← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

و (الإثم): "الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم والعدوان: الإفراط في الظلم والتجاوز فيه" (١). قال سعيد بن جبير: " بالإثم بعد المعصية" (٢). وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك (٣). وفي تفسير (العدوان) قولان (٤): أحدهما: أنه مجاوزة الحق. والثاني: أنه في الإفراط في الظلم (٥). روي نحوه عن سعيد بن جبير (٦). وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: ﴿تظاهرون﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجوه (٧): الأول: قرأها بعضهم: ﴿تظاهرون﴾ على مثال (تفاعلون)، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تاء الفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله ﴿وَلا تَعاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] (٨). والثاني: وقرأها أهل المدينة وأهل مكة: ﴿تظَّاهرون﴾، فشدد، بتأويل: ﴿تتظاهرون﴾، غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة. واختاره أبو حاتم (٩). والثالث: وقرأ الكوفيون ﴿تظاهرون﴾ مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤]. والرابع: وقرأ قتادة وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿تظهرون عليهم﴾، وشددة الظاء، وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ [الفرقان: ٥٥] وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] (١٠). والقراءة الأولى والثانية، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى. فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار ﴿تظاهرون﴾، المشددة طلبا منه تتمة الكلمة (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي إذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر" (١٢). قال ابن عباس: " وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم" (١٣). قال الواحدي: "إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم" (١٤). قال ابن عثيمين: " يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله" (١٥). واختلفت القراءة في قوله ﴿أسارى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجوه (١٦): الأول: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿أسرى تفدوهم﴾.

стр. 702

والثاني: وقرأ نافع وعاصم والكسائي ﴿أسارى تفادوهم﴾ (١) بألف فيهما. والثالث: وقرأ حمزة ﴿أسرى تفدوهم﴾، بغير ألف فيهما. والرابع: وكان أبو عمرو وحمزة والكسائي يكسرون الراء. والخامس: وكان عاصم وابن كثير يفتحان الراء. والخامس: وكان نافع يقرأ بين الفتح والكسر. وقد رجّح الإمام الطبري قراءة ﴿وإن يأتوكم أسرى﴾، "لأن (فعالى) في جمع (فعيل)، غير مستفيض في كلام العرب " (٢). وأصل الأسر في اللغة: الشدّ (٣)، و (الأسير) مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول: قد أسر قتبه، أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى (٤): وقيدني الشعر في بيته ... كما قيد الآسرات الحمارا أي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه، فأما الأسر في قوله : ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم (٥). وفي الفرق بين (أَسْرَى) و (أُسَارَى) ثلاثة أقوال: أحدها: أن (أَسْرَى)، جمع (أسير)، و (أُسَارَى) جمع (أَسْرَى) (٦). والثاني: أنه ما صار في اليد فهم (أسارى)، وما جاء مستأسرا فهو (أسرى). وهذا قول أبي عمرو بن العلاء (٧). قال أبو بكر النقاش: "سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لا فرق بينهما" (٨). والثالث: وحكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: " (الأسارى): هم المقيّدون المشدّدون، و (الأسرى): هم المأسورون غير المقيدين" (٩). و(الفداء): طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم، قال الجوهري: " الفداء إذا كُسر أوّله يُمدُّ ويُقصر، وإذا فُتح فهو مقصور. يقال: قم فدًى لك أبي. ومن العرب مَن يكسر فداء للتنوين إذا جاور لام الجرّ خاصّة، فيقول: فِداءٍ لك؛ لأنّه نكرة، يريدون به معنى الدعاء .. ويقال: فداه وفاداه، إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه تفديةً، إذا قال له: جُعلت فداءك" (١٠)، وبذلك فإن (الفداء) يأتي بمعنى التخليص، وفكاك الأسير، نقول: فَدَتْ وَافْتَدَتْ وَفَادَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا: بَذَلَتْ لَهُ مَالاً لِيُطَلِّقَهَا، وَقَال الْوَزِيرِ بْنِ الْمَعَرِّيِّ: " يُقَال: فَدَى: إِذَا أَعْطَى مَالاً وَأَخَذَ رَجُلاً، وَأَفْدَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ مَالاً، وَفَادَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ رَجُلاً "، وَالْفِدَاءُ وَالْفِدْيَةُ وَالْفَدَى كُلُّهُ بِمَعْنًى واحد، وَالْفِدْيَةُ اسْمٌ لِلْمَال الَّذِي يُفْتَدَى بِهِ الأسِيرُ (١١).

стр. 703

أما في الاصطلاح الشرعي، فإن الفداء لا يخرج عن معناه اللغوي، وعليه فيمكن القول: إن الفداء اصطلاحاً هو: " بذل المال ونحوه من سلاح وغيره مقابل افتكاك الأسير من قبضة عدوه" (١). وأنشد الأصمعي للنابغة (٢): مهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد وقد اتفق الفقهاء على مشروعية مفاداة أسرى المسلمين بالمال؛ بل تجب المفاداة إذا تعينت وسيلة لذلك؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يفد الإمام والمسلمون أثموا جميعا، لأنها من فروض الكفاية التي تسقط بقيام البعض بها (٣). وقوله تعالى ﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ بوجهين (٤): الأول: قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء. والثاني: قرأ الباقون ﴿تَفْدُوهم﴾، بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ " (٥). أخرج ابن أبي حاتم: " عن ابن عباس: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم﴾، في كتابكم: إخراجهم" (٦). قال ابن عثيمين: أي: " "تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم" (٧). وقال قتادة: " والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر" (٨). وقوله تعالى ﴿هُوَ﴾، يحتمل وجهين من الإعراب (٩): الأول: مبتدأ وهو كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره، كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر (الإخراج) الذي بعد ﴿وهو محرم عليكم﴾، تكريرا على ﴿هو﴾، لما حال بين (الإخراج) و (هو) كلام، ويقرأ ﴿وهو﴾ بسكون الهاء لثقل الضمة، كما قال الشاعر (١٠): فهْو لا تنمي رميته ... ماله لا عد من نفره (١١) الثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت (الواو) التي مع ﴿هو﴾ تقتضي اسما يليها دون الفعل، فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه (الواو) أن يليها - أُولِيَتْ (هو)، لأنه اسم، كما تقول: أتيتك وهو قائم أبوك، بمعنى: وأبوك قائم، إذ كانت (الواو) تقتضي اسما، فعمدت بـ (هو)، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام، كما قال الشاعر (١٢):

стр. 704

فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ... على العيس في آباطها عَرَق يَبْسُ بأن السُّلامِيَّ الذي بِضَرِيَّة ... أميرَ الحمى، قد باع حَقِّي بني عبسِ بثوب ودينار وشاة ودرهم ... فهل هو مرفوع بما ههنا رَأْسُ فأوليت (هل) (هو) لطلبها الاسم العماد. و(المحرم): الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما ناله سواه. وقول زُهَير (١): يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ ... وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ أي: ليس بممنوع (٢). قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي: أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ " (٣). قال السدي: " كان إيمانهم ببعض الكتاب حين فدوا الأسارى" (٤). قال ابن عباس: " أي تفاديه بحكم التوراة، وتقتله. وفي حكم التوراة ألا تفعل" (٥). وقال أبو العالية: " آمنوا بالفدية ففدوا وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا" (٦). وقال عطاء الخراساني: " فكفرهم أنهم كانوا يقتلون أبناءهم وأنفسهم. وإيمانهم أنهم كانوا يرون حقا عليهم أن يفادوا من وجدوا منهم أسيرا" (٧). وقال الثعلبي: " فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والإخراج والمظاهرة" (٨). قال ابن عثيمين: "والاستفهام هنا للإنكار، والتوبيخ؛ والفاء في قوله تعالى: ﴿أفتؤمنون﴾ عاطفة؛ وسبق الكلام على مثل ذلك؛ أعني وقوع العاطف بعد همزة الاستفهام (٩)؛ ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب،

стр. 705

ويكفرون ببعض: أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛ وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف، والتماس الأعذار" (١). وقد قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] وهو التوراة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]! ! (٢). وقال الواحدي: " ولم يذمّهم على الفداء، بل على المناقضة، إذ أتوا ببعض الواجب، وتركوا بعضاً. وتكون المناقضة آكد في الذمّ، ولا يقال الإخراج معصية. فلم سماها كفراً؟ لأنا نقول: لعلهم صرّحوا بأن ترك الإخراج غير واجب، مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه. والبعض الذي آمنوا به، إن كان المراد بالكتاب التوراة، فيكون عامًّا فيما آمنوا به من أحكامها، وفداء الأسير من جملته. والبعض الذي كفروا به: هو قتل بعضهم بعضاً، وإخراج بعضهم من ديارهم، والمظاهرة بالإثم والعدوان، من جملة ما كفروا به من التوراة. وقيل: معناه يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أسرى قبيلتكم، وتتركون أسرى أهل ملتكم ولا تفادونهم" (٣). قال السعدي: " وهذا الفعل المذكور في هذه الآية، فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي ﷺ مشركين، وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود، بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة، فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود، فيقتل اليهودي اليهودي، ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا، والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم، وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ وهو فداء الأسير ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو القتل والإخراج، وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا" (٥). قال ابن عباس: " فأنبأهم بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فداء أسراهم" (٦). قال السعدي: " وقد وقع ذلك فأخزاهم الله، وسلط رسوله عليهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى منهم، وأجلى من أجلى" (٧). قال الطبري: " (الجزاء): الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه .. و (الخزي): الذل والصغار، يقال منه: " خزي الرجل يخزى خزيا" (٨).

стр. 706

والخزي: "الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه (١)، قال شمر (٢): أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِي﴾ [هود: ٢٣٠] أي: لا تفضحوني (٣)، قال أبو عبيد: "يُقال: خزِي يخزى خِزيًا: إذا هلك" (٤). وقال ابن السراج: "معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا" (٥). ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه، على وجوه (٦): الأول: فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد ﷺ : من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا، والانتقام للمظلوم من الظالم (٧). والثاني: أن ذلك، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا (٨). والثالث: أنه كان خزي قريظة القتل والسّبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم وجنانهم إلى أذرعات وريحا من الشّام، فكان ذلك خزيا في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم (٩). قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي وهم صائرون في الآخرة إِلى عذاب أشدّ منه" (١٠). قال السعدي: "أي أعظمه" (١١). قال الثعلبي: " وهو عذاب النّار" (١٢). و﴿َيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي يوم البعث؛ وسمي بذلك؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين؛ ولأنه يقوم فيه الأشهاد؛ ولأنه يقام فيه العدل؛ و (يوم القيامة) ظرف متعلق بـ (يردون) أي يرجعون من ذلّ الدنيا، وخزيها؛ (إلى أشد العذاب) أي أعظمه؛ و (العذاب): العقوبة (١٣). وفي قوله تعالى ﴿أشد العذاب﴾ ثلاثة أقوال (١٤): أحدها: أنه عذاب لا رَوْح فيه (١٥) تتصل أجزاؤه، فلا يفتر أبدا عنهم. والثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا، بتضعيف الألم فيه. والثالث: أن ﴿أشد العذاب﴾، الخلود في جهنم. قاله ابن عطية (١٦). و(الردُّ): "الرجع. يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان. والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام" (١٧).

стр. 707

وقرأ الحسن وابن هرمز: ﴿تردون﴾ بتاء، على الخطاب لقوله ﴿مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿يُردّون﴾، بلفظ الجمع لمعنى ﴿مَنْ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، "أي الله بالمرصاد لا يغفل عن أفعالهم" (٢). قال ابن عثيمين: "نفى الله عن نفسه صفة الغفلة؛ وذلك لكمال علمه، ومراقبته" (٣). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجهين (٤): الأوزل: قرأ نافع وابن كثير ﴿يعملون﴾، بـ (ياء) على ذكر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمد ﷺ ، والآية واعظة لهم بالمعنى إن الله تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص. والثاني: وقرأ الباقون ﴿تَعْمَلُونَ﴾، بـ (تاء) على الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية. قال ابن عطية: "وهو الأظهر" (٥). ويحتمل أن يكون الخطاب لأمة محمد ﷺ ، لما روي أن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: "إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث (٦)، يريد: وبما يجري مجراه (٧). الفوائد: ١. ومنها: بيان تمرد بني إسرائيل؛ حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم، فصار بعضهم يقتل بعضاً، ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم. ٢. ومنها: أن بعضهم يتعالى على بعض بالإثم، والعدوان. ٣. ومنها: تحريم التظاهر على الغير بغير حق؛ لقوله تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾؛ وأما إذا علا عليه بحق فإن هذا لا بأس به؛ فإن الله فضل العباد بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥]. ٤. ومنها: تناقض بني إسرائيل في دينهم، وقبولهم للشريعة؛ حيث إنه يقتل بعضهم بعضاً، ويخرج فريقاً من ديارهم؛ ثم إذ أتى بعضهم أسيراً فاداه. أي دفع فدية لفك أسره؛ لأنه واجب عليهم في شريعتهم أن يفدي بعضهم بعضاً؛ وهذا من الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾. ٥. ومنها: أن الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها؛ وجه ذلك أن الله توعد هؤلاء الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض؛ ومثل ذلك إذا آمن ببعض الرسل دون بعض فإنه كفر بالجميع؛ ودليل ذلك قوله ﵎: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]. ونوح هو أول الرسل لم يسبقه رسول؛ ومع ذلك جعل الله المكذبين له مكذبين لجميع الرسل؛ ولقوله تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا * أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]. ٦. ومن فوائد الآية: مضاعفة العقوبة على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب﴾. ٧. ومنها: إثبات يوم القيامة؛ وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين مبعوثين من قبورهم. ٨. ومنها: تهديد الذين نقضوا العهد؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾. ٩. ومنها: كمال علم الله ، ومراقبته لخلقه.

стр. 708

١٠. ومنها: إثبات أن صفات الله تعالى ثبوتية، ومنفية؛ لكن يجب أن نعلم أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى؛ وإنما النفي الواقع في صفاته لبيان كمال ضد ذلك المنفي؛ ففي قوله ﵎: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩] إثبات كمال العدل مع نفي الظلم عنه؛ وفي قوله تعالى: ﴿وما مسَّنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] إثبات كمال القوة مع نفي اللغوب عنه؛ وعلى هذا فقس؛ فالضابط في الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه أنها تدل على نفي تلك الصفة، وعلى ثبوت كمال ضدها. القرآن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦] التفسير: أولئك هم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب، وليس لهم ناصر ينصرهم مِن عذاب الله. قال ابن عباس: "نزلت في اليهود، الذين تقدّم ذكرهم أنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض" (١). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]، أي: " هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اختاروا الدنيا على الآخرة" (٢). قال الثعلبي: أي: " استبدلوا" (٣). قال النسفي: " اختاروها على الآخرة اختيار المشتري" (٤). قال ابن كثير: " أي: استحبوها على الآخرة واختاروها" (٥). قال القاسمي: " أي آثروا الْحَياةَ الدُّنْيا على خساستها. واستبدلوها بِالْآخِرَةِ مع نفاستها" (٦). قال الآلوسي: " أي آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها" (٧). قال الشوكاني: أي: " استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة" (٨). قال قتادة: " استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة" (٩). وقال ابن مسعود: " أخذوا الضلالة وتركوا الهدى" (١٠). قال ابن عطية: " جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا" (١١). وقال الطبري: " وإنما وصفهم الله جل ثناؤه ببأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها، عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين. فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله، ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا" (١٢). قال القرطبي: " والشراء هنا مستعار، والمعنى استحبوا الكفر على الإيمان، كما قال: " فاستحبوا العمى على الهدى " [فصلت: ١٧] فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه" (١٣). قوله تعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ٨٦]، "أي لا يهوَّن عنهم، لا زمناً، ولا شدة، ولا قوة" (١٤).

стр. 709

قال أبو العالية: " هو كقوله: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [المرسلات: ٣٥] " (١). قال ابن كثير: " أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة" (٢). وقال الثعلبي: لا" يهون" (٣). وقال القاسمي: " في واحدة من الدارين" (٤). قال الآلوسي: أي العذاب الموعود به "يوم القيامة، أو مطلق الْعَذابُ دنيويا كان أو أخرويا" (٥). وفي دخول الفاء في قوله: ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ [البقرة: ٨٦]، قولان (٦): أحدهما: العطف على (اشتروا) والقول الآخر بمعنى جواب الأمر، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم، والأول أوجه، لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار. والثاني: أن بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم، لأنه لو انقطع لكان قد خف، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه، والأولى أن يقال: إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه. قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]، " أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله" (٧). قال ابن كثير: " أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه" (٨). قال الثعلبي: أي ولا هم" يمنعون من عذاب الله" (٩). قال النسفي: " ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم" (١٠). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]، على وجهين (١١): الأول: الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة، يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم. واختاره الرازي (١٢). والثاني: ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا. والثالث: أنهم لا ينصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة. قاله ابن عطية (١٣). والراجح هو القول الأخير، لأنه أشمل، ويجمع بين القولين. فهم لا ينصرون بدفع الخزي إلى آخر الدنيا أو بدفع الجزية في الدنيا، والتعذيب في العقبى (١٤). والله أعلم. الفوائد: ١. من فوائد الآية: توبيخ من اختار الدنيا على الآخرة؛ وهو مع كونه ضلالاً في الدين سفه في العقل؛ إذ إن الدنيا متاع قليل، ثم يزول؛ والآخرة خير، وأبقى. ٢. ومنها: أن هؤلاء القوم خالدون في العذاب أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾.

стр. 710

٣.ومنها: أن المجرم لا يجد ناصراً له يمنعه من عذاب الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾. القرآن ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧] التفسير: ولقد أعطينا موسى التوراة، وأتبعناه برسل من بني إسرائيل، وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات، وقوَّيناه بجبريل ﵇. أفكلما جاءكم رسول بوحي من عند الله لا يوافق أهواءكم، استعليتم عليه، فكذَّبتم فريقًا وتقتلون فريقًا؟ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧]، " أي أعطينا موسى التوراة" (١). قال البيضاوي: أي التوراة" (٢). قال الثعلبي: أي: " التوراة جملة واحدة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧]، " أي أتبعنا من بعده بالرسل (٤). قال الثعلبي: أي: " أردفنا واتبعنا من بعده رسولا بعد رسول" (٥). قال البيضاوي: " أي أرسلنا على أثره الرسل، كقوله : ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ " (٦). قال الصابوني: " أي أتبعنا وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل" (٧). قال الواحدي: " أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه" (٨). قال الطبري: " أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى ﵇ إلى زمان عيسى بن مريم فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها" (٩). قال أبو السعود: " أي: أرسلناهم على أَثَرِه كقوله تعالى ثُمَّ ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا﴾ وهم يوشَعُ وأشمَويلُ وشمعونُ وداودُ وسليمانُ وشَعْيا وأرميا وعُزيرٌ وحزْقيل وإلياسُ واليسعُ ويونسُ وزكريا ويحيى وغيرُهم عليهم الصلاة والسلام" (١٠). يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا، قال الشاعر (١١): إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب ومنه: قافية الشعر (١٢). قوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٨٧]، " أي أعطينا عيسى الآيات البينات والمعجزات الواضحات الدالة على نبوته" (١٣). قال الواحدي: يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (١٤) والمائدة (١٥) " (١٦).

стр. 711

قال البيضاوي: " المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، والإِخبار بالمغيبات. أو الإنجيل" (١). قال ابن عثيمين: " وهذه الآية البينات، تشمل الآيات الشرعية، كالشريعة التي جاء بها؛ والآيات القدرية الكونية، كإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله" (٢). وفي تفسير: ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٨٧]، وجوه (٣): أحدها: أن البينات التي أوتيها عيسى إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسْقَام. قاله ابن عباس (٤). وثانيها: أنها الإنجيل. وثالثها: وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى. و(عيسى) بالسرناية: إيشوُعُ، ومعناه المبارك، ومريم بمعنى الخادم، وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال، وبه فُسر قولُ رؤبة (٥): قلتُ لزيرٍ لم تصِلْه مَرْيمُه ... ضليلِ أهواءِ الصِّبا تندّمُهْ (٦) وعيسى ﵇: "هو ابن مريم، كونه الله في بطنها بدون مس رجل، وأمه مريم ابنة عمران من سبط يهوذا" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: ٨٧]، "أي قويناه وشددنا أزره بجبريل ﵇" (٨). قال الضحاك" يقول: نصرناه" (٩). قال الواحدي: " أي: قويناه" (١٠). قال الثعلبي: " قويناه وأعناه (١١). والأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس (١٢): فَأَثَّتْ أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه ... ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا

стр. 712

أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (١)، يقال منه: أيدك الله، أي قواك، وهو رجل ذو أَيْد، وذو آد، يراد: ذو قوة، ومنه قول العجاج (٢): من أن تبدلت بآدي آدا يعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر (٣): إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو جَلَد وبطش أيِّد يعني بالأيد: القوي (٤). وقرأ مجاهد وابن محيصن ﴿آيدناه﴾، بالمد، وهما لغتان (٥). وقرأ ابن كثير في تفسيره ﴿القُدْس﴾، بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها (٦)، "وهُما حسنان" (٧)، قال الثعلبي: "وهما لغتان مثل الرّعب والسّحت ونحوهما" (٨). واختلف أهل التفسير في معنى ﴿ِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، على وجوه: القول الأول: أنه جبريل ﵇ (٩) والقدس: الطهارة، هو قول قتادة (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، والسدي (١٢)، والضحاك (١٣)، ومحمد ابن كعب القرظي (١٤)، وعطية العوفي (١٥)، وإسماعيل بن أبي خالد (١٦)، وشهر بن حوشب الأشعري (١٧). واختاره الزجاج (١٨)، والطبري (١٩)، والشنقيطي (٢٠)، وغيرهم. ويؤيده قوله ﷺ : "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك" (٢١). ومنه قول حسان (٢٢):

стр. 713

وجبريل رسول الله ينادي ... وروح القدس ليس به خفاء وعن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم" (١). وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفخ في روعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (٢). واختلفوا في سبب تسمية (جبريل)، بروح القدس، على ثلاثة أقاويل (٣): أحدها: أنه سُمِّيَ رُوحاً، لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان، يحيي بما يأتي به من البينات من الله ، كما قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أي: "كان كافرًا فهديناه" (٤). والثاني: أنه سمي روحاً، لأن الغالب على جسمه الروحانية، لرقته، وكذلك سائر الملائكة، وإنما يختص به جبريل تشريفاً. والثالث: أنه سمي روحاً، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحاً من عنده من غير ولادة. القول الثاني: أن المراد بروح القدس: الإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسمي به، لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله (٥). وهذا قول ابن زيد (٦). والقول الثالث: أن روح القدس: اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يُحيِي به الموتى (٧)، قاله: ابن عباس في رواية الضحاك عنه (٨)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٩). والقول الرابع: أن روح القدس عيسى-﵇، وإنما كان ذلك تأييداً له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة (١٠). وقالوا " وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث" (١١).

стр. 714

والقول الأول أظهر، وهو قول الجمهور، لأن التسمية فيه أظهر مما عداه (١)، ولأن التأييد به على الحقيقة، ولأن الله-جل ثناؤه-أخبر أنه أيد عسى به في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠] وهي تدل من جهتين على أن (روح القدس) غير الإنجيل: الأولى: قوله- : ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [المائدة: ١١٠] ونزول الإنجيل على عيسى كان في مرحلة الرجولة لا المهد. والثانية: أنه لو كان المراد به الإنجيل لكان ذكر الإنجيل مرة أخرى لا معنى له، "وذلك خلف من الكلام والله-تعالى ذكره-يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة" (٢)، لكن قد يقال: إن الكلام في معرض الامتنان فإعادة ذكر الإنجيل مرة أخرى لا تخلو من فائدة؛ لأنه في الأول امتنان بالتأييد وفي الثاني امتنان بالتعليم وهما شيئان مختلفان لكن الجهة الأولى لا جواب عنها. وكونه اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحي به الموتى يحتاج إلى نقل صحيح عن النبي ﷺ . أما كون المراد روح عيسى-﵇-فوجه تأييد عيسى به متكلف. والله أعلم. و(القُدُس)، فيه ثلاثة أقاويل (٣): أحدها: هو الله تعالى، ولذلك سُمِّي عيسى ﵇ روح القدس، لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب، وهذا قول الحسن (٤)، والربيع (٥)، وجعفر (٦)، وابن زيد (٧). والثاني: أن القدس: المطهر، قاله ابن عباس (٨)، كأنه دل به على التطهر من الذنوب، قال العَجّاج (٩): قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس والثالث: أن القدس البركة، وهو قول السدي (١٠). قال الواحدي: " وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء، ودليل هذا التأويل: قوله : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، يعني: جبريل" (١١). وقد وذكر ابن الجوزي في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال (١٢): أحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه. والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله. والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله. قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تهوى أَنْفُسُكُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، " أي أفكلما جاءكم يا بني إِسرائيل رسول بما لا يوافق هواكم" (١٣). قال القرطبي: "أي بما لا يوافقها ويلائمها (١٤).

стр. 715

والخطاب لليهود من بني إسرائيل. قاله مجاهد (١). وهذا القول: هو "نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم" (٢). قال ابن عاشور: المرادب بـ (الهوى)، " ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة" (٣). وأصل (الهوى): الميل إلى الشيء، ويجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ولا يجمع أهوية، على أنهم قد قالوا في ندى أندية، قال الشاعر (٤): في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا قال الجوهري: وهو شاذ وسمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر ﵁ في أسارى بدر: "فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت" (٥)، وقالت عائشة

стр. 716

للنبي ﷺ في صحيح الحديث: "والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" (١)، أخرجهما مسلم (٢). قوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، " أي تكبرتم عن اتباعه" (٣). قال الواحدي: أي: " تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة" (٤). قال القرطبي: أي تكبرتم" عن إجابته احتقارا للرسل، واستبعادا للرسالة (٥). قال البيضاوي: أي تكبرتم: " عن الإيمان واتباع الرسل" (٦). قال أبو السعود: أي تكبرتم" عن الاتباع له والإيمانِ بما جآء به من عند الله تعالى" (٧). قال ابن عاشور: " والاستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا لهم، فالسين والتاء في استكبرتم للمبالغة" (٨). وقال الراغب: " ثم زاد في ذمهم بوصفهم بالاستكبار إذ هو مقر النقائص، فإنه نتيجة الإعجاب، والإعجاب نتيجة الجهل بالنفس والجهل بالنفس مقارن للجهل بخالقها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] " (٩). قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، أي: "فطائفة منهم كذبتموهم" (١٠). قال سعيد بن جبير: " فريقا يعني طائفة" (١١). قال أبو السعود: أي كذبتم" منْ غيرِ أنْ تتعرضُوا لهم بشيء آخر من المضارِّ" (١٢). قال الواحدي: " مثل: عيسى ومحمد" (١٣). قال البيضاوي: " كموسى وعيسى ﵉، والفاء للسببية أو للتفصيل" (١٤).

стр. 717

قال ابن عاشور: " فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقا أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب" (١). قوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، أي: " وطائفة قتلتموهم" (٢). قال أبو السعود أي: " غيرَ مكتفين بتكذيبهم، كزكريا ويحيى وغيرهما ﵈" (٣). قال الواحدي: " مثل: يحيى وزكريا" (٤). قال القرطبي: "فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد ﵉، وممن قتلوه يحيى وزكريا ﵉" (٥). قال ابن عاشور: " وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] " (٦). قال الراغب: " فإن قيل: لم قال: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وهلا جعلا ماضيين أو مستقبلين؟ قيل: أما من حيث اللفظ، فلأنه لما لم يكن يفسد المعنى روعي فيه المجانسة بين الفواصل ليكون اللفظ أحسن، وأما من حيث المعنى: فللتنبيه أنهم لم يتوقفوا في تكذيب من جاءهم من الأنبياء، فذكره بلفظ الماضي، إذ لا مزاولة فيه، وذكر القتل بلفظ الاستقبال تنبيهاً أنهم يزاولون قتله قدروا عليه أم لم يقدروا" (٧). وقال ابن عاشور: " وجاء في ﴿تقتلون﴾، بالمضارع عوضا عن الماضي، لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]، مع ما في صيغة ﴿تقتلون﴾، من مراعاة الفواصل، فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم" (٨). وذكر البيضاوي في صيغة ﴿تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]، ثلاثة أوجه (٩): أحدها: أنه ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية، استحضاراً لها في النفوس، فإن الأمر فظيع. والثاني: مراعاة للفواصل. والثالث: للدلالة على أنكم بعد فيه، فإنكم تحومون حول قتل محمد ﷺ ، لولا أني أعصمه منكم، ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. الفوائد: ١ من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾. ٢ ومنها: تأكيد الخبر ذي الشأن. وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع: أولاً: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوباً. ثانياً: إذا خوطب به المتردد؛ وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحساناً. ثالثاً: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده. وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد.

стр. 718

٣. ومن فوائد الآية: أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له؛ لقوله تعالى: ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار﴾ [المائدة: ٤٤]. ٤ ومنها: ثبوت رسالة عيسى؛ لقوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾. ٥ ومنها: أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه؛ لأن عيسى ﵇ نسب إلى أمه. وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم من ليس له أب شرعاً هي عصبته؛ فإن عدمت فعصبتها. خلافاً لمن قال: إن أمه ليس لها تعصيب؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال: فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله: فلأمه الثلث والباقي لخاله. على قول من يقول: إن الأم لا تعصيب لها؛ أما على القول الراجح: فلأمه الثلث فرضاً، والباقي تعصيباً. ٦ ومن فوائد الآية: أن عيسى بن مريم ﷺ أعطاه الله آيات كونية، وشرعية؛ مثال الشرعية: الإنجيل؛ ومثال الكونية: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً يطير بإذن الله؛ وكذلك أيضاً يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم؛ قال العلماء: إنما أعطي هذه الآية الكونية؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها؛ كما أن محمداً ﷺ ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة؛ فآتاه الله القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله. ٧ ومن فوائد الآية: أن الله أيد عيسى بجبرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس. ٨ ومنها: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده؛ ولهذا قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: "اللهم أيده بروح القدس" (١). ٩ ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق؛ لقوله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون﴾. ١٠ ومنها: أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون؛ لقوله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿استكبرتم﴾؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيباً للشرط: كلما وجد الشرط وجد الجزاء فوراً. ١١ ومنها: توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع؛ ففي الشرائع: لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم: انقسموا إلى قسمين: فريقاً يكذبون؛ وفريقاً يقتلون مع التكذيب. ١٢ ومنها: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه. فإنه مشابه ببني إسرائيل. والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله. ١٣ ومن فوائد الآية: أن بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه مخالف لهواه. ١٤ ومنها: أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين: قسم كذبوهم؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب. القرآن ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨] التفسير:

стр. 719

وقال بنو إسرائيل لنبي الله ورسوله محمد ﷺ : قلوبنا مغطاة، لا يَنْفُذ إليها قولك. وليس الأمر كما ادَّعَوْا، بل قلوبهم ملعونة، مطبوع عليها، وهم مطرودون من رحمة الله بسبب جحودهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]، "أي في أكنة لا تفقه ولا تعي ما تقوله يا محمد" (١). قال ابن عثيمين: " يعني مغلفة لا تصل إليها دعوة الرسل؛ وهذه حجة باطلة" (٢). قال النسفي: " أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد ﵇ ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لا يختن" (٣). قال الصابوني: " والغرض إِقناطه ﵇ من إِيمانهم" (٤). قال السعدي: " أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه، يا أيها الرسول، بأن قلوبهم غلف، أي: عليها غلاف وأغطية، فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم، وهذا كذب منهم" (٥). روي عن ابن عباس (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨) في هذه الآية: إنهم قالوا استهزاءً وإنكارًا وجحدًا لما أتى به محمد: قلوبنا عليها غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد (٩). قال أبو عبيدة: "كل شيء في غلاف فهو أَغْلَف، قالوا: سيفٌ أَغْلَف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: لم يُختن" (١٠). قال الواحدي: " وما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها من الأعضاء إذا ذُكِر بأنه لا يعلم وُصِفَ بأن عليه مانعًا من ذلك ودونه حائلًا، فمن ذلك قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، كأن القُفْل لما كان حاجزًا بين المُقْفَل عليه وحائلًا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يَكن مُقفلًا جُعِل مَثَلًا للقلوب في أنها لا تعي ولا تفقَه، وكذلك قوله ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] (١)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] " (١١). وفي قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقر: ٨٨]، ثلاثة أقوال (١٢): أحدها: يعني في أَغْطِيَةٍ وَأَكِنَّةٍ لا تفقه، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، وقتادة (١٥)، والسدي (١٦)، والأعمش (١٧)، وأبو العالية (١٨)، وابن زيد (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، وعكرمة (٢١). وقد روي عن حذيفة قال: "القلوب أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر: وقلب أغلف، معصوب عليه، فذلك قلب الكافر" (٢٢).

стр. 720

والثاني: يعني أوعية للعلم (١)، وهذا قول عطية (٢)، ورواية الضحاك عن ابن عباس (٣)، وعطاء الخراساني (٤). وقال الكلبي: "يريدون أوعية لكلّ علم، فهي لا تسمع حديثا إلّا وعته إلّا حديثك، لا تفقهه ولا تعيه، ولو كان فيه خيرا لفهمته ووعته" (٥). الثالث: وقيل: غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك (٦). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]، على وجهين (٧): الأول: ﴿وقالوا قلوبنا غُلْف﴾ مخففة اللام ساكنة. وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. والثاني: وقرأه بعضهم: ﴿وقالوا قلوبنا غُلُف﴾، مثقلة اللام مضمومة. قوله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، " أي طردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم وضلالهم" (٨). قال السمين الحلبي: " فردَّ الله عليهم ذلك بأنَّ سببَه لَعْنُهم بكفرهم السابق" (٩). قال الواحدي: " أي: أبعدهم من رحمته وطردهم" (١٠). قال الطبري: " يعني: بل أقصاهم الله، أبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم، وجحودهم آيات الله وبيناته، وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك (١١). وقال الثعلبي: " طردهم وأبعدهم من كل خير" (١٢). قال السعدي: " أي: أنهم مطرودون ملعونون، بسبب كفرهم" (١٣). قال النسفي: " فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم" (١٤). قال النضر بن شميل: "الملعون المخزي المهلك" (١٥). وفي أصل (اللعن) أقوال: الأول: الطرد والإبعاد والإقصاء، قال الشَّمَّاخ (١٦):

стр. 721

ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيتُ عنه ... مقام الذئبِ كالرجُلِ اللعينِ والثاني: التعذيب، قال الليث: "ولعنه الله، أي: عذبه، واللعنة في القرآن: العذاب، واللعن: السب والشتم" (١). والثالث: الخزي، قال شمر: أقرأنا ابن الأعرابي لعنترة (٢): لُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرّم وفسّره، فقال: سُبَّت بذلك، أي: قيل: أخزاها الله فما لها در ولا لبن (٣). والرابع: المسخ، قاله الفراء (٤). قال لله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] أي: نمسخهم (٥). قلت: وكل هذه الأقوال ضمن معنى الطرد والإبعاد. والله أعلم. وقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفاتٍ لحجة النبي ﷺ ، فلما صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول، فاللعنة حصلت لهم عقابا على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق (٦). وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خُلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة. وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية. (٧) وإن أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبار اليهود على الأنبياء وتكذيبهم وقتلهم أن الله لعنهم وطبع على قلوبهم، فلا يفقهون الحق ولا يقبلونه (٨). ويقول علماء السلف: إن من بركة الحسنة وعلامة قبولها الحسنةُ تتبعها. وإن من شؤم المعصية وعقابها المعصية تتبعها. قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، "أي فقليلٌ من يؤمن منهم (٩). قال الواحدي: أي" فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا" (١٠).

стр. 722

قال الزمخشري: أي" فإيمانا قليلا يؤمنون" (١). وقد اختلفوا في معنى قوله: ﴿فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، على ثلاثة أقوال (٢): الأول: معنها: فقليل من يؤمن منهم، وهذا قول قتادة (٣)، لأن مَن آمن من أهل الشرك أكثر ممن آمن مِنْ أهل الكتاب، واختاره الامام الطبري (٤) وفخر الدين الرازي (٥). والثاني: معناه فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، قاله أبو عبيدة (٦)، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ . والثالث: أن ﴿ما﴾، تفيد النفي، والمعنى: "لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا، وهذا كقول الرّجل لآخر: ما قل ما تفعل وكذا يريد لا تفعله البتة" (٧). قاله الواقدي، وأجازه المخشري (٨)، واعترض عليه أبو حيان (٩). وقد روى الفراء عن الكسائي: "مررنا بأرض قلّ ما ينبت الكراث والبصل، يريدون لا ينبت شيئا" (١٠). والمعنى إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: ﴿فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم بالجميع كافرون (١١). والراجح هو القول الأول، وذلك لعلتين (١٢): أحدهما: لأنه نظير قوله: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ [النساء: ١٥٥]. والثاني: ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم. والله أعلم (١٣). واختلف أهل العربية في معنى ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، على ثلاثة أوجه (١٤): الأول: أنها زائدة لا معنى لها، وهذا قول الأخفش (١٥)، والمعنى: فقليلا يؤمنون، كما قال جل ذكره: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والمعنى: فبرحمة من الله لنت لهم، وأنشدوا بيت مهلهل (١٦):

стр. 723

لو بأبانين جاء يخطبها ... خضب ما أنف خاطب بدم يعني: خضب أنف خاطب بدم، وأن (ما) زائدة (١). قال النسفي: و ﴿ما﴾ مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب" (٢). وأنكر آخرون على احتجاج القول الأول ببيت المهلهل، وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت (ما) كلمة تجمع كل الأشياء، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها. والثاني: أنها نافية (٣)، أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. قال السمين الحلبي: "وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنبار إلا أنَّ تقديمَ ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون" (٤). والثالث: أنها زائدة لتوكيد (القلة)، قاله ابن عطية (٥)، وابن عثيمين (٦)، وأكثر المفسرين. والقول الأخير أولى بالصواب، أي أنها مزيدة أفادت معنى التوكيد، وذلك "لأن زيادة ﴿ما﴾، لا يفيد من الكلام معنى في الكلام، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه" (٧). قال الواحدي: " "والآيه رَدٌّ على القدرية؛ لأن الله تعالى بيّن أن كفرهم بسبب لعنه آباءهم، فالله تعالى لما لعنهم وطردهم وأراد كفرهم وشقاوتهم منعهم الإيمان" (٨). الفوائد: ١. من فائد الآية: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة؛ فقالوا: قلوبنا غلف. ٢. ومنها: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا: "ما هدانا الله"؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا: ﴿قلوبنا غلف﴾. ٣. ومنها: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله﴾؛ وهذا الإضراب للإبطال. يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم. ٤. ومنها: أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع. ٥. منها: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئاً؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى؛ وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها. ٦. ومنها: إثبات الأسباب، وأن لها تأثيراً في مسبباتها بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾. ٧. ومنها: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم؛ لقوله تعالى: ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾. القرآن

стр. 724

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩] التفسير: وحين جاءهم القرأن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه، وأنكروا نبوة محمد ﷺ ، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب، ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان، وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه. فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد ﷺ ، وكتابه الذي أوحاه الله إليه. في سبب نزول الآية وجوه (١): أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس: "أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته! فقال سَلام بن مِشْكَم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم! فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] " (٢). والثاني: قال السدي: "كانت العرب تمر بيهود فيلقون منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة، ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل" (٣). والثالث: قال أبو العالية: "كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ : فقال الله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ " (٤). وروي عن ابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، وعطاء (٨)، وابن زيد (٩)، نحو ذلك. الرابع: أن اليهود كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم، فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به. يقول الله تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾، قاله ابن عباس (١٠)، وقتادة الأنصاري (١١) وروي عن مجاهد (١٢) نحوه. الخامس: أن اليهود من قبل مبعث محمد ﵇ ونزول القرآن، كانوا يستفتحون به على الناس. قاله علي الأزدي (١٣).

стр. 725

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، " أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن (١). قال ابن عثيمين: " هو القرآن؛ ونكَّره هنا للتعظيم؛ وأكد تعظيمه بقوله تعالى: ﴿من عند الله﴾، وأضافه الله تعالى إليه؛ لأنه كلامه" (٢). قال قتادة: " وهو القرآن الذي أنزل على محمد، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل" (٣). وروي عن الربيع مثل ذلك (٤). وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ﴿مصدقا﴾، بالنّصب على الحال (٥)، قيل: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلنا: إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف ﴿كتاب﴾ بقوله: ﴿من عند الله﴾ (٦). وقال الزجاج: " تقرأ ﴿جاءَهم﴾، بفتح الجيم والتفخيم، وهي لغة أهل الحجاز، وهي اللغة العليا القُدمى، والإِمالةُ إلى الكسر لغة بني تميم وكثير من العرب" (٧). و(الكتاب): "اشتقاقه من (الكَتْبِ)، وهي جمع (كَتْبة)، وهي الخرزة، وكل ما ضممت بعضه إلى بعض على جهة التقارب والاجتماع فقد كتبته، و (الكَتِيبَة): الفرقةُ التي تحارب من هذا اشتقاقها، لأن بعضَها منضم إلى بعض، وسمى كلام الله الذي أنزل على نبيه: كِتَاباً، وقُرآنأ وفُرقاناً" (٨). قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: "المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة" (٩). قال الثعلبي: "موافق لِما مَعَهُمْ" (١٠). قال الزجاج: " أيْ يصدقُ بالتوراة والإنجيل ويخبرهم بما في كتبهم مما لا يعلم إلا بوحي أو قراءَة كُتُبٍ، وقد علموا أن النبي ﷺ كان أمياً لا يكتب" (١١). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، معنيين: (١٢) الأول: مصدق بأن التوراة والإنجيل من عند الله . يعني: "أنه حكم بصدقها، كما قال في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ فهو يقول عن التوراة: إنه حق، وعن الإنجيل: إنه حق؛ وعن الزبور: إنه حق؛ فهو يصدقها، كما لو أخبرك إنسان بخبر، فقلت: "صدقت" تكون مصدقاً له" (١٣). أحدهما: مصدق لما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي فيهما. يعني: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت الكتب السابقة، التوراة، والإنجيل؛ فعيسى بن مريم ﷺ بشرهم بمجيء الرسول محمد ﷺ : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]؛ فجاء هذا الكتاب مصدقاً لهذه البشارة" (١٤). وقد أختلف أهل اللغة في جواب (لما)، على ثلاثة أوجه (١٥): أحدها: أنه محذوف، قال الإمام الطبري: "هو مما ترك جوابه، استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه، وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن، وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة، فتحذف أجوبتها، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد: ٣١]، فترك جوابه والمعنى: " ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه، قالوا: فكذلك قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) " وهذا قول الأخفش والزجاج (١٦). والثاني: "أن تكون الفاء جوابا للما الأولى ﴿كفروا به﴾ جوابا ل (لما) الثانية وهو كقوله: ﴿فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ [البقرة: ٣٨] [طه: ١٣٣] الآية" (١٧)، أي: فإن الجواب قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله) في " الفاء " التي في قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، وجواب الجزاءين في " كفروا به "، كقولك: " لما قمت، فلما جئتنا أحسنت "، بمعنى: لما جئتنا إذْ قمت أحسنت، حكي ذلك عن الفراء (١٨). والثالث: وقيل: أنه على التكرير لطول الكلام والجواب: كفروا به كقوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥]، حكي ذلك عن المبرد (١٩). قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٨٩]، أي وقد كانوا قبل مجيئه" (٢٠). قال ابن كثير: " أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب" (٢١). قال الزجاج: " وكانوا من قبل هذا" (٢٢). قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: " يستنصرون به على أعدائهم" (٢٣). قال ابن كثير: أي"يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم" (٢٤). قال الطبري: أي " يستنصرون الله بمحمد- ﷺ على مشركي العرب من قبل مبعثه" (٢٥). قال أبو حيان: " أي يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم" (٢٦). قال الصابوني: أي"يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة" (٢٧). قال ابن عثيمين: " أي يستنصرون، ويقولون سيكون لنا الفتح، والنصر، من المشركين الذين هم الأوس، والخزرج، لأنهم كانوا على الكفر، ولم يكونوا من أهل الكتاب" (٢٨). قال السعدي: " وقد علموا به، وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب، استنصروا بهذا النبي، وتوعدوهم بخروجه، وأنهم يقاتلون المشركين معه" (٢٩).

стр. 726

وقال المراغي: " أي وكانوا يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون إن كتابه سينصر التوحيد الذي جاء به موسى، ويخذل الوثنية التي تنتحلونها" (١). قال الراغب: " الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح ضربان، فتح إلاهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وفتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية وعلى الأول قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وقوله ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ﴾ وعلى الثاني قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ " (٢). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، ثلاثة أوجه (٣): أحدها: "معنى يستفتحون: أي يعلمون خبره من الناس مرّة، ويستنبطون ذكره من الكتب مرة" (٤). فـ"كانوا يخبرون بصحة أمر النبي ﷺ " (٥)، روي نحوه عن قتادة (٦). والثاني: أنهم: كانوا يقولون إنا ننصر بمحمد ﷺ على عبدة الأوثان. روي نحوه عن أبي العالية (٧)، والسدي (٨)، وعطاء (٩)، وابن زيد (١٠)، ومجاهد (١١)، وابن عباس (١٢). والثالث: أنهم كانوا بطلبون من الله بذكره الظفر (١٣). قال الراغب: " وكل ذلك داخل في عموم الاستفتاح" (١٤). قلت: إن القول الثالث، لا تسنده روايات صحيحة، بل أكثرها ضعيفة، لم يعرِّج ابن كثير على شيء منها، وكذلك فعل الإمام الطبري. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، "أي فلما بعث محمد ﷺ َ الذي عرفوه حق المعرفة، كفروا برسالته" (١٥). قال سعيد بن جبير: "هم اليهود، عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به" (١٦). قال ابن عباس: فلما بعث الله محمدا ﷺ ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه" (١٧). قال البغوي: "يعني محمدا ﷺ من غير بني إسرائيل، وعرفوا نعته وصفته، كفروا به بغيا وحسدا " (١٨). قال الزجاج: " أي ما كانوا يستنصرون وبصحته يخبرون، كفروا وهم يوقنون أنهم معْتَمِدُون للشقاق عداوة للَّهِ" (١٩). قال الراغب: " فلما جاءهم كتاب لا منافاة بينه وبين التوراة في الأصول، وعرفوا عيانا ما كانوا عرفوه من قبل إخباراً كفروا به" (٢٠).

стр. 727

قال أبو حيان: أي" ستروه وجحدوه، وهذا أبلغ في ذمهم، إذ يكون الشيء المعورف لهم، المستقر في قلوبهم وقلوب من أعلموهم به كيانه ونعته يعمدون إلى ستره وجحده، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ " (١). قال السعدي: " فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا، كفروا به، بغيا وحسدا، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده" (٢). قال المراغي: " وسبب هذا أنهم حسدوا العرب على أن بعث الله محمدا ﷺ من بينهم فحملهم ذلك على الكفر به جحودا وعنادا" (٣). ويحتمل ﴿ما﴾، في قوله تعالى: ﴿مَّا عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، ثلاثة أوجه (٤): الأول: أنه الكتاب، وهو الظاهر.، لأنه أتى بلفظ ﴿ما﴾. والثاني: ويحتمل أنه يراد به النبي ﷺ ، لأن ﴿ما﴾، قد يعبر بها عن صفات من يعقل. والثالث: ويجوز أن يكون المعنى: ما عرفوه من الحق، فيندرج فيه معرفة نبوّته وشريعته وكتابه، وما تضمنه. قاله أبو حيان (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ [البقرة: ٨٩]، : " أي لعنة الله على اليهود الذين كفروا بخاتم المرسلين" (٦). قال الطبري: أي: " فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه " (٧). قال المراغي: " فسجّل الله عليهم الطرد والإبعاد من رحمته، لجحودهم بالحق بعد أن تبين لهم" (٨). قال الراغب: " (اللعن): هو إفضاء على وجه الإهانة، ومن قال: هو العذاب، فمن حيث أنه لا تنفك لعنة الله عن العذاب" (٩). قال أبو حيان: " لما كان الكتاب جائياً من عند الله إليهم، فكذبوه وستروا ما سبق لهم عرفانه، فكان ذلك استهانة بالمرسل والمرسل به. قابلهم الله بالاستهانة والطرد، وأضاف اللعنة إلى الله تعالى على سبيل المبالغة، لأن من لعنه الله تعالى هو الملعون حقيقة. ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَالِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾؟ ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَه نَصِيرًا﴾. ثم إنه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم، فجللهم بها، ثم نبه على علة اللعنة وسببها، وهي الكفر، كما قال قبل: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، وأقام الظاهر مقام المضمر لهذا المعنى، فتكون الألف واللام للعهد، أو تكون للعموم، فيكون هؤلاء فرداً من أفراد العموم" (١٠). وفي سبب كفرهم أقوال (١١): أحدها: أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول. وثانيها: اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار. وثالثها: لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به.

стр. 728

الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن القرآن من عند الله ؛ لقوله تعالى: ﴿كتاب من عند الله﴾. ٢ ومنها: أن القرآن كلامه تكلم به حقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿كتاب من عند الله﴾؛ ومعلوم أن الكلام ليس جسماً يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق. ٣. ومنها: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾، ولقوله تعالى: ﴿من عند الله﴾. ٤ ومنها: أن اليهود كانوا يعرفون أن النبي ﷺ سيبعث، وتكون له الغلبة؛ لقوله تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ يعني يستنصرون. أي يطلبون النصر؛ أو يَعِدون به؛ فقبل نزول القرآن، وقبل مجيء الرسول ﷺ يقولون للعرب: إنه سيبعث نبي، وينْزل عليه كتاب، وننتصر به عليكم، ولما جاءهم الرسول الذي كانوا يستفتحون به كفروا به. ٥ ومنها: أن اليهود لم يخضعوا للحق؛ حتى الذي يقرون به لم يخضعوا له؛ لأنهم كفروا به؛ فيدل على عتوهم، وعنادهم. ٦ ومنها: أن الكافر مستحق للعنة الله، وواجبة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فلعنة الله على الكافرين﴾. ٧ استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم العن فلاناً، وفلاناً" (١). لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حياً؛ وإن كان ميتاً فقد قال النبي ﷺ "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (٢). القرآن ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠] التفسير: قَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم؛ إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد ﷺ ، فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد ﷺ ، بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة. وللجاحدين نبوَّة محمد ﷺ عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم. قوله تعالى: ﴿﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]، " أي بئس الشيء التافه الذي باع به هؤلاء اليهود أنفسهم" (٣). قال السدي: " باعوا به أنفسهم" (٤). قال مجاهد: "شروا الحق بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن بينوه" (٥). قال الزجاج: "المعنى: ذلك الشيءُ المذموم" (٦). قال الواحدي: " بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم" (٧). قال القرطبي: " بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم" (٨). وذكر الثعلبي في قوله تعالى: ﴿﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]، وجهين (٩):

стр. 729

الأول: معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم. والثاني: وقيل: معناه بئس ما باعوا به حظ أنفسهم. واختلف أهل العلم في معنى (الاشتراء) في قوله ﴿اشْتَرَوْا﴾ [البقرة: ٩٠]، على قولين: الأول: أن معنى الاشتراء هاهُنَا: (البيع). قاله الفراء (١) وأبو حيان (٢)، والطبري (٣)، وغيرهم. قال الآلوسي: " فالأنفس بمنزلة المثمن، والكفر بمنزلة الثمن لأن أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الاستعارة أي إنهم اختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه" (٤). يقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، أي: باعوه، ومنه قول يزيد بن المُفَرِّغ (٥): وشُرَيْتُ بُردًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بردٍ صِرتُ هامة يعني به: بعت بردا. وربما استعمل (اشتريت) بمعنى: بعت، و (شريت) في معنى: (ابتعت)، والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت (٦). ومنه قول المسيب بن علس (٧): يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبها ألا تشري قال الفراء: وتقول" بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي" (٨)، وأنشد قول طرفة بن العبد (٩): ويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له ... بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ المعنى: لم تشتر له بتاتا، قال الفراء: والبتات الزاد (١٠). ومعنى الآية: "بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد ﷺ ، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم" (١١). وقال المفسرون: في الآية إضمار، معناه: بئسما باعوا حظ أنفسهم بالكفر، وعلى هذا تكون الآية من باب حذف المضاف (١٢). وعلى الوجه السابق، تصح الآية من غير إضمار. والثاني: أن (الإشتراء) على بابه بمعناه المشهور (١٣)، والمعنى: "اشتروا بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا" (١٤)، فقالوا بأن "المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا

стр. 730

به أنها تخلصهم من العقاب، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها، فذمهم الله تعالى، وقال: بئسما اشتروا به أنفسهم" (١)، ذكره أبو حيان عن صاحب المنتخب (٢). واختاره الفخر الرازي قائلا: وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول (٣). قال أبو حيان: و"يرد عليه، ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، حيث فعلوا ذلك على سبيل البغي والحسد" (٤). والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، بأن (اشتروا) هنا، بمعنى (باعوا)، وذلك قول الأكثرين (٥). قال الإمام الطبري: " فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله﴾؟ وهل يشتري بالكفر شيء؟ قيل: إن معنى: الشراء والبيع عند العرب، هو إزالة مالك ملكه إلى غيره، بعوض يعتاضه منه. ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا، شرا أو خيرا، فتقول: نعم ما باع به فلان نفسه وبئس ما باع به فلان نفسه، بمعنى: نعم الكسب أكسبها، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾ - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد ﷺ فأهلكوها، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم، فقال: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾، يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا، إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك" (٦). قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠]، " أي كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله" (٧). قال الثعلبي: أي" حين استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالأيمان" (٨). قال أبو العالية: " اليهود، كفروا بما أنزل على محمد ﷺ " (٩). وقوله تعالى: ﴿وبِما أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠]، يحتمل ثلاثة أوجه (١٠): الأول: القرآن. قاله أبو العالية (١١)، واختاره الثعلبي (١٢)، والواحدي (١٣)، والقرطبي (١٤)، وغيره. والثاني: التوراة، "لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد ﵉ فقد كفروا بالتوراة" (١٥). الثالث: ويحتمل أن يراد به: الجميع من توراة وإنجيل وقرآن، "لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر بالكل" (١٦). والوجه الأول أظهر مع سياق الآية. وبه قائل أكثر أهل التفسير، والله أعلم. وأصل نعم وبئس: " نَعِمَ وبَئِسَ" (١٧)، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح.

стр. 731

قال الواحدي: ﴿بئس﴾ ذمٌّ بشدة الفساد، وأصل الكلمة من الشدة، ومنه (البأساء): وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعرف: ١٦٥] أي: شديد" (١). ويجوز في (بئس) أربع لغات (٢): الأول: على الأصل، بفتح الأول وكسر الثاني. والثاني: اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين، . الثالث: إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال: نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني. الرابع: أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: نعم، بكسر النون وإسكان العين. كما أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازما لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون: نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد (٣): ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من شر وضر ما أقلت قدماي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر كما أنهما (نعم وبئس) فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس، والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمت وبئست، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت ﵁ (٤): ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته ... من الناس ذا مال كثير ومعدما وبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له: نعم المولود مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة، والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية (٥). وقد اختلف أهل العربية في معنى (ما) التي مع (بئسما) على قولين (٦): الأول: قال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم، و ﴿أن يكفروا﴾ تفسير له، نحو: نعم رجلا زيد، و ﴿أن ينزل الله﴾ بدل من ﴿أنزل الله﴾. والثاني: وهو قول بعض نحويي الكوفة: أن معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف (ما) اسم (بئس)، و (أن يكفروا) الاسم الثاني، وزعم أن: (أن يكفروا) إن شئت جعلت (أن) في موضع رفع، وإن شئت في موضع خفض، أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن يفعلوه. وأما الخفض: فبئس الشيء اشتروا به

стр. 732

أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا، ومن ذلك: قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: ٨٠]. والعرب تجعل (ما) وحدها في هذا الباب، بمنزلة الاسم التام، كقوله: ﴿فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١]، و (بئسما أنت)، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الشاعر (١): لا تعجلا في السير وادْلُوها ... لبئسما بطءٌ ولا نرعاها قال الإمام الطبري: "وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل (بئسما) مرفوعا بالراجع من (الهاء) في قوله: ﴿اشتروا به﴾، كما رفعوا ذلك بـ (عبد الله) إذ قالوا: (بئسما عبد الله)، وجعل (أن يكفروا) مترجمة عن (بئسما)، فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون (أن) التي في قوله: ﴿أن ينزل الله﴾، في موضع نصب. لأنه يعني به ﴿أن يكفروا بما أنزل الله﴾: من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، موضع (أن) جزاء، وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن (أن) في موضع خفض بنية (الباء)، وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها، ولا خافض معها يخفضها. والحرف الخافض لا يخفض مضمرا" (٢). قوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠]، " أي حسداً منهم لأجل أن ينزل الله وحياً من فضله على من يشاء ويصطفيه من خلقه" (٣). قال الزجاج: " معناه أنهم كفروا بغياً وعداوة للنبي ﷺ لأنهم لمْ يُشكَّوا في نبوته ﷺ وإنما حَسَدوه على ما أعطاه الله من الفضل" (٤). قال ابن عطية: " ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، يعني من النبوة والرسالة" (٥). ويحتمل قوله تعالى: ﴿ومَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٩٠]، وجهان (٦): الأول: يعني به محمدا ﷺ ، لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب. والثاني: ويدخل في المعنى: عيسى ﵇ لأنهم قد كفروا به بغيا، والله قد تفضل عليه. نستنتج بأن كفر اليهود، لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، وإنما كان ذلك سبب حسدهم: "أن الله جعل النبوة في غيرهم". قاله ابن عباس (٧). وقرأ أبو عمرو وابن كثير ﴿أن ينزل﴾، بالتخفيف في النون والزاي (٨). والبغي: "الحسد". قاله أبو العالية" (٩). وعليه جمهور المفسرين (١٠). قال اللحياني (١١): "بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه" (١٢). واختلف في أَصْل (البغي) على قولين (١٣):

стр. 733

الأول: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وبَغَتِ السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحدّ. والثاني: أن أصله: الطلب (١)، يقال: بغى الشيءَ، إذا طلبه، وأَبْغَاه، أعانه على الطلب. والبَغيّ: التي تطلب الزنا، ومنه قيل للأمة: بَغِيٌّ. وما ينبغي كذا، أي: ليس بصواب طلبه، والبَغْيُ: شدة الطلَب للتطاول. قال الراغب: (البغى): هو التجاوز في الطلب. يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله : ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]. فإذا كان طلبا في الحق فمحمود، وإن كان طلبا للباطل فمذموم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢]، فخصّ العقوبة ببغيه بغير الحق" (٢). واختلف في انتصاب قوله ﴿بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠]، على وجهين: الأول: أنه منصوب على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: بَغَوا بغيًا (٣). والثاني: أنه انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر. قاله الزجاج (٤)، ومنه قول حاتم (٥) (٦): وأغفر عَورَاءَ الكريم ادّخارَه ... وأُعْرِضُ عن شَتْم اللئيم تَكَرُّما المعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (٧). قوله تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، " أي رجعوا بغضب من الله زيادة على سابق غضبه عليهم" (٨). قال سعيد بن جبير: " ﴿فباؤ بغضب على غضب﴾، يقول: استوجبوا" (٩). قال الآلوسي: " أي فرجعوا متلبسين بِغَضَبٍ كائن عَلى غَضَبٍ مستحقين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد" (١٠). قال الزجاج: "معنى ﴿باءُوا﴾ في اللغة احتملوا، يقال قد بْؤت بهذا الذنْبِ أيَ تحملته" (١١). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، على ثلاثة أوجه (١٢): أحدها: أن الغضب الأوّل: بكفرهم بعيسى ﵇ والإنجيل، والثاني: كفرهم بمحمّد ﷺ والقرآن. قاله أبو العالية (١٣)، وروي عن عكرمة (١٤) وقتادة (١٥) والشعبي (١٦)، ومجاهد (١٧)، وعبيد بن عمير (١٨)، نحو ذلك.

стр. 734

والثاني: الغضب الأوّل: بعبادتهم العجل، والثاني: بكفرهم بمحمّد ﷺ وتبديل نعته. قاله السدي (١). والثالث: الغضب الأوّل بتضييعهم التوراة، والغضب الثاني بكفرهم بهذا النبيّ الذي اتخذه الله تعالى. قاله ابن عباس (٢). والخامس: أن معناه: "بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار". قاله الزجاج (٣). وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٤). والرابع: أنه لما كان الغضب لازماً لهم، كان ذلك توكيداً. قاله الماوردي (٥)، وحكاه الرازي عن أبي مسلم (٦)، وذكره ابن عطية عن طائفة (٧)، ونقله القرطبي (٨). وتجدر الإشارة بأن: "الغضب صفة وصف الله تعالى نفسه بها، وليس غضبه كغضبنا، كما أن ذاته ليست مثل ذواتنا، فليس هو مماثلا لأبداننا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته سبحانه، وما قيل: إن الغضب من الانفعالات النفسانية، فيُقال: نحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لا يجب أن يكون الله منفعلا بها. كما أن نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين. فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه. وليس المنسوب كالمنسوب، والمنسوب إليه كالمنسوب إليه. كما قال ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (٩)، فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئيّ بالمرئيّ" (١٠). وهذا يتبيّن بقاعدة: "هي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين؛ ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير (١١): الأول: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه. الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب تعالى. الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات.

стр. 735

فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل" (١). سبحانه وتعالى عما يقول الظّالمون علوّا كبيرا. أفاده الإمام ابن تيمية. عليه الرحمة، في القاعدة التدمرية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، " أي: ولهم عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال" (٢). قال البيضاوي: " يراد به إذلالهم، بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه" (٣). قال الثعلبي: أي" وللجاحدين [لدين] محمّد ﷺ من النّاس كلهم، ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾، يهانون فلا يعزون" (٤). قال مقاتل بن حيان: " يعني بالمهين الهوان" (٥). قال السعدي: أي: عذاب "مؤلم موجع، وهو صلي الجحيم، وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم، وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله، الكفر به، وبكتبه، وبرسله، مع علمهم وتيقنهم، فيكون أعظم لعذابهم" (٦). وقيل أن (العذاب) على ضربين (٧): أحدهما: عذاب مهين: وهو عذاب الكافرين، لأنه لا يمحص عنهم ذنوبهم. والثاني: عذاب غير مهين: وهو ما كان فيه تمحيص عن صاحبه، كقطع يد السارق من المسلمين، وحد الزاني. قال شيخنا ابن عثيمين: "وقوله تعالى: ﴿عذاب﴾ أي عقوبة؛ و ﴿مهين﴾، أي ذو إهانة وإذلال؛ ولو لم يكن من إذلالهم، حين يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، إلا قول الله لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، لكفى" (٨). وقال ابن كثير: " لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] " (٩). وقد روي عن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار" (١٠). وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، فهذا إظهار في موضع الإضمار فيما يظهر؛ لأن ظاهر السياق أن يكون بلفظ الضمير، أي ولهم عذاب مهين؛ والإظهار في موضع الإضمار له فوائد كثيرة، تظهر بحسب السياق منها (١١): أولا: الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر. ثانيا: بيان علة الحكم. ثالثا: عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر (١٢).

стр. 736

وقيل: أن قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم احتجوا بهذه الآية، فريقان (١): أحدهما: الخوارج قالوا: ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، فيلزم أن يقال الفاسق كافر. وثانيها: المرجئة قالوا: ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب. قال الفخر الرازي: "وفساد هذين القولين لا يخفى" (٢) (٣). ولا يخفى على كل ذي لبّ، بأن (الاختصاص) الذي يفهمه تقديم الخبر ﴿لِلْكافِرِينَ﴾، بالنسبة إليه، فغير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير- لا للإهانة والإذلال- ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن، فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب بـ ﴿الكافرين﴾، فيكون الفاسق كافرا، لأنه معذب ولا للمرجئة أيضا. هذا ما أفاده الآلوسي-﵀ (٤). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي، وحسد؛ لقوله تعالى: ﴿بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾. ٢.ومنها: أن من رد الحق من هذه الأمة لأن فلاناً الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به؛ فقد شابه اليهود ٣. ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال؛ فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتْبَعْه من أيٍّ كان مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنه جاء به فلان، وفلان. ٤. ومنها: أن العلم من أعظم فضل الله ؛ لقوله تعالى: ﴿أن ينَزِّل الله من فضله على من يشاء﴾؛ ولا شك أن العلم أفضل من المال؛ وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم، وفضل المال فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقون قَلّ ذكرهم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم: هم يُدَرِّسون الناس وهم في قبورهم؛ وأولئك الخلفاء نُسوا؛ اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال. ٥. ومن فوائد الآية: إثبات مشيئة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿على من يشاء﴾؛ وهي عامة فيما يحبه الله، وما لا يحب؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وكل شيء عُلِّق بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ لقوله تعالى:

стр. 737

﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فليست أفعال الله وأحكامه لمجرد المشيئة؛ بل هي لحكمة بالغة اقتضت المشيئة. ٦. ومن فوائد الآية: أن هذا الفضل الذي نزله الله لا يجعل المفضَّل به رباً يُعْبد؛ بل هو من العباد. حتى ولو تميز بالفضل؛ لقوله تعالى: ﴿على من يشاء من عباده﴾. وهذه الفائدة لها فروع نوضحها، فنقول: إن من آتاه الله فضلاً من العلم والنبوة لم يخرج به عن أن يكون عبداً؛ إذاً لا يرتقي إلى منْزلة الربوبية؛ فالرسول ﷺ عبد من عباد الله؛ فلا نقول لمن نزل عليه الوحي: إنه يرتفع حتى يكون رباً يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب. ويتفرع عنها أن من آتاه الله من فضله من العلم، وغيره ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله؛ فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره؛ فكلما عظم الإحسان من الله استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقوم في الليل حتى تتورم قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً (١) ". ويتفرع عنها فرع ثالث: أن بعض الناس اغتر بما آتاه الله من العلم، فيتعالى في نفسه، ويتعاظم حتى إنه ربما لا يقبل الحق؛ فحُرِم فضل العلم في الحقيقة. ٧.من فوائد الآية: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاءً وفاقاً؛ لقوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾. ٨. ومنها: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله تعالى: ﴿عذاب مهين﴾ بعد أن ترفعوا؛ فعوقبوا بما يليق بذنوبهم؛ وعلى هذا جرت سنة الله في خلقه؛ قال الله تعالى: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿جزءًا وفاقاً﴾ [النبأ: ٢٦]. ٩. ومنها: أن الإظهار في موضع الإضمار من أساليب البلاغة، وفيه من الفوائد ما سبق ذكره قريباً. ١٠. ومنها: إثبات الغضب من الله ، لقوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾؛ والغضب من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ وهكذا كل صفة من صفات الله تكون على سبب. ١١. كما وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم العن فلاناً، وفلاناً" (٢)، لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حياً؛ وإن كان ميتاً فقد قال النبي ﷺ "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (٣) (٤). ---------------------------------------------- انتهى الجزء الثاني من التفسير، ويليه الجزء الثالث بإذن الله، وبدايته تفسير الآية (٩١) من سورة البقرة.

стр. 738

فهرست الجزء الثاني الموضوع ... الصفحة تفسير سورة البقرة [الم (١)] [ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)] [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)] [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾

стр. 739

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾

стр. 740

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ [البقرة: ٥١] ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥٢] ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٦] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧] ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩] ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [البقرة: ٦٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
следующие страницы →