← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

و (الفتنة) تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا وهو الابتلاء والامتحان، والفتنة مصدر؛ لذلك لم يُثَنَّ (١). ويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان (٢): لئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم وكان الأصمعي ينكر أفتَنَه، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به (٣). وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين (٤)، ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها (٥). واختلف في قوله تعالى: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجوه (٦): أحدها: فلا تكفر: بتعلم السحر. والثاني: فلا تكفر باستعماله. والثالث: وحكى المهدوي أن قولهما: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، "أي يتعلمون منهما من علم السحر ما يكون سبباً في التفريق بين الزوجين" (٧). قال الزمخشري: " أى فيتعلم الناس من الملكين علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه، كالنفث في العقد، ونحو ذلك مما يحدث اللَّه عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه، لا أنّ السحر له في نفسه" (٨). قال قتادة: " وتفريقهم أن يمسكوا كل واحد منهما عن صاحبه ويبغضوا كل واحد منهما إلى صاحبه" (٩). قال الشوكاني: "في إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سبباً لذلك دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد" (١٠). و(المرء) معناه: رجل من أسماء بني آدم، والأنثى منه: (المرأة)، يوحد ويثنى، ولا تجمع ثلاثته على صورته، وكذلك: المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها (١١). وفي ﴿المرء﴾ [البقرة: ١٠٢]، أربع قراءات (١٢): إحداها: قرأ الحسن: ﴿المرّ﴾ بفتح الميم وتشديد الرّاء جعله عوضا عن الهمزة. والثانية: وقرأ الزهري: ﴿المُرء﴾، بضم الميم والهمزة. والثالث: وحكى يعقوب عن جدّه: بكسر الميم والهمزة. والرابعة: وقرأ الباقون: بفتح الميم والهمزة.

стр. 807

وأما (الزوج)، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: هي زوجه، بمنزلة الزوج الذكر، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: هي زوجته، كما قال الفرزدق (١): وإن الذي يمشي يحرش زوجتي ... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها والزوج في الآية: امرأة الرجل (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، " أي وما هم بما استعملوه من السحر يضرون أحداً إِلا إِذا شاء الله" (٣). قال ابن حجر: "أي: نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإِذن إباحة الإِضرار بالسحر (٤) " (٥). قال الثعلبي: " أي بعلمه وقضائه ومشيئته وتكوينه، والساحر يسحر ولا يكون شيء" (٦). قال السعدي: " وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين" (٧). وقرأ الجمهور ﴿بضارين به﴾، وقرأ الأعمش ﴿بضاري به من أحد﴾، فقيل: حذفت النون تخفيفا، وقيل: حذفت للإضافة إلى أَحَدٍ وحيل بين المضاف والمضاف إليه بالمجرور (٨). واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] على وجهين: أحدهما: أنه يعني: "لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه". قاله الحسن (٩). والثاني: أن معناه: "من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله". قاله الحسن كذلك (١٠). وذكروا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ثلاثة أوجه: احدها: أن معناه: "إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد". قاله ابن إسحاق (١١)، أي: أن الله- -تركه يفعل، ولو شاء لم يمكنه من ذلك ولم يسلطه على أحد من خلقه (١٢).

стр. 808

والثاني: أن معناه: "إلا بقضاء الله". قاله سفيان (١). والثالث: المعنى: "ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه". روي ذلك عن ابن عباس (٢). وقال المفسرون: "الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر" (٣). ولـ لإذن " في كلام العرب أوجه (٤): احدها: الأمر على غير وجه الإلزام. وغير جائز أن يكون منه قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، لأن الله جل ثناؤه قد حرم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر - فكيف به على وجه السحر؟ - على لسان الأمة. والثاني: ومنها: التخلية بين المأذون له، والمخلى بينه وبينه. والثالث: ومنها العلم بالشيء، يقال منه: " قد أذنت بهذا الأمر " إذا علمت به " آذن به إذنا "، ومنه قول الحطيئة (٥): ألا يا هند إن جددت وصلا ... وإلا فأذنيني بانصرام يعنى فأعلميني، ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٩] (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، "أي والحال أنهم بتعلم السحر يحصلون على الضرر لا على النفع" (٧). قال الطبري: أي" يتعلمون منهما السحر الذي يضرهم في دينهم، ولا ينفعهم في معادهم. فأما في العاجل في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسبون به ويصيبون به معاشا (٨). قال الواحدي: " المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا" (٩). قال الزمخشري: " لأنهم يقصدون به الشر. وفيه أن اجتنابه أصلح كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرّ إلى الغواية" (١٠). قال ابن عثيمين: أي ويتعلم الناس منهم "ما مضرته محضة لا نفع فيها" (١١). وقرأ عبيد بن عمير: ﴿مَا يُضِرُّهُمْ﴾ من أضرّ يضرّ (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، " أي ولقد علم اليهود الذين نبذوا كتاب الله واستبدلوا به السحر، أنهم ليس لهم حظ من رحمة الله ولا من الجنة لأنهم آثروا السحر على كتاب الله" (١٣).

стр. 809

قال الزمخشري: " ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه أى استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب اللَّه ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ من نصيب" (١). قال ابن عثيمين: " أي علم هؤلاء المتعلمون للسحر أن من ابتغاه بتعلمه ليس له نصيب في الآخرة؛ وعلموا ذلك من قول الملكين: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ " (٢). قال السعدي: " فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة" (٣). قال قتادة: " وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة" (٤). وروي عن قتادة أيضا: "قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، أي استحبه" (٥). وعن ابن أبي نجيح قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه" (٦). واختلف أهل التفسير في قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجوه (٧): احدها: الخلاق، في هذا الموضع: النصيب. قاله ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، والسدي (١٠) وسفيان (١١). الثاني: الخلاق: الحجة. قاله قتادة (١٢). الثالث: أنه: الدين. قاله الحسن (١٣). الرابع: أن (الخلاق) ههنا القوام. قاله ابن عباس (١٤). الخامس: ليس له في الآخرة جهة عند الله. قاله قتادة (١٥). والراجح أن (الخلاق) هنا، النصيب، ومنه قول النبي ﷺ : " ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم" (١٦)، يعني لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. ومنه قول أمية بن أبي الصلت (١٧): يَدْعُون بالويل فيها لا خَلاق لهم ... إلا سرابيلُ من قِطْر وأغلال يعني بذلك: لا نصيب لهم ولا حظ، إلا السرابيل والأغلال (١٨). قال الواحدي: " والخلاق: النصيب الوافر من الخير، قال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة" (١٩).

стр. 810

قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أ"ي ولبئس هذا الشيء الذي باعوا به أنفسهم" (١). قال السدي: " يعني: اليهود، يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم" (٢). قال الثعلبي: " باعوا به حظّ أَنْفُسَهُمْ حين اختاروا السّحر والكفر على الدين والحق" (٣). قال ابن عثيمين: " أي باعوا به أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر، الثمن الذي بذلوه في هذا السحر: أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم؛ صارت الدنيا الآن ليس لهم فيها ربح إطلاقاً؛ والآخرة ليس لهم فيها ربح أيضاً؛ فخسروا الدنيا، والآخرة" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم﴾ [البقرة: ١٠٢]، تأويلان (٥): أحدهما: يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله. والثاني: من إضافتهم السحر إلى سليمان، وتحريضهم على الكذب. وقوله ﴿شَرَوْا﴾ أي: باعوا (٦)، والشراء والبيع واحد، لكنه غلب من جهة معطي الثمن كما غلب البيع من جهة صاحب السلعة (٧). قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي" لو كان لهم علم أو فهم وإِدراك" (٨). قال ابن عثيمين: أي: " لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما تعلموا السحر" (٩). قال القرطبي: "فأخبر أنهم لا يعلمون" (١٠). قال الزمخشري: " معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه" (١١). واختلف في تحديد المعنيين في قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على قولين (١٢): الأول: قال قطرب والأخفش: أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شروا أنفسهم - أي باعوها - هم الإنس الذين لا يعلمون (١٣). والثاني: قال علي بن سليمان: "الأجود عندي أن يكون "ولقد علموا" للملكين، لأنهما أولى بأن يعلموا. وقال: "علموا" كما يقال: الزيدان قاموا" (١٤). وإن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؟ ، أجيب عنه من وجهين:

стр. 811

أحدهما: لأنهم لم يعملوا بما علموا، وإنما العالم العامل بعلمه، وأما إذا خالف عمله علمه، فهو في معاني الجهال، وقد يقال للفاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل، وإن كان بفعله عالما: لو علمت لأقصرت، كما قال كعب بن زهير المزني، وهو يصف ذئبا وغرابا تبعاه لينالا من طعامه وزاده (١): إذ إذا حضراني قلت: لو تعلمانه! ! ... ألم تعلما أني من الزاد مرمل فأخبر أنه قال لهما: " لو تعلمانه "، فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما فقال: ألم تعلما؟ " (٢). قال الزجاج: " لو كان علمهم ينفعهم لسُمُّوا عالمين، ولَكِنَّ عِلْمَهُم نبذوه وراء ظهورهم، فقيل لهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي ليس يوفون العلم حقه، لأنَّ العالِمَ، إِذا ترك العَمَلَ بِعِلْمِه قيل له لست بعالم" (٣). وهذا تأويل وإن كان له وَجْه، إلا إنه "خلاف الظاهر المفهوم بنفس الخطاب، أعني بقوله: ﴿ولقد علموا﴾ وقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾، وإنما هو استخراج، وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر الخطاب دون الخفي الباطن منه، حتى تأتي دلالة - من الوجه الذي يجب التسليم له - بمعنىً خلافَ دليله الظاهر المتعارف في أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن أولى" (٤). والثاني: لأنهم علموا أن الآخرة يخسرها من آثر السحر، ثم دخلوا فيه وآثروه طمعًا في عوض يصير إليهم من الدنيا، فقال الله : ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي قصدوه وآثروه لا يتم لهم من جهته ما يؤمِّلُون؛ لأن الدنيا تنقطع عنهم بالموت، ثم يقدمون على الآخرة التي لا حظ لهم فيها (٥). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾؛ ويدل على هذا أن أحدهم. وهو لبيد بن الأعصم. سحر النبي ﷺ (٦). ٢. ومنها: أن السحر من أعمال الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿ما تتلو الشياطين] .. ٣ ومنها: أن الشياطين كانوا يأتون السحر على عهد سليمان مع قوة سلطانه عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ .. ٤ ومنها: أن سليمان لا يقر ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾؛ إذ لو أقرهم على ذلك. وحاشاه. لكان مُقراً لهم على كفرهم .. ٥ ومنها: أن تعلم السحر، وتعليمه كفر؛ وظاهر الآية أنه كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، وقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾؛ وهذا فيما إذا كان السحر عن طريق الشياطين؛ أما إذا كان عن طريق الأدوية، والأعشاب، ونحوها ففيه خلاف بين العلماء .. واختلف العلماء. ﵏. هل تقبل توبته، أو لا؟ والراجح أنها تقبل فيما بينه وبين الله ؛ أما قتله فيرجع فيه إلى القواعد الشرعية، وما يقتضيه اجتهاد الحاكم .. ٦ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد ييسر أسباب المعصية فتنةً للناس. أي ابتلاءً.، وامتحاناً؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾؛ فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب المعصية أن تفعلها؛ واذكر قصة بني إسرائيل حين حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت. أعني صيد البحر.؛ فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت؛ فقال لهم الله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾

стр. 812

[البقرة: ٦٥]؛ واذكر قصة أصحاب محمد ﷺ حين ابتلاهم الله وهم محرِمون بالصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ فلم يُقدم أحد منهم عليه حتى يتبين لك حكمة الله. ﵎. في تيسير أسباب المعصية؛ ليبلوَ الصابر من غيره .. ٧ ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس. وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه.؛ لقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما فتنة فلا تكفر﴾؛ فإذا كانت عندك سلعة رديئة، وأراد أحد شراءها يجب عليك أن تُحذِّره .. ٨ ومنها: أنّ من عِظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء، وزوجه؛ لقوله تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾؛ لأنه من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين، كما ثبت في الحديث الصحيح أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: "نِعْم أنت" (١)؛ وفيه سحر مقابل لهذا: وهو الربط بين المرء، وزوجه؛ حتى إنه. والعياذ بالله. يُبتلى بالهيام؛ فلا يستطيع أن يعيش. ولا لحظة. إلا وزوجته أمامه؛ وبعضهم يقضي عليه هذا الأمر. نسأل الله العافية ... ٩ ومن فوائد الآية: أن الأسباب. وإن عظمت. لا تأثير لها إلا بإذن الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بضارِّين به من أحد إلا بإذن الله﴾. ١٠ ومنها: أن قدرة الله فوق الأسباب؛ وأنه مهما وجدت الأسباب. والله لم يأذن. فإن ذلك لا يؤثر؛ وهذا لا يوجب لنا أن لا نفعل الأسباب؛ لأن الأصل أن الأسباب مؤثرة بإذن الله .. ١١ ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائماً؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذن الله﴾؛ فإذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذاً تلجأ إليه في جلب المنافع، ودفع المضار .. ١٢. ومنها: أنّ تعلم السحر ضرر محض، ولا خير فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾؛ فأثبت ضرره، ونفى نفعه .. ١٣ ومنها: أن كفر الساحر كفر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ يعني: من نصيب؛ وليس هناك أحد ليس له نصيب في الآخرة إلا الكفار؛ فالمؤمن مهما عذب فإن له نصيباً من الآخرة .. ١٤ ومنها: أن هؤلاء اليهود تعلموا السحر عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ .. ١٥ ومنها: إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل؛ فإن الكافر لما لم يجعل لله نصيباً في دنياه لم يجعل الله له نصيباً من الآخرة .. ١٦ ومنها: ذم هؤلاء اليهود بما اختاروه لأنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسه﴾. ١٧ ومنها: أن صاحب العلم الذي يَنتفِع بعلمه هو الذي يحذر مثل هذه الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ يعني: لو كانوا ذوي علم نافع ما اشتروا هذا العلم الذي يضرهم، ولا ينفعهم؛ والذي علموا: أنّ من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. القرآن ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ [البقرة: ١٠٣] التفسير: ولو أن اليهود آمنوا وخافوا الله لأيقنوا أن ثواب الله خير لهم من السِّحر ومما اكتسبوه به، لو كانوا يعلمون ما يحصل بالإيمان والتقوى من الثواب والجزاء علما حقيقيا لآمنوا.

стр. 813

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣]، "أي ولو أن أولئك الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله وخافوا عذابه" (١). قال ابن كثير: " أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم" (٢). قال الزمخشري: أي: ولو أنهم آمنوا" برسول الله والقرآن، وواتقوا الله، فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين" (٣). قال ابن عثيمين: ولو أنهم آمنوا " بقلوبهم، واتقوا بجوارحهم؛ فالإيمان بالقلب؛ والتقوى بالجوارح؛ هذا إذا جمع بينهما؛ وإن لم يجمع بينهما صار الإيمان شاملاً للتقوى، والتقوى شاملة للإيمان؛ لقول النبي ﷺ "التقوى هاهنا" (٤)، وأشار إلى قلبه؛ والإيمان عند أهل السنة والجماعة: "التصديق مع القبول، والإذعان"؛ وإلا فليس بإيمان؛ و"التقوى" أصلها: وَقْوَى؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في معناها؛ وإلا فبعضهم قال: "التقوى" أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله؛ وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ وبعضهم قال في تعريف (التقوى) " (٥). قال ابن كثير: " وقد استدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف" (٦). قوله تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣]، : " أي لأثابهم الله ثواباً أفضل مما شغلوا به أنفسهم من السحر" (٧). قال الزجاج: أي: " أن ثواب اللَّه خير لهم من كَسْبِهم بالكُفْر والسحْرِ" (٨). قال أبو السعود: أي" لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم" (٩). قال المراغي: أي: " لكان هذا الثواب العظيم الذي ينتظرونه من الله جزاء على أعمالهم الصالحة خيرا لهم من كل ما يتوقعون من المنافع والمصالح الدنيوية" (١٠). قال ابن كثير: أي" لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] " (١١). وقرئ: "لمثوبة، كمشورة ومشورة" (١٢). قال الزمخشري: " فإن قلت: فهلا قيل لمثوبة اللَّه خير؟ قلت: لأنّ المعنى: لشيء من الثواب خير لهم" (١٣). قال البيضاوي: " وإنما سمي الجزاء ثواباً ومثوبة، لأن المحسن يثوب إليه" (١٤).

стр. 814

و (المثوبة) في كلام العرب، مصدر من قول القائل: أثبتك إثابة وثوابا ومثوبة، و (الثوابُ) في الأصل معناه: ما رجع إليك من عائدة، وحقيقته: الجزاء العائد على صاحبه مُكَافأةً لما فعل، ومنه: التَثْويب في الأذان، إنما هو ترجيع الصَوْت، ولا يقال لصوتٍ مرةً واحدةً: تثويب، ويقال: ثوّب الداعي: إذا كرر دعاه كما قال (١): إذا الداعي المُثَوّبُ قال: يالا والثوب مشتقّ من هذا، لأنه ثاب لباسًا بعد أن كان قُطنا أو غزلا (٢). ومنه: ثواب الله عباده على أعمالهم، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه، حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له (٣). وقال الراغب: " الثؤوب: رجوع الشيء إلى حالة شبيهة بالحالة الأولى، يقال: ثاب الحوض إذا امتلاء بعد فراغه عقيب امتلائه، والثوب لتصوره بصورة القطن لاجتماع أجزائه بعد تفرقها بالغزل، والثيب من النساء لعودها إلى الأيمة، والتثويب في الصوت ترديده، والثواب والمثوبة في الخير تحصيل نفع يثوب إليه بإحسانه" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣]، أضاف الله الثواب إلى نفسه، وجعلها من عنده لأمرين (٥): أحدهما: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم؛ فالعطية على حسب المعطي؛ عطية البخيل قليلة؛ وعطية الكريم كثيرة. والثاني: اطمئنان العبد على حصولها؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. قوله تعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]، لو كانوا يعلمون "أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم، من السحر ومما اكتسبوا به" (٦). قال الزجاج: " أي لو كانوا يَعْمَلُونَ بِعِلمِهم، ويعلمون حقيقة ما فيه الفضل" (٧). قال الراغب: أي: " ولو علموا لظهر لهم ذلك" (٨). قال الزمخشري: أي" أنّ ثواب اللَّه خير مما هم فيه وقد علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم" (٩). قال أبو السعود: " أي أن ثواب الله خير. وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم" (١٠). قال البيضاوي: وقد علموا، لكنه جَهَّلَهُم لترك التدبر، أو العمل بالعلم" (١١). قال النسفي: " جَهَّلَهُم، لما تركوا العمل بالعلم" (١٢). قال المراغي: " أي: إنهم ليسوا على شاء من العلم الصحيح، إذ لو كان كذلك لظهرت نتائجه في أعمالهم، ولآمنوا بالنبي ﷺ واتبعوه وصاروا من المفلحين لكنهم يتبعون الظن ويعتمدون على التقليد، ومن جرّاء هذا خالفوا الكتاب وساروا وراء أهوائهم وشهواتهم فوقعوا في الضلال البعيد" (١٣).

стр. 815

قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ تمنيا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة اللَّه إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل وليتهم آمنوا: ، ثم ابتدئ لمثوبة من عند اللَّه خير" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: سعة حلم الله، حيث يعرض عليهم الإيمان، والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا﴾ يعني فيما مضى، وفيما يستقبل؛ وهذه من سنته أن يعرض التوبة على المذنبين؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]، يُحَرِّقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾. ٢ - ومنها: أن الإيمان يُنال به ثواب الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]. ٣ - ومنها: أن ثواب الله خير لمن آمن واتقى من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، أي خير من كل شيء؛ قال رسول الله ﷺ : "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا، وما فيها" (٢). ٤ - ويؤخذ منها: ومن قوله تعالى عن الناصحين لمن تمنوا أن يكون لهم مثل ما لقارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، أنّ التقوى هي العمل الصالح .. ٥ - ومنها: أن فعل هؤلاء اليهود، واختيارهم لما فيه الكفر من تعلم السحر فعلُ الجاهل؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] التفسير: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا للرسول محمد ﷺ : راعنا، أي: راعنا سمعك، فافهم عنا وأفهمنا؛ لأن اليهود كانوا يقولونها للنبي ﷺ يلوون ألسنتهم بها، يقصدون سبَّه ونسبته إلى الرعونة، وقولوا- أيها المؤمنون- بدلا منها: انظرنا، أي انظر إلينا وتعهَّدْنا، وهي تؤدي المعنى المطلوب نفسه واسمعوا ما يتلى عليكم من كتاب ربكم وافهموه. وللجاحدين عذاب موجع. سبب النزول: قال ابن عباس في رواية عطاء: "وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبي ﷺ أعجبهم ذلك وكان ﴿راعنا﴾ في كلام اليهود سبا قبيحا فقالوا: إنا كنا نسب محمدا سرا فالآن أعلنوا السب لمحمد لأنه من كلامهم، فكانوا يأتون نبي الله ﷺ فيقولون: يا محمد ﴿راعنا﴾ ويضحكون ففطن بها رجل من الأنصار وهو سعد بن عبادة وكان عارفا بلغة اليهود وقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفس محمد بيده لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه فقالوا: ألستم تقولونها له؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ الآية" " (٣). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٤]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٤).

стр. 816

قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه" (١). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٢). كما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٣) (٤). قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أي: " لا تقولوا عند مخاطبة النبي ﷺ راعنا" (٥). قال المراغي: " نهى سبحانه الصحابة عن كلمة كانت تدور على ألسنتهم، حين خطابهم النبي ﷺ وهى كلمة (راعِنا) ومعناها راعنا سمعك: أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه ونراجعك القول لنفهمه عنك" (٦). قال الحسن: " الراعن من القول: السخري منه، نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ ، وما يدعوهم إليه من الإسلام" (٧). وقال أبو صخر: " كان رسول الله ﷺ إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين فقالوا: أرعنا سمعك فأعظم الله رسوله أن يقال ذلك له" (٨). والراعن: الأحمق، والأرعن: مبالغة فيه (٩). قال ابن عطية: " ﴿راعنا﴾، من المراعاة بمعنى فاعلنا، أي أرعنا نرعك، وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي ﷺ . وقالت طائفة: هي لغة كانت الأنصار تقولها، فقالها رفاعة بن زيد بن التابوت للنبي ﷺ ليّا بلسانه وطعنا كما كان يقول: ﴿اسمع غير مسمع﴾ [النساء: ٤٦]، فنهى الله المؤمنين أن تقال هذه اللفظة" (١٠). قال ابن عطية: "ووقف هذه اللغة على الأنصار تقصير، بل هي لغة لجميع العرب فاعل من المراعاة. فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل، وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحا وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعا متقررا" (١١).

стр. 817

قال الراغب: " الراعي: حفظ الغير في أمر يعود بمصلحته، ومنه: رعي الغنم، ورعي الوالي الرعية، وعنه نقل: أرعيته سمعي، وتشبيهاً برعي الغنم قيل: رعيت النجوم إذا راقبتها" (١). وقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، على وجهين (٢): أحدهما: أي: لا تقولوا خلافا. قاله عطاء (٣)، ومجاهد (٤). قال الراغب: وأسترذل هذا الوجه، لأنه لو كان كما قال لكان في القراءة ﴿رعناً﴾، بالتنوين" (٥). والثاني: يعني ارعنا سمعك، أي اسمع منا ونسمع منك، وهذا قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والضحاك (٨). واختلف أهل التفسير في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، على وجوه (٩): أحدها: أنها كلمة كانت اليهود تقولها لرسول الله- ﷺ على وجه الاستهزاء والسب؛ كما قالوا سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا ليّاً بألسنتهم، فَنُهِيَ المسلمون عن قولها، وهذا قول ابن عباس (١٠) وقتادة (١١)، وعطية (١٢)، وابن زيد (١٣). والثاني: أنها كلمة، كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام عنها. وهذا قول عطاء (١٤)، وأبي العالية (١٥)، وابن جريج (١٦). والثالث: أن القائل لها، كان رجلاً من اليهود دون غيره، يقال له رفاعة بن زيد، فَنُهِيَ المسلمون عن ذلك، وهذا قول السدي (١٧). والرابع: وقيل: إنما نهوا عن قولهم: " راعنا " لكونه مفاعلة متضمنة لمعنى المساواة بين المخاطب والمخاطب، فأمروا بتوقيره، كما قال ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وكقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، وذلك عن ابن عباس- ﵁ (١٨). قال ابن حجر: "إنما نهوا عن ذلك؛ لأنها كلمة تقتضي المساواة (١٩)، وقد فسرها مجاهد: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك (٢٠) " (٢١).

стр. 818

والراجح في هذه المسألة أن يقال: بأن الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه ﷺ وتعظيمه، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم: (راعنا) لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك (١)، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل: " عاطنا، وحادثنا، وجالسنا "، بمعنى: افعل بنا ونفعل بك (٢)، فكذلك نهى الله المؤمنين أن يقولوا: راعنا، لما كان قول القائل: راعنا، محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك. من قول العرب بعضهم لبعض: رعاك الله: بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى: أَرْعنا سمعك، من قولهم: أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة، بمعنى: فرغته لسماع كلامه، كما قال الأعشى ميمون بن قيس (٣): يُرْعِي إلى قول سادات الرجال إذا ... أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا يعني بقوله (يرعى)، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٤]، على وجوه: الأول: ﴿رّاعنِا﴾، بغير تنوين على أنه فعل أمر من المراعاة، وهي قراءة الجمهور (٤). والثاني: ﴿لا تَقُولُوا رَاعُونَا﴾، قرأ بها أبي بن كعب وزر بن حبيش والأعمش، وهي بلفظ الجمع وكذا في مصحف ابن مسعود (٥)، وفيه أيضاً (أرعونا) (٦). قال ابن عطية: " وهي شاذة، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي ﷺ كما تخاطب الجماعة، يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولا من الرعونة" (٧). والثالث: وقرئ: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ بالتنوين، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن وأبي حيوة وابن أبي ليلى وابن محيصن والأعمش، بمعنى: لا تقولوا قولا راعناً، من: الرعونة، وهي الحمق والجهل (٨). قال ابن عطية: " وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون «راعنا» دون تنوين" (٩). قال الطبري: " وهذه قراءة [أي بالتنوين] لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أي ولكن قولوا "انتظرنا وارتقبنا" (١١). قال أبو صخر: " أمرهم الله أن يقولوا: ﴿انظرنا﴾، ليعزروا رسوله ويوقروه" (١٢). قال ابن عثيمين: " يعني إذا أردتم من الرسول أن ينتظركم فلا تقولوا: ﴿راعنا﴾؛ ولكن قولوا: ﴿انظرنا﴾: فعل طلب؛ و"النظر" هنا بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]، أي ما ينتظر هؤلاء" (١٣). قال ابن عطية: أي: "انتظرنا وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون المعنى تفقدنا من النظر، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي ﷺ على المعنيين، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى ﴿راعِنا﴾، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود" (١٤). قال الطبري: أي: "وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم ﷺ : انظرنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا" (١٥). يقال منه: نظرت الرجل أنظره نظرة، بمعنى انتظرته ورقبته، ومنه قول الحطيئة (١٦): وقد نَظَرتكمُ أَعْشاء صادرةٍ ... للخِمس، طال بها حَوْزي وتَنْساسي ومنه قول الله : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، يعني به: انتظرونا (١٧). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، على وجهين: أحدهما: أن معناه: "اسمع منا". أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء (١٨). والثاني: "أفهمنا يا محمد، بيّن لنا".قاله مجاهد (١٩). وقرأ الأعمش وغيره ﴿أنظرنا﴾، بقطع الألف وكسر الظاء، وقرئ ﴿أنظرونا﴾، بمعنى: أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك (٢٠)، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩]، أي أخرني (٢١). قال الطبري: "ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع، لأن أصحاب رسول الله ﷺ إنما أمروا بالدنو من رسول الله ﷺ ، والاستماع منه، وإلطاف الخطاب له، وخفض

стр. 819

الجناح - لا بالتأخر عنه، ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: ﴿انظرنا﴾، ولم يقطعها بمعنى: انتظرنا" (١). والقراءة الصحيحة، هي: ﴿وقولوا انظرنا﴾، بوصل (الألف) بمعنى: انتظرنا، لإجماع الحجة على تصويبها، ورفضهم غيرها من القراآت، والله أعلم (٢). قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١ - ٤]، " أي اسمعوا سماع استجابة، وقبول" (٣). قال الحسن: " أمرهم أن يسمعوا قوله، ويقبلوا عنه فأبوا ذلك وعصوا ربهم" (٤). قال الواحدي: " أي: أطيعوا، أو اتركوا هذه الكلمة، فسمّى الطاعة سمعًا؛ لأن الطاعة تحت السمع" (٥). قال النسفي: " وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا" (٦). قال ابن عثيمين: "يعني: اسمعوا ما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه" (٧). قال القاسمي: " أي قولوا ما أمرتكم به، وامتثلوا جميع أوامري، ولا تكونوا كاليهود، حيث قالوا سمعنا وعصينا" (٨). قال البيضاوي: أي: " وأحسنوا الاستماع حتى لا تفتقروا إلى طلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه" (٩). قال الزمخشري: أي: " وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول اللَّه ﷺ ويلقى عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا، أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيدا عليهم ترك تلك الكلمة" (١٠). قال ابن عطية: " ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة" (١١). قاقا قال الرازي: " فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة: أحدها: فرغوا أسماعكم لما يقول النبي ﵇ حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. وثانيها: اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا. وثالثها: اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيدا عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول" (١٢).

стр. 820

قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤]، "أي ولليهود الذين نالوا من الرسول وسبّوه، عذاب أليم موجع" (١). قال البيضاوي: " يعني الذين تهاونوا بالرسول ﵇ وسبوه" (٢). قال قتادة: " ﴿عذاب أليم﴾، أي موجع" (٣). قال ابن عطية: " وأعلمَ أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما، وهو المؤلم" (٤). قال المراغي: " الكافرون هنا هم اليهود، وفي التعبير به إيماء إلى أن ما صدر منهم من سوء الأدب في خطابه ﷺ كفر لا شكّ فيه، لأن من يصف النبي ﷺ بأنه شرّير، فقد أنكر نبوّته وأنه موحى إليه من قبل ربه، ومتى فعل ذلك فقد كفر واستحق العذاب الأليم" (٥). قال القاسمي: " أي اليهود الذي توسلوا بقولكم المذكور إلى التهاون بمقام رسول الله ﷺ عَذابٌ أَلِيمٌ لما اجترءوا عليه من العظيمة، وهو تذييل لما سبق، فيه وعيد شديد لهم، ونوع تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، ومن ليّهم ما جاء في الحديث أنهم كانوا إذا سلموا يقولون «السام عليكم» (٦) والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نزد عليهم ب «وعليكم»، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا" (٧). يقول الإمام القرطبي: في هذه الآية دليلان (٨): أحدهما: تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض، وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا: التعريض محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. والثاني: التمسك بسد الذرائع (٩) وحمايتها، وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة. والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع.

стр. 821

أما الكتاب: فهذه الآية، ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ، لأنه ذريعة للسب، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] الآية، فحرم عليهم ﵎ الصيد في يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا، أي ظاهرة، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة للاصطياد، فمسخهم الله قردة وخنازير، وذكر الله لنا ذلك معنى التحذير عن ذلك، وقوله تعالى لآدم وحواء: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقد تقدم. وأما السنة: فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة، منها حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير [فذكرتا ذلك] لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" (١). قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (٢) وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (٣).

стр. 822

وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في

стр. 823

الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (١) الحديث، فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وذلك سدا للذريعة. وقال ﷺ : " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس" (٢). وقال ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ" قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ: "يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أَمَّهُ" (٣)، فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء. وقال ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (٤). قلت-الإمام القرطبي-: فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع، وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها. وليس عند الشافعية كتاب الآجال. لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون. والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا بعينه، فاعلمه (٥). الفوائد: ١ - أنه إذا ذكر باب ممنوع مسدود أمام الناس، فإن الحكمة تقتضي أن يذكر لهم ما يستغنون به عنه من الأشياء المباحة، لهذا قال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فهو لم ينههم ويجعلهم عائمين لا يدرون ما يقولون، بل أرشدهم إلى القولة المباحة النافعة، وهي: ﴿انظرنا﴾. ٢ - تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام.

стр. 824

٣ - النهي عن مشابهة المشركين، عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" (١). ٤ - قال ابن كثير: "ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها" (٢). ٥ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عن حديث "ومن تشبه بقوم فهو منهم" (٣) قال: "وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم" (٤). ٦ - تحريم الخطاب بالكلمات المحتملة للحق والباطل بالنسبة للرسول ﷺ . ٧ - تجني اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه، وجرأتهم على وصف الرسول ﷺ والمؤمنين بالمعاني السيئة القبيحة. ٨ - وجوب الاحتراز من التعابير التي قد توهم معاني سيئة، والحرص على الأدب في الألفاظ فذلك أسلم وأكمل. ٩ - سد الذرائع الموصلة إلى أمر محظور شرعاً. ١٠ - وجوب السمع والطاعة لأوامر الله، لقوله تعالى: ﴿واسمعوا﴾. ١١ - ثبوت الجزاء على العمل لقوله ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. القرآن ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥] التفسير: ما يحب الكفار من أهل الكتاب والمشركين أن يُنزَّل عليكم أدنى خير من ربكم قرآنًا أو علمًا، أو نصرًا أو بشارة. والله يختص برحمته مَن يشاء مِن عباده بالنبوة والرسالة. والله ذو العطاء الكثير الواسع. في سبب نزول الآية قولان: الأول: قال الواحدي: " قال المفسرون: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم هذه الآية" (٥). والثاني: قال الرغب: " سبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يظهرون مودة المسلمين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، ونفي ما أدعوه وكان المسلمون يوالونهم ويركنون إليهم، فأكذبهم الله تعالي في ذلك [ونفى ما ادعوه] ونهاهم تعريضاً عن موادتهم، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ " (٦). قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، "أي ما يحب الكافرون من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزّل عليكم شيء من الخير، بغضاً فيكم وحسداً لكم" (٧).

стр. 825

قال الطبري: أي: ": ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان، أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزله عليكم، فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد ﷺ من حكمه وآياته، وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين" (١). و(الود) "خالص المحبة" (٢). قال الراغب: " الود: محبة الشر مع تمنيه، ولما كان لهما استعمل في كل واحد منهما، فقيل: وددت فلانا إذا أحببته، وددت الشيء إذا تمنيته" (٣). قال القرطبي: " (الخير) هنا يشمل خير الدنيا، والآخرة، القليل والكثير؛ لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود، والنصارى، ومن المشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا؛ لأنهم ما يودون أن ينزل علينا أيّ خير؛ ولو تمكنوا أن يمنعوا العلم النافع عنا لفعلوا؛ وهذا ليس خاصاً بأهل الكتاب والمشركين في زمان الرسول ﷺ ؛ بل هو عام؛ ولهذا جاء بصيغة المضارع: ﴿ما يود﴾؛ وهو دال على الاستمرار" (٤). وقال الفخر الرازي: " (الخير) الوحي وكذلك الرحمة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء" (٥). قال ابن عاشور: "والخير النعمة والفضل، قال النابغة (٦): فلست على خير أتاك بحاسد وأراد به هنا النبوءة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر، وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ " (٧). ومعنى (الاختصاص): "الانفراد بالشيء، ومنه: الخَصَاص للفُرَجِ (٨)، لأنه انفرد كل منهما واحد عن الآخر من غير جمع بينها، ثم يقال لسوء الحال: الخصاصة، لأنها خللٌ في الحال وصدع" (٩). ويُقْرأ ﴿أن يُنْزَل عليكم﴾، بالتخفيف والتثقيل جميعاً، ويجوز في العربية أن يَنْزِلَ عليكم، ولا ينبغي أن يقرأ بهذا الوجه الثالث، إذ كان لم يقرأ به أحد من القراء المشتهرين (١٠). و(التنزيل): هو إنزاله شيئاً فشيئاً؛ وأما (الإنزال): فهو إنزاله جملة واحدة؛ هذا هو الأصل؛ فهم لا يودون هذا، ولا هذا: لا أن ينزل علينا الخير جملة واحدة؛ ولا أن ينزل شيئاً فشيئاً (١١).

стр. 826

قال الآلوسي: " وفي إقامة لفظ (الله)، مقام ضمير ﴿ربكم﴾، تنبيه على أن تخصيص بعض الناس بالخير دون بعض يلائم الألوهية كما أن إنزال الخير على العموم يناسب الربوبية" (١). قال الراغب: " إن قيل: فلم قال: " ولا المشركين " وذلك يقتضي أن المشركين ضربان، كافر، وغير كافر كما أن أهل الكتاب ضربان؟ قيل: إن " من " في قوله (ومن أهل الكتاب) للتبيين ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، فإذا كان كذلك، فالذين كفروا هم أهل الكتاب، فجاز أن يقال: (ولا المشركين) عطفاً على لفظ أهل الكتاب، وجاز أن يقال (ولا المشركين) عطفاً على الذين، ولو قرئ به لجاز" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، أي والله "يختص بالنبوة والوحي والفضل والإِحسان، من شاء من عباده" (٣). قال الزجاج: " أي يختص بنُبوته من يشاءُ من أخبر أنه مختار" (٤). قال الطبري: أي: " والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له" (٥). واختلف في معنى (الرحمة)، في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، على أقوال (٦): أحدها: أن الرحمة: الإسلام. قاله مجاهد (٧)، والحسن (٨)، ومقاتل (٩). والثاني: أن الرحمة في هذه الآية عامة، لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا. قاله ابن عطية (١٠). والثالث: أن الرحمة هنا: النبوة. قاله علي بن أبي طالب (١١)، ومحمد بن علي بن الحسين (١٢)، وابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، والزجاج (١٥)، وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (١٦). واختار الطبري قول مجاهد، فقال: الرحمة هنا: "نبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له، و " اختصاصه " إياهم بها، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه، وكل ذلك رحمة من الله له" (١٧). الرابع: وقيل: النبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فهو نبي الرحمة (١٨).

стр. 827

والصواب: أن الرحمة هنا عامة بجميع أنواعها، والأقوال الأخرى هي ضمن الرحمة العامة التي في لفظ الآية، "فرحمته تعالى يشمل رحمة الدين، والدنيا؛ ومن ذلك رحمة الله بإنزال هذا الوحي على محمد ﷺ ؛ لأن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ هو من رحمة الله عليه، وعلينا، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] " (١). قال ابن عثيمين: "وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذا مقرون بالحكمة؛ يعني اختصاصه بالرحمة لمن يشاء مبني على حكمته ؛ فمن اقتضت حكمته ألا يختصه بالرحمة لم يرحمه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، أي "والله واسع الفضل والإِحسان" (٣). قال ابن عثيمين: " أي ذو العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة؛ و ﴿الْعَظِيمِ﴾ أي الواسع الكثير الكبير؛ فالعِظم هنا يعود إلى الكمية، وإلى الكيفية" (٤). قال الطبري: " خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه عليهم، من غير استحقاق منهم ذلك عليه" (٥). قال الراغب: " بيّن أنه وإن اختص برحمته بعض الناس، فليس ذلك لضيق فضله، بل فضله عظيم، ورحمته [تسع كل شيء وإنما يسع رحمته] ضربان، أحدهما يصل إليه كل من شاء الوصول إليه من العباد بتمكين الله إياه وضرب يخص تعالى به بعض عباده لا يعرفه في ذلك" (٦). قال الآلوسي: " تذييل لما سبق وفيه تذكير للكارهين الحاسدين بما ينبغي أن يكون مانعا لهم لأن المعنى على أنه سبحانه المتفضل بأنواع التفضلات على سائر عباده فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا، ويود عدم إصابة خير له، والكل غريق في بحار فضله الواسع الغزير كذا قيل: وإذا جعل الفضل عاما وقيل: بإدخال النبوة فيه دخولا أوليا لأن الكلام فيها على أحد الأقوال. كان هناك إشعار بأن النبوة من الفضل لا كما يقوله الحكماء من أنها بتصفية الباطن، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته، وتصدير هذه الجملة بالاسم الكريم لمناسبة العظيم" (٧). الفوائد ١ من فوائد الآية: بيان عداوة غير المسلمين للمسلمين؛ لأنه تعالى ذكر صنفين ينتظمان جميع الأصناف: أهل الكتاب. وهم اليهود، والنصارى.؛ والمشركين. وهم كل أصحاب الأوثان.؛ فكل هؤلاء أعداء للمسلمين؛ لأنهم لا يودون الخير للمسلمين. ٢ ومنها: أنه يجب علينا أن نحذر من كل تصرف يصدر عن اليهود، والنصارى، والمشركين، ونتخذهم أعداءً، وأن نعلم أنهم بجميع تصرفاتهم يحاولون أن يمنعوا الخير عن المسلمين. ٣ ومنها: أن هؤلاء الكفار يودون أن يمنعوا عن المسلمين التقدم. ٤ ومنها: أنه يحرم على المسلمين أن يُوَلُّوا هؤلاء الكفار أيّ قيادة؛ لأنهم ما داموا لا يودون لنا الخير فلن يقودونا لأيّ خير مهما كان الأمر؛ ولهذا يحرم أن يجعل لهم سلطة على المسلمين لا في تخطيط، ولا في نظام، ولا في أي شيء؛ بل يجب أن يكونوا تحت إمرة المسلمين، وتحت تدبيرهم ما أمكن؛ وإذا استعنا بهم فإنما نستعين بهم لإدراك مصالحنا وهم تحت سلطتنا؛ لأنهم لو استطاعوا أن يمنعوا القطر وينبوع الأرض عن المسلمين لفعلوا؛ إذاً فيجب علينا الحذر من مخططاتهم، وأن نكون دائماً على سوء ظن بهم؛ لأن إحسان

стр. 828

الظن بهم في غير محله؛ وإنما يحمل عليه الذل، وضعف الشخصية، والخور، والجبن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمِْ﴾ [البقرة: ١٠٥]؛ وهي شاملة لخير الدنيا، والآخرة؛ فاليهود حسدوا المسلمين لما آمنوا بمحمد ﷺ ، ونزل عليهم هذا الكتاب. قال الطبري: "في هذه الآية دلالة بينة على أن الله ﵎ نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون" (١). ٥ ومن فوائد الآية: أن خير الله لا يجلبه ودّ وادّ، ولا يرده كراهة كاره؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ فلا يمكن لهؤلاء اليهود، والنصارى، والمشركين أن يمنعوا فضل الله علينا؛ وعلى هذا جاء الحديث الصحيح: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك (٢) " .. ٦. ومنها: أن الإنسان الذي لا يود الخير للمسلمين فيه شبه باليهود، والنصارى؛ لأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. ٧ ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى عامة في كل شيء سواء كان من أفعاله، أو من أفعال عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٩]؛ وأما ما يتعلق بأفعاله تعالى فالأمثلة عليه كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] وغير ذلك من الآية. ٨ ومن فوائد الآية: إثبات الرحمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿برحمته﴾. ٩ ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿يختص﴾؛ لأن التخصيص يدل على الإرادة. ١٠ ومنها: إثبات الفضل لله؛ لقوله تعالى: ﴿ذو الفضل﴾. ١١ ومنها: إثبات أن فضله ليس كفضل غيره؛ ففضل غيره محدود؛ وأما فضل الله ففضل عظيم لا حدود له؛ فإن الله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم؛ ومن فضله ﵎ أنه خص هذه الأمة بخصائص عظيمة كثيرة ما جعلها لأحد سواها؛ منها ما جاء في حديث جابر في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ؛ وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي؛ وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (٣). وتجدر الإشارة بأن هذه الآية لا يعارض قوله تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا

стр. 829

يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]؛ لأن هذه الآية في صنف معين من النصارى: وهم الذين منهم القسيسون، والرهبان الذين من صفاتهم أنهم لا يستكبرون؛ فإذا وجد هذا الصنف في عهد الرسول، أو بعده انطبقت عليه الآية؛ لكن اختلفت حال النصارى منذ زمن بعيد؛ نسأل الله أن يعيد للمسلمين عزتهم وكرامتهم، حتى يعرفوا حقيقة عداوة النصارى، وغيرهم من أهل الكفر، فيعدوا لهم العدة (١). القرآن ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦] التفسير: ما نبدِّل من آية أو نُزِلها من القلوب والأذهان نأت بأنفع لكم منها، أو نأت بمثلها في التكليف والثواب، ولكلٍ حكمة. ألم تعلم -أيها النبي- أنت وأمتك أن الله قادر لا يعجزه شيء؟ في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال الواحدي: " قال المفسرون: إن المشركين قالوا: أترون إلى محمد يأمر أصحابه؟ يأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه وهو كلام يناقض بعضه بعضا فأنزل الله: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [النحل: ١٠١]، الآية: وأنزل أيضا: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ الآية" (٢). واورده الزمخشري (٣) فلخصه، فذكر أنهم طعنوا في النسخ وكذلك القرطبي، وزاد أنهم أنكروا شأن القبلة (٤). والثاني: قال الثعلبي: " روي أبو أمامة سهل بن حنيف في مجلس سعيد ابن المسيب: إنّ رجلا كانت معه سور فقام يقرأها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول الله ﷺ فقال بعضهم: يا رسول الله قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله ما جئت إلّا لذلك، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إنّها نسخت البارحة"" (٥). والثالث: وقال قتادة: " كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله ﷺ يقرأ الآية من السورة ثم ترفع فينسيها الله تعالى نبيه، فقال الله تعالى يقص على نبيه ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ " (٦). وروي عن مجاهد (٧)، والحسن (٨) نحو ذلك.

стр. 830

قال ابن حجر: "ولعل قتادة أخذ ما قال من هذا الخبر [أي: الخبر الذي ذكره الثعلبي في القول السابق]، وليس في الخبر تعيين الآية الناسخة صريحا، بل ما يومئ إلى ذلك، والعلم عند الله تعالى" (١). قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، " أي ما نبدّل من حكم آية فنغيره بآخر" (٢). قال الطبري: أي: "ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراما، والحرام حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ" (٣). وقوله: " ﴿مِنْ آيَةٍ﴾، فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم، فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل" (٤). قال الزجاج: " فأما النسخ في اللغة، فإبطال شيء وإقامة آخر مقامه، العرب تقول نسخت الشمسُ الظل، والمعنى أذهبت الظل وحلَّت محلَّه" (٥). وتجدر الإشارة بأن النسخ في اللغة يطلق على معنيين اثنين (٦): أحدهما: النقل، أي: نقل الشيء من مكان إلى آخر مع بقاء الأول، ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه. والثاني: الرفع والإزالة، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة إلى ضربين: الأول: إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله، وهو معنى النسخ في الآية. والثاني: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه كقولهم: نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢]. أما في الاصطلاح فقد مر بمرحلتين: الأولى: في اصطلاح السلف: ويوضحه ابن القيم بقوله: "ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة-وهو اصطلاح المتأخرين-، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ... " (٧). الثانية: في اصطلاح الأصوليين: وقد عرفه الرازي، بقوله: "طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الذي كان ثابتاً بطريق لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه على وجه لولاه كان ثابتاً" (٨). وعرفه الآمدي، بأنه: "عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق" (٩).

стр. 831

وقد منع وقوع النسخ في القرآن أبو مسلم الأصفهاني (١)، وتبعه في ذلك: عبد المتعال محمد الجبري (٢)، وعبد الكريم الخطيب (٣)، والشيخ محمد الغزالي (٤)، وعبد الرحمن الوكيل (٥)، وفي ردود أهل العلم على أبي مسلم قديماً وحديثاً ما يكفي لدحض شبهات كل مدع عدم وقوع النسخ في القرآن الكريم. والله الموفق (٦). واختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، على وجوه (٧): أحدها: أنه قبضها، وهو قول السدي (٨). والثاني: أنه تبديلها، وهو قول ابن عباس (٩). والثالث: أنه إثبات خطها وتبديل حكمها، وهو قول ابن مسعود (١٠)، ومجاهد (١١). والرابع: ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب (١٢). والقول الثاني هو الأشبه بالصواب، أي: ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره، وبه قال جمع من أهل التفسير، والله تعالى أعلم. قال الواحدي: " وكثير من المفسرين حمل النسخ المذكور في الآية على معنى: نسخ الكتاب من الكتاب. فقد حكي عن عدة منهم أنهم قالوا: يريد بالنسخ ما نسخه الله لمحمد ﷺ من اللوح المحفوظ فأنزله عليه، وهذا ظاهر الإحالة؛ لأنه ليس كل آية نسخت للنبي ﷺ من اللوح المحفوظ، فأنزلت عليه يؤتيه الله ويأتيه بخير منها، ولو كان كذلك لتسلسل الوحي حتى لا يتناهى" (١٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، أي "أو نتركها" (١٤). قال الطبري: أي " أو لم يبدله ولم يغير" (١٥). قال الصابوني: "أي نمحها من قلبك" (١٦). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، على أقوال: أحدها: أنه من النسيان، ضد التذكر. روي عن ابن عباس (١٧)، وسعد بن مالك (١٨)، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة، نحو هذا المعنى (١٩).

стр. 832

الثاني: أن معناه: نثبت خطها، ونبدل حكمها. قاله مجاهد (١)، وروي عن أصحاب ابن مسعود نحو ذلك (٢). الثالث: أن المعنى: نؤخرها. قاله عمر بن خطاب (٣)، وروي عن أبي العالية وعطاء مثل ذلك (٤). الرابع: أو نتركها نرفعها من عندكم. قاله عبيد بن عمير (٥)، وروي عن الربيع بن أنس والسدي نحو ذلك (٦). الخامس: أو نتركها لا نبدلها. قاله ابن عباس (٧)، وروي عن السدي نحوه (٨). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، على ثلاث قراءات (٩): القراءة الأولى: بفتح النون الأولى في (نَنسخ)؛ وضمها في (نُنسها) بدون همز، وهي قراءة أهل المدينة والكوفة. وقراءة غير الهمز على اختلاف وجوهها، فيها احتمالان (١٠): الإحتمال الأول: أنها من (النسيان)، وحينئذ يكون المراد به في بعض القراءات ضد الذكر وفي بعضها الترك. الوجه الأول: أن يكون ﴿نُنْسِهَا﴾ بمعنى (النسيان)، ضد الذكر، والمعنى: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها، وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: ﴿ما نُنسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها﴾، فذلك تأويل: النسيان، وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل (١١). وكذلك كان سعيد بن المسيب يقرؤها، فأنكر عليه سعد بن أبي وقاص، أخرجه النسائي (١٢)، وصححه الحاكم (١٣). وقد روي عن قتادة في قوله: " ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء" (١٤). وروي عن الحسن أنه قال في قوله: " ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا ثم نسيه، فلم يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه" (١٥). وروي عن ابن عباس، قال: "كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله، : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ " (١٦).

стр. 833

واسيتدل أصحاب هذا الوجه بقوله تعالى: " ﴿سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فقد أعلم اللَّه أنه يشاء أن يُنْسى" (١). وقد ضعف الزجاج أن تحمل الآية على (النسيان) الذي هو ضد الذكر، فقال: " وهذا القول عندي ليس بجائز، لأن اللَّه : قد أنبأ النبي ﷺ في قوله ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إنَّه لا يشاء، أن يذهب بالذي أوحَى به إلى النبي ﷺ " (٢). ثم ذكر أن في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قولان يُبْطلان أن يكون ﴿ننسها﴾، في الآية بمعنى (النسيان) (٣): أحدهما: أن قوله: ﴿فلا تنسى﴾، أي لست تترك إلا ما شاءَ اللَّه أن تترك. والثاني: ويجوز أن يكون ﴿إلا ما شاءَ الله﴾، مما يلحق بالبشرية، ثم تذكر بعد، ليس أنه على طريق السلب للنبي ﷺ شيئاً أوتيه من الحكمة. في حين قال أبو عليّ وغيره: "ذلك جائز، وقد وقع، ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بنسئه" (٤). وقال ابن عطية: " والصحيح في هذا، أن نسيان النبي ﷺ ، لما أراد الله أن ينساه، ولم يرد أن يثبته قرآناً جائزاً، وأما النسيان الذي هو آفة في البشر، فالنبي ﷺ معصوم منه، قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظه أحد من الصحابة، وأما بعد أن يحفظ، فجائز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث، حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: "أفي القوم أبي؟ " قال: نعم يا رسول الله، قال: "فلم لم تذكرني؟ " قال: خشيت أنها رفعت". فقال النبي ﷺ : "لم ترفع ولكني نسيتها" (٥) (٦). قال ابن عثيمين: "والمراد به هنا رفع الآية؛ وليس مجرد النسيان؛ لأن مجرد النسيان لا يقتضي النسخ؛ فالنبي ﷺ قد ينسى بعض الآية؛ وهي باقية" (٧). الوجه الثاني: أن يكون ﴿نُنْسِهَا﴾ بمعنى: (الترك)، من قول الله جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، يعني به: تركوا الله في عبادته فتركهم في العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٦]. واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم (٨)، وحسّنه الفراء (٩)، ونصره أبو علي الفارسي (١٠). واعترض الزجاج على هذا التفسير فقال: " وقيل في ﴿أو ننْسِهَا﴾ قول آخر، وهو خطأ أيضاً، قالوا: أو نَتْرُكُهَا، وهذا يقال فيه نسيت إذا تركت، ولا يقال أنسيت أي تركت" (١١). واعترض ايضا الواحدي، فقال: وهذا لا يصح؛ لأنه ليس كل آية تُركت ولم تنسخ يؤتى بخير منها" (١٢).

стр. 834

وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه، لأنه بمعنى نجعلك تتركها (١). وحكى الأزهري: ﴿نُنْسها﴾، أي نأمرُ بتركه (٢)، وبه قال الزجاج (٣). يقال: أنسيتُه الشيء أي أمرتُ بتركه، ونسيتُه تركته، قال الشاعر (٤): إنّ عليّ عُقْبَة أقضيها ... لستُ بناسِيْها ولا مُنْسِيها أي ولا آمر بتركها (٥). قال القرطبي: "وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿أو ننسها﴾، قال: "نتركها لا نبدلها" (٦)، فلا يصح، ولعل ابن عباس قال: نتركها، فلم يضبط، والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى ﴿أو ننسها﴾: نبح لكم تركها، من نسي إذا ترك، ثم تعديه" (٧). والفرق بين (الترَك) و (النسخ)، "أن (النسخ) يأتي في الكتاب في نسخ الآية بآية فتُبطِل الثانيةُ العملَ بالأولى، ومعنى (الترك) أن تأتي الآية بضرب من العمل فيؤمر المسلمون بترك ذَلك بغير آية تَأْتِي ناسخة للتي قبلهَا، نحو ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ثم أمر المسلمون بعد ذلك بترك المِحْنَة" (٨). والاحتمال الثاني: أن أصل ﴿ننسها﴾، الهمزة من (النسيء) وهو التأخير، إلا أنه أبدل من الهمزة (ألفاً)، وعلى هذا الاحتمال تتحد القراءتان. والقراءة الثانية: بفتح النون الأولى في ﴿نَنسخ﴾؛ وفتحها في ﴿نَنسأها﴾ مع الهمز بعد السين وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو، "بمعنى نؤخرها، من قولك: نسأت هذا الأمر أنسؤه نَسْأ ونَسَاء، إذا أخرته، وهو من قولهم: " بعته بنساء، يعني بتأخير، ومن ذلك قول طرفة بن العبد (٩): لعمرك إن الموت ما أَنْسَأ الفتى ... لكالطِّوَل المُرْخى وثِنْياه باليد يعني بقوله: (أنسأ)، أخر. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] ومنه سمي بيع الأجل نسيئة، وقال أهل اللغة: أنسأ الله أجله ونسأ في أجله، أي أخر وزاد، وقال ﵊: "من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه" (١٠). وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قراء الكوفيين والبصريين، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل" (١١). وتفسير الآية على هذه القراءة: " ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها، نأت بخير منها أو مثلها .. وقد قرأ بعضهم ذلك: ﴿ما

стр. 835

ننسخ من آية أو تُنسها﴾، وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ: ﴿أو نُنسها﴾، إلا أن معنى (أو تُنسها)، أنت يا محمد" (١). قال الشيخ ابن عثيمين: "وأما ﴿ننسأها﴾ فهو من (النسأ)؛ وهو التأخير؛ ومعناه: تأخير الحكم، أو تأخير الإنزال؛ أي أن الله يؤخر إنزالها، فتكون الآية لم تنزل بعد؛ ولكن الله أبدلها بغيرها" (٢). وقراءة الهمز على اختلاف وجوهها معناها التأخير، ويكون معنى الآية على هذا فيه أربعة أقوال (٣): أحدها: نؤخر نسخها ونزولها، وهو قول عطاء (٤). والثاني: نمحها لفظاً وحكماً، وهو قول ابن زيد (٥). والثالث: نؤخر حكمها ونبقي تلاوتها، أو نؤخر تلاوتها ونبقي حكمها. والرابع: نمضها فلا ننسخها، وهو ضعيف لقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لأن ما أمضي وأُقِرَّ لا يقال فيه نأت بخير منه. والقراءة الثالثة: بضم النون الأولى في (نُنسخ) وكسر السين؛ وضم النون في (نُنسها) بدون همز وهي قراءة ابن عامر وفيها وجهان (٦): أحدهما: أن يكون: نسخ وأنسخ، بمعنى واحد. والثاني: أنسخته: جعتله ذا نسخ، كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلا: أقبروا فلانا، أي اجعلوه ذا قبر، قال تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١]. قال الطبري: فيكون المعنى: "ما ننسخك يا محمد نحن من آية - من: أنسختك فأنا أنسخك، وذلك خطأ من القراءة عندنا (٧)، لخروجه عما جاءت به الحجة من الْقَرَأَة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ (تُنسها) أو (تَنسها) لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة" (٨) (٩). وأولى القراءات من قرأ: ﴿أو نُنْسها﴾ بمعنى: نتركها، "لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدل حكما أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية، إذْ كان ذلك معناها، أن يكون - إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾، قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت،

стр. 836

فهو يشتمل على معنى " الإنساء " الذي هو بمعنى الترك، ومعنى " النَّساء " الذي هو بمعنى التأخير. إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك" (١). وقد حمل الرازي (النسيان) على معنى (الترك)، فقال: " الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى: ﴿فنسى ولم نجد له عزما﴾ [طه: ١٥٥] أي فترك وقال: ﴿فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هاذا﴾ [الأعراف: ٥١] أي نتركهم كما تركوا، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز، لأن المنسي يكون متروكا، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقراء ننسها وننسها بالتشديد، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول، وقرأ عبد الله: ما ننسك من آية أو ننسخها، وقرأ حذيفة: ما ننسخ من آية أو ننسكها" (٢). وأنكر الطبري من قرأ: ﴿أو نَنْسها﴾، إذا عني به النسيان، فقال: "وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبرٍ أن ينسي الله نبيه ﷺ بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذْ كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول: ذلك غير جائز، وأما قوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾، فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه. وقد قال الله تعالى ذكره: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله، فأما نحن، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله" (٣). قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، "أي نأت بخير لكم منها" (٤). قال الواحدي: " أي: أصلح لمن تعبّد بها، وأنفع لهم، وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم، لا أن آيةً خيرٌ من آية؛ لأن كلام الله واحد، وكله خيرٌ" (٥). قال أبو حيّان: الظاهر أن خيراً هنا أفعل التفضيل، والخيرية ظاهرة، لأن المأتي به، إن كان أخف من المنسوخ أو المنسوء، فخيريته بالنسبة لسقوط أعباء التكليف، وإن كان أثقل، فخيريته بالنسبة لزيادة الثواب" (٦). قال القرطبي: " لفظة "بخير" هنا صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية" (٧). قال الزجاج: " فأما ما يؤتى فيه بخير من المنسوخ فتمام الصيام الذي نسخ الِإباحة في الِإفطار لمن استطاع الصيام، ودليل ذلك قوله: [وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهذا هو خير لنا كما قال اللَّه ، وأمَّا قوله ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي نأْتي بآية ثوابها كثواب التي قبلها، والفائدة في ذلك أن يكون الناسخ اشهل في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به أسوغ، والناس إليه أسرع، نحو القِبْلة التي كانت على جهة ثم أمر اللَّه النبي ﷺ بجعل البيت قبلةَ المسلمين وعدل بها عن القصد لبيت المقدس، فهذا - وإِن كان السجود إلى سائر النواحي متساوياً في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح، والأدعى للعرب وغيرهم إِلى الإِسلام" (٨).

стр. 837

وقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، على وجوه (١): أحدها: في المنفعة والرفق والرفعة. قاله ابن عباس (٢). والثاني: أن معنى خير منها، أي أخف منها، بالترخيص فيها، وهذا معنى قول قتادة (٣). قال الماوردي: "فيكون تأويل الآية، ما نغير من حكم آية فنبدله، أو نتركه فلا نبدله، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكماً منها، إما بالتخفيف في العاجل، كالذي كان من نسخ قيام الليل تخفيفاً، وإما بالنفع بكثرة الثواب في الآجل، كالذي كان من نسخ صيام أيام معدودات بشهر رمضان" (٤). الثالث: أن معناه: الأصلح لكم. اختاره الرازي (٥). الرابع: وقيل: أن لفظة" ﴿خير﴾، في الآية مصدر، و ﴿من﴾ لابتداء الغاية" (٦). ضعّفه ابن عطية فقال: " ويقلق هذا القول لقوله تعالى أَوْ مِثْلِها إلا أن يعطف المثل على الضمير في مِنْها دون إعادة حرف الجر، وذلك معترض" (٧). والراجح أن: " لفظة ﴿خير﴾ في الآية صفة تفضيل، والمعنى: بأنفع لكم أيها الناس في عاجل، إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل، إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية" (٨). والله أعلم. قال أبو حيان: " وحكي عن ابن عباس أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها، أي أنفع منها لكم، أو مثلها. ثم قال: أو ننساها، أي نؤخرها، فلا ننسخها ولا نبدلها. وهذه الحكاية لا تصح عن ذلك الحبر ابن عباس، إذ هي محيلة لنظم القرآن" (٩). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، " أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله عليم حكيم قدير، لا يصدر منه إِلا كل خير وإِحسان للعباد" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك" (١١). قال الزمخشري: " فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير" (١٢). قال النسفي: " أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله" (١٣). قال الواحدي: " أي: من النسخ والتبديل وغيرهما" (١٤). قال البيضاوي: " فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ، أو بما هو خير منه" (١٥). قال البغوي: أي" من النسخ والتبديل، لفظه استفهام، ومعناه تقرير، أي: إنك تعلم" (١٦).

стр. 838

وقال القاسمي: " فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير" (١). قال الطبري: " ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك، ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك، وأنفع لك ولهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة - أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة وشبيهه في الخفة عليك وعليهم؟ فاعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير" (٢). قال أبو السعود: " والمرادُ بهذا التقرير الاستشهادُ بعلمه بما ذكر على قدرتِهِ تعالَى على النسخ وعلى الإيتان بما هو خيرٌ من المنسوخ وبما هو مثله لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورةِ تحت قدرته سبحانه فمِنْ علم شمولِ قدرتِه تعالى لجميعِ الأشياء علمُ قدرته على ذلك قطعاً" (٣). قال الراغب: " أي لا تحسبن أن تغييري الحكم حالاً فحالاً وإن لم آت بالثاني في الابتداء هو العجز، فإن من علم قدرته على كل شي لا يظن ذلك، وإنما يعتبر ذلك لا يرجع إلى مصلحة العباد، وبدأ الأليق بهم في الوقت المتقدم الحكم المتقدم وفى الوقت المتأخر الحكم المتأخر" (٤). قال ابن عثيمين: "يقرر الله المخاطَب، يعني أنك قد علمت قدرة الله على كل شيء؛ ومنها القدرة على النسخ" (٥). ويحتمل الإستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ [البقرة: ١٠٦]، وجهين: أحدهما: أن ظاهره الإستفهام المحظ، يفيد الأنكار. قاله ابن عطية (٦). والثاني: أن هذا الإستفهام معناه التقرير (٧). والراجح أن الإستفهام -هنا- معناه التقرير، ولا يحتاج إلى معادل ألبتة، "والاستفهام بمعنى التقرير كثير في كلامهم جداً، خصوصاً إذا دخل على النفي: ﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠]؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]؟ ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦]؟ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الإنشراح: ١]؟ فهذا كله استفهام لا يحتاج فيه إلى معادل، لأنه إنما يراد به التقرير، والمعنى: قد علمت أيها المخاطب أن الله قادر على كل شيء، فله التصرف في تكاليف عباده، بمحو وإثبات وإبدال حكم بحكم، وبأن يأتي بالأخير لكم وبالمماثل" (٨). وفي إفراد المخاطب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ [البقرة: ١٠٦]، وجوها: أحدها: أن الحكمة في ذلك، "أنه ما من شخص إلا يتوهم أنه المخاطب بذلك، والمنبه به، والمقرر على شيء ثابت عنده، وهو أن قدرة الله تعالى متعلقة بالأشياء، فلن يعجزه شيء، فإذا كان كذلك لم ينكر النسخ، لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه" (٩). قاله أبو حيان. والثاني: "إنما أفرده لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أعلمهم، ومبدأ علمهم" (١٠). قاله الآلوسي. والثالث: أن الإفراد كان أفاد المبالغة مع الاختصار (١١). قاله الآلوسي. واختلف في المخاطب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، على وجوه:

стр. 839

أحدها: أن "الخطاب للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وأريد بطريق الكناية هو وأمته المسلمون" (١)، لأن قال بعد ذلك في الآية التالية: " ﴿وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾. والثاني: أن الخطاب للسامع، أي لكل واقف عليه. قاله أبو حيان (٢). والثالث: أن الخطاب لمنكري النسخ، "والمراد الاستشهاد بعلم المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خير أو مماثل لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول قدرته على جميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعا" (٣). قال المراغي: و"الخطاب للنبى ﷺ ، والمراد غيره من المؤمنين الذين ربما كان يؤذيهم ما كان يعترض به اليهود وغيرهم على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به، فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو تدخل في قلبه الحيرة، فجاء ذلك تثبيتا لهم وتقوية لإيمانهم، ببيان أن القادر على كل شاء لا يستنكر عليه نسخ الأحكام، لأنها مما تتناولها قدرته" (٤). قال الآلوسي: " والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير، لتربية المهابة، ولأنه الاسم العلم الجامع لسائر الصفات، ففي ضمنه صفة القدرة فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم" (٥). قال ابن عطية: " ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء ويفعل في أحكامه ما يشاء، هو قدير على ذلك وعلى كل شيء، وهذا لإنكار اليهود النسخ، وقوله تعالى ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾، لفظ عموم معناه الخصوص، إذ لم تدخل فيه الصفات القديمة بدلالة العقل ولا المحالات لأنها ليست بأشياء، والشيء في كلام العرب الموجود" (٦). قال ابن كثير: " يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى .. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم - لعنهم الله- في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، ً وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا" (٧). الفوائد: ١ من فوائد الآية: ثبوت النسخ، وأنه جائز عقلاً، وواقع شرعاً؛ وهذا ما اتفقت عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني؛ فإنه زعم أن النسخ مستحيل؛ وأجاب عما ثبت نسخه بأن هذا من باب التخصيص؛ وليس من باب النسخ؛ وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد تنتهي إليه؛ بل أمدها إلى يوم القيامة؛ فإذا نُسِخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ. أي أخرجناه من الحكم.؛ فمثلاً: وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجباً إلى يوم القيامة شاملاً لجميع الأزمان؛ فلما نُسخ أخرج بعض الزمن الذي شمله الحكم، فصار هذا تخصيصاً؛ وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم وعامة الأمة خلافاً لفظياً؛ لأنهم متفقون على جواز هذا

стр. 840

الأمر؛ إلا أنه يسميه تخصيصاً؛ وغيره يسمونه نسخاً؛ والصواب تسميته نسخاً؛ لأنه صريح القرآن: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾؛ ولأنه هو الذي جاء عن السلف. ٢ ومن فوائد الآية: أن الناسخ خير من المنسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾؛ أو مماثل له عملاً. وإن كان خيراً منه مآلاً.؛ لقوله تعالى: ﴿أو مثلها﴾. ٣ ومنها: أن أحكام الله تختلف في الخيرية من زمان إلى زمان؛ بمعنى أنه قد يكون الحكم خيراً للعباد في وقت؛ ويكون غيره خيراً لهم في وقت آخر .. ٤ ومنها: عظمة الله لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ﴾: فإن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو أهل العظمة .. ٥. ومنها: إثبات تمام قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾؛ ومن ذلك أنه قادر على أن ينسخ ما يشاء .. ٦ ومنها: أن قدرة الله عامة شاملة؛ لقوله تعالى: (أن الله على كل شيء قدير). ٧ ومنها: أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية؛ فالأمور القدرية الكونية الله قادر عليها؛ فإذا كان قادراً عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية؛ وهذا هو الحكمة في قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ بعد ذكر النسخ .. ٨ ومنها: أن الشريعة تابعة للمصالح؛ لأن النسخ لا يكون إلا لمصلحة؛ فإن الله لا يبدل حكماً بحكم إلا لمصلحة .. قد يقول قائل: ما الفائدة إذاً من النسخ إذا كانت مثلها والله تعالى حكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة؟ فالجواب: أن الفائدة اختبار المكلف بالامتثال؛ لأنه إذا امتثل الأمر أولاً وآخراً، دل على كمال عبوديته؛ وإذا لم يمتثل دل على أنه يعبد هواه، ولا يعبد مولاه؛ مثال ذلك: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ هذا بالنسبة للمكلف ليس فيه فرق أن يتجه يميناً، أو شمالاً؛ إنما الحكمة من ذلك اختبار المرء بامتثاله أن يتجه حيثما وجه؛ أما المتجَه إليه، وكونه أولى بالاتجاه إليه فلا ريب أن الاتجاه إلى الكعبة أولى من الاتجاه إلى بيت المقدس؛ ولهذا ضل من ضل، وارتد من ارتد بسبب تحويل القبلة: قال الله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ﷺ ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فالإنسان يبتلى بمثل هذا النسخ؛ إن كان مؤمناً عابداً لله قال: سمعت وأطعت؛ وإن كان سوى ذلك عاند، وخالف: يقول: لماذا هذا التغيير! فيتبين بذلك العابد حقاً، ومن ليس بعابد. ٩ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى وعد بأنه لا يمكن أن ينسخ شيئاً إلا أبدله بخير منه، أو مثله؛ ووعده صدق .. ١٠ ومنها: ذكر ما يطمئن به العبد حين يخشى أن يقلق فكره؛ لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾. القرآن ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧] التفسير: أما علمتَ -أيها النبي- أنت وأمتك أن الله تعالى هو المالك المتصرف في السموات والأرض؟ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويأمر عباده وينهاهم كيفما شاء، وعليهم الطاعة والقَبول. وليعلم من عصى أن ليس لأحد من دون الله من وليٍّ يتولاهم، ولا نصير يمنعهم من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، ألم تعلم يا محمد، " أن الله وحده الذي له ملك السموات" (١).

стр. 841

قال الصابوني: " أي ألم تعلم أن الله هو المالك المتصرف في شئون الخلق يحكم بما شاء ويأمر بما شاء؟ " (١). قال القرطبي: أي "بالإيجاد والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة .. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته" (٢). قال الواحدي: أي" أنه يملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ" (٣). قال الشوكاني: "أي له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد، والاختراع، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة، والأشخاص" (٤). قال ابن عثيمين: " أي أن الله وحده الذي له ملك السموات، والأرض: ملك الأعيان، والأوصاف، والتدبير؛ فأعيان السموات، والأرض، وأوصافها ملك لله؛ و"التدبير" يعني أنه تعالى يملك التدبير فيها كما يشاء: لا معارض له، ولا ممانع" (٥). قال المراغي: فالله تعالى "له ملك السموات والأرض وهما تحت قبضته والعباد أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، فله أن ينسخ ما شاء من الأحكام، ويقرر ما شاء منها بحسب ما يرى من الفائدة" (٦). قال أبو السعود: " ألم تعلمَ أَنَّ الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما إيجاداً وإعداماً وأمراً ونهياً حسبما تقتضيهِ مشيئتُه لا مُعارِضَ لأمره ولا معقِّبَ لحُكمه فَمْن هذا شأنُه كيف يخرُج عن قدرته شئ من الأشياء" (٧). قال الآلوسي: " فيكون الكلام على هذا كالدليل لما قبله في إفادة البيان، فيكون منزلا منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، فلذا ترك العطف وجوّز أن يكون تكريرا للأول وإعادة للاستشهاد على ما ذكر" (٨). وخص ّ ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالملك، لكونهما من أعظم المخلوقات الظاهرة، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على ما اشتملا عليه (٩). قال الزجاج: " ومعنى (الملك) في اللغة: تمام القدرة واستحكامها .. ومعنى الآية: إِن اللَّه يَمْلك السَّمَاوَات والأرض ومن فيهن فهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به، من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغيره" (١٠). وفي تكرار قوله: ﴿ألم تعلم﴾، وترك العطف، على الأول، وجهان: احدهما: أنه "تقريرٌ مستقل للاستشهاد على قدرتِهِ تعالَى على جميع الأشياء" (١١). قال الراغب: "إنه لا جعل حكم الثاني كالعلة للأول، أخرجه مخرج الأول، فكأنه قيل: هو على كل شي قدير، لأن له ملك السماوات والأرض" (١٢).

стр. 842

والثاني: وقيل: " وإنما لم يعطَفْ أن مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها روما لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكلَ منهما وكفايتِه في الوقوف على ما هو المقصودُ " (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]، " أي: ما لكم وليٌّ يرعى شئونكم أو ناصر ينصركم غير الله تعالى فهو نعم الناصر والمعين" (٢). قال الواحدي: " تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه" (٣). قال البيضاوي: " وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم، والفرق بين الولي والنصير. أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور فيكون بينهما عموم من وجه" (٤). قال المراغي: " أي ناصركم ومعينكم هو الله وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، وليس في استطاعته أن يلحق بكم أذى" (٥). قال الشوكاني: "وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره، ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول، والامتثال، والتعظيم، والإجلال" (٦). قال البغوي: " ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾: قريب وصديق، وقيل: من وال وهو القيم بالأمور، ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾، أي: ناصر يمنعكم من العذاب" (٧). قال الراغب: " الولي: يقال تارة لمن له موالاة نسبية أو خلف، وتارة لمن له ولاية سلطانية، وإنما ذكر (الولي والنصير)، وهما متقاربان بالعنف، لأنه قد ينفك الولي من النصرة بأن يكون ضعيفاً، والنصير من الولاية بأن يكون عن المنصور أجنبياً" (٨). قال الآلوسي: "والولي: المالك، والنصير: المعين، والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل، والمعين قد يكون مالكا وقد لا يكون- بل يكون أجنبيا" (٩). بما تعلق به من العلم على تعلُّق إرادتِه تعالى بما ذُكر من الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ أو بمثله فإن مجرَّد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصولَه البتة وإنما الذي يستدعيه كونُه تعالى مع ذلك ولياً ونصيراً لهم فمن علم أنه تعالى وليُّه ونصيرُه على الاستقلال يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوِّضُ أمرَه إليه تعالى ولا يخطُر بباله ريبةٌ في أمر النسخ وغيرِه أصلاً " (١٠). قال أبو حيان: "انتقل من ضمير الإفراد في الخطاب إلى ضمير الجماعة (١١)، وناسب الجمع هنا، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصاً في العموم، فناسب كون المنفي عنه يكون عاماً أيضاً، كان المعنى: وما لكل فرد منكم فرد فرد ﴿مِن وَلِيّ وَلا نَصِير﴾، ... ولما كانت الجملتان الأوليان للتقرير، وهو إيجاب من حيث المعنى، ناسب أن تكون الجملة الثالثة نفياً للولي والناصر، أي أن الأشياء التي هي تحت قدرة الله وسلطانه واستيلائه، فالله تعالى لا يحجزه عما يريد بها شيء، ولا مغالب له تعالى فيما يريد" (١٢).

стр. 843

وإن قيل: أو لم يكن رسول الله ﷺ يعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه له ملك السموات والأرض، حتى قيل له ذلك؟ قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة (١): أحدها: أن قوله: ﴿ألم تعلم﴾، بمعنى: أعلمت. والثاني: أنه خارج مخرج التقرير، لا مخرج الاستفهام. كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ: اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَم أَنتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، خرج مخرج التقرير لا مخرج الاستفهام. والثالث: أن هذا الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به أمته، ألا تراه قال بعد ذلك ﴿وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾، فإن "جمع الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، دال على أن المراد بخطاب النبي ﷺ خطاب أمته" (٢). والأقرب: أن الكلام قد أخرج الكلام مخرج التقرير" لكونه أبلغ في حكم الخطابة" (٣)، وذلك كقول جرير (٤): أَلَسْتم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح أي: أنتم كذلك. كما أن هذا الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به أمته، ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله ﷺ (٥): إلى السراج المنير أحمد، لا ... يَعْدِلني رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع النـ ... اس إليّ العيونُ وارتقبوا وقيل: أفرطتَ! بل قصدتُ ولو ... عنفني القائلون أو ثَلَبُوا لج بتفضيلك اللسان، ولو ... أكثر فيك الضِّجاج واللجَب أنت المصفي المحض المهذب في النـ سبة، إن نص قومَك النسب فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي ﷺ ، وهو قاصد بذلك أهل بيته. وكما قال جميل بن معمر (٦): ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومنادح فقال: " ألا إن جيراني العشية " فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال: " رائح"، لأن قصده - في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم، وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى (٧): خليلي فيما عشتما، هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي وهو يريد قاتلته، لأنه إنما يصف امرأة، فكنى باسم الرجل عنها، وهو يعنيها. فكذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي ﷺ ، فإنه مقصود به قصد أصحابه. وذلك بين بدلالة

стр. 844

قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك (١). قال الراغب: " وإنما خص النبي ﷺ بقوله: ﴿ألم تعلم﴾، وإن كان الخطاب له ولغيره، لذكره العلم ولا أحد من البشر أعلم بذلك منه- ﵇، أو قد وقف من أسرار ملكوت السموات والأرض على ما لم يوقف عليه غيره" (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، فإنه سوى الله، وبعد الله، ومنه قول أمية بن أبي الصلت (٣): يا نفس مالك دون الله من واقي ... وما على حدثان الدهر من باقي يريد: مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره (٤). قال الراغب: " وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِإذا تصور خطاباً للكفار اقتضى وعيدا أي لأولي وناصر يحميكم عنه نحو قوله تعالي. ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ إدا تصور خطابة للمؤمنين اقتضى تسكيناً لهم أي لا تعتدوا بمن يواليكم وينصركم سواه، كقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وإذا اعتبر بهما فالمعنيان فيهما موجودان أي لا تعتقدوا أن لكم ولياً وناصراً إذا لم يكن الله وليكم تنبيها أنه تعالي هو الذي لا يمكن تصور ولي وناصر مع تصور ارتفاعه " (٥). وقراءة الجماعة (وَلَا نَصِيرٍ) بالخفض عطفا على (ولي) ويجوز (وَلَا نصيرُ) بالرفع عطفا على الموضع، لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير (٦). قال أبو حيان: "وتضمنت هاتان الجملتان (٧) التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف، وهما: القدرة والاستيلاء، لأن الشخص قد يكون قادراً، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء، لكنه ليس له استيلاء على ذلك الشيء، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل، فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية، كمل بذلك التصرف مع الإرادة، وبدأ بالتقرير على وصف القدرة، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان" (٨). الفوائد: ١ من فوائد الآية: تقرير عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾؛ ولا يرد على هذا إضافة الملك للإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]؛ فإن هذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاق؛ لأن ملك الإنسان للأشياء ملك محدود، وناقص، وقاصر؛ محدود من حين استيلائه عليه إلى أن يخرج عن ملكه ببيع، أو هبة، أو موت، أو غير ذلك؛ كذلك هو ناقص: فهو لا يملك التصرف فيه كما يشاء؛ بل تصرفه مقيد بما يباح له شرعاً؛ ولهذا لو أراد أن يحرق ملكه لم يملك ذلك؛ كذلك أيضاً ملك الإنسان قاصر؛ فهو لا يملك إلا ما تحت يده؛ فلا يشمل ملك الآخرين .. ٢ ومن فوائد الآية: اختصاص ملك السموات، والأرض بالله؛ وهذا مأخوذ من تقديم الخبر، حيث إن تقديم الخبر يدل على الحصر؛ لقوله تعالى: ﴿له ملك السموات والأرض﴾ ..

стр. 845

٣ ومنها: أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت؛ فكأن قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾؛ فالمالك للسموات والأرض يتصرف فيهما كما شاء .. ٤ ومنها: أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد الله به سوءاً؛ لقوله تعالى: ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾. ٥ ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب الولاية، والنصر .. فإذا قال قائل: إن الله يقول: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٢]، ويقول تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ [التوبة: ٤٠]؛ فأثبت نصراً لغير الله .. فالجواب: أن إثبات النصر لغير الله إثبات للسبب فقط؛ وليس نصراً مستقلاً؛ والنصر المستقل من عند الله؛ أما انتصار بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب؛ وليس على وجه الاستقلال .. ٦ ومن فوائد الآية: أن ما يريده الإنسان فهو إما جلب منفعة يحتاج إلى ولي يجلبها له؛ وإما دفع مضرة يحتاج إلى نصير يدفعها عنه .. القرآن ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨] التفسير: بل أتريدون- أيها الناس- أن تطلبوا من رسولكم محمد ﷺ أشياء بقصد العناد والمكابرة، كما طُلِبَ مثل ذلك من موسى. علموا أن من يختر الكفر ويترك الإيمان فقد خرج عن صراط الله المستقيم إلى الجهل والضَّلال. اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، على أقوال (١): أحدها: قال ابن عباس: "قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، الآية (٢). والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم، عن السدي: " ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، أن يريهم الله جهرة. فسألت العرب رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرة" (٣). وروي عن قتادة (٤) مثل ذلك. والثالث: قال مجاهد: " سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: " نعم! وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم! فأبوا ورجعوا، فأنزل الله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾، أن يريهم الله جهرة" (٥). وذكر الواحدي عن ابن عباس (٦) نحو ذلك. والرابع: قال ابن حجر: "وحكى ابن ظفر أنه قيل: إنها نزلت في من قال من المسلمين لما رأوا شجرة يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط. فقال: هذا كقول قوم موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة﴾ [الأعراف: ١٦٨]، قال ابن ظفر: لأن التبرك بالشجر واتخاذها عيدا يستدرج من يجيء بعدهم إلى عبادتها" (٧).
следующие страницы →