← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال الصابوني: " أي ألم تعلم أن الله هو المالك المتصرف في شئون الخلق يحكم بما شاء ويأمر بما شاء؟ " (١). قال القرطبي: أي "بالإيجاد والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة .. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته" (٢). قال الواحدي: أي" أنه يملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ" (٣). قال الشوكاني: "أي له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد، والاختراع، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة، والأشخاص" (٤). قال ابن عثيمين: " أي أن الله وحده الذي له ملك السموات، والأرض: ملك الأعيان، والأوصاف، والتدبير؛ فأعيان السموات، والأرض، وأوصافها ملك لله؛ و"التدبير" يعني أنه تعالى يملك التدبير فيها كما يشاء: لا معارض له، ولا ممانع" (٥). قال المراغي: فالله تعالى "له ملك السموات والأرض وهما تحت قبضته والعباد أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، فله أن ينسخ ما شاء من الأحكام، ويقرر ما شاء منها بحسب ما يرى من الفائدة" (٦). قال أبو السعود: " ألم تعلمَ أَنَّ الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما إيجاداً وإعداماً وأمراً ونهياً حسبما تقتضيهِ مشيئتُه لا مُعارِضَ لأمره ولا معقِّبَ لحُكمه فَمْن هذا شأنُه كيف يخرُج عن قدرته شئ من الأشياء" (٧). قال الآلوسي: " فيكون الكلام على هذا كالدليل لما قبله في إفادة البيان، فيكون منزلا منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، فلذا ترك العطف وجوّز أن يكون تكريرا للأول وإعادة للاستشهاد على ما ذكر" (٨). وخص ّ ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالملك، لكونهما من أعظم المخلوقات الظاهرة، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على ما اشتملا عليه (٩). قال الزجاج: " ومعنى (الملك) في اللغة: تمام القدرة واستحكامها .. ومعنى الآية: إِن اللَّه يَمْلك السَّمَاوَات والأرض ومن فيهن فهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به، من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغيره" (١٠). وفي تكرار قوله: ﴿ألم تعلم﴾، وترك العطف، على الأول، وجهان: احدهما: أنه "تقريرٌ مستقل للاستشهاد على قدرتِهِ تعالَى على جميع الأشياء" (١١). قال الراغب: "إنه لا جعل حكم الثاني كالعلة للأول، أخرجه مخرج الأول، فكأنه قيل: هو على كل شي قدير، لأن له ملك السماوات والأرض" (١٢).

стр. 842

والثاني: وقيل: " وإنما لم يعطَفْ أن مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها روما لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكلَ منهما وكفايتِه في الوقوف على ما هو المقصودُ " (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]، " أي: ما لكم وليٌّ يرعى شئونكم أو ناصر ينصركم غير الله تعالى فهو نعم الناصر والمعين" (٢). قال الواحدي: " تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه" (٣). قال البيضاوي: " وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم، والفرق بين الولي والنصير. أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور فيكون بينهما عموم من وجه" (٤). قال المراغي: " أي ناصركم ومعينكم هو الله وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، وليس في استطاعته أن يلحق بكم أذى" (٥). قال الشوكاني: "وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره، ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول، والامتثال، والتعظيم، والإجلال" (٦). قال البغوي: " ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾: قريب وصديق، وقيل: من وال وهو القيم بالأمور، ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾، أي: ناصر يمنعكم من العذاب" (٧). قال الراغب: " الولي: يقال تارة لمن له موالاة نسبية أو خلف، وتارة لمن له ولاية سلطانية، وإنما ذكر (الولي والنصير)، وهما متقاربان بالعنف، لأنه قد ينفك الولي من النصرة بأن يكون ضعيفاً، والنصير من الولاية بأن يكون عن المنصور أجنبياً" (٨). قال الآلوسي: "والولي: المالك، والنصير: المعين، والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل، والمعين قد يكون مالكا وقد لا يكون- بل يكون أجنبيا" (٩). بما تعلق به من العلم على تعلُّق إرادتِه تعالى بما ذُكر من الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ أو بمثله فإن مجرَّد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصولَه البتة وإنما الذي يستدعيه كونُه تعالى مع ذلك ولياً ونصيراً لهم فمن علم أنه تعالى وليُّه ونصيرُه على الاستقلال يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوِّضُ أمرَه إليه تعالى ولا يخطُر بباله ريبةٌ في أمر النسخ وغيرِه أصلاً " (١٠). قال أبو حيان: "انتقل من ضمير الإفراد في الخطاب إلى ضمير الجماعة (١١)، وناسب الجمع هنا، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصاً في العموم، فناسب كون المنفي عنه يكون عاماً أيضاً، كان المعنى: وما لكل فرد منكم فرد فرد ﴿مِن وَلِيّ وَلا نَصِير﴾، ... ولما كانت الجملتان الأوليان للتقرير، وهو إيجاب من حيث المعنى، ناسب أن تكون الجملة الثالثة نفياً للولي والناصر، أي أن الأشياء التي هي تحت قدرة الله وسلطانه واستيلائه، فالله تعالى لا يحجزه عما يريد بها شيء، ولا مغالب له تعالى فيما يريد" (١٢).

стр. 843

وإن قيل: أو لم يكن رسول الله ﷺ يعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه له ملك السموات والأرض، حتى قيل له ذلك؟ قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة (١): أحدها: أن قوله: ﴿ألم تعلم﴾، بمعنى: أعلمت. والثاني: أنه خارج مخرج التقرير، لا مخرج الاستفهام. كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ: اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَم أَنتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، خرج مخرج التقرير لا مخرج الاستفهام. والثالث: أن هذا الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به أمته، ألا تراه قال بعد ذلك ﴿وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾، فإن "جمع الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، دال على أن المراد بخطاب النبي ﷺ خطاب أمته" (٢). والأقرب: أن الكلام قد أخرج الكلام مخرج التقرير" لكونه أبلغ في حكم الخطابة" (٣)، وذلك كقول جرير (٤): أَلَسْتم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح أي: أنتم كذلك. كما أن هذا الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به أمته، ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله ﷺ (٥): إلى السراج المنير أحمد، لا ... يَعْدِلني رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع النـ ... اس إليّ العيونُ وارتقبوا وقيل: أفرطتَ! بل قصدتُ ولو ... عنفني القائلون أو ثَلَبُوا لج بتفضيلك اللسان، ولو ... أكثر فيك الضِّجاج واللجَب أنت المصفي المحض المهذب في النـ سبة، إن نص قومَك النسب فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي ﷺ ، وهو قاصد بذلك أهل بيته. وكما قال جميل بن معمر (٦): ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومنادح فقال: " ألا إن جيراني العشية " فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال: " رائح"، لأن قصده - في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم، وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى (٧): خليلي فيما عشتما، هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي وهو يريد قاتلته، لأنه إنما يصف امرأة، فكنى باسم الرجل عنها، وهو يعنيها. فكذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي ﷺ ، فإنه مقصود به قصد أصحابه. وذلك بين بدلالة

стр. 844

قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك (١). قال الراغب: " وإنما خص النبي ﷺ بقوله: ﴿ألم تعلم﴾، وإن كان الخطاب له ولغيره، لذكره العلم ولا أحد من البشر أعلم بذلك منه- ﵇، أو قد وقف من أسرار ملكوت السموات والأرض على ما لم يوقف عليه غيره" (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، فإنه سوى الله، وبعد الله، ومنه قول أمية بن أبي الصلت (٣): يا نفس مالك دون الله من واقي ... وما على حدثان الدهر من باقي يريد: مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره (٤). قال الراغب: " وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِإذا تصور خطاباً للكفار اقتضى وعيدا أي لأولي وناصر يحميكم عنه نحو قوله تعالي. ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ إدا تصور خطابة للمؤمنين اقتضى تسكيناً لهم أي لا تعتدوا بمن يواليكم وينصركم سواه، كقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وإذا اعتبر بهما فالمعنيان فيهما موجودان أي لا تعتقدوا أن لكم ولياً وناصراً إذا لم يكن الله وليكم تنبيها أنه تعالي هو الذي لا يمكن تصور ولي وناصر مع تصور ارتفاعه " (٥). وقراءة الجماعة (وَلَا نَصِيرٍ) بالخفض عطفا على (ولي) ويجوز (وَلَا نصيرُ) بالرفع عطفا على الموضع، لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير (٦). قال أبو حيان: "وتضمنت هاتان الجملتان (٧) التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف، وهما: القدرة والاستيلاء، لأن الشخص قد يكون قادراً، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء، لكنه ليس له استيلاء على ذلك الشيء، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل، فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية، كمل بذلك التصرف مع الإرادة، وبدأ بالتقرير على وصف القدرة، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان" (٨). الفوائد: ١ من فوائد الآية: تقرير عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾؛ ولا يرد على هذا إضافة الملك للإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]؛ فإن هذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاق؛ لأن ملك الإنسان للأشياء ملك محدود، وناقص، وقاصر؛ محدود من حين استيلائه عليه إلى أن يخرج عن ملكه ببيع، أو هبة، أو موت، أو غير ذلك؛ كذلك هو ناقص: فهو لا يملك التصرف فيه كما يشاء؛ بل تصرفه مقيد بما يباح له شرعاً؛ ولهذا لو أراد أن يحرق ملكه لم يملك ذلك؛ كذلك أيضاً ملك الإنسان قاصر؛ فهو لا يملك إلا ما تحت يده؛ فلا يشمل ملك الآخرين .. ٢ ومن فوائد الآية: اختصاص ملك السموات، والأرض بالله؛ وهذا مأخوذ من تقديم الخبر، حيث إن تقديم الخبر يدل على الحصر؛ لقوله تعالى: ﴿له ملك السموات والأرض﴾ ..

стр. 845

٣ ومنها: أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت؛ فكأن قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾؛ فالمالك للسموات والأرض يتصرف فيهما كما شاء .. ٤ ومنها: أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد الله به سوءاً؛ لقوله تعالى: ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾. ٥ ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب الولاية، والنصر .. فإذا قال قائل: إن الله يقول: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٢]، ويقول تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ [التوبة: ٤٠]؛ فأثبت نصراً لغير الله .. فالجواب: أن إثبات النصر لغير الله إثبات للسبب فقط؛ وليس نصراً مستقلاً؛ والنصر المستقل من عند الله؛ أما انتصار بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب؛ وليس على وجه الاستقلال .. ٦ ومن فوائد الآية: أن ما يريده الإنسان فهو إما جلب منفعة يحتاج إلى ولي يجلبها له؛ وإما دفع مضرة يحتاج إلى نصير يدفعها عنه .. القرآن ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨] التفسير: بل أتريدون- أيها الناس- أن تطلبوا من رسولكم محمد ﷺ أشياء بقصد العناد والمكابرة، كما طُلِبَ مثل ذلك من موسى. علموا أن من يختر الكفر ويترك الإيمان فقد خرج عن صراط الله المستقيم إلى الجهل والضَّلال. اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، على أقوال (١): أحدها: قال ابن عباس: "قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، الآية (٢). والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم، عن السدي: " ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، أن يريهم الله جهرة. فسألت العرب رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرة" (٣). وروي عن قتادة (٤) مثل ذلك. والثالث: قال مجاهد: " سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: " نعم! وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم! فأبوا ورجعوا، فأنزل الله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾، أن يريهم الله جهرة" (٥). وذكر الواحدي عن ابن عباس (٦) نحو ذلك. والرابع: قال ابن حجر: "وحكى ابن ظفر أنه قيل: إنها نزلت في من قال من المسلمين لما رأوا شجرة يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط. فقال: هذا كقول قوم موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة﴾ [الأعراف: ١٦٨]، قال ابن ظفر: لأن التبرك بالشجر واتخاذها عيدا يستدرج من يجيء بعدهم إلى عبادتها" (٧).

стр. 846

والخامس: قال أبو العالية: "قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل! فقال النبي ﷺ : " اللهم لا نبغيها! ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا فعل أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. قال: وقال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن " (١). وقال: " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك " (٢)، فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ " (٣). قال ابن حجر: " وأولى بأن يكون سببا لنزول هذه الآية وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم (٤) بسند قوي عن أبي العالية" (٥)، ثم ذكر الخبر. قال الإمام ابن كثير: "نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح: "إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته" (٦)، ولما سُئِل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك؛ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة (٧)، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال (٨)، وفي صحيح مسلم: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على

стр. 847

أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (١)، وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج. فقال رجل: أكُل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال، ﵇: "لا ولو قلت: نعم لوجَبَتْ، ولو وَجَبَتْ لما استطعتم". ثم قال: "ذروني ما تركتكم" الحديث. وهكذا قال أنس بن مالك: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع (٢). وأخرج الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: عن البراء بن عازب، قال: "إن كان ليأتي علَيَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب، وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ ، ما سألوه إلا عن ثنْتَي عشرة مسألة، كلها في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] يعني: هذا وأشباهه" (٣) " فيمكن القول بأن الأسئلة المنهية عنها هي أسئلة التعنت والاعتراض (٤)، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، فهذه ونحوها، هي المنهي عنها، وأما سؤال الاسترشاد والتعلم، فهذا محمود قد أمر الله به كما قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ويقررهم عليه، كما في قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ونحو ذلك، ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة، قد تصل بصاحبها إلى الكفر، قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] (٥). قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، "أي بل أتريدون يا معشر المؤمنين أن تسألوا نبيكم كما سأل قوم موسى نبيهم من قبل" (٦). واختلف في الخطاب في الآية الكريمة، على أقوال (٧): أحدها: إنه لليهود، وذلك حينما سألوا النبي ﷺ آيات يأتي بها. اختاره الرازي (٨).

стр. 848

الثاني: إنه للمشركين؛ لقوله تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠]. والثالث: إنه للمسلمين. وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم، واستدلوا عليه بوجوه (١): الأول: أنه قال في آخر الآية: (ومن يتبدل الكفر بالإيمان) وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين. الثاني: أن قوله: ﴿أم تريدون﴾ يقتضي معطوفا عليه وهو قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فكأنه قال: وقولوا انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم؟ الثالث: أن المسلمين كانوا يسألون محمدا ﷺ عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى ﵇ ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه. الرابع: سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة. قال الشيخ ابن عثيمين: " والآية صالحة للأقوال كلها؛ لأن محمداً ﷺ رسول للجميع؛ لكن تخصيصها باليهود يبعده قوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾؛ فمعنى الآية: أتريدون أن توردوا الأسئلة على رسولكم كما كان بنو إسرائيل تورد الأسئلة على رسولها؛ ولا شك أن الاستفهام هنا يراد به الإنكار على من يكثرون السؤال على النبي ﷺ " (٢). واختلف أهل العربية في معنى (أم) التي في قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ [البقرة: ١٠٨]، وذكروا وجوها (٣): الأول: أنها (متصلة) عديلة (الألف) بمعنى الاستفهام، وتأويل الكلام: أتريدون أن تسألوا رسولكم؟ . وهذا قول بعض البصريين. قال الحافظ ابن كثير: "هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه، ﵇، رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] " (٤). قال الواحدي: " فإن قيل: كيف يُرَدّ ﴿أم تريدون﴾ عليه، والأول خطاب للنبي ﷺ ، والثاني خطاب للجماعة؟ قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به ﵇ فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فوحَّد ثم جَمَعَ، كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟ والله تعالى علم أيهما عندهم" (٥). والثاني: أنها (منقطعة) بمعنى استفهام منقطع من الكلام، "كأنه قال: أتريدون، وهذا موجود في كلام العرب" (٦). وليس قوله: ﴿أم تريدون﴾ على الشك، ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [الأحقاف: ٨]، "أي: بل يقولون" (٧)، ومن ذلك قول الأخطل (٨):

стр. 849

كذبَتْك عينُك أم رأيت بواسط ... غَلَس الظلام من الرَّباب خيالا وعلى هذا القول جمع من أهل العلم، منهم ابن كثير (١)، وصاحب الكشاف، إذ يقول: " (أم) هذه هي المنقطعة التي بمعنى (بل) أي (بل تريدون) وفي هذا توبيخ وتقريع والكاف في قوله ﴿كما سئل﴾ في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي سؤالا مثل ما سئل موسى من قبل" (٢). والثالث: وقال بعض نحويي الكوفيين: إن شئت جعلت قوله: ﴿أم تريدون﴾ استفهاما على كلام قد سبقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]، فجاءت " أم " وليس قبلها استفهام، فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه، وقال قائل هذه المقالة: " (أم) في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين: إحداهما: أن تُفَرِّق معنى (أي). والأخرى: أن يستفهم بها فتكون على جهة النسق، والذي ينوي بها الابتداء، إلا أنه ابتداء متصل بكلام، فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت، لم يكن إلا بـ (الألف) أو بـ (هل) ... وإن شئت قلت في قوله: ﴿أم تريدون﴾، قبله استفهام، فرد عليه وهو في قوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ " (٣). والرابع: وقيل: (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل) و (همزة الاستفهام)؛ أي: (بل أتريدون)؛ والإضراب هنا ليس للإبطال؛ لأن الأول ليس بباطل؛ بل هو باق؛ فالإضراب هنا إضراب انتقال؛ و "الإرادة" هنا بمعنى المشيئة؛ وإن شئت فقل: بمعنى المحبة (٤). وقال مكي وغيره: "وهذا يضعف لأن «أم» لا تقع بمعنى (بل) إلا إذا اعترض المتكلم شك فيما يورده" (٥). قال ابن عطية: "وليس كما قال مكي ﵀، لأن «بل» قد تكون للإضراب عن اللفظ الأول لا عن معناه، وإنما يلزم ما قال على أحد معنيي «بل» وهو الإضراب عن اللفظ والمعنى، ونعم ما قال سيبويه: بل هي لترك كلام وأخذ في غيره" (٦). والصواب أنه استفهام مبتدأ، بمعنى: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم؟ وذلك لما جاءت به الآثار التي ذكرها الإمام الطبري، إذ يقول: "وإنما جاز، أن يستفهم القوم بـ " أم "، وإن كانت " أم " أحد شروطها أن تكون نسقا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام، لأنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام. ولم يسمع من العرب استفهام بها ولم يتقدمها كلام، ونظيره قوله جل ثناؤه: ﴿الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣] وقد تكون (أم) بمعنى (بل)، إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه (أي)، فيقولون: "هل لك قِبَلَنا حق، أم أنت رجل معروف بالظلم؟ "، وقال الشاعر (٧): فوالله ما أدري أسلمى تغولت ... أم النوم أم كل إلي حبيب يعني: بل كل إلي حبيبا (٨).

стр. 850

وانشد ابن الأنباري على هذا (١): تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ ... وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ فقال: يجوز أن تكون أم في هذا البيت مردودة على الألفِ المُضْمَرة مع تروح وكافية منها، كقوله (٢): فوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا ... بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ ويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا (٣). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿كَمَا سُئِلَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، على وجوه (٤): أحدها: قرأ الحسن بن أبي الحسن وغيره ﴿سيل﴾، بكسر السين وياء وهي لغة، يقال: سلت أسال، ويحتمل أن يكون من همز أبدل الهمزة ياء على غير قياس ثم كسر السين من أجل الياء. والثاني: وقرأ بعض القراء بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء، مع ضم السين. والثالث: وقرأ الجماعة: ﴿سُئِلَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، أي: ومن "يستبدل الضلالة بالهدى ويأخذ الكفر بدل الإِيمان" (٥). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، على وجوه (٦): أحدهما: أن معناه: ومن يستبدل الكفر، وهو الجحود بالله وبآياته، بالإيمان وهو التصديق بالله وبآياته والإقرار به (٧). والثاني: ومن يتبدل الشدة بالرخاء. قاله أبو العالية (٨). وضعّفه ابن عطية قائلا: " وهذا ضعيف، إلا أن يريدهما مستعارتين، أي الشدة على نفسه والرخاء لها عبارة عن العذاب والتنعيم، وأما المتعارف من شدة أمور الدنيا ورخائها فلا تفسر الآية به" (٩). والرأي الأول هو الصواب، أما القول الثاني فهو مفهوم بعيد من ظاهر الخطاب. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، " أي فقد حاد عن الجادة وخرج عن الصراط السوي" (١٠). أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: " ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾، قال: عن عدل السبيل" (١١). قال الطبري: أي: فقد ذهب عن سواء السبيل وحاد عنه" (١٢). قال ابن عطية: " أي: "أخطأ الطريق" (١٣). وأصل (الضلال) عن الشيء، "الذهاب عند والحيد، ثم يستعمل في الشيء الهالك، والشيء الذي لا يؤبه له، كقولهم للرجل الخامل الذي لا ذكر له ولا نباهة: (ضُل بن ضُل)، و (قُل بن قُل) (١٤)، ومعنى الضلال في الآية: الذَهابُ عن الاستقامة (١٥)، قال الأخطل (١٦):

стр. 851

كنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ ... قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا أي: ذهب يمينًا وشمالًا (١). قال ابن عاشور: "و (السواء): الوسط من كل شيء (٢)، قال بلعاء بن قيس (٣): غَشَّيْتُه وهو في جَأَوَاءَ باسلة ... عَضْبَاً أصاب سواءَ الرأس فانفلقا ووسط الطريق: هو الطريق الجادة الواضحة، لأنه يكون بين بنيات الطريق التي لا تنتهي إلى الغاية" (٤). و﴿السبيلُ﴾ في اللغة: الطريقُ، والمراد به طريق الاستقامة" (٥)، و"هذه السبيل التي أخبر الله عنها، أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواءها، هي الصراط المستقيم، الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] " (٦). قال ابن عطية: " و ﴿السَّبِيلِ﴾، عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله لعباده، لما كانت كالسبب إلى نيل رحمته كانت كالسبيل إليها" (٧). واختلف في قوله تعالى: ﴿(سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، على وجهين: (٨): أحدهما: أن (السواء) أي: القصد والمنهج، عن الفراء، أي ذهب عن قصد الطريق وسمته، أي طريق طاعة الله (٩). والثاني: أن (السواء) من كل شيء: الوسط، قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ومنه قوله: ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: "وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه، ومنه قوله ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: أعلمهم، حتى يستوي علمك وعلمهم" (١٠). وقال عيسى بن عمر: "كتبت حتى انقطع سوائي، [يعني وسطي] (١١)، وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي ﷺ ، على ما ذكر ابن إسحاق وغيره (١٢): يا ويح أصحاب النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد وقال أبو عبيد: هو في عثمان بن عفان ﵁، وهو عندي وهم منه" (١٣).

стр. 852

قلت: وكلا القولين صحيحان، لأن الذي يخرج عن سواء السبيل، "فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها، على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩] " (١). وقد قراء: " ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾، بالإدغام وبالإظهار في السبعة" (٢). يقول أبو حيّان: " ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى، كنى عنها بالسبيل، وجعل من حاد عنها: كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بتبدل الكفر بالإيمان، وأخرج ذلك في صورة شرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيراً عن ذلك، وتبعيداً منه، فوبخهم أولاً على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله، وخاطبهم بذلك، ثم أدرجهم في عموم الجملة الشرطية. وإن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهج القويم، فصار صدر الآية إنكاراً وتوبيخاً، وعجزها تكفيراً وضلالاً، وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض ولا طلب ولا إرادة" (٣). الفوائد: ١ من فوائد الآية: إنكار كثرة الأسئلة لرسول الله ﷺ ؛ لأن الاستفهام: ﴿أم تريدون﴾ يقصد به الإنكار؛ وقد قال النبي ﷺ محذراً من ذلك: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (٤)؛ وصح عن النبي ﷺ : "أن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته" (٥)؛ فهذا نهي، وإنكار على الذين يسألون رسول الله ﷺ مسائل؛ والمطلوب من المسلم في زمن الوحي أن يسكت حتى ينزل ما أراد الله من أمر أو نهي .. ٢ ومن فوائد الآية: تأكيد ذم هذا النوع من الأسئلة؛ لقوله تعالى: ﴿رسولكم﴾؛ فكأنه أراد أنه لما كان رسولكم، فالذي ينبغي منكم عدم إعناته بالأسئلة .. ٣ ومنها: أن إرسال محمد ﷺ من مصالحنا، ومنافعنا؛ لقوله تعالى: ﴿رسولكم﴾. ٤ ومنها: أن كثرة الأسئلة للنبي ﷺ فيها مشابهة لليهود؛ لقوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾. ٥ ومنها: أنه لا ينبغي إلقاء السؤال إلا لمصلحة: إما رجل وقعت له مسألة يسأل عن حكمها؛ أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسائل من أصولها؛ أما الأسئلة لمجرد استظهار ما عند الإنسان فقط؛ أو أقبح من ذلك من يستظهر ما عند الإنسان ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبه ذلك؛ أو لأجل إعنات المسؤول، وإحراجه؛ فكل هذا من الأشياء المذمومة التي لا تنبغي .. ٦ ومن فوائد الآية: ذم بني إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى ﷺ ، حيث إن الله ذكرهم في هذه الآية على سبيل الذم .. ٧ ومنها: أن اليهود كانوا سألوا موسى عن أشياء فكانت العاقبة فيها وخيمة: فقد سألوا عن أشياء بينت لهم؛ لكنهم لم يعملوا بها؛ فكانت نتيجة السؤال الخيبة ..

стр. 853

٨ ومنها: إثبات رسالة موسى ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾ يعني: وهو رسول .. ٩ ومنها: ذم من استبدل الكفر بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل؛ وهذا يشمل من بقي على كفره بعد عرض الإيمان عليه، ومن ارتد بعد إيمانه؛ فإنه في الحقيقة تبديل؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة؛ فإذا كفر فقد تبدل الكفر بالإيمان .. ١٠ ومنها: أن من اختار الكفر على الإيمان فهو ضال .. ١١ ومنها: عكس هذه المسألة: أن من يتبدل الإيمان بالكفر فقد هُدي إلى سواء السبيل .. ١٢ ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة في عمله، وأنه مجبر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ .. ١٣ ومنها: أنه يجب على السائل أن يعمل بما أجيب به؛ لأنه إذا علم ولم يعمل فقد تبدل الكفر بالإيمان من بعد ما تبين له أنكر؛ فالواجب على المرء إذا سأل من يثق به أن يعمل بقوله؛ ولهذا قال العلماء: ومن سأل مفتياً ملتزماً بقوله حرم عليه أن يسأل غيره؛ لأنه حين سأله كان يعتقد أن الذي يقوله هو الشرع؛ فإذا كان يعتقد هذا فلا يسأل غيره؛ نعم، إذا سأل إنساناً يثق به بناءً على أن فتواه هو الشرع، وأفتاه، ولكنه سمع في مجلس عالم آخر حكماً نقيض الذي أُفتي به مدعَّماً بالأدلة، فحينئذ له أن ينتقل؛ بل يجب عليه؛ أو سأل عالماً مقتنعاً بقوله للضرورة. لأنه ليس عنده في البلد أعلم منه. على نية أنه إذا وجد أعلم منه سأله؛ فهذا أيضاً يجوز أن يسأل غيره إذا وجد أعلم منه. القرآن ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩] التفسير: تمنى كثير من أهل الكتاب أن يرجعوكم بعد إيمانكم كفارًا كما كنتم من قبلُ تعبدون الأصنام؛ بسبب الحقد الذي امتلأت به نفوسهم من بعد ما تبيَّن لهم صدق نبي الله ورسوله محمد ﷺ فيما جاء به، فتجاوزوا عمَّا كان منهم من إساءة وخطأ، واصفحوا عن جهلهم، حتى يأتي الله بحكمه فيهم بقتالهم وقد جاء ووقع، وسيعاقبهم لسوء أفعالهم. إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء. اختلف فيمن أنزلت الآية على أقوال (١): احدها: أنها أنزلت في عامة اليهود والمشركين. قاله الطبري (٢). الثاني: أخرج الواحدي وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن كعب بن مالك: "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدمها رسول الله ﷺ يؤذون النبي ﷺ وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه بالصبر على ذلك والعفو عنهم وفيهم أنزلت: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ " (٣). وروي نحوه عن الزهري (٤) وقتادة (٥).

стр. 854

واستبعد الطبري هذا الرأي، لأن صيغة خطاب الآية للجمع، والواحد لا يقال له "كثير"، بمعنى الكثرة في العدد (١). وعلى رواية عبدالله بن كعب، فالجمع في قوله: ﴿يَرُدُّونَكُم﴾ لكعب ومن تابعه ويستقيم الكلام (٢). والله أعلم. الثالث: وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس: " كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله ﷺ ، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم﴾ الآية" (٣). الرابع: وقال الواحدي "قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة بدر ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، " أي تمنى كثير من اليهود والنصارى" (٥). قال الطبري: أي: "أن كثيراً من أهل الكتاب يودون بكل قلوبهم" (٦). قوله تعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، " أي لو يصيّرونكم كفاراً بعد أن آمنتم" (٧). قال الطبري: أي: "أن يردوكم كفاراً؛ أي يرجعوكم كفاراً" (٨). قال المراغي: أي: " أن يصرفوكم عن توحيد الله والإيمان بمحمد ﷺ ويرجعوكم كفارا كما كنتم" (٩). قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، " أي حسداً منهم لكم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة" (١٠). قال الثعلبي: " أي من تلقاء أنفسهم لم يأمر الله بذلك" (١١). قال الطبري: "وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين، من عند أنفسهم، إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه (١٢). قال ابن الأنباري: "ويكون تأويل ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ في حكمهم وتدينهم ومذهبهم، أي: هذا الحسد مذهب لهم، لم يؤمروا به كما تقول: هذا عند الشافعي حلال، أي: في حكمه ومذهبه" (١٣). وذكر الرازي في قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وجهين (١٤): أحدهما: أنه متعلق بـ (ود)، على معنى أنهم أحبوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق؟ الثاني: أنه متعلق بـ (حسد)، أي حسد عظيم منبعث من عند أنفسهم. و"في الآية تنبيه أن كثيراً من أهل الكتاب، يتمنون ارتدادكم بعد إيمانكم حسداً، وقوله: ﴿من عند أنفسهم﴾ أي من عند هواهم كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، وعبر عن الهوى بالنفس وهي الأمارة بالسوء، وبين أنهم فعلوا ذلك بعد وضوح الحق لهم، ولكنهم بحسدهم وهوائهم لا يتحرونه، ولا يحبون أن يتحراه غيرهم" (١٥).

стр. 855

قال الراغب: " (الحسد): كراهية نعمة على مستحق لها، وعدت من عظائم الذنوب، إذ هو معاندة الله في إرادته، وهو شر من البخل، فإن الحسد بخل على الغير بنعمة من لا تنفد العطايا نعمه" (١). وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: أصل الحسد في كلام العرب: القشر، ومنه أخذ الحسد؛ لأنه يَقْشر القلب، قال والحَسدلُ (٢): القرادة، لأنه يقشر الجلد فيمص الدم. ذكره الأزهري (٣). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٩]، " أي من بعد ما ظهر لهم بالبراهين الساطعة، أن دينكم هو الحق" (٤). قال المراغي: "أي من بعد أن ظهر لهم بساطع الأدلة أن محمدا على الحق بما جاء به من الآيات التي تنطبق على ما يحفظونه من بشارات كتبهم بنبي يأتي آخر الزمان" (٥). قال قتادة: " من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله ﷺ ، والإسلام دين الله" (٦). وروي نخوه عن أبي العالية (٧)، والربيع (٨)، والسدي (٩)، وابن زيد (١٠). وقال ابن عباس: " من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشد الملامة" (١١). قال الطبري: أي: "من بعد ما تبين الحقُّ في أمر محمد ﷺ وما جاء به من عند ربه، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم: أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه فدل بقوله ذلك: أن كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله، عناد، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون " (١٢). قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا﴾ [البقرة: ٩]، " أي: " فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ" (١٣). قال الثعلبي: أي: " فاتركوا" (١٤). قال الصابوني: " أي اتركوهم" (١٥). قال المراغي: " أي: فعاملوهم بأحاسن الأخلاق من العفو عن مذنبهم بترك عقابه" (١٦). قال ابن عثيمين: " الخطاب للمؤمنين عامة؛ ويدخل فيهم الرسول ﷺ ؛ و "العفو" بمعنى ترك المؤاخذة على الذنب؛ كأنه من عفا الأثر: إذا زال لتقادمه" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: " واصفحوا عما كان منهم من جهل" (١٨).

стр. 856

قال الثعلبي: أي" وتجاوزوا" (١). قال الصابوني: أي: " وأعرضوا عنهم فلا تؤخذوهم" (٢). قال المراغي: أي "واصفحوا عن مذنبهم، بترك لومه وتعنيفه" (٣). و(العفو): ترك المؤاخذة بالذنب، كما قال: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦] (٤). و(الصفح): إزالة أثره من النفس، أي: الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه، وهو يشمل ترك العقاب وترك اللوم والتثريب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ [الزخرف: ٥] (٥)، ومن ذلك قول كُثَيِّر يصفُ امرأة أعرضت عنه (٦): صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمَنْ ملَّ منها ذلك الوصلَ ملَّتِ وقال الآلوسي: " (العفو)، ترك عقوبة المذنب، و (الصفح)، ترك التثريب والتأنيث وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح، ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضا أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها. وآثر العفو على الصبر على اذاهم إيذانا بتمكين المؤمنين ترهيبا للكافرين" (٧). والفرق بين (العفو، و (الصفح)، أن" (العفو) ترك المؤاخذة على الذنب؛ و (الصفح) الإعراض عنه؛ مأخوذ من صفحة العنق؛ وهو أن الإنسان يلتفت، ولا كأن شيئاً صار. يوليه صفحة عنقه.؛ فـ "الصفح" معناه الإعراض عن هذا بالكلية وكأنه لم يكن؛ فعلى هذا يكون بينهما فرق؛ فـ (الصفح) أكمل إذا اقترن بـ (العفْو) " (٨). قال ابن عباس: " ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أي: عن مساوئ كلامهم، وغلّ قلبهم" (٩). قال أهل العلم: " وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح، إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح لا يكون إلا من القادر، فكأنه يقول لهم: لا تغرّنّكم كثرة أهل الكتاب مع باطلهم، فأنتم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، وأهل الحق مؤيدون بعناية الله، ولهم العزة ما ثبتوا عليه" (١٠). قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: " حتى يأتى نصر الله لكم بمعونته وتأييده" (١١). قال ابن عثيمين: " أي بأمر سوى ذلك؛ وهو الأمر بالقتال" (١٢). قال الصابوني: " أي حتى يأذن الله لكم بقتالهم" (١٣). قال الآلوسي: " المراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير، وقيل: واحد الأمور، والمراد به القيامة. أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة" (١٤).

стр. 857

قال الراغب: " ثم أمر بالتجافى عنهم إلى أن يأتي الله بأمره تسكيناً لهم ووعداً بتغييره لقدرته على كل شك" (١). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] على وجوه (٢): أحدها: أن معناه: حتى يأتي الله بعذابه: القتل والسّبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النظير. قاله ابن عبّاس (٣). والثاني: أنه أمره بقتالهم في قوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قاله قتادة (٤)، وهو قول الجمهور (٥). الثالث: وقال ابن كيسان: "بعلمه وحكمه فيهم، حكم بعضهم بالإسلام ولبعضهم بالقتل والسبي والجزية" (٦). الرابع: وقيل: أراد به القيامة فيجازيهم بأعمالهم. الخامس: وقيل: آجال بني آدم. السادس: وقيل: قوة الرسالة وكثرة الأمة. قال أبو حيان: " والجمهور على أنه الأمر بالقتال" (٧). واختلف في نسخ الآية على قولين (٨): أحدهما أنها منسوخة، ومن ثم اختلفوا في الناسخ على قولين: القول الأول: أنها نسخت بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا (٩). وهذا قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، والربيع (١٢)، والسدي (١٣). والقول الثاني وقيل: الناسخ لها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] (١٤). والثاني: وقال البعض بأنها غير منسوخة، "واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقًا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر" (١٥). قاله ابن الجوزي.

стр. 858

ونقل أبو حيان، عن "قوم بأنه ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر للتوقيف على مدته ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ غيّا العفو والصفح بهذه الغاية، وهذه الموادعة على أن تأتي أمر الله بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بالجزية، وغير ذلك مما أتي من أحكام الشرع فيهم، وترك العفو والصفح" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]، " أي لا يعتريه عجز في كل شيء فعله" (٢). قال الطبري: أي" لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه، لأن له الخلق والأمر" (٣). قال الصابوني: " أي قادر على كل شيء فينتقم منهم إِذا حان الأوان" (٤). قال الرازي: "فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره" (٥). قال أبو حيان: " فيه إشعار بالانتقام من الكفار، ووعد للمؤمنين بالنصر والتمكين. ألا ترى أنه أمر بالموادعة بالعفو والصفح، وغيا ذلك إلى أن يأتي الله بأمره، ثم أخبر بأنه قادر على كل شيء؟ " (٦). قال الآلوسي: " تذييل مؤكد لما فهم من سابقه، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين، ويحتمل على بعد أن يكون ذكرا لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديدا لمن يخالف أمره" (٧). الفوائد: ١ من فوائد الآية: بيان شدة عداوة اليهود، والنصارى للأمة الإسلامية؛ وجه ذلك أن كثيراً منهم يودون أن يردوا المسلمين كفاراً حسداً من عند أنفسهم .. ٢ ومنها: أن الكفر بعد الإسلام يسمى ردة؛ لقوله تعالى: ﴿لو يردونكم﴾؛ ولهذا الذي يكفر بعد الإسلام لا يسمى باسم الدين الذي ارتد إليه؛ فلو ارتد عن الإسلام إلى اليهودية، أو النصرانية لم يعط حكم اليهود، والنصارى .. ٣ ومنها: أن الحسد من صفات اليهود، والنصارى .. ٤ ومنها: تحريم الحسد؛ لأن مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة؛ لقول النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٨)؛ واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]؛ والحاسد لا يزداد بحسده إلا ناراً تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهاً لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود؛ ثم إن الحاسد أو الحسود. مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلاً فيها؛ لأنه لابد أن يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله به عليه، فيحتقر النعمة؛ حتى لو فرضنا أنه تميز بأموال كثيرة، وجاء إنسان تاجر، وكسب مكسباً كبيراً في سلعة معينة تجد هذا الحاسد يحسده على هذا المكسب بينما عنده ملايين كثيرة؛ وكذلك أيضاً

стр. 859

بالنسبة للعلم: بعض الحاسدين إذا برز أحد في مسألة من مسائل العلم تجده. وإن كان أعلم منه. يحسده على ما برز به؛ وهذا يستلزم أن يحتقر نعمة الله عليه؛ فالحسد أمره عظيم، وعاقبته وخيمة؛ والناس في خير، والحسود في شر: يتتبع نعم الله على العباد؛ وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبه؛ ولو لم يكن من خُلُق الحسد إلا أنه من صفات اليهود لكان كافياً في النفور منه .. ٥ ومن فوائد الآية: علم اليهود، والنصارى أن الإسلام منقبة عظيمة لمتبعه؛ لقوله تعالى: ﴿حسداً﴾؛ لأن الإنسان لا يحسد إلا على شيء يكون خيراً، ومنقبة؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥] .. ٦ ومنها: وجوب الحذر من اليهود، والنصارى؛ ما دام كثير منهم يودون لنا هذا فإنه يجب علينا أن نحذر منهم .. ٧ ومنها: بيان خبث طوية هؤلاء الذين يودون لنا الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿من عند أنفسهم﴾؛ ليس من كتاب، ولا من إساءة المسلمين إليهم؛ ولكنه من عند أنفسهم: أنفس خبيثة تود الكفر للمسلمين حسداً .. ٨ ومنها: أن هؤلاء الذين يودون الكفر للمسلمين قد تبين لهم الحق؛ فلو كانوا جاهلين بأن المسلمين على حق، وقالوا: "لا نريد أن نكون على دين مشكوك فيه" لكان لهم بعض العذر؛ ولكنهم قد تبين لهم الحق، وعلموا أن الرسول ﷺ حق، وأن دينه حق، وأن المؤمنين على حق؛ ومع ذلك فهم يودون هذه المودة، ويسعون بكل سبيل أن يصلوا إلى غايتهم؛ فمن أحب شيئاً سعى في تحصيله؛ فكثير من هؤلاء اليهود والنصارى يسعون بكل ما يستطيعون من قوة مادية، أو أخلاقية، أو غيرهما ليردوا المسلمين بعد الإيمان كفاراً .. ٩ ومن فوائد الآية: مراعاة الأحوال، وتطور الشريعة، حيث قال تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ .. ١٠ ومنها: أن الذم إنما يقع على من تبين له الحق؛ وأما الجاهل فهو معذور بجهله إذا لم يقصر في طلب العلم .. ١١. ومنها: جواز مهادنة الكفار إذا لم يكن للمسلمين قوة .. ١٢ ومنها: إثبات الحكمة لله ، حيث أمر بالعفو، والصفح إلى أن يأتي الله بأمره؛ لأن الأمر بالقتال قبل وجود أسبابه، وتوفر شروطه من القوة المادية والبشرية، ينافي الحكمة .. ١٣ ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله ؛ والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله فعال لما يريد فعلاً يليق بجلاله وعظمته، وما تقتضيه حكمته؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ .. ١٤ ومنها: ثبوت القدرة لله ، وأنها شاملة لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾. ١٥ ومنها: الرد على المعتزلة القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ وإذا كان مستقلاً بعمله لزم من ذلك أن الله لا يقدر على تغييره؛ لأنه إن قدر على تغييره صار العبد غير مستقل .. ١٦ ومنها: بشارة المؤمنين بأن الله سيغير حالهم المقتضية للعفو والصفح، إلى قوة يستطيعون بها جهاد العدو .. ١٧ ومنها: اتباع الحكمة في الدعوة إلى الله بالصبر، والمصابرة حتى يتحقق النصر، وأنْ تعامَل كل حال بما يناسبها. القرآن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠] التفسير:

стр. 860

واشتغلوا -أيها المؤمنون- بأداء الصلاة على وجهها الصحيح، وإعطاء الزكاة المفروضة. واعلموا أنَّ كل خير تقدمونه لأنفسكم تجدون ثوابه عند الله في الآخرة. إنه تعالى بصير بكل أعمالكم، وسيجازيكم عليها. قال أبو حيان: " لما أمر بالعفو والصفح، أمر بالمواظبة على عمودي الإسلام: العبادة البدنية، والعبادة المالية، إذ الصلاة فيها مناجاة الله تعالى والتلذذ بالوقوف بين يديه، والزكاة فيها الإحسان إلى الخلق بالإيثار على النفس، فأمروا بالوقوف بين يدي الحق وبالإحسان إلى الخلق" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، "أي ائتوا بها مستقيمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها" (٢). قال الثعلبي: " أي: "وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها" (٣). قال ابن عطية: " معناه: أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها" (٤). وأخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن في قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة" (٥). وروي عن عطاء بن أبي رباح وقتادة نحو ذلك (٦). وقال الزهري: "إقامتها أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها" (٧). و(إقامة الصلاة): "أداؤها - بحدودها وفروضها والواجب فيها - على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها" (٨)، وكما قال الشاعر (٩): أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، "يعني: وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة" (١٠). قال الطبري: " وإيتاءُ الزكاة، هو أداء الصدقة المفروضة" (١١). قال ابن عثميمين: " أي أعطوا الزكاة" (١٢). واختلف في أصل (الزَّكاة) على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مأخوذة من: زكا الشيء، إذا نما وزاد، قال الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل عن بركة الله تعالى (١٣). قال ابن عطية: "وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه، من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي" (١٤). الثاني: أن (الزَّكاةَ) مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال (١٥).

стр. 861

قال ابن عطية: فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس (١) " (٢). واختار الطبري هذا الوجه، قائلا: " وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان (٣)، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى صلوات الله عليه: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [سورة الكهف: ٧٤]، يعني بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال للرجل: هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى، وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها" (٤). وقال ابن الأثير: وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح فالزكاة طهرة للأموال وزكاة الفطر طهرة للأبدان (٥). وقال ابن عثيمين: " وسميت زكاة؛ لأنها تزكي الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ فهي تزكي الإنسان في أخلاقه، وعقيدته، وتطهره من الرذائل؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد، والكرماء؛ وتكفِّر سيئاته" (٦). قلت: وكل ذلك صحيح في معنى التسمية، فهي تزكي وتنمي المعطي والمعطى والمال الذي أخرجت منه. والثالث: وقيل زكا الفَرْدُ، إذا صارَ زَوْجًا، بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفْعًا. قال الواحدي: "والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين اثنين: زكا، قيل لهما: زكا، لأن الاثنين أكثر من الواحد" (٧)، ثم استشهد بقول الشاعر (٨): إِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا ومنه قول الشاعر (٩): كَانُوا خَسًا أو زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ ... لَمْ يُخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلجُ وقال آخر (١٠):

стр. 862

فَلا خَسًا عَدِيدُهُ وَلا زَكا ... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا والسفا شوك البُهْمَى، والبُهْمى الذي يكون مُدَوَّرًا في السُّلاء، ويعني بقوله: (ولا زكا)، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ، بحدوثه فيهم (١). قال الواحدي: "والأظهر أن أصلها من الزيادة" (٢)، ثم استشهد بقول النابغة (٣): وَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ لَكَ الزَّكاءُ أراد بالزكاء: الزيادة (٤). والزكاة شرعًا: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص (٥)، تعبداً لله . وأما مستحقوا الزكاة: "فقد بينهم الله في سورة براءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] " (٦). قال ابن كثير: " يَحُثُّ تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُودُ عليهم عاقبتُه يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] " (٧). وتعددت أقوال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، على وجهين (٨): أحدهما: إن قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، عموم. والثاني: وقالت فرقة: هو من مجمل القرآن. قال ابن عطية: "والمرجح أن ذلك عموم من وجه ومجمل من وجه، فعموم من حيث الصلاة الدعاء، فحمله على مقتضاه ممكن، وخصصه الشرع بهيئات وأفعال وأقوال، ومجمل من حيث الأوقات، وعدد الركعات والسجدات لا يفهم من اللفظ، بل السامع فيه مفتقر إلى التفسير، وهذا كله في أَقِيمُوا الصَّلاةَ، وأما ﴿الزكاة﴾، فمجملة لا غير" (٩). وقال الرازي: "والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه" (١٠). قال الطبري: "وإنما أمرهم جل ثناؤه في هذا الموضع بما أمرهم به، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم، ليَطَّهروا بذلك من الخطأ الذي سلف منهم في استنصاحهم اليهود، وركون من كان ركن منهم إليهم، وجفاء من كان جفا منهم في خطابه رسول الله ﷺ بقوله: ﴿راعنا﴾، إذْ كانت إقامة الصلوات كفارة للذنوب، وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الآثام، وفي تقديم الخيرات إدراك الفوز برضوان الله" (١١).

стр. 863

قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ [البقرة: ١١٠]، " أي وما تتقربوا إِلى الله من صلاة أو صدقة أو عمل صالح فرضاً كان أو تطوعاً، تجدوا ثوابه عند الله" (١). قال المراغي: " أي وما تعملوا من خير تجدوا جزاءه عند ربكم يوم توفى كل نفس جزاء عملها بالقسطاس المستقيم" (٢). قال الطبري: " يعني: ومهما تعملوا من عمل صالح في أيام حياتكم، فتقدموه قبل وفاتكم ذخرا لأنفسكم في معادكم، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة، فيجازيكم به" (٣). قال سعيد بن جبير: " ﴿ما تقدموا﴾، يعني: ما عملوا من الأعمال من الخير في الدنيا" (٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية، في قوله ﴿تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾، قال: " تجدوا ثوابه عند الله" (٥). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٦). وقال أبو حيان: " لما قدم الأمر بالصلاة والزكاة أتى بهذه الجملة الشرطية عامة لجميع أنواع الخير، فيندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما .. وقد فسر الخير هنا بالزكاة والصدقة، والأظهر العموم" (٧). و(الخير) هو العمل الذي يرضاه الله، وإنما قال: (تجدوه)، والمعنى: تجدوا ثوابه، كما قال الشاعر (٨): وَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ، لا تَلُمْهَا ... رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا وإنما أراد: وسبح أهل المدينة (٩). وقوله تعالى: ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، أي "تجدوه مدّخراً ومعدًّا عند الله، والظرفية هنا المكاتبة ممتنعة، وإنما هي مجاز بمعنى القبل، كما تقول لك: عندي يد، أي في قبلي، أو بمعنى في علم الله نحو: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾، أي في علمه وقضائه، أو بمعنى الاختصاص بالإضافة إلى الله تعالى تعظيماً كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ " (١٠). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠]، "أي إن الله رقيب عليكم مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها يوم الدين" (١١). قال ابن عطية: " خبر في اللفظ، معناه الوعد والوعيد" (١٢). قال ابن كثير: يعني: "أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله" (١٣). قال المراغي: أي: " فهو عالم بجميع أعمالكم كثيرها وقليلها، لا تخفى عليه خافية من أمركم، خيرا كانت أو شرّا وهو مجازيكم عليها. ولا يخفى ما في هذا من الترغيب والترهيب" (١٤).

стр. 864

قال الإمام الطبري: "وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا وعلانية، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرا، وبالإساءة مثلها، وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدا ووعيدا، وأمرا وزجرا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم، ليجدوا في طاعته، إذْ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه، كما قال: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾، وليحذروا معصيته، إذْ كان مطلعا على راكبها، بعد تقدمه إليه فيها بالوعيد عليها، وما أوعد عليه ربنا جل ثناؤه فمنهي عنه، وما وعد عليه فمأمور به" (١). وقال الرازي: " فالله تعالى لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] (٢). وقال أبو حيان: " وكنى بقوله: ﴿بصير﴾ عن علم المشاهد، أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيعه، ومن كان مبصراً لفعلك، لم يخف عليه، هل هو خير أو شر، وأتى بلفظ ﴿بصير﴾ دون (مبصر)، إما لأنه من بصر، فهو يدل على التمكن والسجية في حق الإنسان، أو لأنه فعل للمبالغة بمعنى مفعل، الذي هو للتكثير" (٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر قال: "رأيت رسول الله- ﷺ وهو يقترى هذه الآية: ﴿سميع بصير﴾ يقول: بكل شيء بصير" (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: جوب إقامة الصلاة؛ والصلاة تشمل الفريضة والنافلة؛ ومن إقامة الفرائض كثرة النوافل؛ لأنه جاء في الحديث (٥) أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة؛ ما من إنسان إلا وفي فريضته نقص؛ لكن هذه النوافل تكملها، وترقعها. ٢ - ومنها: وجوب إيتاء الزكاة. يعني لمستحقيها. ٣ - ومنها: أن الصلاة أوكد من الزكاة؛ ولهذا يقدمها الله عليها في الذكر. ٤ - ومنها: أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة من أسباب النصر؛ لأن الله ذكرها بعد قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩]؛ وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]. ٥ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتشاغل بالأهم فالأهم مع الدعوة إلى الله . ٦ - ومنها: أن كل خير يقدمه العبد لربه فإنه سيجد ثوابه عنده. ٧ - ومنها: أن الثواب عام لجميع الأعمال صغيرها، وكبيرها؛ لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ فإنها نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم؛ فأيّ خير قدمته قليلاً كان، أو كثيراً ستجد ثوابه؛ قال الرسول ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (٦).

стр. 865

٨ - ومنها: الترغيب في فعل الخير، حيث إن الإنسان يجد ثوابه عند ربه مدخراً له. وهو أحوج ما يكون إليه. ٩ - ومنها: أن الإنسان إذا قدم خيراً فإنما يقدمه لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾؛ ولهذا ليس له من ماله إلا ما أنفق لله؛ وما أخره فلوارثه .. ١٠ - ومنها: عموم علم الله بكل ما نعمل .. ١١ - ومنها: التحذير من المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾. القرآن ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١] التفسير: ادَّعى كلٌّ من اليهود والنصارى أن الجنة خاصة بطائفته لا يدخلها غيرهم، تلك أوهامهم الفاسدة. قل لهم -أيها الرسول-: أحضروا دليلكم على صحة ما تدَّعون إن كنتم صادقين في دعواكم. في سبب نزول هذه الآية: قال السدي: "نزلت في الذين قالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ أي: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا" (١). وروي عن أبي العالية (٢) ومجاهد (٣) والربيع (٤) نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، " أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقال النصارى لن يدخل الجنة إِلا من كان نصرانياً" (٥). قال الواحدي: " المعنى: أن اليهود قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكنهم أُجملوا، وضم النصارى إلى اليهود في قوله: ﴿وَقَالُوا﴾؛ لأن الفريقين يُقِرَّانِ بالتوراة، كما قال حسان (٦): أمَنْ يهجُو رسولَ اللهِ منكمْ ... ويمدحُه وينصرُه سواءُ تقديره: ومن يمدحه وينصره، إلا أنه لما كان اللفظ واحدًا جُمع مع الأول، يعنى إلى أصل الفعل، وصار كأنه إخبار عن جملة واحدة، وإنما حقيقته عن بعضين مختلفين" (٧). قال الزمخشري: " فلفّ بين القولين، ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كل فريق قوله، وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه. ونحوه ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] " (٨). قال السمين الحلبي: " وقدمت اليهود على النصارى لفظا، لتقدمهم زمانا" (٩).

стр. 866

قال ابن كثير: "يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من، دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة. وردَّ عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة، فقال تعالى ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ (١). قال الطبري: "وعلى الرغم من اختلاف مقالة الفريقين فلقد جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر، وكما هو معلوم بأن اليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك، ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه، فجُمع الفريقان في الخبر عنهما، فقيل: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا (٢). وفي أصل (اليهود) من حيث اللغة، قولان (٣): أحدهما: أن يكون جمع (هائد)، و (الهائد): التائب الراجع إلى الحق (٤). قال ابن جريج: "إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] " (٥). قال الزمخشري: " إن قلت: كيف قيل كان هوداً على توحيد الاسم وجمع الخبر؟ قلت: حمل الاسم على لفظ «من» والخبر على معناه، كقراءة الحسن: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالوا الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] " (٦). والثاني: وقيل هو مصدر، يوصف به الواحد والجمع، كفطر وعدل ورضا. وقال الفراء: إن أصله" (يهوديًّا)، فحذف الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية، وهي فِي قراءة أَبِي وعبد اللَّه: ﴿إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيّا﴾ " (٧). وأما (النصارى) جمع، واحدهم (نصران)، كما واحد السكارى سكران، وواحد النشاوى نشوان، وكذلك جمع كل نعت كان واحده على " فعلان " فإن جمعه على " فعالى "، إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد " النصارى " " نصراني ". وقد حكى عنهم سماعا " نصران " بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٨): تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس وسمع منهم في الأنثى: نصرانة، قال الشاعر (٩):

стр. 867

فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ يقال: أسجد، إذا مال، وقد سمع في جمعهم: أنصار، بمعنى النصارى، قال الشاعر (١): لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا واختلف في سبب تسميتهم بـ (النصارى) على وجوه (٢): أحدها: أنهم سموا (نصارى) لنصرة بعضهم بعضا، وتناصرهم بينهم. والثاني: وقيل إنهم سموا (نصارى)، من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها (ناصرة) قاله ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وابن جريج (٥). الثالث: وقيل: أنهم سموا بذلك، لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الصف: ١٤] (٦). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، " أي: تلك خيالاتهم وأحلامهم" (٧). قال أبو العالية: " أماني تمنوها على الله بغير حق" (٨). وروي عن قتادة (٩)، والربيع (١٠) نحو لك. قال الواحدي: " أي: التي تمنّوْها على الله باطلًا" (١١). قال ابن الجوزي: " أي ذاك شئ يتمنونه وظن يظنونه" (١٢). قال أبو السعود: " الجملةُ معترِضةٌ، مبنية لبطلان ما قالوا، و ﴿تلك﴾ إشارةٌ إليه" (١٣). و(الأماني) جمع أمنية؛ وهي ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه، "والعرب تسمى كل ما لا حجة عليه ولا برهان له تمنيا وغرورا، وضلالا وأحلاما وإسلام الوجه لله هو الانقياد والإخلاص له في العمل بحيث لا يجعل العبد بينه وبين ربه وسطاء يقربونه إليه زلفى، ويقال فلان ليس على شاء من كذا: أي ليس على شاء منه يعتدّ به ويؤبه به" (١٤). قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قيل ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾، وقولهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ أمنية واحدة؟ قلت: أشير بها إلى الأمانى المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردّوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم: أى تلك الأمانى الباطلة أمانيهم" (١٥). والمشار إليه بـ ﴿تلك﴾ [البقرة: ١١٠]، فيه ثلاثة احتمالات (١٦):

стр. 868

أحدها: أنه المقالة المفهومة من: ﴿قالوا لن يدخل﴾، أي: تلك المقالة أمانيهم. قال السمين الحلبي: "، فإن قيل: فكيف أفرد المبتدأ وجمع الخبر؟ فالجواب أن تلك كناية عن المقالة، والمقالة في الأصل مصدر، والمصدر يقع بلفظ الإفراد للمفرد والمثنى والمجموع، فالمراد بـ «تلك» الجمع من حيث المعنى" (١). والثاني: أن يشار بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم. قال السمين الحلبي: "وهذا ليس بظاهر، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء قد كملت وانفصلت واستقلت بالنزول، فيبعد أن يشار إليها" (٢). والثالث: أن يكون على حذف مضاف، أي: أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعا في البطلان مثل أمنيتهم هذه. قال السمين الحلبي: " وفيه قلب الوضع، إذ الأصل أن يكون ﴿تلك﴾ مبتدأ، و ﴿أمانيهم﴾، خبر، فقلب هذا الوضع، إذ قال: إن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه، وفيه أنه متى كان الخبر مشبها به المبتدأ فلا يتقدم الخبر" (٣). قوله تعالى: " ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، "أي قل لهم يا محمد أئتوني بالحجة الساطعة على ما تزعمون" (٤). قال الزمخشري: أي: " هلّموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة" (٥). قال الطبري: أي: "يا محمد، قل للزاعمين أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، دون غيرهم من سائر البشر: ﴿هاتوا برهانكم﴾، على ما تزعمون من ذلك، فنسلم لكم دعواكم" (٦). قال ابن عطية: " أمر محمد ﷺ بدعائهم إلى إظهار البرهان" (٧). قال أبو العالية: " أي حجتكم" (٨).وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع نحو ذلك (٩). وقال قتادة: " بيّنتكم على ذلك، إن كنتم صادقين" (١٠). قال السعدي: " فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة، إلا بحجة وبرهان" (١١). و(البرهان): الحجة (١٢)، أي: الدليل الذي يوقع اليقين، وجمعه براهين، مثل قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين (١٣). وأصل (هَاتُوا)، هاتيوا، حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، يقال في الواحد المذكر: هات، مثل رام، وفي المؤنث: هاتي، مثل رامي (١٤). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، أي: " إِن كنتم صادقين في دعواكم" (١٥).

стр. 869

قال أبو العالية: " ﴿إن كنتم صادقين﴾، بما تقولون إنه كما تقولون" (١). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٢). قال الطبري: أي: " إن كنتم في دعواكم - من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى - محقين" (٣). قال ابن عثيمين: " فهو تحدٍّ، كقوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم﴾ [البقرة: ٩٤، ٩٥]؛ فإذا كانوا صادقين في زعمهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، أو نصارى فليأتوا بالبرهان؛ ولن يأتوا به؛ إذاً يكونون كاذبين" (٤). قال الزمخشري: " وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وأنّ كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت" (٥). قال السعدي: " وهكذا كل من ادعى دعوى، لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان، علم كذبهم بتلك الدعوى" (٦). الفوائد: ١ من فوائد الآية: بيان ما كان عليه اليهود، والنصارى من الإعجاب بما هم عليه من الدين .. ٢ ومنها: تعصب اليهود، والنصارى؛ وتحجيرهم لفضل الله .. ٣ ومنها: أن ما ادعوه كذب؛ لقوله تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾؛ فعلى قول هؤلاء اليهود يكون النصارى، والمسلمون لن يدخلوا الجنة؛ وقد سبق أن قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ثم تخلفوننا فيها؛ وعلى قول النصارى لا يدخل اليهود، ولا المسلمون الجنة؛ أما اليهود فصحيح: فإنهم كفروا بعيسى، وبمحمد؛ ومن كفر بهما فإنه لن يدخل الجنة؛ وأما بالنسبة للمسلمين فغير صحيح؛ بل المسلمون هم أهل الجنة؛ وأما اليهود والنصارى الذين لم يتبعوا رسول الله ﷺ فهم أهل النار؛ لقول النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (٧)؛ فالحاصل أن هذا القول. وهو قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. كذب من الطرفين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾؛ وقال النبي ﷺ : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (٨) " .. ٤ ومن فوائد الآية: أن من اغتر بالأماني، وطمع في المنازل العالية بدون عمل لها ففيه شَبه من اليهود، والنصارى .. ٥ ومنها: عدل الله في مخاطبة عباده، حيث قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾؛ لأن هذا من باب مراعاة الخصم، وأنه إن كان لكم بينة فهاتوها؛ وهذا لا شك من أبلغ ما يكون من العدل؛ وإلا فالحكم لله العلي الكبير .. ٦ ومنها: أن هؤلاء لا برهان لهم على ما ادعَوه بدليل أنهم لم يأتوا به ..

стр. 870

٧ ومنها: أنهم كاذبون؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾؛ ولو كان لهم أدنى حيلة بما يبرر قولهم، ويصدِّقه لأتوا بها. القرآن ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢] التفسير: ليس الأمر كما زعموا أنَّ الجنة تختص بطائفة دون غيرها، وإنما يدخل الجنَّة مَن أخلص لله وحده لا شريك له، وهو متبع للرسول محمد ﷺ في كل أقواله وأعماله. فمن فعل ذلك فله ثواب عمله عند ربه في الآخرة، وهو دخول الجنة، وهم لا يخافون فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. في سبب نزول الآية، ذكر الحافظ ابن حجر، رواية السدي (١)، التي ذكرناها في سبب نزول الآية السابقة (٢)، وعلى قول الحافظ، فلا بد أنهما نزلتا معًا، فتأمل (٣). قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، "أي بلى يدخل الجنة من استسلم وخضع وأخلص نفسه لله" (٤). قال السدي: " أخبرهم أن من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله الآية" (٥). قال البغوي: " أي ليس الأمر كما قالوا، بل الحكم للإسلام وإنما يدخل الجنة من أخلص دينه لله" (٦). قال المراغي: " أي بلى إنه يدخلها من لم يكن هودا ولا نصارى، إذ رحمة الله لا تختصّ بشعب دون شعب" (٧). قال أبو السعود: " أي [من] أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيئاً" (٨). عن أبي العالية: " ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، يقول: من أخلص لله" (٩). وروي عن الربيع (١٠) نحو ذلك. وعن سعيد بن جبير: " ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، قال: من أسلم أخلص وجهه، قال: دينه" (١١). ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل (١٢): وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا يعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له (١٣).

стр. 871

وأصل (الإسلام): الاستسلام والخضوع، لأنه من: استسلمت لأمره، وهو الخضوع لأمره، وإنما سمي المسلم، مسلما، بخضوع جوارحه لطاعة ربه (١). و(إسلام الوجه): هو التذلل لطاعته والإذعان لأمره (٢). قال النسفي: " يعني: جعله سالماً لله خالصاً له" (٣). وقال ابن كثير: أي "من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠] " (٤). قال البغوي: " وخص (الوجه)، لأنه إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه" (٥). وقال الطبري: "وقد خص الله جل ثناؤه بالخبر (الوجه) .. لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه، وهو أعظمها عليه حرمة وحقا، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء، فتضيفه إلى " وجهه " وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه، كقول الأعشى (٦): أَؤُوِّل الحكم على وَجهه ... ليس قضائي بالهوى الجائر يعني بقوله: " على وجهه ": على ما هو به من صحته وصوابه، وكما قال ذو الرمة (٧): فطاوعت همي وانجلى وجه بازل ... من الأمر، لم يترك خِلاجا بُزُولُها يريد: وانجلى البازل من الأمر فتبين، وما أشبه ذلك، إذْ كان حسن كل شيء وقبحه في وجهه، وكان في وصفها من الشيء وجهه بما تصفه به، إبانة عن عين الشيء ونفسه، فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، إنما يعني: بلى من أسلم لله بدنه، فخضع له بالطاعة جسده، وهو محسن في إسلامه له جسده، فله أجره عند ربه، فاكتفى بذكر (الوجه) من ذكر جسده، لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر (الوجه) " (٨). وقد ذكر أبو حيان في سبب تخصيص الوجه في قوله تعالى: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، وجوها (٩): أحدها: أن الوجه هنا يحتمل أن يراد به الجارحة، خص بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء، أو لأنه فيه أكثر الحواس، أو لأنه عبر به عن الذات ومنه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُا﴾.

стр. 872

الثاني: ويحتمل أن يراد به الجهة، والمعنى: أخلص طريقته في الدين لله، وقال مقاتل: أخلص دينه. وقال ابن عباس: أخلص عمله لله. وقيل: قصده. وقيل: فوّض أمره إلى الله تعالى. وقيل: خضع وتواضع (١). قال أبو حيان: "وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضاً" (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، أي" أسلم، والحال أنه محسن" (٣). قال ابن عثيمين: " أي متبع لشريعة الله ظاهراً، وباطناً" (٤). قال الصابوني: " أي وهو مؤمن مصدّقٌ متبعٌ لرسول الله ﷺ " (٥). قال أبو السعود: أي: " والحال أنه محسن في جميع أعماله التي من جملتها، الإسلام المذكور، وحقيقة الإحسان الإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي" (٦). قال الحافظ ابن كثير: "أي: متبع فيه الرسول ﷺ . فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده. والآخر: أن يكون صوابًا موافقا للشريعة " (٧). قال أبو حيان: وقد قيد الزمخشري الإحسان بالعمل (٨)؛ وجعل معنى قوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَه لِلَّهِ﴾: "من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، وهو محسن في عمله" (٩)، فصارت الحال هنا مبينة، إذ من لا يشرك قسمان: محسن في عمله، وغير محسن، وذلك منه جنوح إلى مذهبه الاعتزالي من أن العمل لا بد منه، وأنه بهما يستوجب دخول الجنة، ولذلك فسر قوله: ﴿فَلَهُا أَجْرُهُ﴾ "الذي يستوجبه" (١٠)، وقد فسر رسول الله ﷺ حقيقة الإحسان الشرعي حين سئل عن ماهيته فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١١). وقد فسر هنا الإحسان بالإخلاص، وفسر بالإيمان، وفسر بالقيام بالأوامر، والانتهاء عن المناهي" (١٢). قوله تعالى: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، "أي فله ثواب عمله" (١٣) عند ربه. قال ابن عثيمين: "أي ثوابه؛ وشبَّهه بالأجر؛ لأن الله التزم به للعامل" (١٤). قال أبو حيان: " أي فأجره مستقر له عند ربه" (١٥). قال أبو السعود: أجره" الذي وعده له على عمله وهو عبارة عن دخول الجنة أو عما يدخل هو فيه دخولا أوليا واياما كان فتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه" (١٦). وفي قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]: فإنه أضاف العندية إليه لفائدتين (١٧):

стр. 873

الفائدة الأولى: أنه عظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم؛ ولهذا جاء في حديث أبي بكر الذي علمه الرسولُ ﷺ إياه أنه قال: "فاغفر لي مغفرة من عندك (١) " ... والفائدة الثانية: أن هذا محفوظ غاية الحفظ، ولن يضيع؛ لأنك لا يمكن أن تجد أحداً أحفظ من الله؛ إذاً فلن يضيع هذا العمل؛ لأنه في أمان غاية الأمان، وأضافه إلى وصف الربوبية ليبين كمال عناية الله بالعامل، وإثابته عليه؛ فالربوبية هنا من الربوبية الخاصة. قلت: إن المراد ليس (العندية المكانية)، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا الحفظ كالودائع، بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم، والله تعالى أعلم. وقال أبو السعود: " والعندية للتشريف، ووضع اسم الرب مضافا إلى ضمير ﴿من أسلم﴾، موضع ضمير الجلالة، لإظهار مزيد اللطف به وتقرير مضمون الجملة، أي فله أجره عتد مالكه ومدبر أموره ومبلغه إلى كماله" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، أي: "ولا خوف عليهم في الآخرة ولا يعتريهم حزنٌ أو كدر، بل هم في نعيم مقيم" (٣). عن سعيد بن جبير في قوله: " ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، يعني في الآخرة، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، يعني لا يحزنون للموت" (٤). قال أبو السعود: " ﴿ولا خوف عليهم﴾ في الدارين من لحوق مكروه، ﴿ولا هم يحزنون﴾ من فوات مطلوب أي لايعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لايخافون ولايحزنون" (٥). قال المراغي: " أي إن الذين أسلموا وجوههم لله وأحسنوا العمل لا تساور نفوسهم مخاوف ولا أحزان" (٦). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] على قولين (٧): أحدهما: أنه أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا. والثاني: وقيل: في الآخرة في حال الثواب. والقول الثاني هو الأصح، لأن قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ عام في النفي، وكذلك: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصا في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خاليا عن الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما لأنهم لو جوزوا كونه منقطعا لاعتراهم الحزن العظيم. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، على وجهين (٨): أحدها: قراءة ابن محيصن: ﴿فلا خوف﴾، برفع الفاء من غير تنوين، باختلاف عنه. والثاني: قراءة الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب وغيرهم: ﴿فلا خوف﴾، بالفتح من غير تنوين.

стр. 874

قال المراغي: " والآية ترشد إلى أن الإيمان الخالص لا يكفى وحده للنجاة، بل لا بد أن يقرن بإحسان العمل، وقد جرت سنة القرآن إذا ذكر الإيمان أردفه عمل الصالحات كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٤]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] " (١). قال الفخر الرازي: " فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، وفي سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع "الصابئين" في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك؟ والجواب: لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم والله أعلم" (٢). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين جمعوا بين وصفين؛ الأول: الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿من أسلم وجهه لله﴾؛ والثاني: اتباع شرعه؛ لقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾ .. ٢ ومنها: أن إخلاص النية وحده لا يكفي في تبرير التعبد لله؛ لقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾؛ وعلى هذا فمن قال: إنه يحب الله، ويخلص له وهو منحرف في عبادته فإنه لا يدخل في هذه الآية لاختلال شرط الإحسان .. ويتفرع على هذه الفائدة أن أهل البدع لا ثواب لهم على بدعهم. ولو مع حسن النية.؛ لعدم الإحسان الذي هو المتابعة؛ والأجر مشروط بأمرين: الأول: إسلام الوجه لله؛ والثاني: الإحسان .. ٣ ومن فوائد الآية: الدلالة على الشرطين الأساسيين في العبادة؛ وهما الإخلاص؛ والمتابعة للرسول ﷺ .. ٤ ومنها: ثبوت الأجر في الآخرة، وأن العمل لن يضيع؛ لقوله تعالى: ﴿فله أجره عند ربه﴾ ٥ ومنها: أن الجزاء من جنس العمل .. ٦ ومنها: عظم الثواب؛ لإضافته إلى الله في قوله تعالى: ﴿عند ربه﴾. ٧ ومنها: انتفاء الخوف، والحزن لمن تعبد لله بهذين الوصفين؛ وهما الإخلاص والمتابعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢]. ٨ ومنها: حسن عاقبة المؤمنين بانتفاء الخوف، والحزن عنهم؛ وغير المؤمنين تُملأ قلوبهم رعباً، وحزناً؛ قال تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦]، وقال تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ [مريم: ٣٩] إلى غير ذلك من الآية الدالة على تحسر هؤلاء الذين لم يهتدوا إلى صراط الحميد .. ٩ ومن فوائد الآية: الحث على الإخلاص لله في العبادة، واتباع الشرع فيها؛ لأن الله إنما أخبرنا بهذا الثواب لمن أخلص، واتبع الشريعة من أجل أن نقوم بذلك؛ وليس لمجرد الخبر؛ وهكذا يقال في كل ما أخبر الله به من ثواب على طاعة، أو عقاب على معصية؛ فإنه إنما يراد به الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية. القرآن

стр. 875

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣] التفسير: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين الصحيح، وكذلك قالت النصارى في اليهود وهم يقرؤون التوراة والإنجيل، وفيهما وجوب الإيمان بالأنبياء جميعًا. كذلك قال الذين لا يعلمون من مشركي العرب وغيرهم مثل قولهم، أي قالوا لكل ذي دين: لست على شيء، فالله يفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه مِن أمر الدين، ويجازي كلا بعمله. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: روي عن ابن عباس قال: " لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، إلى قوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ " (١). والثاني: أخرج الطبري عن الربيع قوله: " ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي ﷺ " (٢). وروي عن أبي العالية (٣)، وقتادة (٤)، نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍْ [البقرة: ١١٣]، "أي كفر اليهود بعيسى وقالوا ليس النصارى على دين صحيح معتدٍّ به فدينهم باطل" (٥). قال ابن عثيمين: " يعني على شيء من الدين، وإنما قالت اليهود ذلك؛ لأنهم يكفرون بعيسى، ولا يرون شريعته دينا، وإنها دعوى باطلة على كل تقدير؛ لأن النصارى بلا شك على دين قبل بعثة النبي ﷺ ً" (٦). قال قتادة: " بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا" (٧). قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، "أي وقال النصارى في اليهود مثل ذلك وكفروا بموسى" (٨). قال الشيخ ابن عثيمين: "لأنهم يرون أن الدين الحق ما كانوا عليه، واليهود قد كفروا به، وأما دعوى النصارى في اليهود فحق؛ لأن دينهم نسخ بما جاء به عيسى؛ إذ إنهم يجب عليهم أن يؤمنوا بعيسى؛ فإذا كذبوه لم يكونوا على شيء من الدين؛ بل هم كفار" (٩). قال ابن عطية: " معناه: ادعى كل فريق أنه أحق برحمة الله من الآخر، وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها، لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وصحة نبوته،

стр. 876

وكلاهما تضمن صدق محمد ﷺ ، فعنفهم الله تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا" (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]، " أي والحال أن اليهود يقرءون التوراة والنصارى يقرءون الإِنجيل فقد كفروا عن علمٍ" (٢). قال ابن عباس: " أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به أن تكفر اليهود بعيسى، وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يدي صاحبه" (٣). قال الزمخشري: " أى قالوا ذلك، وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب اللَّه وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدّق للثاني شاهد بصحته، وكذلك كتب اللَّه جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا" (٤). قال المراغي: " أي قالوا ذلك وكتاب كل من الفريقين ينطق بغير ما يعتقدون، فالتوراة تبشر برسول منهم يأتى بعد موسى، لكنهم خالفوها ولم يؤمنوا به، والإنجيل يقول: إنه (المسيح) جاء متمما لناموس موسى لا ناقضا له، وهم قد نقضوه" (٥). قال أبو السعود: " أي قالوا ما قالوا والحال أن كل فريق منهم من أهل العلم والكتاب أي كان حق كل منهم أن يعترف بحقية دين صاحبه حسبما ينطق به كتابه فإن كتب الله تعالى متصادقة" (٦). قال الزجاج: " يعني به أن الفريقين يَتْلُوَان التوراة، وقد وقع يينهم هذا الاختلاف وكتابهم واحد، فدل بهذا على ضلالتهم، وحذر بهذا وقوع الاختلاف في القرآن، لأن اختلاف الفريقين أخرجهما إلى الكفر، فتفهموا هذا المكان فإن فيه حجةً عظيمة وعِظَةً في القرآن" (٧). قال ابن عطية: " وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾، تنبيه لأمة محمد ﷺ على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده، كما قال الحر بن قيس في عمر بن الخطاب، وكان وقافا عند كتاب الله" (٨). قال أبو حيان: " أي وهم عالمون بما في كتبهم، تالون له. وهذا نعي عليهم في مقالتهم تلك، إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وصحة نبوّتهما. وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى ومحمد ﷺ ، إذ كتب الله يصدق بعضها بعضاً. وفي هذا تنبيه لأمّة محمد ﷺ في أن من كان عالماً بالقرآن، يكون واقفاً عنده، عاملاً بما فيه، قائلاً بما تضمنه، لا أن يخالف قوله ما هو شاهد على مخالفته منه، فيكون في ذلك كاليهود والنصارى" (٩). وقال الثعلبي: " وكلا الفريقين يقرءون الكتاب أي لتبين في كتابكم سر الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم ما فيه على أنهم على الباطل" (١٠). قال الإمام الطبري: "إن إنكار كل فريق منهم، إنما كان إنكارا لنبوة النبي ﷺ ، الذي ينتحل التصديق به، وبما جاء به الفريق الآخر، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا ﷺ على شيء من دينه، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد صلى الله عليه

стр. 877

وسلم. وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا ﷺ ، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد ﷺ في الحال التي أنزل الله فيها هذه الآية؟ ولكن معنى ذلك: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها (١). واختلف في (الكتاب) الذي يتلونه على قولين (٢): أحدهما: أنه: التوراة والإنجيل، فالألف واللام للجنس. اختاره الزمخشري (٣)، وهو المشهور. والثاني: وقيل: التوراة، لأن النصارى تمتثلها، فالألف واللام للعهد. قال ابن عثيمين: " والمراد بـ (الْكِتَابَ) الجنس، فيشمل التوراة، والإنجيل (٤). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣]، " أي كذلك قال مشركو العرب مثل قول أهل الكتاب قالوا: ليس محمد على شيء" (٥). قال السدي: " فهم العرب، قالوا: ليس محمد على شيء" (٦). قال المراغي: " أي مثل هذا القول الذي لم يبن على برهان، قال الجهلة من عبدة الأوثان لأهل كل دين: لستم على شاء والحق وراء هذه المزاعم، فهو إيمان خالص وعمل صالح لو عرفه الناس حقّ المعرفة لما تفرقوا ولا اختلفوا فى أصوله، لكنهم تعصبوا لأهوائهم فاختلفوا فيه وتفرّقوا طرائق قددا" (٧). قال الزجاج: " يعني به: الذين ليسوا بأصحاب كتاب، نحو مشركي العرب والمجوس، المعنى أن هؤلاء أيضاً قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا" (٨). قال الزمخشري: " أى مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج قالَ الجهلة الَّذِينَ لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم" (٩). وقال الثعلبي: " ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ يعني آباءهم الّذين مضوا، ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يعني مشركي العرب" (١٠). واختلف في تفسير قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]، على وجوه (١١): أحدها: أنه عنى بذلك مشركي العرب، لأنهم لا كتاب لهم. وهذا قول السدي (١٢)، ومقاتل (١٣)، وهو قول الجمهور (١٤). والثاني: أن المراد: اليهود، وكأنه أعيد قولهم، أي: "قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم". قاله الربيع (١٥)، وعن قتادة (١٦) وأبي العالية (١٧)، مثله.

стр. 878

قال ابن عطية: " وهذا ضعيف" (١). والثالث: أنهم: "أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل". قاله عطاء (٢). والرابع: وقيل أنهم: مشركو قريش (٣). والقول الأول هو الظاهر، والأشبه بالصواب، "لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله: ﴿كذالك قال الذين لا يعلمون﴾ يجب أن يكون غيرهم" (٤). وقال الإمام الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله ﵎ أخبر عن قوم وصفهم بالجهل، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين - أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض ... وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى، ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى، إذْ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي، ولا خبر بذلك عن رسول الله ﷺ ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض" (٥). قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]، أي فالله "يحكم بين اليهود والنصارى، ويفصل بينهم بقضائه العادل فيما اختلفوا فيه من أمر الدين" (٦). قال الطبري: " فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا" (٧). قال ابن عطية: " بأن يثيب من كان على شيء، أي شيء حق، ويعاقب من كان على غير شيء" (٨). قال الزمخشري: " بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه" (٩). قال المراغي: " فهو العليم بما عليه كل فريق من حقّ أو باطل، فيحقّ الحق ويجعل أهله في النعيم ويبطل الباطل، ويلقى أهله فى سواء الجحيم" (١٠). قال الزجاج: " يريهم من يدخل الجنة عِياناً، ويدخل النار عيانا، وهذا هو حكم الفصل فيما تصير إليه كل فرقة، فأما الحكم بينهم في العقيدة فقد بينه اللَّه فيما أظهر من حجج المسلمين، وفي عجز الخلق عن أن يأتوا بمثل القرآن" (١١). و﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، هو اليوم الذي يبعث فيه الناس؛ وسمي بذلك لأمور ثلاثة (١٢): أحدها: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين. قاله الطبري (١٣)، وابن عطية (١٤). والثاني: ولأنه يقوم فيه الأشهاد. والثالث: ولأنه يقام فيه العدل.

стр. 879

واختلف في قوله تعالى: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١١٣]، على أربعة أوجه (١): أحدها: أن "حكم اللَّه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. قاله الحسن (٢). وثانيها؛ حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، فيقسم لكل فريق مايليق به من العقاب. وثالثها: يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا، وهو قول الزجاج (٣). ورابعها: يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه. قال أبو حيان: " وكلها أقوال متقاربة" (٤). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الأمم الكافرة يكفِّر بعضها بعضاً؛ فهم أعداء بعضهم لبعض من جهة؛ وأولياء بعضهم لبعض من جهة أخرى: بالنسبة لنا هم بعضهم لبعض وليّ؛ وبالنسبة لما بينهم بعضهم لبعض عدو؛ فالإسلام عدو مشترك لليهودية، والنصرانية، وسائر الكفار؛ فيجب أن يتولى بعضنا بعضاً .. ٢ ومنها: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾؛ فهذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه، حيث قالوا ذلك وهم يتلون الكتاب، ويعرفون الحق؛ فالنصارى تتلو التوراة، وتعرف أن اليهود تدين بالتوراة. وهم على دين صحيح قبل بعثة عيسى.؛ واليهود أيضاً يتلون الإنجيل، ويعرفون أن عيسى حق؛ لكنهم كفروا استكباراً؛ ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحاً من الذي ينكر الحق مع الجهل به؛ لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر الحق للجهل به؛ ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل؛ لكن العالم لا عذر له. ٣ ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة؛ ولأهميته يقرنه الله كثيراً بالإيمان به . ٤ ومنها: إثبات الحكم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم﴾؛ وحكم الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، وكوني، وجزائي؛ فالشرعي: مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ والكوني: مثل قوله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠]؛ والجزائي: مثل هذه الآية: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والحكم الجزائي هو ثمرة الحكم الشرعي؛ لأنه مبني عليه: إن خيراً فخير؛ وإن شراً فشر؛ هذا الحكم يوم القيامة بين الناس إما بالعدل؛ أو بالفضل؛ ولا يمكن أن يكون بالظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً" (٥)؛ هذا بالنسبة لحقوق الله؛ أما بالنسبة لحقوق الخلق فيما بينهم فيقضى بينهم بالعدل. فإذا قال قائل: إذا كان الله تعالى يجزي المؤمنين بالفضل، فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ [يونس: ٤]؟ فالجواب: أن هذا هو الذي أوجبه الله على نفسه؛ والفضل زيادة؛ والمقام مقام تحذير. ٥ ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اختلفوا في الحق، والباطل، سوف يكون القضاء بينهم يوم القيامة بين يدي الله ؛ فيجزي صاحب الحق بعمله، ويجزي صاحب الباطل بعمله؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾، وقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١]؛ ولهذا لا يوجد حكم يبين للخصم أن الحق له دون خصمه إلا في هذا؛

стр. 880

فالقاضي مثلاً لا يقول لأحد الخصمين: "لن يكون لخصمك سبيل عليك" حتى يتبين، ويأتي كلٌّ بحجته؛ لكن هنا بيّن الله أن الكافرين ليس لهم سبيل على المؤمنين؛ لأن الحجة واضحة للجميع. القرآن ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤] التفسير: لا أحد أظلم من الذين منعوا ذِكْرَ الله في المساجد من إقام الصلاة، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، وجدُّوا في تخريبها بالهدم أو الإغلاق، أو بمنع المؤمنين منها. أولئك الظالمون ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا على خوف ووجل من العقوبة، لهم بذلك صَغار وفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد. اختلفوا في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: أنها: "نزلت في طيطوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف". وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (١). والثاني: أنها نزلت في" بختنصر وأصحابه، غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم" (٢). قاله قتادة (٣)، والسدي (٤). الثالث: وأخرج ابن أبي حاتم " عن مجاهد: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه" (٥).ونحوه في رواية محمد بن سعيد عن ابن عباس (٦). الرابع: وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أن قريشا منعوا النبي- ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل الله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ " (٧). وروي عن ابن زيد (٨) مثله. والراجح، أن الله تعالى عنى بقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، النصارى. "وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده" (٩). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، أي: "وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها" (١٠). قال الصابوني: " استنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أي لا أحد أظلم ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله، وعمل لخرابها بالهدم كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة كما فعل كفار قريش" (١١).
следующие страницы →