← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أرسلناك متلبساً بالحق؛ أو أن المعنى: حاملاً الحق في هذه الرسالة؛ والآية تحتمل المعنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق؛ والثاني: أن ما أرسلت به حق؛ والمعنيان كلاهما صحيح؛ فتحمل الآية عليهما؛ فالرسول ﷺ رسالته حق؛ وعليه فالباء للملابسة؛ والرسول ﷺ ما أرسل به فهو حق؛ وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني أن رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق؛ والحق هو الثابت المستقر؛ وهو ضد الباطل؛ والحق بالنسبة للأخبار الصدق؛ وبالنسبة للأحكام العدل (١). وأصل (الحق): الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]، والحقُّ: العدل في قوله. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والحق: الدَّين في قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢). وفي قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، وجوه (٣): أحدها: أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالا بالحق. وثانيها: أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به. وثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيرا لمن أطاع الله بالثواب ونذيرا لمن كفر بالعقاب. قال الرازي: "والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول ﷺ فكأنه تعالى قال: إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك" (٤). قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]، أي: " بشيراً للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيراً للكافرين من عذاب الجحيم" (٥). قال الطبري: أي: "مبشرا من اتبعك فأطاعك، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر في الدنيا، والظفر بالثواب في الآخرة، والنعيم المقيم فيها، ومنذرا من عصاك فخالفك، ورد عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزي في الدنيا، والذل فيها، والعذاب المهين في الآخرة" (٦). قال السعدي: " ﴿بَشِيرًا﴾: أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، ﴿نَذِيرًا﴾ لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي" (٧). قال الزمخشري: " لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية لرسول اللَّه ﷺ وتسرية عنه، لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر" (٨). و(البشير): "من البشارة؛ وهي الإخبار بما يسر؛ وقد تقع فيما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] " (٩). و(النذير): "من الإنذار؛ وهو الإعلام بالمكروه؛ أي بما يخاف منه" (١٠). قال ابن عثيمين: "والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر، وهو الجنة؛ ومنذر بما يخاف منه، وهو النار .. فجمع الله له بين كونه مبشراً، ومنذراً؛ لأن ما جاء به أمر، ونهي؛ والمناسب للأمر:

стр. 912

البشارة؛ وللنهي: الإنذار؛ فعليه تكون رسالة النبي ﷺ جامعة بين البشرى، وبين الإنذار؛ والأمر، والنهي؛ إذاً فالرسول مبشر للمتقين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ومنذر للكافرين أن لهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، " أي أنت لست مسئولاً عمن لم يؤمن منهم، بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم" (٢). قال البيضاوي: " ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت" (٣). قال الزمخشري: " ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم، كقوله: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] " (٤). قال الطبري: أي" فليس عليك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك" (٥). قال السعدي: " أي: لست مسئولا عنهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب" (٦). قال ابن عثيمين: " أي لا يسألك الله عنهم؛ لأنك بلَّغت؛ والحساب على الله" (٧). قال الواحدي: " أي: لست بمسؤولٍ عنهم، وليس عليك من شأنهم عُهدة ولا تبعة، فلا تحزن عليهم، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] " (٨). و(أصحاب) جمع صاحب؛ وهو الملازم؛ و (الجحيم) من أسماء النار (٩)، أي: النار العظيمة؛ وهي لها أسماء كثيرة منها: النار، والسعير، وجهنم، والجحيم؛ كل ذلك لاختلاف أوصافها؛ وإلا فهي واحدة، وأصل (الجحيم): ما اشتد لهبه (١٠). قال الإمام الطبري: " فـ (الجحيم)، هي النار بعينها إذا شبت وقودها، ومنه قول أمية بن أبي الصلت (١١): إذا شبت جهنم ثم دارت ... وأَعْرَض عن قوابسها الجحيم" (١٢) قال الثعلبي: " الجحيم: وهو الجحم والجحمة: معظم النار" (١٣). قال الواحدي: " والجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]، أراد: النار الشديدة التأجج. ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال (١٤):

стр. 913

حتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا والجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار، ومنه قوله (١): نحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ... نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، قراءتان (٣): إحداهما: ﴿وَلا تُسْأَلُ﴾، برفع التاء واللام على الخبر، على أن (لا) نافية، وهي قرأة الجمهور. واختار أبو عبيد هذه القراءة، فقال: "لأنه لو أراد النهي لكانت الفاء أحسن من الواو (٤). وعلى هذه القراءة، ففي التفسير وجوه (٥): أحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمصَيْطِرٍ﴾ الآية [الغاشية: ٢١، ٢٢] وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وقوله: ﴿عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ [النور: ٥٤]، وأشباه ذلك من الآيات (٦). والثاني: أنك هاد وليس لك من الأمر شيء، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر: ٨]. الثالث: لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه، وفي الآية دلالة على أن أحدا لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريبا أو كان بعيدا. القراءة الثانية: ﴿ولا تَسألْ﴾، بالجزم وفتح التاء على أن (لا) ناهية، وهي قراءة نافع. وفي هذه القراءة وجهان (٧): أحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء، لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة. والثاني: وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان! أي قد بلغ فوق ما تحسب. قال الزمخشري: " وتعضد القراءة الأولى، قراءة عبد اللَّه: ﴿ولن تسئل﴾، وقراءة أبىّ: ﴿وما تسئل﴾ " (٨)، ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفى أن يكون مسؤولا عنهم (٩). والراجح: من قرأ بالرفع، على الخبر ﴿وَلا تُسْأَلُ﴾، "لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكفرهم بالله، وجراءتهم على أنبيائه، ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿إنا أرسلناك﴾ يا محمد ﴿بالحق بشيرا﴾، من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه

стр. 914

، ﴿ونذيرا﴾ من كفر بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فليس عليك من أعمال من كفر بك - بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الرد على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لولا يكلمنا الله ... ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق﴾. ٢ - ومنها: ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك﴾. ٣ - ومنها: أن النبي ﷺ رسول صادق؛ وليس برب؛ لأن الرسول لا يمكن أن يكون له مقام المرسِل. ٤ - ومنها: أن رسالة النبي ﷺ متضمنة لأمر، ونهي، وتبشير، وإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿بشيراً ونذيراً﴾؛ والحكمة من ذلك ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان قد يهون عليه فعل الأوامر، ويشق عليه ترك المنهيات؛ أو بالعكس؛ فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين الابتلاء في كفّ الإنسان نفسه عن المحارم، ولو كانت كلها نواهي ما تبين ابتلاء الإنسان بحمل نفسه على الأوامر؛ فكان الابتلاء بالأمر، والنهي غاية الحكمة؛ فالشيخ الكبير يهون عليه ترك الزنى؛ ولذلك كانت عقوبته على الزنى أشد من عقوبة الشاب؛ المهم أن الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف؛ فمثلاً الصلاة تكليف بدني؛ والزكاة بذل للمحبوب؛ والصيام ترك محبوب؛ والحج تكليف بدني، ومالي. ٥ - ومن فوائد الآية: أن وظيفة الرسل الإبلاغ؛ وليسوا مكلفين بعمل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم﴾. ٦ - وعلى القراءة الثانية نستفيد فائدة ثانية؛ وهي شدة عذاب أصحاب الجحيم - والعياذ بالله -؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم﴾. القرآن ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠] التفسير: ولن ترضى عنك -أيها الرسول- اليهود ولا النصارى إلا إذا تركت دينك واتبعتَ دينهم. قل لهم: إن دين الإسلام هو الدين الصحيح. ولئن اتبعت أهواء هؤلاء بعد الذي جاءك من الوحي ما لك عند الله مِن وليٍّ ينفعك، ولا نصير ينصرك. هذا موجه إلى الأمّة عامة وإن كان خطابًا للنبي ﷺ . في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال الواحدي: "قال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النبي ﷺ الهدنة ويطمعون أنهم إذا هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٢). الثاني: وقال ابن عباس: "هذا في القبلة وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ﷺ إلى قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فيئسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٣). والثالث: وقال مقاتل: " كان اليهود من أهل المدينة والنصارى من أهل نجران دعوا النبي ﷺ إلى دينهم وزعموا أنهم على الهدى فنزلت" (٤).

стр. 915

والرابع: وقال ابن عطية: " روي أن سبب هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله ﷺ الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعا منهم، فأعلمه الله تعالى أن إعطاء الهدنة لا ينفع عندهم، وأطلعه على سر خداعهم" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، " أي لن ترضى عنك الطائفتان «اليهود والنصارى» حتى تترك الإِسلام لمنير وتتبع دينهم الأعوج" (٢). قال الطبري: أي " وليست اليهود، يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق" (٣). قال الزجاج: " أَعلم اللَّه أَنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فنهاه اللَّه ووعظه في الركون إِلى شيءٍ مما يدعون إِليه" (٤). قال القرطبي: " فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم" (٥). قال الواحدي: " أخبر أنه لا يرضيهم إلا ما يستحيل وجوده، وما لا سبيل إليه؛ لأن اليهود لا ترضى عنه إلا بالتهود، والنصارى إلا بالتنصر، ويستحيل الجمع بينهما، فإذا استحال إرضاؤهم فهم لا يرضَوْنَ عنه أبدًا" (٦). قال السعدي: " يخبر تعالى رسوله، أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى، إلا باتباعه دينهم، لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه الهدى" (٧). قال النسفي: "كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فذكر الله كلامهم" (٨). قال أبو السعود: " بيان لكمال شدة شكيمة هاتين الطائفتين خاصة إثر بيان ما يعمهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت، وإيراد ﴿لا﴾ النافية بين المعطوفين لتأكيد النفي لما مر من أن تصلب اليهود في أمثال هذه العظائم أشد من النصارى، والإشعار بأن رضى كل منهما مباين لرضى الأخرى أي لن ترضى عنك اليهود ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع ملتهم ولا النصارى ولو تركتم ودينهم حتى تتبع ملتهم، فأوجز النظم ثقة بظهور المراد وفيه من المبالغة في إقناطه ﷺ من إسلامهم ما لا غاية وراءه، فإنهم حيث لم يرضوا عنه ﵇ ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون، بل أملوا منه ﷺ مالا يكاد يدخل تحت الإمكان من اتباعه ﵇ لملتهم، فكيف يتوهم اتباعهم لملته ﵇ وهذه حالتهم في أنفسهم ومقالتهم فيما بينهم، وأما أنهم أظهروها للنبي ﷺ وشافهوه بذلك وقالوا لن نرضى عنك وإن بالغت في طلب رضانا، حتى تتبع ملتنا كما قيل فلا يساعده النظم الكريم، بل فيه ما يدل على خلافه فإن قوله " (٩).

стр. 916

قال أبو حيان: "أي ليس غرضهم ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات ويوردونه من التعنتات فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون وأوجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم" (١). و(الملة): "اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله، فكانت الملة والشريعة سواء، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشريعة، فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله، والدين ما فعله العباد عن أمره" (٢). وقوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾، "فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني علومهم وأحاديثهم" (٣). وأخرج الثعلبي عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُم﴾، قال: "دينهم" (٤). قال ابن عطية: " والملة الطريقة، وقد اختصت اللفظة بالشرائع والدين، وطريق ممل أي قد أثر المشي فيه" (٥). واختلف في أصل (الملة) في اللغة على أقوال: أحدها: الدين، قاله ابن عباس (٦). وفي سبب تسمية الدين بالملة قولان (٧): القول الأول: أنه "سُمَيَ الدينُ ملّةً؛ لأنه يُمَلُّ، أي: يُملَى على المدعوِّ إليه" (٨). القول الثاني: أن "الملّة: (فِعْلةٌ) من مَلَّه يمُلّه، إذا ألقاه في الرماد الحار، جُعِلَتْ اسمًا للدين؛ لما فيه من مشاق تخرج عن قضية" (٩). الثاني: السنّة والطريقة. قاله الزجاج (١٠). ومنه (المَلة)، "أي: الموضع الذي يختبز فيه، لأنها تؤَثر في مكانها كما يؤَثِّر في الطريق" (١١). وقد اختلف العلماء في توارث الكفار بعضهم من بعض، كاليهود مع النصارى أو المجوس، على أقوال (١٢): القول الأول: أن الكفر بجميع نحله ملة واحدة. قال القرطبي: " تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ فوحد الملة، وبقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، وبقوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين" (١٣) على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل قوله ﵇: "لا يرث المسلم الكافر" (١٤) " (١٥).

стр. 917

القول الثاني: أن الكفر ملل متعددة، لا يرث أهل كل ملة من أهل الملة الأخرى. وهذا القول رواية عن أحمد، وهو القول الثاني للمالكية، إذ ذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين" (١) (٢). والقول الثاني هو الراجح. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]، " أي: ليس الهدى ما أنتم عليه؛ بل إن هدى الله وحده هو الهدى" (٣). قال ابن عباس: "يريد أن الذي أنت عليه هو دين الله الذي رضيه" (٤). قال ابن أبي زمنين: " يعني: الإسلام الذي أنت عليه" (٥). قال الزجاج: " أي الصراط الذي دعا إليه وهدى إليه هو الطريق، أي طريق الحق" (٦). قال الصابوني: " أي قل لهم يا محمد إِن الإِسلام هو الدين الحق وما عداه فهو ضلال" (٧) قال القرطبي: "أي: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء" (٨) من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة. قال أبو السعود: " أي قل ردا عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى بالحق والذي يحق ويصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إليه ليس بهدى، بل هو هوى" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، " أي ولئن سايرتهم على آرائهم الزائفة وأهوائهم الفاسدة" (١٠). قال النسفي: " أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع" (١١). قال ابن أبي زمنين: " يثبته بذلك؛ وقد علم ﷻ أنه لا يتبع أهواءهم" (١٢). قال أبو السعود: " أي آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم، وهي التي عبر عنها فيما قبل بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها، وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المعنى الحقيقي للملة، فقد غيروها تغييرا" (١٣).

стр. 918

و (الأهواء) جمع (هوى)، كما تقول: جمل وأجمال، ولما كانت مختلفة جمعت (١)، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم (٢). قال الزجاج: " إِنما جمع ولم يقل (هواهم)، لأن جميع الفرق ممن خالف النبي ﷺ لم يكن ليرضيهم منه إلا أتباع هواهم" (٣). قال الواحدي: " وأراد بهذا: ما يدعونه إليه من المهادنة والإمهال" (٤). وفي هذا الخطاب وجهان (٥): أحدهما: أنه للرسول، لتوجه الخطاب إليه. والمعنى: " لإن صليت نحو قبلتهم بعد الذي جاءك من العلم في التحويل إلى الكعبة" (٦). قال القرطبي: " فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته" (٧). والثاني: أنه للرسول والمراد به أمته، لأن الرسول- ﷺ معصوم، والمعنى: " فقد علمتم أن محمدًا قد جاءكم بالحق والصدق، فلا تتبعوا أهواء الكافرين، فلا يكونَ لكم من دوني ولي ولا نصير" (٨). قال ابن عطية: " فهذا شرط، خوطب به النبي ﷺ ، وأمته معه داخلة فيه" (٩). قوله تعالى: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠]، أي: " بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة" (١٠). قال أبو السعود: " أي الوحي أو الدين المعلوم صحته" (١١). قال النسفي: " أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة" (١٢). قال الواحدي: أي" دين الله هو الإسلام، وقيل: من العلم أنهم على الضلالة" (١٣). قال ابن عثيمين: " يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي ﷺ سواء كان القرآن، أو السنة؛ فالذي جاء إلى الرسول ﷺ عِلم" (١٤). قال الثعلبي: أي: " بعد الذي جاءك من العلم البيان بأن دين الله هو الإسلام وقبلة إبراهيم ﵇ هي الكعبة" (١٥). وكان أحمد بن حنبل يكفّر من يقول: "القرآن مخلوق، فقيل: بم كفرته؟ فقال: بآيات من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥]، والقرآن من علم الله، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر" (١٦).

стр. 919

قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]، " أي ليس لك من يحفظك أو يدفع عنك عقابة الأليم" (١). قال أبو السعود: أي: "ليس لك من جهته العزيزة من ولي يلي أمرك عموما ولا نصير يدفع عقابه" (٢). قال ابن عثيمين: أي: " ما أحد يتولى حفظك سوى الله ، ولا أحد يتولى نصرك، فيدفع عنك الشر سوى الله " (٣). قال ابن عطية: " (الولي): الذي يتولى الإصلاح والحياطة والنصر والمعونة، و ﴿نَصِيرٍ﴾، بناء مبالغة في اسم الفاعل من نصر" (٤). قال السعدي: " فهذا فيه النهي العظيم، عن اتباع أهواء اليهود والنصارى، والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله ﷺ فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب" (٥). قال الشوكاني: "وعيد شديد لرسول الله- ﷺ -إن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم ويحتمل أن يكون تعريضا لأمته وتحذيرا لهم أن يواقعوا شيئا من ذلك أو يدخلوا في أهوية أهل الملل ويطلبوا رضا أهل البدع وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتتصدع منه الأفئدة ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه والقائمين ببيان شرائعه ترك الدهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء التاركين للعمل بالكتاب والسنة المؤثرين لمحض الرأي عليهما فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولا وأبان من أخلاقه لينا لا يرضيه إلا اتباع بدعته والدخول في مداخله والوقوع في حبائله فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنة رسوله لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة وجهالة بينة ورأي منهار وتقليد على شفا جرف هار فهو إذ ذاك ما له من الله من ولي ولا نصير ومن كان كذلك فهو مخذول لا محالة وهالك بلا شك ولا شبهة" (٦). قال الرازي: وهذه الآية " فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد، فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعا ونصيرا لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف، لأن اتباع أهوائهم كفر، وعندنا لا شفاعة في الكفر" (٧). الفوائد: ١ - بيان عناد اليهود، والنصارى، حيث لا يرضون عن أحد إلا إذا اتبع دينهم. ٢ - ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله تعالى: ﴿ملتهم﴾؛ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة؛ أما باعتبار أنواعه فإنه ملل: اليهودية ملة؛ والنصرانية ملة؛ والبوذية ملة؛ وهكذا بقية الملل؛ ولكن كل هذه الملل باعتبار مضادة الإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر؛ فتكون جنساً، والملل أنواعاً. ٣ - ومنها: أن ما عدا هدى الله ضلال؛ قال الله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾ [يونس: ٣٢]؛ فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال؛ وليس ثمة واسطة بين هدى الله، والضلال. ٤ - ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس ديناً؛ بل هو هوى؛ لقوله تعالى: ﴿أهواءهم﴾؛ ولم يقل ملتهم كما في الأول؛ ففي الأول قال تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾؛ لأنهم يعتقدون أنهم على ملة، ودين؛ ولكن بيَّن الله تعالى أن هذا ليس بدين، ولا ملة؛ بل هوى؛ وليسوا على هدًى؛ إذ لو

стр. 920

كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم؛ ولوجب عليهم جميعاً أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ؛ لكن دينهم هوى، وليس هدًى؛ وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاءت به الرسل -عليهم الصلوات والسلام -، ويتعصب له؛ فإن ملته هوى، وليست هدًى. ٥ - ومن فوائد الآية: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أشد ضلالة؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ... ﴾ الآية. ٦ - ومنها: أنك إذا اتبعت غير شريعة الله فلا أحد يحفظك من الله؛ ولا أحد ينصرك من دونه، حتى لو كثر الجنود عندك؛ ولو كثرت الشُرَط؛ ولو اشتدت القوة؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله ، كما قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم. ٧ - ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفاً، ورجاءً؛ لأنك متى علمت أنه ليس لك وليّ، ولا نصير فلا تتعلق إلا بالله؛ فلا تعلق قلبك أيها المسلم إلا بربك. ٨ - ومن الفوائد: أن العقوبات إنما تقع على العبد بعد أن يأتيه العلم، وأما الجاهل فلا عقوبة عليه، وهذا الأصل يشهد له آيات كثيرة متعددة، منها: - قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. - وقوله تعالى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. - وقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]. - وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. القرآن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١] التفسير: الذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يقرؤونه القراءة الصحيحة، ويتبعونه حق الاتباع، ويؤمنون بما جاء فيه من الإيمان برسل الله، ومنهم خاتمهم نبينا ورسولنا محمد ﷺ ، ولا يحرفون ولا يبدِّلون ما جاء فيه. هؤلاء هم الذين يؤمنون بالنبي محمد ﷺ وبما أنزل عليه، وأما الذين بدَّلوا بعض الكتاب وكتموا بعضه، فهؤلاء كفار بنبي الله محمد ﷺ وبما أنزل عليه، ومن يكفر به فأولئك هم أشد الناس خسرانًا عند الله. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (١): أحدها: قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: "نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر ابن أبي طالب من أرض الحبشة كانوا أربعين رجلا من الحبشة وأهل الشام" (٢). الثاني: وقال الضحاك (٣) وابن زيد (٤): "نزلت فيمن آمن من اليهود" (٥). الثالث: وقال قتادة (٦) وعكرمة (٧): "نزلت في أصحاب محمد ﷺ " (٨).

стр. 921

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٢١]، "أي أعطيناهم الكتاب " (١). قال صاحب الكشاف: " هم المؤمنون من أهل الكتاب" (٢). قال أبو السعود: " هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه" (٣). قال الطبري: أي" الذين آتيناهم الكتاب، يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي" (٤). واختلف في الذين عناهم الله تعالى بقوله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٢١]، على قولين (٥): أحدهما: أنهم المؤمنون برسول الله- ﷺ ، والكتاب هو القرآن، وهذا قول قتادة (٦). والثاني: أنهم علماء اليهود، والكتاب هو التوراة، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (٧) والقول الثاني أولى بالصواب، واختاره الإمام الطبري، وذلك، "لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين، وتبديل من بدل منهم كتاب الله، وتأولهم إياه على غير تأويله، وادعائهم على الله الأباطيل. ولم يجر لأصحاب محمد ﷺ في الآية التي قبلها ذكر" (٨). قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، "ي يقرءونه قراءة حقة كما أنزل" (٩). قال عبدالله ابن مسعود: "والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله" (١٠). وقال ابن عباس: "يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس: ٢] "، يقول: اتَّبَعَها" (١١). قال ابن عطية: أي: " يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر والنهي" (١٢). قال الزمخشري: أي" لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول اللَّه ﷺ " (١٣). قال الطبري: أي: " يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه، فيؤمنون به ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنك رسولي ... ولا يحرفونه عن مواضعه ولا يبدلونه ولا يغيرونه - كما أنزلته عليهم - بتأويل ولا غيره" (١٤). قال أبو السعود: وذلك: " بمراعاة لفظه عن التحريف وبالتدبر في معانيه، والعمل بما فيه" (١٥). قال الآلوسي: " أي يقرؤونه حق قراءته وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللفظ والتأمل في المعنى وحق الأمر والنهي" (١٦). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، أقوال: أحدها: يقرؤونه حق قراءة (١٧).

стр. 922

والثاني: يتبعونه حق اتباعه، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، وهذا قول ابن عباس (١)، وعكرمة (٢)، والسدي (٣)، وعبدالله بن مسعود (٤)، وعطاء (٥)، وأبي رزين (٦)، ومجاهد (٧)، وقيس بن سعد (٨)، والحسن (٩)، وإبراهيم النخعي (١٠)، وهو قول الجمهور. الثالث: أن المراد: "إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار". قاله عمر بن الخطاب (١١). الرابع: أن المعنى: "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، يَكِلُونَ ما أشكل عليهم إلى عالمه. قاله حسن البصري (١٢). والصواب أن المعنى: يتبعونه حق اتباعه، لإجماع الحجة من أهل العلم على أن ذلك تفسيره. والله أعلم. والتلاوة يراد بها ثلاث أمور (١٣): أحدها: التلاوة اللفظية، بأن يقيم الإنسان حروف الكتاب الذي أنزل. والثاني: التلاوة المعنوية، بأن يقيم معناه، أي معنى الكتاب الذي أنزل، وذلك بأن يفسره بما أراد الله لا بهوى نفسه. والثالث: التلاوة الحكمية العملية، بأن يؤمن بأخباره، ويقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، "أي فأولئك هم المؤمنون حقاً دون المعاندين المحرفين لكلام الله" (١٤). قال ابن كثير: "أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد" (١٥). قال أبو السعود: أي أولئك يؤمنون "بكتابهم دون المحرفين، فإنهم بمعزل من الإيمان به فإنه لا يجامع الكفر ببعض منه" (١٦). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾، فيه "إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه، وما فيه من معنى البعد، للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، "أي ومن كفر بالقرآن" (١٨). قال أبو السعود: أي " بالتحريف والكفر بما يصدقه" (١٩).

стр. 923

قال الطبري: " والذي يكفر بالكتاب: بأن يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد ﷺ ، وتصديقه، ويبدله فيحرف تأويله" (١). قال الآلوسي: " أي: بالكتاب، بسبب التحريف والكفر بما يصدقه" (٢). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]، "أي فألئك هم الخاسرون لا غيرهم" (٣). قال الزمخشري: "حيث اشتروا الضلالة بالهدى" (٤). قال أبو السعود: " حيث اشتروا الكفر بالإيمان" (٥). قال الصابوني: أي: "فقد خسر دنياه وآخرته" (٦). قال الطبري: أي " أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله، واستبدلوا بها سخط الله وغضبه (٧). قال الآلوسي: هم الخاسرون" من جهة أنهم اشتروا الكفر بالإيمان، وقيل: بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف" (٨). قال ابن عطية: " والخسران نقصان الحظ" (٩). قال ابن عثيمين: وأصل (الخسران) النقص؛ ولهذا يقال: ربح؛ ويقال في مقابله: خسر؛ فهؤلاء هم الذي حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة، وفانية، فلا تنفعهم (١٠). وفي الصحيح: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار" (١١). الفوائد: ١ - الثناء على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته. ٢ - أن من لم يقم حروف الكتاب، فإنه لم يؤمن به حق الإيمان، لأنه لم يتله حق تلاوته. ٣ - أن التلاوة تنقسم إلى قسمين: تلاوة تامة: وهي أن يكون الإنسان تالياً للفظه، ولمعناه عاملاً بأحكامه مصدقاً بأخباره؛ فمن استكبر أو جحد فإنه لم يتله حق تلاوته. وتلاوة ناقصة: وهي ما دون ذلك. ٤ - أن من لم يقم بالعمل الصالح الذي دل عليه الكتاب؛ فإنه لم يتله حق تلاوته، فيكون ناقص الإيمان. ٥ - الثناء على التالين لكتاب الله حق تلاوته، لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ). ٦ - أن الكافر بالكتاب الذي أنزله الله على رسله، خاسر في الدنيا والآخرة، فالكافر بالقرآن مهما أصاب من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾؛ يكون خاسراً، ولو نال من الدنيا من أموال، وبنين، ومراكب فخمة، وقصور مشيدة؛ لأن هذه كلها سوف تذهب، وتزول؛ أو هو يزول عنها، ولا

стр. 924

تنفعه؛ واذكر قصة قارون، واتل قول الله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ [الزمر: ١٥]؛ فإذاً يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ [المنافقون: ٩]؛ ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ [المنافقون: ٩] يعني: ولو ربحوا في دنياهم. ٧ - قال ابن القيم في الفوائد: "إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله" (١). ٨ - ومن فوائد الآية: علوّ مرتبة من يتلون الكتاب حق تلاوته؛ للإشارة إليهم بلفظ البعيد: ﴿أولئك يؤمنون به﴾. القرآن ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾ [البقرة: ١٢٢] التفسير: يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم، وأني فَضَّلتكم على عالَمي زمانكم بكثرة أنبيائكم، وما أُنزل عليهم من الكتب. قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، "أي يا أولاد إسرائيل" (٢). قال البغوي: " يا أولاد يعقوب" (٣). والأصل في ﴿بني﴾، أن تكون للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور، والإناث، كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ﴾ [الأعراف: ٢٦] " (٤). وقوله ﴿إِسْرَائِيلَ﴾، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ إذ كان يدعى (إسرائيل) (٥). وذكر أهل التفسير في اشتقاق كلمة (إِسْرَائِيلَ)، وجوها (٦): أحدها: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد في اللغة العبرانية، و (إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله. والثاني: أن معنى (إسرا) صفوة، و (إيل) الله تعالى، ومعناه صفوة الله. وفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في البحر، وقال بعدها: "وهذه أقاويل ضعاف" (٧). قال الواحدي: "والأصح عند أهل اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له" (٨). أخرج الطبري عن ابن عباس، " أن إسرائيل كقولك: عبد الله" (٩). وأخرج أيضا بسنده "عن عبد الله بن الحارث، قال: (إيل)، الله بالعبرانية" (١٠). واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، على وجوه (١١): أحدها: ﴿إسراييل﴾، بقلب الهمزة ياء. روي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق. والثاني: ﴿إسرائل﴾، بحذف الياء.

стр. 925

والثالث: ﴿إسرال﴾، بحذف الهمزة والياء. وقال ابن عباس: "حضرت عصابة من اليهود نبي الله- ﷺ ، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ فقالوا: اللهم نعم، قال النبي ﷺ : أشهد عليهم" (١). واختلف في المخاطب في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، على وجهين (٢): أحدهما: أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد ﷺ ، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. قاله مكي (٣). وعلى هذا القول، يستقيم الضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة. والثاني: أن الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي ﵇، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد. وهو قول ابن عباس (٤)، وجمهور العلماء (٥)، ومنه قول الفرزدق (٦): وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه. وقال آخر (٧): إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل (٨). قوله تعالى: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢]، أي: "اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم" (٩). قال البيضاوي: " أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بجوارحكم؛ وذلك؛ لأن الشكر يكون في الأمور الثلاثة: في القلب، واللسان، والجوارح" (١١). وقال السعدي: "وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه" (١٢). قال البغوي: "أي: احفظوا نعمي التي أنعمتها على أجدادكم وأسلافكم، والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: "ذكر النعمة شكرها" (١٣) " (١٤).

стр. 926

وقال ابن عطية: " والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان" (١). وقوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ أي: "نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع، كقوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] " (٢). وتحركت (الياء) من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء (٣). قال الفراء: "وأما نصب الياء من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسالُ والسكون، والفتح، فإذا لَقيتها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حركت فيها الياء وكرِهوا الأخرى لأن اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها، فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي الّتي)، فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما" (٤). قال ابن عطية: "وفتحها أحسن، لزيادة حرف في كتاب الله تعالى" (٥). وذكر أهل التفسر في (النعمة) التي أنعمها عليهم، قولين (٦): أحدهما: عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. قاله ابن زيد (٧). والثاني: أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم، إذ نجَّاهم من آل فرعون، وجعل منهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وفجَّر لهم الحَجَرَ، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، والنعم على الآباء، نعم على الأبناء، لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم. وهو قول الحسن البصري (٨)، وروي عن ابن عباس (٩) وأبي العالية (١٠)، ومجاهد (١١)، نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، " أي وأعطيتكم الفضل والزيادة على غيركم من الشعوب" (١٢). قال الزمخشري: أي" على الجم الغفير من الناس" (١٣). قال الثعلبي: " يعني عالمي زمانكم" (١٤). قال قتادة: " فضلهم على عالم ذلك الزمان" (١٥). وروي عن مجاهد (١٦)، وابن زيد (١٧) مثل ذلك.

стр. 927

قال أبو العالية: " بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما" (١). وقد تقدم تفسير هذه الآية في صدر السورة آية [٤٧]. قال ابن كثير: "وكررت هنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعتَه واسمَه وأمره وأمته، فحذرهم من كتمام هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عَمِّهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم. ولا يحملهم ذلك الحسدُ على مخالفته وتكذيبه، والحيدة عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين (٢). وقال الخازن: "كررها في أول السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم" (٣). وقال ابن عاشور: " أعيد نداء بني إسرائيل نداء التنبيه والإنذار والتذكير على طريقة التكرير في الغرض الذي سيق الكلام الماضي لأجله، فإنه ابتدأ نداءهم أولاً بمثل هاته الموعظة في ابتداء التذكير بأحوالهم الكثيرة خيرها وشرها" (٤). قال الإمام الطبري: " وهذه الآية عظة من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ ، وتذكير منه لهم ما سلف من أياديه إليهم في صنعه بأوائلهم، استعطافا منه لهم على دينه وتصديق رسوله محمد صلى الله عليه وسل" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمداً ﷺ ٢ - ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿أنعمت عليكم﴾. ٣ - ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان، وكانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [الحشر: ١٤]. ٤ - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحداً بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾: خصها بالذكر لأهميتها. ٥ - ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥]. القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ [البقرة: ١٢٣]

стр. 928

التفسير: وخافوا أهوال يوم الحساب إذ لا تغني نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل الله منها فدية تنجيها من العذاب، ولا تنفعها وساطة، ولا أحد ينصرها. في سبب نزول الآية: قال الزجاج: " كانت إليهود تزعم أن آباءَها الأنبياء تشفع لها عند الله فأيئَسُهم اللَّه من ذلك" (١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، أي: "اتخذوا وقاية من هذا اليوم بالاستعداد له بطاعة الله" (٢)، وهو يوم القيامة. قال الثعلبي: " أي واحذروا يوما واخشوا يوما" (٣). قال البغوي: أي: " واخشوا عقاب يوم" (٤). قال الصابوني: " أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي" (٥). قوله تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، "أي لا تغني نفس عن نفس شيئاً" (٦). قال الصابوني: أي: " لا تقضي فيه نفسٌ عن أخرى شيئاً من الحقوق" (٧). قال أبو العالية: "يعني: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا" (٨). قال الطبري: أي"لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره" (٩). قال الثعلبي: " أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني" (١٠). قال ابن أبي زمنين: " أي: لا تغني" (١١). قال الواحدي: " أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها. و ﴿لا تجزي﴾، معناه: لا تقضي ولا يغني، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار: "ولا تجزي عن أحد بعدك" (١٢)، معناه: ولا تقضي" (١٣). قال القرطبي: "فمعنى لا تجزي: لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شي فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق" (١٤). قال ابن عثيمين: " فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئاً؛ لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسَنَسْلَم بهم من النار، أو من عذاب هذا اليوم" (١٥).

стр. 929

و ﴿نفس﴾: نكرة في سياق النفي، فيكون عاماً؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبداً، حتى الرسول ﷺ لا يغني شيئاً عن أبيه، ولا أمه (١)؛ وقد نادى ﷺ عشيرته الأقربين؛ فجعل

стр. 930

ينادي كل واحد باسمه، ويقول: "يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئاً .. " (١)، مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة؛ بل قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]: تزول الأنساب" (٢). وكثير من الآيات القرآنية تؤكد المعنى السابق أي: في يوم القيامة لا يغني أحد عن أحد، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، فهذه أبلغ المقامات: أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا (٣). وقد ذكر أهل التفسير في تعالى: ﴿لا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ١٢٣]، وجوها (٤): أحدها: معناه: لا تُغنِي، كما يقال: البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِني، وهو قول السدي (٥)، وسعيد بن جبير (٦) وأبي مالك (٧)، وقال به جماعة من أهل التفسير (٨). والثاني: معناه لا تقضي، ومنه قولهم: جزى الله فلاناً عني خيراً، أثابه عني وقضاه عني، وهو قول المفضل (٩)، وجماعة من أهل التفسير (١٠). ويسند هذا القول أن أصل الجزاء في كلام العرب: القضاء والتعويض (١١). والثالث: وقال بعضهم: ﴿لا تَجْزِي﴾ أي: لا تكفي (١٢). والرابع: وقيل: لا تُكافِئ (١٣). والأقرب من حيث اللغة هو القول الثاني، والمعنى في كل متقارب، والمراد: أنه لا يتحمل أحد عن أحد شيئاً. والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، وجوه من القراءة: أحدها: ﴿لَا تَجْزِي﴾، قرأ بها الجمهور. والثاني: ﴿لا تُجزئ﴾، مضمومة (التّاء) مهموزة (الياء). قرأ بها أبو السماك العدوي، من (أجزأ، يجزي) إذا كفي (١٤)، ومن ذلك قول الشاعر (١٥):

стр. 931

وأجزأت أمر العالمين ولم يكن ... ليجزي إلّا كامل وابن كامل قال الزمخشري: "ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء" (١). والثالث: وقرأ أبو السرار الغنوي: "لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، "أي لا يقبل منها فداء" (٣). قال ابن أبي زمنين: " أي: فداء" (٤). قال الزمخشري: " أى فدية، لأنها معادلة للمفدى، ومنه الحديث: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" (٥)، أى: توبة ولا فدية" (٦). قال المراغي: " أي لا يؤخذ من نفس فدية تنجو بها من النار، إذ هى لا تجد ذلك لتفتدى به" (٧). واختلف في قوله تعالى ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] على أوجه (٨): أحدها: أن (العدل): الفدية، " وسميت عدلاً لأن المفدي يعدل بها: أي يساويها" (٩)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحديد: ١٥]. وهذا قول أبي العالية (١٠)، والسدي (١١)، وقتادة (١٢)، وابن زيد (١٣). والثاني: أنه: البدل، والبدل: الفدية، قاله ابن عباس (١٤).أي "رجل مكان رجل" (١٥). والثالث: أنه: وروي عن ابن عباس: "أو حسنة مع الشرك" (١٦). والرابع: وروي عن علي، ﵁، في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. وهذا قول غريب (١٧). والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، لما ورد عن النبي ﷺ أنه لما سئل ما العدل؟ فقال ﷺ : "العدل الفدية" (١٨).

стр. 932

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، "أي لا يقبل من نفس عن نفس شفاعة" (١). قال الصابوني: " أي لا تفيدها شفاعة أحد، لأنها كفرت بالله" (٢). قال المراغي: أي: " ولا يشفع فيما وجب عليها من حقّ شافع، وقد كانوا يعتقدون بالمكفّرات تؤخذ فدية عما فرطوا فيه، وبشفاعة أنبيائهم لهم، فأخبرهم الله أنه لا يقوم مقام الاهتداء به شاء آخر" (٣). قال ابن أبي زمنين: " أي: إن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين" (٤). قال ابن عطية: " وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد، وإنما نفى أن تكون ثم شفاعة على حد ما هي في الدنيا، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة في خاصتهم، وأما الأخيرة التي هي بإذن من الله تعالى في أهل المعاصي من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه، وليس لهؤلاء المتوعدين من الكفار منها شيء" (٥). و"الشفاعة" هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة (٦)، من جلب المنفعة؛ وشفاعته فيمن استحق النار ألا يدخلها (٧)، وفيمن دخلها أن يخرج منها (٨)، من دفع المضرة؛ فيومَ القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل من نفس عن نفس شفاعة أبداً (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، " أي: لا يدفع عنهم أحد عذاب الله ولا يجيرهم من سطوة عقابه" (١٠). قال البغوي: ولا هم" يمنعون من عذاب الله" (١١). قال الطبري: " يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر" (١٢). قال المراغي: " أي إنه لا يأتيهم ناصر ينصرهم فيمنع عذاب الله عنهم إذا نزل بهم، وهذا ترهيب لمن سلفت عظتهم في الآية قبلها" (١٣). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وجهين (١٤): أحدهما: وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم.

стр. 933

والثاني: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية. والراجح هو القول الأول، وهو الأقرب الى سياق الآية، إذ "أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية - لمن استحق من خلقه عقوبته -، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات يوم القيامة، وأن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه، إذ أن ذلك اليوم لا تغني نفس عن نفس شيئاً؛ حتى الوالد لا يجزي عن ولده شيئاً؛ ولا المولود يجزي عن والده شيئاً، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً﴾. ٣ - ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل؛ قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾. ٤ - ومنها: ثبوت أصل الشفاعة في ذلك اليوم؛ لقوله تعالى: ﴿لا تنفعها شفاعة﴾؛ وثبت أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف أن يُقضى بينهم (٢)، وأنه ﷺ يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار (٣)؛ وفيمن دخل النار أن يخرج منها (٤)؛ فعلى هذا يكون العموم في قوله تعالى: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ مخصوصاً بما ثبتت به السنة من الشفاعة.

стр. 934

٥ - ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨]. ٦ - ومنها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون﴾ [الصافات: ٢٥، ٢٦]؛ فلا أحد ينصر أحداً يوم القيامة، لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم. القرآن ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤] التفسير: واذكر-أيها النبي- حين اختبر الله إبراهيم بما شرع له من تكاليف، فأدَّاها وقام بها خير قيام. قال الله له: إني جاعلك قدوة للناس. قال إبراهيم: ربِّ اجعل بعض نسلي أئمة فضلا منك، فأجابه الله سبحانه أنه لا تحصل للظالمين الإمامةُ في الدين. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]، "أي: واذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إِبراهيم، بجملة من التكاليف الشرعية" (١). قال ابن كثير: " أي: واذكر - يا محمد - لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملَّة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي" (٢). قال أبو السعود: " أي: واذكر لهم وقت ابتلائه ﵇، ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد الوازعة عن الشرك، فيقبلوا الحق ويتركوا ماهم فيه من الباطل" (٣). قال الزمخشري: " اختبره بأوامر ونواه، واختبار اللَّه عبده مجاز عن تمكينه عن اختيار أحد الأمرين: ما يريد اللَّه، وما يشتهيه العبد، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك" (٤). قال ابن عثيمين: " وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم: وهي من الربوبية الخاصة؛ فالربوبية بإزاء العبودية؛ فكما أن العبودية نوعان ــ خاصة، وعامة ــ فالربوبية أيضاً نوعان: خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قول السحرة: ﴿آمنا برب العالمين﴾ [الأعراف: ١٢١]: هذه عامة؛ ﴿رب موسى وهارون﴾ [الشعراء: ٤٨]: هذه خاصة؛ ولا شك أن ربوبية الله للرسل ــ ولا سيما أولو العزم منهم؛ وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام ــ أخص الربوبيات" (٥). ويحتمل الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجهين (٦): أحدهما: أن قوله ﴿وَإِذِ﴾، منصوب على المفعولية بمضمر مقدم، خوطب به النبي ﷺ بطريق التلوين، أي واذكر لهم وقت ابتلائه ﵇.

стр. 935

والثاني: أنه منصوب بمضمر معطوف على ﴿اذْكُرُوا﴾، خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى، عمن ينتمون إلى ملته من إبراهيم وبنيه ﵈، من الأفعال والأقوال، فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم. أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم، فأتم ما ابتلاه به. فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله، في إيفاء العهد والثبات على الوعد، لأجازيكم على ذلك جزاء المحسنين؟ . وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾، معناه: "وإذا اختبر، يقال منه: ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء، ومنه قول الله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [سورة النساء: ٦]، يعني به: اختبروهم" (١). قال الطبري: " وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به. وذلك هو " الكلمات " التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا" (٢). ثم اختلف أهل التفسير في صفة (الكلمات) التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه على أقوال (٣): أحدها: أنها شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما (٤). قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، ابتلاه الله بكلمات، فأتمهن. قال: فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧]. قال: عشر منها في (الأحزاب) (٥)، وعشر منها في (براءة) (٦)، وعشر منها في (المؤمنون) (٧)، و (سأل سائل) (٨)، وقال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما" (٩). الثاني: إنها خصال من سُنَنِ الإسلام، خمس في الرأس. قال ابن عباس: "ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء" (١٠). وروي عن قتادة (١١)، وأبي الخلد (١٢)، نحو ذلك.

стр. 936

الثالث: إنها عشر خصال، ست في الإنسان وأربع في المشاعر، فالتي في الإنسان: حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربعة في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة". وهذا قول ابن عباس في رواية حنش عنه (١). الرابع: أنها قوله: ﴿إني جاعلك للناس إماما﴾، في مناسك الحج. قاله أبو صالح (٢)، وروي عن مجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، والربيع (٥) وابن عباس (٦) نحو ذلك. الخامس: أنها مناسك الحج خاصة. وهذا قول ابن عباس في رواية قتادة عنه (٧). السادس: أنها أمور، منهن الختان. قاله الشعبي (٨). السابع: أنها الخلال الست: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن. وهذا قول الحسن (٩)، عن أبي رجاء، قال: قلت للحسن: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ". قال: ابتلاه بالكوكب، فرضي عنه؛ وابتلاه بالقمر، فرضي عنه؛ وابتلاه بالشمس، فرضي عنه؛ وابتلاه بالنار، فرضي عنه؛ وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان" (١٠). الثامن: أنها: قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩]. قاله السدي (١١). والصواب: أن هذه الكلمات التي هي محل الابتلاء والاختبار، أطلقها الله ؛ فهي كلمات كونية؛ وشرعية؛ أو جامعة بينهما؛ واختلف المفسرون في هذه الكلمات؛ وأصح الأقوال فيها أن كل ما أمره به شرعاً، أو قضاه عليه قدراً، فهو كلمات؛ فمن ذلك أنه ابتُلي بالأمر بذبح ابنه، فامتثل؛ لكن الله رفع ذلك عنه حين استسلم لربه؛ وهذا من الكلمات الشرعية؛ وهذا امتحان من أعظم الامتحانات؛ ومن ذلك أن الله امتحنه بأن أوقدت له النار، وأُلقي فيها؛ وهذا من الكلمات الكونية؛ وصبر، واحتسب؛ فأنجاه الله منها، وقال تعالى: ﴿يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]؛ وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر، ومصابرة، أو أمره به فهو داخل في قوله تعالى: ﴿بكلمات﴾. وَاخْتلفُوا فِي قَوْله تعالى: ﴿إِبْرَاهِيم﴾ [البقرة: ١٢٤]، على ثلاثة أوجه من القراءات (١٢): أحدها: ﴿إبرهم﴾، بِغَيْر يَاء وَطلب الْألف، قَرَأَ بها ابْن عَامر، فِي جَمِيع سورة البقرة.

стр. 937

والثاني: ﴿إِبْرَهِيمُ﴾، بالياء، قرأ بها الْقُرَّاء جَمِيعًا. الثالث: ﴿إبرهام﴾، بالألف بعد الهاء، قاله الْأَخْفَش الدِّمَشْقِي عَن ابْن ذكْوَان عَن ابْن عَامر. وذكروا في قوله تعالى: ﴿إِبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قراءتين (١): إحداهما: ﴿إبراهيمُ ربَّه﴾، برفع إبراهيم ونصب ربه. قرأ بها أبو حنيفة، وهي قراءة ابن عباس رضى اللَّه عنه، والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهنّ أم لا؟ والثانية: ﴿إِبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾. وهي القراءة المشهورة. و ﴿إبراهيم﴾ فيه مقدّم في المعنى. قوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: "فأتم إبراهيم الكلمات" (٢). قال الصابوني: أي: " فقام بهن خير قيام" (٣). قال الزمخشري: أي: "فقام بهنّ حق القيام وأدّاهنّ أحسن التأدية من غير تفريط وتوان" (٤). قال المراغي: أي: " فأدّاها خير الأداء، وأتي بها على وجه الكمال" (٥). قال الطبري: "وإتمامه إياهن، إكماله إياهن، بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي الله جل ثناؤه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧]، يعني وفى بما عهد إليه، بـ ﴿الكلمات﴾، بما أمره به من فرائضه ومحنته فيها" (٦). وذكروا في قوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجوها: أحدها: أن معناه: عمل بهن. قاله أبو العالية (٧). الثاني: وفى بهن. قاله الربيع (٨). الثالث: أداهن. قاله قتادة (٩). قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، يعني: إني مصيرك للناس إماما، يؤتم به ويقتدى به" (١٠). قال أبو العالية: " فجعله الله إماما يؤتم ويقتدى به" (١١). وروي عن الحسن وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٢). قال الكلبي: "يعني: يهتدي بهديك وسنتك، فأعجب ذلك إبراهيم! " (١٣). قال الماوردي: "أي: مقصوداً متبوعاً، ومنه إمام المصلين، وهو المتبوع في الصلاة" (١٤). قال المراغي: " أي قال إنى جاعلك للناس رسولا يؤتمّ بك، ويقتدى بهداك إلى يوم القيامة" (١٥).

стр. 938

قال ابن عثيمين: " وهي الإمامة عامة فيمن أتى بعده، فإن النبي ابراهيم-﵇ صار إماماً حتى لخاتم الرسل محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين﴾ [النحل: ١٢٣]؛ و (الإمام) مَن يُقتدى به سواء في الخير، أو في الشر؛ لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير، فإذا قال قائل: أرُونا دليلاً على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون﴾ [القصص: ٤١]، وقول النبي ﷺ : "من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١)؛ وهذا لأنه إمام" (٢). قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، "أي: واجعل من ذريتي إماماً يقتدى به" (٣). قال ابن عطية: " أي ومن ذريتي يا رب فاجعل" (٤). قال الثعلبي: أي: " ومن أولادي أيضا. فاجعل أئمة يقتدى بهم" (٥). قال ابن ابي زمنين: "أي: ومن كان من ذريتي فليكن إماماً لغير ذريتي" (٦). قال البغوي: " أي ومن أولادي أيضا فاجعل منهم أئمة يقتدى بهم في الخير" (٧). قال المراغي: " وقد جرى إبراهيم على سنة الفطرة، فتمنى لذريته الخير في أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم، ولا غرو فالإنسان يرجو أن يكون ابنه أحسن منه في جميع ذلك" (٨). قال أبو العالية: " فقال إبراهيم: يا رب ومن ذريتي يقول: اجعل من ذريتي، من يؤتم به ويقتدى به" (٩). ويحتمل ﴿من﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجهين (١٠): أحدها: أنها لبيان الجنس؛ وبناءً على ذلك تصلح ﴿ذريتي﴾ لجميع الذرية؛ يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة. الثاني: أنها للتبعيض؛ وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إماماً. قال شيخنا ابن عثيمين: "والكلام يحتمل هذا، وهذا؛ ولكن سواء قلنا؛ إنها لبيان الجنس؛ أو للتبعيض؛ فالله تعالى أعطاه ذلك مقيداً بقوله تعالى ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ " (١١). ويحتمل الكلام في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجهين (١٢): أحدهما: أنه دعاء، وإبراهيم طمع في الإمامة لذريته، فسأل الله تعالى ذلك لهم، أي: من ذريتي يا رب فاجعل. الثاني: أنه استفهام، قال ذلك استخباراً عن حالهم، أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيا وظالما لا يستحق الإمامة. وفي أصل (الذرية) قولان (١٣): أحدهما: الأولاد الصغار، مشتق من الذر لكثرته. والثاني: أنها من الذرر، وهو الخلق، فخفف الهمز وأدخل التشديد عوضا عن الهمز كالبرية.

стр. 939

وقرئ ﴿ذريتي﴾، بكسر الذال، وهي لغة، وهي قراءة زيد بن ثابت، و ﴿ذرية﴾ بفتحها وهي قراءة أبي جعفر، و ﴿ذرية﴾، بضمها وهي قراءة العامة (١). قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، يعني: "لا يصيب تعهدي لك بهذا الظالمين" (٢). قال ابن ابي زمنين: " أي: أن أجعلهم أئمة يقتدى بهم" (٣). قال أبو العالية: "يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على حق" (٤). قال ابن عباس: يخبره أي أنه كان في ذريته ظالم لا ينال عهده ولا ينبغي له أن يوليه شيئا من أمره، وإن كانوا من ذرية خليله ومحسن ستنفذ فيه دعوته ويبلغ فيه ما أراب من مسألته" (٥). قال عطاء: " فأبى أن يجعل ظالما إماما" (٦).وروي عن مقاتل نحو ذلك (٧). قال مجاهد: " قال: أما من كان منهم صالحا فسأجعله إماما يقتدى به. وأما من كان منهم ظالما فلا، ولا نعمة عين" (٨). قال ابن كثير: " أي: أجعل من ذريتك إماماً؛ ولكن الظالم من ذريتك لا يدخل في ذلك" (٩). قال المراغي: " أي قال أجبتك إلى ما طلبت، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس، ولكن عهدى بالإمامة لا يناله الظالمون، إذ هم لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس" (١٠). قال الزجاج: " فأَعلم اللَّه إبراهيم أن في ذريته الظالم" (١١). قال البيضاوي: " إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة لأنها أمانة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها، وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم. وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة" (١٢). والوصية تسمى: العهد (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجوه (١٤): احدها: المراد: إنه سيكون في ذريتك ظالمون. وهذا قول مجاهد (١٥). الثاني: المعنى: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقْتَدَى به. وهذا قول مجاهد في رواية ابن أبي نَجِيح عنه (١٦).

стр. 940

الثالث: أن المراد: لا يكون إمام مشرك. قاله سعيد بن جبير (١). والصواب في تفسير قوله تعالى ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أن يقال: لا يصيب تعهدي لك بهذا، الظالمين؛ و ﴿عهدي﴾ فاعل؛ و ﴿الظالمين﴾ مفعول به؛ أي أجعل من ذريتك إماماً؛ ولكن الظالم من ذريتك لا يدخل في ذلك. والله تعالى أعلم. واختلفوا في تفسير (العهد) في قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، على أقوال: أحدها: أنه النبوة، وهو قول السدي (٢). والثاني: أنه الإمامة، وهو قول مجاهد (٣)، وعكرمة (٤). والثالث: أنه الإيمان، وهو قول قتادة (٥)، وإبراهيم (٦). والرابع: أنه الرحمة، وهو قول عطاء (٧). والخامس: أنه دين الله، وهو قول أبي العالية (٨)، والربيع (٩)، والضحاك (١٠). والسادس: أنه الجزاء والثواب (١١). والسابع: أنه لا عهد عليك لظالم أنه تطيعه في ظلمة، وهو قول ابن عباس (١٢). والثامن: أنه طاعته. قاله الضحاك (١٣)، ومقاتل بن حيان (١٤). وأظهر هذه الأقوال قول من قال بأن العهد: الإمامة؛ لأنها المصدر بها في الآية، ولكنها إمامة خاصة وهي الإمامة في الدين لا في الدنيا كما يدل عليه السياق، والواقع بل الأظهر: أنها أخص من ذلك وهي النبوة فإن الأنبياء بعد إبراهيم-﵇-كانوا من ذريته (١٥). والله أعلم. وفي المراد بقوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجوه: أحدها: أنهم المشركون. قاله سعيد بن جبير (١٦)، والسدي (١٧). والثاني: أنهم أعداء الله. قاله الضحاك (١٨). والثالث: أنهم العصاة. كما في ظاهر التنزيل. وهذا قول ابن عباس (١٩)، وروي عن مجاهد (٢٠)، وعطاء (٢١)، ومقاتل بن حيان (٢٢)، نحو ذلك.

стр. 941

وفي قوله تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤، ثلاثة قراءات (١): إحداها: ﴿عهدي الظالمون﴾، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة ابن مصرف. الثانية: ﴿عهدي الظالمين﴾، مرتجلة الياء، وهي قراءة أبي رجاء والأعمش وحمزة. والثالثة: ﴿عهدي الظالمين﴾، بفتح الياء وهي قراءة العامة. قال الزجاج: " والقراءَة الجيّدة هي على نصب ﴿الظالمين﴾؛ لأن المصحف. هكذا فيه، وتلك القراءَة جيدة (بالغة) إلا أني لا أقرأ بها، ولا ينبغي أن يُقْرأ بها لأنها خلاف المصحف" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الله قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه) وكما أنه يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنه قد يبتليهم بأحكام كونية، مثل: مرض، مصائب في المال، أو في الأهل؛ وما أشبه ذلك. ٢ - ومنها: فضيلة إبراهيم ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿ربه﴾ حيث أضاف ربوبيته إلى إبراهيم - وهي ربوبية خاصة -؛ ولقوله تعالى: ﴿فأتمهن﴾؛ ولقوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾. ٣ - ومنها: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾؛ فإنه لما أتمَّهن جوزي على ذلك بأن جُعل للناس إماماً. ٤ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالإمامة، والصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿قال ومن ذريتي﴾؛ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. ٥ - ومنها: أن الظالم لا يستحق أن يكون إماماً؛ والمراد: الظلم الأكبر - الذي هو الكفر -؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾. ٦ - ومنها: أن الظلم ينزل بأهله إلى أسفل سافلين؛ لا يجعلهم في قمة؛ بل ينزلهم إما في الدنيا؛ وإما في الآخرة. ٧ - ومنها: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي ﷺ ألا ينازعوا الأمر أهله، على ما تقدم من القول فيه، فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي ﵃، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج، فاعلمه (٣). ٨ - ومن فوائد الآية: أن كل من كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد. وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض. وقد نص مالك على هذا في الخوارج والبغاة أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجها من الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا، فدل

стр. 942

على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم ... قال ابن خويز منداد: وأما أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن كان مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كلص في يده مال مسروق، ومال جيد حلال وقد وكله فيه رجل فجاء اللص يتصدق به على إنسان فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق، إذا لم يكن شيء معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحا لازما - وإن كان الورع التنزه عنه - وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها وإنما تحرم لجهاتها. وإن كان ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم. ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ويجعل في بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين (١). القرآن ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥] التفسير: واذكر -أيها النبي- حين جعلنا الكعبة مرجعًا للناس، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه، ومجمعًا لهم في الحج والعمرة والطواف والصلاة، وأمنًا لهم، لا يُغِير عليهم عدو فيه. وقلنا: اتخِذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه، وهو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عند بنائه الكعبة. وأوحينا إلى إبراهيم وابنه إسماعيل: أن طهِّرا بيتي من كل رجس ودنس؛ للمتعبدين فيه بالطواف حول الكعبة، أو الاعتكاف في المسجد، والصلاة فيه. وفي سبب نزول الآية، تعددت الروايات على وجوه: أحدها: قال عمر بن الخطاب: "قلت: يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى! فأنزل الله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " (٢). والثاني: وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن جعفر بن محمد عن أبيه، سمع جابرا يحدث عن حجة النبي- ﷺ قال: "لما طاف النبي- ﷺ قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم قال: أفلا تتخذه مصلى. فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ " (٣). وأخرج الفاكهي عن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يطوف فقال: "هذا مقام أبينا إبراهيم"، فقال عمر: أفلا تتخذه مصلى؟ فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ " (٤). الثالث: وحكى الثعلبي عن ابن كيسان قال: "ذكروا أن رسول الله ﷺ مر بالمقام ومعه عمر فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام إبراهيم؟ قال: بلى قال: أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت" (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي: اذكر يا محمد للناس إذ صيّرنا الكعبة مرجعا يثوب الناس إليه، ويرجعون إليه من كل أقطار الدنيا" (٦).

стр. 943

قال الطبري: أي" وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا" (١). قال الصابوني: "أي واذكر حين جعلنا الكعبة المعظمة مرجعاً للناس يقبلون عليه من كل جانب" (٢). قال المراغي: " أي واذكروا حين أن جعلنا البيت الحرام مرجعا للناس يثوبون إليه للعبادة، ويقصدونه لأداء المناسك فيه، وجعلناه أمنا لاحترام الناس له وتعظيمهم إياه بعدم سفك دم فيه، حتى كان يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرّض له بسوء ونحو الآية قوله في سورة العنكبوت: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] " (٣). قال البيضاوي: أي: " مرجعاً يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره" (٤). قال السعدي: " أي: مرجعا يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وطرا" (٥). و﴿البيت﴾: اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا (٦). وفي ﴿البيت﴾ في الآية قولان: أحدهما: أنه الكعبة، وإلى ذلك ذهب زيد بن أسلم (٧). واختاره القرطبي (٨)، وابن الجوزي (٩)، والواحدي (١٠)، والبغوي (١١)، وابن عطية (١٢)، وعزاه أبو حيان لجمهور المفسرين (١٣)، ويشهد له قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]. الثاني: أنه الحرم كله؛ لأنه تعالى وصفه بكونه (آمِنَاً) وهذه صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط. قاله الرازي (١٤). والقولان محتملان، والثاني أولى لما ذكره الرازي وأبو حيان، والله أعلم. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثلاثة أوجه: أحدها: مجمعاً، لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة. وهذا قول سعيد بن جبير (١٥)، وروي عن عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة (١٦)، نحو ذلك (١٧). والثاني: معاذاً للناس. قاله ابن عباس (١٨).

стр. 944

ووجهه أن الناس يثوبون إلى البيت عائذين به وملتجئين إليه لكونه كما قال الله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله-سبحانه-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أو أنهم يثوبون إليه عائذين بالله- -من ذنوبهم وملتجئين إليه من معاصيهم، لأنه لا ملجأ منه-سبحانه-إلا إليه. والثالث: مرجعاً، من قولهم قد ثابت العلة إذا رجعت، ومنه قيل: ثاب إليه عقله، إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه. وهذا قول ابن عباس (١)، وروي عن أبي العالية (٢)، وسعيد بن جبير في إحدى روايته (٣)، وعطاء (٤) ومجاهد (٥)، والحسن (٦)، وعطية (٧)، والربيع بن أنس (٨)، والسدي (٩)، وابن زيد (١٠)، والضحاك (١١)، وعبدة بن أبي لبابة (١٢)، نحو ذلك (١٣). ومن ذلك قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم (١٤): مثابا لأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الطلائح وأكثر المفسرين قد فسروا لفظ ﴿مَثَابَةً﴾ بما وضع له لغة، فقالوا معناه: مرجعا (١٥). والقول الثاني أولى بأن يحمل عليه كلام ابن عباس، لأن في الآية بعد ﴿وَأَمْنًا﴾، ولو حملت على الوجه الأول لكانت ﴿وَأَمْنًا﴾ للتأكيد، والتأسيس خير منه، وأيضاً فإن العطف يقتضي المغايرة.

стр. 945

وكل هذه الأقوال على أن مثابة: من ثاب يثوب إذا رجع وهو الأظهر، وفسرها عطاء على أنها من الثواب: الذي هو الجزاء، والمعنى: على أن البيت موضع ثواب يثاب فيه الناس بحجهم واعتمارهم فيه (١). وفي رجوعهم إليه وجهان (٢): أحدهما: أنهم يرجعون إليه المرة بعد المرة. وهذا قول الجمهور (٣). والثاني: أنهم في كل واحد من نُسُكَيَ الحج والعمرة يرجعون إليه من حل إلى حرم؛ لأن الجمع في كل واحد من النسكين بين الحل والحرم شرط مستحق. وقد اختلف أهل اللغة في (المثابة) في السبب الذي من أجله أنثت على قولين (٤): أحدهما: أن (الهاء) ألحقت في (المثابة)، لما كثر من يثوب إليه، كما يقال: (سيارة)، لمن يكثر ذلك، (ونسابة). وهو قول بعض نحويي البصرة. والثاني: أن (المثاب) و (المثابة) بمعنى واحد، نظيرة (المقام) و (المقامة)، و (المقام)، ذكر - على قوله - لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت (المقامة)، لأنه أريد بها البقعة، وأنكر هؤلاء أن تكون (المثابة) كـ (السيارة)، و (النسابة)، وقالوا: إنما أدخلت الهاء في (السيارة) و (النسابة)، تشبيها لها بـ (الداعية). وهذا قول بعض نحويي الكوفة. وقرأ الأعمش: ﴿مثابات﴾ على الجمع، لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾، فيحتمل أن يكون من الثواب، أي يثابون هناك (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي وجعلناه أمناً للناس" (٦). قال ابن عثيمين: "أي مكان أمن يأمن الناس فيه على دمائهم، وأموالهم، حتى أشجار الحرم، وحشيشه آمن من القطع" (٧). قال الحافظ ابن حجر (٨): " أي: موضع آمن (٩)، وهو كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] والمراد ترك القتال فيه (١٠). قال ابن عطية: " معناه: أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي آمنة من ذلك، يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه، لأن الله تعالى جعل لها في النفوس حرمة وجعلها أمنا للناس والطير والوحوش" (١١).

стр. 946

قال الطبري: "وإنما سماه الله (أمنا)، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه، وكان كما قال الله جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] " (١). وقد روي عن ابن زيد في قوله: " ﴿وأمنا﴾ قال، من أم إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له" (٢). وعن الربيع: " قوله: ﴿وأمنا﴾، يقول: أمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن" (٣). وعن السدي: أما ﴿أمنا﴾، فمن دخله كان آمنا" (٤). وقال مجاهد: "تحريمه، لا يخاف فيه من دخله" (٥). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٦). قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي وقلنا لهم اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" (٧). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، على أقوال (٨): أحدها: أن ﴿مقام إبراهيم﴾، هو الحج كله. وهو قول ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، وعطاء (١١)، والشعبي (١٢). الثاني: أنه عرفة والمزدلفة والجمار. وهو قول عطاء بن أبي رياح (١٣)، وروي عن ابن عباس (١٤)، مجاهد (١٥)، والشعبي (١٦)، نحو ذلك. الثالث: أنه الحرم كله (١٧). وهو قول مجاهد (١٨)، والنخعي (١٩)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح (٢٠) عن ابن عباس (٢١).

стр. 947

الرابع: إن المراد بالمقام إنما هو (الحَجَرُ) الذي كان إبراهيم ﵇، يقوم عليه لبناء الكعبة، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢). ثم هؤلاء ذكروا وجهين (٣): أحدهما: هو الحجر الذي قام عليه حين رفع بناء البيت (٤)، وهو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه (٥)، وروي عن جابر وقتادة وسعيد بن جبير. نحو ذلك (٦). إذ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، ﵇، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية (٧): ومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا (٨). وثانيهما: وقيل: بل هو الذي وضعته زوج إسماعيل لإِبراهيم حيث غسلت رأسه وهو راكب. وهو قول السدي (٩)، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس (١٠). وقال ابن جبير ناقداً هذا القول: "ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه" (١١).

стр. 948

خامسا: وقال آخرون: بل ﴿مقام إبراهيم﴾، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. قاله قتادة (١)، والربيع (٢)، والسدي (٣). والراجح: أن المقام هو (الحجر) (٤) لما يعضده هذا القول من الأخبار، إذ ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ وعليه أكثر أهل العلم. وقد ثبت دليله عند مسلم (٥) (٦) من حديث جابر (٧)، وعند البخاري أيضاً (٨). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، على قولين (٩): أحدهما: مَدْعَى يَدْعِي فيه، وهو قول مجاهد (١٠). وهؤلاء وَجَّهوا (المصَلَّى) إلى أنه (مُفَعَّل)، من قول القائل: (صليت) بمعنى دعوت، وقائلوا هذا القول، هم الذين قالوا: إن مقام إبراهيم هو الحج كله. ومعنى الآية على هذا القول: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار، وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مَدَاعِيَ تدعوني عندها، وتأتمون بإبراهيم خليلي ﵇ فيها، فإني قد جعلته لمن بعده - من أوليائي وأهل طاعتي - إماما يقتدون به وبآثاره، فاقتدوا به. والثاني: أنه مصلى يصلي عنده، وهو قول قتادة (١١)، والسدي (١٢)، والحسن البصري (١٣). والقول الثاني هو الراجح، لما يسنده من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ (١٤). والله تعالى أعلم. قال الشيخ السعدي: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، يحتمل أن يكون المراد بذلك، المقام المعروف الذي قد جعل الآن، مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا، ركعتا الطواف، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم، وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر

стр. 949

كلها: من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، ومزدلفة ورمي الجمار والنحر، وغير ذلك من أفعال الحج، فيكون معنى قوله: ﴿مُصَلًّى﴾ أي: معبدا، أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى، لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له" (١). واختلفت القرأة في قراءة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ على وجهين (٢): أحدهما: ﴿وَاتَّخذُوا﴾، بكسر (الخاء)، على وجه الأمر باتخاذه مصلى، قرأ بها ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي. وفي توجيه قراءة الجمهور أربعة أقوال: أحدها: أنه معطوف على ما تضمنه قوله: ﴿مَثَابَةً﴾ كأنه قال: ثوبوا واتخذوا (٣). الثاني: أنه معمول لمحذوف أي: وقلنا اتخذوا (٤). الثالث: أن يكون الواو للاستئناف (٥). الرابع: أن قوله ﴿وَاتَّخذُوا﴾ معطوفة على ﴿اذكُرُوا﴾ [لبقرة: ١٢٢]، إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا، ولم يرتضِ هذا الوجه الطبري (٦)، واستبعده أبو حيان (٧). والثاني: ﴿وَاتَّخذُوا﴾ بفتح (الخاء) على وجه الخبر. وهي قراءة نافع وابن عامر. ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله: (واتخذوا) إذ قرئ كذلك، على وجه الخبر، وذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه معطوف على تقدير (إذ)، كأنه قال: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، [وإذ] اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. قاله بعض نحويي البصرة (٨). والثاني: أنه معطوف على قوله: (جعلنا)، فكان معنى الكلام على قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس، واتخذوه مصلى. وهو قول بعض نحويي الكوفة (٩). فعلى الأول الكلام جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان. والثالث: وقيل: على محذوف تقديره: فثابوا، أي: رجعوا واتخذوا (١٠) والراجح في القراءة: (واتخذوا) بكسر (الخاء)، على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، للخبر الثابت عن رسول الله ﷺ ، عن أنس بن مالك قال، قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى! فأنزل الله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " (١١). قال الحافظ ابن حجر: "والجمهور (١٢) على كسر الخاء من قوله: (وَاتَّخِذُوا) بصيغة الأمر" (١٣).

стр. 950

قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي: ووصينا إبراهيم وإسماعيل" (١). قال البيضاوي: أي: " أمرناهما" (٢). قال المراغي: " أي ووصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من كل رجس معنوى كالشرك بالله وعبادة الأصنام، أو رجس حسى كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء العبادات كالطواف به والسعى بين الصفا والمروة والعكوف فيه والركوع والسجود" (٣). قال أهل العلم: "وفي الآية إيماء إلى أن إبراهيم كان مأمورا هو ومن بعده بهذه العبادات، ولكن لا دليل على معرفة الطريق التي كانوا يؤدونها بها، وسماه الله بيته لأنه جعله معبدا للعبادة الصحيحة، وأمر المصلين بأن يتوجهوا في عبادتهم إليه" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنآ إِلى إبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، تأويلان (٥): أحدهما: أي أَمَرْنَا. وهذا قول ابن جريج (٦)، وابن زيد (٧). والثاني: أي أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل (٨). و﴿َإِسْمَاعِيل﴾: هو ابن إبراهيم؛ وهو أبو العرب؛ وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني: هو الذي أمر الله إبراهيم أن يذبحه؛ وهو الذي قال لأبيه: ﴿يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ وقول من قال: (إنه إسحاق) بعيد؛ وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل: لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه أبو العرب عمهم؛ ولكن من تأمل آيات «الصافات» تبين له ضعف هذا القول. قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي أمرناهما بأن يصونا البيت من الأرجاس والأوثان" (٩). قال صاحب الكشاف: أي "طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم" (١٠). قال أبو السعود: " أي أمرناهما أمراً مؤكداً" (١١). قال البيضاوي: " يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه" (١٢). قال القاسمي: " أي عن كل رجس حسيّ ومعنويّ: فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع. أو ابنياه على طهر من الشرك بي. كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
следующие страницы →