← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والثاني: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب ﵁ وبينهم، في أمر النبي ﷺ . قاله الشعبي (١)، وقتادة (٢)، والسدي (٣). الثالث: وقال أبو ليلى: " قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم لتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، وهو لنا عدو. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ " (٤). وروي عن عطاء نحو ذلك (٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]، " أي قل لهم يا محمد من كان عدواً لجبريل" (٦). قال المراغي: " أي قل لهم أيها النبي حاكيا لهم عن الله: من كان عدوّا لجبريل" (٧). واختلف في سبب عداوة اليهود لجبريل-﵇ على أقوال: الأول: أن سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أُمِر باستمرار النبوة فنقلها لغيرهم. قاله مقاتل (٨). والثاني: أن سبب عداوتهم له، لكونه يطلع على أسرارهم. قاله قتادة (٩). الثالث: لأنه كان ينزل القرآن على محمد ﵇ (١٠). والرابع: إن عداوتهم لكونه ينزل بالعذاب (١١). الخامس: كونه حال دون قتل بخت نصر، الذي خرب مسجدهم وسفك دماءهم، وسبى ذراريهم (١٢) .. والأقرب أن يكون سبب عداوتهم له، أنه كان ينزل القرآن على محمد ﵇، لأن قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ٩٧] مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة. قاله الرازي (١٣). وأما (جِبْرِيلَ)، و (مِيكَالَ) فإن للعرب فيهما لغات (١٤): أحدها: أهل الحجاز يقولون (جبريل)، و (ميكال)، بغير همز، بكسر الجيم والراء من (جبريل) وبالتخفيف، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة. قال كعب بن مالك (١٥): ويوم بدر لقيناهم لنا مدد ... فيه لدى النصر ميكال وجبريل وقال آخر (١٦): عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا والثاني: أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون: (جَبرئيل وميكائيل) على مثال (جبرعيل وميكاعيل)، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة، كما قال جرير بن عطية (١٧): عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجَبرَئيل وكذبوا ميكالا والثالث: وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: (جبريل) بفتح الجيم، وترك الهمز، وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها، لأن " فعليل " في كلام العرب غير موجود، وقد اختار ذلك بعضهم، وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال: " سمويل "، وأنشد في ذلك (١٨): بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... ما وازنت ريشة من ريش سمويلا والرابع: وأما بنو أسد فإنها تقول (جِبرين) بالنون. والخامس: وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في (جبريل) "ألفا " فتقول: (جبراييل وميكاييل). والسادس: وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: (جَبْرَئِلّ) بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام، فأما " جبر " و " ميك "، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: " عبد "، والآخر بمعنى: " عبيد وأما " إيل " فهو الله (١٩). قال الثعلبي: " فأجود اللغات (جَبْرَئِيل) بفتح الجيم، والهمز، لأن الذي يروى عن النبي ﷺ في صاحب الصور " جَبْرَئِيل عن يمينه وميكائيل عن يساره (٢٠)، هذا الذي ضبطه أصحاب الحديث" (٢١). واختلف في معنى (جبريل)، على قولين: الأول: أن معناه: عبد الله، فـ (جبر) عبد، و (إيل) الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس (٢٢)، وعبدالله بن الحارث (٢٣)، وعكرمة (٢٤)، وعلي بن حسين (٢٥)، ومجاهد (٢٦)، والضحاك (٢٧)، وجماعة من أهل العلم. والثاني: أن معناه: خادم ربه. قاله عبدالعزيز بن عمير (٢٨).

стр. 772

واعترض أبو علي الفارسي على القول الأول، ووصفه بأنه غير مستقيم، وذلك لوجهين (١): أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله (أيل). والثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا. والراجح هو القول الأول، وأما وكلام السوسي فإنما يتأتى لو كان: «جبر» و «إيل» عربيتين، ولكنهما عبرانيتان، والاضافة في اللغة العبرانية لا توجب كسر الاسم باعتباره مضافا إليه. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ٩٧]، "أي فإِن جبريل الأمين نزّل هذا القرآن على قلبك يا محمد بأمر الله تعالى" (٢). قال السعدي: أي" فإن جبريل هو الذي نزل بالقرآن من عند الله، على قلبك، وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك، والله هو الذي أمره، وأرسله بذلك، فهو رسول محض" (٣). قال المراغي: أي" فإن من أحوال جبريل أنه نزّل القرآن على قلبك، أي فهو عدو لوحى الله الذي يشمل التوراة" (٤). قال ابن عباس: فأنزل الله إكذابا لهم: قل يا محمد: من كان عدوا لجبريل فإنه يقول: فإن جبريل نزله يقول: نزل القرآن من عندي" (٥). وقد اختلف في (الهاء) في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ [البقرة: ٩٧]، على أقوال (٦): أحدها: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر، لأنه كالمعلوم، أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله، وهذا كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ... ﴾ [فاطر: ٤٥] يعني على الأرض، وهذا قول ابن عباس (٧) وأبو العالية (٨)، والحسن (٩) والربيع بن أنس (١٠). وهو قول أكثر أهل العلم. قال صاحب "الكشاف": إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته" (١١). والثاني: أن المعنى: فإن الله نزل جبريل ﵇ لا أنه نزل نفسه. قال ابن عطية: " وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف" (١٢). وقال الرازي: "يرى أكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظا حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظا جاز أن يقال: نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه (١٣). قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف استقام قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ جزاء للشرط؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.

стр. 773

والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا لكتابهم وموافقا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد أذيته وأسأت إليه" (١). وقد تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله تعالى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، على وجوه: أحدها: بعلم الله. قاله الرازي، واحتج على ذلك بوجوه (٢): أولها: أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن. وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم. وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة. والثاني: أن معناه: بأمر الله. قاله ابن عباس (٣). واختاره في المنتخب (٤)، وأبو حيان (٥). والثالث: بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة. قاله ابن عطية (٦). والرابع: بإرادته وعلمه. قاله ابن كثير (٧). والخامس: باختياره. قاله الماوردي (٨). والسادس: بتيسيره وتسهيله. قاله الزمخشري (٩). والأقرب هو قول ابن عباس، والمعنى: بأمر الله، ومنه: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقد صرح بذلك في: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، " أي: مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية" (١٠). قال السعدي: أي: " مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض" (١١). قال المراغي: " أي هو موافق للكتب التي تقدمته فيما يدعو إليه من توحيد الله والسير على السنن القويم" (١٢). قال أبو العالية: " يعني من التوراة والإنجيل" (١٣). وروي عن قتادة، والربيع نحوه (١٤). وقال ابن عباس: " يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، والآيات والرسل الذين بعثهم الله بالآيات نحو موسى وعيسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من المرسلين مصدقا يقول: فأنت تلوا عليهم يا محمد وتخبرهم غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا ولم تبعث رسولا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه وصدقه يقول اللهم في ذلك لهم عبرة، وبيان. وعليهم حجة لو كانوا يعقلون" (١٥). قال ابن عاشور: و"تصديق الرسل السالفين من أول دلائل صدق المصدق لأن الدجاجلة المدعين النبوات يأتون بتكذيب من قبلهم لأن ما جاءوا به من الهدى يخالف ضلالات الدجالين فلا يسعهم تصديقهم ولذا حذر

стр. 774

الأنبياء السابقون من المتنبئين الكذبة كما جاء في مواضع من التوراة والأناجيل، والمراد بـ ﴿ِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾: ما سبقه، وهو كناية عن السبق لأن السابق يجيء قبل المسبوق ولما كان كناية عن السبق لم يناف طول المدة بين الكتب السابقة والقرآن ولأن اتصال العمل بها بين أممها إلى مجيء القرآن فجعل سبقهما مستمراً إلى وقت مجيء القرآن فكان سبقهما متصلاً" (١). وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٩٧]، " أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة السارة للمؤمنين بجنات النعيم" (٢). قال المراغي: " أي أنزله الله هاديا من الضلالات والبدع التي طرأت على الأديان، وبشرى لمن آمن به" (٣). قال السعدي: أي" وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي، لمن آمن به" (٤). قال الآلوسي: "وخص المؤمنين- بالذكر لأنه على غيرهم عمى" (٥). قال قتادة: " جعل الله هذا القرآن: هدى وبشرى للمؤمنين، لأن المؤمن إذا سمع القرآن وحفظه ووعاه انتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي، وعد وكان على يقين من ذلك" (٦). فالهدى: "دليل وبرهان، والبشرى فإنها البشارة" (٧)، والمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين (٨): الأول: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى. والثاني: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدما على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى. وقال الرازي: "فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به" (٩). وبذلك فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيراً عاجلاً وواعد لهم بعاقبة الخير، وهذه خصال الرجل الكريم محتده وبيته وقومه، السخي بالبذل الواعد به وهي خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم (١٠): إنَّ المساحةَ والمروءةَ والنَّدى ... في قبة ضُربت على ابن الحَشْرج (١١) الفوائد:

стр. 775

١ من فوائد الآية: أن من الناس من يكون عدواً لملائكة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قل من كان عدواً لجبريل﴾: ووجه ذلك: أن مثل هذا لكلام لو لم يكن له أصل لكان لغواً من القول؛ والقرآن منزه عن هذا اللغو .. ٢ ومنها: فضيلة جبريل. ﵊. لأن الله تعالى دافع عنه .. ٣ ومنها: ذكر الوصف الذي يستحق أن يكون به ولياً لجبريل؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ يعني: ومن كان هذه وظيفته فإنه يستحق أن يكون ولياً .. ٤. ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله﴾؛ وإنما نزل به من عند الله؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى .. ٥ ومنها: أن النبي ﷺ قد وعى القرآن وعياً كاملاً لا يتطرق إليه الشك؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك﴾؛ لأن ما نفذ إلى القلب حلّ في القلب؛ وإذا حلّ في القلب فهو في حرز مكين .. ٦ ومنها: أن هذا القرآن إنما نزل بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك بإذن الله﴾؛ والإذن هنا كوني؛ وقد ذكر العلماء أن إذن الله تعالى نوعان: . كوني: وهو المتعلق بالخلق، والتكوين، ولا بد من وقوع ما أذِن الله تعالى فيه بهذا المعنى؛ مثاله قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ [البقرة: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ [التغابن: ١١] .. والثاني شرعي: وهو ما يتعلق بالشرع، والعبادة؛ مثاله قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]؛ وقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]؛ والفرق بينهما أن المأذون به شرعاً قد يقع، وقد لا يقع؛ وأما المأذون به قدراً فواقع لا محالة؛ ومن جهة أخرى: أن المأذون به شرعاً محبوب إلى الله ؛ والمأذون به قدراً قد يكون محبوباً، وقد يكون غير محبوب .. ٧. ومن فوائد الآية: أن القرآن بشرى للمؤمنين؛ وعلامة ذلك أنك تنتفع به؛ فإذا وجدت نفسك منتفعاً به حريصاً عليه تالياً له حق تلاوته فهذا دليل على الإيمان، فتناله البشرى؛ وكلما رأى الإنسان من نفسه كراهة القرآن، أو كراهة العمل به، أو التثاقل في تطبيقه فليعلم أنه إنما فاقد للإيمان بالكلية، أو أن إيمانه ناقص. ٧. وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى، قيل: وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول ﷺ ، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة وباطنة وإن الله تعالى سماه قرآنا وكتابا وعربيا، وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه (١). القرآن ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨] التفسير: من عادى الله وملائكته، ورسله من الملائكة أو البشر، وبخاصة المَلَكان جبريلُ وميكالُ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكال وليُّهم، فأعلمهم الله أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا، فإن الله عدو للجاحدين ما أنزل على رسوله محمد ﷺ . في سبب نزول الآية أقوال (٢):

стр. 776

أحدها: أخرج الطبري "عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إن يهوديا لقي عمر فقال له: إن جبريل الذي يذكره صاحبك، هو عدو لنا، فقال له عمر: ﴿كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾، قال: فنزلت على لسان عمر" (١). والثاني: وأخرج الطبري أيضا عن عبيد الله، عن رجل من قريش قال: "سأل النبي ﷺ اليهود فقال: أسالكم بكتابكم الذي تقرءون، هل تجدون به قد بشر بي عيسى ابن مريم أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟ فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا، ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهَرِيق الدماء. فأنزل الله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته﴾ الآية" (٢). والثالث: وقال مقاتل: "قالت اليهود: إن جبريل عدونا أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، فأنزل الله هذه الآية" (٣). والرابع: ال ابن عباس: إن حبرا من أحبار اليهود من فدك يقال له: عبد الله بن صوريا حاج النبي ﷺ فسأله عن أشياء فلما اتجهت الحجة عليه قال: أي ملك يأتي من السماء؟ قال: جبريل: ولم يبعث الله نبيا إلا وهو وليه قال: ذاك عدونا من الملائكة، ولو كان ميكائيل مكانه لآمنا بك، إن جبريل نزل بالعذاب والقتال والشدة، فإنه عادانا مرارا كثيرة، وكان أشد ذلك علينا أن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يدي رجل يقال له بختنصر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل في طلب بختنصر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا ليست له قوة، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبريل، وقال لصاحبنا: إن كان ربكم الذي أذن في هلاككم فلا تسلط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي شيء تقتله؟ فصدقه صاحبنا ورجع إلينا، وكبر بختنصر وقوي وغزانا وخرب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوا فأنزل الله هذه الآية" (٤). قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، " أي معادياً له مستكبراً عن عبادته" (٥). قال البيضاوي: " أراد بعداوة الله مخالفته عناداً، أو معاداة المقربين من عباده، وصدر الكلام بذكره تفخيماً لشأنهم كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] " (٦). قال أبو السعود: " أريد بعداوته تعالى، مخالفةُ أمرِه عِناداً، والخروجُ عن طاعته مكابرة، أوعداوة خواصِّه ومقرَّبيه" (٧). قال المراغي: " عداوة لله مخالفة أوامره وعدم القيام بطاعته، والكفر بما ينزله لهداية الناس على لسان رسله" (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، أي ومن كان" عدواً لملائكته" (٩). قال المراغي: " بكراهة العمل بما يعهد به إليهم ربهم من رسالات يبلغونها للناس" (١٠). قال ابن عثيمين: " و (الملائكة) جمع (ملَك)؛ وهم عالم غيبي خلقهم الله من نور، وسخرهم لعبادته يسبحون الليل، والنهار لا يفترون؛ ومنهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل الذين كان النبي ﷺ يذكر أسماءهم في افتتاح صلاة الليل (١١) " (١٢). قوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، أي ومن كان عدوا لرسل الله تعالى. قال الواحدي: " يعني: محمدًا وعيسى، كفرت بهما اليهود" (١٣). قال المراغي: " بتكذيبهم في دعوى الرسالة مع قيام الأدلة على صدقها، أو بقتل بعضهم كما فعلوا مع زكريا ويحيى" (١٤). قال ابن كثير: " - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] " (١٥). و(رسل): "جمع رسول؛ وهم الذين أوحى الله تعالى إليهم بشرع، وأمرهم بتبليغه؛ أولهم نوح، وآخرهم محمد. صلى الله عليهم وسلم أجمعين" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، أي و" عادى على الوجه الأخص «جبريل وميكائيل» " (١٧). قال المراغي: " بادّعاء أن الأول يأتي بالآيات والنذر، ومن عاداه فقد عادى ميكائيل، لأن الداعي إلى محبتهم وعداوتهم واحد" (١٨). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، "أي من عادى الله وعادى هؤلاء المقربين عند الله، فالله عدوّ له" (١٩). قال الزمخشري: " والمعنى من عاداهم، عاداه اللَّه وعاقبه أشدّ العقاب" (٢٠). قال ابن عثيمين: " هذا جواب الشرط: من كان عدواً لله فالله عدو له؛ ومن كان عدواً للملائكة فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لرسله فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لجبريل فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لميكائيل فإن الله عدو له" (٢١). قال الواحدي: ومعنى الآية: من كان عدوًا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له، لأن عدوّ الواحد عدو الجميع، وعدو محمدٍ عدوُّ الله. ومثله قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل .. ولم يقل: فهم أعداء له؛ لأنه تولى تلك العداوة بنفسه، وكفى رسله وملائكته أمر من عاداهم. وإنما لم يقل: فإن الله عدو لهم أوله بالكناية؛ ليدل مع أنه عدو لهم على أنهم كافرون بهذه العداوة" (٢٢).

стр. 777

قال الشوكاني: " والعداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله والبغض لأوليائه والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له" (١). قال ابن كثير: " وإنما أظهر الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب" (٢)، وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" (٣)، وفي الحديث الصحيح: "وَمَن كنتُ خَصْمَه خَصَمْتُه" (٤) " (٥). وقد أتى باسم ﴿الله﴾ ظاهراً، ولم يأت: بأنه عدوّ، لاحتمال أن يفهم أن الضمير عائد على اسم الشرط فينقلب المعنى، أو عائد على أقرب مذكور، وهو ميكال، فأظهر الاسم لزوال اللبس، أو للتعظيم والتفخيم، لأن العرب إذا فخمت شيئاً كررته بالاسم الذي تقدم له، وذلك كقوله تعالى: ﴿لَيَنصُرَنَّهُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠] (٦)، ومنه قول الشاعر (٧): لا أرى الموت يسبق الموت شيئا ... نغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا إذ كرر الشاعر (الموت) في جملة واحدة. فـ (الموت) الأول مفعول لـ (أرى)، و (يسبق الموت) مفعول ثانٍ، وكان ينبغي أن يقول: يسبقه شيءٌ؛ لأن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكرير ذكره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يُذكر ضميرُهُ، ولكن التكرير قد يراد به التعظيم والتفخيم. ومنه قول جرير (٨): ليتَ الغرابَ غداة ينعَبُ دائبا ... كان الغرابُ مقطَّع الأوداج وقال الزمخشري: " "فجاء بالظاهر ليدل على أن الله عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر. وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً، فما بال الملائكة؟ وهم أشرف" (٩). قلت: وهذا عند المعتزلة، أما عند أهل السنة فالأنبياء أشرف. وقد خص الله ﴿جبريل وميكائيل﴾، بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما للأسباب الآتية (١٠):

стр. 778

الأول: قالوا أفردهما بالذكر تشريفا لهما، كما قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وكقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣١]. قال الرازي: " لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنسا آخر سوى جنس الملائكة" (١). والثاني: وقيل: خصا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود: إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته، فنص الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص. قال الرازي: "أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جرم نص على اسميهما، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل، وإذا ثبت هذا فنقول: يجب أن يكون جبريل ﵇ أفضل من ميكائيل" (٢)، ثم علل ذلك لوجوه (٣): أحدها: أنه تعالى قدم جبريل ﵇ في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفا فوجب أن يكون مستقبحا شرعا لقوله ﵇: " مَا رَأَىهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ" (٤). وثانيها: أن جبريل ﵇ ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل. وثالثها: قوله تعالى في صفة جبريل: ﴿مطاع ثم أمين﴾ ذكره يوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعا بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه. الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن من عادى الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿من كان عدواً لله﴾، ثم قال تعالى: ﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾. ٢. ومنها: أن من كان عدواً للملائكة، أو للرسل فإنه عدو لله؛ لأن الملائكة رسل الله، كما قال تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر: ١]؛ والرسل البشريون أيضاً رسل لله؛ فمن عادى ملائكة الله من جبريل أو غيره، أو عادى الرسل من محمد أو غيره فقد عادى الله .. فإن قيل: فهل من عادى المؤمنين يكون معادياً لله؟ فالجواب: هذا محل توقف في دلالة الآية عليه؛ اللهم إلا إذا عادى المؤمنين لكونهم تمسكوا بشريعة الرسل؛ فهذا يظهر أن الله يكون عدواً لهم، لأن من عاداهم إنما فعل ذلك بسبب أنهم تمسكوا بما جاءت به الرسل؛ فكان حقيقة معاداتهم أنهم عادوا رسل الله، كما قال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣] أي مبغضك، ومبغض ما جئت به من السنة هو الأبتر؛ وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى في الحديث القدسي قال: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" (٥). ٣. ومن فوائد الآيتين: أن كل كافر فاللَّه عدوّ له؛ لقوله تعالى: ﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾ ٤. ومنها: إثبات صفة العداوة من الله. أي أن الله يعادي؛ وهي صفة فعلية كالرضا، والغضب، والسخط، والكراهة؛ و "المعاداة" ضدها الموالاة الثابتة للمؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿الله وليّ الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].

стр. 779

القرآن ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة: ٩٩] التفسير: ولقد أنزلنا إليك-أيها الرسول- آيات بينات واضحات تدل على أنّك رسول من الله صدقا وحقا، وما ينكر تلك الآيات إلا الخارجون عن دين الله. في سبب تزول الآية: روي عن ابن عباس قال: "قال ابن صوريا الفِطيوني لرسول الله ﷺ : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها! فأنزل الله : ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾! (١). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، " أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك" (٢). قال الصابوني: " أي والله لقد أنزلنا إِليك يا محمد آيات واضحات دالاّت على نبوتك" (٣). قال ابن عباس: " يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون" (٤). قال الواحدي: " و ﴿البينات﴾: جمع بينة ... والبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة؛ لأنها من إبانة أحد شيئين عن الآخر، فيزول الالتباس بها. واستقصاء الكلام في هذا عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] " (٥). قال الطبري: وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد ﷺ من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم - وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ ، فكان، في ذلك من أمره، الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي" (٦). وفي تسمية القرآن بـ ﴿الآيات﴾، وجوه (٧): أحدها: أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاض القرآن دالة بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات. وثانيها: أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب. وثالثها: أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة، فإن قيل: الدليل لا يكون إلا بينا فما معنى وصف الآيات بكونها بينة، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال، وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علما وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر آكد منه.

стр. 780

قلنا-الإمام الرازي-: التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب، وهذا هو الآية البينة (١). قوله تعالى: : ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، " أي وما يجحد بهذه الآيات ويكذب إلا الخارجون عن الطاعة الماردون على الكفر" (٢). قال الواحدي: " أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمد ﷺ عن شريعة موسى ﵇" (٣). قال مجاهد: " ﴿الفاسقون﴾، العاصون" (٤). وعن زيد ابن أسلم: في قوله: ﴿الفاسقون﴾، قال: الكاذبون" (٥). قال السعدي: " تحصل بها الهداية لمن استهدى، وإقامة الحجة على من عاند، وهي في الوضوح والدلالة على الحق، قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله، وخرج عن طاعة الله، واستكبر غاية التكبر" (٦). قال ابن عاشور: "المعنى: ما يكفر بهاته الآيات إلا من كان الفسق شأنه ودأبه لأن ذلك بهيئه للكفر بمثل هذه الآيات، فالمراد بالفاسقين المتجاوزون الحد في الكفر المتمردون فيه، والإخبار وقع بالمضارع الدال على التجدد، والتوصيف وقع باسم الفاعل المعروف باللام (٧). وفي قوله تعالى ﴿إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وجهان (٨): أحدهما: أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى. الثاني: أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع. قال أبو حيان: "المراد بالفاسقين هنا: الكافرون، لأن كفر آيات الله تعالى هو من باب فسق العقائد، فليس من باب فسق الأفعال، وقال الحسن: "إذا استعمل الفسق في شيء من المعاصي، وقع على أعظمه من كفر أو غيره " (٩). انتهى، وناسب قوله: ﴿بينات﴾ لفظ الكفر، وهو التغطية، لأن البين لا يقع فيه إلباس، فعدم الإيمان به ليس لشبهة لأنه بين، وإنما هو تغطية وستر لما هو واضح بين .. وكنى بالفسق هنا عن الكفر، لأن الفسق: خروج الإنسان عما حدّ له .. فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا المبالغ في كفره، المنتهي فيه إلى أقصى غاية" (١٠) وفى قوله سبحانه: ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ﴾ تهديد لليهود، ووعيد لهم، على كفرهم وفسقهم فإنه لا يكفر بهذه الآيات التي أنزلها على محمد ﷺ إلا الفاسق الخارج عن طاعة الله، فاليهود هم الكافرون الفاسقون، كفروا بمحمد- ﷺ ، وفسقوا عن دينهم الذي كانوا عليه، أي خرجوا عن دينهم، حين أنكروا ما فيه من أمر محمد- ﷺ ورسالته (١١).

стр. 781

و (الفسق): "العصيان والترك لأمر الله ، والخروج عن طريق الحق" (١). قال أبو العباس: (الفسق) في اللغة: الخروج (٢). وقال الليث: " (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) " (٣). قال أبو عبيدة: وأصل (الفسق) في اللغة: الجور، الميل عن الطاعة، يقال: (فسق) إذا جار" (٤)، ومنه قول الشاعر (٥): يهوِين في نَجد وغورًا غائرا ... فواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ جَوَائِرا قال الفراء (الفسق): "الخروج عن الطاعة، والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها، لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت (فويسقة) لخروجها من جحرها على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرج عَن طاعة ربه" (٦). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن القرآن وحي من الله .. ٢ ومنها: عظمة القرآن؛ لأن الله أضافه إليه، وجعله آية .. ٣. ومنها: ثبوت علوّ الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى؛ وعلوّ الله من صفاته الذاتية اللازمة له التي لم يزل، ولا يزال متصفاً بها؛ وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته .. ٤ ومنها: وصف القرآن بأنه آيات بينات، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧]؛ لأن هذا التشابه يكون متشابهاً على بعض الناس دون بعض؛ ولأنه يُحمل على المحكم، فيكون الجميع محكماً، كما قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ... ﴾ [آل عمران: ٧] الآية .. فالحاصل: أن القرآن. ولله الحمد. آيات بينات؛ ولكنه يحتاج إلى قلب ينفتح لهذا القرآن حتى يتبين؛ أما قلب يكره القرآن، ثم يأتي بما يُشتَبه فيه ليضرب القرآن بعضه ببعض فهذا لا يتبين له أبداً؛ إنما يتبين الهدى من القرآن لمن أراد الهدى؛ وأما من لم يرده فلا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ .. ٥. ومن فوائد الآية: أنه لا يكفر بالقرآن إلا الفاسق .. ٦. ومنها: أن من كفر به فهو فاسق .. ٧ ومنها: إطلاق الفاسق على الكافر؛ وعلى هذا يكون الفسق على نوعين: . فسق أكبر مخرج عن الملة، كما في قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ١٩، ٢٠] الآية؛ ووجه الدلالة أنه تعالى جعل الفسق هنا مقابلاً للإيمان .. والثاني: فسق أصغر لا يخرج من الإيمان؛ ولكنه ينافي العدالة، كقوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]: فعطف ﴿الفسوق﴾ على ﴿الكفر﴾؛ والعطف يقتضي المغايرة .. مسألة: -

стр. 782

تنقسم آيات الله تعالى إلى قسمين: كونية، وشرعية؛ فالكونية مخلوقاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والإنسان، وغير ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ [الروم: ٢٢]؛ وأما الشرعية فهي ما أنزله الله تعالى على رسله من الشرائع، كقوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته﴾ [الجمعة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم .. ﴾ [سبأ: ٤٣] الآية، وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها. القرآن ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠] التفسير: ما أقبح حال بني إسرائيل في نقضهم للعهود! ! فكلما عاهدوا عهدًا طرح ذلك العهد فريق منهم، ونقضوه، فتراهم يُبْرِمون العهد اليوم وينقضونه غدًا، بل أكثرهم لا يصدِّقون بما جاء به نبي الله ورسوله محمد ﷺ . اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: قال المفسرون: "إن اليهود عاهدوا فيما بينهم، لئن خرج محمد ﷺ ليؤمنُنّ به، وليكونُنّ معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ نقضوا العهد وكفروا به " (١). والثاني: وقال عطاء: "هي العهود التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود، فنقضوها كفعل قريظة والنضير، عاهدوا ألا يعينوا عليه أحدًا، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشًا يوم الخندق" (٢). والثالث: أنها: "نزلت في مالك بن الصيف، قال: والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ﷺ ، ولا ميثاق" (٣). قال الواحدي: "واتصال هذه الآية بما قبلها: من حيث إنهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات" (٤). قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠]، أي "وكلّما أعطوا عهداً" (٥). قال أبو حيان: " والمراد بهذا الاستفهام: الإنكار، وإعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها، فصار ذلك عادة لهم وسجية. فينبغي أن لا يكترث بأمرهم، وأن لا يصعب ذلك، فهي تسلية للرسول ﷺ ، إذ كفروا بما أنزل عليه، لأن ما كان ديدناً للشخص وخلقاً، لا ينبغي أن يحتفل بأمره" (٦). قال العلّامة ابن عثيمين: "قوله تعالى: ﴿أوَ كلما﴾: الهمزة هنا للاستفهام؛ والواو للعطف؛ ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيراً؛ وقد سبق الكلام عليها؛ أما ﴿كلما﴾ فإنها أداة شرط تفيد التكرار، أي كثرة وقوع شرطها، وجوابها؛ وكلما حصل الشرط حصل الجواب؛ فإذا قلت: "كلما جاء زيد فأكرمه" اقتضى تكرار إكرامه بتكرر مجيئه قلّ، أو كثر" (٧). وقرأ أبو السمال العدوي وغيره: ﴿أوْ كلما﴾ بسكون الواو، وقرأ الحسن وأبو رجاء: ﴿أو كلما عوهدوا﴾، على البناء للمفعول، وهي قراءة تخالف رسم المصحف، وقرئ: ﴿عهدوا﴾، فيكون (عهدا) مصدرا (٨). واختلف أهل العربية في حكم (الواو) التي في ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة: ١٠٠]، على ثلاثة أوجه (٩):

стр. 783

احدها: أنها زائدة، قاله الأخفش (١). والثاني: أنها (أو) الساكنة (الواو)، حركت بالفتح، وهي بمعنى (بل). قاله الكسائي (٢). قال أبو حيان: " وكلا القولين ضعيف" (٣). والثالث: أنها (واو) العطف، اختاره أبو حيان (٤). والراجح هو القول الأخير، بأنها حرف عطف، وقدّمت الهمزة لأن لها الصدارة في الكلام. والله أعلم. وعلى هذا المذهب خرّج ذلك الزمخشري على أن يكون للعطف على ﴿الفاسقين﴾، وقدّره: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا، أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة" (٥). وعلى هذا النحو خرجه المهدوي وغيره على أن ﴿أو﴾ للخروج من كلام إلى غيره، بمنزلة (أم) المنقطعة، فكأنه قال: بل كلما عاهدوا عهداً، كقول الرجل للرجل، لأعاقبنك، فيقول له: أو يحسن الله رأيك، أي بل يحسن رأيك أي بل يحسن رأيك، وهذا التخريج هو على رأي الكوفيين، إذ يكون أو عندهم بمنزلة (بل)، وأنشدوا شاهداً على هذه الدعوى قول الشاعر (٦): بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح وقد جاء أو بمعنى الواو في قوله (٧): من بين ملجم مهره أو سافع وقوله (٨): صدور رماح أشرعت أو سلاسل يريد: وشافع وسلاسل (٩). قال الإمام الطبري: و"غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له، وهذا يدل على فساد قول من زعم أن (الواو) و (الفاء) من قوله: (أو كلما) و (أفكلما) زائدتان لا معنى لهما" (١٠). قلتُ: إن وقوع الزيادة في القرآن، مختلف فيه بين أهل العلم، وكثير من أهل اللغة، والنحو، والبلاغة يقولون بوقوع الزيادة، ومرادهم بذلك أن الحروف زيدت لضرب من التأكيد، كما قال ابن يعيش في المفصل، وابن قتيبة في (تأويل مشكل القرآن) (١١). ولو تتبعنا آراء علماء العربية والتفسير والنحو، لنتعرف على مقصدهم من معاني حروف الزيادة في الكتاب العزيز، لوجدناهم مختلفين بين مثبت لها وناف، فمنهم من أنكر أن يكون في كتاب الله حرف زائد، حيث أنكر من ذهب هذا المذهب كالرازي، وابن القيم أن يكون في كلام الله حشو، أو لغو، أو زيادة، وإن كان المثبتون لها هم أكثر أهل العلم حيث يسمونها أسماء أخر قال الزركشي في البرهان: "كثيرون ينكرون إطلاق

стр. 784

هذه العبارة في كتاب الله، ويسمونه التأكيد ومنهم من يسميه بالصلة، ومنهم من يسميه المقحم، قال ابن جني: كل حرف زيد في كلام العرب، فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى" (١). والراجح في هذه المسألة: إثبات الزيادة بمعانيها التي وردت لها، وإنه لا يوجد حرف زائد في القرآن، أي دخوله كخروجه، وقد أورد العلماء معاني هذه الحروف على أنها: - تفيد توكيد العموم: أي توكيد المعنى العام للجملة. - التنصيص على العموم. - التوكيد لدفع توهم إرادة الجمع كما في لا. - توكيد إثبات. - توكيد نفي. إلى غير ذلك من المعاني التي سأعرض لها عند تفسير الآيات التي تتضمن حروفاً زائدة وبيان دلالتها من خلال السياق، وإن كل مَنْ يدعى أنه لا زيادة في القرآن بالمعنى الذي ذكرت، إنما يذهب إلى إنزال القرآن منزلة أقل من مستوى كلام العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وتحداهم وقهرهم وأعجزهم عن أن يأتوا بمثله، فكل زيادة وردت في الكتاب العزيز كان لها معنى ومدلول وسر بلاغي لم يفقهه إلا من تملك ناصية اللغة العربية، وأتقنها شعراً ونثراً وبلاغة، وهؤلاء هم أجلاء أهل العلم والفقه، من لدن أصحاب النبي ﷺ وحتى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة. ومن ردّ الزيادة بهذه المعاني التي ذكرت بعضها، وبدعوى أنها إساءة إلى كتاب الله تعالى، فقد قام بلي أعناق النصوص والآيات، وتجشم الصعاب متكلفاً ما لا طائل وراءه، وليس يشين كتاب الله إذا نهج على منوال كلام العرب، وسلك مسلكهم في الخطاب، أن تكون فيه هذه الزيادة الرائعة الحبيبة إلى النفس المتأولة تأويلاً سليماً. و(العهد)، هو الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بما في التوراة مرة بعد أخرى، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك، وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإيمان به من أمر محمد ﷺ من العهد والميثاق، فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته، فقال تعالى ذكره: أو كلما عاهد اليهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا، نبذه فريق منهم، فتركه ونقضه (٢). قوله تعالى: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، أي: " نقضه جماعة منهم" (٣). قال أبو حيان: أي" طرحه، أو نقضه، أو ترك العمل به، أو اعتزله، أو رماه. أقوال خمسة، وهي متقاربة المعنى" (٤). قال البيضاوي: " وإنما قال فريق لأن بعضهم لم ينقض" (٥). ونسبة (النبذ) إلى (العهد)، من المجاز، لأن العهد معنى، والنبذ حقيقة، إنما هو في المتجسدات: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَه فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠] [الذاريات: ٤٠]، ﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، فنبذ خاتمه، فنبذ الناس خواتيمهم، ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَأَىءِ﴾ [القلم: ٤٩] (٦). و(النبذ) أصله - في كلام العرب - الطرح، ولذلك قيل للملقوط: (المنبوذ)، لأنه مطروح مرمي به (٧)، وقال الزمخشري: " و (النبذ): الرمي بالذمام ورفضه" (٨).

стр. 785

ومنه سمي النبيذ (نبيذا)، لأنه زبيب أو تمر يطرح في وعاء، ثم يعالج بالماء. وأصله (مفعول) صرف إلى (فعيل)، أعني أن (النبيذ) أصله (منبوذ) ثم صرف إلى (فعيل) فقيل: (نبيذ)، كما قيل: (كف خضيب، ولحية دهين) - يعني: مخضوبة ومدهونة، يقال منه: (نبذته أنبذه نبذا)، كما قال أبو الأسود الدؤلي (١): نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا وقال آخر (٢): إن الذين أمرتهم أن يعدلوا ... نبذوا كتابك واستحلوا المحرما وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك، ودبرا منك، وتحت قدمك، أي اتركه وأعرض عنه، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ [هود: ٩٢]. وأنشد الفراء (٣): تميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها و(الفريق) الجماعة، لا واحد له من لفظه، بمنزلة (الجيش) و (الرهط) الذي لا واحد له من لفظه (٤). قال الرازي: "إنما قال: ﴿نبذه فريق﴾، لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال: ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾. قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]، "أي بل أكثر اليهود لا يؤمن بالتوراة الإِيمان الصادق لذلك ينقضون العهود والمواثيق" (٥). قال البيضاوي: " رد لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلون، أو أن من لم ينبذ جهاراً فهم مؤمنون به خفاء" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] قولان (٧): الأول: أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبدا لحسدهم وبغيهم. والثاني: لا يؤمنون: أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه. الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن اليهود لا يوثق منهم بعهد؛ لأنهم كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم .. ٢ ومنها: أن نبذ فريق من الأمة يعتبر نبذاً من الأمة كلها. ما لم يتبرؤوا منه؛ فإن تبرؤوا منه فإنهم لا يلحقهم عاره؛ لكن إذا سكتوا فإن نبذ الفريق نبذ للأمة كلهم؛ وجه ذلك أن الله وبخ هؤلاء على نبذ فريق منهم مع أنهم لم يباشروه ..

стр. 786

٣ ومنها: أن من أهل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره؛ بل آمن به كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود .. ٤ ومن فوائد الآية: أن من نبذ العهد من هذه الأمة فقد ارتكب محظورين: أحدهما: النفاق؛ لقول النبي ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف؛ وإذا اؤتمن خان" (١)، وفي الحديث الآخر: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ... " (٢)، وذكر منها: "إذا عاهد غدر" ... والثاني: مشابهة اليهود (٣). القرآن ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١] التفسير: ولما جاءهم محمد رسول الله ﷺ بالقرآن الموافق لما معهم من التوراة طرح فريق منهم كتاب الله، وجعلوه وراء ظهورهم، شأنهم شأن الجهال الذين لا يعلمون حقيقته. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١]، أي وحين جاءهم: رسول مرسل من عند الله. وهو محمد ﷺ " (٤). قال المراغي: " أي إنه حين جاء النبي ﷺ " (٥). قال السدي: ": لما جاءهم محمد ﷺ " (٦). قال الزجاج: " يعني به النبي ﷺ لأن الذي جاءَ به مصَدّق التوْرَاةَ والِإنجيلَ" (٧). قال البيضاوي: " كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام" (٨). قال السعدي: " أي: ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق" (٩). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ [البقرة: ١٠١]، على ثلاثة أقوال (١٠): أحدها: أن الرسول، محمد ﷺ . والثاني: أنه عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. والثالث: أو معناه: الرسالة، فيكون مصدراً، كما فسروا بذلك قوله (١١): لقد كذب الواشون ما بحت عنده ... بليلي ولا أرسلتهم برسول أي برسالة. قال الراغب: " فالكل صحيح ومراد" (١٢).

стр. 787

قال أبو حيان: " والظاهر الأول، لأن الكلام مع اليهود إنما سيق بالنسبة إلى محمد ﷺ " (١). قال الآلوسي: "وقوله ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة للرسول لإفادة مزيد تعظيمه إذ قدر الرسول على قدر المرسل" (٢). قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، " شاهد للتوراة، والإنجيل بالصدق" (٣). قال السعدي: " الموافق لما معهم" (٤). قال المراغي: " بكتاب مصدّق للتوراة التي بين أيديهم بما فيه من أصول التوحيد، وقواعد التشريع، وروائع الحكم والمواعظ، وأخبار الأمم الغابرة" (٥). قال الصابوني: " أي مصدقاً للتوراة وموافقاً لها في أصول الدين ومقرراً لنبوة موسى ﵇" (٦). قال ابن عثيمين: " أي للذي معهم من التوراة إن كانوا من اليهود، ومن الإنجيل إن كانوا من النصارى؛ والحديث في هذه الآيات كلها عن اليهود" (٧). قال الطبري: " يعني به أن محمدا ﷺ يصدق التوراة والتوراة تصدقه، في أنه لله نبي مبعوث إلى خلقه" (٨). قال الآلوسي: " من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم جاء على الوصف الذي ذكر فيها، أو أخبر بأنها كلام الله تعالى المنزل على نبيه موسى ﵇، أو صدق ما فيها من قواعد التوحيد وأصول الدين، وأخبار الأمم والمواعظ والحكم، أو أظهر ما سألوه عنه من غوامضها، وحمل بعضهم «ما» على العموم لتشمل جميع الكتب الإلهية التي نزلت قبل" (٩). وإن تصديق القرآن لما معهم من وجهين (١٠): الأول: أنه وقع مطابقاً لما أخبرت التوراة، والإنجيل به. والثاني: أنه قد شهد لهما بالصدق؛ فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة، وأنزل الإنجيل. وهذه شهادة لهما بأنهما صدق؛ وكذلك التوراة، والإنجيل قد ذُكر فيهما من أوصاف القرآن، ومن أوصاف محمد- ﷺ حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فإذا وقع الأمر كما ذُكر فيهما صار ذلك تصديقاً لهما. وقرأ ابن أبي عبلة «مصدقا» بالنصب على الحال من النكرة الموصوفة (١١). قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، "أي طرح أحبارهم وعلماؤهم التوراة وأعرضوا عنها بالكلية" (١٢). قال ابن كثير: "أي: اطَّرَحَ طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم، مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم" (١٣).

стр. 788

قال السدي: ": لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت" (١). قال الشعبي: "هو بين أيديهم يقرؤونها، ولكن نبذوا العمل به" (٢). وقال سفيان بن عُيينة: "أدرجوه في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه، فذلك النبذ" (٣). قال الطبري: " يعني بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين، حسدا منهم له وبغيا عليه" (٤). قال المراغي: " وقد جعل تركهم إياها وإنكارهم لها إلقاء لها وراء الظهر، لأن من يلقى الشيء وراء ظهره لا يراه فلا يتذكره" (٥). قال ابن عثيمين: " وأضيف [الكتاب] إلى الله، لأنه المتكلم به؛ فالقرآن الذي نقرؤه الآن هو كلام ربنا. ﵎. تكلم به حقيقة بلفظه، ومعناه، وسمعه منه جبريل، ثم أتى به إلى النبي ﷺ فنزل به على قلب النبي ﷺ حتى وعاه، وأداه إلى الصحابة؛ والصحابة أدوه إلى التابعين، وهكذا حتى بقي إلى يومنا هذا. ولله الحمد؛ وسمي القرآن كتاباً، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة؛ وفي الصحف التي بأيدي البشر" (٦). قال الواحدي: " وعنى بالـ ﴿فريق﴾ في هذه الآية: علماء اليهود الذين تواطؤوا على كتمان أمر محمد ﷺ " (٧). قال الآلوسي: " وهم اليهود الذين كانوا في عهده صلى الله تعالى عليه وسلم لا الذين كانوا في عهد سليمان ﵇ كما توهمه بعضهم من اللحاق- لأن- النبذ- عند مجيء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يتصور منهم" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١]، قولان (٩): الأول: وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها. قاله الطبري (١٠). والدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. والثاني: أن المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجبه. واختلف في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، على قولين (١١): أحدهما: القرآن. وهو قول الجمهور. والثاني: التوراة. قاله الطبري (١٢)، والقرطبي (١٣)، وآخرون، وأجازه الزجاج (١٤)، لأن الذين كفروا بالنبي ﷺ نبذوا التوراة.

стр. 789

قال الراغب: وكلاهم"صحيح، لأن المنكر لأحدهما في حكم النكر للآخر" (١). والأظهر هو القول الأول، " أي لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول" (٢). وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، على أوجه: أحدها: أنه "تمثيل للإعراض لأن من أعرض عن شيء تجاوزه فخلفه وراء ظهره " (٣). والثاني: أنه: " تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل الجاهل فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم" (٤). والثالث: أنه " مثل لإِعراضهم عنه رأساً، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه" (٥). والرابع: أنه: مثل من يستخف بالشيء ولا يعمل به، تقول العرب: أجعل هذا خلف ظهرك، ودبر اذنك، وتحت قدمك: أي أتركه واعرض عنه قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود: ٩٢]، ومنه قول الفرزدق (٦): تَمِيمُ بنَ قَيْسٍ لا تَكونَنَّ حاجَتِي ... بظَهْرٍ فلا يَعْيا عَليَّ جَوابُها أي لا تتركنها لا يُعْبَأ بها (٧). الخامس: أن معناه: " رموه بشدة وراء الظهر؛ وهو عبارة عن الانصراف التام عنه؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم، أو عن اليمين، أو عن الشمال لكان من الجائز أن يكونوا يأخذون به؛ لكن من ألقاه وراء ظهره كان ذلك أبلغ في التولي، والإعراض عنه، وعدم الرجوع إليه؛ لأن الشيء إذا خُلِّف وراء الظهر فإنه لا يرجع إليه" (٨). قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]، أي: " كأنهم في نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم لا يعلمون أنه حق" (٩). قال الصابوني: "أي كأنهم لا يعلمون من دلائل نبوته شيئاً" (١٠). قال قتادة: ": أي أن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم أفسدوا علمهم، وجحدوا وكفروا وكتموا" (١١). قال البيضاوي: " يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عناداً" (١٢). قال الزجاج: " أعْلَمَ أنهم علماء بكتابهم، وأنهم رفضوه على علم به، وعداوةً للنبي ﷺ . وأعْلَمَ أنَّهم نَبذوا كتاب اللَّه" (١٣). قال المراغي: أي" أهملوها إهمالا تاما كأنهم لا يعلمون أنها من عند الله" (١٤).

стр. 790

قال الشوكاني: " تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئا مع كونهم يعلمون علما يقينا من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي ولكنهم لما لم يعملوا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم كانوا بمنزلة من لا يعلم" (١). قال الراغب: " وقد دل تعالى بالأيتين أن جل اليهود ثلاث فرق، فريق جاهر وأنبذ العهد، وفريق لم يجاهروا بذلك، لكنهم لم يؤمنوا به، وهم أكثرهم، وفريق أخر طرحوا حكم الكتاب عناداً، فصاروا في حكم الجهلة، وهذه القسمة عجيبة الشأن، فإن دافعي الحق ثلاثة أقسام، جاهل غير عالم بجهله، وهو الشرير الذي لا مداواة له، وإياه عنى بقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وجاهل عالم بجهله، وهو الشاك وإياه عنى بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ومعاند غير جاهل، وإياه عنى بقوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ووصف هذا الفريق بأن حكمهم حكم الجاهلين الذين هم فوق الموصوفين بأنهم لا يؤمنون، وكل من دافع الحق لا ينفك من الأقسام الثالثة التي ذكرناهم والله أعلم" (٢). الفوائد: ١. من فوائد الآية: أن رسالة النبي ﷺ حق؛ لقوله تعالى: ﴿من عند الله﴾. ٢. ومنها: أن الرسول ﷺ قد أخبرت به الكتب السابقة؛ لقوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾. ٣. ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تقرر ما سبق من رسالات الرسل، لقوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾. ٤. ومنها: أنه مع هذا البيان والوضوح، فإن فريقاً من الذين أوتوا الكتاب نبذوا هذا الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ . ٥. ومنها: أن نبذ من عنده كتاب وعلم أقبح ممن ليس عنده ذلك؛ ولهذا نص على قوله تعالى: ﴿فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾؛ لإظهار شدة القبح من هؤلاء في نبذهم؛ لأن النبذ مع العلم أقبح من النبذ مع الجهل. ٦. ومنها: أن القرآن كلام الله، لأن الله تعالى أضافه إليه في قوله تعالى: ﴿كتاب الله﴾. ٧. ومنها: توكيد قبح ما صنع هؤلاء المكذبون؛ لقوله تعالى: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾؛ لأنهم في الواقع يعلمون؛ ولكن فعلهم كأنه فعل من لم يعلم؛ وكفر من علم أشد من كفر من لم يعلم .. ٨. ومنها: أن هذا النبذ الذي كان منهم لا يرجى بعده قبول؛ لقوله تعالى: ﴿وراء ظهورهم﴾؛ لأن النبذ لو كان أمامهم ربما يتلقونه بعد؛ كذلك لو كان عن اليمين، والشمال، لكن إذا كان وراء الظهر فمعناه استبعاد القبول منهم .. ٩. ومنها: شدة كراهية اليهود للقرآن، واستهانتهم به، حيث نبذوه وراء ظهورهم .. القرآن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢] التفسير: واتبع اليهود ما تُحَدِّث الشياطينُ به السحرةَ على عهد ملك سليمان بن داود. وما كفر سليمان وما تَعَلَّم السِّحر، ولكنَّ الشياطين هم الذين كفروا بالله حين علَّموا الناس السحر؛ إفسادًا لدينهم. وكذلك اتبع اليهود السِّحر الذي أُنزل على الملَكَين هاروت وماروت، بأرض "بابل" في "العراق"؛ امتحانًا وابتلاء من الله لعباده، وما يعلِّم

стр. 791

الملكان من أحد حتى ينصحاه ويحذِّراه من تعلم السحر، ويقولا له: لا تكفر بتعلم السِّحر وطاعة الشياطين. فيتعلم الناس من الملكين ما يُحْدِثون به الكراهية بين الزوجين حتى يتفرقا. ولا يستطيع السحرة أن يضروا به أحدًا إلا بإذن الله وقضائه. وما يتعلم السحرة إلا شرًا يضرهم ولا ينفعهم، وقد نقلته الشياطين إلى اليهود، فشاع فيهم حتى فضَّلوه على كتاب الله. ولقد علم اليهود أن من اختار السِّحر وترك الحق ما له في الآخرة من نصيب في الخير. ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم عِلْمٌ يثمر العمل بما وُعِظوا به. في سبب نزول الآية أقوال (١): أحدها: أخرج الواحدي عن ابن عباس: "إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق فإذا جرب من أحدهم الصدق كذب معها سبعين كذبة فيشربها قلوب الناس، فاطلع على ذلك سليمان، فأخذها فدفنها تحت الكرسي؛ فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان المنيع الذي لا كنز له مثله؟ قالوا: نعم قال: تحت الكرسي فأخرجوه، فقالوا: هذا سحر. فتناسخته الأمم فأنزل الله عذر سليمان ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان﴾ " (٢). وروي عن السدي (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦)، نحو ذلك. والثاني: أخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس، قال: قال: آصف كاتب سليمان، أخرجته الشياطين فكتبوا من كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال: فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبوه حتى أنزل على محمد: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ " (٧). وروي عن الكلبي (٨)، نحو ذلك. الثالث: أخرج الواحدي "عن خصيف قال: كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال: لأي داء أنت؟ فتقول لكذا وكذا؛ فلما نبتت شجرة الخرنوبة قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لمسجدك أخربه قال: تخربينه؟ قالت: نعم، قال: بئس الشجرة أنت، فلم يلبث أن توفي، فجعل الناس يقولون في مرضاهم: لو كان لنا مثل سليمان، فأخذت الشياطين فكتبوا كتابا وجعلوه في مصلى سليمان وقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر رقى فأنزل الله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ إلى قوله: ﴿فلا تكفر﴾ " (٩). والرابع: أخرج الطبري عن ابن إسحاق: "عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇، فكتبوا أصناف السحر: " من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا، فليفعل كذا وكذا ". حتى إذا صنعوا أصناف السحر، جعلوه في كتاب ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: " هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم "، ثم دفنوه تحت كرسيه. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان سليمان بن داود إلا بهذا!

стр. 792

فأفشوا السحر في الناس وتعلموه وعلموه، فليس في أحد أكثر منه في يهود. فلما ذكر رسول الله ﷺ ، فيما نزل عليه من الله، سليمان بن داود وعده فيمن عده من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد! يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا! فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد ﷺ : ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ " (١)، وروي عن ابن عباس (٢)، وشهر بن حوشب (٣)، نحو ذلك. الخامس: وأخرج الطبري " عن الربيع: إن اليهود سألوا محمدا ﷺ زمانا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا! وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله جل وعز: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان - وكان سليمان لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه! فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا، وأدحض الله حجتهم" (٤). وروي عن أبي العالية مثل لك (٥). السادس: قال أبو مجلز: "أخذ سليمان من كل دابة عهدا، فإذا أصيب رجل فسئل بذلك العهد، خلي عنه. فرأى الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان! فقال الله جل ثناؤه: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ " (٦). قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، "أي واتبعوا طرق السحر والشعوذة التي كانت تحدثهم بها الشياطين" (٧). قال الزمخشري: أي: " نبذوا كتاب اللَّه واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها الشياطين" (٨). أخرج ابن أبي حاتم " عن الحسن: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة" (٩). وقال ابن عباس: " اتبعوا الشهوات التي كانت الشياطين تتلو، وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله" (١٠). قوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي"في عهد مُلك سليمان" (١١). قال الزمخشري: أي: " على عهد ملك سليمان وفي زمانه" (١٢). وقد اختلف أهل التفسير في الذين عنوا بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، على وجوه (١٣):

стр. 793

أحدها: أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد ﵊، "لأنهم خاصموا رسول الله ﷺ بالتوراة، فوجدوا التوراة للقرآن موافقة، تأمر من اتباع محمد ﷺ وتصديقه، بمثل الذي يأمر به القرآن. فخاصموا بالكتب التي كان الناس اكتتبوها من الكهنة على عهد سليمان" (١). قاله ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، والربيع (٤)، وابن زيد (٥). والثاني: أنهم اليهود الذين كانوا في زمن سليمان ﵇، لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ﵇ ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر. قاله ابن جريج (٦)، وابن إسحاق (٧). والثالث: أنه يتناول الكل. واختاره الطبري (٨)، والرازي (٩)، واحتجوا بأنه "لا دليل على التخصيص" (١٠)، أي "لا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: ﴿واتبعوا﴾ بعضا منهم دون بعض" (١١). قوله تعالى: ﴿تَتْلُو﴾ [البقرة: ١٠٢]، لفظه مضارع لكن هو واقع موقع الماضي (١٢) وهو استعمال شائع، وقد اختلف في تفسيره على وجوه (١٣): أحدها: الثاني: أن معناه: ما تتبعه وترويه وتعمل به، ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تتلو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، "يعني بذلك تتبع" (١٤)، وهذا مذهب ابن عباس (١٥)، وأبي رزين (١٦). والثاني: أن المراد منه التلاوة والإخبار، ومنه: فلان يتلو القرآن، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت (١٧): نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد والمعنى: أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم. روي ذلك عن مجاهد (١٨)، وقتادة (١٩)، وابن جريج (٢٠)، وابن عباس (٢١). الثالث: أن معناه: ما تكذب على ملك سليمان، يقال: تلا عليه إذا كذب وتلا عنه، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران. قاله أبو مسلم (٢٢).

стр. 794

قال الإمام الطبري: ": والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان، باتباعهم ما تلته الشياطين .. ولم يخبرنا الله جل ثناؤه - بأى معنى (التلاوة) كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان - بخبر يقطع العذر، وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملا فتكون كانت متبعته بالعمل، ودارسته بالرواية. فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك، وعملت به، وروته" (١). واختلفوا في إعراب ﴿ما﴾ ـ في قوله تعالى: ﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٢): أحدهما: أنها موصولة. وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح. والثاني: أنها نافية. قال السمين الحلبي: " وهذا غلط فاحش لا يقتضيه الكلام البتة" (٣). وقال ابن العربي: " ولا وجه لقول من قال إنه نفي لا في نظم الكلام ولا في صحة المعنى ولا يتعلق من كونه مفعولاً سياق الكلام بمحال عقلاً ولا يمتنع شرعا" (٤). واختلف في قوله تعالى: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على ثلاثة أوجه (٥): أحدها: أن معناه: على عهد ملك سليمان. قاله الطبري (٦)، وغيره، وهو المشهور. والثاني: وقيل المعنى: في ملك سليمان، أي: في قصصه وصفاته وأخباره. روي نحوه عن سلمة بن إسحاق (٧). والثالث: على شرعه ونبوته وحاله. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، " أي وما كان سليمان ساحراً ولا كفر بتعلمه السحر" (٨). قال المراغي: " أي وما سحر، لأنه لو فعل ذلك فقد كفر، إذ كونه نبيّا ينافى كونه ساحرا، فالسحر خداع وتمويه، والأنبياء مبرءون من ذلك" (٩). قال سلمة بن إسحاق: " أي ما علم بالسحر، والسحر كفر لمن عمل به" (١٠). وروي عن قتادة: "في قول الله: ﴿وما كفر سليمان﴾، قال: ما كان عن مشورته ولا أمره" (١١). قال أبو السعود: " تنزيهٌ لساحته ﵇ عن السحر وتكذيبٌ لمن افترى عليه بأنه كان يعتقده ويعمل به والتعرُّضُ لكونه كُفراً للمبالغة في إظهار نزاهتِه عليه لسلام وكذِبِ باهِتيهِ بذلك" (١٢). قال الزمخشري: " تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، " أي ولكنّ الشياطين هم الذين علموا الناس السحر حتى فشا أمره بين الناس" (١٤).

стр. 795

قال المراغي: " أي ولكن الشياطين من الإنس والجن الذين نسبوا إليه ما انتحلوه من السحر ودوّنوه وعلموه الناس هم الذين كفروا" (١). قال الزمخشري: أي: "ولكن الشياطين هم الذين كَفَرُوا باستعمال السحر وتدوينه، يقصدون به إغواء الناس وإضلالهم" (٢). قال قتادة: " ولكنه شيء افتعلته الشياطين، وذكر لنا أن الشياطين ابتدعت كتبا، وكتبت سحرا وأمرا عظيما في الناس وعلموهم إياه" (٣). وقال الحسن: " اتباع السحر كفر، وليس من دين سليمان السحر. يقول: ولكن الشياطين كفروا بتركهم دين سليمان، واتباعهم ما تلت الشياطين على ملكه" (٤). قال ابن عباس: " ﴿يعلمون الناس السحر﴾، يعني: الصحف التي دفنوها" (٥). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَكْنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، وجهين (٦): أحدهما: أنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر. والثاني: أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر. وفي قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وجهان من التفسير (٧): أحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه. والثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٨): أحدهما: قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد نون (لكنَّ)، ونصب (الشياطينَ). والثاني: وقرأ الباقون بتخفيف نون (لكن) وإسكانها ثم كسرها تخلصاً من التقاء الساكنين؛ و (الشياطينُ) برفع النون. فعلى القراءة الأولى تكون الواو حرف عطف، و (لكنّ) حرف استدراك يعمل عمل "إنّ" ينصب الاسم، ويرفع الخبر، و (الشياطينَ) اسمها، وجملة: (كفروا) خبرها؛ وعلى قراءة التخفيف تكون الواو للعطف، و (لكن) حرف استدراك مبني على السكون حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين، و (الشياطين) مبتدأ، وجملة: (كفروا) خبر المبتدأ (٩). قال الرازي: " والمعنى واحد، وكذلك في الأنفال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧]، والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن، والوجه فيه أن "لكن" بالتخفيف يكون عطفا فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام، والمشددة لا تكون عطفا لأنها تعمل عمل (إن) " (١٠). و﴿الشَّيَاطِينَ﴾ جمع شيطان؛ وجاءت بالجمع؛ لأن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض، ويعلم بعضهم بعضاً (١١).

стр. 796

و (السِّحر) في اللغة: يطلق على كل شيء خفي سببه ولطف ودق؛ ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السِّحر؛ ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري: جعلت علامات المودة بيننا ... مصائد لحظ هن أخفى من السِّحر فأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر في النظر الشزر (١) قال الراغب: "تطلق مادة ـ س ح ر ـ عند علماء اللغة على معان جمّة، تبعاً لورود استعمالها في الوضع الذي وقع فيه التخاطب ومنها: التمويه بالحيل والخداع والخفاء والاستمالة واللطافة (٢)، فهو عبارة عما لطف أمره وخفي سببه (٣)، ومنه قوله ﷺ : "إنَّ من البيان لسحراً" (٤)، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وشبَّهه بالسِّحر لأن السِّحر صرف الشيء عن حقيقته (٥). وسُمِّي السَّحور سَحوراً لكونه يقع خفياً آخر الليل، والسَّحْر الرئة وهي محل الغذاء، وسُمِّيت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه؛ كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرُه أي رئته من الخوف (٦)، وقالت عائشة ﵂: "توفي رسول الله ﷺ بين سَحْري ونَحْري" (٧)، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، أي أخفوا عنهم عملهم. و(السِّحر) في الاصطلاح لا يمكن تعريفه بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعاً لها مانعاً لغيرها؛ ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً. قال بعضهم: السِّحر عزائمُ ورُقَى وعُقَد يؤثِّر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرِّق بين المرء وزوجته ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه (٨). وقال ابن قدامة: "هو عُقَد ورُقَى يُتَكَلَّمُ به أو يكتبه الساحر أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له" (٩). وقال البيضاوي: "المراد بالسِّحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس؛ فإن التناسب شرط في التضام والتعاون (١٠). وقال ابن حجر الهيتمي: "وشرعاً يختص بكل أمر يخفى سببه وعمل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع" (١١). وقال ابن عرفة ﵀ في حدوده: "أمر خارق للعادة مسبَّب عن سَبَب معتاد كونه عنه، قال شارحه: معناه أن الخارق للعادة مسبب عن سبب معتاد كون ذلك المسبب عن ذلك السبب فأخرج به الكرامة والمعجزة" (١٢). واختلف في (السّحر)، هل هو حقيقة أم هو تخييل لا حقيقة له: والتحقيق أن منه ما هو حقيقة كما دلّ عليه قوله تعالى ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، لأن وصف سحرهم بالعظيم يدل على أنه غير خيال، وقوله تعالى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سبباً للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبَّر الله عنه بما الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن (١٣)، فلولا أن السِّحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه (١٤). قال ابن قيم: "وقد دل قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، وحديث عائشة (١٥) ﵂ على تأثير السحر وأنَّ له حقيقة" (١٦). ومن السّحر ما هو تخييل، كما في قوله تعالى ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السِّحر خيال لا حقيقة له. قال النووي: "والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، "أي: وكما اتبع رؤساء اليهود السحر، كذلك اتبعوا ما أنزل على الملَكين وهما هاروت وماروت بمملكة بابل بأرض الكوفة، وقد أنزلهما الله ابتلاءً وامتحاناً للناس" (١٨). قال السعدي: أي " وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر" (١٩). وقرأ الزهري ﴿هاروت وماروت﴾، بالرفع على: هما هاروت وماروت. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من: الهرت والمرت - وهو الكسر كما زعم بعضهم - لانصرفا (٢٠). واختلف في العطف في قوله تعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٢١): أحدهما: عطف على ﴿السحر﴾، أى ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. والثاني: أنه عطف على ﴿ما تتلو﴾، أى واتبعوا ما أنزل. واختلف أهل العلم في تفسير (ما) التي في قوله: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وحهين:

стр. 797

أحدهما: أنها تفيد النفي، وهي بمعنى (لم) معطوفا على قوله تعالى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، أي: ولم ينزل على الملكين. قاله ابن عباس (١). وانتصر له القرطبي، إذ قال: "قوله-تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى المَلَكَين﴾: (مَا) نفي، والواو: للعطف على قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيمَان) وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله: ﴿وَلَكنَّ الشَّيَاطينَ كَفَرُوا﴾ هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى ما سواه" (٢). والدافع لأصحاب هذا القول في نفي نزول السحر على الملكين أنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، ومع كون العقل لا يدفع وقوع المعصية من الملائكة، لكن وقوع ذلك الجائز عقلاً لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح (٣). كما أن نفي كون المنزل سحراً يأتي أيضاً على قول من جعلها معطوفة على السحر كما هو الظاهر لأنها معطوفة، والعطف يقتضي التغاير (٤). والثاني: أنها موصوله بمعنى (الذي)، وتقديره الذي أنزل على الملكين. ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال (٥): الأول: أنه عطف على (السحر) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا. وثانيها: أنه عطف على قوله: ﴿ما تتلوا الشياطين﴾ أي واتبعوا الذي تلته الشياطين، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي طلحة عنه (٦)، وأبي العالية (٧)، وروي عن خالد بن أبي عمران، والربيع بن أنس نحو ذلك (٨). فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما. وثالثها: أن موضعه جر عطفا على (ملك سليمان) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين. وهو اختيار أبي مسلم ﵀ (٩). وأنكر أبو مسلم في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما واحتج عليه بوجوه (١٠): الوجه الأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك. الوجه الثاني: أن قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ يدل على أن تعليم السحر كفر، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل. الوجه الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى. الوجه الرابع: أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة

стр. 798

موسى ﵇: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله﴾ [يونس: ٨١] ثم إنه ﵀ سلك في تفسير الآية نهجا آخر يخالف قول أكثر المفسرين، فقال: كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ توكيدا لبعثهم على القبول والتمسك، وكانت طائفة تتمسك وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون منهما أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم (١). والجمهور على أن (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، هي موصولة (٢)، وذلك لأن "الحديث وما جاءَ في قِصَّةِ الملكين أشبه وأولى أن يؤخذ به (٣). والله أعلم. وفي ﴿المَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، قراءتان (٤): إحداهما: ﴿الملِكَيْنِ﴾، بكسر اللام، وهي قراءة ابن عباس والضحاك (٥) وابن أبزى (٦) والحسن وابن جبير والزهري وأبي الأسود (٧). ومن ثم اختلفوا في تعيينهما على قولين: الأول: أنهما داود وسليمان. قاله ابن أبزى (٨). والثاني: هما علجان من أهل بابل. قاله ابن عباس (٩)، والضحاك (١٠)، وأبو أسود الدؤلي (١١). والذين كسروا (اللام) احتجوا بوجوه (١٢): أحدها: أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر. وثانيها: كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله: ﴿ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون﴾ ﴿الأنعام: ٨﴾. وثالثها: لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة الرجلين أو لا يجعلهما كذلك، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلا وتلبيسا على الناس وهو غير جائز، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنسانا، بل ملكا من الملائكة؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ [الأنعام: ٩]. وقد خَطَأ الطبري هذه القراءة مستدلاً على ذلك بقوله: " فإجماع الحجة على خطأ القراءة بها، من الصحابة والتابعين وقراء الأمصار. وكفى بذلك شاهدا على خطئها" (١٣).

стр. 799

والقراءة الثانية: ﴿المَلَكَيْنِ﴾، بفتح اللام من (الملائكة) (١)، وهي قراءة الجمهور (٢). قال الزجاج" و ﴿المَلَكَيْنِ﴾ أثْبتُ في الرواية والتفسير جميعاً" (٣). وقال ابن الجوزي: " "وقراءة الجمهور أصح" (٤). قال الحافظ ابن حجر: " وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر (٥) في مسند أحمد (٦)، وأطنب الطبري (٧) في إيراد طرقها بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلاً خلافاً لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه (٨)، ومحصلها: أن الله ركب الشهوة في ملكين من الملائكة اختباراً لهما، وأمرهما

стр. 800

أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر وحكما بالعدل مدة، ثم افتتنا بامرأة جميلة فعوقبا بسبب ذلك بأن حبسا في بئر ببابل منكسين وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص الله عنهما، والله أعلم" (١). وفي ﴿الملائكة﴾ [البقرة: ١٠٢]، قولان: أحدهما: أن سحرة اليهود زعموا، أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، وهما رجلان ببابل. روي ذلك عن عطية (٢). والثاني: أن هاروت وماروت مَلَكان، أَهْبَطَهُما الله إلى الأرض. قاله ابن عباس (٣)، وابن مسعود (٤)، وعلي (٥)، وكعب (٦)، والسدي (٧)، والربيع (٨)، وابن عمر (٩)، ومجاهد (١٠).

стр. 801

أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يا رب، هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا! قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا! قال: فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض، قال: فاختاروا هاروت وماروت. فاهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شيء، غير أن لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن، يقال لها " بيذخت " فلما أبصراها أرادا بها زنا، فقالت: لا إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم! فقالا ما كنا لنشرك بالله شيئا! فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقع من الشر، أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك! كنت أعلم! قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل" (١). وقوله تعالى: ﴿بِبَابِلَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإنه اسم قرية أو موضع من مواضع الأرض، وقد اختلف أهل العلم فيها على وجوه (٢): احدها: أنها: بابل دُنْبَاوَنْد (٣). قاله السدي (٤). والثاني: أنها: أنها الكوفة وسوادها، وسميت بذلك حيث تبلبلت الألسن بها، وهذا قول ابن مسعود (٥). والثالث: أنها بابل العراق. قالته عائشة-رشي الله عنها- (٦). واختاره الثعلبي (٧)، وابن كثير (٨). والرابع: أنها بالمغرب. قال ابن عطية: "وهذا ضعيف" (٩). والخامس: أنها جبل نهاوند (١٠). والسادس: أنها من نصيبين إلى رأس العين. قاله قتادة (١١). وقد رجح ابن كثير أنها بابل العراق، واستدل لذلك، بما أخرجه ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: "إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي ببابل فإنها ملعونة" (١٢) (١٣). واختلف في سبب تسميتها بـ (بابل) على أقوال (١٤): أحدها: أنها سميت بذلك، لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ (١٥).

стр. 802

والثاني: سميت به، لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من الآفاق إلى بابل، فبلبل الله ألسنتهم بها، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد (١). والبلبلة: التفريق (٢)، قال معناه الخليل. قال أبو عمر بن عبدالبر: "من أخصر ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أن نوحا ﵇ لما هبط إلى أسفل الجودي ابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم عن بعض" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾، أي: "وما يعلم الملكان أحدا من الناس الذي أنزل عليهما من التفريق بين المرء وزوجه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاء وفتنة لبني آدم، فلا تكفر بربك" (٤). قال الصابوني: " أي إن الملَكَيْن لا يعلمان أحداً من الناس السحر حتى يبذلا له النصيحة ويقولا إِن هذا الذي نصفه لك إِنما هو امتحان من الله وابتلاء، فلا تستعمله للإِضرار ولا تكفر بسببه، فمن تعلمه ليدفع ضرره عن الناس فقد نجا، ومن تعلمه ليلحق ضرره بالناس فقد هلك وضل" (٥). قال البيضاوي: " ما يعلمان أحداً حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به، وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور، وإنما المنع من اتباعه والعمل به" (٦). قال ابن عثيمين: أي نحن" اختبار للناس؛ ليتبين من يريد السحر ممن لا يريده، فلا تكفر بتعلم السحر" (٧). قال الزمخشري: " والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من اللَّه للناس. من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمنا" (٨)، كما قال أبو فراس (٩): عَرَفْتُ الشَّرَّ لَا لِلشَّرِّ لكِنْ لِتَوَقِّيهِ ... وَمَنْ لَمْيَعْرِفِ الشّرَّ. منَ الناسِ يقعْ فيهِ أى عرفته لأجل التحفظ منه. قال الحسن: " نعم أنزل الملكين بالسحر ليعلموا الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلمان أحدا حتى يقولا ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. وهما يفعلان لا يعلمان أحدا حتى يقولا: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ " (١٠). وروي عن قتادة (١١) مثله. وقال السعدي: " أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان ﵇، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة. فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه" (١٢).

стр. 803

وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر (١)، وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها (٢)، وهو التعبد للشياطين أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به من تعلمه أصلاً (٣)، قال النووي (٤): "عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإِجماع" (٥). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِن أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين: أحدهما: ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ بالتشديد من التعليم. والثاني: ﴿يعْلمان﴾، وفي الشاذ بسكون العين من الإِعلام (٦)، وهي قراءة طلحة بن مصرف، بناء على أن التضعيف يتعاقب مع الهمزة، وذلك أن الملكين لا يعلمان الناس السحر بل يُعْلِمَانِهم به وينهيانهم عنه. والوجه الأول أشهر (٧). واختلفوا في تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير فيه وجهين (٨): أحدهما: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران الناس باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يُسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حُرِّم عليهم، وطاعة الله فيما أُمروا به، ونهوا عَنْهُ. وفي ذلك حكمة، لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا؟ وما اللواط؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر حرام (٩). ويؤكد هذا الوجه: ما روى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال: عَلَّم بمعنى أعلم، وذلك أن التعليم لا ينفك عن الإعلام، كما يقال: تعلّمْ بمعنى أعلَمْ؛ لأن من تعلم شيئا فقد عَلِمَه، فيوضع التَّعَلُّم موضع العلم (١٠). قال قيس بن زهَير (١١): تَعَلَّمْ أنّ خيرَ الناس حيًّا ... على جَفْر الهَباءةِ لا يَريم أي: اعلم (١٢).

стр. 804

قال ابن الأعرابي: ومن هذا قول الله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ قال معناه: إن السّاحر يأتي الملكين فيقول: أخبرني عمّا نهى الله عنه حتى أنتهي، فيقولان: نهى عن الزنى، فيستوصفُهما الزِنى، فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟ فيقولان: عن اللواط، ثم يقول: وعن ماذا؟ فيقولان عن السحر، فيقول: وما السحر؟ فيقولان: هو كذا، فحفظه، وينصرف فيخالف، فيكفر، فهذا معنى ﴿يُعَلِّمَانِ﴾، ولا يكون تَعليم السحْر إذا كان إعلامًا كفرًا، ولا تعلّمه إذا كان على معنى الوقوف عليه ليجتنبه كفرًا، كما أن من عرَّف الزنى لم يأثم بأنه عرَّفه، إنما يأثم بالعمل (١). وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " الملكان يعلمان تعليم إنذار لا تعليم طلب" (٢). ونصر هذا القول الطبري (٣)، وقواه الزجاج (٤)، قال ابن كثير: "وهذا الذي سلكه [يعني: ابن جرير] غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم (٥). الوجه الثاني: أن الله امتحن الناسَ بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنةَ في الكفر والإيمان أن يقبل القائل تعلُّم السحر، فيكفر بتعلّمه، ويؤمن بترك التعلّم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن الله بنهر طالُوت في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ويدل على صحة هذا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: محنة من الله نُخبرك أنَّ عملَ السحر كفر بالله، وننهاك عنه، فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوتَ، وإن عصيتنا في ذلك هلكتَ (٦). وروي عن ابن عباس أنه قال: "أما السحر فمما علّمت الشياطين، وأما الفرق بين المرء وزوجه فمما علّم الملكان" (٧). وقال الجمهور: "بل التعليم على عرفه" (٨). والله أعلم. قال الواحدي: " وجه تعليم الملكين، أنه يجوز أن يلهمهما الله ويعلّمهما من الأذكار والأسماء ما يعلمان أنها إذا استعلمت على جهة الدعاء أو على جهة الرقية أفادت التفريق بين المرء وزوجه، إذ لا يحسن بحالهما وما هما فيه من عقوبة الذنب السابق أن يشتغلا بارتكاب كبيرة مستأنفة" (٩). وقد ذكر ابن حجر إجازة بعض العلماء تعلم (السحر) لأحد أمرين (١٠):

стр. 805

أحدهما: تعلمه لتمييز ما فيه كفر عن غيره، فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعاً (١)، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان (٢)؛ لأن كيفية ما يعلمه الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به. والثاني: تعلم السحر لإِزالته عمن وقع فيه، فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلاً وإلا جاز للمعنى المذكور (٣) ... والله أعلم (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢]، "أي: ابتلاء واختبار لكم" (٥). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وجهين من التفسير (٦): أحدهما: إنما نحن ابتلاء من الله، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به. والثاني: أن هذا السحر بلاء ابتلينا به، وإنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا. قاله قتادة (٧). مفتونان فلا تكن مثلنا. ومعنى (الفتنة) في كلام العرب: الابتلاء والامتحان (٨)، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله : ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين (٩)، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣]، أي: اختبرنا (١٠).

стр. 806

و (الفتنة) تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا وهو الابتلاء والامتحان، والفتنة مصدر؛ لذلك لم يُثَنَّ (١). ويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان (٢): لئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم وكان الأصمعي ينكر أفتَنَه، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به (٣). وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين (٤)، ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها (٥). واختلف في قوله تعالى: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجوه (٦): أحدها: فلا تكفر: بتعلم السحر. والثاني: فلا تكفر باستعماله. والثالث: وحكى المهدوي أن قولهما: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، "أي يتعلمون منهما من علم السحر ما يكون سبباً في التفريق بين الزوجين" (٧). قال الزمخشري: " أى فيتعلم الناس من الملكين علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه، كالنفث في العقد، ونحو ذلك مما يحدث اللَّه عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه، لا أنّ السحر له في نفسه" (٨). قال قتادة: " وتفريقهم أن يمسكوا كل واحد منهما عن صاحبه ويبغضوا كل واحد منهما إلى صاحبه" (٩). قال الشوكاني: "في إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سبباً لذلك دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد" (١٠). و(المرء) معناه: رجل من أسماء بني آدم، والأنثى منه: (المرأة)، يوحد ويثنى، ولا تجمع ثلاثته على صورته، وكذلك: المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها (١١). وفي ﴿المرء﴾ [البقرة: ١٠٢]، أربع قراءات (١٢): إحداها: قرأ الحسن: ﴿المرّ﴾ بفتح الميم وتشديد الرّاء جعله عوضا عن الهمزة. والثانية: وقرأ الزهري: ﴿المُرء﴾، بضم الميم والهمزة. والثالث: وحكى يعقوب عن جدّه: بكسر الميم والهمزة. والرابعة: وقرأ الباقون: بفتح الميم والهمزة.

стр. 807

وأما (الزوج)، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: هي زوجه، بمنزلة الزوج الذكر، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: هي زوجته، كما قال الفرزدق (١): وإن الذي يمشي يحرش زوجتي ... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها والزوج في الآية: امرأة الرجل (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، " أي وما هم بما استعملوه من السحر يضرون أحداً إِلا إِذا شاء الله" (٣). قال ابن حجر: "أي: نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإِذن إباحة الإِضرار بالسحر (٤) " (٥). قال الثعلبي: " أي بعلمه وقضائه ومشيئته وتكوينه، والساحر يسحر ولا يكون شيء" (٦). قال السعدي: " وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين" (٧). وقرأ الجمهور ﴿بضارين به﴾، وقرأ الأعمش ﴿بضاري به من أحد﴾، فقيل: حذفت النون تخفيفا، وقيل: حذفت للإضافة إلى أَحَدٍ وحيل بين المضاف والمضاف إليه بالمجرور (٨). واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] على وجهين: أحدهما: أنه يعني: "لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه". قاله الحسن (٩). والثاني: أن معناه: "من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله". قاله الحسن كذلك (١٠). وذكروا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ثلاثة أوجه: احدها: أن معناه: "إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد". قاله ابن إسحاق (١١)، أي: أن الله- -تركه يفعل، ولو شاء لم يمكنه من ذلك ولم يسلطه على أحد من خلقه (١٢).

стр. 808

والثاني: أن معناه: "إلا بقضاء الله". قاله سفيان (١). والثالث: المعنى: "ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه". روي ذلك عن ابن عباس (٢). وقال المفسرون: "الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر" (٣). ولـ لإذن " في كلام العرب أوجه (٤): احدها: الأمر على غير وجه الإلزام. وغير جائز أن يكون منه قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، لأن الله جل ثناؤه قد حرم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر - فكيف به على وجه السحر؟ - على لسان الأمة. والثاني: ومنها: التخلية بين المأذون له، والمخلى بينه وبينه. والثالث: ومنها العلم بالشيء، يقال منه: " قد أذنت بهذا الأمر " إذا علمت به " آذن به إذنا "، ومنه قول الحطيئة (٥): ألا يا هند إن جددت وصلا ... وإلا فأذنيني بانصرام يعنى فأعلميني، ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٩] (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، "أي والحال أنهم بتعلم السحر يحصلون على الضرر لا على النفع" (٧). قال الطبري: أي" يتعلمون منهما السحر الذي يضرهم في دينهم، ولا ينفعهم في معادهم. فأما في العاجل في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسبون به ويصيبون به معاشا (٨). قال الواحدي: " المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا" (٩). قال الزمخشري: " لأنهم يقصدون به الشر. وفيه أن اجتنابه أصلح كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرّ إلى الغواية" (١٠). قال ابن عثيمين: أي ويتعلم الناس منهم "ما مضرته محضة لا نفع فيها" (١١). وقرأ عبيد بن عمير: ﴿مَا يُضِرُّهُمْ﴾ من أضرّ يضرّ (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، " أي ولقد علم اليهود الذين نبذوا كتاب الله واستبدلوا به السحر، أنهم ليس لهم حظ من رحمة الله ولا من الجنة لأنهم آثروا السحر على كتاب الله" (١٣).

стр. 809

قال الزمخشري: " ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه أى استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب اللَّه ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ من نصيب" (١). قال ابن عثيمين: " أي علم هؤلاء المتعلمون للسحر أن من ابتغاه بتعلمه ليس له نصيب في الآخرة؛ وعلموا ذلك من قول الملكين: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ " (٢). قال السعدي: " فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة" (٣). قال قتادة: " وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة" (٤). وروي عن قتادة أيضا: "قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، أي استحبه" (٥). وعن ابن أبي نجيح قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه" (٦). واختلف أهل التفسير في قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجوه (٧): احدها: الخلاق، في هذا الموضع: النصيب. قاله ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، والسدي (١٠) وسفيان (١١). الثاني: الخلاق: الحجة. قاله قتادة (١٢). الثالث: أنه: الدين. قاله الحسن (١٣). الرابع: أن (الخلاق) ههنا القوام. قاله ابن عباس (١٤). الخامس: ليس له في الآخرة جهة عند الله. قاله قتادة (١٥). والراجح أن (الخلاق) هنا، النصيب، ومنه قول النبي ﷺ : " ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم" (١٦)، يعني لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. ومنه قول أمية بن أبي الصلت (١٧): يَدْعُون بالويل فيها لا خَلاق لهم ... إلا سرابيلُ من قِطْر وأغلال يعني بذلك: لا نصيب لهم ولا حظ، إلا السرابيل والأغلال (١٨). قال الواحدي: " والخلاق: النصيب الوافر من الخير، قال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة" (١٩).

стр. 810

قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أ"ي ولبئس هذا الشيء الذي باعوا به أنفسهم" (١). قال السدي: " يعني: اليهود، يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم" (٢). قال الثعلبي: " باعوا به حظّ أَنْفُسَهُمْ حين اختاروا السّحر والكفر على الدين والحق" (٣). قال ابن عثيمين: " أي باعوا به أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر، الثمن الذي بذلوه في هذا السحر: أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم؛ صارت الدنيا الآن ليس لهم فيها ربح إطلاقاً؛ والآخرة ليس لهم فيها ربح أيضاً؛ فخسروا الدنيا، والآخرة" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم﴾ [البقرة: ١٠٢]، تأويلان (٥): أحدهما: يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله. والثاني: من إضافتهم السحر إلى سليمان، وتحريضهم على الكذب. وقوله ﴿شَرَوْا﴾ أي: باعوا (٦)، والشراء والبيع واحد، لكنه غلب من جهة معطي الثمن كما غلب البيع من جهة صاحب السلعة (٧). قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي" لو كان لهم علم أو فهم وإِدراك" (٨). قال ابن عثيمين: أي: " لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما تعلموا السحر" (٩). قال القرطبي: "فأخبر أنهم لا يعلمون" (١٠). قال الزمخشري: " معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه" (١١). واختلف في تحديد المعنيين في قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على قولين (١٢): الأول: قال قطرب والأخفش: أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شروا أنفسهم - أي باعوها - هم الإنس الذين لا يعلمون (١٣). والثاني: قال علي بن سليمان: "الأجود عندي أن يكون "ولقد علموا" للملكين، لأنهما أولى بأن يعلموا. وقال: "علموا" كما يقال: الزيدان قاموا" (١٤). وإن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؟ ، أجيب عنه من وجهين:
следующие страницы →