← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وكلاهما تضمن صدق محمد ﷺ ، فعنفهم الله تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا" (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]، " أي والحال أن اليهود يقرءون التوراة والنصارى يقرءون الإِنجيل فقد كفروا عن علمٍ" (٢). قال ابن عباس: " أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به أن تكفر اليهود بعيسى، وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يدي صاحبه" (٣). قال الزمخشري: " أى قالوا ذلك، وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب اللَّه وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدّق للثاني شاهد بصحته، وكذلك كتب اللَّه جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا" (٤). قال المراغي: " أي قالوا ذلك وكتاب كل من الفريقين ينطق بغير ما يعتقدون، فالتوراة تبشر برسول منهم يأتى بعد موسى، لكنهم خالفوها ولم يؤمنوا به، والإنجيل يقول: إنه (المسيح) جاء متمما لناموس موسى لا ناقضا له، وهم قد نقضوه" (٥). قال أبو السعود: " أي قالوا ما قالوا والحال أن كل فريق منهم من أهل العلم والكتاب أي كان حق كل منهم أن يعترف بحقية دين صاحبه حسبما ينطق به كتابه فإن كتب الله تعالى متصادقة" (٦). قال الزجاج: " يعني به أن الفريقين يَتْلُوَان التوراة، وقد وقع يينهم هذا الاختلاف وكتابهم واحد، فدل بهذا على ضلالتهم، وحذر بهذا وقوع الاختلاف في القرآن، لأن اختلاف الفريقين أخرجهما إلى الكفر، فتفهموا هذا المكان فإن فيه حجةً عظيمة وعِظَةً في القرآن" (٧). قال ابن عطية: " وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾، تنبيه لأمة محمد ﷺ على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده، كما قال الحر بن قيس في عمر بن الخطاب، وكان وقافا عند كتاب الله" (٨). قال أبو حيان: " أي وهم عالمون بما في كتبهم، تالون له. وهذا نعي عليهم في مقالتهم تلك، إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وصحة نبوّتهما. وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى ومحمد ﷺ ، إذ كتب الله يصدق بعضها بعضاً. وفي هذا تنبيه لأمّة محمد ﷺ في أن من كان عالماً بالقرآن، يكون واقفاً عنده، عاملاً بما فيه، قائلاً بما تضمنه، لا أن يخالف قوله ما هو شاهد على مخالفته منه، فيكون في ذلك كاليهود والنصارى" (٩). وقال الثعلبي: " وكلا الفريقين يقرءون الكتاب أي لتبين في كتابكم سر الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم ما فيه على أنهم على الباطل" (١٠). قال الإمام الطبري: "إن إنكار كل فريق منهم، إنما كان إنكارا لنبوة النبي ﷺ ، الذي ينتحل التصديق به، وبما جاء به الفريق الآخر، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا ﷺ على شيء من دينه، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد صلى الله عليه

стр. 877

وسلم. وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا ﷺ ، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد ﷺ في الحال التي أنزل الله فيها هذه الآية؟ ولكن معنى ذلك: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها (١). واختلف في (الكتاب) الذي يتلونه على قولين (٢): أحدهما: أنه: التوراة والإنجيل، فالألف واللام للجنس. اختاره الزمخشري (٣)، وهو المشهور. والثاني: وقيل: التوراة، لأن النصارى تمتثلها، فالألف واللام للعهد. قال ابن عثيمين: " والمراد بـ (الْكِتَابَ) الجنس، فيشمل التوراة، والإنجيل (٤). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣]، " أي كذلك قال مشركو العرب مثل قول أهل الكتاب قالوا: ليس محمد على شيء" (٥). قال السدي: " فهم العرب، قالوا: ليس محمد على شيء" (٦). قال المراغي: " أي مثل هذا القول الذي لم يبن على برهان، قال الجهلة من عبدة الأوثان لأهل كل دين: لستم على شاء والحق وراء هذه المزاعم، فهو إيمان خالص وعمل صالح لو عرفه الناس حقّ المعرفة لما تفرقوا ولا اختلفوا فى أصوله، لكنهم تعصبوا لأهوائهم فاختلفوا فيه وتفرّقوا طرائق قددا" (٧). قال الزجاج: " يعني به: الذين ليسوا بأصحاب كتاب، نحو مشركي العرب والمجوس، المعنى أن هؤلاء أيضاً قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا" (٨). قال الزمخشري: " أى مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج قالَ الجهلة الَّذِينَ لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم" (٩). وقال الثعلبي: " ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ يعني آباءهم الّذين مضوا، ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يعني مشركي العرب" (١٠). واختلف في تفسير قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]، على وجوه (١١): أحدها: أنه عنى بذلك مشركي العرب، لأنهم لا كتاب لهم. وهذا قول السدي (١٢)، ومقاتل (١٣)، وهو قول الجمهور (١٤). والثاني: أن المراد: اليهود، وكأنه أعيد قولهم، أي: "قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم". قاله الربيع (١٥)، وعن قتادة (١٦) وأبي العالية (١٧)، مثله.

стр. 878

قال ابن عطية: " وهذا ضعيف" (١). والثالث: أنهم: "أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل". قاله عطاء (٢). والرابع: وقيل أنهم: مشركو قريش (٣). والقول الأول هو الظاهر، والأشبه بالصواب، "لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله: ﴿كذالك قال الذين لا يعلمون﴾ يجب أن يكون غيرهم" (٤). وقال الإمام الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله ﵎ أخبر عن قوم وصفهم بالجهل، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين - أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض ... وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى، ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى، إذْ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي، ولا خبر بذلك عن رسول الله ﷺ ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض" (٥). قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]، أي فالله "يحكم بين اليهود والنصارى، ويفصل بينهم بقضائه العادل فيما اختلفوا فيه من أمر الدين" (٦). قال الطبري: " فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا" (٧). قال ابن عطية: " بأن يثيب من كان على شيء، أي شيء حق، ويعاقب من كان على غير شيء" (٨). قال الزمخشري: " بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه" (٩). قال المراغي: " فهو العليم بما عليه كل فريق من حقّ أو باطل، فيحقّ الحق ويجعل أهله في النعيم ويبطل الباطل، ويلقى أهله فى سواء الجحيم" (١٠). قال الزجاج: " يريهم من يدخل الجنة عِياناً، ويدخل النار عيانا، وهذا هو حكم الفصل فيما تصير إليه كل فرقة، فأما الحكم بينهم في العقيدة فقد بينه اللَّه فيما أظهر من حجج المسلمين، وفي عجز الخلق عن أن يأتوا بمثل القرآن" (١١). و﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، هو اليوم الذي يبعث فيه الناس؛ وسمي بذلك لأمور ثلاثة (١٢): أحدها: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين. قاله الطبري (١٣)، وابن عطية (١٤). والثاني: ولأنه يقوم فيه الأشهاد. والثالث: ولأنه يقام فيه العدل.

стр. 879

واختلف في قوله تعالى: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١١٣]، على أربعة أوجه (١): أحدها: أن "حكم اللَّه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. قاله الحسن (٢). وثانيها؛ حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، فيقسم لكل فريق مايليق به من العقاب. وثالثها: يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا، وهو قول الزجاج (٣). ورابعها: يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه. قال أبو حيان: " وكلها أقوال متقاربة" (٤). الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن الأمم الكافرة يكفِّر بعضها بعضاً؛ فهم أعداء بعضهم لبعض من جهة؛ وأولياء بعضهم لبعض من جهة أخرى: بالنسبة لنا هم بعضهم لبعض وليّ؛ وبالنسبة لما بينهم بعضهم لبعض عدو؛ فالإسلام عدو مشترك لليهودية، والنصرانية، وسائر الكفار؛ فيجب أن يتولى بعضنا بعضاً .. ٢ ومنها: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾؛ فهذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه، حيث قالوا ذلك وهم يتلون الكتاب، ويعرفون الحق؛ فالنصارى تتلو التوراة، وتعرف أن اليهود تدين بالتوراة. وهم على دين صحيح قبل بعثة عيسى.؛ واليهود أيضاً يتلون الإنجيل، ويعرفون أن عيسى حق؛ لكنهم كفروا استكباراً؛ ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحاً من الذي ينكر الحق مع الجهل به؛ لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر الحق للجهل به؛ ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل؛ لكن العالم لا عذر له. ٣ ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة؛ ولأهميته يقرنه الله كثيراً بالإيمان به . ٤ ومنها: إثبات الحكم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم﴾؛ وحكم الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، وكوني، وجزائي؛ فالشرعي: مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ والكوني: مثل قوله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠]؛ والجزائي: مثل هذه الآية: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والحكم الجزائي هو ثمرة الحكم الشرعي؛ لأنه مبني عليه: إن خيراً فخير؛ وإن شراً فشر؛ هذا الحكم يوم القيامة بين الناس إما بالعدل؛ أو بالفضل؛ ولا يمكن أن يكون بالظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً" (٥)؛ هذا بالنسبة لحقوق الله؛ أما بالنسبة لحقوق الخلق فيما بينهم فيقضى بينهم بالعدل. فإذا قال قائل: إذا كان الله تعالى يجزي المؤمنين بالفضل، فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ [يونس: ٤]؟ فالجواب: أن هذا هو الذي أوجبه الله على نفسه؛ والفضل زيادة؛ والمقام مقام تحذير. ٥ ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اختلفوا في الحق، والباطل، سوف يكون القضاء بينهم يوم القيامة بين يدي الله ؛ فيجزي صاحب الحق بعمله، ويجزي صاحب الباطل بعمله؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾، وقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١]؛ ولهذا لا يوجد حكم يبين للخصم أن الحق له دون خصمه إلا في هذا؛

стр. 880

فالقاضي مثلاً لا يقول لأحد الخصمين: "لن يكون لخصمك سبيل عليك" حتى يتبين، ويأتي كلٌّ بحجته؛ لكن هنا بيّن الله أن الكافرين ليس لهم سبيل على المؤمنين؛ لأن الحجة واضحة للجميع. القرآن ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤] التفسير: لا أحد أظلم من الذين منعوا ذِكْرَ الله في المساجد من إقام الصلاة، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، وجدُّوا في تخريبها بالهدم أو الإغلاق، أو بمنع المؤمنين منها. أولئك الظالمون ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا على خوف ووجل من العقوبة، لهم بذلك صَغار وفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد. اختلفوا في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: أنها: "نزلت في طيطوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف". وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (١). والثاني: أنها نزلت في" بختنصر وأصحابه، غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم" (٢). قاله قتادة (٣)، والسدي (٤). الثالث: وأخرج ابن أبي حاتم " عن مجاهد: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه" (٥).ونحوه في رواية محمد بن سعيد عن ابن عباس (٦). الرابع: وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أن قريشا منعوا النبي- ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل الله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ " (٧). وروي عن ابن زيد (٨) مثله. والراجح، أن الله تعالى عنى بقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، النصارى. "وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده" (٩). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، أي: "وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها" (١٠). قال الصابوني: " استنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أي لا أحد أظلم ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله، وعمل لخرابها بالهدم كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة كما فعل كفار قريش" (١١).

стр. 881

و (المساجد): جمع مَسجِد، إن أُريد به المكان المخصوص المُعَدّ للصلوات الخمس، وإن أُريد به موضع سجود الجبهة، فإنه بالفتح لا غير (مَسجَد) (١). و(المسجد) لغة: الموضع الذي يسجد فيه، ثم اتّسع المعنى إلى البيت المُتّخذ لاجتماع المسلمين لأداء الصلاة فيه، قال الزركشي ﵀: "ولَمّا كان السجود أشرف أفعال الصلاة، لقرب العبد من ربه، اشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركع، ثم إن العُرف خصص المسجد بالمكان المهيّأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المُصلّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يُعطى حكمه" (٢). و(المسجد) في الاصطلاح الشرعي: المكان الذي أُعِدّ للصلاة فيه على الدّوام (٣)، وأصل المسجد شرعًا: كل موضع من الأرض يُسجد لله فيه (٤)؛ لحديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ : " ... وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة، فليصلِّ" (٥)، وهذا من خصائص نبيّنا ﷺ وأمّته، وكانت الأنبياء قبله إنما أُبيحت لهم الصلاة في مواضع مخصصة: كالبِيَع والكنائس (٦). وقد ثبت في حديث أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ... وأينما أدركتك الصلاة فصلِّ، فهو مسجد" (٧). قال الإمام النووي ﵀: "فيه جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما استثناه الشرع من الصلاة: في المقابر، وغيرها من المواضع التي فيها النجاسة: كالمزبلة، والمجزرة، وكذا ما نُهِيَ عنه لمعنى آخر: فمن ذلك أعطان الإبل، ... ومنه قارعة الطريق، والحمام، وغيرها؛ لحديث ورد فيها" (٨). أما (الجامع): فهو نعت للمسجد، سمّي بذلك؛ لأنه يجمع أهله؛ ولأنه علامة للاجتماع، فيقال: المسجد الجامع، ويجوز: (مسجد الجامع) بالإضافة، بمعنى: مسجد اليوم الجامع (٩)، ويقال للمسجد الذي تُصلَّى فيه الجمعة، وإن كان صغيرًا؛ لأنه يجمع الناس في وقت معلوم. وفي الآية الكريمة أضاف الله تعالى المساجد إلى نفسه إضافة تشريف، وفضل، وكقوله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، مع أن جميع البقاع وما فيها ملك لله ، فهو خالق كل شيء ومالكه، ولكن المساجد لها ميزة وشرف؛ لأنها تختص بكثير من العبادات، والطاعات، والقربات، فليست المساجد لأحد سوى الله، كما أن العبادة التي كلف الله بها عباده لا يجوز أن تصرف لأحد سواه (١٠)، ومن هذه الإضافة ما أضافه النبي ﷺ إلى الله إضافة

стр. 882

تشريف بقوله ﷺ : "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده" (١). وفي قوله تعالى: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وجهان من التفسير (٢): أحدهما: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه، فتكون " أن " حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض، وتعلق الفعل بها. والثاني: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده، فتكون " أن " حينئذ في موضع نصب، تكريرا على موضع المساجد وردا عليه. وأصل السعي في اللغة: "الإسراع في المشي، قال الله : ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]. ثم يسمّى المشيُ سعيًا، كقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، يعنى المشي، وقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي: امشوا، وقال ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: مشيًا. ثم يسمى العمل سعيًا، لأنه لا ينفك من السعي في غالب الأمر، قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وقال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: ٥١] أي: جدّوا في ذلك، وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]، أي: عملكم مختلف" (٣). قال الواحدي: "وأراد بالسعي في هذه الآية: العمل" (٤). وقوله ﴿وَسَعَى﴾ [البقرة: ١١٤]، أي: اجتهد وبذل وسعه (فِي خَرَابِهَا) الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش، حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محادة لله، ومشاقة، فجازاهم الله، بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا، إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله، لم يلبث رسول الله ﷺ إلا يسيرا، حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وأصحاب الفيل، قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى، سلط الله عليهم المؤمنين، فأجلوهم عنه، وهكذا كل من اتصف بوصفهم، فلا بد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة، أخبر بها الباري قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر، وقد واستدل العلماء بالآية الكريمة، على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد" (٥). وقد أجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية (٦). وفي الذي ﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، أربعة أقاويل (٧): أحدها: أنه بُخْتَ نصر وأصحابه من المجوس الذين خربوا بيت المقدس، وهذا قول قتادة (٨). والثاني: أنهم النصارى الذين أعانوا (بُخْتَ نَصّر) على خرابه، وهذا قول السدي (٩)، واختاره الطبري (١٠).

стр. 883

والثالث: أنهم مشركو قريش، منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام عام الحديبية، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (١)، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (٢). والرابع: أنه عَامٌّ في كل مشرك، منع من كل مسجد. الخامس: وقال أبو مسلم: "المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، واستشهد بقوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم * عند المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٥] وبقوله: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٤] وحمل قوله: ﴿إلا خائفين﴾ بما يعلى الله من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦١) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] " (٣). السادس: وقال الرازي: " لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول ﷺ لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه" (٤). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، "أي ما ينبغي لأولئك أن يدخلوها إِلا وهم في خشية وخضوع، فضلاً عن التجرؤ على تخريبها أو تعطليها" (٥). قال المراغي: " أي أولئك المانعون ما كان ينبغى لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع، فكيف بهم دخلوها مفسدين ومخرّبين، فما كانت عبادة الله إلا نافعة للبشر، وما كان تركها إلا ضارّا لهم" (٦). قال أبو السعود: " أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن الاجتراء على تخريبها أوتعطيلها أوما كان الحق أن يدخلوها إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من جهة المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوهم منها أو ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه بالآخرة إلا ذلك فيكون وعدا للمؤمنين بالنصرة واستخلاص ما استولوا عليه منهم وقد أنجز الوعد ولله الحمد" (٧). قال النسفي: " أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها" (٨). وقال الواحدي: " أعلم الله أن أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم، حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا، وهذا كقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]. الآية" (٩). وقيل: "معناه النهى عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه، كقوله: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] " (١٠).

стр. 884

قال ابن كثير: " أي لا تُمَكِّنوا هؤلاء - إذا قَدَرُتم عليهم - من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية. ولهذا لما فتح رسولُ الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: "ألا لا يَحُجَّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته" (١)، وهذا كان تصديقًا وعملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة: ٢٨] " (٢). قال الزمخشري: " وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد: فجوّزه أبو حنيفة ﵀، ولم يجوّزه مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره" (٣). قال الطبري: "خبر من الله تعالى عمن"منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها، ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله فيها، ما داموا على مناصبة الحرب، إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها" (٤). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، قولان (٥): أحدهما: خائفين بأداء الجزية، وهذا قول السدي (٦). والثاني: خائفين من الرعب، إن قُدر عليهم عوقبوا، وهذا قول قتادة (٧). قال ابن كثير: " والصحيح، أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة" (٨). ثم ذكر الحديث (٩). وذكر الشيخ ابن عثيمين: في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، ثلاثة معان: الأول: ما كان ينبغي لهؤلاء أن يدخلوها إلا خائفين فضلاً عن أن يمنعوا عباد الله؛ لأنهم كافرون بالله ؛ فليس لهم حق أن يدخلوا المساجد إلا خائفين. الثاني: أن هذا خبر بمعنى النهي؛ يعني: لا تدعوهم يدخلوها - إذا ظهرتم عليهم - إلا خائفين. الثالث: أنها بشارة من الله أن هؤلاء الذين منعوا المساجد - ومنهم المشركون الذين منعوا النبي ﷺ المسجد الحرام - ستكون الدولة عليهم، ولا يدخلونها إلا وهم ترجف قلوبهم (١٠). قوله تعالى: ﴿لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، "أي لأولئك المذكورين هوانّ وذلة في الدنيا" (١١). قال أبو السعود: " أي خزي فظيع لا يوصف بالقتل والسبي والإذلال بضرب الجزية عليهم" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي ذل، وعار" (١٣). قال السعدي: " أي: فضيحة" (١٤).

стр. 885

قال المراغي: " وقد تحقق ما أوعد به الله فحلّ بالرومانيين الخزي في الدنيا فتقسمت دولتهم، وتشتت ملكهم، ولحقهم الذلّ والهوان على يد غيرهم من الأمم القوية الفاتحة" (١). وفي قوله تعالى: ﴿لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، ثلاثة أوجه (٢): أحدهما: أنه قتل الحربي وجزية الذمي. قاله قتادة (٣). والثاني: أنه فتح مدائنهم عمورية، وقسطنطينية، ورومية، وهذا قول ابن عباس (٤)، وروي عن السدي (٥) وعكرمة (٦)، ووائل بن داود (٧)، نحو ذلك. والثالث: وقيل: ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد. قلت: إن كل ذلك محتمل، لكون الخزي يجري مجرى القوبة والهوان والإذلال. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ في الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، أي: ولهم في الآخرة "عذاب النار" (٨). قال ابن عثيمين: "أي عقوبة عظيمة" (٩). قال البغوي: أي: "النار" (١٠). قال الماوردي: " هو أشد من كل عذاب، لأنهم أظلم من كل ظالم" (١١) قال الطبري: " وأما (العذاب العظيم)، فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا" (١٢). قال القاسمي: وذلك" لما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه، من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله، والطواف به عريا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله" (١٣). قال السعدي: " وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها، فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وللمساجد أحكام كثيرة، يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة" (١٤). وفي كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال: تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم: كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال: جرى ذكر مشركي العرب في قوله: ﴿كذالك قال الذين * قبلهم مثل قولهم﴾ [البقرة: ١١٣]، وقيل: جرى ذكر جميع الكفار وذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين (١٥).

стр. 886

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن المعاصي تختلف قبحاً؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾؛ و ﴿أظلم﴾ اسم تفضيل؛ واسم التفضيل يقتضي مفضَّلاً، ومفضَّلاً عليه؛ وكما أن المعاصي تختلف، فكذلك الطاعات تختلف: بعضها أفضل من بعض؛ وإذا كانت الأعمال تختلف فالعامل نتيجة لها يختلف؛ فبعض الناس أقوى إيماناً من بعض؛ وبهذا نعرف أن القول الصحيح قول أهل السنة، والجماعة في أن الإيمان يزيد، وينقص، والناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً لا في الكسب القلبي، ولا في الكسب البدني: فإن الناس يتفاوتون في اليقين؛ ويتفاوتون في الأعمال الظاهرة من قول أو فعل. يتفاوتون في اليقين: فإن الإنسان نفسه تتفاوت أحواله بين حين وآخر؛ في بعض الأحيان يصفو ذهنه وقلبه حتى كأنما يشاهد الآخرة رأي عين؛ وفي بعض الأحيان تستولي عليه الغفلة، فيَقِلُّ يقينه؛ ولهذا قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ وتفاوت الناس في العلم، واليقين أمر معلوم: فلو أتى رجل، وقال: «قدم فلان» - والرجل ثقة عندي - صار عندي علم بقدومه؛ فإذا جاء آخر، وقال: «قدم فلان» ازداد علمي؛ فإذا جاء الثالث ازداد علمي أكثر؛ فإذا رأيتُه ازداد علمي؛ فالأمور العلمية تتفاوت في إدراك القلوب لها. أيضاً يتفاوت الناس في الأقوال: فالذي يسبِّح الله عشر مرات أزيد إيماناً ممن يسبِّحه خمس مرات؛ وهذه زيادة كمية الإيمان؛ كذلك يتفاوت الناس في الأعمال من حيث جنس العمل: فالمتعبد بالفريضة أزيد إيماناً من المتعبد بالنافلة؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»؛ فبهذا يكون القول الصواب بلا ريب قول أهل السنة، والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص (١). ٢ - ومن فوائد الآية: جواز منع دخول المساجد لمصلحة؛ لقوله تعالى: ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾؛ ومنع مساجد الله له أسباب؛ فتارة تمنع المساجد من أن تمتهن فرشها، أو أرضها، أو كتبها، أو مصاحفها؛ فتغلَّق الأبواب حماية لها؛ وتارة تغلق أبوابها خوفاً من الفتنة، كما لو اجتمع فيها قوم لإثارة الفتن، والتشويش على العامة؛ فتغلق منعاً لهؤلاء من الاجتماع؛ وتارة تغلق لترميمها، وإصلاحها؛ وتارة تغلق خوفاً من سرقة ما فيها؛ ففي كل هذه الصور إغلاقها مباح، أو مطلوب. ٣ - ومنها: تحريم منع المساجد من أن يذكر فيها اسم الله سواء كان ذكر الله: صلاة، أو قراءة للقرآن، أو تعليماً للعلم، أو غير ذلك. وأخذ بعض العلماء من هذه الآية: تحريم التحجر؛ وهو أن يضع شيئاً في الصف، فيمنع غيره من الصلاة فيه، ويخرج من المسجد؛ قالوا: لأن هذا منع المكان الذي تحجره بالمسجد أن يذكر فيه اسم الله؛ لأن هذا المكان أحق الناس به أسبق الناس إليه؛ وهذا قد منع من هو أحق بالمكان منه أن يذكر فيه اسم الله؛ وهذا مأخذ قوي؛ ولا شك أن التحجر حرام: أن الإنسان يضع شيئاً، ويذهب، ويبيع، ويشتري، ويذهب إلى بيته يستمتع بأولاده، وأهله؛ وأما إذا كان الإنسان في نفس المسجد فلا حرج أن يضع ما يحجز به المكان بشرط ألا يتخطى الرقاب عند الوصول إليه، أو تصل إليه الصفوف؛ فيبقى في مكانه؛ لأنه حينئذ يكون قد شغل مكانين. ٤ - ومن فوائد الآية: شرف المساجد؛ لإضافتها إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿مساجد الله﴾؛ والمضاف إلى الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون أوصافاً؛ أو أعياناً؛ أو ما يتعلق بأعيان مخلوقة؛ فإذا كان المضاف إلى الله وصفاً فهو من صفاته غير مخلوق، مثل كلام الله، وعلم الله؛ وإذا كان المضاف إلى الله عيناً قائمة بنفسها فهو مخلوق وليس من صفاته، مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله؛ فهذه أعيان قائمة بنفسها إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق لخالقه على وجه التشريف؛ ولا شيء من المخلوقات يضاف إلى الله إلا لسبب خاص به؛ ولولا هذا السبب ما خص بالإضافة؛ وإذا كان المضاف إلى الله ما يتعلق بأعيان مخلوقة فهو أيضاً

стр. 887

مخلوق؛ وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]؛ فإن الروح هنا مخلوقة؛ لأنها تتعلق بعين مخلوقة. ٥ - ومن فوائد الآية: أن المصلَّيات التي تكون في البيوت، أو الدوائر الحكومية لا يثبت لها هذا الحكم؛ لأنها مصلَّيات خاصة؛ فلا يثبت لها شيء من أحكام المساجد. ٦ - ومنها: أنه لا يجوز أن يوضع في المساجد ما يكون سبباً للشرك؛ لأن ﴿مساجد الله﴾ معناها موضع السجود له؛ فإذا وضع فيها ما يكون سبباً للشرك فقد خرجت عن موضوعها، مثل أن نقبر فيها الموتى؛ فهذا محرم؛ لأن هذا وسيلة إلى الشرك. ٧ - ومنها: وجوب تطهير المساجد؛ وهذا مأخوذ من إضافتها إلى الله تلك الإضافة القاضية بتشريفها، وتعظيمها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركَّع السجود﴾. ٨ - ومنها: أن الناس فيها سواء؛ لأن الله تعالى أضافها إلى نفسه: ﴿مساجد الله﴾؛ والناس عباد الله - بالنسبة إلى الله في المسجد سواء -؛ فكل من أتى إلى هذه المساجد لعبادة الله فإنه لا فرق بينه وبين الآخرين. وهنا نقول: إن للعالِم الحق أن يتخذ مكاناً يجعله لإلقاء الدرس، وتعليم الناس؛ لكنه إذا أقيمت الصلاة لا يمنع الناس - هو، وغيره سواء -. ٩ - ومنها: أن ذكر الله لا بد أن يكون باسمه، فتقول: لا إله إلا الله؛ سبحان الله؛ سبحان ربك رب العزة عما يصفون؛ سبحان ربي العظيم؛ فالذكر باللسان لا يكون إلا باسم الله؛ أما ذكر القلب فيكون ذكراً لله، وذكراً لأسمائه؛ فقد يتأمل الإنسان في قلبه أسماء الله، ويتدبر فيها، ويكون ذكراً للاسم؛ وقد يتأمل في أفعال الله ، ومخلوقاته، وأحكامه الشرعية. ١٠ - ومن فوائد الآية: تحريم تخريب المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وسعى في خرابها﴾؛ ويشمل الخراب الحسي، والمعنوي؛ لأنه قد يتسلط بعض الناس - والعياذ بالله - على هدم المساجد حسًّا بالمعاول، والقنابل؛ وقد يخربها معنًى، بحيث ينشر فيها البدع والخرافات المنافية لوظيفة المساجد. ١١ - ومنها: البشارة للمؤمنين بأن العاقبة لهم، وأن هؤلاء الذين منعوهم لن يدخلوها إلا وهم خائفون؛ وهذا على أحد الاحتمالات التي ذكرناها. ١٢ - ومنها: أن عقوبة من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة. ١٣ - ومنها: أن الذنب إذا كان فيه تعدٍّ على العباد فإن الله قد يجمع لفاعله بين العقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ عقوبة الدنيا ليشفي قلب المظلوم المعتدى عليه؛ ولا شك أن الإنسان إذا اعتدى عليك، ثم رأيت عقوبة الله فيه أنك تفرح بأن الله اقتص لك منه؛ أما إذا كان في حق الله فإن الله تعالى لا يجمع عليه بين عقوبتين؛ لقوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠]. ١٤ - ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾. ١٥ - ومنها: أن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا، كما أن نعيم الآخرة أكمل من نعيم الدنيا؛ ولكن الله يُري عباده نموذجاً من هذا، ومن هذا؛ لأنه لا يستقيم فهم الوعيد، ولا فهم الوعد، إلا بمشاهدة نموذج من ذلك؛ لو كان الله توعد بالنار، ونحن لا ندري ما هي النار، فلا نخاف إلا خوفاً إجمالياً عاماً؛ وكذلك لو وعد بالنعيم والجنة، ولا نعرف نموذجاً من هذا النعيم، لم يكن الوعد به حافزاً للعمل. القرآن ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥] التفسير: ولله جهتا شروق الشمس وغروبها وما بينهما، فهو مالك الأرض كلها. فأي جهة توجهتم إليها في الصلاة بأمر الله لكم فإنكم مبتغون وجهه، لم تخرجوا عن ملكه وطاعته. إن الله واسع الرحمة بعباده، عليم بأفعالهم، لا يغيب عنه منها شيء. اختلفوا في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: أخرج الواحدي عن جابر بن عبد الله قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي هاهنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطا وقال بعضنا: القبلة هاهنا قبل الجنوب فصلوا وخطوا خطوطا فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ عن ذلك، فسكت فأنزل الله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ " (١). والثاني: وأخرج الطبري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال، " كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أصبحنا، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة. فأنزل الله : ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾ " (٢). الثالث: وأخرج الطبري والواحدي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: " كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة في سفر، فلم ندر أين القبلة فصلينا، فصلى كل واحد منا على حياله، ثم أصبحنا فذكرنا للنبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " (٣). قال الواحدي: "ومذهب ابن عمر أن الآية نازلة في التطوع بالنافلة" (٤). أخرج الطبري عن ابن عمر أنه قال: " إنما نزلت هذه الآية: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا، كان رسول الله ﷺ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة " (٥). الرابع: قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن النجاشي لما توفي قال جبريل للنبي ﷺ إن النجاشي توفي، فصل عليه، فأمر رسول الله ﷺ أن يحضروا وصفهم ثم تقدم رسول الله ﷺ وقال لهم: "إن الله أمرني أن أصلي على النجاشي وقد توفي فصلوا عليه" فصلى رسول الله ﷺ وهم عليه، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في أنفسهم:

стр. 888

كيف نصلي على رجل مات، وهو يصلي على غير قبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ " (١). وأخرج الطبري عن قتادة: " إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم! قال فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٩]، قال: قتادة، فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله : ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ " (٢). قال الواحدي: " ومذهب قتادة أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ (٣)، فهذا قول ابن عباس عند عطاء الخراساني، وقال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قال الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال: فصلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق" (٤). الخامس: أخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "لما هاجَرَ رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان [أكثرَ] أهلها اليهودُ، أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رَسُول الله ﷺ بضْعة عَشر شَهرًا، فكان رسول الله ﷺ يُحبّ قبلةَ إبراهيم ﵇، وكان يدعو وينظر إلى السماء. فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤] الآية. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "؟ فأنزل الله : ﴿قُلْ لله المشرق والمغرب﴾ " (٥). السادس: : وقال مجاهد: " لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠]، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] " (٦). قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، " أي لله مكان شروق الشمس ومكان غروبها والمراد جميع الأرض" (٧). قال الطبري: "أي: "لله ملكهما وتدبيرهما" (٨). قال الزمخشري: " أى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها للَّه هو مالكها ومتوليها" (٩). قال أبو السعود: " أي له كل الأرض التي هي عبارة عن ناحيتي المشرق والمغرب لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته مكان منها دون مكان" (١٠). قال ابن عثيمين: " يعني أن الله مختص بملك المشرق، والمغرب؛ وأما من سواه فملكه محدود .. ويحتمل أن المراد له كل شيء؛ لأن ذكر المشرق والمغرب يعني الإحاطة والشمول" (١١).

стр. 889

و ﴿المشرق﴾: "هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال: لموضع طلوعها منه: (مطلع)، بكسر اللام" (١). قال الراغب: " المشرق والمغرب، تارة يقالان بلفظ الواحد إما إشارة إلى ناحية الأرض، وإما إلى المطلع والمغيب، وتارة بلفظ التثنية إشارة إلى مشرقي ومغربي الشتاء والصيف، وتارة بلفظ الجمع اعتباراً باختلاف المغارب والمطالع كل يوم، وشرقت الشمس طلعت، وأشرقت: أضاءت وذلك إذا كثير شروقها، وشرقت اللحم: ألقيته على الشمس المشرق، والشرف الصلب لأنه يقام فيه صلاة [العيد] عند شروقها، وشرق الثوب بالصبغ تشبيها بلون الشرقة، والغروب للشمس تصور منه بعد ذهابها عن العمارة، فيقال لدى تباعد غروب، ومنه الغروب لكونه مبعدا في الذهاب، وغارب السنام لبعده عن المنال، وغرب السيف أبعد جزء من صحيفته، ثم تصور منه حدته، فقيل لسان غرب وسمي الدلو غرباً لتصور بعدها في البئر، ثم سمي الماء به كتسميتهم إياها بالذنوب لكونه فيها، والغرب للذهب لكونه غريباً فيما بين الجواهر، والغرب لبعده عن المثمرات من الأشجار" (٢). وقد خصهما (المشرق والمغرب) بالذكر، لكونهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، كان مالكا لكل الجهات. قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥]، " أي إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته التي رضيها لكم" (٣). قال أبو السعود: " أي ففي أي مكان فعلتم تولية وجوهكم شطر القبلة، فهناك جهته" (٤). قال الزمخشري: " ففي أى مكان فعلتم التولية، [فثمّ] جهته التي أمر بها ورضيها، والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أى بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إسكانها في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان" (٥). قال الراغب: أي" وحيث ما توجهتم، فهو موجود يمكنكم الوصول إليه" (٦). وقد اختلف فيه المفسرون من السلف، والخلف، في قوله تعالى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، على أقوال (٧): أحدها: أن المراد به: وجه الله الحقيقي. وإنه من آيات الصفات. وهذا قول ابن خزيمة (٨)، والسعدي (٩)، وابن عثيمين (١٠).

стр. 890

قال الشيخ السعدي: وقوله تعالى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، "فيه إثبات الوجه لله تعالى، على الوجه اللائق به تعالى، وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه" (١). واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجهه" (٢)، وبقوله "لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلًا عليه، فإذا انصرف صرف وجهه عنه" (٣). والثاني: معناه: الجهة، أي: قبلة الله. قاله مجاهد (٤)، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). والعرب تجعل القصد الذي يتوجه إليه وجهًا (٦)، كقول الشاعر (٧): أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحْصِيه ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ معناه. إليه القصد، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: جهة الله التي تعبّدكم بالتوجه إليها، والإضافة تكون للتخصيص نحو: بيت الله، وناقة الله (٨). الثالث: وقيل: فثم تدركون بالتوجه إليه، رضا الله الذي له الوجه الكريم (٩). والراجح عندي: أن المراد به الوجه الحقيقي لله ؛ لأن ذلك هو الأصل؛ وليس هناك ما يمنعه؛ وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قِبَل وجه المصلي (١٠)؛ والمصلُّون حسب مكانهم يتجهون؛ فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال؛ وأهل الشام إلى الجنوب؛ وأهل المشرق إلى المغرب؛ وأهل المغرب إلى الشرق؛ وكل يتجه جهة؛ لكن الاتجاه الذي يجمعهم الكعبة؛ وكل يتجه إلى وجه الله؛ وعلى هذا يكون معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم فإنكم تتجهون إلى الله سواء إلى المشرق، أو إلى المغرب، أو إلى الشمال، أو إلى الجنوب (١١). وقرأ الحسن: " ﴿فأينما تولوا﴾، بفتح التاء، من التولي، يريد: فأينما توجهوا القبلة" (١٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، "أي: فالله تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم" (١٣). قال السعدي: "فمن سعته وعلمه، وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر" (١٤). قال المراغي: " أي إنه تعالى لا يحصر ولا يتحدد، فيصح ان يتوجه إليه فى كل مكان، وهو عليم بالمتوجه إليه أينما كان، فاعبدوه حيثما كنتم، وتوجهوا إليه أينما حللتم، ولا تتقيدوا بالأمكنة، والمعبود غير مقيد" (١٥). قال الصابوني: " أي يسع الخلق بالجود والإِفضال، عليم بتدبير شئونهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم" (١٦). قال الزمخشري: " ﴿واسِعٌ﴾ الرحمة، يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم" (١٧). قال ابن عطية: " و ﴿واسِعٌ﴾، معناه: متسع الرحمة عليهم أين يضعها ... ﴿عَلِيمٌ﴾ بالنيات التي هي ملاك العمل، وإن اختلفت ظواهره في قبلة وما أشبهها" (١٨). قال الراغب: " ونبه بقوله: بـ ﴿واسع﴾، على إحاطته بالأشياء، وبـ ﴿العليم﴾، أنه لا يخفى عليه خافية" (١٩). قال القاسمي: " بيان لشمول ملكوته لجميع الآفاق، المتسبب عنه سعة علمه. وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ نظير قوله: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ [الرحمن: ٣٣]، وكقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤] وقوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: ٧]، وقوله: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [غافر: ٧]، أي عمّ كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوّه عليه" (٢٠). قال ابن عثيمين: " (الواسع) يعني واسع الإحاطة، وواسع الصفات؛ فهو واسع في علمه، وفي قدرته، وسمعه، وبصره، وغير ذلك من صفاته؛ و (عليم) أي ذو علم؛ وعلمه محيط بكل شيء" (٢١). و(الواسع) في صفة الله تعالى على ثلاثة أوجه (٢٢): أحدها: أنه واسع بإفضاله على خلقه، واحتماله مسائل عباده، وأنه لا يُكرِثه إلحاحُهم، من قول العرب: فلان يسع ما يسأل، قال أبو زبيد (٢٣): أُعطيهم الجَهْدَ مني بَلْهَ ما أسِعُ وهذا معنى قول الفراء (٢٤) وأبي عبيدة (٢٥).

стр. 891

الثاني: أنه يُوَسِّع على عباده في دينهم، ولا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه، فهو واسعُ الرَّحمة، واسع الشريعةِ بالترخيص لهم في التوجهٍ إلى أي جهة أدَّى إليها اجتهادهم عند خفاء الأدلة (١). الثالث: أنه يسع علمَ كلِّ شيء، ويسع علمُه كلَّ شيء، كقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: علمه (٤)، وقال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: انفراد الله بالملك؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾. ٢ - ومنها: عموم ملك الله؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء. ٣ - ومنها: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. ٤ - ومنها: عموم ملك الله تعالى للمشرق، والمغرب خلقاً وتقديراً؛ وله أن يوجه عباده إلى ما شاء منهما من مشرق ومغرب؛ فله ملك المشرق والمغرب توجيهاً؛ وقد سبق أن قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها ... ﴾ [البقرة: ١٠٦] إلى آيات نسخ القبلة كله تمهيد لتحويل القبلة؛ فكأن الله تعالى يقول: لله المشرق والمغرب فإذا شاء جعل اتجاه القبلة إلى المشرق؛ وإذا شاء جعله إلى المغرب؛ فأينما تولوا فثم وجه الله. ٥ - ومنها: إثبات الوجه لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فثم وجه الله﴾. ٦ - ومنها: أن الله تعالى له مكان لقوله تعالى: ﴿فثم﴾؛ لأن «ثم» إشارة إلى المكان؛ ولكن مكانه في العلو؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته؛ قال النبي ﷺ للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء» (٢). ٧ - ومنها: إبطال بدعتين ضالتين؛ إحداهما بدعة الحلولية القائلين بأن الله تعالى في كل مكان بذاته؛ فإن قول هؤلاء باطل يبطله السمع، والعقل، والفطرة أيضاً؛ الثانية: قول النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم، ولا خارجه؛ ولا فوق العالم، ولا تحته؛ ولا يمين العالم، ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عن العالم؛ وهذا القول قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا لنا العدم ما وجدنا وصفاً أدق من هذا. ٨ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: ﴿واسع﴾، و ﴿عليم﴾. ٩ - ومنها: إثبات سعة الله، وعلمه؛ ونستفيد صفة ثالثة من جمع السعة والعلم؛ للإشارة إلى أن علم الله واسع بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض، ولا في السماء. القرآن ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦] التفسير: وقالت اليهود والنصارى والمشركون: اتخذ الله لنفسه ولدًا، تنزَّه الله -سبحانه- عن هذا القول الباطل، بل كل مَن في السموات والأرض ملكه وعبيده، وهم جميعًا خاضعون له، مسخَّرون تحت تدبيره. وفي سبب نزول الآية أربعة أقوال (٣): أحدها: أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيرا ابن الله. قاله ابن عباس (٤). والثاني: أنها نزلت في نصارى نجران، حيث قالوا: عيسى ابن الله. قاله مقاتل (٥)، ويمان (٦). واقتصر الطبري على قوله: "هم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله" (٧).

стр. 892

والثالث: أنها في النصارى ومشركي العرب، لأن النصارى قالت عيسى ابن الله، والمشركين قالوا الملائكة بنات الله. ذكره إبراهيم بن السري (١)، والزجاج (٢). والرابع: أنها في اليهود والنصارى ومشركي العرب. ذكره الثعلبي (٣)، وتبعه ابن ظفر، والكواشي (٤) وغيرهما (٥). قال الواحدي: " نزلت في اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله" (٦). وقال الحافظ ابن حجر: "واتفقوا (٧) على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولداً من يهود خيبر ونصارى نجران، ومن قال من مشركي العرب: الملائكة بنات الله (٨)، فرد الله تعالى عليهم" (٩). قال الحافظ ابن كثير: "إن الآية الكريمة- والتي تليها- اشتملت، على الرد على النصارى، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم" (١٠). قلت: والآية يصح أن تكون نزلت رداً على جميع هذه الطوائف، والأقوال المحكية في الآية لا تخرج عن ذلك. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، " أي: قالت النصارى، واليهود، والمشركون، اتخذ الله ولداً" (١١). قال القاسمي: " يريد الذين قالوا المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله. فأكذب الله تعالى جميعهم في دعواهم وقولهم: إنّ لله ولدا" (١٢). قال المراغي: " ولا فارق بين أن يكون هذا القول قد صدر من جميع أفراد الأمة أو من بعضها، فإن أفرادها متكافلون في كل ما يعملون وما يقولون، مما يعود أثره من خير أو شر إلى الجميع" (١٣).

стр. 893

قال السعدي: أي: "اليهود والنصارى والمشركون، وكل من قال ذلك: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله، وأساءوا كل الإساءة، وظلموا أنفسهم، وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم، قد حلم عليهم، وعافاهم، ورزقهم مع تنقصهم إياه" (١). و﴿وَقَالُوا﴾ [البقرة: ١١٦]، هي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر (٢) ﴿قَالُوا﴾ (٣)، بحذف (الواو)، يريد الذين قالوا المسيح ابن اللَّه وعزير ابن اللَّه والملائكة بنات اللَّه. قوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]، "أي تقدس وتنزّه عما زعموا تنزهاً بليغاً" (٤). قال الثعلبي: " نزّه وعظم نفسه" (٥). قال ابن كثير: أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا" (٦). قال الزمخشري: " تنزيه له عن ذلك وتبعيد" (٧). قال أبو السعود: " تنزيه وتبرئة له تعالى عما قالوا" (٨). قال السعدي: "أي: "تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق، من جميع الوجوه، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه" (٩). قال ابن عثيمين: أي تنزيهاً له أن يكون له ولد؛ لأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته؛ وهو مالك لجميع المخلوقات" (١٠). قال المراغي: " تنزيها له تعالى أن يكون له ولد، إذ هذا الولد إما من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلى وهو الأرض، وليس شاء منهما بمجانس له عز اسمه إلى أن السبب المقتضى للولد هو الاحتياج إلى المعونة في الحياة والقيام مقامه بعد الموت والله منزه عن ذلك" (١١). قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦]، "أي ليس الأمر كما زعموا، بل جميع ما في السموات والأرض ملك له" (١٢). قال الصابوني: " أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة" (١٣). قال النسفي: " أي: هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزيز والولادة تنافي الملك" (١٤). قال السعدي: " أي: جميعهم ملكه وعبيده، يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك" (١٥). قال الرازي: " أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع" (١٦).

стр. 894

قال أبو السعود: " ي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزيز والمسيح والملائكة" (١). قال ابن كثير: " أي: ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومُقَدِّرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد! ... فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد! " (٢). وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: كَذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيَّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد. فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا" (٣). وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد" (٤). وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" (٥) (٦). قال الرازي: "اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين ... ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه (٧): الأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولدا. والثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديما أزليا أو محدثا، فإن كان أزليا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولدا والآخر والدا أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكما مجردا من غير دليل وإن كان الولد حادثا كان مخلوقا لذلك القديم وعبدا له فلا يكون ولدا له. والثالث: أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولدا لكان مشاركا له من بعض الوجوه، وممتازا عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركبا ومحدثا وذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة. الرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه محالا. قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، " أي: كل له خاشع ذليل" (٨).

стр. 895

قال الصابوني: "أي الكل منقادون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته" (١). قال الزجاج: أي" كل ما خلق اللَّه في ﴿السَّمَاوَات والأرض﴾، فيه أثَرُ الصنْعَة، فهو قانت للَّهِ، والدليل على أنه مخلوق" (٢). قال المراغي: أي: الجميع "قانت لعزته، خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته" (٣). قال أبو السعود: " أي: مطيعون عابدون له معترفون بربوبيته" (٤). قال القاسمي: أي: " منقادون، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره" (٥). قال ابن عثيمين: " وهذا من الاستدلال بالعقل على كذب دعوى هؤلاء أن له ولداً (٦). وقال الفراء: " يريد مطيعون، وهذه خاصة لأهل الطاعة ليست بعامة" (٧). واعترض عليه الزجاج، فقال: " والكلام يدل على خلاف ما قال، لأن قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ كل إحاطة" (٨). و(القنوت) في كلام العرب على ثلاثة أوجه من المعاني (٩): أحدهما: أنه من: القيام. وقد سئل رسول الله ﷺ أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» (١٠). يريد: طول القيام (١١). والثاني: أنه من: الطاعة. ودليله قول عكرمة في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، "القانت: المطيع" (١٢). والثالث: أنه: الكف عن الكلام والإمساك عنه (١٣). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، على أربعة أقوال (١٤): أحدها: أي مطيعون، وهذا قول ابن عباس (١٥)، وقتادة (١٦)، والسدي (١٧)، ومجاهد (١٨). قال الثعلبي: " دليله: قوله تعالى ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] " (١٩). والثاني: أي مقرون له بالعبودية، وهو قول عكرمة (٢٠). والثالث: أي قائمون، يعني يوم القيامة، وهذا قول الربيع (٢١). والرابع: أي: قائمون بالشهادة. حكاه الثعلبي عن ابن كيسان (٢٢).

стр. 896

والخامس: أي: مصلّون، قاله ابن عباس (١)، ودليله قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال رسول الله ﷺ : «مثل المجاهد في سبيل الله مثل القانت الصائم» (٢)، أيّ المصلّي (٣). والسادس: وقيل: داعون. ودليله قوله تعالى: ﴿قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (٤). والسابع: مخلصون. قاله سعيد (٥). والراجح هو القول الأول، وهو القول عن مجاهد - وهو اختيار الإمام الطبري (٦) - يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله، وذلك شرعي وقَدري، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقد وَرَد حديث فيه بيان معنى القنوت في القرآن، فروي عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: "كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة" (٧). والله أعلم. وقد ذكر الشيخ السعدي: بأن القنوت نوعان (٨): أحدهما: قنوت عام: وهو قنوت الخلق كلهم، تحت تدبير الخالق، كما في هذه الآية. والثاني: قنوت خاص: وهو قنوت العبادة، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية، على قولين (٩): القول الأول: أن حكمه خاص، ثمّ سلكوا في تخصيصه طريقين: الأول: أنه راجع إلى عزير والمسيح والملائكة، وهو قول مقاتل (١٠)، ويمان (١١). فأراد: "أنهم كلهم عباد الله طائعون، نظيره: قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] " (١٢). والثاني: أنه راجع إلى أهل طاعته دون النّاس أجمعين. وهذا قول ابن عبّاس (١٣) والفراء (١٤). وقد رد الطبري في تفسيره القول بالخصوص، بأنه لا يجوز ادعاء خصوص في آية ظاهرها العموم، إلا بحجة (١٥).

стр. 897

القول الثاني: أنه عام في جميع الخلق، ثمّ سلكوا في الكفّار الجاحدين طريقتين: أحدهما: إنّ ظلالهم تسجد لله وتطيعه، وهذا قول مجاهد (١)، دليله قوله : ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ﴾ [النحل: ٤٨]، الآية. وقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] (٢). والثاني: لأن هذا يوم القيامة، قاله السدي (٣)، وتصديقه قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] (٤). وقيل: " طاعة الجميع لله تكونهم في الخلق عند التكوين إذا قال: كن كان كما أراد (٥)، فنسب القنوت إليه كما نسبت الخشية إلى الحجارة، والمحبة إلى الجبال، والشكوى إلى الإبل، والسجود إلى الأشجار" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآيتين: بيان عتوّ الإنسان وطغيانه، حيث سبَّ الله هذه السبَّة العظيمة، فقال: إن الله اتخذ ولداً! ! ! في الحديث الصحيح القدسي: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك؛ وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: إنه لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفْئاً أحدٌ» (٧)؛ فهذا من أعظم العدوان؛ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمشركين؛ وقد أبطل الله هذه الدعوى الكاذبة من ستة أوجه: الوجه الأول: في قوله تعالى: ﴿سبحانه﴾؛ فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهاً عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقصد به الإعانة، ودفع الحاجة، أو بقاء العنصر؛ والله منزه عن ذلك؛ ومنزه أيضاً عن المماثلة؛ ولو كان له ولد لكان مثيلاً له. الوجه الثاني: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾؛ وعموم ملكه يستلزم استغناءه عن الولد. الوجه الثالث: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾، والمملوك لا يكون ولداً للمالك؛ حتى إنه شرعاً إذا ملك الإنسان ولده يعتق عليه؛ فالمملوك لا يمكن أن يكون ولداً للمالك؛ فالله خالق؛ وما سواه مخلوق؛ فكيف يكون المخلوق ولداً للخالق! الوجه الرابع: في قوله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾؛ ووجهه أن العباد كلهم خاضعون ذليلون؛ وهذا يقتضي أنهم مربوبون لله عابدون له؛ والعبد لا يكون ولداً لربه. الوجه الخامس: في قوله تعالى: ﴿بديع السموات والأرض﴾؛ ووجهه أنه مبدع السموات والأرض؛ فالقادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق إنساناً بلا أب، كما قال تعالى: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧]. الوجه السادس: في قوله تعالى: ﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ ومن كان هذه قدرته فلا يستحيل عليه أن يوجد ولداً بدون أب.

стр. 898

فبطلت شبهتهم التي يحتجون بها على أن لله ولداً. ٢ - ومن فوائد الآيتين: امتناع أن يكون لله ولد؛ لهذه الوجوه الستة. ٣ - ومنها: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾. ٤ - ومنها: أن الله لا شريك له في ملكه؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿له ما في السموات والأرض﴾؛ وتقديم الخبر يفيد الاختصاص. ٥ - ومنها: أن كل من في السموات، والأرض قانت لله؛ والمراد القنوت العام - وهو الخضوع للأمر الكوني -؛ والقنوت يطلق على معنيين؛ معنى عام وخاص؛ «المعنى الخاص» هو قنوت العبادة، والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أمَّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً﴾ [الزمر: ٩]، وكما في قوله تعالى: ﴿وصدَّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ و «المعنى العام» هو قنوت الذل العام؛ وهذا شامل لكل من في السموات، والأرض، كما في هذه الآية: ﴿كل له قانتون﴾؛ حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله ؛ لا يخرجون عن حكمه الكوني. القرآن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧] التفسير: والله تعالى هو خالق السموات والأرض على غير مثال سبق. وإذا قدَّر أمرًا وأراد كونه فإنما يقول له: "كن" فيكون. قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، " أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق" (١). قال أبو العالية: " ابتدع خلقها، ولم يشركه في خلقها أحد" (٢). وروي عن الربيع نحو ذلك (٣). وقال السدي: " ابتدعها فخلقها، ولم يخلق قبلها شيئا فيمتثل عليه" (٤). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٥) .. قال ابن كثير: " أي: خالقهما على غير مثال سبق" (٦). قال السعدي: " أي: خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق" (٧). قال الزجاج: " يعني، أنشاهما على غير حِذَاءٍ ولا مِثَال، وكل من أنْشَأ ما لَم يُسْبَق إليه قيل له أبدعت، ولهذا قيل لكل من خالف السُّنَّةَ والإجماعَ مبتدع، لأنه يأتي في دين الإِسلام بما لم يسبقه إِليه الصحابة والتابعون" (٨). قال ابن عطية: " وخص السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا" (٩). قال الطبري: "ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد، ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى ثعلبة، في مدح هوذة بن علي الحَنفِي (١٠):

стр. 899

يُرعى إلى قَوْل سادات الرّجال إذا ... أبدَوْا له الحزْمَ أو ما شاءه ابتدَعا أي: يحدث ما شاء. ومنه قول رؤبة بن العجاج (١): فأيها الغاشي القِذَافَ الأتْيَعَا ... إن كنت لله التقي الأطوعا فليس وجه الحق أن تَبَدَّعا يعني: أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه (٢). وقيل (البديع) بمعنى (المبدع) (٣)، واستدل بقول عمرو معد يكرب (٤): أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع ... يُؤْرِقُني وأَصْحابي هَجوع أي: المسمع (٥)، قال الزمخشري: "وفيه نظر" (٦). وقرئ ﴿بديع السماوات﴾، مجروراً على أنه بدل من الضمير في ﴿له﴾، وقرأ المنصور بالنصب على المدح (٧). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]، " أي إذا أراد أن يقضي أمراً" (٨). قال الطيبري: أي" وإذا أحكم أمرا وحتمه" (٩). قال البيضاوي: " أي أراد شيئا" (١٠). قال المراغي: " أي وإذا أراد إحداث أمر وإيجاده" (١١). قال ابن عطية: " و ﴿قَضى﴾، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد" (١٢). وأصل (القضاء): إتمام الشيء وإحكامه (١٣)، والفراغ منه، ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: القاضي بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به، ومنه قيل: تقضي النهار، إذا انصرم، ومنه قول الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: فصل الحكم فيه بين عباده، بأمره إياهم بذلك، وكذلك قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [سورة الإسراء: ٤]، أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به، ففرغنا إليهم منه. ومنه قول أبي ذؤيب (١٤):

стр. 900

وعليهما مسرودتان، قضاهما ... داود أو صَنَعَ السوابغِ تُبَّعُ ويعني بقوله: قضاهما، أحكمهما. ومنه قول الآخر في مدح عمر بن الخطاب ﵁ (١): قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بَوائِق في أكمامها لم تَفَتَّقِ ويروى: بوائج (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: " فإنما يأمره أن يكون موجودا فيكون" (٣). قال ابن عباس: " فهو خلق الإنسان" (٤). قال الراغب: " تنبيه أنه لا يمتنع عليه شي يريد إيجاده" (٥). قال ابن عثيمين: " أي لا يقول له إلا «كن» مرة واحدة بدون تكرار؛ فيحدث كما أمره الله على ما أراد الله " (٦). قال الطبري: أي" فإنما يقول لذلك الأمر ﴿كن﴾، فيكون ذلك الأمر على ما أمره الله أن يكون وأراده (٧). قال السعدي: " فلا يستعصى عليه، ولا يمتنع منه" (٨). قال الزمخشري: " أنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنما يتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أنّ المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء" (٩). قال المراغي: " والإيجاد والتكوين من أسرار الألوهية عبر عنهما بما يقربهما من الفهم وهو أن يقول للشاء كن فيكون" (١٠). قال أبو السعود: " أي أحدث فيحدث .. تصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في الباب من طاعة المأمور المطيع للآمر المطاع" (١١). قال البيضاوي: " وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال، بل تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف. وفيه تقرير لمعنى الإِبداع، وإيماء إلى حجة خامسة وهي: أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة، وفعله تعالى مستغن عن ذلك" (١٢).

стр. 901

فإن قيل: " في أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حالة عدمه أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه، استحال أن يأمر إلا مأموراً، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر، وإن كان في حال وجوده، فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث؟ " (١). قيل: عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة (٢): أحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، كما أمر في بني إسرائيل، أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات. الثاني: أن الله عالم، بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه، قبل كونها مشابهة للأشياء التي هي موجودة، فجاز أن يقول لها كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم. والثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى، عامٌ عن جميع ما يُحْدِثُه، ويكوّنه، إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً، كقول أبي النجم (٣): وقالت للبَطْنِ الْحَقِ الحق ... قِدْمًا فآضت كالفَنِيقِ المحنِق ولا قول هنالك، وإنما عنى أن الظهر قد لحق بالبطن. وكما قال عمرو بن حممة الدوسي (٤): فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطيارا يقال له: قعِ ولا قول هناك، وإنما معناه: إذا رام طيرانا وقع، وكما قال الآخر (٥): امتلأ الحوض وقال: قطني ... سلا رويدا، قد ملأت بطني والراجح، أنه "عام في كل ما قضاه الله وبرأه لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان" (٦). والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] قراءتان (٧): إحداهما: النصب، جواباً للأمر: ﴿كن﴾، أي فبسبب ذلك يكون؛ وتكون الفاء للسببية. وضعفه أبو علي، فقال: " أجمع الناس على رفع يكون، ورفضوا فيه النصب، إلا ما روي عن ابن عامر وهو من الضعف بحيث رأيت، فالوجه في يكون الرفع" (٨).

стр. 902

قال ابن عطية: "ووجهه مع ضعفه على أن يشفع له شبه اللفظ، وقال أحمد بن موسى في قراءة ابن عامر: «هذا لحن»، لأن الفاء لا تعمل في جواب الأمر إلا إذا كانا فعلين يطرد فيهما معنى الشرط" (١). والثاني: الرفع، فتكون للاستئناف؛ أي: فهو يكون. ومن رفع ذلك، " فإنه رأى أن الخبر قد تم عند قوله: ﴿إذا أردناه أن نقول له كن﴾، إذ كان معلوما أن الله إذا حتم قضاءه على شيء كان المحتوم عليه موجودا، ثم ابتدأ بقوله: فيكون، كما قال جل ثناؤه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] وكما قال ابن أحمر (٢): يعالج عاقرا أعيت عليه ... ليُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوارا يريد: فإذا هو يَنتجها حُوارا (٣). واختاره الطبري وقرره، لأن (القول) و (الكون) حالهما واحد، "لا يمكن أن يكون الله آمرا شيئا بالوجود إلا وهو موجود، ولا موجودا إلا وهو آمره بالوجود" (٤). واعترض عليه ابن عطية فقال: " وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عظم قدرة الله ببدع السموات، والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة. ٢ - ومنها: حكمة الله بأن هذه السموات، والأرض على نظام بديع عجيب؛ قال تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣]؛ هذا النظام الواسع الكبير العظيم لا يختل، ولا يتغير على مر السنين، والأعوام؛ فتدل على قدرة باهرة بالغة، وحكمة عظيمة بالغة: كل شيء منظم تنظيماً بديعاً متناسباً، فلا يصطدم شيء بشيء فيفسده؛ ولا يغير شيء شيئاً؛ بل كل سائر حسب ما أمره الله به؛ قال الله تعالى: ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢]؛ إذاً ﴿بديع السموات والأرض﴾ يستفاد منها القوة، والقدرة، والحكمة. ٣ - ومن فوائد الآيتين: أن السموات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد؛ وقد بيَّن الله في القرآن، وثبتت السنة، وأجمع المسلمون على أن السماء جرم محسوس؛ وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا فضاء لا نهاية له؛ وأما الأرض فلم تأت في القرآن إلا مفردة؛ لكن أشار الله إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وصرحت السنة بذلك في قوله ﷺ : «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» (٦). ٤ - ومن فوائد الآيتين: أن الله لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عن أمره شيء؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾. ٥ - ومنها: إثبات القول لله؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له﴾.

стр. 903

٦ - ومنها: أن قول الله بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ و ﴿له﴾ صريحة في توجيه القول للمقول له؛ ولولا أنه يسمعه لما صار في توجيهه له فائدة؛ ولهذا يسمعه الموجه إليه الأمر، فيمتثل، ويكون. ٧ - ومنها: أن قول الله بحروف؛ لقوله تعالى: ﴿كن﴾؛ وهي كلمة بحرفين. فإن قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: ليس كمثله شيء؛ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟ قلنا: نعم؛ الحروف هي الحروف؛ لكن كيفية الكلام، وحقيقة النطق بها - أو القول - لا يماثل نطق المخلوق، وقوله؛ ومن هنا نعرف أننا لا نكون ممثِّلة إذا قلنا: إنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين؛ بل هو حسب ما يليق بعظمته، وجلاله. ٨ - ومن فوائد الآية: أن الجماد خاضع لله ؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان، والمتعلقة بالجماد؛ فالجماد إذا قال الله تعالى له: ﴿كن﴾ كان. ٩ - ومنها: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين، وتكونه تراخٍ؛ بل يكون على الفورية؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فيكون﴾: بالفاء؛ والفاء تدل على الترتيب، والتعقيب. القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٨] التفسير: وقال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم لنبي الله ورسوله محمد ﷺ على سبيل العناد: هلا يكلمنا الله مباشرة ليخبرنا أنك رسوله، أو تأتينا معجزة من الله تدل على صدقك. ومثل هذا القول قالته الأمم من قبلُ لرسلها عنادًا ومكابرة؛ بسبب تشابه قلوب السابقين واللاحقين في الكفر والضَّلال، قد أوضحنا الآيات للذين يصدِّقون تصديقًا جازمًا؛ لكونهم مؤمنين بالله تعالى، متَّبعين ما شرعه لهم. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (١): أحدها: أخرج الطبري وابن ابي حاتم، عن ابن عباس قال: "قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ : إن كنت رسولا من عند الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾، الآية كلها" (٢). ورجحه ابن حجر فقال: " والراجح من حيث السند قول ابن عباس ﵄" (٣). والثاني: واخرج الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "هم النصارى، والذين من قبلهم: اليهود" (٤). والثالث: وعن قتادة قال: "هم كفار العرب" (٥). وروي عن الربيع (٦)، والسدي (٧) مثل ذلك. والراجح: أن النصارى هم المعنيون بالآية، لأن ذلك في سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، "أي: قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم (٨). قال ابن عثيمين: " أي ليسوا من ذوي العلم" (٩).

стр. 904

قال القرطبي: "أي: قالت النصارى" (١). قال الطبري: أي" وقالت النصارى، الجهال بالله وبعظمته" (٢). واختلف فيمن عني الله بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، على ثلاثة أقوال (٣): أحدهما: أنهم النصارى. قاله مجاهد (٤). والثاني: أنهم اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله. وهو قول ابن عباس (٥). والثالث: أنهم مشركو العرب، وهو قول قتادة (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨). ورجّح الطبري بأنهم النصارى، واستدل بأن" ذلك في سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا" (٩). قوله تعالى: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨]، " أي هلاّ يكلمنا الله بتصديق الرسل" (١٠). روي عن قتادة في قوله: ﴿لولا يكلمنا الله﴾، قال: فهلا يكلمنا الله! " (١١). قال الطبري: " أي: هلا يكلمنا الله! كما قال جرير (١٢): تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى، لولا الكمي المقنعا بمعنى: فهلا تعدون الكمي المقنع! (١٣). قال القرطبي: أي: "هلا يكلمنا الله بنبوة محمد ﷺ فنعلم أنه نبي فنؤمن به" (١٤). قال أبو السعود: " أي هلا يكلمنا بلا واسطة أمرا أو نهيا كما يكلم الملائكة أو هلا يكلمنا نتصيصا على نبوتك" (١٥).

стр. 905

قال المراغي: " أي هلا يكلمنا الله بأنك رسوله حقا كما يكلم الملائكة، أو يرسل إلينا ملكا فيخبرنا بذلك، كما كلمك على هذا الوجه مع أنك بشر مثلنا، وما مقصدهم من هذا إلا العناد والاستكبار وبيان أنه ليس بأحسن منهم حالا، فلم اختصّ بهذا الفضل من بيننا؟ " (١). قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨]، أي: "أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوتك" (٢). قال الطبري: أي" أو تجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد؟ " (٣). قال المراغي: " أي أو تأتينا ببرهان على صدقك في دعواك النبوة، ومرادهم بذلك ما حكاه الله عنهم بنحو قوله: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠]، الآية، وهذا منهم جحود لأن يكون ما أوتيه من القرآن وغيره من المعجزات آيات كافيات فى إثبات ما ادّعى من النبوة" (٤). قال أبو السعود: " حجة تدل على صدقك بلغوا من العتو والاستكبار إلى حيث أملوا نيل مرتبة المفاوضة الإلهية من غير توسط الرسول والملك ومن العناد والمكابرة إلى حيث لم يعدوا ما آتاهم من البينات الباهرة التي تخر لها صم الجبال من قبيل الآيات قاتلهم الله أني يؤفكون" (٥). قال ابن عثيمين: " لأن الرسل أتوا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر؛ وأعظمها القرآن الكريم الذي نزل على محمد ﷺ ؛ وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا" (٦). قال السعدي: " فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاءوا من الآيات، بما يؤمن بمثله البشر" (٧). قال القرطبي: "والآية: الدلالة والعلامة (٨). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، "أي مثلَ هذا القول، قال الذين من قبلهم" (٩). قال الطبري: أي: " فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنوا على ربهم، قال من قبلهم من اليهود، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة، ويؤتيهم آية، واحتكموا عليه وعلى رسله، وتمنوا الأماني" (١٠). قال المراغي: " أي ومثل هذه الأسئلة التي يراد بها التعنت لإجلاء الحقيقة، قد قالها من قبلهم من الأمم الماضية، فقد قال اليهود لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، و ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، إلى نحو ذلك، وقالت النصارى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] فهذه أقوال صدرت عنهم للتشهى واتباع الهوى تعنّتا وعنادا لا للوصول إلى كشف غامص وجلاء حقيقة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] " (١١). واختلف فيمن عني الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، على قولين (١٢):

стр. 906

أحدهما: أنهم اليهود، وهو قول مجاهد (١). والثاني: أنهم اليهود والنصارى، "لأن الذين لا يعلمون هم العرب" (٢)، وهو قول قتادة (٣)، والسدي (٤)، والربيع (٥). قال ابن عاشور: "وفي هذا الكلام تسلية للنبيء ﷺ ، بأن ما لقيه من قومه مثل ما لاقاه الرسل قبله ولذلك أردفت هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] " (٦). قوله تعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُم﴾ [البقرة: ١١٨]، "أي تماثلت قلوب هؤلاء وقلوب من قبلهم في العمى والقسوة والعناد" (٧). قال الطبري: أي" فاشتبهت قلوب اليهود والنصارى في تمردهم على الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم على أنبيائه ورسله، كما اشتبهت أقوالهم التي قالوها" (٨). قال ابن كثير: أي: "أشبهت قُلُوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ* أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣] " (٩). قال أبو السعود: " أي قلوب هؤلاء وأولئك في العمى والعناد وإلا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة" (١٠). قال المراغي: " والألسنة ترجمان القلوب، والقلب إذا استحكم فيه الكفر والعمى لا يجرى على لسان صاحبه إلا ما ينبئ بالتباعد عن الإيمان من معاذير لا تجدى، وتعلّات لا تفيد، فالحق واحد، ومخالفته هى الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه، وآثاره تتشابه حين تصدر عن الضالين حتى كأنهم متواصون به فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] " (١١). وفي قوله تعالى: ﴿تَشَابَهتْ قُلُوْبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، وجهان (١٢): أحدهما: تشابهت قلوب اليهود لقلوب النصارى، وهذا قول مجاهد (١٣). والثاني: تشابهت قلوب مشركي العرب لقلوب اليهود والنصارى، وهذا قول قتادة (١٤)، والربيع (١٥). واختلف في تفسير (التشابه) في قوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، على وجهين (١٦): أحدهما: أن المكذبين للرسل من العرب واليهود والنصارى وغيرهم تتشابه أقوالهم وأفعالهم في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان، فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم: ﴿لن نصبر على

стр. 907

طعام واحد﴾ [البقرة: ٦١]، وقولهم: ﴿اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقوله: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ [البقرة: ٦٧]، وقولهم: ﴿أرنا الله جهرة﴾، [النساء: ١٥٣]، فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد واللجاج وطلب الباطل. والثاني: أن تشابه قلوبهم هو في اتفاقهم على الكفر، فجعله اشتباها. قاله الفراء (١). والقولين صحيحين: إذ تشابهت قلوب الأولين، والآخرين في رد الحق، والعناد، والتعنت، والجحود؛ من أول ما بعثت الرسل إلى خاتمهم محمد ﷺ ، بل وإلى يوم القيامة، فقلوب أهل الكفر، والعناد متشابهة؛ إنما يختلف الأسلوب؛ قد يقترح هؤلاء شيئاً؛ وهؤلاء شيئاً آخر؛ لكن الكلام على جنس الاقتراح، وعدم قبولهم للحق (٢). قال ابن عاشور: "وقوله ﴿تَشَابَهَتْ﴾، صيغة من صيغ التشبيه، وهي أقوى فيه من حروفه وأقرب بالتشبيه البليغ، ومن محاسن ما جاء في ذلك قول الصاباء (٣): تشابه دمعي إذ جرى ومُدامتي ... فمِن مثل ما في الكأس عيني تسكُب وفي هذه الآية جعلت اليهود والنصارى مماثلين للمشركين في هذه المقالة لأن المشركين أعرق فيها إذ هم أشركوا مع الله غيره فليس ادعاؤهم ولداً لله بأكثر من ادعائهم شركة الأصنام مع الله في الإلاهية فكان اليهود والنصارى ملحقين بهم لأن دعوى الابن لله طرأت عليهم ولم تكن من أصل ملتهم وبهذا الأسلوب تأتى الرجوع إلى بيان أحوال أهل الكتابين الخاصة بهم وذلك من رد العجز على الصدر " (٤). وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة: ﴿تشّابهت﴾، بشد الشين، قال أبو عمرو الداني: وذلك غير جائز لأنه فعل ماض (٥). قوله تعالى ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآياتِ﴾ [البقرة: ١١٨]، "أي قد وضحنا الأدلة وأقمنا البراهين" (٦). قال أبو السعود: " أي نزلناها بينة، بأن جعلناها كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البغوض وكبر الفيل لا أنا بيناها بعد أن لم تكن بينة" (٧). قال الطبري: أي" قد بينا العلامات التي من أجلها غضب الله على اليهود" (٨). قال الحافظ ابن كثير: أي: "قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى" (٩). قال الرازي: " المراد: أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرة، ومعجزات باهرة" (١٠). قال المراغي: " أي إننا لم نتركك بلا آية، بل بينا للناس الآيات على يديك بما لا يدع مجالا للريب" (١١).

стр. 908

قال ابن عثيمين: و ﴿الآيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها؛ فكل علامة تعين مدلولها تسمى آية؛ فآيات الله هي العلامات الدالة عليه" (١). قال أبو السعود: " وفي تعريف ﴿الآيات﴾، وجمعها وإيراد التبيين المفصح عن كمال التوضيح مكان الإتيان الذي طلبوه، ما لا يخفى من الجزالة، والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين، وإنما لم يتعرض لرد قولهم ﴿لولا يكلمنا الله﴾، إيذانا بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة إلى الرد والجواب" (٢). قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، أي "لقومٍ يطلبون الحق واليقين" (٣). قال الرازي: أي: "لمن كان طالبا لليقين" (٤). قال الحافظ ابن كثير: أي: " لمن أيقن وصدق واتبع الرسل، وفهم ما جاؤوا به عن الله ﵎، وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] " (٥). قال المراغي: أي" لدى طالبى الحق بالدليل والبرهان، ولديهم الاستعداد للعلم واليقين، ولن يكون هذا إلا لمن صفت نفوسهم، وسلموا من العناد والمكابرة اللّذين يمنعان من وصول نور الحق إلى القلوب، وقد كان كبار الصحابة يراجعون النبي ﷺ فيما لم يظهر لهم دليله، لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالبينة" (٦). قال أبو السعود: " أي: يطلبون اليقين ويوقنون بالحقائق لا يعتريهم شبهة ولا ريبة وهذا رد لطلبهم الآية" (٧). قال الشوكاني: " أي "يعترفون بالحق وينصفون في القول ويذعنون لأوامر الله سبحانه لكونهم مصدقين له سبحانه مؤمنين بآياته متبعين لما شرعه لهم" (٨). و(الإيقان): "هو العلم الذي لا يخالجه شك" (٩). قال السعدي: " فكل موقن، فقد عرف من آيات الله الباهرة، وبراهينه الظاهرة، ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب" (١٠). قال ابن عطية: " لما تقدم ذكر الذين أضلهم الله حتى كفروا بالأنبياء وطلبوا ما لا يجوز لهم أتبع ذلك بذكر الذين بين لهم ما ينفع وتقوم به الحجة، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين، فلذلك خصهم بالذكر، ويحتمل أن يكون المعنى قد بينا البيان الذي هو خلق الهدى، فكأن الكلام قد هدينا من هدينا، واليقين إذا اتصف به العلم خصصه وبلغ به نهاية الوثاقة" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن أهل الباطل يجادلون بالباطل؛ لأن طلبهم الآيات التي يعينونها ما هو إلا تعنت واستكبار؛ ففي الآيات التي جاءت بها الرسل ما يؤمن على مثلها البشر؛ ثم إنهم لو جاءت الآيات على ما

стр. 909

اقترحوا لم يؤمنوا إذا حقت عليهم كلمة ربهم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يوسف: ٩٦، ٩٧]. ٢ - ومنها: وصف من لم يَنقَدْ للحق بالجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾؛ فكل إنسان يكابر الحق، وينابذه فإنه أجهل الناس. ٣ - ومنها: أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف، وصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿لولا يكلمنا الله فهم خير في هذا ممن يدعون أن كلام الله هو المعنى القائم في نفسه. ٤ - ومنها: أنه ما من رسول إلا وله آية؛ لأن قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾ هذا مدَّعى غيرهم؛ إذ إن من لم يأت بآية لا يلام من لم يصدقه؛ مثلاً إذا جاء رجل يقول: «أنا رسول الله؛ آمنوا بي وإلا قتلتكم، واستحللت نساءكم، وأموالكم» فلا نطيعه؛ ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين؛ لكن الرسل تأتي بالآيات؛ ما من رسول إلا وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يؤمن على مثلها البشر؛ فالله تعالى لا يرسل الرسل، ويتركهم بدون تأييد. ٥ - ومن فوائد الآية: أن أقوال أهل الباطل تتشابه؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم وقوله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣]؛ وأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول ﷺ من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، كما قال تعالى: ﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٣٢]؛ واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن، والسنة هؤلاء رجعيون؛ هؤلاء دراويش لا يعرفون شيئاً. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الأقوال تابعة لما في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾؛ فلتشابه القلوب تشابهت الأقوال؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (١). ٧ - ومنها: تشابه قلوب الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿تشابهت قلوبهم﴾. ٨ - ومنها: تسلية الرسول ﷺ ؛ لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وتخف عليه المصيبة، كما قال تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩]؛ فالله تعالى يسلي رسوله ﷺ بأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله. ٩ - ومنها: إبطال دعوى قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾ في قوله تعالى: ﴿قد بينا الآيات﴾. ١٠ - ومنها: أنه لا ينتفع بالآيات إلا الموقنون؛ لقوله تعالى: ﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾؛ وأما غير الموقنين فلا تتبين لهم الآيات لما في قلوبهم من الريب والشك. ١١ - ومنها: أن الموقن قد يتبين له من الآيات ما لم يتبين لغيره؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧]. ١٢ - ومنها: أن الآيات تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية، وآيات كونية: فالآيات الشرعية: ما جاءت به الرسل من الوحي. والقسم الثاني آيات كونية: وهي مخلوقات الله الدالة عليه، وعلى ما تقتضيه أسماؤه، وصفاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، وغيرها: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ١٣ - ومنها: زيادة العلم باليقين؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ ؛ فكلما ازداد يقينك تبين لك من آيات الله ما لم يتبين لغيرك، فيزداد علمك؛ فباليقين يزداد العلم؛ قال تعالى: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [المدثر: ٣١]؛ فكلما كان الإنسان أقوى يقيناً كان أكثر علماً؛ وكلما ازداد علمه ازداد يقينه؛ فهما متلازمان.

стр. 910

القرآن ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩] التفسير: إنا أرسلناك -أيها الرسول- بالدين الحق المؤيد بالحجج والمعجزات، فبلِّغه للناس مع تبشير المؤمنين بخيري الدنيا والآخرة، وتخويف المعاندين بما ينتظرهم من عذاب الله، ولست -بعد البلاغ- مسئولا عن كفر مَن كفر بك؛ فإنهم يدخلون النار يوم القيامة، ولا يخرجون منها. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال محمد بن كعب: "قال رسول الله ﷺ : ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت: ﴿ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم﴾ " (١). قال الواحدي: " وهذا على قراءة من قرأ: ﴿ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم﴾ جزما" (٢). وروي عن ابن عباس (٣)، ومحمد بن كعب القرظي (٤)، وداود بن أبي عاصم (٥)، مثل ذلك. وهي روايات ضعيفة الإسناد (٦). وقد استبعد الفخر الرازي صحة هذا السبب (٧). الثاني: قال الواحدي: " قال مقاتل: إن النبي ﷺ قال: "لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا" فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ " (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، أي: إنا"أرسلناك يا محمد بالشريعة النيّرة والدين القويم" (٩). قال الطبري: أي: "إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأديان، وهو الحق" (١٠). واختلفوا في تفسير (الحق) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، على أربعة أوجه: أحدها: أي" إنا أرسلناك يا محمد بالصدق، من قولهم فلان محق في دعواه إذا كان صادقا، ودليله قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣]، أي صدق. قاله الثعلبي (١١). والثاني: أن"معناه: لن نرسلك عبثا بغير شيء، بل أرسلناك بالحق" (١٢). قال الثعلبي: "دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]، وهو ضد الباطل" (١٣). والثالث: بالقرآن، قاله ابن عباس (١٤)، ودليله قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥]. والرابع: بالإسلام. قاله ابن كيسان (١٥)، ودليله قوله : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. و (الباء) في قوله تعالى ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] للمصاحبة، أو الملابسة؛ يعني

стр. 911

أرسلناك متلبساً بالحق؛ أو أن المعنى: حاملاً الحق في هذه الرسالة؛ والآية تحتمل المعنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق؛ والثاني: أن ما أرسلت به حق؛ والمعنيان كلاهما صحيح؛ فتحمل الآية عليهما؛ فالرسول ﷺ رسالته حق؛ وعليه فالباء للملابسة؛ والرسول ﷺ ما أرسل به فهو حق؛ وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني أن رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق؛ والحق هو الثابت المستقر؛ وهو ضد الباطل؛ والحق بالنسبة للأخبار الصدق؛ وبالنسبة للأحكام العدل (١). وأصل (الحق): الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]، والحقُّ: العدل في قوله. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والحق: الدَّين في قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢). وفي قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، وجوه (٣): أحدها: أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالا بالحق. وثانيها: أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به. وثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيرا لمن أطاع الله بالثواب ونذيرا لمن كفر بالعقاب. قال الرازي: "والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول ﷺ فكأنه تعالى قال: إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك" (٤). قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]، أي: " بشيراً للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيراً للكافرين من عذاب الجحيم" (٥). قال الطبري: أي: "مبشرا من اتبعك فأطاعك، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر في الدنيا، والظفر بالثواب في الآخرة، والنعيم المقيم فيها، ومنذرا من عصاك فخالفك، ورد عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزي في الدنيا، والذل فيها، والعذاب المهين في الآخرة" (٦). قال السعدي: " ﴿بَشِيرًا﴾: أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، ﴿نَذِيرًا﴾ لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي" (٧). قال الزمخشري: " لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية لرسول اللَّه ﷺ وتسرية عنه، لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر" (٨). و(البشير): "من البشارة؛ وهي الإخبار بما يسر؛ وقد تقع فيما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] " (٩). و(النذير): "من الإنذار؛ وهو الإعلام بالمكروه؛ أي بما يخاف منه" (١٠). قال ابن عثيمين: "والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر، وهو الجنة؛ ومنذر بما يخاف منه، وهو النار .. فجمع الله له بين كونه مبشراً، ومنذراً؛ لأن ما جاء به أمر، ونهي؛ والمناسب للأمر:

стр. 912

البشارة؛ وللنهي: الإنذار؛ فعليه تكون رسالة النبي ﷺ جامعة بين البشرى، وبين الإنذار؛ والأمر، والنهي؛ إذاً فالرسول مبشر للمتقين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ومنذر للكافرين أن لهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، " أي أنت لست مسئولاً عمن لم يؤمن منهم، بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم" (٢). قال البيضاوي: " ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت" (٣). قال الزمخشري: " ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم، كقوله: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] " (٤). قال الطبري: أي" فليس عليك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك" (٥). قال السعدي: " أي: لست مسئولا عنهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب" (٦). قال ابن عثيمين: " أي لا يسألك الله عنهم؛ لأنك بلَّغت؛ والحساب على الله" (٧). قال الواحدي: " أي: لست بمسؤولٍ عنهم، وليس عليك من شأنهم عُهدة ولا تبعة، فلا تحزن عليهم، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] " (٨). و(أصحاب) جمع صاحب؛ وهو الملازم؛ و (الجحيم) من أسماء النار (٩)، أي: النار العظيمة؛ وهي لها أسماء كثيرة منها: النار، والسعير، وجهنم، والجحيم؛ كل ذلك لاختلاف أوصافها؛ وإلا فهي واحدة، وأصل (الجحيم): ما اشتد لهبه (١٠). قال الإمام الطبري: " فـ (الجحيم)، هي النار بعينها إذا شبت وقودها، ومنه قول أمية بن أبي الصلت (١١): إذا شبت جهنم ثم دارت ... وأَعْرَض عن قوابسها الجحيم" (١٢) قال الثعلبي: " الجحيم: وهو الجحم والجحمة: معظم النار" (١٣). قال الواحدي: " والجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]، أراد: النار الشديدة التأجج. ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال (١٤):

стр. 913

حتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا والجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار، ومنه قوله (١): نحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ... نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، قراءتان (٣): إحداهما: ﴿وَلا تُسْأَلُ﴾، برفع التاء واللام على الخبر، على أن (لا) نافية، وهي قرأة الجمهور. واختار أبو عبيد هذه القراءة، فقال: "لأنه لو أراد النهي لكانت الفاء أحسن من الواو (٤). وعلى هذه القراءة، ففي التفسير وجوه (٥): أحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمصَيْطِرٍ﴾ الآية [الغاشية: ٢١، ٢٢] وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وقوله: ﴿عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ [النور: ٥٤]، وأشباه ذلك من الآيات (٦). والثاني: أنك هاد وليس لك من الأمر شيء، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر: ٨]. الثالث: لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه، وفي الآية دلالة على أن أحدا لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريبا أو كان بعيدا. القراءة الثانية: ﴿ولا تَسألْ﴾، بالجزم وفتح التاء على أن (لا) ناهية، وهي قراءة نافع. وفي هذه القراءة وجهان (٧): أحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء، لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة. والثاني: وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان! أي قد بلغ فوق ما تحسب. قال الزمخشري: " وتعضد القراءة الأولى، قراءة عبد اللَّه: ﴿ولن تسئل﴾، وقراءة أبىّ: ﴿وما تسئل﴾ " (٨)، ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفى أن يكون مسؤولا عنهم (٩). والراجح: من قرأ بالرفع، على الخبر ﴿وَلا تُسْأَلُ﴾، "لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكفرهم بالله، وجراءتهم على أنبيائه، ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿إنا أرسلناك﴾ يا محمد ﴿بالحق بشيرا﴾، من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه

стр. 914

، ﴿ونذيرا﴾ من كفر بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فليس عليك من أعمال من كفر بك - بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الرد على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لولا يكلمنا الله ... ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق﴾. ٢ - ومنها: ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك﴾. ٣ - ومنها: أن النبي ﷺ رسول صادق؛ وليس برب؛ لأن الرسول لا يمكن أن يكون له مقام المرسِل. ٤ - ومنها: أن رسالة النبي ﷺ متضمنة لأمر، ونهي، وتبشير، وإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿بشيراً ونذيراً﴾؛ والحكمة من ذلك ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان قد يهون عليه فعل الأوامر، ويشق عليه ترك المنهيات؛ أو بالعكس؛ فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين الابتلاء في كفّ الإنسان نفسه عن المحارم، ولو كانت كلها نواهي ما تبين ابتلاء الإنسان بحمل نفسه على الأوامر؛ فكان الابتلاء بالأمر، والنهي غاية الحكمة؛ فالشيخ الكبير يهون عليه ترك الزنى؛ ولذلك كانت عقوبته على الزنى أشد من عقوبة الشاب؛ المهم أن الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف؛ فمثلاً الصلاة تكليف بدني؛ والزكاة بذل للمحبوب؛ والصيام ترك محبوب؛ والحج تكليف بدني، ومالي. ٥ - ومن فوائد الآية: أن وظيفة الرسل الإبلاغ؛ وليسوا مكلفين بعمل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم﴾. ٦ - وعلى القراءة الثانية نستفيد فائدة ثانية؛ وهي شدة عذاب أصحاب الجحيم - والعياذ بالله -؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم﴾. القرآن ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠] التفسير: ولن ترضى عنك -أيها الرسول- اليهود ولا النصارى إلا إذا تركت دينك واتبعتَ دينهم. قل لهم: إن دين الإسلام هو الدين الصحيح. ولئن اتبعت أهواء هؤلاء بعد الذي جاءك من الوحي ما لك عند الله مِن وليٍّ ينفعك، ولا نصير ينصرك. هذا موجه إلى الأمّة عامة وإن كان خطابًا للنبي ﷺ . في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال الواحدي: "قال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النبي ﷺ الهدنة ويطمعون أنهم إذا هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٢). الثاني: وقال ابن عباس: "هذا في القبلة وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ﷺ إلى قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فيئسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٣). والثالث: وقال مقاتل: " كان اليهود من أهل المدينة والنصارى من أهل نجران دعوا النبي ﷺ إلى دينهم وزعموا أنهم على الهدى فنزلت" (٤).

стр. 915

والرابع: وقال ابن عطية: " روي أن سبب هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله ﷺ الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعا منهم، فأعلمه الله تعالى أن إعطاء الهدنة لا ينفع عندهم، وأطلعه على سر خداعهم" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، " أي لن ترضى عنك الطائفتان «اليهود والنصارى» حتى تترك الإِسلام لمنير وتتبع دينهم الأعوج" (٢). قال الطبري: أي " وليست اليهود، يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق" (٣). قال الزجاج: " أَعلم اللَّه أَنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فنهاه اللَّه ووعظه في الركون إِلى شيءٍ مما يدعون إِليه" (٤). قال القرطبي: " فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم" (٥). قال الواحدي: " أخبر أنه لا يرضيهم إلا ما يستحيل وجوده، وما لا سبيل إليه؛ لأن اليهود لا ترضى عنه إلا بالتهود، والنصارى إلا بالتنصر، ويستحيل الجمع بينهما، فإذا استحال إرضاؤهم فهم لا يرضَوْنَ عنه أبدًا" (٦). قال السعدي: " يخبر تعالى رسوله، أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى، إلا باتباعه دينهم، لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه الهدى" (٧). قال النسفي: "كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فذكر الله كلامهم" (٨). قال أبو السعود: " بيان لكمال شدة شكيمة هاتين الطائفتين خاصة إثر بيان ما يعمهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت، وإيراد ﴿لا﴾ النافية بين المعطوفين لتأكيد النفي لما مر من أن تصلب اليهود في أمثال هذه العظائم أشد من النصارى، والإشعار بأن رضى كل منهما مباين لرضى الأخرى أي لن ترضى عنك اليهود ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع ملتهم ولا النصارى ولو تركتم ودينهم حتى تتبع ملتهم، فأوجز النظم ثقة بظهور المراد وفيه من المبالغة في إقناطه ﷺ من إسلامهم ما لا غاية وراءه، فإنهم حيث لم يرضوا عنه ﵇ ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون، بل أملوا منه ﷺ مالا يكاد يدخل تحت الإمكان من اتباعه ﵇ لملتهم، فكيف يتوهم اتباعهم لملته ﵇ وهذه حالتهم في أنفسهم ومقالتهم فيما بينهم، وأما أنهم أظهروها للنبي ﷺ وشافهوه بذلك وقالوا لن نرضى عنك وإن بالغت في طلب رضانا، حتى تتبع ملتنا كما قيل فلا يساعده النظم الكريم، بل فيه ما يدل على خلافه فإن قوله " (٩).
следующие страницы →