стр. 771
والثاني: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب ﵁ وبينهم، في أمر النبي ﷺ . قاله الشعبي (١)، وقتادة (٢)، والسدي (٣).
الثالث: وقال أبو ليلى: " قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم لتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، وهو لنا عدو. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ " (٤). وروي عن عطاء نحو ذلك (٥).
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]، " أي قل لهم يا محمد من كان عدواً لجبريل" (٦).
قال المراغي: " أي قل لهم أيها النبي حاكيا لهم عن الله: من كان عدوّا لجبريل" (٧).
واختلف في سبب عداوة اليهود لجبريل-﵇ على أقوال:
الأول: أن سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أُمِر باستمرار النبوة فنقلها لغيرهم. قاله مقاتل (٨).
والثاني: أن سبب عداوتهم له، لكونه يطلع على أسرارهم. قاله قتادة (٩).
الثالث: لأنه كان ينزل القرآن على محمد ﵇ (١٠).
والرابع: إن عداوتهم لكونه ينزل بالعذاب (١١).
الخامس: كونه حال دون قتل بخت نصر، الذي خرب مسجدهم وسفك دماءهم، وسبى ذراريهم (١٢) ..
والأقرب أن يكون سبب عداوتهم له، أنه كان ينزل القرآن على محمد ﵇، لأن قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ٩٧] مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة. قاله الرازي (١٣).
وأما (جِبْرِيلَ)، و (مِيكَالَ) فإن للعرب فيهما لغات (١٤):
أحدها: أهل الحجاز يقولون (جبريل)، و (ميكال)، بغير همز، بكسر الجيم والراء من (جبريل) وبالتخفيف، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة.
قال كعب بن مالك (١٥):
ويوم بدر لقيناهم لنا مدد ... فيه لدى النصر ميكال وجبريل
وقال آخر (١٦):
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
والثاني: أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون: (جَبرئيل وميكائيل) على مثال (جبرعيل وميكاعيل)، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة، كما قال جرير بن عطية (١٧):
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجَبرَئيل وكذبوا ميكالا
والثالث: وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: (جبريل) بفتح الجيم، وترك الهمز، وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها، لأن " فعليل " في كلام العرب غير موجود، وقد اختار ذلك بعضهم، وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال: " سمويل "، وأنشد في ذلك (١٨):
بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... ما وازنت ريشة من ريش سمويلا
والرابع: وأما بنو أسد فإنها تقول (جِبرين) بالنون.
والخامس: وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في (جبريل) "ألفا " فتقول: (جبراييل وميكاييل).
والسادس: وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: (جَبْرَئِلّ) بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام، فأما " جبر " و " ميك "، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: " عبد "، والآخر بمعنى: " عبيد وأما " إيل " فهو الله (١٩).
قال الثعلبي: " فأجود اللغات (جَبْرَئِيل) بفتح الجيم، والهمز، لأن الذي يروى عن النبي ﷺ في صاحب الصور " جَبْرَئِيل عن يمينه وميكائيل عن يساره (٢٠)، هذا الذي ضبطه أصحاب الحديث" (٢١).
واختلف في معنى (جبريل)، على قولين:
الأول: أن معناه: عبد الله، فـ (جبر) عبد، و (إيل) الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس (٢٢)، وعبدالله بن الحارث (٢٣)، وعكرمة (٢٤)، وعلي بن حسين (٢٥)، ومجاهد (٢٦)، والضحاك (٢٧)، وجماعة من أهل العلم.
والثاني: أن معناه: خادم ربه. قاله عبدالعزيز بن عمير (٢٨).