стр. 911
أرسلناك متلبساً بالحق؛ أو أن المعنى: حاملاً الحق في هذه الرسالة؛ والآية تحتمل المعنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق؛ والثاني: أن ما أرسلت به حق؛ والمعنيان كلاهما صحيح؛ فتحمل الآية عليهما؛ فالرسول ﷺ رسالته حق؛ وعليه فالباء للملابسة؛ والرسول ﷺ ما أرسل به فهو حق؛ وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني أن رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق؛ والحق هو الثابت المستقر؛ وهو ضد الباطل؛ والحق بالنسبة للأخبار الصدق؛ وبالنسبة للأحكام العدل (١).
وأصل (الحق): الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]، والحقُّ: العدل في قوله. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والحق: الدَّين في قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، وجوه (٣):
أحدها: أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالا بالحق.
وثانيها: أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به.
وثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيرا لمن أطاع الله بالثواب ونذيرا لمن كفر بالعقاب.
قال الرازي: "والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول ﷺ فكأنه تعالى قال: إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك" (٤).
قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]، أي: " بشيراً للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيراً للكافرين من عذاب الجحيم" (٥).
قال الطبري: أي: "مبشرا من اتبعك فأطاعك، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر في الدنيا، والظفر بالثواب في الآخرة، والنعيم المقيم فيها، ومنذرا من عصاك فخالفك، ورد عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزي في الدنيا، والذل فيها، والعذاب المهين في الآخرة" (٦).
قال السعدي: " ﴿بَشِيرًا﴾: أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، ﴿نَذِيرًا﴾ لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي" (٧).
قال الزمخشري: " لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية لرسول اللَّه ﷺ وتسرية عنه، لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر" (٨).
و(البشير): "من البشارة؛ وهي الإخبار بما يسر؛ وقد تقع فيما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] " (٩).
و(النذير): "من الإنذار؛ وهو الإعلام بالمكروه؛ أي بما يخاف منه" (١٠).
قال ابن عثيمين: "والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر، وهو الجنة؛ ومنذر بما يخاف منه، وهو النار .. فجمع الله له بين كونه مبشراً، ومنذراً؛ لأن ما جاء به أمر، ونهي؛ والمناسب للأمر: