← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقد تعددت أقوال أهل العلم في تعريف (الأميين)، على وجوه (١): أحدها: أن الأُمّي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو قول مجاهد (٢). والثاني: أنَّ الأُمّيين: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، وكتبوا كتاباً بأيديهم، وقال الجهال لقومهم: هذا من عند الله، وهذا قول ابن عباس (٣). والثالث: وقال أبو عبيدة: "إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال: ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب" (٤). والرابع: وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين (٥). والخامس: أنهم نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك (٦). السادس: أنهم المجوس. قاله علي ﵁ (٧).

стр. 667

والقول الأول أظهر مع تفسير الآية، والله تعالى أعلم. وقال به الماوردي (١) وابن عطية (٢)، والقرطبي (٣)، وغيرهم. وفي الأصل اللغوي للأميّ، وتسميته به قولان (٤): أحدهما: أنه مأخوذ من الأمة، أي على أصل ما عليه الأمّة، لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب، قاله أبو إسحاق (٥)، ومنه قول الأعشى (٦): وإنّ معاويةَ الأكرمين ... حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ والثاني: أنه مأخوذ من الأُم. قاله ابن الأنباري (٧). وذكروا في سبب أخذ (الأمي) من (الأُم) قولين (٨): أحدهما: أنه مأخوذ منها، لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب. والثاني: أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ، لأن الكتاب في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه، لجهلها بالكتاب دونه أبيه (٩). واختاره الطبري (١٠). قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨]، "أي: ليس لهم حظ من كتاب الله" (١١). قال إبراهيم النخعي: " ومنهم من لا يحسن أن يكتب" (١٢). وقال ابن زيد: " أميون، لا يقرءون الكتاب من اليهود" (١٣). وقال قتادة: " لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه" (١٤). وعنه أيضا: " إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئا" (١٥). وقال أبو العالية: " لا يدرون ما فيه" (١٦). أي من الكتباب، وروي عن ابن عباس مثل ذلك (١٧). وقال ابن عباس: " لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله" (١٨). وعني بـ ﴿الكتاب﴾: "التوراة، ولذلك أدخلت فيه (الألف واللام)، لأنه قصد به كتاب معروف بعينه" (١٩). قال الطبري: " لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه" (٢٠). قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، " أي إلا قراءة بدون فهم للمعنى" (٢١). قال الصابوني: أي" إلا التلاوة فقط" (٢٢). و(الأماني) جمع أمنية، أصلها: "أمنوية، أفعولة، من منى إذا قدر، وهي في الأصل: ما يقدره في نفسه" (٢٣). وقوله ﴿إِلَّا أَمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، فيه وجهان من القراءة (٢٤): أحدهما: ﴿إِلَّا أَمانِيَّ﴾، بتشديد الياء. قرأ بها العامة. والثاني: ﴿أَمانِيَ﴾، بتخفيف الياء في كلّ القرآن. قرأ بها الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج، إذ حذفوا إحدى الياءين استحفافا وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح. وقال أبو حاتم: "كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل فخاتي وأماني وأغاني وغيرها" (٢٥). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، على أربعة أقوال: أحدها: إِلاَّ أَمَانِيَّ: يعني: إلا كذباً. قاله ابن عباس (٢٦)، وهو قول مجاهد (٢٧)، واختيار الفراء (٢٨)، والكلبي (٢٩)، والزجاج (٣٠) في احد قوليه، والطبري (٣١)، وابن كثير (٣٢). ومنه قول عثمان ﵁: " لا تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ " (٣٣)، فقوله (ما تمنيت) أي ما كذبت. ومنه قول الشاعر (٣٤): ولكنما ذاك الذي كان منكما ... أمانّي ما لاقت سماء ولا أرضا والثاني: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾، يعني، أنهم يَتَمَنَّونَ على الله ما ليس لهم.

стр. 668

قاله قتادة (١)، ومجاهد (٢)، وأبو العالي (٣)، وابن زيد (٤)، وابن عباس (٥) في رواية علي بن أبي طلحة عنه. والثالث: إِلاَّ أَمَانِيَّ، يعني: إلا تلاوة من غير فهم. وهو اختيار البغوي (٦) والراغب الأصفهاني (٧) والواحدي (٨)، والسعدي (٩)، وأبو عبيدة (١٠)، وابن الأنباري (١١)، وابن قتيبة (١٢)، والزجاج في أحد قوليه (١٣)، ونسبه الرازي إلى الأكثرين (١٤). وأيدوا رأيهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]، أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته (١٥). قال ابن القيم: "والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته" (١٦). وقال ابن الأزهري: "والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه" (١٧). لكن اعترض على هذا القول بأنه لا يتناسب مع قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾؛ لأن الأمي لا يقرأ. وممن اعترض بهذا: البيضاوي (١٨) والشنقيطي (١٩). إلا أن هذا الاعتراض مردود بأن المراد هو حصول التلاوة، وهي حاصلة من غير هؤلاء الأميين، بأن يسمعونه من غيرهم، كما فسره بهذا جمع من أهل العلم، بل، إن هذا الاعتراض أيضاً مردود، حتى على القول بأنهم هم الذين يقرأون؛ لأن معرفة القراءة لا ترفع وصف الأمي، فنحن نرى بعض كبار السن، وبعض الأعاجم لا يعرف من القراءة، إلا قراءة القرآن الكريم، وهذا لا يرفع وصف الأمية عنه. ولذا، يقول الراغب الأصفهاني: " وقال غيره-يعني غير مجاهد- إلا تلاوة مجردة عن المعرفة، من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمنيتها على التخمين" (٢٠). ومن ذلك قال الشاعر (٢١): ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب وقال كعب بن مالك (٢٢): تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... وآخرها لاقى حِمَام المقادر أي: قرأ وتلا كتاب الله في أول الليل، وفى آخر الليل وافاه أجله. قال الواحدي: "ويسمّى القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما يحدث به نفسه؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث" (٢٣). وقال آخر (٢٤): تمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني داود الزبور على رسل أي تلا كتاب الله مترسلا فيه كما تلا داود الزبور مترسّلا فيه (٢٥). والرابع: أنَّ الأَمَانِيَّ: التقدير، قاله ابن سكيت (٢٦)، والفراء (٢٧)، وأنشد قول الشاعر (٢٨): ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ ما يَمْني لَكَ الماني أي: ما يقدر لك القادر (٢٩). و(إلا): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ﴾ [النساء: ١٥٧] قال النابغة (٣٠): حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: " إلا يشكون، ولا يعلمون حقيقته وصحته" (٣١). قال الواحدي: "أي: لا يعلمون، أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا" (٣٢). قال ابن عباس: " أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن" (٣٣). وروي عن أبي العالية (٣٤)، والربيع (٣٥)، نحو ذلك.

стр. 669

وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُم إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، ثلاثة أوجه: أحدها: يكذبون، قاله مجاهد (١). والثاني: يحدثون، قاله البصريون (٢). والثالث: يظنون الظنون بغير الحق. قاله قتادة (٣) وأبو العالية (٤)، وعن الربيع (٥) نحوه. قال السعدي: " ذكر في هذه الآيات علماءهم، وعوامهم، ومنافقيهم، ومن لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم، لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين" (٦). قالَ أصحاب المعاني: "ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به، ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة" (٧). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الأُمّية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقوله تعالى: ﴿ومنم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾. ٢ ومنها: ذم من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله . ٣ ومنها: أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله تعالى: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾؛ العامي يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكام الله الشرعية التي دل عليها الكتاب فإنما كلامه عن ظن؛ لأنه في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى. ٤ ومنها: ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود؛ وهذا موجود كثيراً عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: "إنهم علماء"؛ تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن، والسنة وهو لا يعلم. القرآن ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩] التفسير: فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى ﵊؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها. في سبب نزول الآية قولان (٨): أحدهما: أنها نزلت في اليهود الذين "عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا". قاله أبو العالية (٩)، وعثمان بن عفان (١٠).

стр. 670

والثاني: وقيل أنها نزلت في: "ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا". قاله السدي (١)، وابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤). قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، " أي هلاك وعذاب لأولئك الذين حرّفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم" (٥). قال الثعلبي: أي: " من تغيير نعت محمّد" (٦). قال المراغي: " أي هلاك عظيم لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون لعوامّهم: هذا المحرّف من عند الله في التوراة" (٧). قال ابن عطية: هذا" بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من كتب وبين من أمر، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأيا له" (٨). واختلف أهل التفسير في تحريف اليهود للكتاب على قولين: أحدهما: أنه: "كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا". قاله السدي (٩)، وابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، وقتادة (١٢). والثاني: أنه في اليهود، "عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا". قاله أبو العالية (١٣)، وعثمان بن عفان (١٤). اختلف أهل التفسير في قوله ﴿فَوَيلٌ﴾ [البقرة: ٧٩]، على أقاويل: أحدها: أنه العذاب، قاله ابن عباس (١٥)، والزجاج (١٦). والثاني: أنه ما يسيل من صديد في أصل جهنم. قاله أبو العياض (١٧)، وشقيق (١٨). والثالث: أنه التقبيح، وهو قول الأصمعي (١٩)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ومنه قول الشاعر (٢٠): كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها ... فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ والثالث: أنه الحزن، قاله المفضل (٢١)، وابن كيسان (٢٢).

стр. 671

يقال: تويل الرجل إذا دعا بالويل، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه، ومنه قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ومنه قول الشاعر (١): تَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ ... يميني لا تعلّلُ بالقليل والرابع: أنه الخزي والهوان. والخامس: أن الويل وادٍ في جهنم، وهذا قول أبي سعيد الخدري (٢)، وعطاء بن يسار (٣). والسادس: أنه جبل في النار، وهو قول عثمان بن عفان (٤). والسابع: وقيل: هي كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها (٥)، وأصله الهلكة، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩]. قال سيبويه (٦): (ويح) كلمة زجر لمن أشرف على هلكة، و (ويل) لمن وقع فيها (٧). والثامن: وقيل: ويل كلمة وعيد (٨). وهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات، قال الشاعر (٩): لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسَى وَلا أُمُّ هَاشِمٍ ... قرِيبٌ وَلا البَسباسَةُ ابنةُ يَشكُرَا وقال أيضا (١٠): ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فَقَالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ! ، إنَّكَ مُرْجِلِي والتاسع: أنه باب من أبواب جهنم. حكاه الزهراوي (١١). نستنتج مما سبق بأن (الْوَيْلُ): هو الْهَلَاكُ والحزن والعذاب والهوان في اللغة، وقيل: هو وادٍ في جهنم من عصارة أهل النار، والله أعلم (١٢).

стр. 672

وفي قوله تعالى: ﴿بِأَيدِيهِم﴾ [البقرة: ٧٩]، تأويلان (١): أحدهما: أنه أراد بذلك تحقيق الإضافة، وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما توليت خلقه. والثاني: أن معنى ﴿بِأَيْدِيهِم﴾، أي من تلقاء أنفسهم، من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم. قاله ابن السراج (٢). قال الواحدي: " وهذا كما يقال للذي يُبدعُ قولًا لَم يُقَلْ قبله: هذا أنت تقوله، يراد بذلك: أنت ابتدعت هذا المذهب وهذا الحكم" (٣). وقال الراغب: وفيها وجهٌ آخر، وهو أن الفعل ضربان: ابتداء، واقتداء، فيُقال فيما كان ابتداء: (هذا مما عملته يدي فلان)، فقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي مما اخترعوه من تلقائهم، وليس ما أُملى عليهم فكتبوه، وعلى هذا قد يحمل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، "أي بعدما كتبوه بأيديهم، وعرفوا أنه من صُنْع أيديهم، يقولون هذا أنزل من عند الله" (٥). قال السعدي: " وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق، وإنما فعلوا ذلك مع علمهم" (٦). قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، " أي لينالوا به عرض الدنيا وحطامها الفاني" (٧). قال المراغي: " أي ليأخذوا لأنفسهم في مقابلة هذا المحرّف ثمنا، وهى الرّشى التي كانوا يأخذونها جزاء ما صنعوا" (٨). قال الآلوسي: " أي ليحصلوا- بما أشاروا إليه- غرضا من أغراض الدنيا الدنيئة، وهو- وإن جل- أقل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الدائم، وحرموه من الثواب المقيم" (٩). قال ابن عثيمين: أي ليأخذوا به عوضاً قليلاً وهذا العوض القليل هو الرئاسة، والجاه، والمال، وغير ذلك من أمور الدنيا، كما قال تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء: ٧٧]؛ فمهما حصل في الدنيا من رئاسة، وجاه، ومال، وولد، فهو قليل بالنسبة للآخرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١٠) " (١١).

стр. 673

وأخرج ابن أبي حاتم " عن إبراهيم، أنه كره كتابة المصاحف بالأجر وتلا هذه الآية: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ " (١). واختلف في سبب وصف (الثمن) بالقليل، في قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٧٩]، وذكروا فيه وجهين: أحدهما: أن الثمن هو عرض الدنيا، ووصفه بالقلة لفنائه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، وهذا قول ابن عباس (٢)، وأبي العالية (٣). وسئل الحسن عن قوله: ﴿ثمنا قليلا﴾، قال: "الثمن القليل الدنيا بحذافيرها" (٤). والثاني: أن الثمن القليل هو الرشا والمآكل التي كانت لهم، ووصفه بالقليل لكونه حراما. روي عن السدي (٥) نحوه ذلك. قال المراغي: " ووصف الثمن بالقلة وقد يكون كثيرا، لأن كل ما يباع به الحق ويترك لأجله فهو قليل، لأن الحق أثمن الأشياء وأغلاها" (٦). فيمكن القول بأن صف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة، إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله ﷺ في كتابهم ربعة أسمر، فجعلوه آدم سبطا طويلا، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي ﷺ الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم، فمن ثم غيروا (٧). وقال السعدي: " والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما" (٨). وقال الرازي: "أما قوله تعالى: ﴿ليشتروا به ثمنا قليلا﴾ فهو تنبيه على أمرين: الأول: أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا. الثاني: أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانةً؛ بل إنما فعلوه طلبا للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبةٍ ورضا، ومع ذلك فقد نبَّه تعالى على تحريمه" (٩). قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، "أي: من التحريف والباطل" (١٠). قال الصابوني: " أي فشدة عذاب لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب" (١١). قال المراغي: " أي فلهم عقوبة عظيمة من أجل كتابتهم هذا المحرّف" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، " وويل لهم من أخذهم الرشوة وفعلهم للمعاصي" (١٣).

стр. 674

قال الطبري: أي: " مما يعملون من الخطايا، ويجترحون من الآثام، ويكسبون من الحرام، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم" (١). قال ابن كثير: أي" وويل لهم مما أكلوا به من السحت" (٢). قال الثعلبي: يعني "من المأكول" (٣). قال البيضاوي: " يريد به الرشى" (٤). قال الصابوني: " أي وويل لهم مما يصيبون من الحرام والسحت" (٥). قال القرطبي: "وقد كرر الويل تغليظا لفعلهم" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وجهان: أحدهما: من المعاصي والخطايا. وهذا قول أبي العالية (٧). والثاني: من المال الذي تضمنه ذكر الثمن. وهذا قول ابن عباس (٨). وأصل (الكسب): "العمل، فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل" (٩)، كما قال لبيد بن ربيعة (١٠): لِمعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُ ... غُبْسٌ كَوَاسِبُ لا يُمَنَّ طَعَامُهَا قال الراغب: "إن قيل: لم ذكر ﴿يَكْسِبُونَ﴾ بلفظ المستقبل و ﴿كَتَبَتْ﴾ بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيها على ما قال النبي ﷺ : "من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١١)، فنبَّه

стр. 675

بالآية أن ما أضلّوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه باستمرار وكل وقتٍ ومع كل مَن يضله هذا الي صنعوه، فقد صنعوا عملية مستمرة من الضلال والإضلال عبر العصور، و (إن قيل) لم ذكر الكتابة دون القول؟ (قيل) لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه، إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ. ولأن كلام اليد يبقى رسمه وأثره في الهداية أو الإضلال، والقول ربما يضمحل أثره" (١). الفوائد: ١ من فوائد الآية: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله وهم كاذبون. ٢ ومنها: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة، والمال، والجاه؛ لقوله تعالى: ﴿ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾؛ وقد ورد الوعيد على من طلب علماً يبتغى به وجه الله لينال عرضاً من الدنيا. ٣ ومنها: أن الدنيا كلها مهما بلغت فهي قليل، كما قال تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ [النساء: ٧٧]. ٤ ومنها: أن الجزاء بحسب العمل؛ لقوله تعالى: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾. ٥ ومنها: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿مما كتبت أيديهم﴾؛ فإن هذا بيان لعلة الوعيد؛ وهذه غير الفائدة السابقة؛ لأن الفائدة السابقة جزاؤهم بقدر ما كتبوا؛ وهذه بيان السبب. ٦ ومنها: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل، وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله تعالى: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾؛ فما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم به الإنسان؛ مثلاً: إنسان عمل عملاً محرماً. كالغش. فإنه آثم بالغش؛ وهذا الكسب الذي حصل به هو أيضاً آثم به. ٧. ومن الفوائد أيضا، ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، قال شيخ الإسلام: "فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة، على ما أصله من البدع الباطلة، وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله، لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معنى الكتاب والسنة، وهذا معقول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين، الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة، لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله. وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة، كالرافضة، وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء مع شعبة من حال الأهواء" (٢). والحقيقة أن القرآن بمثل هذا الحديث المتكرر والموثق عن بني إسرائيل وفظائعهم ينبه على أمرين: أحدهما: أن تاريخ اليهود والنصارى كفرع عنهم هو تاريخ متصل، وما أشبه الليلة بالبارحة. والثاني: أن الله تعالى يمُنُّ على أمة محمد ﷺ ببيان زلات ومهالك ومهاوي الذين من قبلهم حتى يعلوا ما نشأ من شرٍ فيهم فيتداركوه. والحمد لله رب العالمين. القرآن ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠] التفسير: وقال بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد. قل لهم -أيها الرسول مبطلا دعواهم-: أعندكم عهد من الله بهذا، فإن الله لا يخلف عهده؟ بل إنكم تقولون على الله ما لا تعلمون بافترائكم الكذب.

стр. 676

اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (١): أحدها: قيل: إن النبي ﷺ قال لليهود: "من أهل النار". قالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم، فقال: "كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم"، فنزلت هذه الآية (٢). والثاني: روي عن ابن عباس: " كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ الآية" (٣)، وروي عن مجاهد (٤) وابن زيد (٥)، نحو ذلك. والثالث: وقيل: أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم. قاله ابن عباس (٦)، وقتادة (٧)، وعن السدي (٨)، وأبي العالية (٩)، والضحاك (١٠)، نحو ذلك والرابع: وقيل: زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. قاله ابن عباس (١١)، وري عن الضحاك (١٢) مثل ذلك. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، أي قال اليهود"لن ندخل النار إِلا أياماً قلائل" (١٣). قال الزمخشري: "أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل" (١٤). قال السعدي: " ذكر أفعالهم القبيحة، ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم، ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، أي: قليلة تعد بالأصابع، فجمعوا بين الإساءة والأمن" (١٥). وفي (الأيام المعدودة)، قولان (١٦): أحدهما: أنها أربعون يوماً، وهذا قول قتادة (١٧)، والسدي (١٨)، وعكرمة (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، ورواه الضحاك عن ابن عباس (٢١). ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين على وجهين: الأول: قال بعضهم: لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. روي ذلك عن ابن عباس (٢٢)، وقتادة (٢٣). والآخر: وقيل: أن اليهود يزعمون أنهم، وجدوا في التوراة مكتوباً، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم، فإذا انقطع المسير انقضى العذاب، وهلكت النار. روي ذلك عن ابن عباس (٢٤)، وهذا قول من قدر (المعدودة) بالأربعين. والقول الثاني: أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام، لأنهم زعموا، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً، وهذا قول مجاهد (٢٥)، ورواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٢٦)، وروي عن ابن زيد (٢٧)، نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]، أي: قل با محمد"هل أعطاكم الله الميثاق والعهد بذلك؟ " (٢٨). قال مجاهد: " موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون؟ " (٢٩). قال قتادة: " فقال الله: أتخذتم عند الله عهدا بهذا الذي تقولون؟ ألكم بهذا حجة وبرهان" (٣٠). وروي عن الربيع بن أنس (٣١) نحو ذلك. قال الحسن: " أي هل عندكم من الله من عهد أنه ليس معذبكم؟ أم هل أرضيتم الله بأعمالكم فعملتم بما افترض عليكم وعهد إليكم" (٣٢). قال ابن عثيمين: " أي أأخذتم عند الله عهداً أن لا تمسكم النار إلا أياماً معدودة" (٣٣). قال النسفي: " أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار" (٣٤). قال أبو السعود: أي هل عندكم من الله" خبَراً أو وعداً بما تزعمون فإن ما تدّعون لا يكون إلا بناءً على وعدٍ قوي ولذلك عَبَّر عنه بالعهد" (٣٥). واختلف في تفسير (العهد) هنا، على قولين (٣٦): الأول: أن العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، والمعنى: هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون؟ والثاني: وقال ابن عباس وغيره: "معناه هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار؟ " (٣٧). والمعنى: هل أسلفتم عند الله أعمالا توجب ما تدعون؟

стр. 677

قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: ٨٠]، أي: " إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده" (١). قال أبو السعود: " أي إن كان الأمر كذلك فلن يُخلِفَه" (٢). قال ابن عثيمين: "أي إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلفه؛ لأن الله لا يخلف الميعاد" (٣). قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]، "أي أم تكذبون على الله فتقولون عليه ما لم يقله" (٤). قال قتادة: " قال القوم الكذب والباطل، وقالوا على الله ما لا يعلمون" (٥). وفي إعراب ﴿أم﴾ [البقرة: ٨٠]، قولان (٦): أحدهما: أن تكون معادلة بمعنى أى الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما. قال أبو السعود: " وام متصلةٌ والاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلمِ بالشق الأخيرِ كأنه قيل أم لم تتخذوه بل تتقوّلون عليه تعالى" (٧). والثاني: أن تكون منقطعة بمعنى (بَلى)، وإثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾، أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ، والاستفهام لإنكار الاتخاذِ ونفيِه. قال السعدي: " فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما: الأول: إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا، فتكون دعواهم صحيحة. والثاني: وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة، فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم. وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا، لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء، حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم، ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق، فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون، قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم، من أعظم المحرمات، وأشنع القبيحات" (٨). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن اليهود يقرون بالآخرة، وأن هناك ناراً، لقوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾؛ لكن هذا الإقرار لا ينفعهم؛ لأنهم كذبوا محمداً ﷺ ؛ وعلى هذا ليسوا بمؤمنين. ٢ ومنها: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذباً، وإما جهلاً؛ والأول أقرب؛ لقوله تعالى: ﴿أم تقولون على الله ما تعلمون. ٣ ومنها: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى في واحد من أمرين، وكلاهما منتفٍ: ﴿أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾؛ وهذا على القول بأن ﴿أم﴾ هنا متصلة؛ أما على القول بأنها منقطعة فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد. ٤ ومنها: أن الله لن يخلف وعده؛ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة، لأن إخلاف الوعد إما لكَذِب، وإما لعجز؛ فكون الله. جلَّ وعلا. لا يخلف الميعاد يقتضي كمال صدقه، وكمال قدرته. ٥ ومنها: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله تعالى: ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾؛ والقول على الله يتضمن القول عليه في أحكامه، وفي ذاته، وصفاته؛ من قال عليه ما لا يعلم بأنه حلَّل، أو حرَّم، أو أوجب، فقد قال على الله بلا علم؛ ومن أثبت له شيئاً من أسماء، أو صفات لم يثبته الله لنفسه فقد قال على الله بلا علم؛ ومن نفى شيئاً من أسمائه وصفاته فقد قال على الله بلا علم؛ ومن صرف شيئاً عن ظاهره من نصوص الكتاب والسنة بلا دليل فقد قال على الله بلا علم.

стр. 678

٦ ومن فوائد الآية: تحريم الإفتاء بلا علم؛ وعلى هذا يجب على المفتي أن يتقي الله ، وألا يتسرع في الإفتاء؛ لأن الأمر خطير. ٧. ومن فوائد الآية: أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويطلقون عنان أنفسهم فى المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدى فلان يقول: من رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" (١) وقد روي عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: "أَوْ غيرَ ذلك؟ ! "، قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (٢).

стр. 679

القرآن ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ [البقرة: ٨١] التفسير: فحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر، واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله، فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع. قوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ [البقرة: ٨١]، " أي: بلى تمسكم النار وتخلدون فيها" (١). قال الزمخشري: " أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ " (٢). قا السعدي: " أي: ليس الأمر كما ذكرتم، فإنه قول لا حقيقة له" (٣). قال المراغي: " أي ليس الأمر كما ذكرتم، بل تمسّكم النار وتمسّ غيركم دهرا طويلا" (٤). قال ابن كثير: "يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون" (٥). قال الواحدي: " ومعنى الآية: أنه ردّ على اليهود قولَهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً" (٦). قال الطبري: " تكذيب من الله القائلين من اليهود: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ " (٧). وقال الزجاج: " فألحق في هذه الآية، والإجماع أن هذا لليهود خاصة لأنه في ذكرهم .. والذي جرى في هذه الأقاصيص إِنما هو إِخبار عن إليهود" (٨). وقوله: ﴿بَلى﴾، إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾، أي بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ " (٩). وقوله ﴿بَلَى﴾: حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن (بلى) لا يقع إلا فى جواب النفي ويصير إثباتا، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول بلى. أي: أتى، قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بلى .. ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ومثله: قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ فقال تعالى: (بلى) أي تمسكم، أى تدخلوها بذنوبكم، ويخلد فيها كل كافر بالله معاند لحكمه (١٠)، بخلاف (نعم) فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى، وقد نظم ذلك بعضهم فقال: «بلى» جواب النفي لكنه يصير إثباتا، كذا حرّروا (١١). قوله تعالى: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، أي" من عمل سيئة" (١٢).

стр. 680

قال ابن عباس: " أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به" (١). قال الثعلبي: "يعني الشرك" (٢). قال أبو السعود: " والكسبُ استجلابُ النفعِ وتعليقُه بالسيئة على طريقة ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤] " (٣). واختلف في تفسير ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، على وجهين (٤): أحدهما: أنها الشرك، وهذا قول ابن عباس (٥)، وروي عن أبي وائل (٦)، وأبي العالية (٧)، ومجاهد (٨)، وعكرمة (٩)، وعطاء (١٠)، والحسن (١١) في أحد قوليه، وقتادة (١٢)، والربيع بن أنس (١٣)، مثل ذلك. قال الواحدي: " وإجماع أهل التفسير: أن السيئةَ هاهُنا الشرك، وأنّ الآية وردت في اليهود" (١٤). قلت: والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف (١٥)، ولعل الذي دفع الواحدي لحكاية الإجماع، الرد على من حمل الآية على عصاة المؤمنين، كالمعتزلة والخوارج. والله أعلم. والثاني: أن (السيئة) كبائر الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار، وأن (الخطيئة) هي الكفر، وهذا قول السدي (١٦) والحسن (١٧)، وقواه ابن عطية: فقال: "ولفظ الإحاطة تقوي هذا القول" (١٨). والراجح هو أن (السيئة) التي ذكر الله في هذا المكان، فإنها الشرك بالله، وهو اختيار الإمام الطبري إذ تعضده مجموعة من الروايات حسنة الإسناد (١٩). وأصحاب القولين على أن الآية إنما هي في الكفار لا في العصاة؛ لأن الله توعد أهل هذه الآية بالخلود في النار، وهذا إنما يكون في حق الكفار فقط، قال الواحدي: " والمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة هي الشرك، والمؤمن ومن عمل الكبائر فلم يوجد منه شرك" (٢٠). قال القاسمي: " ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنّ الخلود في النار إنما هو للكفار والمشركين لما ثبت في السنة، تواترا، من خروج عصاة الموحدين من النار، فيتعين تفسير السيئة والخطيئة، في هذه الآية، بالكفر والشرك. ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود" (٢١).

стр. 681

قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، أي" اجتمعت عليه فمات عليها، قبل الإنابة والتوبة منها" (١). قال ابن عباس: " حتى يحيط كفره بما له من حسنة" (٢). وقال الضحاك: " قال: مات بذنبه" (٣). قال الصابوني: " أي غمرته من جميع جوانبه، وسدّت عليه مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود" (٤). قال أبو السعود: أي" من جميع جوانبِه بحيثُ لم يبقَ له جانبٌ من قلبه ولسانه وجوارحِه إلا وقد اشتملت واستولت عليه" (٥). قال السعدي: " أي: أحاطت بعاملها، فلم تدع له منفذا، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته" (٦). قال الزمخشري: أي"استولت عليه، كما يحيط العدوّ" (٧). قال الأخفَش: "الخطأ: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا، والخِطء غير المتعمد" (٨). وقال اللّيث: "الخطيئة: الذنب على عمد" (٩). وقال أبو علي: "والخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن وقوعها على الصغير قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. ووقوعها على الكبير قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ " (١٠). وأصل (الإحاطة بالشيء)، الإحداق به، بمنزلة (الحائط) الذي تحاط به الدار فتحدق به، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿نارا أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩] (١١). واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وذكروا فيه وجوها: أحدها: أنه مات عليها، وهذا قول ابن جبير، وروي عن السدي (١٢)، والربيع بن خُثَيم (١٣)، والضحاك (١٤)، وأبي رزين (١٥)، والأعمش، (١٦) نحو ذلك. وهو اختيار الطبري (١٧). والثاني: أن معناه: سَدَّتْ عليه مسالك النجاة، وهذا قول ابن السراج (١٨). والثالث: وقال مجاهد: " ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: بقلبه" (١٩). والرابع: وقيل: أحاط به شركه. قاله أبو هريرة (٢٠)، وابن عباس (٢١)، وأبو وائل (٢٢)، وعطاء (٢٣)، والحسن في رواية عباد بن منصور (٢٤).

стр. 682

والخامس: أن الخطيئة: الكبيرة الموجبة. قاله أبو العالية (١)، ومجاهد (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع بن أنس (٥). السادس: وقال الكلبي: أوبقته ذنوبه، ودليله قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، أي تهلكوا جميعا (٦). وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله ﷺ ضرب لهُنَّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها (٧) (٨). وذكر الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُه﴾ [البقرة: ٨١]، ثلاثة أوجه (٩): الأول: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها من حيثُ كان المحِيط أكبر مِنَ المحاط به، فيكون كقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]، وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. والثاني: أهلكته، من ذلك قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وهذا كله في معنى البوار. والثالث: العلم، ومن ذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١]. وقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]، أي: عالم. وقرأ أهل المدينة ﴿خطيّاته﴾، بالجمع، وقرأ الباقون ﴿خَطِيئَتُهُ﴾، على الواحدة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم (١٠). قال أبو السعود: وفي القراءة بصيغة الجمع، "إيذانٌ بكثرة فنون كفرهم" (١١). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، " أي فالنار ملازمة لهم لا يخرجون منها أبداً" (١٢). قال ابن عباس: " أي خالدون أبدا" (١٣). وقال السدي: " لا يخرجون منها أبدا" (١٤). قال البيضاوي: " ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا" (١٥).

стр. 683

قال أبو حيان: " ويعني بـ ﴿أصحاب النار﴾: الذين هم أهلها حقيقة، لا من دخلها ثم خرج منها" (١). قال السعدي: " وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما ترى، فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مبطل يحتج بآية، أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه" (٢). وقال أبو السعود: " فلا حجةَ في الآيةِ الكريمةِ على خلود صاحبِ الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر ولا حاجة إلى حمل الخلودِ على اللُبْث الطويل على أن فيه تهوينَ الخطب في مقام التهويل" (٣). قال ابن عطية: " والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك بالخلد" (٤). الفوائد: ١. من فوئاد الآية: أن الثواب والعقاب لا يترتب على الأشخاص بحسب النسب، أو الانتماء؛ وإنما هو بحسب العمل. ٨ ومنها: أن من أحاطت به خطيئته فلم يكن له حسنة فإنه من أصحاب النار الذين لا يخرجون منها. ٩ ومنها: أن من كسب سيئة لكن لم تحط به الخطيئة فإنه ليس من أصحاب النار؛ لكن إن كان عليه سيئات فإنه يعذب بقدرها. ما لم يعف الله عنه. ١٠ ومنها: إثبات النار، وأنها دار الكافرين ١١ ومنها: خلود أهل النار فيها؛ وهو خلود مؤبد لا يخفف عنهم فيه العذاب، وقد صرح الله بتأبيد الخلود فيها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديدهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ الموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ الموضع الثالث: في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [الجن: ٢٣]. ١٢ ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين: الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﷺ ، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٥). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٦). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول ﷺ "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (٧). القرآن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة: ٨٢] التفسير: وحكم الله الثابتُ في مقابل هذا: أنَّ الذين صدَّقوا بالله ورسله تصديقًا خالصًا، وعملوا الأعمال المتفقة مع شريعة الله التي أوحاها إلى رسله، هؤلاء يلازمون الجنة في الآخرة ملازمةً دائمةً لا تنقطع.

стр. 684

قال أبو حيان: " لما ذكر أهل النار، وما أعد لهم من الهلاك: أتبع ذلك بذكر أهل الإيمان، وما أعد لهم في الخلود في الجنان. وقلّ ما ذكر في القرآن آية في الوعيد، إلا وذكرت آية في الوعد. وفائدة ذلك ظهور عدله تعالى، واعتدال رجاء المؤمن وخوفه، وكمال رحمته بوعده وحكمته بوعيده" (١). قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات﴾ [البقرة: ٨٢]، "أي وأما المؤمنون الذين جمعوا بين الإِيمان، والعمل الصالح" (٢). قال ابن عباس: " أي من آمن بما كفرتم وعمل ما تركتم من دينه" (٣). قال الطبري: أي: والذين "صدقوا بما جاء به محمد ﷺ ، وأطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه" (٤). قال ابن عثيمين: " أي الذين صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول، والإذعان؛ فلا يكون الإيمان مجرد تصديق؛ بل لا بد من قبول للشيء، واعتراف به، ثم إذعان، وتسليم لما يقتضيه ذلك الإيمان، وعملوا الأعمال الصالحات؛ والعمل يصدق على القول، والفعل؛ وليس العمل مقابل القول؛ بل الذي يقابل القول: الفعل؛ وإلا فالقول، والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح" (٥). قال السعدي: "ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله، متبعا بها سنة رسوله، فحاصل هاتين الآيتين، أن أهل النجاة والفوز، هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله، الكافرون به" (٦). وأخرج الطبري عن ابن زيد، أنه: " ﴿والذين آمنوا وعملوا الصلحات﴾، محمد ﷺ وأصحابه" (٧). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢]، على قولين (٨): أحدهما: أن المراد بـ ﴿الذين آمنوا﴾، أمّة محمد ﷺ ، ومؤمنوا الأمم قبله، قاله ابن عباس (٩) وغيره. والثاني: أنه خاص بالنبي ﷺ وأمّته. قاله ابن زيد (١٠). قوله تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة﴾ [البقرة: ٨٢]، "أي أهلها الملازمون لها" (١١). قال ابن عثيمين: "لأن الصحبة ملازمة" (١٢). و﴿الجنة﴾: الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين؛ وفيها كما قال الرسول ﷺ "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١٣)، كقوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] " (١٤). قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]، "أي مخلدون في الجنان لا يخرجون منها أبداً" (١٥).

стр. 685

قال ابن عثيمين: "أي ماكثون لا يخرجون منها" (١). قال ابن عباس: "فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله لا انقطاع له" (٢). من فوائد الآية: ١. أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين: الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﷺ ، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٣). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٤). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول ﷺ "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (٥) ". ٢. ومن فوائد الآية: أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح. ٣. ومنها: أن العمل وحده لا يكفي حتى يكون صادراً عن إيمان؛ لقوله تعالى: ﴿آمنوا وعملوا الصالحات ﴿، ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيمان في قلوبهم. ٤. ومنها: بلاغة القرآن، وحسن تعليمه؛ حيث إنه لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وهذا من معنى قول الله تعالى: ﴿الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني﴾ [الزمر: ٢٣]؛ فإن من معاني المثاني أن تثنى فيه الأمور؛ فيذكر الترغيب والترهيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبه ذلك. ٥. ومنها: إثبات الجنة. ٦. ومنها: أن أصحاب الجنة مخلدون فيها؛ وتأبيد الخلود في الجنة صرح الله به في آيات عديدة (٦). القرآن ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣] التفسير: واذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تحسنوا للوالدين، وللأقربين، وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم، وللمساكين، وأن تقولوا للناس أطيب الكلام، مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد -إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣]، " أي اذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل" (٧). قال الصابوني: " أي اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد" (٨). واختلف أهل العلم في الميثاق على قولين (٩):

стр. 686

الأول: أنه "الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر". قاله مكي (١). وضعّفه ابن عطية (٢). والثاني: وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم، وهو قوله: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. قال ابن جريج: " الميثاق الذي أخذ عليهم في سورة المائدة (٣) " (٤). وروي عن أبي العالية نحوه (٥). والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، " وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم، على لسان موسى ﵇ وغيره من أنبيائهم ﵈" (٦). قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]، أي: " بأن لا تعبدوا غير الله" (٧). قال أبو العالية: " أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره" (٨). واختلف في موضع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، من الأعراب على خمسة أقوال (٩): القول الأول: قال الكسائي (١٠): رفعه على: أن لا يعبدوا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا، إلا أنه لما أسقطت (أن) رفع الفعل كما قال طرفة (١١): ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه (أن)، وأجاز هذا الوجه الأخفش (١٢) والفراء (١٣) والزجاج (١٤) وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم. وأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين (١٥): أحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت، وكقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: ١٣] أي: احذروا، وكقوله: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: موعظتنا معذرة. والثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام.

стр. 687

واعترض الواحدي على قول المبرد فقال: "وليس الأمر على ما قاله المبرد، فقد أجاز قولَ الكسائي: الأخفشُ والفراءُ وقطرب والزجّاج وعلي بن عيسى (١) (٢)، ودعواه أن كل ما أضمر في العربيّة فهو يعمل عمله مظهرًا ليس كذلك، وهو على ضربين: منه ما هو على ما ذكر، ومنه ما ليس كذلك (٣)، كحروف الجر إذا حذفت وهي تزاد، كقوله (٣): أمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به ... فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ يريد بالخير، وقال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فلما حَذف مِنْ وصل الفعل فنصب. كذلك هاهُنا لمّا حذف (أن) وصل عامل الرفع فرفع الفعل، وقوله: لا يحذف الموصول في شيء من الكلام ليس كذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد قد يحذف بعضه بالترخيم" (٤). القول الثاني: موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل: وإذا أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد (٥) والكسائي (٦) والفراء (٧) والزجاج (٨) وهو أحد قولي الأخفش (٩). والدليل على ذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]، القسم بـ (لام)، فكذلك هو في النفي بـ (لا)، وكان المعنى: استحلَفناهم وقلنا لهم: والله لا تعبدون (١٠). القول الثالث: وقيل: هو في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير عابدين إلا الله، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا (١١). القول الرابع: قول الفراء (١٢) أن موضع ﴿لا تعبدون﴾ على النهي، إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ [البقرة: ٢٣٣] بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهيا أمور: أحدها: قوله: ﴿أقيموا﴾، وثانيها؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي: ﴿لا تعبدوا﴾. وثالثها: أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه. القول الخامس: التقدير أن لا تعبدوا تكون "أن" مع الفعل بدلا عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، على وجوه (١٣): أحدها: ﴿لا يعبدون﴾، بالياء. قرأ بها ابن كثير وحمزة والكسائي. والثاني: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾، بالتاء من فوق، قرأ بها أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر، حكاية ما قيل لهم. والثالث: ﴿لا تعبدوا﴾، على النهي، قرأ بها أبيّ بن كعب وابن مسعود. قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، " أي "وأمرناهم بالوالدين إحسانا" (١٤).

стр. 688

قال مقاتل بن حيان: " فيما أمركم به من حق الوالدين" (١). قال الصابوني: "أي وأمرناهم بأن يحسنوا إِلى الوالدين إِحساناً" (٢). قال القرطبي: "وقرن الله في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما" (٣). واختلف في اتصال (الباء) وانتصابه، في قوله تعالى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، على أقوال (٤): الأول: قال الزجاج: انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا، فجعل (الباء) التي في ﴿الوالدين﴾ من صلة الإحسان، مقدمة عليه (٥). وقد اعترض الإمام الطبري على هذا الوجه (٦). والثاني: قيل: على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانا، لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان، وإلى الوالدين كأنه قيل: وأحسنوا إلى الوالدين (٧). والثالث: وقيل: بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا. قال الإمام الطبري: : وقوله جل ثناؤه: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ عطف على موضع (أن) المحذوفة في (لا تعبدون إلا الله)، فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا. فرفع (لا تعبدون) لما حذف (أن)، ثم عطف بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر (٨): معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب (الحديد) على العطف به على موضع (الجبال)، لأنها لو لم تكن فيها (باء) خافضة كانت نصبا، فعطف بـ (الحديد) على معنى (الجبال)، لا على لفظها. فكذلك ما وصفت من قوله: (وبالوالدين إحسانا) " (٩). قلت: وهذا الذي ذكره القرطبي وجه حسن. وأما (الإحسان) الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق، فيشمل: "فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣]، أي "وإحساناً بذي القربى" (١١). قال مقاتل بن حيان: " يعني القرابة" (١٢).

стр. 689

قال القرطبي: "أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم" (١). قال أبو حيان: " القربى: مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب" (٢)، ومنه قول طرفة (٣): وَقَرّبْتُ بالقُرْبَى وَجدَّ كَإِنَّني ... متى يَكُ أَمْرٌ لِلنّكيثَةِ أَشْهَدِ قال ابن عثيمين: ويشمل القرابة من "قِبَل الأم، ومن قِبَل الأب، لأن ﴿القربى﴾ جاءت بعد ﴿الوالدين﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٨٣]، أي يحسنوا أيضا إلى" اليتامى، الذين مات آباؤهم وهم صغار" (٥). و﴿اليتامى﴾: "جمع يتيم، مثل: نديم وندَامى، ويجمع أيتامًا أيضًا، واليُتمْ في الناس فُقْدان الأب، وفي غير الإنسان من قبل الأم" (٦). واختلف في أصل (اليتيم) في اللغة على ثلاثة أوجه (٧): أحدها: أن (اليتيم) في كلام العرب: الإنفراد. قاله أحمد بن يحيى (٨). والثاني: أن أصله (الغفلة)، وبه سُمي اليتيم؛ لأنه يُتَغَافل عن بره. قاله المفضل (٩). والثالث: أن (اليتيم)، من الإبطاء. يقال: ما في سَيرِه أتَمٌ ويتم أي: إبطاء، ومنه أُخِذَ اليتيم؛ لأن البرّ يبطيء عنه. قاله أبو عمرو (١٠). وقال ابن العربي: " اليتيم: هو في اللغة عبارة عن المفرد من أبيه، وقد يطلق على المفرد من أمه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق حضانة" (١١). قوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣]، أي يحسنوا أيضا إلى"المساكين الذين عجزوا عن الكسب" (١٢). قال الثعلبي: " يعني الفقراء" (١٣).

стр. 690

قال شيخنا ابن عثيمين: " ﴿المساكين﴾، جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى، ويزداد، ويرتفع، ويعلو؛ وإذا كان فقيراً فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع ﴿المساكين﴾؛ لأن "الفقراء"، و"المساكين" من الأسماء التي إذا قرنت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت؛ فكلمة "الفقراء" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ و"المساكين" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ وإذا قيل: فقراء ومساكين. مثل آية الزكاة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]. صار "الفقراء" لها معنى؛ و"المساكين" لها معنى؛ لما اجتمعت الآن افترقت: فـ"الفقير": من لا يجد شيئاً من الكفاية، أو يجد دون النصف؛ و"المسكين": من يجد نصف الكفاية دون كمالها" (١). قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، " أي قولاً حسناً بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيّب" (٢). قال ابن عثيمين: "والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛ وفي معناه، ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيراً؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن" (٣). قال السعدي: " ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب، ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه" (٤). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: ٨٣]، على أقوال (٥): الأول: أن المعنى قولوا لهم: لا إله إلا الله، ومروهم بها. قاله ابن عباس (٦). والثاني: قولوا: صدقا في شأن محمد ﷺ ، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته. قاله ابن جريج (٧). ومقاتل بن حيان (٨). والثالث: يعني: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. قاله سفيان الثوري (٩). والرابع: قولوا للناس معروفا. قاله أبو العالية (١٠)، وروي عن الحسن (١١) نحوه. والخامس: قولوا: الحسن من القول. قاله عطاء بن أبي رباح (١٢)، وجعفر (١٣). وكل الأقوال متشابهة فما بينها، وحثت على مكارم الأخلاق. والله أعلم. ويحتمل ﴿الناس﴾، في قوله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: ٨٣]، وجهين: أحدهما: الناس عامة. قاله عطاء بن أبي رباح (١٤)، وعكرمة (١٥)، وهو المشهور.

стр. 691

والثاني. وقيل: "أراد بالناس محمدا ﷺ ، كقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]. فكأنه قال: قولوا للنبي ﷺ حسنا " (١). قال القرطبي: "فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه: ٤٤]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه" (٢). واختلف في نسخ قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: ٨٣]، على ثلاثة أقوال (٣): الأول: حكى المهدوي عن قتادة أن قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ منسوخ بآية السيف (٤)، وحكاه أبو نصر عبدالرحيم عن ابن عباس بأنه قال: "نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف" (٥). وأخرج ابن أبي حاتم " عن إسماعيل بن أبي خالد: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾، قال: هذه الآية أمر بها قبل أن يؤمر بالجهاد" (٦). والثاني: أن الآبة محكمة، وقولوا جميع الناس حسنا، وحسن القول للكافر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر (٧)، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٨)، وأبي جعفر المدني (٩). والثالث: وقال آخرون أن هذا خبر من الله تعالى عما خاطب به بني إسرائيل، وعليه فإنه خبر عن الماضي لا يدخل عليه النسخ (١٠). قال ابن عطية: "وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه" (١١). والراجح -والله أعلم- هو القول الأخير، لأنه أليق بسياق الآية، فالله أخبرنا بما أخذه من الميثاق على بني إسرائيل، وأما المسلمون فليسوا مخاطبين بهذه الآية. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، على وجهين (١٢): الأول: ﴿حُسْنًا﴾، بالضم والتخفيف، قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر. والثاني: ﴿حسنا﴾، بالفتح والتثقيل، قرأ بها حمزة والكسائي (١٣). واختلف أهل العربية في الفرق بين معنى قوله: ﴿حُسْنا﴾ و ﴿حَسَنا﴾ على وجهين (١٤): الأول: قال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ (الحَسَن) (الحُسن)، وكلاهما لغة، كما يقال: (البُخل والبَخَل)، وإما أن يكون جعل (الحُسن) هو (الحَسن) في التشبيه. وذلك أن الحُسن (مصدر) و (الحَسن) هو الشيء الحسن، ويكون ذلك حينئذ كقولك: (إنما أنت أكل وشرب)، وكما قال الشاعر (١٥):

стр. 692

وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع فجعل " التحية " ضربا. والثاني: وقال آخر: بل (الحُسن) هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن. و (الحسن) هو البعض من معاني (الحُسن)، ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال: (وقولوا للناس حسنا)، يعني بذلك بعض معاني الحُسن. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، أي: " أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها" (١). قال الصابوني: أي: صلّوها كما فرض الله عليكم (٢). قال شيخنا ابن عثيمين: " أي ائتوا بها قائمة. أي قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأن يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكمال ذلك أن يأتوا بمستحباتها؛ و ﴿الصلاة﴾ تشمل الفريضة، والنافلة" (٣). وروي عن ابن مسعود قال: " ﴿وأقيموا الصلاة﴾، هذه و (إقامة الصلاة): تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها" (٤). قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، " أي أعطوها مستحقها" (٥). قال ابن عثيمين: "و (الزكاة) هي النصيب الذي أوجبه الله لمستحقه في الأموال الزكوية" (٦). قال ابن عباس: " إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد ﷺ . كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل: من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمره الله به وبينه له" (٧). وذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، وجهين: أحدهما: أنه ما فرض عليهم في أموالهم من الزكاة. وذلك في رواية الضحاك عن ابن عباس (٨). والثاني: يعني بـ ﴿الزكاة﴾: طاعة الله والإخلاص. وهذا في روياة علي بن طلحة عن ابن عباس (٩). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]، " أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، إِلاّ قليلاً منكم ثبتوا عليه" (١٠). قال السعدي: "هذا استثناء، لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم، عصمهم الله وثبتهم" (١١). قال ابن عطية: " تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا .. والمراد بـ (القليل): جميع مؤمنيهم قديما من أسلافهم وحديثا كابن سلام وغيره، و (القلة) على هذه هي في عدد الأشخاص، ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد ﷺ إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى" (١٢).

стр. 693

وقرأ قوم ﴿إلا قليلٌ﴾ بالرفع، ، ورويت عن أبي عمرو (١). قال ابن عباس: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني: على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا له وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: ﴿ثم توليتم﴾، يقول: أعرضتم عن طاعتي، ﴿إلا قليلا منكم﴾، قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقول: تركها استخفافا بها" (٢). وذكروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]، وجهين من التفسير: الأول: ثم: أعرضتم عن طاعتي. في رواية الضحاك عن ابن عباس (٣). والثاني: أي: تركتم ذلك كله. في رواية عكرمة عن ابن عباس أيضا (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، " أي: وأنتم أيضًا كأوائلكم في الإعراض عما عُهِد إليكم فيه" (٥). قال ابن عثيمين: "أي توليتم في إعراض" (٦). قال الطبري: أي "وأنتم يا معشر بقاياهم [اليهود]، معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم" (٧). قال المراغي: " وأنتم في حال الإعراض عنه وعدم الاهتمام بشأنه" (٨). قال الواحدي: " ومعنى (الإعراض): الذهَاب عن المواجهة، إلى جهة العرض" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، "التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ وفائدته: إدخال الموجودين في عهد النبي ﷺ في هذا الحكم. أعني التولي؛ و "التولي" ترك الشيء وراء الظهر؛ وهذا أبلغ من الإعراض؛ لأن الإعراض قد يكون بالقلب، أو بالبدن مع عدم استدبار" (١٠). قال المراغي: " وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾، مبالغة في الترك المستفاد من التولي، لأن الإنسان قد يتولى عن شىء وهو عازم على أن يعود إليه ويؤدى ما يجب له، فليس كل من تولّى عن شىء يكون معرضا عنه، وقد كان من توليهم وإعراضهم أن اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا مشرّعين يحلّون ويحرّمون، ويبيحون ويحظرون، ويزيدون ما شاءوا من الشعائر والمناسك الدينية، فكأنهم شركاء لله يشرّعون لهم ما لم يأذن به الله، كما كان من توليهم أن بخلوا بالمال في الواجبات الدينية كالنفقة على ذوى القربي وأداء الزكاة، وتركوا النهى عن المنكر إلى نحو ذلك مما يدل على الاستهتار بأمور الدين" (١١). واختلف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، على وجوه (١٢): الأول: أنه خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل، بأنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له. قاله الطبري (١٣).

стр. 694

والثاني: وقيل: عنى الله جل ثناؤه بقوله: ﴿وأنتم معرضون﴾، اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، وعنى بسائر الآية أسلافهم. كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم﴾: ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم، ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم. والثالث: أن "الآية خطاب لمعاصري محمد ﷺ أسند إليهم تولي أسلافهم، إذ هم كلهم بتلك السبيل. قاله ابن عطية (١)، وروي نحوه ابن عباس (٢). والقول الأول هو الاقرب إلى الصواب، وهو اختيار الجمهور، ومنهم الامام الطبري (٣). والله أعلم. الفوائد: ١ ن فوائد الآية: بيان عظمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا﴾؛ لأن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو العظيم الذي لا أعظم منه. ٢ ومنها: أن التوحيد جاءت به الرسل جميعاً؛ لقوله تعالى: (لا تعبدون إلا الله). ٣ ومنها: أن العبادة خاصة بالله. ﵎؛ فلا يعبد غيره؛ لقوله تعالى: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾؛ لأن هذا يفيد الحصر. ٤ ومنها: وجوب الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾؛ وإنما أوجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله ؛ ولذلك قال الله في سورة لقمان: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤]؛ فهما سبب وجودك، وإمدادك، وإعدادك. وإن كان أصل ذلك من الله؛ فلولا الوالدان ما كنت شيئاً؛ والإحسان إلى الوالدين شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وغير ذلك من أنواع الإحسان؛ وضده أمران؛ أحدهما أن يسيء إليهما؛ والثاني: أن لا يحسن، ولا يسيء؛ وكلاهما تقصير في حق الوالدين مناف لبرهما؛ وفي الإساءة زيادة الاعتداء. ٥ ومن فوائد الآية: وجوب الإحسان إلى ذوي القربى. أي قرابة الإنسان. وهم من يجتمعون به بالأب الرابع، فما دون؛ ولكن يجب أن نعلم أن الإحسان يتفاوت؛ فكل من كان أقرب فهو أولى بالإحسان؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي بحسب قوة ذلك الوصف؛ فمثلاً يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم؛ ويجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال. وقد اتفق العلماء أن حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المضرة دنيوياً غير واجبة، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: "أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصاً على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية" (٤). وقال رسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" (٥)، وأما حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية دنيوياً فغير واجبة على مذهب بعض أهل العلم طبعاً باستثناء الوالدين , وقالوا عن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلُم عنهم ويجهلون عليّ، فقال: : " لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك" (٦)، أن الحديث محمول على استحباب صلة الرحم المؤذية لا وجوب ذلك، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والورع يا عبدالله يقتضي صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية مالم تصل إلى حد الضرر , والفرق بين الضرر والأذى ـ والله أعلم ـ أن الأذى هو الضرر اليسير، قال ابن عطية: قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ـ معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة. وقال القرطبي: "وَالْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا ضَرًّا يَسِيرًا" (٧).

стр. 695

ولكن لا يلزم أن يكون هذا التفريق الثابت هنا ثابتا أيضا في لفظي المضرة والأذى المذكور في كلام ابن عبد البر، علما بأن الصلة تبدأ من السلام عند اللقاء، أو بمكالمة هاتفية أثناء الغيبة، وبهذا يخرج المرء من إثم الهجرة، ثم تمتد لتشمل كل أنواع البر الأخرى، فمن عجز عن درجة معينة من درجاتها فلا ينبغي أن يعجز عما تتحقق به الصلة في حدودها الدنيا. أما كيفية التوفيق بين قول النبي ﷺ : " مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إمَّا أن يحذيك، وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيِّبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد ريحًا خبيثة" (١)، وفيه التنفير من مجالسة رفيق السوء وكذلك قوله: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم الحديث، وفيه التنفير من الفساق وكذلك قول الرسول ﷺ : لا تصاحب إلا مؤمنا ـ وبين قول النبي ﵊: صل من قطعك ـ وقوله: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ـ ومن المعلوم بأن القاطع للرحم فاسق؟ الصلة لا تستلزم مصاحبة، فالصلة تحصل بكل ما اعتبره العرف صلة كالزيارة والإهداء والاتصال ونحو ذلك، ثم إن قول النبي ﷺ : " (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً فقال: لا، والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا" (٢)، حديث ضعيف الإسناد وضعفه الألباني , وبالتالي لا يُحتج به في الأحكام (٣). ٦ ومنها: وجوب الإحسان إلى اليتامى؛ وهو يشمل الإحسان إليهم أنفسهم؛ والإحسان في أموالهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ٧ ومنها: وجوب الإحسان إلى المساكين؛ وذلك بإعطائهم ما يستحقون من الزكاة، ودفع الضرورة، وما أشبه ذلك. ٨ ومنها: وجوب القول الحسن؛ لقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾؛ وضد القول الحسن قولان؛ قول سوء؛ وقول ليس بسوء، ولا حسن؛ أما قول السوء فإنه منهي عنه؛ وأما القول الذي ليس بسوء، ولا حسن فليس مأموراً به، ولا منهياً عنه؛ لكن تركه أفضل؛ ولهذا وصف الله عباد الرحمن بأنهم: ﴿لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مرُّوا كراماً﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ وقال الرسول ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً؛ أو ليصمت" (٤). ٩ ومنها: الأمر بإقامة الصلاة على وجه الوجوب فيما لا تصح الصلاة إلا به؛ وعلى وجه الاستحباب فيما تصح الصلاة بدونه وهو من كمالها. ١٠ ومنها: أن الصلوات مفروضة على من كان قبلنا. ١١ ومنها: وجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾. ١٢ ومنها: وجوب الزكاة على من كان قبلنا؛ ولكن لا يلزم أن يكونوا مساوين لنا في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أهلها الذين تدفع إليهم. ١٣ ومنها: أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم. ١٤ ومنها: أن تولي بني إسرائيل كان تولياً كبيراً، حيث كان تولياً بإعراض. ١٥ ومنها: أن المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض. ١٦ ومنها: أن التولي قد يكون بإعراض، وقد يكون بغير إعراض؛ لأنه لو كان بإعراض مطلقاً لم يستقم قوله: ﴿وأنتم معرضون﴾.

стр. 696

القرآن ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾ [البقرة: ٨٤] التفسير: واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض، وإخراج بعضكم بعضًا من دياركم، ثم اعترفتم بذلك، وأنتم تشهدون على صحته. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، "إذ أخذنا عليكم العهد" (١). قال الرازي: أي: "أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه" (٢). واختلف أهل التفسير في الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، على ثلاثة أوجه (٣): أحدها: أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي ﷺ . وثانيها: أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم. وثالثها: أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف. قوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، " أي: "لا يريق بعضكم دم بعض" (٤). قال الثعلبي: " لا تريقون دِماءَكُمْ" (٥). و(السفك) في اللغة: "الصب (٦). و﴿دماء﴾: جمع دم، واختلف في أصله على أقوال (٧): الأول: قال الزجاج: وأصل دم: (دَماء) في قول أكثر النحويين، ومنه قول الشاعر (٨): فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين وأنشد أبو زيد (٩): غفَلَتْ ثم أتت ترقبه ... فإذا هي بعظام ودَمَا والثاني: أن أصله: (دمْي)، إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه، حركت الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا. وهذا مذهب سيبويه (١٠). والثالث: وقال الليْث: أصله (دَمَيٌ)؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (١١).واختاره ابن عطية (١٢). قال الواحدي: "والأجود: ما حكاه الزجاج في أصل الدم. و (الدُّميَةُ) من الدم، كأنها الحَيَوان ذُو الدم" (١٣). قال ابن عثيمين: و (السفك)، و"السفح" بمعنى واحد؛ والمراد بسفك الدم: القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً" (١٤) أي يقتل نفساً بغير حق؛

стр. 697

و ﴿دماءكم﴾ أي دماء بعضكم؛ لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" (١)، وقال: "ويجير عليهم أقصاهم (٢) "" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، ثلاثة أوجه من القراءة: الأول: ﴿تُسْفِكُونَ﴾، بكسر الفاء. قراءة الجماعة. والثاني: وقرأ طلحة بن مصرف ﴿تُسْفِكُونَ﴾، بضم (الفاء) (٤). قال الثعلبي: " وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون" (٥). والثالث: وقرأ أبو مجلز: ﴿تُسَفِّكُونَ﴾، بالتشديد على التكثير (٦). قال الثعلبي: وإنّما قال ﴿دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، لمعنيين: أحدهما: إن كلّ قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة. والآخر: هو أنّ الرجل إذا قتل غيره كأنّما قتل نفسه لأنّه يقاد ويقتصّ منه" (٧). وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُم﴾ [البقرة: ٨٤]، فيه إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه، والجواب عنه من أوجه وهي (٨): الأول: لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كما ثبت في أهل بعض دول العالم، أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، من جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه، فهو عموم في جميع ذلك، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفا به (٩). والثاني: المراد لا يقتل بعضكم بعضا، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسبا ودينا وهو كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤]. وهذا قول أبي العالية (١٠) والسدي (١١). وروي عن قتادة (١٢)، والربيع بن أنس نحو ذلك (١٣). واختاره ابن عطية (١٤).

стр. 698

والثالث: وقيل: المراد القصاص، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه. أجازه الطبري (١). وقال ابن عطية: " وهذا تأويل فيه تكلف (٢)، والرابع: لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. والخامس: لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم. والصحيح "إنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسترق إلى غير ذلك من الطاعات" (٣). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، أي " ولا يخرج بعضكم بعضا من داره" (٤). قال الواحدي: " أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها" (٥). قال ابن عطية: أي: " ولا ينفي بعضكم بعضا بالفتنة والبغي" (٦). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، ثلاثة أوجه من التفسير: الأول: لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم. الثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضا من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك (٧). وهذا قول أبي العالية (٨). وروي عن الحسن (٩) والسدي (١٠) ومقاتل بن حيان (١١) نحو ذلك. والثالث: ولا تسبوا من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم. قاله الثعلبي (١٢). قال ابن عثيمين: "ولا شك أن الإخراج من الوطن شاق على النفوس؛ وربما يكون أشق من القتل" (١٣). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، " أي: قبلتم ذلك وأقررتم به" (١٤). قال أبو العالية: "يقول: : أقررتم بهذا الميثاق" (١٥). وروي عن الربيع مثله (١٦). قال الزجاج: " أي اعترفتم بأن هذا أخذ عليكم في العهد وأخذ على آبائكم" (١٧). قال الثعلبي: اي: "بهذا العهد إنّه حقّ" (١٨). قال الزمخشري: أي" بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه" (١٩). قال ابن عطية: " أي خلفا بعد سلف أن هذا الميثاق أخذ عليكم والتزمتموه فيتجه في هذه اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد وتتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله، أي أقررتم هذا الميثاق ملتزما" (٢٠). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، أي: " وأنتم أيها الباقون المخاطبون تشهدون أن هذا حق" (٢١). قال الثعلبي: أي: تشهدون "اليوم على ذلك يا معشر اليهود" (٢٢). واختلف في الخطاب في قوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، على وجهين: الأول: أنه خطاب لليهود المعاصرين للرسول- ﷺ ، والمعنى "وأنتم شهداء أي بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم فمن بعدهم" (٢٣). وهذا مذهب ابن عباس (٢٤). والثاني: أنه خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم، أخرجه بذلك عنهم مُخرج المخاطبة. قاله أبو العالية (٢٥). والراجح أنه خبر عن أسلافهم، ويدخل فيه المخاطبون منهم، "الذين أدركوا رسول الله ﷺ ، كما كان قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ خبرا عن أسلافهم، وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله ﷺ " (٢٦). وهذا اختيار الطبري (٢٧). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، وجوها (٢٨): الأول: أي: ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها. قاله الزمخشري (٢٩). وقواه القرطبي (٣٠). والثاني: اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعا فيما بينهم مشهورا. والثالث: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق. والرابع: الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال: فلان لا يقر على الضيم، فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته. قال الرازي: "وإن قيل: لم قال: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ والمعنى واحد، قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم، الثاني: أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون، الثالث: أنه للتأكيد" (٣١). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أُخذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضاً؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾. ٢ ومنها: تحريم إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم. ٣ ومنها: أن الأمة كالنفس الواحدة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم﴾. ٤ ومنها: الأسلوب البليغ في قوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾؛ وذلك أن مثل هذا التعبير فيه الحث البليغ على اجتناب ما نُهي عنه، وكأن الذي اعتدى على غيره قد اعتدى على نفسه ٥ ومنها: أن بني إسرائيل قد أقروا على أنفسهم بهذا الميثاق، وشهد بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون.﴾. القرآن

стр. 699

﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥] التفسير: ثم أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضًا، ويُخرج بعضكم بعضًا من ديارهم، ويَتَقَوَّى كل فريق منكم على إخوانه بالأعداء بغيًا وعدوانًا. وأن يأتوكم أسارى في يد الأعداء سعيتم في تحريرهم من الأسر، بدفع الفدية، مع أنه محرم عليكم إخراجهم من ديارهم. ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها! فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا، ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار، وما الله بغافل عما تعملون. في سبب نزول الآية: قال ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس: " كانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج (١)، والنضير وقريظة (٢) حلفاء الأوس (٣)، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض. يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا". قال ابن اسحاق: "ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة" (٤). أخرجه الطبري (٥)، وروي عن السدي (٦)، وابن زيد نحو ذلك (٧). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد فتقتلون أنفسكم" (٨). قال ابن عباس: " أي أهل الشرك حتى يسفكوا دماءهم معهم" (٩). وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس: " ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾، يقول: يقتل بعضكم بعضا" (١٠). وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك (١١).

стр. 700

قال المراغي: " أي يقتل بعضكم بعضا كما كان يفعل من قبلكم، مع أنكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم" (١). قال الصابوني: "أي ثم نقضتم أيضاً الميثاق يا معشر اليهود بعد إقراركم به، فقتلتم إِخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل" (٢). وروي عن السدي أنه قال: "كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سمير فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها. النضير وحلفائهم. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ويغلبون فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها فإذا أسر رجل من الفريقين ليهما جمعوا له حتى يفدوه فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا: إنا نستحي أن يستدل بحلفائنا. فذلك حين عيرهم الله فقال: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم" (٣). قال ابن عطية: " ﴿هؤُلاءِ﴾ دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى الأسلاف" (٤). وكذا قاله الواحدي (٥). قال ابن عثيمين: " والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ ؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك، ورضوا به" (٦). وقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥]، يحتمل وجهين (٧): الأول: أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء، فترك (يا)، استغناء بدلالة الكلام عليه، كما قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، أي: يا يوسف أعرض عن هذا. ااختاره الثعلبي (٨). والثاني: أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم، فيرجع إلى الخبر عن (أنتم). وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم بـ ﴿هؤلاء﴾، كما تقول العرب: أنا ذا أقوم، وأنا هذا أجلس، وإذْ قيل: أنا هذا أجلس، كان صحيحا جائزا كذلك: أنت ذاك تقوم. قال الإمام الطبري: "وقد زعم بعض البصريين أن قوله ﴿هؤلاء﴾ في قوله: ﴿ثم أنتم هؤلاء﴾، تنبيه وتوكيد لـ ﴿أنتم﴾، . وزعم أن ﴿أنتم﴾ وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين، فإنما جاز أن يؤكدوا بـ ﴿هؤلاء﴾ و (أولاء)، لأنها كناية عن المخاطبين، كما قال خفاف بن ندبة (٩): أقولُ له، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ: ... تأمَّل خُفافًا، إنني أنا ذلِكَا يريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. وقد اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله: ﴿وأنتم تشهدون ﴿(١٠): الأول: أن الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع، وذلك أن النضير وقريظة حالفت الأوس، وبني قينقاع حالفت الخزرج، فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها فقتل بعضهم بعضا وأخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة وهم قد خالفوها بالقتال والإخراج (١١). قاله ابن عباس (١٢)، وروي عن السدي (١٣)، وابن زيد نحو ذلك (١٤). قال ابن إسحاق: "ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة" (١٥). والثاني: قال أبو العالية: "كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم" (١٦). وقوله ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، قراءة العامّة بالتخفيف، من القتل، وقرأ الحسن: ﴿تُقَتِّلُونَ﴾، بالتثقيل من التقتيل (١٧). قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي كما طردتموهم من ديارهم من غير التفات إِلى العهد الوثيق" (١٨). روي عن ابن عباس: ﴿وتخرجون فريقا منكم من ديارهم﴾، قال: يخرجونهم من ديارهم معهم" (١٩). وروي عن الحسن، وقتادة نحو ذلك (٢٠). قوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥]، أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم" (٢١). قال الواحدي: " أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم" (٢٢). قال ابن عثيمين: أي بالمعصية والإعتداء على الغير بغير حق، فكل عدوان معصية؛ وليست كل معصية عدواناً. إلا على النفس: فالرجل الذي يشرب الخمر عاصٍ، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصوماً هذا آثم، ومعتد؛ والذي يخرجه من بلده آثم، ومعتد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾؛ فهؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار، والشهادة لم يقوموا به؛ أخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان" (٢٣). قال ابن عباس: " كانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم" (٢٤). وقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾] البقرة: ٨٥]، أي: تتعاونون، مشتق من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر (٢٥)، ومنه قول الشاعر (٢٦): تظاهرتم أستاه بيت تجمعت ... على واحد لا زلتم قرن واحد

стр. 701

و (الإثم): "الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم والعدوان: الإفراط في الظلم والتجاوز فيه" (١). قال سعيد بن جبير: " بالإثم بعد المعصية" (٢). وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك (٣). وفي تفسير (العدوان) قولان (٤): أحدهما: أنه مجاوزة الحق. والثاني: أنه في الإفراط في الظلم (٥). روي نحوه عن سعيد بن جبير (٦). وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: ﴿تظاهرون﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجوه (٧): الأول: قرأها بعضهم: ﴿تظاهرون﴾ على مثال (تفاعلون)، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تاء الفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله ﴿وَلا تَعاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] (٨). والثاني: وقرأها أهل المدينة وأهل مكة: ﴿تظَّاهرون﴾، فشدد، بتأويل: ﴿تتظاهرون﴾، غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة. واختاره أبو حاتم (٩). والثالث: وقرأ الكوفيون ﴿تظاهرون﴾ مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤]. والرابع: وقرأ قتادة وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿تظهرون عليهم﴾، وشددة الظاء، وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ [الفرقان: ٥٥] وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] (١٠). والقراءة الأولى والثانية، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى. فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار ﴿تظاهرون﴾، المشددة طلبا منه تتمة الكلمة (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي إذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر" (١٢). قال ابن عباس: " وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم" (١٣). قال الواحدي: "إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم" (١٤). قال ابن عثيمين: " يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله" (١٥). واختلفت القراءة في قوله ﴿أسارى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجوه (١٦): الأول: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿أسرى تفدوهم﴾.

стр. 702

والثاني: وقرأ نافع وعاصم والكسائي ﴿أسارى تفادوهم﴾ (١) بألف فيهما. والثالث: وقرأ حمزة ﴿أسرى تفدوهم﴾، بغير ألف فيهما. والرابع: وكان أبو عمرو وحمزة والكسائي يكسرون الراء. والخامس: وكان عاصم وابن كثير يفتحان الراء. والخامس: وكان نافع يقرأ بين الفتح والكسر. وقد رجّح الإمام الطبري قراءة ﴿وإن يأتوكم أسرى﴾، "لأن (فعالى) في جمع (فعيل)، غير مستفيض في كلام العرب " (٢). وأصل الأسر في اللغة: الشدّ (٣)، و (الأسير) مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول: قد أسر قتبه، أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى (٤): وقيدني الشعر في بيته ... كما قيد الآسرات الحمارا أي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه، فأما الأسر في قوله : ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم (٥). وفي الفرق بين (أَسْرَى) و (أُسَارَى) ثلاثة أقوال: أحدها: أن (أَسْرَى)، جمع (أسير)، و (أُسَارَى) جمع (أَسْرَى) (٦). والثاني: أنه ما صار في اليد فهم (أسارى)، وما جاء مستأسرا فهو (أسرى). وهذا قول أبي عمرو بن العلاء (٧). قال أبو بكر النقاش: "سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لا فرق بينهما" (٨). والثالث: وحكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: " (الأسارى): هم المقيّدون المشدّدون، و (الأسرى): هم المأسورون غير المقيدين" (٩). و(الفداء): طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم، قال الجوهري: " الفداء إذا كُسر أوّله يُمدُّ ويُقصر، وإذا فُتح فهو مقصور. يقال: قم فدًى لك أبي. ومن العرب مَن يكسر فداء للتنوين إذا جاور لام الجرّ خاصّة، فيقول: فِداءٍ لك؛ لأنّه نكرة، يريدون به معنى الدعاء .. ويقال: فداه وفاداه، إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه تفديةً، إذا قال له: جُعلت فداءك" (١٠)، وبذلك فإن (الفداء) يأتي بمعنى التخليص، وفكاك الأسير، نقول: فَدَتْ وَافْتَدَتْ وَفَادَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا: بَذَلَتْ لَهُ مَالاً لِيُطَلِّقَهَا، وَقَال الْوَزِيرِ بْنِ الْمَعَرِّيِّ: " يُقَال: فَدَى: إِذَا أَعْطَى مَالاً وَأَخَذَ رَجُلاً، وَأَفْدَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ مَالاً، وَفَادَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ رَجُلاً "، وَالْفِدَاءُ وَالْفِدْيَةُ وَالْفَدَى كُلُّهُ بِمَعْنًى واحد، وَالْفِدْيَةُ اسْمٌ لِلْمَال الَّذِي يُفْتَدَى بِهِ الأسِيرُ (١١).

стр. 703

أما في الاصطلاح الشرعي، فإن الفداء لا يخرج عن معناه اللغوي، وعليه فيمكن القول: إن الفداء اصطلاحاً هو: " بذل المال ونحوه من سلاح وغيره مقابل افتكاك الأسير من قبضة عدوه" (١). وأنشد الأصمعي للنابغة (٢): مهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد وقد اتفق الفقهاء على مشروعية مفاداة أسرى المسلمين بالمال؛ بل تجب المفاداة إذا تعينت وسيلة لذلك؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يفد الإمام والمسلمون أثموا جميعا، لأنها من فروض الكفاية التي تسقط بقيام البعض بها (٣). وقوله تعالى ﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ بوجهين (٤): الأول: قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء. والثاني: قرأ الباقون ﴿تَفْدُوهم﴾، بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ " (٥). أخرج ابن أبي حاتم: " عن ابن عباس: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم﴾، في كتابكم: إخراجهم" (٦). قال ابن عثيمين: أي: " "تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم" (٧). وقال قتادة: " والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر" (٨). وقوله تعالى ﴿هُوَ﴾، يحتمل وجهين من الإعراب (٩): الأول: مبتدأ وهو كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره، كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر (الإخراج) الذي بعد ﴿وهو محرم عليكم﴾، تكريرا على ﴿هو﴾، لما حال بين (الإخراج) و (هو) كلام، ويقرأ ﴿وهو﴾ بسكون الهاء لثقل الضمة، كما قال الشاعر (١٠): فهْو لا تنمي رميته ... ماله لا عد من نفره (١١) الثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت (الواو) التي مع ﴿هو﴾ تقتضي اسما يليها دون الفعل، فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه (الواو) أن يليها - أُولِيَتْ (هو)، لأنه اسم، كما تقول: أتيتك وهو قائم أبوك، بمعنى: وأبوك قائم، إذ كانت (الواو) تقتضي اسما، فعمدت بـ (هو)، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام، كما قال الشاعر (١٢):

стр. 704

فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ... على العيس في آباطها عَرَق يَبْسُ بأن السُّلامِيَّ الذي بِضَرِيَّة ... أميرَ الحمى، قد باع حَقِّي بني عبسِ بثوب ودينار وشاة ودرهم ... فهل هو مرفوع بما ههنا رَأْسُ فأوليت (هل) (هو) لطلبها الاسم العماد. و(المحرم): الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما ناله سواه. وقول زُهَير (١): يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ ... وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ أي: ليس بممنوع (٢). قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي: أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ " (٣). قال السدي: " كان إيمانهم ببعض الكتاب حين فدوا الأسارى" (٤). قال ابن عباس: " أي تفاديه بحكم التوراة، وتقتله. وفي حكم التوراة ألا تفعل" (٥). وقال أبو العالية: " آمنوا بالفدية ففدوا وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا" (٦). وقال عطاء الخراساني: " فكفرهم أنهم كانوا يقتلون أبناءهم وأنفسهم. وإيمانهم أنهم كانوا يرون حقا عليهم أن يفادوا من وجدوا منهم أسيرا" (٧). وقال الثعلبي: " فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والإخراج والمظاهرة" (٨). قال ابن عثيمين: "والاستفهام هنا للإنكار، والتوبيخ؛ والفاء في قوله تعالى: ﴿أفتؤمنون﴾ عاطفة؛ وسبق الكلام على مثل ذلك؛ أعني وقوع العاطف بعد همزة الاستفهام (٩)؛ ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب،

стр. 705

ويكفرون ببعض: أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛ وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف، والتماس الأعذار" (١). وقد قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] وهو التوراة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]! ! (٢). وقال الواحدي: " ولم يذمّهم على الفداء، بل على المناقضة، إذ أتوا ببعض الواجب، وتركوا بعضاً. وتكون المناقضة آكد في الذمّ، ولا يقال الإخراج معصية. فلم سماها كفراً؟ لأنا نقول: لعلهم صرّحوا بأن ترك الإخراج غير واجب، مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه. والبعض الذي آمنوا به، إن كان المراد بالكتاب التوراة، فيكون عامًّا فيما آمنوا به من أحكامها، وفداء الأسير من جملته. والبعض الذي كفروا به: هو قتل بعضهم بعضاً، وإخراج بعضهم من ديارهم، والمظاهرة بالإثم والعدوان، من جملة ما كفروا به من التوراة. وقيل: معناه يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أسرى قبيلتكم، وتتركون أسرى أهل ملتكم ولا تفادونهم" (٣). قال السعدي: " وهذا الفعل المذكور في هذه الآية، فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي ﷺ مشركين، وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود، بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة، فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود، فيقتل اليهودي اليهودي، ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا، والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم، وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ وهو فداء الأسير ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو القتل والإخراج، وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا" (٥). قال ابن عباس: " فأنبأهم بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فداء أسراهم" (٦). قال السعدي: " وقد وقع ذلك فأخزاهم الله، وسلط رسوله عليهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى منهم، وأجلى من أجلى" (٧). قال الطبري: " (الجزاء): الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه .. و (الخزي): الذل والصغار، يقال منه: " خزي الرجل يخزى خزيا" (٨).
следующие страницы →