← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقيل: أن قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم احتجوا بهذه الآية، فريقان (١): أحدهما: الخوارج قالوا: ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، فيلزم أن يقال الفاسق كافر. وثانيها: المرجئة قالوا: ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب. قال الفخر الرازي: "وفساد هذين القولين لا يخفى" (٢) (٣). ولا يخفى على كل ذي لبّ، بأن (الاختصاص) الذي يفهمه تقديم الخبر ﴿لِلْكافِرِينَ﴾، بالنسبة إليه، فغير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير- لا للإهانة والإذلال- ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن، فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب بـ ﴿الكافرين﴾، فيكون الفاسق كافرا، لأنه معذب ولا للمرجئة أيضا. هذا ما أفاده الآلوسي-﵀ (٤). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي، وحسد؛ لقوله تعالى: ﴿بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾. ٢.ومنها: أن من رد الحق من هذه الأمة لأن فلاناً الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به؛ فقد شابه اليهود ٣. ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال؛ فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتْبَعْه من أيٍّ كان مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنه جاء به فلان، وفلان. ٤. ومنها: أن العلم من أعظم فضل الله ؛ لقوله تعالى: ﴿أن ينَزِّل الله من فضله على من يشاء﴾؛ ولا شك أن العلم أفضل من المال؛ وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم، وفضل المال فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقون قَلّ ذكرهم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم: هم يُدَرِّسون الناس وهم في قبورهم؛ وأولئك الخلفاء نُسوا؛ اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال. ٥. ومن فوائد الآية: إثبات مشيئة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿على من يشاء﴾؛ وهي عامة فيما يحبه الله، وما لا يحب؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وكل شيء عُلِّق بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ لقوله تعالى:

стр. 737

﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فليست أفعال الله وأحكامه لمجرد المشيئة؛ بل هي لحكمة بالغة اقتضت المشيئة. ٦. ومن فوائد الآية: أن هذا الفضل الذي نزله الله لا يجعل المفضَّل به رباً يُعْبد؛ بل هو من العباد. حتى ولو تميز بالفضل؛ لقوله تعالى: ﴿على من يشاء من عباده﴾. وهذه الفائدة لها فروع نوضحها، فنقول: إن من آتاه الله فضلاً من العلم والنبوة لم يخرج به عن أن يكون عبداً؛ إذاً لا يرتقي إلى منْزلة الربوبية؛ فالرسول ﷺ عبد من عباد الله؛ فلا نقول لمن نزل عليه الوحي: إنه يرتفع حتى يكون رباً يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب. ويتفرع عنها أن من آتاه الله من فضله من العلم، وغيره ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله؛ فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره؛ فكلما عظم الإحسان من الله استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقوم في الليل حتى تتورم قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً (١) ". ويتفرع عنها فرع ثالث: أن بعض الناس اغتر بما آتاه الله من العلم، فيتعالى في نفسه، ويتعاظم حتى إنه ربما لا يقبل الحق؛ فحُرِم فضل العلم في الحقيقة. ٧.من فوائد الآية: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاءً وفاقاً؛ لقوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾. ٨. ومنها: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله تعالى: ﴿عذاب مهين﴾ بعد أن ترفعوا؛ فعوقبوا بما يليق بذنوبهم؛ وعلى هذا جرت سنة الله في خلقه؛ قال الله تعالى: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿جزءًا وفاقاً﴾ [النبأ: ٢٦]. ٩. ومنها: أن الإظهار في موضع الإضمار من أساليب البلاغة، وفيه من الفوائد ما سبق ذكره قريباً. ١٠. ومنها: إثبات الغضب من الله ، لقوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾؛ والغضب من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ وهكذا كل صفة من صفات الله تكون على سبب. ١١. كما وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم العن فلاناً، وفلاناً" (٢)، لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حياً؛ وإن كان ميتاً فقد قال النبي ﷺ "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (٣) (٤). ---------------------------------------------- انتهى الجزء الثاني من التفسير، ويليه الجزء الثالث بإذن الله، وبدايته تفسير الآية (٩١) من سورة البقرة.

стр. 738

فهرست الجزء الثاني الموضوع ... الصفحة تفسير سورة البقرة [الم (١)] [ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)] [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)] [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾

стр. 739

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾

стр. 740

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ [البقرة: ٥١] ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥٢] ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٦] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧] ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩] ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [البقرة: ٦٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ

стр. 741

(٦٤)﴾ [البقرة: ٦٤] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥] ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾ [البقرة: ٦٨] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾ [البقرة: ٦٩] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ [البقرة: ٧٤] ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥] ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ [البقرة: ٧٦] ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ [البقرة: ٨١] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة: ٨٢] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾ [البقرة: ٨٤]

стр. 742

﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩] ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠]

стр. 743

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء الثالث سورة البقرة الآية (٩١ - ١٧٠) الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 744

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 745

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 746

القرآن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة: ٩١] التفسير: وإذا قال بعض المسلمين لليهود: صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن، قالوا: نحن نصدِّق بما أنزل الله على أنبيائنا، ويجحدون ما أنزل الله بعد ذلك، وهو الحق مصدقًا لما معهم. فلو كانوا يؤمنون بكتبهم حقًا لآمنوا بالقرآن الذي صدَّقها. قل لهم -يا محمد-: إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم، فلماذا قتلتم أنبياء الله مِن قبل؟ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]، " أي وإذا قال النبي ﷺ وأصحابه ليهود المدينة وما حولها" (١). قال ابن عثيمين: " وأبهم القائل ليكون شاملاً لكل من قال لهم هذا القول: إما الرسول ﷺ وإما غيره" (٢). قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، "أي آمنوا بما أنزل الله من القرآن وصدّقوه واتبعوه" (٣). قال الثعلبي: " يعني القرآن" (٤). قال المراغي: " آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله" (٥). قال ابن عثيمين: أي صدِّقوا به مع قبوله، والإذعان له، لأن الإيمان شرعاً: التصديق مع القبول، والإذعان؛ وليس كل من صدق يكون مؤمناً حتى يكون قابلاً مذعناً؛ والدليل على ذلك أن أبا طالب كان مصدقاً برسول الله ﷺ ولم يكن مؤمناً؛ لأنه لم يقبل، ولم يذعن" (٦). قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١]، "أي يكفينا الإِيمان بما أنزل علينا من التوراة" (٧). قال الثعلبي: " يعني التوراة" (٨). قال القاسمي: "أي: من التوراة، ولا نقرّ إلا بها" (٩). قال المراغي: " قالوا نحن دائبون على الإيمان بما أنزل على أنبياء بنى إسرائيل كالتوراة وغيرها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، "يعني ويجحدون بما وراء التوراة" (١١). قال الثعلبي: " أي بما سواه وبعده" (١٢).

стр. 747

قال الزجاج: " معناه: ويكفرون بما بعده، أي بما بعد الذي أنزل عليهم" (١). قال القاسمي: " أي قالوا ما قالوا وهم يكفرون بما بعده" (٢). قال المراغي: " أي وهم يكفرون بما سوى التوراة وهو القرآن" (٣). وتفسير (وراءه)، في هذا الموضع (سوى)، كما يقال للرجل المتكلم بالحسن: (ما وراء هذا الكلام شيء)، يراد به: ليس عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام، فكذلك معنى قوله: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾، أي بما سوى التوراة، وبما بعدها من كتب الله التي أنزلها إلى رسله (٤). قال ابن منظور: " الوراء جميعا يكون خلف وقدّام" (٥)، ، وعند ابن دريد: الوراء: الخلف، والوراء: القدّام، وهو من الأضداد" (٦)، وقال أبو سعيد الأصمعي: "ووراء خلف ووراء قدّام، قال جلّ ثناؤه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، وكان وراءهم أي: قدّامهم، وقال الشاعر (٧): أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا فقوله ورائيا، أي: قدّامي (٨). وقال الجوهري: " وراء بمعنى خلف، وقد تكون بمعنى قدام. وهي من الأضداد" (٩)، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي أمامهم، وتصغيرها وريئه "بالهاء" وهي شاذة. وانتصب "وراءه" على الظرف. قال الأخفش: يقال لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن، كقولك: من قبل ومن بعد، وأنشد (١٠): إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء قلت-الإمام القرطبي-: ومنه قول إبراهيم ﵇ في حديث الشفاعة: " إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ" (١١)، والوراء: ولد الولد أيضا (١٢).

стр. 748

وقال ابن قتيبة: "وراء: تكون بمعنى (خلف)، وبمعنى (قدّام)، ومنها (المواراة) و (التواري)، فكل ما غاب عن عينيك فهو (وراء)، كان قدّامك أو خلفك" (١). وفي صدد شرحه لكلمة (وراء) في القرآن الكريم في مواضع مختلفة، فسّر الإمام ابن قتيبة الكلمة بحسب السياق الذي وردت فيه، فمثلا: في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، رجح ابن قتيبة أن تكون (وراء) -هنا- بمعنى (أمام)، وفي قراءة ابن عباس: وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠]: أي أمامهم، وكذا في قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]. فالكلمة (وراء) في الآيات السابقة جاءت بمعنى (أمام)، وليس بالمعنى المتبادر إلى الذهن، وهو معنى (خلف)، وقد اختلف تفسير الكلمة على وجهين: أحدهما: أنها مشتقة من التواري، أي: الإستتار، قال الإمام الشوكاني: " قال النحاس: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] فقوله تعالى: "روَمِنْ وَرَاءِهِ﴾ أي: من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى، أي: استتر، فصارت جهنم من وراءئه، لأنها لا ترى" (٢). والثاني: أنها على بابها، فهي-هنا- بمعنى: (خلف)، قال ابن عطية: ﴿مِنْ وَرَاءِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] فقوله تعالى: " (وَرَاءِهِمْ) هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعي بها الزمان، وذلك أن الحدث المقدم الموجود هو: الأمام، والذي يأتي بعده هو: الوراء، وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي .. " (٣). وهكذا فقد لوحظ كيف تردد المفسرين بين المعنيين، غير جازمين بأحد الوجهين، ولعل السبب هو أن مثل هذه الظاهرة يحصل فيها الأشكال، فهي محتاجة إلى مزيد من الدلالئل المحيطة بالنص لترجيح إحدى هذه الدلالات على الأخرى. يتبيّن لنا مما سبق بأن كلمة (وراء) جاءت في القرآن على عدة معاني من أشهرها ثلاثة: الأول: (وراء) بمعنى: (أمام) زمانياً ومكانياً: فمن أمثلتها بمعنى (أمام) زمانياً قول الله جل وعلا: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَاءِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] , وقوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]، يعنى هذا بمستقبل أيامه فحياة البرزخ والعذاب المتوعد به أهل النار لم يأتِ بعد, وإنما هو أمام المتوعد به. وأما (وراء) بمعنى (أمام) مكانياً الآية التي بين يديك يقول الله جل وعلا على لسان الخضر: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] فقوله تعالى: ﴿وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ يعني أمامهم مكاناً ملك يأخذ كل سفينة غصبا, فأول معاني (وراء) في القرآن بمعنى: أمام. الثاني: وتأتي بمعنى (خلف)، وهو الأصل في استخدامها اللغوي: قال الله جل وعلا على لسان العبد الصالح شعيب: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢]، وظهر الإنسان خلفه وليس أمامه، فقوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ نص بأنها تأتي بمعنى (خلف).

стр. 749

الثالث: ومن أشهر معانيها: (غير) أو (بعد): قال الله تعالى في النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، فقال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ثم ذكر المحصنات ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ أي ما بعد ذلك, ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، فقوله تعالى (وَرَاءَ ذَلِكَ) أي غير ذلك. قلت: وهذا مما يُميِّز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، والملَكة العربية قادرة على أن تُميّز المعنى المناسب للسياق. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]، "مع أنه هو الحق موافقاً لما معهم من كلام الله" (١). قال القاسمي: " وفيه ردّ لمقالتهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها" (٢). قال الزجاج: " فهذا يدل على أنهم قد كفروا بما معهم إذْ كفروا بما يُصَدِّقُ ما معهم" (٣). وقوله تعالى ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، فيه إشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان بمحمد ﷺ ، وبيانه من وجهين (٤): أحدهما: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أنه لما ثبتت نبوة محمد ﷺ بالمعجزات التي ظهرت عليه، إنه ﵊ أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجبا لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال. والثاني: ما دل عليه قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، وتقريره من وجهين: الأول: أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علما ولا استفاد من أستاذ، والثاني: أن القرآن يدل على نبوة محمد ﷺ فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته، وإلا لم يكن القرآن مصدقا للتوراة بل مكذبا لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد ﵊ وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﵊. قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، " أي قل لهم يا محمد إِذا كان إيمانكم بما في التوراة صحيحا، فلم كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل؟ " (٥). قال الواحدي: " هذا تكذيب من الله تعالى لهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، أي: أيّ كتاب جوّز فيه قتل نبي، وأيّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك" (٦). قال ابن الأنباري: أي: " فلم توليتم آباءكم القاتلين ورضيتم ما كانوا عليه، وصوبتم أفعالهم" (٧).

стр. 750

قال القرطبي: أي" فلم رضيتم بقتل الأنبياء " (١). قال الزجاج: "أيْ: أيُّ كتاب جُوّز فيه قتل نبي، وأي دين وإيمان جُوز فيه" (٢). قال القاسمي: أي: "فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم وأنتم تعلمون صدقهم، قتلتموهم بغيا وعنادا، واستكبارا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي كما قال تعالى أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة: ٨٧] " (٣). قال السدي: " فقال الله وهو يعيرهم: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ " (٤). قال البيضاوي: "وإنما أسنده إليهم، لأنه فعل آبائهم، وأنهم راضون به عازمون عليه" (٥) (٦). وقرأ نافع وحده ﴿أَنْبِياءَ اللَّهِ﴾، مهموزاً في جميع القرآن (٧). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]، " أي إن كنتم معتقدين الإيمان" (٨). قال الطبري: " إن كنتم مؤمنين بما نزل الله عليكم كما زعمتم" (٩). قال القاسمي: " أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم" (١٠). قال ابن إسحاق: " إن كنتم صدقتم نبيي، بما جاءكم به عني" (١١). قال القرطبي: "رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم وتوبيخ" (١٢). ويحتمل قوله تعالى: : ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]، وجهان من التفسير (١٣): أحدهما: ما كنتم مؤمنين. والثاني: إِنَّ إِيمانكم ليس بإيمان. وقد اختلف أهل اللغة في ابتداء الخبر على لفظ المستقبل، في قوله تعالى ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، على قولين (١٤): أحدهما: إن الخطاب لمن شُوهِدَ من أهل مكةَ ومنْ غاب خطَابٌ واحد، فإذا قَتَل أسْلافُهم الأنبياءَ وهم مُقِيمُون على ذلك المذهب فقد شَرَكُوهم في قَتْلِهمْ. والثاني: وقيل: لِمَ رَضيتمُ بذلك الفعل، ومنه قول الشاعر (١٥):

стр. 751

إذا ما انتسبنا، لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تُقِري به بُدَّا فالجزاء للمستقبل، والولادة كلها قد مضت، وذلك أن المعنى معروف، فجاز ذلك. قال الزجاج: "وهذا القول الثاني يرجع إلى معنى الأول، وإنما جاز أنْ يُذكر هنا لفظُ الاستقبال والمعنى، المضي لقوله ﴿من قبل﴾، ودليل ذلك قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، فقوله: ﴿فلم تَقتلون﴾، بمنزلة " فلم قتلتم" (١). قال ابن عطية: " وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر، ألا ترى أن حاضري محمد ﷺ ولما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء" (٢). قلت: إن التغبير عن الفعل الماضي بالمستقبل، جائز في كلام العرب، وذلك فيما كان بمنزلة الصفة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ... ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: ما تلت، وكما قال الشاعر (٣): ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت عنه وقلت لا يعنيني فقوله: (ولقد أمر) أي: ولقد مررت، واستدل على أن ذلك كذلك، بقوله: (فمضيت عنه)، ولم يقل: (فأمضي عنه). ومنه قول الشاعر (٤): وإني لآتيكم تَشَكُّرَ ما مضى ... من الأمر، واسْتِيجابَ ما كان في غد يعني بذلك: ما يكون في غد، ومنه قول الحطيئة (٥): شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر

стр. 752

يعني: يشهد، وكما قال الآخر (١): فما أضحي ولا أمسيت إلا ... أراني منكم في كَوَّفان فقال: أضحي، ثم قال: (ولا أمسيت). قال السعدي: " رد عليهم ﵎ هنا ردا شافيا، وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه، فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات، والأوامر والنواهي، وهو من عند ربهم، فالكفر به بعد ذلك كفر بالله، وكفر بالحق الذي أنزله. ثم قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه، فلم تؤمنون بما أنزل عليكم، وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى؟ وأيضا، فإن كون القرآن مصدقا لما معهم، يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب، قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوه، صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها، ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته، ثم يأتي هو لبينته وحجته، فيقدح فيها ويكذب بها; أليس هذا من الحماقة والجنون؟ فكان كفرهم بالقرآن، كفرا بما في أيديهم ونقضا له. ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين" (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿آمنوا بما أنزل الله﴾؛ لأن ما أنزل الله هو القرآن. وهو كلام؛ والكلام ليس عيناً قائمة بذاتها؛ بل هو صفة في غيره؛ فإذا كان صفة في غيره، وهو نازل من عند الله لزم أن يكون كلام الله .. ٢ ومنها: علوّ الله ؛ لأنه إذا كان القرآن كلامه، وهو نازل من عنده دلَّ على علوّ المتكلم به ٣ ومنها: كذب اليهود في قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾؛ لأنهم لو آمنوا به لآمنوا بمحمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ... ﴾ [الأعراف: ١٥٧] إلخ .. ٤ ومنها: عتوّ اليهود، وعنادهم؛ لأنهم يقولون: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا .. ٥ ومنها: أن من دُعي إلى الحق من هذه الأمة، وقال: "المذهب كذا، وكذا". يعني ولا أرجع عنه ففيه شبه من اليهود. لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تقول: "سمعنا وأطعنا"؛ ولا تعارضه بأي قول كان، أو مذهب .. ٦ ومنها: وجوب قبول الحق من كل من جاء به. ٧ ومنها: إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله؛ ووجه ذلك أن الله أقام على اليهود الحجة على فعلهم؛ لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم؛ فإن قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ ليس بحق؛ لأنه لو كانوا مؤمنين حقيقة ما قتلوا الأنبياء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾. ٩. ومنها: أن القرآن حدثنا عن محاولات اليهود لقتل الأنبياء في مواضع كثيرة (٣) بحيث انك لو جمعت الآيات التي تحدثت عن هذه القضية، لاستبان لك: أن قتل الأنبياء، والغدر بهم، كان هدفا يهوديا خالصا،

стр. 753

يسعى اليهود الى تحقيقه بكل وسيلة، وأقرأ ذلك – إن شئت – في سورة البقرة – آيات: [٦١، ٨٥، ٨٧، ٩١] وفي سورة آل عمران آيات: [٢١، ١١٢، ١٨١، ١٨٣] وفى سورة النساء آيات: [١٥٥، ١٥٧]، وفى المائدة آية [٧٠]، ولا شك بأن قتل الأنبياء من أعظم الجرائم بل إن النبي ﷺ قال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتله نبي أو قتل نبيا " (١)، وقد قتل بنو إسرائيل عدة أنبياء لله تعالى كما هو منصوص عليه في القرآن الكريم. وفى مقابل هذا الغدر وتلك الخيانة يصف القرآن اليهود بأنهم –في ميدان القتال – أجبن الناس، وأضعف الناس، قلوب خاوية، وهمم هاوية! ! ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤]. وهذا في أحسن الأحوال، وإلا ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٦]. ثم تمتلئ قلوبهم رعبا، وخوفا، وجزعا، وفزعا فيقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ [المائدة: ٢٤] (٢). القرآن ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ [البقرة: ٩٢] التفسير: ولقد جاءكم نبي الله موسى بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه، كالطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع، وغير ذلك مما ذكره الله في القرآن العظيم، ومع ذلك اتخذتم العجل معبودًا، بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه، وأنتم متجاوزون حدود الله. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، أي "وقل لهم لقد جاءكم موسى" (٣) بالحجج الباهرات" (٤). قال الثعلبي: أي" بالدلالات اللائحات- والعلامات الواضحات" (٥). قال أبو السعود: " أي وبالله لقد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرةِ" (٦).

стр. 754

قال الطبري: " ولقد جاءكم - يا معشر يهود بني إسرائيل - موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته " (١). قال المراغي: " أي ومن عظيم كفرانكم للنعم أن موسى قد جاء بالأدلة القاطعة والبراهين الناصعة على توحيد الله وعظيم قدرته" (٢). قال البيضاوي: " "يعني الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] " (٣). قال ابن عثيمين: " الخطاب لليهود؛ والدليل على أنه لليهود قوله تعالى: ﴿موسى﴾؛ لأن موسى نبيهم؛ وهنا خاطبهم باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص؛ إذ إن موسى لم يأت هؤلاء الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ لكنه أتى بني إسرائيل الذين هؤلاء منهم" (٤). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، وجهان (٥): أحدهما: ما في الألواح من الحلال والحرام. قاله ابن عباس (٦). والثاني: الآيات التسع. قاله مقاتل (٧)، وابن عباس في رواية عكرمة عنه (٨). وقوله تعالى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، "أي بالعلامات الدالة على رسالته" (٩)، وهي الآيات التسع: العصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر. أو غيرها مما كثر وقوعه من المعجزات الباهرات حجةً على بني إسرائيل في كفرهم (١٠). قال الإمام الطبري: " وإنما سماها الله (بينات) لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن يأتي بها بشر، إلا بتسخير الله ذلك له، وإنما هي جمع (بينة)، مثل (طيبة وطيبات) " (١١). قال الواحدي: "المراد بـ (ثُم) هاهنا: الاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات التي أتى بها موسى ﵇" (١٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢]، أي: "ثم اتخذتم العجل من بعد موسى إلها" (١٣). قال ابن عطية: " أي من بعده، حين غاب عنكم في المناجاة" (١٤). واختلف في (الهاء) في قوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢]، على وجهين (١٥): أحدهما: أنها تعود إلى ﴿موسى﴾، وفيه وجهان من المعنى: الأول: من بعد مجيء موسى. الثاني: من بعد ذهابه، لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لموعده. وهذا قول مقاتل (١٦)، والثعلبي (١٧).

стр. 755

والثاني: أنها تعود إلى ﴿الآيات﴾، والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء البينات، كما تقول: جئتني فكرهته، يعني كرهت مجيئك. قال أبو حيان: " الجمهور على إدغام الذال في التاء في قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾، وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة: بالإظهار" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]، أي وأنتم" ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها" (٢). قال محمد بن إسحاق: "يعني قوله: ﴿وأنتم ظالمون﴾، أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]، وجهان (٤): الأول: أنه حال، بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو بالإخلال بآيات الله تعالى. والثاني: أنه اعتراض، بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم. قال البيضاوي: " ومساق الآية أيضاً لإبطال قولهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا والتنبيه على أن طريقتهم مع الرسول طريقة أسلافهم مع موسى عليهما الصلاة والسلام، لا لتكرير القصة وكذا ما بعدها" (٥). وفي اتصال الآية بما قبلها يقول الراغب: " جعل ذلك أيضا دلالة على دلالة قولهم: (نؤمن بما أنزل علينا) فكأنه قيل: كيف آمنتم به وقد أتاكم موسى بالآيات البينات فما لبثتم أن عبدتم العجل ظلما، وظلمهم الإخلال بآيات الله وبيناته وتلقيها بالكفران والكفر، وفي تخصيص ثم زيادة فائدة، وهي أن ذلك منكم بعد تدبر الآيات والتمكن من معرفتها، والآيات" (٦). الفوائد: ١ من فوائد الآية: إقامة البرهان على عناد اليهود؛ ووجه ذلك أنه قد جاءهم موسى بالبينات، فاتخذوا العجل إلهاً .. ٢. ومنها: سفاهة اليهود، وغباوتهم، لاتخاذهم العجل إلهاً مع أنهم هم الذين صنعوه .. ٣ ومنها: أن اليهود اغتنموا فرصة غياب موسى مما يدل على هيبتهم له؛ لقوله تعالى: ﴿من بعده﴾ يعني من بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه .. ٤ ومنها: أن اليهود عبدوا العجل عن ظلم، وليس عن جهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾. القرآن ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة: ٩٣] التفسير: واذكروا حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا بقَبول ما جاءكم به موسى من التوراة، فنقضتم العهد، فرفعنا جبل الطور فوق رؤوسكم، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بجدٍّ، واسمعوا وأطيعوا، وإلا أسقطنا الجبل عليكم، فقلتم: سمعنا قولك وعصينا أمرك؛ لأن عبادة العجل قد امتزجت بقلوبكم بسبب تماديكم في الكفر. قل لهم -أيها الرسول-: قَبُحَ ما يأمركم به إيمانكم من الكفر والضلال، إن كنتم مصدِّقين بما أنزل الله عليكم.

стр. 756

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، " أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين أَخذنا عليكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة" (١). قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٩٣]، أي: " ورفعنا فوقكم جبل الطور" (٢). قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٩٣]، " أي قلنا لهم: خذوا ما أمرتم به في التوراة بجد" (٣). قال الصابوني: " أي بعزمٍ وحزم وإلاّ طرحنا الجبل فوقكم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣]، "أي استجيبوا وأطيعوا" (٥). قال البيضاوي: أي: " سماع طاعة" (٦). قال الصابون: " أي سماع طاعة وقبول" (٧). قال الثعلبي: " سميت الطاعة سمعا على المجاز، لأنّه سبب الطّاعة والإجابة ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده أي أجابه، وقال الشاعر (٨): دعوتُ اللهَ حتى خِفتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ أي يجب" (٩). قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، أي: " قالُوا: سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك" (١٠). قال الراغب: " أي: فهمنا قولك ولم نأتمر لك" (١١). قال إسماعيل بن أبي خالد: " يقول: قد سمعنا ما تقول وعصيناك" (١٢). وذكر أهل المعاني في قوله تعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، وجهين (١٣): الأول: أن معناه: قالُوا سَمِعْنا قولك. وَعَصَيْنا أمرك. وهو المشهور. والثاني: سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب. قاله الحسن (١٤). ومعنى ﴿وَاسْمَعُوا﴾، أي: أطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد اعلموا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم: "سمع الله لمن حمده" (١٥)، أي قبل وأجاب، قال الشاعر (١٦): دعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول فقوله (يسمع الله ما أقول)، أي: يقبل ما أقول (١٧).

стр. 757

وقال الراجز (١): السمع والطاعة والتسليم ... خير وأعفى لبني تميم قوله: (السمع)، قبول ما يسمع، و (الطاعة) لما يؤمر، فكذلك معنى قوله: (واسمعوا)، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به (٢). واختلف المفسرون في قوله تعالى ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، على وجهين (٣): أحدهما: أنه صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا. وهذا قول الجمهور (٤). قال الرازي: " الأكثرون من المفسرين (٥) اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول" (٦). والثاني: إنّهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكن لما سمعوا الأمر وتلقوه بالعصيان نسب ذلك عنهم إلى القول أتساعا، ومنه قول الشاعر (٧): ومَنْهَلٍ ذِبَّانُه في غَيْطَلِ ... يَقُلْنَ للرائدِ أعْشَبْتَ انْزِلِ أي أنهم فعلوا فعلا قام مقام القول، فيكون مجازا، ومن ذلك قول الشاعر (٨): امْتَلأَ الحَوْضُ وَقالَ قَطْنِي ... مَهْلا رُوَيْدا قَدْ مَلأْتَ بَطْني وقال امرؤ القيس (٩): نواعِمُ يُتْبعنَ الهوى سُبُلَ الردَى ... يقلن لأهل الحِلم ضُلًّا بَتْضلال قالوا: المعنى: يُضللن ذا الحلم، وليس الغرض حكاية قولهن (١٠). قال أبو مسلم: "وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى: ﴿أن يقول له كن فيكون﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكقوله: ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] " (١١). والراجح هو القول الأول، لأن القول بالمجاز، هو صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل، وهذا لا يجوز. والله أعلم. قال الرازي: " إن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم ﴿سمعنا وعصينا﴾ وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد" (١٢).

стр. 758

قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، "أي خالط حبُّه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها بسبب كفرهم" (١). قال البيضاوي: أي: " تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته، لفرط شغفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن" (٢). واختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، على وجهين (٣): أحدهما: أن معناه: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾، أي: حل فيها محل الشرب وقبلوه، يقال: ثوب مشرب أي: مصبوغ (٤). وهذا قول الجمهور: كقتادة (٥)، وأبي العالية (٦)، والربيع (٧)، وذهب إلي الفراء (٨)، والزجاج (٩)، وابن قتيبة (١٠)، وأبو عبيدة (١١)، والطبري (١٢)، والواحدي (١٣)، وابن الجوزي (١٤)، والزمخشري (١٥)، واالبيضاوي (١٦)، والرازي (١٧)، وابن عطية (١٨)، والقرطبي (١٩)، والسمين الحلبي (٢٠)، وغيرههم والثاني: أن المعنى: أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل. قاله علي بن أبي طالب (٢١)، وسعيد بن جبير (٢٢)، والسدي (٢٣). قال الحافظ ابن حجر: "وهو (٢٤) من مجاز الحذف (٢٥)، أي: أشربوا في قلوبهم حب العجل، ومن قال إن العجل أحرق ثم ذري في الماء فشربوه (٢٦) فلم يعرف كلام العرب؛ لأنها لا تقول في الماء أشرب فلان في قلبه" (٢٧).

стр. 759

والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، وهو قول الجمهور، وأن قوله تعالى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾، من مجاز الحذف (١)، أي: أشربوا في قلوبهم حب العجل. فيقال منه: أشرب قلب فلان حب كذا، بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه، كما قال زهير (٢): فصحوت عنها بعد حب داخل ... والحب يُشْرَبُه فؤادُك داء فالشاعر ترك ذكر (الحب) اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام، إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب، وأن الذي يشرب القلب منه حبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وكما قال طرفة بن العبد (٣): ألا إنني سُقِّيت أسود حالكا ... ألا بَجَلِي من الشراب ألا بَجَل يعني بذلك سُمّا أسود، فاكتفى بذكر (أسود)، عن ذكر (السم)، لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: سقيت أسود. ويروى: ألا إنني سقيت أسود سالخا (٤) وقد تقول العرب: " إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم، أو إلى حاتم "، فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله، إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات، ومنه قول الشاعر (٥):

стр. 760

يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وإن جهادا طيئ وقتالها (١) قوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، " أي قل لهم على سبيل التهكم بهم بئس هذا الإِيمان الذي يأمركم بعبادة العجل" (٢). قال الرازي: "المراد "بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ .. ﴾ [هود: ٨٧]، وكذلك إضافة الإيمان إليهم، والإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ .. ﴾ [العنكبوت: ٤٥] " (٣). قال الواحدي: " فبئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكُفْر، وهذا تكذيب لهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، وذلك أنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، فكذّبهم الله ، وعيَّرهم بعبادة العجل، وذلك أنّ آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل" (٤). قال المراغي: أي: " فبئس هذا الإيمان الذي يأمر بهذه الأعمال التي أنتم تفعلونها كعبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق، فهذه دعوى لا تقبل منكم، بل يجب القطع بعدم وجودها، بدليل ما يصدر عنكم من الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرا للإيمان" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣]، " أي إِن كنتم تزعمون الإِيمان" (٦). قال الصابوني: " والمعنى: لستم بمؤمنين لأن الإِيمان لا يأمر بعبادة العجل" (٧). قال الرازي: " المراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم" (٨). قال القاسمي: " قدح في صحة دعواهم. فإن الإيمان إنما يأمر بعباده الله وحده لا بشركة العبادة لما هو في غاية البلادة. فهو غاية الاستهزاء، وحاصل الكلام: إن كنتم مؤمنين بها عاملين، فيما ذكر من القول والعمل، بما فيها، فبئسما يأمركم به إيمانكم بها. وإذ لا يسوغ الإيمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا. فجواب الشرط محذوف، كما ترى، لدلالة ما سبق عليه" (٩). قال الواحدي: وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ من المجاز وسعة العربية؛ لأن الإيمان لا يأمُر، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وكما تقول في الكلام: بئسما يأمرك العقل بشتم الناسِ، معناه: إِن كنْتَ عاقلًا لم تشتمهم، كذلك المعنى في الآية: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل" (١٠). و(السَّمْعُ): قوّة في الأذن به يدرك الأصوات، وفعله يقال له السَّمْعُ أيضا، وقد سمع سمعا" (١١). ومن جماليات الأسلوب القرآني، استخدام كلمة (السمع) لمعنيين مختلفين؛ وهى نكتة لغوية دلالية تحل كثيرا من الإشكاليات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، وقد ذكر الراغب المعنيين، وهما:

стр. 761

الأول: التعبير بالسمّع عن (الأذن)، ومنه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، أي على آذانهم فلا يسمعون، وقد يكون المقصود المصدر، كما عُبِّر عن فعل السَّمَاعِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وقال تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. والثاني: التعبير بالسمع عن (الفهم)، قال تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا﴾ [الأنفال: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: فهمنا قولك ولم نأتمر لك، وكذلك قوله: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: فهمنا وامتثلنا (١). الفوائد: . ١ من فوائد الآية: أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ... ﴾ إلخ .. ٢ ومنها: أن بني إسرائيل ما آمنوا إلا عن كره؛ لأنهم لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور .. ٣ ومنها: بيان قدرة الله .. ٤ ومنها: أن أمر الكون كله بيد الله ، وأنه قادر على خرق العادات؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور .. ٥ ومنها: وجوب تلقي شريعة الله بالقوة دون الكسل والفتور، لقوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾. ٦ ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾؛ وهذا أبلغ ما يكون في العتوّ؛ لأنه كان يمكن أن يكون العصيان عن جهل؛ لكنهم قالوا: ﴿سمعنا وعصينا﴾ .. ٧ ومنها: أن السمع نوعان: سمع استجابة، وسمع إدراك؛ مثال الأول: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا﴾؛ ومثال الثاني: ﴿سمعنا وعصينا﴾ ٨ ومنها: أن المؤمن حقاً لا يأمره إيمانه بالمعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يعني إن كنتم مؤمنين حقاً ما اتخذتم العجل إلهاً .. ٩ ومنها: أن الشر لا يسنده الله تعالى إلى نفسه؛ بل يذكره بصيغة المبني لما لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم﴾؛ ولهذا نظير من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وأنَّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً﴾ [الجن: ١٠]؛ والنبي ﷺ يقول: "والشر ليس إليك" (٢)؛ فالشر في المفعول. لا في الفعل؛ الخير والشر كل من خلْق الله ؛ لكن الشر بالنسبة لإيجاد الله له هو خير، وليس بشر؛ لأن الله ما أوجده إلا لحكمة بالغة، وغاية محمودة. وإن كان شراً. لكن الشر في المفعولات. أي المخلوقات؛ وأما نفس الفعل فهو ليس بشر؛ أرأيت الرجل يكوي ابنه بالنار. والنار مؤلمة محرقة. لكنه يريد أن يُشفى. فهذا المفعول الواقع من الفاعل شر مؤلم محرق لكن غايته محمودة. وهو شفاء الولد؛ فيكون خيراً باعتبار غايته .. ١٠ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد يبتلي العبد، فيملأ قلبه حباً لما يكرهه الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾. ١١ ومنها: أن الإيمان الحقيقي لا يحمل صاحبه إلا على طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾. القرآن ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ [البقرة: ٩٤] التفسير:

стр. 762

قل -أيها الرسول- لليهود الذين يدَّعون أن الجنة خاصة بهم؛ لزعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وأنهم أبناؤه وأحباؤه: إن كان الأمر كذلك فادْعُوا على الكاذبين منكم أو من غيركم بالموت، إن كنتم صادقين في دعواكم هذه. في سبب نزول الآية: قال الله تعالى لليهود: ﴿إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت﴾، فلم يفعلوا حيث قالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾، وقالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، فقال الله لهم ذلك" (١). وروي عن قتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، أي" قل يا محمد: إن كان نعيم الدار الآخرة ولذاتها لكم يا معشر اليهود عند الله" (٣) خاصة. قال الصابوني: " أي قل لهم يا محمد إِن كانت الجنة لكم خاصة كما زعمتم" (٤). قال السعدي: " يعني الجنة، كما زعمتم، أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة" (٥). قال ابن عطية: " أمر لمحمد ﷺ أن يوبخهم، والمعنى: إن كان لكم نعيمها وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها" (٦). واختلف في قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، على قولين (٧): الأول: معناه: صافية. كما يقال: خلص لي فلان، بمعنى صار لي وحدي وصفا لي. قاله الطبري (٨). والثاني: معناه: خاصة، قاله ابن عباس (٩)، واختاره الثعلبي (١٠)، ومنه قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، " أي خاصة من دون الناس" (١١). قال الطبري: "وذلك تأويل قريب من المعنى الأول" (١٢). قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤]، أي: " من دون جميع الناس" (١٣). قال الصابوني: أي: "لا يشارككم في نعيمها أحد" (١٤). واختلف في قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤]، على قولين (١٥): أحدهما: من دون الناس جميعهم، ويبين أن ذلك كان قولهم - من غير استثناء منهم من ذلك أحدا من بني آدم - إخبار الله عنهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. وهذا قول الجمهور. والثاني: من دون محمد وأصحابه الذين آمنوا به، وهذا قول ابن عباس (١٦).

стр. 763

قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]، " أي اطلبوا حصوله" (١). قال الثعلبي: " أي فأريدوا وحلوه لأن من علم أن الجنة مآبه حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني" (٢). قال المراغي: " أي: تشوفوا له واجعلوا نفوسكم ترتاح إليه وتود المصير إليه" (٣). قال ابن عباس: " أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ " (٤). قال ابن عباس أيضا: "لو تمنى اليهود الموت لماتوا" (٥). وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر الواو من رتمنوا﴾ للالتقاء، وحكى الأهوازي عن أبي عمرو أنه قرأ ﴿تمنوا الموت﴾ بفتح الواو، وحكي عن غيره اختلاس الحركة في الرفع، وقراءة الجماعة بضم الواو (٦). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، "أي إن صدق قولكم، وصحت دعواكم" (٧). قال الثعلبي: أي" في قولكم، محقين في دعواكم" (٨). قال أبو العالية: " ﴿إن كنتم صادقين﴾ بما تقولون إنه كما تقولون" (٩). قال ابن عثيمين: " أي في دعواكم أن الدار الآخرة خالصة لكم من دون الناس؛ لأنها حينئذٍ تكون لكم خيراً من الدنيا؛ فتمنوا الموت لتصلوا إليها؛ وهذا تحدٍّ لهم؛ ولهذا قال الله تعالى هنا: ﴿ولن يتمنوه أبداً﴾؛ وفي سورة الجمعة قال تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبداً﴾ [الجمعة: ٧] وذلك؛ لأنهم يعلمون كذب دعواهم أن لهم الدار الآخرة خالصة" (١٠). اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو اليهود أن يتمنوا الموت، وعلى أي وجه أمروا أن يتمنوه (١١): الأول: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يتحداهم بأنه إن كانت الدار الآخرة لهم كما يزعمون، فليتمنوا الموت لِيَصِلوا إليها. وهذا قول قتادة (١٢)، وأبو العالية (١٣)، والربيع (١٤)، رجّحه الطبري (١٥) وكثير من المفسرين.

стр. 764

والثاني: أن المراد به المباهلة، أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما، فما دعوا لعلمهم بكذبهم. روي ذلك عن ابن عباس (١). ورجّحه ابن كثير. ورجح هذا ابن كثير؛ وضعف الأول بأنه لو كان المراد: ﴿تمنوا﴾، حصول الموت لكانوا يحتجون أيضاً علينا نحن، ويقولون: أنتم أيضاً إن كنتم تقولون: إن الدار الآخرة لكم فتمنوا الموت؛ لأن تحديكم إيانا بذلك ليس بأولى من تحدينا إياكم به؛ لأنكم أنتم أيضاً تقولون: إن الدار الآخرة لكم، وأن اليهود بعد بعثة الرسول ﷺ في النار؛ فتمنوا الموت أنتم أيضاً (٢). وأجاب شيخنا ابن عثيمين على هذا الإشكال، فقال: " والجواب عن ذلك أنا لم ندع أن الدار الآخرة خالصة لنا من دون الناس؛ بل نؤمن بأن الدار الآخرة لكل من آمن وعمل صالحاً سواء كان من هذه الأمة أم من غيرها؛ وهذا المعنى الذي نحا إليه ابن كثير. ﵀. مخالف لظاهر السياق؛ فلا يعوَّل عليه؛ وقد عرفت الانفكاك منه" (٣). والراجح هو القول الأول، لأنه يدلّ عليه ظاهر الآية، وهو الأقرب إلى موافقة اللفظ، وبه قال جماعة من أهل التفسير. والله أعلم. قال الطبري: " فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى ذلك، لعلمها أنها تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها. كما امتنع فريق النصارى - الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى، إذْ دعوا إلى المباهلة - من المباهلة، فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ ، لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا" (٤) ... فانكشف - لمن كان مشكلا عليه أمر اليهود يومئذ - كذبهم وبهتهم وبغيهم على رسول الله ﷺ ، وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه عليهم، ولم تزل والحمد لله ظاهرة عليهم وعلى غيرهم من سائر أهل الملل" (٥). الفوائد: ١ من فوائد الآيات: تكذيب اليهود الذين قالوا: "لنا الآخرة، ولكم الدنيا، لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة"؛ ووجهه: أن الله تعالى قال لهم: ﴿فتمنوا الموت﴾، وقد قال تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم.

стр. 765

٢. ومنها: أنه إذا جاء الموت، فإن المؤمن يحب لقاء الله، لأنه قدّم أعماله الصالحة أمامه، وقد روي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ " (١). القرآن ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ [البقرة: ٩٥] التفسير: ولن يفعلوا ذلك أبدًا؛ لما يعرفونه من صدق النبي محمد ﷺ ومن كذبهم وافترائهم، وبسبب ما ارتكبوه من الكفر والعصيان، المؤَدِّيَيْن إلى حرمانهم من الجنة ودخول النار. والله تعالى عليم بالظالمين من عباده، وسيجازيهم على ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، أي: " لن يتمنوه ما عاشوا" (٢). قال الصابوني: "أي لن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام" (٣). قال الواحدي: " وذلك أنهم كفروا، وعرفوا أنهم كَفَرة، ولا نصيب لهم في الجنة؛ لأنهم تعمدوا كتمانَ أمر النبي ﷺ وتكذيبَه" (٤). قال ابن عثيمين: " وذلك؛ لأنهم يعلمون كذب دعواهم أن لهم الدار الآخرة خالصة" (٥). وفي تركهم إظهار التمني قولان (٦): أحدهما: أنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، كما قاله النبي- ﷺ ، فلذلك لم يتمنوه وهذا قول ابن عباس (٧). الثاني: أن الله صرفهم عن إظهار التمني، ليجعل ذلك آية لنبيه- ﷺ . روي عن الحسن (٨) نحوه. قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، " بما أسلفته أيديهم" (٩). قال الآلوسي: " أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة للنار كالكفر بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والقرآن، وقتل الأنبياء" (١٠). قال الواحدي: " أي: بما قدموه وعملوه، فأضاف ذلك إلى اليد، لأن أكثر جنايات الإنسان تكون بيده، فيضاف إلى اليد كل جناية، وإن لم يكن لليد فيها عمل، فيقال: هذا ما اجترحته يدك" (١١). وقد ذكر أبو حيان في قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، وجهين من التفسير (١٢): الأول: كناية عما اجترحوه من المعاصي السابقة. ونسب التقديم لليد مجازاً، والمعنى بما قدّموه، إذ كانت اليد أكثر الجوارح تصرفاً في الخير والشر. وكثر هذا الاستعمال في القرآن: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. والثاني: وقيل: المراد اليد حقيقة هنا، والذي قدّمته أيديهم هو تغيير صفة رسول الله ﷺ ، وكان ذلك بكتابة أيديهم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]، "أي عالم بظلمهم وإِجرامهم وسيجازيهم على ذلك" (١٣). روي عن ابن عباس في قوله ﴿ِالظَّالِمِينَ﴾، قال: "الكافرين" (١٤). وذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُا بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]، وجهين (١٥): أحدهما: أن هذه جملة خبرية، ومعناها: التهديد والوعيد، وعلم الله متعلق بالظالم وغير الظالم. فالاقتصار على ذكر الظالم يدل على حصول الوعيد. والثاني: معناه مجازيهم على ظلمهم، فكنى بالعلم عن الجزاء. قال ابن عاشور: وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، "خبر مستعمل في التهديد لأن القدير إذا علم بظلم الظالم لم يتأخر عن معاقبته" (١٦) ومن ذلك قول زهير (١٧): فَلا تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ ... لِيَخْفَى وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَمِ يقول: لا تخفوا من الله ما تضمرون من الغدر ونقض العهد ليخفى على الله، ومهما يكتم من شيء يعلمه الله، يريد أن الله عالم بالخفيات والسرائر ولا يخفى عليه شيء من ضمائر العباد، فلا تضمروا الغدر ونقض العهد فإنكم إن أضمرتموه علمه الله؛ وقوله: يكتم الله، أي يكتم من الله. قال أبو حيان: " وإنما ذكر الظالمين، لأن الظلم هو تجاوز ما حدّ الله، ولا شيء أبلغ في التعدّي من ادعاء خلوص الجنة لمن لم يتلبس بشيء من مقتضاتها، وانفراده بذلك دون الناس" (١٨). قال ابن عطية: " وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، ظاهرها الخبر ومضمنها الوعيد، لأن الله عليم بالظالمين وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد" (١٩). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أنَّ الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة؛ لقوله تعالى: ﴿بما قدمت أيديهم﴾. ٢. ومنها: إثبات السببية. تؤخذ من الباء في قوله تعالى: ﴿بما قدمت أيديهم﴾. ٣. منها: إثبات علم الله تعالى للمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبداً﴾؛ فوقع الأمر كما أخبر به .. ٤. ومنها: جواز تخصيص العموم لغرض؛ لقوله تعالى: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ فخص علمه بالظالمين تهديداً لهم. القرآن

стр. 766

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦] التفسير: ولتعلمَنَّ -أيها الرسول- أن اليهود أشد الناس رغبة في طول الحياة أيًّا كانت هذه الحياة من الذلَّة والمهانة، بل تزيد رغبتهم في طول الحياة على رغبات المشركين. يتمنى اليهودي أن يعيش ألف سنة، ولا يُبْعده هذا العمر الطويل إن حصل من عذاب الله. والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها بما يستحقون من العذاب. قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، "أي ولتجدنَّ اليهود أشدّ الناس حرصاً على الحياة، وأحرص من المشركين أنفسهم، وذلك لعلمهم بأنهم صائرون إِلى النار لإِجرامهم" (١). قال ابن عباس: " وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة؛ وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما ضيع مما عنده من العلم" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، قيل: المعنى وأحرص، فحذف (من الذين أشركوا) لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة، ألا ترى قول شاعرهم (٣): تمتع من الدنيا فإنك فان ... من النشوات والنساء الحسان وإنما قال: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] بالتنكير، لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي ﴿على الحياة﴾ (٤). وذكروا في (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، ثلاثة أقول (٥): أحدها: أنها (واو) عطف، والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك: هو أسخى الناس ومن حاتم، وهذا قول الفراء والأصم. فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلنا: بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا ألا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقيا باعظم التوبيخ، فإن قيل: ولم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلنا: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك. القول الثاني: أنها (واو) استئناف، وقد تم الكلام عند قوله: "على حياة" (و) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. القول الثالث: أن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ وهو قول أبي مسلم. قال الرازي: " والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم، إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا. والله أعلم (٦).

стр. 767

قوله تعالى: ﴿أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ البقرة: ٩٦]، " أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش ألف سنة" (١). قال قتادة: " قال: حَبَّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العمر" (٢). وروي عن أبي نجيح مثله (٣). وقال ابن زيد: " يهود، أحرص من هؤلاء على الحياة. وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة" (٤). وقال ابن عباس: " هو قول أحدهم إذا عطس: " زه هزار سال "، يقول: عشرة آلاف سنة" (٥). واختلف في الذين أخبر الله تعالى ذكره أن اليهود أحرص منهم في هذه الآية، وذكروا فيه وجهين (٦): الأول: أنهم مشركوا العرب، خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث، فهم يتمنون طول العمر (٧). وهذا قول ابن عباس (٨). والثاني: أنهم المجوس، قاله أبو العلية (٩)، والربيع (١٠). وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه: (عش ألف سنة)، وقيل أنهم كانوا يقولون لملكهم: "عش ألف نيروز وألف مهرجان" (١١). والصواب القول الأول، لأن الله جل ثناؤه قد وصف اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة، لعلمهم بما قد أعد لهم في الآخرة على كفرهم بما لا يقر به أهل الشرك، فهم للموت أكره من أهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث، لأنهم يؤمنون بالبعث، ويعلمون ما لهم هنالك من العذاب. والمشركون لا يصدقون بالبعث ولا العقاب، فاليهود أحرص منهم على الحياة وأكره للموت (١٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦]، " أي وما طول العمر - مهما عمر - بمبعده ومنجيه من عذاب الله" (١٣). قال البغوي: " أي طول عمره لا ينقذه" (١٤). قال ابن زيد: " لو عمر كما عمر إبليس لم ينفعه ذلك، إذ كان كافرا، ولم يزحزحه ذلك عن العذاب" (١٥).

стр. 768

وقوله تعالى ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦]، يعني: بمبعده ومُنَحِّيه (١)، روي عن ابن عباس (٢)، أبي العالية (٣)، والربيع (٤)، نحو ذلك. ومن ذلك قول الحطيئة (٥): وقالوا: تزحزح ما بنا فضل حاجة ... إليك، وما منا لوَهْيِك راقع يعني بقوله: (تزحزح)، تباعد، يقال منه: زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا، وهو عنك متزحزح، أي متباعد. ويكون لازما ومتعديا، فمن قول الشاعر في المتعدي (٦): يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار وقال آخر في اللازم (٧): خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح وروى النسائي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ زَحْزَحَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " (٨). وقد اختلف النحاة في (هُوَ) على وجوه (٩): أحدها: أن (هو) عائد إلى ﴿أحدهم﴾، والتقدير: ما أحدهم بمزحزحه، وخبر الابتداء في المجرور. (أن يعمر) فاعل بمزحزح. الثاني: وقالت جماعة: (هو) ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه، والخبر في المجرور، (أن يعمر) بدل من التعمير على هذا القول. الثالث: وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: (هو) عماد (١٠).

стр. 769

قال القرطبي: "وهو قول فيه بُعدٌ، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين، مثل قوله: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ونحو ذلك" (١). الرابع: وقيل: (ما) عاملة حجازية، و (هو) اسمها، والخبر في ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾. الخامس: وقالت طائفة: (هو) ضمير الأمر والشأن (٢)، وضعّفه القرطبي: " لأن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر" (٣). وأظهر تلك الأقوال، هو القول الأول، أي: أن الضمير (هو) عائد إلى ﴿أحدهم﴾، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]، "أي مطّلع على أعمالهم فيجازيهم عليها" (٤). قال ابن كثير: " أي: خبير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله" (٥). قال السعدي: " تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم" (٦). قال أبو حيان: "وهذه الجملة تتضمن التهديد والوعيد، وأتى عنا بصفة بصير، وإن كان الله تعالى متنزهاً عن الجارحة، إعلاماً بأن علمه، بجميع الأعمال، علم إحاطة وإدراك للخفيات ... وأتى بصيغة المضارع، وإن كان علمه تعالى محيطاً بأعمالهم السالفة والآتية لتواخي الفواصل" (٧). قال العلماء: وصف الله نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم: فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال، قال الشاعر (٨): فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب قال الخطابي: (البصير) العالم، و (البصير) المبصر، وقيل: وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة، فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده مبصرين (٩). وقرأ الجمهور ﴿يعملون﴾، بالياء، على نسق الكلام السابق، وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب ﴿تعلمون﴾، بالتاء، على سبيل الالتفات والخروج من العيبة إلى الخطاب (١٠). الفوائد: ١. من فوائد الآية أن اليهود أحرص الناس على حياة .. ٢. ومنها: إبطال قولهم: "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة"، ثم يخرجون منها، ويكونون في الجنة؛ لأن من كان كذلك لا يكره الموت. ٣. ومنها: أن الناس يتفاوتون في الحرص على الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿أحرص﴾؛ و ﴿أحرص﴾ اسم تفضيل. ٤. ومنها: أن المشركين من أحرص الناس على الحياة، وأنهم يكرهون الموت؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ مما يدل على أنهم في القمة في كراهة الموت ما عدا اليهود ..

стр. 770

٥. ومنها: أن طول العمر لا يفيد المرء شيئاً إذا كان في معصية الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾. ٦. ومنها: غَوْرُ فهم السلف حين كرهوا أن يُدْعَى للإنسان بالبقاء؛ فإن الإمام أحمد كره أن يقول للإنسان: "أطال الله بقاءك"؛ لأن طول البقاء قد ينفع، وقد يضر؛ إذاً الطريق السليم أن تقول: "أطال الله بقاءك على طاعة الله"، أو نحو ذلك .. ٧. ومنها: أن الله محيط بأعمال هؤلاء كغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿والله بصير بما يعملون﴾؛ والبصر هنا بمعنى العلم؛ ويمكن أن يكون بمعنى الرؤية؛ قال النبي ﷺ "لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١)؛ فأثبت لله بصراً؛ لكن تفسيره بالعلم أعم. القرآن ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ [البقرة: ٩٧] التفسير: قل-أيها الرسول- لليهود حين قالوا: إن جبريل هو عدونا من الملائكة: من كان عدوًا لجبريل فإنه نزَّل القرآن على قلبك بإذن الله تعالى مصدِّقًا لما سبقه من كتب الله، وهاديًا إلى الحق، ومبشرًا للمصدِّقين به بكل خير في الدنيا والآخرة. قد أجمع أهل العلم بالتفسير على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم (٢)، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك على أقوال (٣): أحدها: أن سبب قيلهم ذلك، كا من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته. قاله ابن عباس (٤)، وشهر بن حوشب الأشعري (٥)، والقاسم بن أبي بزة (٦). قال ابن عباس: " أقبلت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم نسألك عن أشياء فإن أجبتنا فيها اتبعناك، أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك من عند ربه بالرسالة بالوحي فمن صاحبك؟ قال: "جبريل" قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالمطر والرحمة اتبعناك، فأنزل الله تعالى: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾ " (٧).

стр. 771

والثاني: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب ﵁ وبينهم، في أمر النبي ﷺ . قاله الشعبي (١)، وقتادة (٢)، والسدي (٣). الثالث: وقال أبو ليلى: " قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم لتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، وهو لنا عدو. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ " (٤). وروي عن عطاء نحو ذلك (٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]، " أي قل لهم يا محمد من كان عدواً لجبريل" (٦). قال المراغي: " أي قل لهم أيها النبي حاكيا لهم عن الله: من كان عدوّا لجبريل" (٧). واختلف في سبب عداوة اليهود لجبريل-﵇ على أقوال: الأول: أن سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أُمِر باستمرار النبوة فنقلها لغيرهم. قاله مقاتل (٨). والثاني: أن سبب عداوتهم له، لكونه يطلع على أسرارهم. قاله قتادة (٩). الثالث: لأنه كان ينزل القرآن على محمد ﵇ (١٠). والرابع: إن عداوتهم لكونه ينزل بالعذاب (١١). الخامس: كونه حال دون قتل بخت نصر، الذي خرب مسجدهم وسفك دماءهم، وسبى ذراريهم (١٢) .. والأقرب أن يكون سبب عداوتهم له، أنه كان ينزل القرآن على محمد ﵇، لأن قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ٩٧] مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة. قاله الرازي (١٣). وأما (جِبْرِيلَ)، و (مِيكَالَ) فإن للعرب فيهما لغات (١٤): أحدها: أهل الحجاز يقولون (جبريل)، و (ميكال)، بغير همز، بكسر الجيم والراء من (جبريل) وبالتخفيف، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة. قال كعب بن مالك (١٥): ويوم بدر لقيناهم لنا مدد ... فيه لدى النصر ميكال وجبريل وقال آخر (١٦): عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا والثاني: أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون: (جَبرئيل وميكائيل) على مثال (جبرعيل وميكاعيل)، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة، كما قال جرير بن عطية (١٧): عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجَبرَئيل وكذبوا ميكالا والثالث: وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: (جبريل) بفتح الجيم، وترك الهمز، وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها، لأن " فعليل " في كلام العرب غير موجود، وقد اختار ذلك بعضهم، وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال: " سمويل "، وأنشد في ذلك (١٨): بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... ما وازنت ريشة من ريش سمويلا والرابع: وأما بنو أسد فإنها تقول (جِبرين) بالنون. والخامس: وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في (جبريل) "ألفا " فتقول: (جبراييل وميكاييل). والسادس: وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: (جَبْرَئِلّ) بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام، فأما " جبر " و " ميك "، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: " عبد "، والآخر بمعنى: " عبيد وأما " إيل " فهو الله (١٩). قال الثعلبي: " فأجود اللغات (جَبْرَئِيل) بفتح الجيم، والهمز، لأن الذي يروى عن النبي ﷺ في صاحب الصور " جَبْرَئِيل عن يمينه وميكائيل عن يساره (٢٠)، هذا الذي ضبطه أصحاب الحديث" (٢١). واختلف في معنى (جبريل)، على قولين: الأول: أن معناه: عبد الله، فـ (جبر) عبد، و (إيل) الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس (٢٢)، وعبدالله بن الحارث (٢٣)، وعكرمة (٢٤)، وعلي بن حسين (٢٥)، ومجاهد (٢٦)، والضحاك (٢٧)، وجماعة من أهل العلم. والثاني: أن معناه: خادم ربه. قاله عبدالعزيز بن عمير (٢٨).

стр. 772

واعترض أبو علي الفارسي على القول الأول، ووصفه بأنه غير مستقيم، وذلك لوجهين (١): أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله (أيل). والثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا. والراجح هو القول الأول، وأما وكلام السوسي فإنما يتأتى لو كان: «جبر» و «إيل» عربيتين، ولكنهما عبرانيتان، والاضافة في اللغة العبرانية لا توجب كسر الاسم باعتباره مضافا إليه. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ٩٧]، "أي فإِن جبريل الأمين نزّل هذا القرآن على قلبك يا محمد بأمر الله تعالى" (٢). قال السعدي: أي" فإن جبريل هو الذي نزل بالقرآن من عند الله، على قلبك، وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك، والله هو الذي أمره، وأرسله بذلك، فهو رسول محض" (٣). قال المراغي: أي" فإن من أحوال جبريل أنه نزّل القرآن على قلبك، أي فهو عدو لوحى الله الذي يشمل التوراة" (٤). قال ابن عباس: فأنزل الله إكذابا لهم: قل يا محمد: من كان عدوا لجبريل فإنه يقول: فإن جبريل نزله يقول: نزل القرآن من عندي" (٥). وقد اختلف في (الهاء) في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ [البقرة: ٩٧]، على أقوال (٦): أحدها: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر، لأنه كالمعلوم، أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله، وهذا كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ... ﴾ [فاطر: ٤٥] يعني على الأرض، وهذا قول ابن عباس (٧) وأبو العالية (٨)، والحسن (٩) والربيع بن أنس (١٠). وهو قول أكثر أهل العلم. قال صاحب "الكشاف": إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته" (١١). والثاني: أن المعنى: فإن الله نزل جبريل ﵇ لا أنه نزل نفسه. قال ابن عطية: " وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف" (١٢). وقال الرازي: "يرى أكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظا حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظا جاز أن يقال: نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه (١٣). قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف استقام قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ جزاء للشرط؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.

стр. 773

والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا لكتابهم وموافقا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد أذيته وأسأت إليه" (١). وقد تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله تعالى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، على وجوه: أحدها: بعلم الله. قاله الرازي، واحتج على ذلك بوجوه (٢): أولها: أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن. وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم. وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة. والثاني: أن معناه: بأمر الله. قاله ابن عباس (٣). واختاره في المنتخب (٤)، وأبو حيان (٥). والثالث: بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة. قاله ابن عطية (٦). والرابع: بإرادته وعلمه. قاله ابن كثير (٧). والخامس: باختياره. قاله الماوردي (٨). والسادس: بتيسيره وتسهيله. قاله الزمخشري (٩). والأقرب هو قول ابن عباس، والمعنى: بأمر الله، ومنه: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقد صرح بذلك في: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، " أي: مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية" (١٠). قال السعدي: أي: " مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض" (١١). قال المراغي: " أي هو موافق للكتب التي تقدمته فيما يدعو إليه من توحيد الله والسير على السنن القويم" (١٢). قال أبو العالية: " يعني من التوراة والإنجيل" (١٣). وروي عن قتادة، والربيع نحوه (١٤). وقال ابن عباس: " يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، والآيات والرسل الذين بعثهم الله بالآيات نحو موسى وعيسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من المرسلين مصدقا يقول: فأنت تلوا عليهم يا محمد وتخبرهم غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا ولم تبعث رسولا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه وصدقه يقول اللهم في ذلك لهم عبرة، وبيان. وعليهم حجة لو كانوا يعقلون" (١٥). قال ابن عاشور: و"تصديق الرسل السالفين من أول دلائل صدق المصدق لأن الدجاجلة المدعين النبوات يأتون بتكذيب من قبلهم لأن ما جاءوا به من الهدى يخالف ضلالات الدجالين فلا يسعهم تصديقهم ولذا حذر

стр. 774

الأنبياء السابقون من المتنبئين الكذبة كما جاء في مواضع من التوراة والأناجيل، والمراد بـ ﴿ِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾: ما سبقه، وهو كناية عن السبق لأن السابق يجيء قبل المسبوق ولما كان كناية عن السبق لم يناف طول المدة بين الكتب السابقة والقرآن ولأن اتصال العمل بها بين أممها إلى مجيء القرآن فجعل سبقهما مستمراً إلى وقت مجيء القرآن فكان سبقهما متصلاً" (١). وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٩٧]، " أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة السارة للمؤمنين بجنات النعيم" (٢). قال المراغي: " أي أنزله الله هاديا من الضلالات والبدع التي طرأت على الأديان، وبشرى لمن آمن به" (٣). قال السعدي: أي" وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي، لمن آمن به" (٤). قال الآلوسي: "وخص المؤمنين- بالذكر لأنه على غيرهم عمى" (٥). قال قتادة: " جعل الله هذا القرآن: هدى وبشرى للمؤمنين، لأن المؤمن إذا سمع القرآن وحفظه ووعاه انتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي، وعد وكان على يقين من ذلك" (٦). فالهدى: "دليل وبرهان، والبشرى فإنها البشارة" (٧)، والمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين (٨): الأول: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى. والثاني: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدما على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى. وقال الرازي: "فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به" (٩). وبذلك فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيراً عاجلاً وواعد لهم بعاقبة الخير، وهذه خصال الرجل الكريم محتده وبيته وقومه، السخي بالبذل الواعد به وهي خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم (١٠): إنَّ المساحةَ والمروءةَ والنَّدى ... في قبة ضُربت على ابن الحَشْرج (١١) الفوائد:

стр. 775

١ من فوائد الآية: أن من الناس من يكون عدواً لملائكة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قل من كان عدواً لجبريل﴾: ووجه ذلك: أن مثل هذا لكلام لو لم يكن له أصل لكان لغواً من القول؛ والقرآن منزه عن هذا اللغو .. ٢ ومنها: فضيلة جبريل. ﵊. لأن الله تعالى دافع عنه .. ٣ ومنها: ذكر الوصف الذي يستحق أن يكون به ولياً لجبريل؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ يعني: ومن كان هذه وظيفته فإنه يستحق أن يكون ولياً .. ٤. ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله﴾؛ وإنما نزل به من عند الله؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى .. ٥ ومنها: أن النبي ﷺ قد وعى القرآن وعياً كاملاً لا يتطرق إليه الشك؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك﴾؛ لأن ما نفذ إلى القلب حلّ في القلب؛ وإذا حلّ في القلب فهو في حرز مكين .. ٦ ومنها: أن هذا القرآن إنما نزل بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك بإذن الله﴾؛ والإذن هنا كوني؛ وقد ذكر العلماء أن إذن الله تعالى نوعان: . كوني: وهو المتعلق بالخلق، والتكوين، ولا بد من وقوع ما أذِن الله تعالى فيه بهذا المعنى؛ مثاله قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ [البقرة: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ [التغابن: ١١] .. والثاني شرعي: وهو ما يتعلق بالشرع، والعبادة؛ مثاله قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]؛ وقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]؛ والفرق بينهما أن المأذون به شرعاً قد يقع، وقد لا يقع؛ وأما المأذون به قدراً فواقع لا محالة؛ ومن جهة أخرى: أن المأذون به شرعاً محبوب إلى الله ؛ والمأذون به قدراً قد يكون محبوباً، وقد يكون غير محبوب .. ٧. ومن فوائد الآية: أن القرآن بشرى للمؤمنين؛ وعلامة ذلك أنك تنتفع به؛ فإذا وجدت نفسك منتفعاً به حريصاً عليه تالياً له حق تلاوته فهذا دليل على الإيمان، فتناله البشرى؛ وكلما رأى الإنسان من نفسه كراهة القرآن، أو كراهة العمل به، أو التثاقل في تطبيقه فليعلم أنه إنما فاقد للإيمان بالكلية، أو أن إيمانه ناقص. ٧. وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى، قيل: وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول ﷺ ، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة وباطنة وإن الله تعالى سماه قرآنا وكتابا وعربيا، وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه (١). القرآن ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨] التفسير: من عادى الله وملائكته، ورسله من الملائكة أو البشر، وبخاصة المَلَكان جبريلُ وميكالُ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكال وليُّهم، فأعلمهم الله أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا، فإن الله عدو للجاحدين ما أنزل على رسوله محمد ﷺ . في سبب نزول الآية أقوال (٢):
следующие страницы →