حسناء احب أن يتزوجها ابن عمها فمنعه عمه، فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك، وقيل: ألقاه بين قريتين (٦). الثاني: قتله طلبا لميراثه، فإنه كان فقيرا وادعى قتله على بعض الأسباط. قاله قتادة (٧)، وابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، محمد بن كعب القرظي (١٠)، ومحمد بن قيس (١١)، وعبيدة (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]، " أي مظهر ما تخفونه" (١٣). قال الواحدي: أي: " من أمر القتيل" (١٤). قال الطبري: "، والله معلن ما كنتم تسرونه من قتل القتيل الذي قتلتم" (١٥). قال الزمخشري: أي: " مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل، لا يتركه مكتوماً" (١٦). وأخرج ابن أبي حاتم "عن مجاهد: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾، قال: ما تغيبون" (١٧).

стр. 642

ومعنى (الإخراج)، -هنا-: "الإظهار والإعلان لمن خفي ذلك عنه، وإطلاعهم عليه، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] يعني بذلك: يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه .. والذي كانوا يكتمونه فأخرجه، هو قتل القاتل القتيل .. حتى أظهره الله وأخرجه، فأعلن أمره لمن لا يعلم أمره" (١). الفوائد: ١.من فوئاد الآية: أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نعمة الله ؛ يعني مثلاً إذا اختلفنا في أمور، وكاد الأمر يتفاقم، ويصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه فإن هذا من نعمة الله علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف، وهذا النِّزاع. ٢. ومنها: أن الله يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس؛ لقوله تعالى: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾؛ واذكروا قول الله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ [النساء: ١٠٨]. ٣. ومنها: التحذير من أن يكتم الإنسان شيئاً لا يرضاه الله ؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئاً مما لا يُرضي الله فإن الله سوف يطلع خلقه عليه. إلا أن يعفو الله عنه. ٤. ومنها: القاتل بغير حق لا يرث من المقتول شيئًا لحديث عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول "لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ" (٢) وفي السنن الكبرى للبيهقي "ليس للقاتل من الميراث شيء" (٣)، والحكمة في ذلك تهمة استعجال موته والقاعدة: أن من تعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ٠ واختلف العلماء في القتل المانع من الميراث على أقوال: القول الأول: لايرث القاتل مطلقاً ولو كان بحق كقاضٍ ومنفذ قصاص وشاهدٍ عليه ونحو ذلك وكذا لو قتله خطأً كنائمٍ ومجنون وطفلٍ أو ضربه لتأديب أو بط جرحه لمعالجة فمات فلا يرث، ومن باب أولى قاتل العمد، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي (٤). القول الثاني: المانع من الإرث هو القتل بغير حق وهو المضمون بقودٍ أو ديةٍ أو كفارة كالعمد وشبه العمد والخطأ وما جرى مجرى الخطأ كقتل الصبي والمجنون والنائم فلا يرثون، وسواء كان القتل بمباشرة أو سبب مثل أن يلقي قشر موز أو بطيخ بطريق فيهلك به مورثه فلا يرثه لأنه قاتل كالمباشر أو يكون القتل بسبب جناية مضمونة من بهيمة لكونها ضارية أو لكون يده عليها، وسواء انفرد بالقتل أو شارك فيه غيره لأن شريك القاتل قاتل وكذا لو قتله بسحر فلا يرثه ولو شربت الحامل دواء فأسقطت جنينها لم ترث من الغرة شيئًا بجنايتها المضمونة، وأما القتل بحق كالقتل قصاصاً وحداً ودفعاً عن نفسه وقتل الباغي أو قصد مصلحته بسقيه دواءً أو قتل بشهادة حق من وارثه أو زكي الشاهد عليه بحق أو حكم بقتله بحق ونحو ذلك فهذا يرث وهذا مذهب الحنابلة (٥). القول الثالث: لا يرث القاتل عمداً وأما من قتل خطأً فيرث المال لأنه لم يتعجل قتله ولا يرث من الدية لأنها واجبةٌ عليه فكيف يرث شيئاً وجب عليه وهو مذهب المالكية (٦). القول الرابع: المانع من الإرث هو ما أوجب قصاصاً أو كفارة كالعمد وشبهه والخطأ الموجب للكفارة وهو ما باشره بنفسه كانقلاب نائم على شخصٍ فقتله أو سقط عليه من أعلى كسطح بيت فقتله فهنا لا يرث، وأما الخطأ الذي لا يوجب كفارة فلا يمنع من الميراث كقتل الصبي والمجنون أوكان القتل فيه بسببه دون مباشرته

стр. 643

كما لو حفر بئراً فسقط فيه مورثه فمات أو وضع حجراً في الطريق فعثرت فيه دابة مورثه فسقط فمات أو نحو ذلك فهذا لا يمنع من الميراث وهو مذهب الأحناف (١). والراجح - والله أعلم- مذهب الحنابلة لأن الحكم بمنع من تسبب في القتل الخطأ من الميراث فيه سدٌ لذريعة القتل وطلبًا للتحرز عنه، وأما منع الشافعية للقاتل بحق من الميراث ففيه تعطيلٌ للحدود ومنعاً لإستيفاء الحقوق المشروعة كقتال الباغي ونحو ذلك (٢). القرآن ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣] التفسير: فقلنا: اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة المذبوحة، فإن الله سيبعثه حيًا، ويخبركم عن قاتله. فضربوه ببعضها فأحياه الله وأخبر بقاتله. كذلك يُحيي الله الموتى يوم القيامة، ويريكم- يا بني إسرائيل- معجزاته الدالة على كمال قدرته تعالى؛ لكي تتفكروا بعقولكم، فتمتنعوا عن معاصيه. قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣]، "أي اضربوا هذا القتيل ببعض هذه البقرة" (٣). قال المراغي: " أي اضربوا المقتول ببعض البقرة .. وإنما أمرهم بالضرب ولم يضرب بنفسه نفيا للتهمة، كيلا ينسب إلى السحر والشعوذة" (٤). واختلفوا في ذلك البعض الذي ضربوا القتيل على أقوال (٥): أحدها: العضم الذي يلي الغضروف. قاله ابن عباس (٦). والثاني: فخذها. قاله مجاهد (٧)، وعكرمة (٨)، وقتادة (٩). والثالث: وقيل: البضعة بين الكتفين. قاله السدي (١٠). والرابع: عضم من عضامها. قاله أبو العالية (١١). والخامس: وقيل: ببعض آرابها (١٢). قاله ابن زيد (١٣). قلت: والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله: ﴿اضربوه ببعضها﴾ والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير. قال ابن عثيمين: " ولم يعين الله تعالى البعض: أهو الساق؛ أو الفخذ؛ أو الرقبة؛ أو الرأس، أو أيّ جزء من أجزائها، فليس لنا أن نعينه بجزء منها" (١٤). وقال الطبري: "لا دلالة في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة، على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب

стр. 644

وغضروف الكتف، وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به، مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله" (١). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]، "أي مثل إحياء هذا القتيل يحيي الله الموتى" (٢). قال المراغي: " أي مثل ذلك الإحياء العجيب يحيى الله الموتى يوم القيامة" (٣). قال الحسن: "فضربوه ببعضها، فقام حيا، فقال: قتلني فلان، ثم مات، لم يزد على ذلك" (٤). والخطاب في قوله تعالى: : ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]، يحتمل وجهين (٥): الأول: إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة وَيُرِيكُمْ آياتِهِ ودلائله على أنه قادر على كل شيء ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث. والثاني: وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: ٧٣]، "أي يظهرها لكم حتى تروها" (٦). قال الطبري: ": ويريكم الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد ﷺ ، وبما جاء به من عند الله - من آياته وآياته: أعلامه وحججه الدالة على نبوته" (٧). قال ابن عثيمين: " والمراد بـ "الآيات" هنا الآيات الكونية؛ لأنها إحياء ميت بضربه بجزء من أجزاء هذه البقرة؛ ويحتمل أن يكون المراد آياته الشرعية أيضاً؛ لأن موسى- ﵊ أمرهم بذلك؛ فضربوا الميت ببعض هذه البقرة؛ فصار ذلك مصداقاً لقول موسى. ﵊" (٨). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]، أي لأجل أن تعقلوا عن الله تعالى آياته، وتفهموها" (٩). قال القاسمي: أي: " على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى" (١٠). قال الطبري: " لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق، فتؤمنوا به وتتبعوه" (١١). قال الصابوني: " لتتفكروا وتتدبروا وتعلموا أن الله على كل شيء قدير" (١٢). قال المراغي: " أي لعلكم تفقهون أسرار الشريعة وفائدة الخضوع لها، وتمنعون أنفسكم من اتباع أهوائها، وتطيعون الله فيما يأمركم به" (١٣). قال البغوي: "قيل: تمنعون أنفسكم من المعاصي" (١٤). وقال الواحدي: " أي لعلكم تمتنعون من عصيانه" (١٥).

стр. 645

وذكر الآلوسي في قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]: ثلاة أوجه (١): الأول: لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث والحشر، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها، لعدم الاختصاص، قال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. والثاني: لكي يكمل عقلكم. والثالث: لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على قضية عقولكم. قال ابن عثيمين: " والعقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء؛ الذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكياً، ولكنه ليس بعاقل" (٢). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن قول الرسول قول لمرسله إذا كان بأمره؛ لقوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾. ٢. منها: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم؛ لقوله تعالى: ﴿ببعضها﴾؛ فقد أبهمه الله؛ ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داع؛ لأن المقصود الآية. ٣. ومنها: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعنى القصة، وغرضها دون من وقعت عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ببعضها﴾؛ ولم يعين لهم ذلك توسعة عليهم؛ ليحصل المقصود بأيّ جزء منها؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا سمع حديثاً أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله .. " كذا وكذا؛ تجد بعض الناس يتعب، ويتكلف في تعيين هذا الرجل؛ وهذا ليس بلازم؛ المهم معنى القصة، وموضوعها؛ أما أن تعرف من هذا الرجل؟ من هذا الأعرابي؟ ما هذه الناقة مثلاً؟ ما هذا البعير؟ فليس بلازم؛ إذ إن المقصود في الأمور معانيها، وأغراضها، وما توصل إليه؛ فلا يضر الإبهام. اللهم إلا أن يتوقف فهم المعنى على التعيين. ٤. ومن فوائد الآية: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين؛ وذلك إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط؛ فإذا قيل لك: "افعل بعض هذه الأشياء" يكون أسهل مما إذا قيل لك: "افعل هذا الشيء بعينه"؛ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة. والله أعلم. ٥. ومنها: أن هذه الآية من آيات الله . وهي أن تكون البقرة سبباً لحياة هذا القتيل؛ إذ لا رابطة في المعقول بين أن تُذبح البقرة، ويضرب القتيل ببعضها، فيحيى. القرآن ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ [البقرة: ٧٤] التفسير: ولكنكم لم تنتفعوا بذلك؛ إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة اشتدت قلوبكم وغلظت، فلم يَنْفُذ إليها خير، ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرة التي أريتكموها، حتى صارت قلوبكم مثل الحجارة الصمَّاء، بل هي أشد منها غلظة؛ لأن من الحجارة ما يتسع وينفرج حتى تنصبَّ منه المياه صبًا، فتصير أنهارًا جاريةً، ومن الحجارة ما يتصدع فينشق، فتخرج منه العيون والينابيع، ومن الحجارة ما يسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه. وما الله بغافل عما تعملون. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤]، " أي: اشتدت وغلظت، فلم تؤثر فيها الموعظة" (٣). قال أبو العالية: " يعني به بني إسرائيل" (٤). وروي عن ابن عباس (٥) مثل ذلك. قال الصابوني: "أي صلبت قلوبهم يا معشر اليهود فلا يؤثر فيها وعظٌ ولا تذكير" (٦).

стр. 646

قال ابن عطية: " أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى" (١). قال البيضاوي: " القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة، كما في الحجر. وقساوة القلب مثل في نبوه عن الاعتبار" (٢). قال الزمخشري: " وصفة القلوب بالقسوة والغلظ، مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها" (٣). وفي المشار إليهم بها في قوله تعالى: ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤]، قولان (٤): احدهما: جميع بني اسرائيل. وهو الظاهر. والثاني: القاتل. قال ابن عباس: " أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق" (٥). قوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ ذلك﴾ [البقرة: ٧٤]، "أي من بعد رؤية المعجزات الباهرة" (٦). قال قتادة: " من بعد ما أراهم ما أحيا من الموتى، ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل ما أراهم" (٧). قال البيضاوي: " يعني إحياء القتيل، أو جميع ما عدد من الآيات فإنها مما توجب لين القلب" (٨). قال السعدي: " أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم، لأن ما شاهدتم، مما يوجب رقة القلب وانقياده" (٩). وقوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ ذلك﴾ [البقرة: ٧٤]، يحتمل وجهين من التفسير (١٠): الأول: أن ﴿ذلِكَ﴾، إشارة إلى إحياء القتيل. فيكون الخطاب لجميع بني اسرائيل. قاله قتادة (١١). والثاني: أنه اشارة الى كلام القتيل، فيكون الخطاب للقاتل. والثاني: أنه اشارة إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة، من مسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وانبجاس الماء وإحياء القتيل. قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كالحجارة﴾ [البقرة: ٧٤]، أي: " فهي في قسوتها مثل الحجارة" (١٢). قال البيضاوي: أي: " أنها في القساوة مثل الحجارة" (١٣). قال الصابوني: "أي: بعضها كالحجارة" (١٤). والحَجَر: "الجوهر الصلب المعروف، وجمعه: أحجار وحِجَارَة" (١٥). قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، أي: "وبعضها أشد قسوة من الحجارة" (١٦). قال البيضاوي: " أو أزيد عليها" (١٧). قال السعدي: " أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار" (١٨).

стр. 647

قال ابن عباس: " وقست قلوبهم بعد ذلك، حتى كانت كالحجارة أو أشد قسوة" (١). وقرأ أبو حياة: ﴿أو أشد قساوة﴾ (٢)، وقال الكسائي: " القسوة والقساوة واحد كالشقوة والشّقاوة" (٣). وفي قراءة الأعمش ﴿أشدَّ﴾، بنصبِ (الدال)، عطفاً على الحجارة (٤). قوله تعالى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ذكروا في ﴿أو﴾، من التأويل الصحيح وجوه (٥): أحدها: أنها على جهة الإبهام على المخاطب. فقالوا: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾، وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب (أو)، كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وكقول الله جل ذكره: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] الإبهام على من خاطبه، فهو عالم أي ذلك كان، قالوا: ونظير ذلك قول القائل: أكلت بسرة أو رطبة، وهو عالم أي ذلك أكل، ولكنه أبهم على المخاطب، كما قال أبو الأسود الدؤلي (٦): أُحِبُّ محمداً حُبَّاً شديداً ... وعَبَّاساً وحمزةَ أو عَلِيَّا فإن يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا قالوا: ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت! فقال: كلا والله! ثم انتزع بقول الله : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [السبأ: ٢٤] (٧)، فقال: أَوَ كان شاكا من أخبر بهذا في الهادي من الضلال. قال السمين الحلبي: " وإنما قَصَد ﵀ الإِبهامَ على المخاطب" (٨). والثاني: وقيل: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين (٩). والثالث: أن (أو) هنا تفيد معنى الإباحة. قاله الزجاج (١٠). أي: "شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا" (١١). والرابع: أنها بمعنى (الواو)، أي: وأشد قسوة، كما قال ﵎: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ [الإنسان: ٢٤] بمعنى: وكفورا. ومنه قول جرير بن عطية (١٢): نَالَ الْخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ يعني: نال الخلافة، وكانت له قدرا، وكما قال النابغة (١٣):

стр. 648

قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد يريد ونصفه. قال الزجاج: "ولا يصلح أن تكون (أو) ههنا بمعنى الواو" (١). والخامس: أن (أو) في هذا الموضع بمعنى (بل) للإضراب، اختاره الثعلبي (٢)، وابن عاشور (٣). فكان تأويله عندهم: فهي كالحجارة بل أشد قسوة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، بمعنى: بل يزيدون (٤). ومنه قول الشاعر (٥): فو الله ما أدري أسلمى تغولت ... أم القوم أو كلٌ إلي حبيب قالوا: أراد بل كل (٦). ومنه قول الآخر (٧): مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح أي: بل أنت في العين أملح (٨). والسادس: أنها على بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة (٩). والسابع: أن (أو) للتنويع (١٠). اختاره الواحدي (١١). أي: "وكأن قلوبهم على قسمين: قلوب كالحجارة قسوة، وقلوب أشدّ قسوة من الحجارة" (١٢). قلت: لكل ما قيل من الأقوال السابقة وجه ومخرج من كلام العرب، بعد الإجماع على استحالة كونها للشكّ. والله أعلم بما أراد في كتابه. وأما الرفع في قوله: قوله تعالى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، فمن وجهين (١٣): أحدهما: أن يكون عطفا على معنى (الكاف) في قوله: ﴿كالحجارة﴾، لأن معناها الرفع، فيكون المعنى: فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة. والوجه الآخر: أن يكون مرفوعا، على معنى تكرير (هي) عليه، فيكون تأويل ذلك: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة". وقد ذكروا بأن وصف الله تعالى تلك القلوب بأنها أشد قسوة لوجوه (١٤): أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها، كما قال: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١].

стр. 649

وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى، وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء اليهود مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (الأنعام: ٣٨ - ٣٩)؛ كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أممٌ سُخِّر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم. وثالثها: أو أشد قسوة، لأن الأحجار يُنتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه. وقال تعالى: ﴿أشد قسوة﴾ ولم يقل (أقسى)، لوجهين (١): الأول: لأن ذلك أدل على فرط القسوة. والثاني: ووجهٌ آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة. وقد فضل الله الحجارة على قلوبهم، بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع (٢): فأولها: قوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار﴾، قرىء: "وإن" بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٣٢]. وثانيها: قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينا لا نهرا جاريا. وثالثها: من المميزات الأخرى للحجارة على قلوب هؤلاء: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.أي الهبوط من خشية الله (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]، " يعني إن بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار" (٤). قال الطبري: أي"وإن من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأنهار" (٥). قال الماوردي: " يعني: أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية، لِتَفَجِّرِ الأنهار منها" (٦). قال الزمخشري: " المعنى: إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير" (٧). قال أبو السعود: " بيانٌ لأشَدِّية قلوبِهم من الحجارة في القساوة وعدمِ التأثر واستحالةِ صدورِ الخيرِ منها يعني أن الحجارةَ ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياهُ العظيمة" (٨). وقال يحيى بن يعقوب في قوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾، قال: هو كثرة البكاء" (٩). قلت: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البعد والتكلف، مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة. والله أعلم.

стр. 650

و (التفجر): التفعل، من: تفجر الماء، وذلك إذا تنزل خارجا من منبعه، وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه، فقد انفجر، ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك، ومنه قوله عمر بن لجأ (١): ولما أن قرنت إلى جرير ... أبى ذو بطنه إلا انفجارا يعني: إلا خروجا وسيلانا (٢). وقرأ قتادة: «وإن» مخففة من الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وقرأ مالك بن دينار: ﴿ينفجر﴾ بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ حملا على لفظ «ما»، وقرأ أبي بن كعب والضحاك ﴿منها الأنهار﴾، حملا على الحجارة (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤]، " أي من الحجارة ما يتصدع إِشفاقاً من عظمة الله فينبع منه الماء" (٤). قال أبو السعود: أي: " يتشقق فيخرج منه العيون" (٥). قال الزمخشري: "ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا" (٦). وقرأ طلحة بن مصرف: «لمّا» بتشديد الميم في الموضعين، وهي قراءة غير متجهة، وقرأ ابن مصرف ﴿ينشقق﴾ بالنون (٧). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، "أي: ومنها ما يتفتت ويتردّى من رءوس الجبال من خشية الله" (٨). قال الطبري: " أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح، من خوف الله وخشيته" (٩). قال ابن عباس: " أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق" (١٠). وروي عن إسحاق (١١) نحو ذلك. وقال مجاهد: " كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فهو من خشية الله ، نزل بذلك القرآن" (١٢). وروي عن ابن جريج (١٣) مثل ذلك. وقرئ قوله ﴿يَهْبُطُ﴾، بضم الباء (١٤). واختلفوا في ضمير الهاء في ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ [البقرة: ٧٤]، إلى ماذا يرجع؟ على قولين (١٥): أحدهما: إلى القلوب لا إلى الحجارة، فيكون معنى الكلام: وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر (١٦). والقول الثاني: أنها ترجع إلى الحجارة، لأنها أقرب مذكور. واختلفوا في هذه (الحجارة) على قولين (١٧):

стр. 651

أحدهما: أنها البرد الهابط من السَّحاب، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين. والثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أنها حجارة الجبال الصلدة، لأنها أشد صلابة. واختلف أهل التفسير في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله، على وجوه (١): الأول: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. والثاني: إنه الجبل الذي صار دكا حين تجلى له ربه. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. والثالث: أن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه، كالذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن " (٢). والرابع: وقيل: أن قوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ولا إرادة له. قالوا وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله، كما قال زيد الخيل (٣): بجمع تضل البلق في حَجَراته ... ترى الأكْمَ منه سجدا للحوافر وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له (٤): ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع يريد أنه ذليل. وكما قال جرير بن عطية (٥): لما أتى خبر الرسول تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع أي: من رأى الحجر هابطا تخيل فيه الخشية. قال ابن عطية: " وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدرا ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة" (٦).

стр. 652

السادس: وقيل: أن معنى قوله: ﴿يهبط من خشية الله﴾، أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل: " ناقة تاجرة "، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية (١): وأعور من نبهان، أما نهاره ... فأعمى، وأما ليله فبصير فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. قال الطبري: " وهذه الأقوال، وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]، أي: وما الله" بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني بما يكون عليم" (٤). قال الصابوني: " أي أنه تعالى رقيب على أعمالهم لا تخفى عليه خافية، وسيجازيهم عليها يوم القيامة، وفي هذا وعيد تهديد" (٥). قال الطبري: " فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها، بل هو لها محص، ولها حافظ" (٦). قال السعدي: " بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها، وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه" (٧). قال أبو السعود: " وعيدٌ شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتبُ عليها من الأعمال السيئة" (٨). وقال الآلوسي: " وعيد على ما ذكر كأنه قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة" (٩). وأصل (الغفلة) عن الشيء، "تركه على وجه السهو عنه، والنسيان له" (١٠). وقرأ ابن كثير ﴿يعملون﴾ بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد ﷺ (١١). الفوائد: ١ من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم ومع ذلك فهم لم يلينوا للحق؛ بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم. ٢ ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس في قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة﴾؛ لأن الحجارة أمر محسوس؛ والقلب قسوته أمر معقول؛ إذ إنه ليس المعنى أن القلب الذي هو المضغة يقسو؛ القلب هو هو؛ لكن المراد: أنه يقسو قسوة معنوية بإعراضه عن الحق، واستكباره عليه؛ فهو أمر معنوي شبه بالأمر الحسي؛ وهذا من بلاغة القرآن تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين. ٣ ومنها: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل.

стр. 653

٤ ومنها: بيان قدرة الله ، حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار؛ وقد كان موسى. ﵊. يضرب بعصاه الحجر، فينبجس، ويتفجر عيوناً بقدرة الله. ﵎ ٥ ومنها: أن الحجارة خير من قلوب هؤلاء بأن فيها خيراً؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار؛ ومنها ما يشقق، فيخرج منه الماء؛ ومنها ما يهبط من خشية الله؛ وهذه كلها خير، وليس في قلوب هؤلاء خير. ٦ ومنها: أن الجمادات تعرف الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾؛ وهذا أمر معلوم من آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [الجمعة: ١]، وقوله تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]: ففهمتا الأمر، وانقادتا. ٧ ومن فوائد الآية: عظمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿من خشية الله﴾؛ والخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله َ من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]؛ فمن علم عظمة الله فلا بد أن يخشاه. ٨ ومنها: سعة علم الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ وهذه الصفة من صفات الله السلبية؛ والصفات السلبية هي التي ينفيها الله عن نفسه. وتتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة؛ وإثبات كمال ضدها. القرآن ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥] التفسير: أيها المسلمون أنسيتم أفعال بني إسرائيل، فطمعت نفوسكم أن يصدِّق اليهودُ بدينكم؟ وقد كان علماؤهم يسمعون كلام الله من التوراة، ثم يحرفونه بِصَرْفِه إلى غير معناه الصحيح بعد ما عقلوا حقيقته، أو بتحريف ألفاظه، وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا. اختلف في سبب نزول الآية، على قولين (١): أحدهما: أنها: "نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه إلى الميقات وسمعوا كلام الله تعالى وهو يأمره وينهاه، رجعوا إلى قومهم، فأما الصادقون فأدوا ما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس" (٢). حكاه الواحدي عن ابن عباس (٣)، ومقاتل (٤)، وروي عن ابن إسحاق (٥)، والكلبي (٦)، نحو ذلك. والثاني: أنها: "نزلت في الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد ﷺ " (٧). وهذا قول أكثر المفسرين (٨). قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]، " أي أترجون يا معشر المؤمنين أن يسلم اليهود ويدخلوا في دينكم" (٩). قال الثعلبي: أي"لن يصدّقكم اليهود" (١٠).

стр. 654

قال الطبري: "، أي: أفترجون يا معشر المؤمنين .. أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل؟ " (١). قال ابن كثير: " أي: ينقاد لكم بالطاعة، وهم الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك " (٢). قال السعدي: " هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم" (٣). وقد اختلفوا في قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، على وجهين (٤): أحدهما: آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم. قاله ابن عباس (٥). والثاني: أن الله لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم، مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد، قالوا: وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا، ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك. والراجح، أن الهمزة للاستفهام؛ "والمراد به الاستبعاد، والتيئيس. أي تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم" (٦). والله أعلم. واختلفوا في الخطاب الموجه في قوله تعالى [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]، على أربعة أقوال (٧): أحدها: أنه خطاب مع النبي ﷺ خاصة. قاله ابن عباس ومقاتل (٨). قال الرازي: "لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه ﵇ حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٩). والثاني: أنه خطاب مع المؤمنون، تقديره أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم. قاله أبو العالية وقتادة (١٠). والثالث: أنه مع الأنصار، إذ أنهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم. ذكره النقاش (١١)، واختاره ابن عطية (١٢). والرابع: أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين. قاله ابن عباس (١٣)، وروي عن الربيع بن أنس (١٤) والحسن (١٥) نحو ذلك. وهذا القول الأخير"أليق بالظاهر لأنه ﵇ وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحا فلا وجه لترك الظاهر" (١٦).

стр. 655

وقد ذكروا في سبب الاستبعاد وجوها (١): أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى ﵇، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين. الثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله. الثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]، "أي والحال قد كان طائفة من أحبارهم وعلمائهم" (٢). قال البيضاوي: أي" طائفة من أسلافهم" (٣). و(الفريق) فجمع، كالطائفة، لا واحد له من لفظه، وهو (فعيل) من (التفرق) سمي به الجماع، كما سميت الجماعة ب (الحزب)، من (التحزب)، وما أشبه ذلك، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (٤): أجَدّوا فلما خفت أن يتفرقوا ... فريقين، منهم مُصعِد ومُصوِّب قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ الله﴾ [البقرة: ٧٥]، أي: " يتلون كتاب الله ويسمعونه بيناً جلياً" (٥). قال الثعلبي: "يعني التوراة" (٦). قال السدي: " هي التوراة حرفوها" (٧). وقال أبو العالية: " عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد- ﷺ ، فحرفوه عن مواضعه"" (٨). وقرأ الأعمش: ﴿كلم الله﴾ (٩)، جمع كلمة، وقد يراد بالكلمة: الكلام، فتكون القراءتان بمعنى واحد (١٠). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥] أي: " ثم يبدلون معناه وتأويله ويغيرونه" (١١). قال الثعلبي: أي"يغيرون ما فيه من الأحكام" (١٢). قال ابن كثير: " أي: يتأولونه على غير تأويله " (١٣). قال البيضاوي: " كنعت محمد ﷺ ، وآية الرجم. أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون" (١٤). وتحريف الشيء: "إحالته من حال إلى حال" (١٥). وفي كيفية تعريفهم لكلام الله وجهين: أحدهما: أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل، ولفظ التوراة باق. قاله ابن عباس (١٦). والثاني: أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم. وهذا قول الجمهور (١٧).

стр. 656

قال ابن عطية: "وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه" (١). وقد اختلف أهل التفسير في الذين عنى الله بقوله ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، على ثلاثة أقوال (٢): أحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم. وهذا قول مجاهد (٣) والسدي (٤)، وابن زيد (٥). والثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس (٦) وابن إسحاق (٧)، واختاره الطبري (٨). واستنكره الحكيم الترمذي (٩)، وابن عطية (١٠)، وابن الجوزي (١١)، وقالوا: بأن التكليم، من فضائل موسى واختصاصه (١٢). قلت: ولعل ترجيح الطبري لهذا القول، يكمن في كونه الأقرب إلى يدل عليه ظاهر الآية، إذ أخبر الله تعالى "عن خاص من اليهود، كانوا أعطوا من مباشرتهم سماعَ كلام الله ما لم يعطه أحد غير الأنبياء والرسل، ثم بدلوا وحرفوا ما سمعوا من ذلك" (١٣). الثالث: وقيل: المراد بـ ﴿كلام الله﴾: القرآن، والمراد بالفريق من كان في زمن محمد ﵊، قاله الرازي (١٤)، وشيخنا ابن عثيمين (١٥). واستدلوا من وجهين: الأول: لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] أي حتى يسمع القرآن (١٦). والثاني: لأن الضمير في قوله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم﴾ راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾، والذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد ﵊ (١٧). وذكر أهل التفسير في ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥]، الذي يسمعونه وجهين (١٨): الأول: أنه الوحي، فكانوا يسمعون منه كما يسمع أهل النبوة، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.

стр. 657

والثاني: وقيل: أنها التوراة التي عَلِمَها علماء اليهود. قاله السدي (١). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلَوهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، أي" من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم" (٢). قال الثعلبي: أي"علموه وفهموه" (٣). قال ابن الجوزي: أي: " سمعوه ووعوه " (٤). قال ابن كثير: " أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة " (٥). قال الزمخشري: أي: "من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم تبق لهم شبهة في صحته" (٦). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، " أنهم مفترون مبطلون" (٧). قال ابن كثير: أي"أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله" (٨). قال الزمخشري: "أي: "أنهم كاذبون مفترون" (٩). قال الصابوني: "أي: أنهم يخالفونه على بصيرة لا عن خطأ أو نسيان" (١٠). قال السدي: " فيعلمون أنهم قد أذنبوا" (١١). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، يحتمل وجهين. أحدهما: وهم يعلمون أنهم يحرفونه. قاله الطبري (١٢) والثاني: وهم يعلمون عقاب تحريفه. وكلا الوجهين تحتملهما الآية، وإن كان الأول منهما أشبه بظاهر القول، والمعنى: يعلمون أنهم يحرفون الكلم أي كلام الله ، ويعلمون أن التحريف محرم [وفيه من العقوبة ما فيه]، فتعدوا الحدود، وحرفوا كلام الله ، وارتكبوا الإثم عن بصيرة" (١٣). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فإنه يبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن من يسمع كلام الله، ثم يحرفه، أبْعَدُ قبولاً للحق ممن لم يسمعه. ٢ ومنها: أن الله تعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى، والحزن؛ حيث بين له حال هؤلاء، وأنهم قوم عتاة لا مطمع في إيمانهم. ٣ ومنها: إثبات أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله﴾؛ وكلام الله. ﵎. صفة حقيقية تتضمن اللفظ، والمعنى؛ فهو يتكلم بحروف، وأصوات مسموعة؛ وتفصيل ذلك والرد على من خالفه مذكور في كتب العقائد. ٤ ومنها: أن كلام الله من صفاته الفعلية باعتبار آحاده؛ وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية؛ والفرق بين الصفات الذاتية، والفعلية أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله أزلاً، وأبداً. ومعنى "أزلاً" أي فيما مضى؛ و"أبداً" أي فيما يستقبل. مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والسمع، والبصر إلى غير

стр. 658

ذلك، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحْدُث إذا شاء، كالاستواء على العرش، والنُّزول إلى سماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة للفصل بين العباد، والفرح، والرضا، والغضب. عند وجود أسبابها. ٥ ومن فوائد الآية: الرد على الأشعرية، وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ وأن الحروف، والأصوات عبارة عن كلام الله، وليست كلام الله؛ بل خلقها الله ليعبر بها عما في نفسه؛ والرد عليهم مفصلاً في كتب العقائد. ٦ ومنها: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله، لقوله تعالى: ﴿ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾. ٧ ومنها: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود، لأنهم حرفوا ما عقلوه؛ والتحريف بعد عقل المعنى أعظم؛ لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله؛ لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح؛ لأنه تجرأ على المعصية مع علمه بها. فيكون أعظم. ٨ ومنها: قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود؛ ومن هذه الأمة من ارتكبه، لكن القرآن محفوظ؛ فلا يمكن وقوع التحريف اللفظي فيه؛ لأنه يعلمه كل أحد؛ وأما التحريف المعنوي فواقع، لكن يقيض الله من الأئمة، وأتباعهم من يبينه، ويكشف عوار فاعله. القرآن ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ [البقرة: ٧٦] التفسير: هؤلاء اليهود إذا لقوا الذين آمنوا قالوا بلسانهم: آمنَّا بدينكم ورسولكم المبشَّر به في التوراة، وإذا خلا بعض هؤلاء المنافقين من اليهود إلى بعض قالوا في إنكار: أتحدِّثون المؤمنين بما بيَّن الله لكم في التوراة من أمر محمد؛ لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم يوم القيامة؟ أفلا تفقهون فتحذروا؟ في سبب نزول الآية أقوال (١): أحدها: روي أن رسول الله ﷺ قال: " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن، فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر وقرأ قول الله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه ﷺ بهم، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون الذين مع رسول الله ﷺ يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى! فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرؤساء]- قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم "، الآية" (٢). والثاني: فأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة قال: " كانوا يقولون إنه سيكون نبي (٣)، فخلا بعضهم إلى بعض فقالوا: أتحدثونهم بهذا فيحتجون عليكم به" (٤). وأخرج الطبري عن أبو العالية نحو ذلك (٥). والثالث: وأخرج ابن أبي حاتم " عن عكرمة: أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة فجاءوا إلى النبي ﷺ يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول الله- ﷺ عالمهم وهو ابن صوريا، فقال له: احكم. قال فجبوه. قال عكرمة: التجبية يحملونه على حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار- وذكر فيه كلاما- فقال له رسول الله- ﷺ : أبحكم الله حكمت؟ أو بما أنزل على

стр. 659

موسى؟ قال: لا. ولكن نساءنا كن حسانا فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم، وفيه أنزلت: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض﴾، قال عكرمة: إنهم غيروا الحكم منذ ستمائة سنة" (١). والقول الثاني أوفق بسياق الآية. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٧٦]، "أي إذا قابلوا الذين صدّقوا بالله ورسوله محمد ﷺ " (٢). واختلف في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٧٦]، في هذه الآبة على وجهين: الأول: أنهم: أبو بكر وعمر وجماعة من المؤمنين، قاله جمهور المفسرين (٣). والثاني: أنهم: جماعة من اليهود آمنوا وأخلصوا في إيمانهم. واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿لَقُوا﴾ [البقرة: ٧٦]، على أقوال (٤): الأول: أنها تعود على جماعة من اليهود غير معينة، باقين على دينهم. والثاني: أنها تعود لجماعة منهم أسلموا ثم نافقوا. والثالث: أنها لليهود الذين أمرهم رؤساؤهم من بني قريظة أن يدخلوا المدينة ويتجسسوا أخبار النبي ﷺ ، قالوا: ادخلوا المدينة وأظهروا الإيمان، فإنه "نهى أن يدخل المدينة إلا مؤمن" (٥). وقرأ ابن السميفع: لاقوا، قالوا: على التكثير (٦). قال أبو حيان: " ولا يظهر التكثير، إنما هو من فاعل الذي هو بمعنى الفعل المجرّد. فمعنى لاقوا، ومعنى لقوا واحد" (٧). قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقر: ٧٦]، أي قالوا: "صدقنا بمحمد وبما صدقتم به، وأقررنا بذلك" (٨). قال ابن عثيمين: "أي: قالوا بألسنتهم دخلنا في الإيمان كإيمانكم وآمنا بالرسول محمد ﷺ " (٩). قال ابن عباس: "، يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا" (١٠). وقال السدي: " هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا" (١١). قال ابن زيد: " فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦]، "أي إذا أوى بعضهم إلى بعض وانفرد به" (١٣). قال الصابوني: " أي إذا انفرد واختلى بعضهم ببعض" (١٤).

стр. 660

قال أبو حيان: " أي: وإذا انفرد بعضهم ببعض، أي الذين لم ينافقوا إلى من نافق" (١). قال الحسن: " وإذا خلا بعضهم إلى بعضهم، قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم، ليحاجوكم به عند ربكم فيخصمونكم" (٢). وفي هؤلاء الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦]، قولان (٣): أحدهما: أنهم اليهود، إذا خلوا مع المنافقين، قال لهم المنافقون: أتحدثون المسلمين، بما فتح الله عليكم. والثاني: أنهم اليهود، قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكُم﴾. قاله ابن عباس (٤). قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، أي"كيف تحدثون المؤمنين بالله ورسوله" (٥). قال أبو حيان: أي قالوا عاتبين عليهم، أتحدّثون المؤمنين" (٦). قال ابن عثيمين: " الاستفهام هنا للإنكار، والتعجب (٧). ومعنى التحديث: "الإخبار عن حوادث الزمان" (٨). قوله تعالى: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، أي" بما فتح الله عليكم من بعث محمد ﷺ إلى خلقه " (٩) قال ابن عثيمين: " أي من العلم بصحة رسالة النبي ﷺ " (١٠). قال ابن عباس: " وذلك أن نفرا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدا ﷺ قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم" (١١). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، على أقوال (١٢): أحدها: بما فتح الله عليكم، أي بما أمركم الله به، رواه الضحاك عن ابن عباس (١٣). والثاني: بما أنزل الله عليكم في التوراة، من نبوة محمد ﷺ وبعثه. ﴿ليُحَآجُّوكم بَهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس (١٤)، وهو قول أبي العالية (١٥) وقتادة (١٦). والثالث: أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة، حين شبههم النبي ﷺ ، بأنهم إخوة القردة، فقالوا: من حدثك بهذا؟ وذلك حين أرسل إليهم، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهذا قول مجاهد (١٧). والرابع: أن ناساً من اليهود أسلموا، ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من العرب، بما عُذِّبَ به آباؤهم، فقال بعضهم لبعض، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، وهذا قول السدي (١٨). وفي ﴿فتح الله﴾، وجهان:

стр. 661

أحدهما: بما علمكم الله. والثاني: بما قضاه الله لكم وعليكم. قاله عطاء الخراساني (١). والفتح عند العرب: النصر والقضاء، يقال منه: اللهم افتح بيني وبين فلان، أي احكم بيني وبينه، ومنه قول الشاعر (٢): ألا أبلغ بني عُصُم رسولاً ... بأني عن فِتاحِكُم غنيُّ ويُقَالُ للقاضي: الفتّاح، ومنه قوله تعالى ﴿رَبَّنَا افْتَح بَيْنَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، أي احكم بيننا وبينهم (٣). قوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، " أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة في ترك اتباع الرسول مع العلم بصدقه" (٤). قال قتادة: " ليحتجوا به عليكم" (٥). قال ابن عثيمين: " أي أن ما حدثتموهم به ستكون عاقبته أن يحاجوكم به عند ربكم" (٦). ويحتمل قوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، وجهين (٧): أحدهما: أنه معمول لقوله: ﴿ليحاجوكم﴾، والمعنى: ليحاجوكم به في الآخرة. والثاني: أن (عند) بمعنى (في)، أي: في ربكم، أي فيكونون أحق به. والثالث: وقيل: أي ليحاجوكم به عند ذكر ربكم. والرابع: وقيل معناه: إنه جعل المحاجة في كتابكم محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله كذا، وهو عند الله كذا، بمعنى واحد؟ والخامس: وقيل: هو معمول لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي من عند ربكم ليحاجوكم، وهو بعث النبي ﷺ ، وأخذ ميثاقهم بتصديقه. قال ابن أبي الفضل: "وهذا القول هو الصحيح، لأن الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدنيا" (٨). وضعّفه أبو حيان قائلا: " فبعيد جداً، لأن ليحاجوكم متعلق بقوله: أتحدثونهم، وعند ربكم متعلق بقوله: بما فتح الله عليكم، فتكون قد فصلت بين قوله: عند ربكم، وبين العامل فيه الذي هو: فتح الله عليكم، بقوله: ليحاجوكم، وهو أجنبي منهما، إذ هو متعلق بقوله: أتحدثونهم على الأظهر، ويبعد أن يجيء هذا التركيب هكذا في فصيح الكلام، فكيف يجيء في كلام الله الذي هو أفصح الكلام؟ " (٩). قال أبو حيان: والأولى حمل اللفظ على ظاهره من غير تقديم ولا تأخير، إذا أمكن ذلك، وقد أمكن بجعل قوله: ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ على بعض المعاني التي ذكرناها" (١٠). قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، " أي أفليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم في حجة عليكم؟ " (١١). قال الواحدي: أي: " أفليس لكم ذهن الإنسانية، هذا من كلام رؤسائهم لهم في لومهم إياهم" (١٢). قال السعدي: " أي: أفلا يكون لكم عقل، فتتركون ما هو حجة عليكم؟ هذا يقوله بعضهم لبعض" (١٣).

стр. 662

قال الطبري: أي" أفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون، أن إخباركم أصحاب النبي ﷺ بما في كتبكم أنه نبي مبعوث، حجة لهم عليكم عند ربكم، يحتجون بها عليكم؟ أي: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم" (١). قال ابن عثيمين: " والمراد به التوبيخ؛ يعني: أين عقولكم؟ ! أنتم إذا حدثتموهم بهذا، وقلتم: إن هذا الذي بُعث حق، وأنه نبي يحاجونكم به عند الله يوم القيامة" (٢). واختلف في الخطاب الموجه في قوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، على وجهين (٣): أحدهما: أنه من قول الأحبار للأتباع. والثاني: أنه خطاب من الله تعالى للمؤمنين. والقول الثاني هو الصحيح، فهو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال، ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (٤). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن في اليهود منافقين؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا .. ﴾ إلخ. ٢ ومنها: أن من سجايا اليهود وطبائعهم الغدر؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض .. ﴾ إلخ؛ لأن هذا نوع من الغدر بالمؤمنين. ٣ منها: أن بعضهم يلوم بعضاً على بيان الحقيقة حينما يرجعون إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾. ٤ ومنها: أن العلم من الفتح؛ لقولهم: ﴿بما فتح الله عليكم﴾؛ ولا شك أن العلم فتح يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه. ٥ ومنها: أن المؤمن، والكافر يتحاجَّان عند الله يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿ليحاجُّوكم به عند ربكم﴾؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميِّتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ [المؤمنون: ١٥]. ٦ ومنها: سفه اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحاً عليهم؛ لقولهم: ﴿أفلا تعقلون﴾. ٧ ومنها: الثناء على العقل، والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿أفلا تعقلون﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل؛ وأنه ينبغي للإنسان أن يكون عاقلاً؛ ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه؛ ولا يتكلم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام؛ ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل: قال النبي ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً، أو ليصمت" (٥). ٨ ومنها: أن كفر اليهود بالرسول محمد ﷺ عن علم؛ ولهذا صاروا مغضوباً عليهم. القرآن ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة: ٧٧] التفسير: أيفعلون كلَّ هذه الجرائم، ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يخفونه وما يظهرونه؟ قال الراغب: " هذا تبكيت لهم وإنكار لما يتعاطونه مع تكلمهم أن الله لا يخفى عليه خافية" (٦). قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، "أي ألا يعلم هؤلاء اليهود" (٧). وهو استفهام هنا هنا للتوبيخ، والإنكار عليهم لكونهم نزَّلوا أنفسهم منْزلة الجاهل (٨)، والمعنى: إذا كان علم الله محيطاً بجميع أفعالهم، وهم عالمون بذلك، فكيف يسوغ لهم أن ينافقوا ويتظاهروا للمؤمنين بما يعلم

стр. 663

الله منهم خلافه، فلا يجامع حالة نفاقهم بحالة علمهم بأن الله عالم بذلك والأولى حمل ما يسرون وما يعلنون على العموم، إذ هو ظاهر اللفظ (١). وقرأ الجمهور ﴿يعلمون﴾ بالياء، وابن محيصن ﴿أولا تعلمون]، بالتاء، خطابا للمؤمنين (٢)، وفيه تنبيه لهم على جهلهم بعالم السر والعلانية، وفائدته التنبيه على سماع ما يأتي بعده، ثم أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة، إهمالاً لهم، فيكون ذلك من باب الالتفات (٣). قوله تعالى: ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، "أي ألا يعلم هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفون وما يظهرون" (٤). قال الزمخشري: " ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان" (٥). قال الشوكاني: " من جميع أنواع الأسرار وأنواع الإعلان ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان" (٦). قال القاسمي: أي: أن الله يعلم ما: يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره وَما يُعْلِنُونَ أي يظهرون من ذلك، فيخبر به أولياءه" (٧). قال السعدي: " فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم، وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين، فإن هذا غلط منهم وجهل كبير، فإن الله يعلم سرهم وعلنهم، فيظهر لعباده ما أنتم عليه" (٨). واختلف في الذي أسروه هؤلاء، على وجوه (٩): أحدها: أن الذي أسرّوه كفرهم، والذي أعلنوه الإيمان. قاله قتادة (١٠)، وأبو العالية (١١)، وروي عن الحسن والربيع نحو ذلك (١٢). الثاني: وقيل: العداوة والصداقة. والثالث: وقيل: قولهم لشياطينهم إنا معكم، وقولهم للمؤمنين آمنا. والرابع: وقيل: صفة النبي ﷺ ، وتغيير صفته إلى صفة أخرى، حتى لا تقوم عليهم الحجة. والرابع: كان ما أسرّوا أنهم إذا تولوا عن أصحاب محمد وخلا بعضهم إلى بعض تناهوا أن يخبر أحدهم منهم أصحاب محمد بما فتح الله عليهم في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد بما في كتابهم عند ربهم ليخاصموهم. قاله الحسن (١٣). قال ابن عطية: " والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد ﷺ والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع" (١٤).

стр. 664

وفي هذه الآية وما أشبهها دليل على أن رسول الله ﷺ كان يغضي عن المنافقين، مع أن الله أظهره على نفاقهم، وذلك رجاء أن يؤمنوا، فأغضى عنهم، حتى قبل الله منهم من قبل، وأهلك من أهلك. واختلف، هل هذا الحكم باق، أو نسخ؟ (١): أحدها: أنه نسخ، لأنه كان يفعل ذلك ﷺ ، تأليفاً للقلوب، وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم، فلا حاجة إلى التأليف. والثاني: أنه باق إلى الآن، لأن أهل الكفر أكثر من أهل الإيمان، فيحتاجون إلى زيادة الأنصار وكثرة عددهم. والقول الأول هو الأشهر (٢). والله أعلم. قال أبو حيان: "وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، حجة على من زعم أن الله لا يعلم الجزئيات، بل يعلم الكليات" (٣). الفوائد: ١. من فوئاد الآية: توبيخ اليهود على التحريف؛ لقوله تعالى: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. ٢. ومنها: إثبات عموم علم الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ ٣. ومنها: الوعيد على مخالفة أمر الله ؛ لقوله تعالى: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم .. ﴾ الآية؛ لأن المقصود بذلك تهديد هؤلاء، وتحذيرهم. القرآن ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨] التفسير: ومن اليهود جماعة يجهلون القراءة والكتابة، ولا يعلمون التوراة وما فيها من صفات نبي الله ورسوله محمد ﷺ ، وما عندهم من ذلك إلا أكاذيبُ وظنون فاسدة. قال القاسمي: " ولما ذكر العلماء من اليهود الذين عاندوا بالتحريف، مع العلم والاستيقان، ذكر العوامّ الذين قلدوهم، ونبّه على أنهم في الضلال سواء. لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامّيّ أن لا يرضى بالتقليد والظن، وهو متمكن من العلم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي" من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة" (٥). قال السعدي: " أي: عوام، ليسوا من أهل العلم" (٦). واختلف في الذين نعتهم الله بالأمية في قوله ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، على قولين (٧): أحدهما: أي من اليهود. قاله أبو العالية (٨)، والربيع (٩)، ومجاهد (١٠). وهو الظاهر من الآية. والثاني: من اليهود والمنافقين أميون (١١). قال ابن عطية: " وقول أبي العالية ومجاهد أوجه هذه الأقوال" (١٢). وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ﴿أميون﴾، بتخفيف (الميم) (١٣).

стр. 665

والأمي: أي من لا يكتب ولا يقرأ، وهو المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه (١)، واحدهم أمي، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، ومنه قوله ﵇: " إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين " (٢).

стр. 666

وقد تعددت أقوال أهل العلم في تعريف (الأميين)، على وجوه (١): أحدها: أن الأُمّي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو قول مجاهد (٢). والثاني: أنَّ الأُمّيين: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، وكتبوا كتاباً بأيديهم، وقال الجهال لقومهم: هذا من عند الله، وهذا قول ابن عباس (٣). والثالث: وقال أبو عبيدة: "إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال: ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب" (٤). والرابع: وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين (٥). والخامس: أنهم نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك (٦). السادس: أنهم المجوس. قاله علي ﵁ (٧).

стр. 667

والقول الأول أظهر مع تفسير الآية، والله تعالى أعلم. وقال به الماوردي (١) وابن عطية (٢)، والقرطبي (٣)، وغيرهم. وفي الأصل اللغوي للأميّ، وتسميته به قولان (٤): أحدهما: أنه مأخوذ من الأمة، أي على أصل ما عليه الأمّة، لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب، قاله أبو إسحاق (٥)، ومنه قول الأعشى (٦): وإنّ معاويةَ الأكرمين ... حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ والثاني: أنه مأخوذ من الأُم. قاله ابن الأنباري (٧). وذكروا في سبب أخذ (الأمي) من (الأُم) قولين (٨): أحدهما: أنه مأخوذ منها، لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب. والثاني: أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ، لأن الكتاب في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه، لجهلها بالكتاب دونه أبيه (٩). واختاره الطبري (١٠). قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨]، "أي: ليس لهم حظ من كتاب الله" (١١). قال إبراهيم النخعي: " ومنهم من لا يحسن أن يكتب" (١٢). وقال ابن زيد: " أميون، لا يقرءون الكتاب من اليهود" (١٣). وقال قتادة: " لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه" (١٤). وعنه أيضا: " إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئا" (١٥). وقال أبو العالية: " لا يدرون ما فيه" (١٦). أي من الكتباب، وروي عن ابن عباس مثل ذلك (١٧). وقال ابن عباس: " لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله" (١٨). وعني بـ ﴿الكتاب﴾: "التوراة، ولذلك أدخلت فيه (الألف واللام)، لأنه قصد به كتاب معروف بعينه" (١٩). قال الطبري: " لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه" (٢٠). قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، " أي إلا قراءة بدون فهم للمعنى" (٢١). قال الصابوني: أي" إلا التلاوة فقط" (٢٢). و(الأماني) جمع أمنية، أصلها: "أمنوية، أفعولة، من منى إذا قدر، وهي في الأصل: ما يقدره في نفسه" (٢٣). وقوله ﴿إِلَّا أَمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، فيه وجهان من القراءة (٢٤): أحدهما: ﴿إِلَّا أَمانِيَّ﴾، بتشديد الياء. قرأ بها العامة. والثاني: ﴿أَمانِيَ﴾، بتخفيف الياء في كلّ القرآن. قرأ بها الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج، إذ حذفوا إحدى الياءين استحفافا وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح. وقال أبو حاتم: "كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل فخاتي وأماني وأغاني وغيرها" (٢٥). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، على أربعة أقوال: أحدها: إِلاَّ أَمَانِيَّ: يعني: إلا كذباً. قاله ابن عباس (٢٦)، وهو قول مجاهد (٢٧)، واختيار الفراء (٢٨)، والكلبي (٢٩)، والزجاج (٣٠) في احد قوليه، والطبري (٣١)، وابن كثير (٣٢). ومنه قول عثمان ﵁: " لا تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ " (٣٣)، فقوله (ما تمنيت) أي ما كذبت. ومنه قول الشاعر (٣٤): ولكنما ذاك الذي كان منكما ... أمانّي ما لاقت سماء ولا أرضا والثاني: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾، يعني، أنهم يَتَمَنَّونَ على الله ما ليس لهم.

стр. 668

قاله قتادة (١)، ومجاهد (٢)، وأبو العالي (٣)، وابن زيد (٤)، وابن عباس (٥) في رواية علي بن أبي طلحة عنه. والثالث: إِلاَّ أَمَانِيَّ، يعني: إلا تلاوة من غير فهم. وهو اختيار البغوي (٦) والراغب الأصفهاني (٧) والواحدي (٨)، والسعدي (٩)، وأبو عبيدة (١٠)، وابن الأنباري (١١)، وابن قتيبة (١٢)، والزجاج في أحد قوليه (١٣)، ونسبه الرازي إلى الأكثرين (١٤). وأيدوا رأيهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]، أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته (١٥). قال ابن القيم: "والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته" (١٦). وقال ابن الأزهري: "والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه" (١٧). لكن اعترض على هذا القول بأنه لا يتناسب مع قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾؛ لأن الأمي لا يقرأ. وممن اعترض بهذا: البيضاوي (١٨) والشنقيطي (١٩). إلا أن هذا الاعتراض مردود بأن المراد هو حصول التلاوة، وهي حاصلة من غير هؤلاء الأميين، بأن يسمعونه من غيرهم، كما فسره بهذا جمع من أهل العلم، بل، إن هذا الاعتراض أيضاً مردود، حتى على القول بأنهم هم الذين يقرأون؛ لأن معرفة القراءة لا ترفع وصف الأمي، فنحن نرى بعض كبار السن، وبعض الأعاجم لا يعرف من القراءة، إلا قراءة القرآن الكريم، وهذا لا يرفع وصف الأمية عنه. ولذا، يقول الراغب الأصفهاني: " وقال غيره-يعني غير مجاهد- إلا تلاوة مجردة عن المعرفة، من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمنيتها على التخمين" (٢٠). ومن ذلك قال الشاعر (٢١): ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب وقال كعب بن مالك (٢٢): تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... وآخرها لاقى حِمَام المقادر أي: قرأ وتلا كتاب الله في أول الليل، وفى آخر الليل وافاه أجله. قال الواحدي: "ويسمّى القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما يحدث به نفسه؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث" (٢٣). وقال آخر (٢٤): تمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني داود الزبور على رسل أي تلا كتاب الله مترسلا فيه كما تلا داود الزبور مترسّلا فيه (٢٥). والرابع: أنَّ الأَمَانِيَّ: التقدير، قاله ابن سكيت (٢٦)، والفراء (٢٧)، وأنشد قول الشاعر (٢٨): ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ ما يَمْني لَكَ الماني أي: ما يقدر لك القادر (٢٩). و(إلا): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ﴾ [النساء: ١٥٧] قال النابغة (٣٠): حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: " إلا يشكون، ولا يعلمون حقيقته وصحته" (٣١). قال الواحدي: "أي: لا يعلمون، أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا" (٣٢). قال ابن عباس: " أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن" (٣٣). وروي عن أبي العالية (٣٤)، والربيع (٣٥)، نحو ذلك.

стр. 669

وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُم إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، ثلاثة أوجه: أحدها: يكذبون، قاله مجاهد (١). والثاني: يحدثون، قاله البصريون (٢). والثالث: يظنون الظنون بغير الحق. قاله قتادة (٣) وأبو العالية (٤)، وعن الربيع (٥) نحوه. قال السعدي: " ذكر في هذه الآيات علماءهم، وعوامهم، ومنافقيهم، ومن لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم، لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين" (٦). قالَ أصحاب المعاني: "ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به، ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة" (٧). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الأُمّية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقوله تعالى: ﴿ومنم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾. ٢ ومنها: ذم من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله . ٣ ومنها: أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله تعالى: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾؛ العامي يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكام الله الشرعية التي دل عليها الكتاب فإنما كلامه عن ظن؛ لأنه في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى. ٤ ومنها: ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود؛ وهذا موجود كثيراً عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: "إنهم علماء"؛ تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن، والسنة وهو لا يعلم. القرآن ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩] التفسير: فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى ﵊؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها. في سبب نزول الآية قولان (٨): أحدهما: أنها نزلت في اليهود الذين "عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا". قاله أبو العالية (٩)، وعثمان بن عفان (١٠).

стр. 670

والثاني: وقيل أنها نزلت في: "ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا". قاله السدي (١)، وابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤). قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، " أي هلاك وعذاب لأولئك الذين حرّفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم" (٥). قال الثعلبي: أي: " من تغيير نعت محمّد" (٦). قال المراغي: " أي هلاك عظيم لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون لعوامّهم: هذا المحرّف من عند الله في التوراة" (٧). قال ابن عطية: هذا" بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من كتب وبين من أمر، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأيا له" (٨). واختلف أهل التفسير في تحريف اليهود للكتاب على قولين: أحدهما: أنه: "كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا". قاله السدي (٩)، وابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، وقتادة (١٢). والثاني: أنه في اليهود، "عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا". قاله أبو العالية (١٣)، وعثمان بن عفان (١٤). اختلف أهل التفسير في قوله ﴿فَوَيلٌ﴾ [البقرة: ٧٩]، على أقاويل: أحدها: أنه العذاب، قاله ابن عباس (١٥)، والزجاج (١٦). والثاني: أنه ما يسيل من صديد في أصل جهنم. قاله أبو العياض (١٧)، وشقيق (١٨). والثالث: أنه التقبيح، وهو قول الأصمعي (١٩)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ومنه قول الشاعر (٢٠): كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها ... فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ والثالث: أنه الحزن، قاله المفضل (٢١)، وابن كيسان (٢٢).
следующие страницы →